← Общие книги

Общие книги · id 6523

أعلام وأقزام في ميزان الإسلام

سيد حسين العفاني

Полный текст (1 176 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

ـ[أعلام وأقزام في ميزان الإسلام]ـ جمع وترتيب: أبو التراب سيد بن حسين بن عبد الله العفاني الناشر: دار ماجد عسيري للنشر والتوزيع، جدة - السعودية الطبعة: الأولى، ١٤٢٤ هـ - ٢٠٠٤ م عدد الأجزاء: ٢ [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو مذيل بالحواشي]

стр. 2

أعلام وأقزام في ميزان الإسلام جمع وترتيب الدكتور سيد بن حسين العفّاني الجزء الأول الناشر دار ماجد عسيري للنشر والتوزيع السعودية - جدة - هاتف ٦٦٣١٤٠٣ فاكس ٦٦٥٧٥٢٩ جوال ٠٥٤٣٤٦١٥١

стр. 3

مقدمة

стр. 4

مقدمة إن الحمد لله، نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهد الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٢]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء: ١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٧٠) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا (٧١)﴾ [الأحزاب: ٦٩ - ٧١]. أما بعد: فزماننا هذا زمان تنطق فيه الرويبضة (١)، ويعلو التحوتُ الوعول فعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ . " إنها ستأتي على الناس سنون خداعة، يصدق فيها الكاذب، ويكذب فيها الصادق، ويؤتمن فيها الخائن، ويخون

стр. 5

فيها الأمين، وينطق فيها الرُّويبضة " قيل: وما الرويبضة؟ قال: " السفية يتكلم في أمر العامة " (١). * وعن أبي هريرة ﵁ قال: " من أشراط الساعة .. أن يعلو التحوتُ الوعول " أكذلك يا عبد الله بن مسعود سمعته من حبِّي؟ قال: نعم ورب الكعبة. قلنا وما التُّحوت؟ قال: " فسول الرجال، وأَهل البيوت الغامضة، يُرفعون فوق صالحيهم، والوعول أهل البيوت الصالحة " (٢). حينئذ تتحول الحياة إلى مستنقع آسن، وترتكس الدجاجلة ومعهم الغوغاء في الحمأة الوبيئة، وفي الدرك الهابط، وفي الظلام البهيم، ويعلو أهل الله بمرتعهم الذكي، ومرتقاهم العالي، ونورهم الوضيء، فعيشهم عيش الملوك، بل أحلى، ودينهم دين الملائكة. أي شيطان لئيم قاد خطا الجموع الشاردة عن منهج الله إلى هذا الجحيم. لقد فسدت الأرض بالبعد عن الإسلام، وأسنت الحياة، وتعفنت قيادات الفكر من العمالقة الدجاجلة، والقمم الشامخة الزائفة، وذاقت البشرية الويلات من قيادات الفكر المتعفنة و " ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس "، وكانت النكبة القاصمة لما نُحِّي الإسلام عن الحياة، وتطاول عليه الرعاع والغوغاء ممن يسمونهم قادة الفكر وأعلام الأدب

стр. 6

والصحافة وأهل الحداثة من التنويريين الإرهابيين التقدميين أعداء الإسلام الظلامي الذين تطاولوا على الله وسخروا من دينهم وأنكروا وتنكروا لكل معلوم من الدين بالضرورة، وارتفعت لهم راية وصوت، ونجحت عصابة المضللين الخادعين أعداء البشرية. ارتقوا -كما يزعمون- في الإبداع المادي، وارتكسوا في المعنى الإنساني وذاق الغافلون على أيديهم القلق والحيرة والضياع، والشك. عناد وجحود فكانت الشقوة النكدة، والخواء القاتل، والضياع الذي ما بعده ضياع. جهل الدجاجلة من القمم الشوامخ وروّاد الفكر أن هذه البشرية -وهي من صنع الله- لا تفتح مغاليق فطرتها إلا بمفاتيح من صنع الله، ولا تعالج أمراضها وعللها إلا بالدواء الذي يخرج من يده سبحانه، وقد جعل الله في الإسلام مفاتيح كل مغلق، وشفاء كل داء ﴿وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين﴾. * وقال تعالى: ﴿إِن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم﴾ ولكن هؤلاء لا يريدون أن يردوا القفل إلى صانعه .. بل تطاولوا على هدي الإسلام وتطاولوا على الوحي المنزل من السماء، وتطاولوا على رسول الله ﷺ وعلى سنته وشريعته، وتطاولوا على تاريخ الإسلام والصحابة، ووجهوا وجهتهم قبل الغرب. يرمرم في فتات الغرب قوتًا ... ويشرب من كئوسهم الثمالة يقبل راحة الإِفرنج دومًا ... ويلثم دونما خجلٍ نعاله وأتى شعرهم وأدبهم بكل قبيح وبكل رذيلة وبكل دمار. ومن الغرائب أن هذا رائج ... تغدو به صحف النفاق وترجعُ

стр. 7

وله من العشاق ألف قبيلةٍ ... وله من الأبواق جيشٌ مقزِغُ يجثو بأحضان الكبار مؤرَّباً ... وإذا مَشَوْا أومت إِليه الأصْبُعُ إِن شرَّقوا فالشرق أقدس قِبْلةٍ ... أو غرّبوا فالغرب نعم الموضعُ يجري مع التيار يعرف طبْعَه ... وعلى لحون العازفين يُوَقِّعُ يمضي إِلى المأوى الحرام مُلَبِّيًا ... ويَؤُمُّ حانات المساء ويكرَعُ هل يستوي الشعران: شعر مؤمن ... ومدجج بالكفر لا يتورَّعُ؟! هل يستوي البحران هذا ماؤه ... عذب وذاك الآسن المُستنقع؟! (١) ولله در العشماوي حين يقول فيهم: كم شاعر جعل الإِلحاد منهجه ... تواثبوا نحوه بالشوق واعتنقوا ساروا وفي دربهم وحلٌ فإِن وقفوا ... غاصوا وإن حرّكوا أقدامهم زلقوا أبناء جلدتنا لكنهم هجروا ... وأهل ملتنا لكنهم مَرَقُوا (٢) لقد مسخوا عقل الأمة وضميرها وفكرها ويومها ومستقبلها وأضاعوا شباب الأمة ووقعوا في التيه الكبير .. لقد قالوا في الإسلام ونبيه ﷺ ما يستحي منه كبار الشياطين وزعموا أن الأديان من نبت الأرض، وأن القرآن من عند محمد ﷺ وأرادوا فصل الإسلام ومنهجه عن الحياة فصلاً تامًا، فتصدت لهم الأقلام المتوضئة. كتائب الأحرف البيضاء قادمة ... يزفُّها قلم يزهو به ورقُ صهيله قلم يُصغي الزمان له ... ونقعه لحجاب الشمس يخترق وسرجه كلمات لا يخالطها ... زيف ولا يرتمي في حضنها نزقُ

стр. 8

مسافر والأماني البيض لاهثة ... وراءه وبحار الشوق تصطفِقُ * وهذا لون من أشرف أنواع الجهاد قال الله تعالى لنبيه: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِير﴾ [التحريم: ٩]. فلا يترك دجاجلة الفكر، والعناصر المفسدة الجائرة الظالمة تهاجم إله الكون والإسلام والشرع من داخل مجتمع المسلمين دون أن يتصدى لهم أهل الله -وحواريو الرسول ﷺ الذين يذبون عن الوحي والسنة .. فهذا أخص أنواع الجهاد، فجهاد الكفار بالسيف والسنان، وجهاد الزنادقة والذين يطعنون في الإسلام يكون بالقلم واللسان، وهو جهاد الخاصة يردون الشبه في وجوه الكالحين الكارهين للإسلام الكريهين، المبغضين للإسلام البغيضين .. الفاسدين المفسدين قال تعالى عن القرآن: ﴿وجاهدهم به جهادًا كبيرًا﴾ فاللهم اكتب لنا بجمعنا هذا نصيبًا من هذ الجهاد وارزقنا فيه النية الصادقة. إن هذا الجمع لسحق كل نابح ناعق يتطاول على الإسلام، ولسحق كل حية وأفعى تبث السم في الدسم، ولفضح كل دجال وكل مهرج من الحواة. نعلم أن الرفعة كل الرفعة في اتباع هدي نبينًا ﷺ وأن الذلة كل الذلة في المحادة لله ورسوله وإن قال عنهم الناس أنهُم القمم الشوامخ وعمالقة الأدب والفكر وأساتذة الأجيال وعرّابو الحداثة والقوِمية والشعوبية قال تعالى: ﴿إِن الَّذِينَ يُحَادّونَ اللهَ وَرَسولَهُ كبُِتُوا كمَا كُبِتَ الَذِين مِن قَبلِهِم .. ﴾ الآية إلى قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ فِي الْأَذَلِّينَ﴾ [المجادلة: ٥: ٢٠]. فلكل محاد كبت وقهر وذل ومهانة جزاء التبجح والجحود - وهذا وعد الله الصادق الذي كان والذي لا بد أن يكون على الرغم مما قد يبدو أحيانًا من الظاهر الذي يخالف الوعد الصادق.

стр. 9

إن المؤمن لا يخالجه شك في أن وعد الله هو الحقيقة الكائنة التي لا بد أن تظهر في الوجود، وأن الذين يحادون الله ورسوله هم الأذلون وأن الله ورسوله هم الغالبون. وأن هذا هو الكائن ولا بد أن يكون، ولتكن الظواهر غير هذا ما تكون! .. هذا في الدنيا أما في الآخرة فعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "إنه ليأتي الرجل العظيم السمين ثم يوم القيامة لا يزن عند الله جناح بعوضة" (١) اقرءوا إن شئتم: ﴿فلا نقيم لهم يوم القيامة وزنا﴾. هؤلاء الذين تكبروا على الله ورسوله وشرعه مآلهم كما ورد عن عبد الله بن عمرو ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ﴿يُحشر المتكبرون يوم القيامة أمثال الذرِّ في صور الرجال يغشاهم الذل من كل مكان، يُساقون إلى سجن في جهنم يُسمّى بولس، تعلوهم نار الأنيار، يُسْقَوْن من عصارة أهل النار، طينة الخبال" (٢). فيا أمثال الذر اخسئوا فلن تعدوا قدركم. يا من تزدحم أنفسكم باللدد والخصومة لله ورسوله وشرعه مهما أتقنتم الدجل والكذب والتمويه والدهان فإن الله سيفضح نياتكم وسيراها الناس في محيا وجوهكم .. إن الناس فترة من الزمان خدعها منكم زلاقة اللسان، ونعومة الدهان ثم كشف الله ما تخفي سرائركم، وما عاد الناس ينخدعون بظواهركم بعد أن ثاب الناس إلى ربهم وعادوا وتمسكوا بهدي نبيهم. * قال تعالى: ﴿أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَابِيًا وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللهُ

стр. 10

الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللهُ الْأَمْثَالَ﴾ [الرعد: ١٧] هذا هو وحي السماء إن الماء لينزل من السماء فتسيل به الأودية، وهو يلم في طريقه غثاء، فيطفو على وجهه في صورة الزبد حتى ليحجب الزبد الماء في بعض الأحيان، هذا الزبد نافش راب منتفخ .. ولكنه بعد غثاء .. والماء من تحته سارب ساكن هادئ .. ولكنه هو الماء الذي يحمل الخير والحياة، .. كذلك يقع في المعادن التي تذاب لتصُاغ منها حلية كالذهب والفضة، أو آنية أو آلة نافعة للحياة فإن الخبث يطفو، وقد يحجب المعدن الأصيل، ولكنه بعدُ خبث يذهب ويبقى المعدن في نقاء .. ذلك مثل الحق والباطل في هذه الحياة، فالباطل يطفو ويعلو وينتفخ ويبدو رابيًا طافيًا ولكنه بعد زبد أو خبث، ما يلبث أن يذهب جفاء مطروحًا لا حقيقة له ولا تماسك فيه .. والحق يظل هادئًا ساكنًا، وربما يحسبه بعضهم قد انزوى أو غار، أو ضاع أو مات .. ولكنه هو الباقي في الأرض كالماء المحيي والمعدن الصريح ينفع الناس. كذلك يضرب الله الأمثال، وكذلك يقرر مصائر الدعوات، ومصائر الاعتقادات ومصائر الأعمال والأقوال. * قال تعالى: ﴿أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [الرعد: ١٩]. فالعمى عمى البصيرة، وانطماس المدارك، واستغلاق القلوب، وانطفاء قبس المعرفة في الأرواح. إنه ليس أشقى على وجه الأرض من هؤلاء الدجاجلة الذي حُرموا طمأنينة الأنس بالله، ليس أشقى ممن ينطلق في هذه الأرض مبتوت الصلة بما حوله في الكون؛ لأنه انفصم من العروة الوثقى التي تربطه بما حوله في الله

стр. 11

خالق الكون. ليس أشقى ممن يعيش لا يدري لم جاء؟ ولم يذهب؟ ليس أشقى ممن يسير في الأرض يوجس من كل شيء خيفة، يشق طريقة في الحياة فريدًا وحيدًا شاردًا في فلاة بعد أن بعد عن هدي السماء. * قال تعالى: ﴿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾ [الإسراء: ٨١]. جاء الحق بقوته وصدقه وثباته، وزهق الباطل واندحر وذهب الدجاجلة من أساتذة الجيل الزائفين إلى مزابل التاريخ، فمن طبيعة الصدق أن يحيا ويثبت، ومن طبيعة الباطل أن يتوارى ويزهق. إنها حقيقة لدنية ﴿إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾ وإن بدا للنظرة الأولى أن للباطل صولة ودولة، فالباطل ينتفخ وينتفج وينفش؛ لأنه باطل لا يطمئن إلى حقيقة، ومن ثم يحاول أن يموه على العين، وأن يبدو عظيمًا كبيرًا ضخماً راسخًا، ولكنه هش سريع العطب، كشعلة الهشيم ترتفع في الفضاء عاليًا ثم تخبو سريعاً وتستحيل إلى رماد؛ بينما الجمرة الذكية تدفئ وتنفع وتبقى، وكالزبد يطفو على الماء ولكنه يذهب جفاء ويبقى الماء. * قال تعالى: ﴿إِنَّ الْبَاطِلَ كانَ زَهُوقًا﴾ .. لأنه لا يحمل عناصر البقاء في ذاته، إنما يستمر حياته الموقوتة من عوامل خارجية وأسناد غير طبيعية؛ فإذا تخلخلت تلك العوامل، ووهت هذه الأسناد تهاوى وانهار، فأما الحق فمن ذاته يستمد عناصر وجوده، وقد تقف ضده الأهواء والظروف والقوى، ولكن ثباته واطمئنانه يجعل له العقبى، ويكفل له البقاء؛ لأنه من عند الله الذي جعل " الحق " من أسمائه وهو الحي الباقي الذي لا يزول. * قال تعالى: ﴿إِن الباطِلَ كانَ زَهُوقًا﴾ ومن ورائه شياطين الإنس والجن، فوعد الله أصدق وسلطان الله أقوى، وما من مؤمن ذاق طعم

стр. 12

الإيمان، إلا وذاق معه حلاوة الوعد، وصدق العهد، ومن أوفى بعهده من الله؟ ومن أصدق من الله حديثًا؟ وفي القرآن والإسلام شفاء ورحمة، شفاء من الوسوسة والقلق والحيرة، فهو يصل القلب بالله، فيسكن ويطمئن، ويرضى فيستروح الرضا من الله والرضا عن الحياة؛ والقلق مرض، والحيرة نَصَب، والوسوسة داء، ومن ثم فهو رحمة للمؤمنين. وفي الإسلام شفاء من الاتجاهات المختلة في الشعور والتفكير ممن سنعرض نماذج منهم شطوا وبالغوا في شططهم وشطحهم، وهم في الدنيا مغلوبون من أهل هذا القرآن .. مغلوبون من أهل الله قال ﷺ : "إن الله يرفع بهذا الكتاب أقوامًا ويضع به آخرين" (١). والمسلم ذو نسب عريق، ضارب في شعاب الزمن، وعقيدة الإسلام هي وطنه وهي قومه، وهي أهله، ومن ثم يتجمع الطيبون الطاهرون القانتون العابدون عليها وحدها، لا على أمثال ما تتجمع عليه البهائم من كلأ ومرعى وقطيع وسياج. إن المسلم واحد من ذلك الموكب الكريم الذي يقود خطاه ذلك الرهط الكريم: نوح وإبراهيم وإسماعيل وإسحاق، ويعقوب ويوسف وموسى وعيسى ومحمد عليهم الصلاة والسلام ﴿وإِن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاتقون﴾. * ويبقى الميزان الدقيق للإيمان في النفوس قال تعالى: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ

стр. 13

جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولَئِكَ حِزْبُ اللهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [المجادلة: ٢٢]. فلله در من وقف تحت راية الحق والعقيدة .. لا نسب ولا صهر، ولا أهل ولا قرابة، ولا وطن، ولا جنس، ولا عصبية ولا قومية .. وإنما الإسلام والإسلام فقط " إنه الإسلام أمي وأبي " حين تكون المحادة لله ولرسوله تنبتُّ كل الوشائج من أرض وجنس ووطن ولون وعشيرة ونسب وصهر إذا انبتت الوشيجة الأولى وشيجة الإسلام .. فالولاء لله ولرسوله .. وما نرضى بغير كتابة الإيمان من الرحمن فى قلوب اشتاقت إلى الأنهار والجنان وقد ذكرت في جمعي رموزًا وعمالقةً وقممًا زائفة منهم من تزندق وتطاول وأتى بالكفر البيّن، ومنهم من انحرف عن الجادة كثيرًا، ومنهم من خلط عملاً صالحًا وآخر سيئًا وهو بهذا الخلط يموه على عوام المسلمين فأغلظنا القول لمن تزندق ومرق غيرة على ديننا فهو أحب إلينا من ذواتنا من ذواتنا. أدافع عن دين عظيم وهبته ... عطاء مُقِلٍّ مهجتي وفؤاديا نحمله في شغاف قلوبنا وحبات أعيننا نشرف بحمله. وقد بينت في جمعي هذا زيف الدجاجلة، وبسطنا القول في بيان باطلهم والرد عليهم مما جمعناه وأطلنا فيه النفس من الغيورين على دينهم كالأستاذ أنور الجندي الذي يحتوي جمعي هذا الكثير والكثير من ترجمته لأهل الباطل والرد عليهم وعزوت إليه كلامه، فإن من بركة العلم عزوه إلى قائله، ﵀ وشكر الله له وقد قال رسول الله ﷺ : "من لم يشكر الناس لم يشكر الله" (١).

стр. 14

وهناك وقفة هامة لا بد من بيانها أنا لا نقطع لمعين من المسلمين بالنار إلا من حدده الشارع وأن هناك فرق كبير بين كفر النوع وكفر العين، وأنه ليس من قصد الحق كمن تعمّد قصد الباطل- فمن بين هذه التراجم من يصدق عليهم القول ﴿هم العدو فاحذرهم﴾ وهناك منهم من دافعوا عن الإسلام في بعض الميادين وتصدوا لشانئيه ولكنهم في ميدان آخر شطوا فكان لا بد من بيان خطئهم كمحمد عبده، والعقاد، ومحمد عمارة، ومحمد إقبال .. وعسى أن يمتد العمر بالمرء فيضعهم كلهم في هذا الفصل "إسلاميون ولكن" فالله وحده يعلم في أي ظرف يخرج هذا الكتاب. ولقد أحلنا على المراجع قدر الطاقة وأقسم بالله أني ما أتيت بكلمة إلا من كلام الثقات وأحلت إلى المصادر مثل ترجمة عرابي فقد ذكرت مواقفه الموجودة في ثبت المصادر والمراجع كقول الشيخ محب الدين الخطيب والدكتور محمد محمد حسين والشيخ الجنبيهي وهو من كبار علماء الأزهر .. اللهم وأنت العليم بالنيات .. أجعل هذا العمل وهذا الجمع كله خالصاً لوجهك الكريم فما كان لك يا مولاي سيبقى وما كان لغيرك يضمحل ويفنى. اللهم وارزقني ثواب المجاهدين الذين يذبون عن شرعك ودينك وارزقني الغيرة على إسلامك وهدي نبيك ﷺ . اللهم استرني بالعافية، واعصمني بهدي نبيك، اعصمني واحرسني بعينك التي لا تنام. يا حي يا قيوم برحمتك استغيث فأصلح لي شأني كله ولا تكلني إلى نفسي طرفة عين .. اللهم إني أسألك باسمك الأعظم الذي إذا دعيت به أجبت. اللهم إني أسألك بأن لك الحمد لا إله إلا أنت المنان بديع السموات

стр. 15

والأرض يا ذا الجلال والإكرام يا حي يا قيوم. اللهم صل على محمد وآله وارزقني أفضل الشهادة في سبيلك، وارزقني أعالى الجنان وجوار نبيك ﷺ واجعل لي في قلوب المؤمنين ودا ولا تجعل الحياة علي نكدا .. اللَّهم اجعل كل أنفاسي وقفًا على الذب عن دينك، واحفظني بالإسلام واقفًا، واحفظني بالإسلام قاعداً، واحفظني بالإسلام راقدًا، ولا تشمت بي عدواً حاسدًا. اللهم يا ولي الإسلام وأهله مسكني بالإسلام حتى ألقاك عليه. اللهم إني أسالك لذة العيش بعد الموت وحسن النظر إلى وجهك الكريم وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين. وكتبه العفاني ***

стр. 16

هم العدو فاحذرهم

стр. 17

هم العدو فاحذرهم * هم العدو فاحذرهم: لا بد من إعادة النظر في تقويم الرجال من منظور الإسلام، والإسلام فقط، لا نريد أن ننقص من قدر أحد، ولكننا كما يقول الدكتور محمد محمد حسين ﵀: "لا نريد أن تقوم في مجتمعنا أصنام جديدة معبودة لأناس يزعم الزاعمون أنهم معصومون من كل خطأ، وأن أعمالهم كلها حسنات لا تقبل القدح والنقد، حتى إن المخدوع بهم والمتعصِّب لهم والمروِّج لآرائهم ليهيج ويموج إذا وصف أحد الناس إمامًا من أئمتهم بالخطأ في رأي من آرائه، في الوقت الذي لا يهيجون فيه ولا يموجون حين يوصفُ أصحابُ رسول الله ﷺ بما لا يقبلون أن يوصف به زعماؤهم المعصومون" (١). إن ضرب أسوار القداسة حول الكبار -كما يقولون- أخطأوا أم أصابوا إنما هو خيانة فكرية للأمة بأسرها وتزييف لهالات التقديس التي يُحاطون بها من حملة القماقم أو خبثاء الطوايا، وهذا ما يؤدي حتمًا إلى إعادة فتح الملفات فور زوال العمى عَن البصائر وبمجرد انحسار هالات المجد التي كان يعيشها الكبار من قبل. إن الرجل يستطيع أن يُعَمي على من في الأرض ولكن لا يستطيع أن يعمي على مَلِك الملوك .. ومن هتك الستر الذي بينه وبين الله هتك الله الستر بينه وبين المخلوقين وكشف للناس عواره، ومن خان أول منعم عليه

стр. 18

وهو الله يخون أمته بأسرها، فلزام على الأقلام المتوضئة أن تبيّن دجل هذه القمم وعوارهم وغشهم لأمتهم، ونقول لكل من يحاول الرفع من شانهم ﴿ها أنتم هؤلاء جادلتم عنهم في الحياة الدنيا فمن يجادل الله عنهم يوم القيامة﴾. * محمد علي باشا مؤسس العلمانية بمصر الحديثة: " كتب الشيخ محمد عبده في المنار ١٩٠٢/ ١٣٢٢ هـ بمناسبة مرور مائة سنة على تأسيس ملك هذه الأسرة قال: إن لمحمد علي ثلاثة أعمال كبيرة كان كل منها موضع خلاف نافعًا كان أو ضارًّا بالمسلمين في سياستهم العامة: ١ - تأسيس حكومة مدنية في مصر (أي علمانية) كانت مقدمة لاحتلال الأجانب لها. ٢ - قتاله للدولة العثمانية بما أظهر به للعالم كله ولدول أوربا خاصة ضعفها وعجزها وجرّأهم على التدخل في أمور سياستها. ٣ - مقاتلة الوهابية والقضاء على ما نهضوا به من الإصلاح الديني في جزيرة العرب مهد الإسلام ومعقله. * وكتب الشيخ محمد عبده في العدد التالي مقالة بإمضاء مؤرخ قال: هذا يعني أن محمد عبده ومدرسته لا ينسون مساوئ محمد علي في نسخ الأحكام الشرعية وإعلانه -العلمانية- في مصر، وهو أول من تجرأ في العالم الإسلامي على استبدال القوانين الأوربية بالشريعة الإسلامية، ولا ينسون قتاله لخليفة المسلمين مما يعد حَرابة، ولا ينْسون قضاءه على دولة السعوديين العربية المسلمة المُصلحة السلفية، ولا ينْسون أن (توفيقًا) هو الذي تآمر على ثورة عرابي واستدعى الانجليز لاحتلال مصر واحتمى بجيشهم .. " (١).

стр. 19

قال الشيخ محمد عبده: "ما الذي صنع محمد علي؟ .. لم يستطع أن يحيي ولكن استطاع أن يميت. كان معظم قوة الجيش معه، وكان صاحب حيلة بمقتضى الفطرة، فأخذ يستعين بالجيش وبمن يستميله من الأحزاب على إعدام كل رأس من خصومه، ثم يعود بقوة الجيش ويحزّ آخراً على من كان معه أولاً وأعانه على الخصم الزائل فيمحقه، وهكذا. حتى إذا سحقت الأحزاب القوية وجه عنايته إلى رؤساء البيوت الرفيعة، فلم يدع منها رأسًا يستتر فيه ضمير (أنا). واتخذ من المحافظة على الأمن سبيلاً لجمع السلاح من الأهلين. وتكرر ذلك منه مرارًا حتى فسد بأس الدين. وزالت ملكة الشجاعة منهم. وأجهز على ما بقي في البلاد من حياة في أنفس بعض أفرادها، فلم يُبق في البلاد رأسًا يعرف نفسه حتى خلعه من بدنه، أو نفاه مع بقية بلده إلى السودان فهلك فيه. أخذ يرفع الأسافل ويعليهم في البلاد والقرى، كأنه كان يحن لشبه فيه ورثه عن أصله الكريم، حتى انحطّ الكرام، وساد اللئام، ولم يبق في البلاد إلا آلات له يستعملها في جباية الأموال وجمع العساكر بأية طريقة وعلى أي وجه، فمحق بذلك جميع عناصر الحياة الطيبة من رأي وعزيمة واستقلال نفسي، ليصيّر البلاد المصرية جميعًا إقطاعًا واحدًا له ولأولاده، على أثر إقطاعات كثيرة كانت لأمراء عدّة ". ثم يقول: "إن محمد علي قد ملأ مصر بالأجانب والدخلاء، يستعين بهم على إقرار نفوذه، وأذلّ المصريين بإطلاق يد هؤلاء الدخلاء فيهم، يحكمون على هواهم، لا هدف لهم إلا مرضاة الأمير صاحب الإقطاع الكبير". ثم ينفي عنه ما يُنسب إليه من إصلاح، بل ينسب إليه قتل كل روح

стр. 20

للشهامة أو النخوة في مصر، مما ظهر أثره عند غزو الإنكليز لها، فيقول: "حمل الأهالي على الزراعة، ولكن ليأخذ الغلات. ولذلك كانوا يهربون من ملك الأطيان كما يهرب غيرهم من الهواء الأصفر والموت الأحمر، وقوانين الحكومة لذلك العهد تشهد بذلك. يقولون إنه أنشأ المعامل والمصانع. ولكن هل حبب إلى المصريين العمل والصنعة حتى يستبقوا تلك المعامل من أنفسهم؟ .. وهل أوجد أساتذة يحفظون علوم الصنعة وينشرونها في البلاد؟ .. أين هم؟ .. ومن كانوا؟ .. وأين آثارهم؟ .. لا .. بل بغّض إلى المصريين العمل والصنعة بتسخيرهم وفي العمل والاستبداد بثمرته. فكانوا يتربصون يومًا لا يعاقبون فيه على هجر المعمل والمصنع لينصرفوا عنه ساخطين عليه، لاعنين الساعة التي جاءت بهم إليه. يقولون إنه أنشأ جيشًا كبيرًا فتح به المالك ودوّخ به الملوك. وأنشأ أسطولاً ضخمًا تثقُل به ظهور البحار، وتفتخر به مصر على سائر الأمصار، فهل علّم المصريين حب التجنّد، وأنشأ فيهم الرغبة في الفتح والغلب، وحبّب إليهم الخدمة في الجندية، وعلّمهم الافتخار بها؟ .. لا .. بل علّمهم الهروب منها، وعلّم آباء الشبان وأمهاتهم أن ينوحوا عليهم معتقدين أنهم يساقون إلى الموت بعد أن كانوا ينتظمون في أحزاب الأمراء ويحاربون ولا يبالون بالموت أيام حكم المماليك .. هل شعر مصري بعظمة أسطوله أو بقوة جيشه؟ وهل خطر ببال آحد منهم أن يضيف ذلك إليه، بأن يقول: هذا جيشي وأسطولي، أو جيش بلدي وأسطوله؟ .. كلا .. لم يكن شيء من ذلك .. فقد كان المصري يعد ذلك الجيش وتلك القوة عونًا لظالمه، فهي قوة لخصمه. ظهر هذا الأثر عندما جاء الإنكليز لإخماد ثورة عرابي. دخل الإنكليز

стр. 21

مصر بأسهل ما يدخل به دامر على قوم (١). ثم استقروا ولم توجد في البلاد نخوة في رأس تثبت لهم أن في البلاد من يحامي عن استقلالها. وهو ضد ما رأيناه عند دخول الفرنساويين في مصر. وبهذا رأينا الفرق بين الحياة الأولى والموت الأخير، وجَهله الأحداث فهم يسألون أنفسهم عنه ولا يهتدون إليه". وعند ذلك يبلغ محمد عبده قمة العنف والهياج، وقد أوشك أن يختم مقاله فيقول: "لا يستحي بعض الأحداث من أن يقولوا أن محمد علي جعل من جدران سلطانه بِنيَةً من الدين. أي كان دعامة للسلطان محمد علي؟ .. دين التحصيل؟ .. دين الكرباج؟ .. دين من لا دين له إلاّ ما يهواه ويريده؟ وإلا فليقل لنا أحد من الناس: أي عمل من أعماله ظهرت فيه رائحة الدين الإسلامي الجليل" (٢). وانظر إلى المقال الذي هاجم فيه رشيد رضا (٣) محمد علي لتعرف أي صنف من الرجال كان محمد علي .. وتعال معي إلى بسط في سيرته. "يقول توينبي أن مصر بدأت تتجه نحو الاصطباغ بالصبغة الأوروبية منذ أيام محمد علي متفوقة على تركيا (٤) كما يرى جب أنها سبقت تركيا في ذلك" (٥).

стр. 22

* محمد علي وتحطيمه لعقيدة الولاء والبراء فى قلوب المسلمين . لقد تعمّد هذا الوالي الظالم تحطيم عقيدة الولاء والبراء وإزالتها من قلوب المسلمين ونفوسهم ولو بالقوة والنار، ليرضي أسياده الصليبيين وليخضع أمته وشعبه المسلم للمخططات الصليبية واليهودية. "ويكفي ذلك ما أورده الجبرتي (١) المعاصر لهذه الشخصية، وما سجله عليها من سيئات، وما رصدها به من تحركات مشبوهة، وانتهاكات مكشوفة، مع أن الجبرتي يقف بتاريخه عند نهاية سنة ١٢٣٦هـ أي بعد حوالي ستة عشر عامًا من ارتقاء محمد علي لعرش مصر. وهي في نظرنا فترة كافية استطاع خلالها أن يسبر غور شخصية محمد علي ويعرف مداخلها وتوجهاتها، ويلم بتطلعاتها وأهدافها" (٢). ومع ذلك فقد استمر محمد علي في سدة الحكم بعد ذلك حوالي تسعة وعشرين عامًا، لم يدركها الجبرتي (٣)، وعمل في تلك المدة من الزمن ما لم

стр. 23

يكن يخطر على بال الجبرتي من الأعمال وأضعاف أضعاف ما انتقده عليه، وسجله في تاريخه. ونحن بعد ذلك نومئ إيماءات سريعة لضيق المقام. فمن ذلك بيعه للغلال والحبوب إلى الإنجليز وغيرهم من الإفرنج حتى شحت الغلال وغلت الأسعار وخلت منها الأسواق، بل أمر بمداهمة البيوت والدور لكبس الأقوات المدخرة، بدون ثمن (١) لسوقها إلى الكفار الإنجليز الذين كانت تجوب أساطيلهم البحار لضرب المسلمين والتربص ببلادهم، والاستعداد للاستيلاء عليها. وأحدث مكوسًا جديدة، وفرض ضرائب باهظة، حتى لقد ارتفعت الأسعار بشكل عظيم، وزاد ثمن كثير من البضائع إلى أكثر من عشرة أضعاف ثمنها (٢). وحل الكرب والضيق بالمسلمين، وأوذوا في معاشاتهم وأرزاقهم إيذاء عظيمًا (٣). وإن كان من ذكرنا من بكوات مصر قد ركنوا إلى بعض النصارى، واتخذوهم بطانة من دون المؤمنين، فإن محمد علي كان قد اعتاد أن يكون

стр. 24

أغلب المحيطين به من النصارى واليهود (١)، الذين قد تغلغلوا في حكومته وبلاطه، خصوصًا نصارى الأرمن من أعداء الملة الذين هم خاصته وجلساؤه وأهل مشورته، وشركاؤه في اختلاس أموال الدولة ونهب خيراتها، والذين ليس لهم شغل إلا فيما يزيد مكانتهم وحظوتهم عند مخدومهم وموافقة أغراضه، وتحسين مخترعاته، وربما ذكّروه ونبهوه على أشياء تركها أو غفل عنها من المبتدعات، وما يتحصل منها من المال والمكاسب (٢). وقد أظهر الجبرتي ﵀ ألمه وتأسفه لما وصل إليه حال الكفار، والمكانة التي تبوءوها في عهد محمد علي وأنهم صاروا أعيان الناس، ويتقلدون المناصب الرفيعة ويلبسون ثياب الأكابر، ويركبون البغال والخيول المسومة والراهوانات وأمامهم وخلفهم العبيد والخدم، وبأيديهم العصي يطردون الناس ويفرجون لهم الطرق (٣)، ويتسرون بالجواري بيضًا وحبوشًا، ويسكنون المساكن العالية الجليله يشترونها بأغلى الأثمان. ومنهم من له دار بالمدينة ودار مطلة على البحر للنزهة، ومنهم من عمر له دارًا، وصرف عليها ألوفًا من الأكياس، وكذلك أكابر الدولة لاستيلاء كل

стр. 25

من في خطه على جميع دورها، وأخذها من أربابها بأي وجه، وتوصلوا بتقليدهم مناصب البدع (١) إلى إذلال المسلمين؛ لأنهم يحتاجون إلى كتبة وخدم وأعوان والتحكم في أهل الحرفة بالضرب والشتم والحبس من غير إنكار، ويقف الشريف والعامي بين يدي الكافر ذليلاً (٢). ومن البديهي بعد أن قد أحاط محمد علي نفسه ببطانة من اليهود والنصارى، أن يعتمد عليهم كثيرًا، وأن يسند إليهم عددًا كبيرًا من المناصب الهامة في الدولة، ومع ذلك فلولا خوفه وخشيته من إثارة المسلمين وتألبهم عليه لاعتمد عليهم بالكلية ولأسند إليهم جميع المسئوليات والناصب دون مواراة. وهذا ما عبر عنه محمد علي بنفسه حين هلك كاتب الخزينة في عهده وكان رجلاً نصرانيًّا يدعى عبود النصراني، وكان محمد علي يحبه ويثق فيه ويقول عنه: لولا الملامة لقلدته الدفتردارية (٣). والملامة التي كان يخشاها محمد علي هي جزء من بقايا هذه العقيدة الطيبة في نفوس المسلمين من بغض للكفار ومعاداتهم تجعل الباشا المفتون بهؤلاء الكفار يتوقف بعض الشيء في ولائه السافر لهم، وفي نقل خطوات مسيرته التغريبية بالأمة (٤). ومع ذلك فإن هؤلاء الكفار كانوا يشكلون مراكز الثقل في دولة محمد علي، وخصوصًا في المجالات المهمة كالشئون المالية والتعليمية والعسكرية،

стр. 26

ولئن كان الدفتردار ليس واحدًا منهم (١). فإن جميع الوظائف المالية الأخرى تقريبًا قد احتكرها النصارى وغيرهم. فقد مر معنا أن كاتب الخزينة كان نصرانيًّا، وكذلك فإن جميع الكتبة والصيارفة كانوا من النصارى أيضًا. أما وزارة الخارجية فطبيعي جدًا أن تكون من نصيب النصارى حيث العلاقات كانت قائمة على أشدها مع الدول الأوربية وقد أسند هذا المنصب الهام إلى وزير أرمني يدعى باغوص بك الأرمني (٢). أما إدارة الجمارك وهي من الوظائف المهمة فقد كان يرأسها رجل نصراني له أعوان وجند كما يقول الجبرتي يحجزون أمتعة الناس، ويقبضون على المسلمين، ويسجنونهم، ويضربونهم حتى يدفعوا ما عليهم، ومن العجب على حد قوله أن بضائع المسلمين يؤخذ عشرها وبضائع الإفرنج والنصارى ومن ينتسب إليهم يؤخذ عليها من المائة اثنان ونصف (٣). وما دام أن رئيس الجمارك نصراني حقود فلا نعجب بعد ذلك من التفاوت المذهل في أخذ الرسوم على الواردات من البضائع بين المسلمين وغيرهم. حيث يؤخذ على المسلمين من الرسوم أربعة أضعاف ما يؤخذ على غيرهم من كفار العالم. ٥. ٢% إلى ١٠% تفاوت ظالم، وربما كان ذلك تأليفًا للوافدين من التجار كما فعل الباي!! وعلى أي حال فلا يعدو ذلك المثال عن كونه واحدًا من الأمثلة الصارخة على استهانة محمد علي بعقيدة الولاء والبراء وعدم

стр. 27

تقديره لها. وقد أصبحت مصر في عهد محمد علي وبالذات القاهرة محط نزول الكافرين من كل جنس، وذلك باستدعائه لكثير منهم، وفتحه المجال أمام استثماراتهم وتجاراتهم، مما جعل البلد تضيق بالسكان، وتغص بالقادمين من الكفار الذين ضايقوا المسلمين في معايشهم حتى إن الإنسان ليقاسي الشدة والهول إذا مر بالشارع من الازدحام الشديد، وبالإضافة إلى طوائف اليهود والنصارى فقد استدعى أعدادًا غفيرة من الدروز والمتاولة والنصيرية وغيرهم من الفرق الخارجة عن الإسلام (١) وحق لمدينة مثل القاهرة التي لم يكن يتجاوز طولها في ذلك الوقت الخمسة كيلو مترات أن تكتظ بهؤلاء الكافرين الذين تسابقوا إليها من كل حدب وصوب. وفي تلك الفترة التي نقوم بدراستها كانت تكثر الاضطرابات، وتشيع الفتن والمصادمات، خصوصًا بسبب ثورات العسكر المتلاحقة لقطع المرتبات وغير ذلك، وكان الشعب هو الضحية لتلك الثورات المحمومة. وفي إحدى تلك الثورات العسكرية التي نهبت فيها الأسواق، وحطمت خلالها الحوانيت. أراد المسلمون في أثنائها أن يحصنوا بعض الحارات النافذة ويقوموا بإغلاقها حتى يقطعوا الطريق على جموع العساكر الهائجة ولكن كتخدا الباشا (٢) منعهم من ذلك، في نفس الوقت الذي كان محمد علي يمد فيه النصارى بالبارود وآلات الحرب، بعد أن أتموا تحصين جهاتهم على أكمل وجه (٣)، وهذه الواقعة تغني عن أي تعليق، وتدل على مدى العلاقة المريبة

стр. 28

في الخفاء بين محمد علي ونائبه من جانب وبين النصارى من جانب آخر. وحين قام محمد علي بإجراء واسع النطاق لهدم الدور والمساكن التي بها شيء من الخلل، كانوا يأمرون صاحب البيت الذي تم الكشف عليه بهدمه ثم تعميره، وإن كان يعجز عن ذلك فإنه يؤمر بإخلائه، ويعاد بناؤه على طرف الميري (١) وتصير من حقوق الدولة فهدمت مئات الدور التي كان يملكها أو يسكنها المسلمون. أما النصارى فلنستمع إلى كلمة الجبرتي في ذلك حيث قال: وأما نصارى الأرمن وما أدراك ما نصارى الأرمن الذين هم أخصاء الدولة الآن فإنهم أنشؤوا دورًا وقصورًا وبساتين بمصر القديمة .. فهم يهدمون أيضًا وينقلون لأبنيتهم ما شاءوا ولا حرج عليهم، وإنما الحرج والمنع والحجر والهدم على المسلمين من أهل البلدة فقط (٢). وعندما تولى الحسبة رجل يدعى مصطفى كاشف أراد أن يعيد الكفار إلى حالتهم التي كانوا عليها قبل مجيء محمد علي إلى سدة الحكم، فأمر مناديه بمصر القديمة أن ينادي على نصارى الأرمن والأروام والشوام بإخلاء البيوت التي عمروها وزخرفوها وسكنوا بها والمطلة على النيل، وأن يعودوا إلى زيهم الأول من لبس العمائم الزرق، وعدم ركوبهم الخيول والبغال

стр. 29

والراهوانات الفارهة واستخدامهم المسلمين. ولكن محمد علي قطع الطريق على هذا الإصلاح، وأمر بكف هذا المحتسب بعد أن تم زجره وتأنيبه، وذلك بعد أن تقدم أعاظمهم إليه بالشكوى وهو يراعي جانبهم لأنهم صاروا أخصاء الدولة وجلساء الحضرة وندماء الصحبة كما يقول الجبرتي (١). ويمتد حبل الموالاة والمودة للكافرين في عهد محمد علي إلى شيء آخر له خطورته البالغة، وهو فتحه البلاد على مصراعيها لأفواج النصارى الصليبيين للبحث والتنقيب، واكتشاف الآثار، ودراسة الأماكن دراسة دقيقة بل ومساعدته لهم وتذليله الصعاب في طريقهم (٢). وإذا تجاوزنا هدفهم الرئيسي لتلك العمليات والتنقيب، وهو وضع أيديهم على مراكز الثروة، ودراستهم للمواقع دراسة تخطيطية، مما أفادهم ولا شك في احتلال مصر فيما بعد عام ١٨٨٢ م خصوصًا إذا علمنا أن كثيرًا من هؤلاء المنقبين كانوا من الإنجليز. فإن هناك أهدافًا أخرى قد تفوق ما ذكرناه خطورة لم يفطن لها كثير من الباحثين وندع الكلام لأحد المستشرقين ليكشف لنا هذه الأهداف البعيدة. يقول ذلك المستشرق في كتابه "الشرق الأدنى؛ مجتمعه وثقافته": "إننا في كل بلد إسلامي دخلناه، نبشنا الأرض لنستخرج حضارات ما قبل الإسلام، ولسنا نطمع بطبيعة الحال أن يرتد المسلم إلى عقائد ما قبل الإسلام، ولكن يكفينا تذبذب ولائه بين الإسلام وبين تلك الحضارات .. " (٣). وعلى ضوء ما سبق من أهداف نستطيع أن نفسر اهتمامات هؤلاء

стр. 30

النصارى بشق البلاد طولاً وعرضًا، وإنفاقهم الأموال الطائلة في كشف الآثار وتعريتها بدءًا بالفرنسيين ثم بالإنجليز الذين ساروا على خط واحد في تنفيذ هذه الأهداف الخبيثة (١). يقول الشيخ محمد قطب: " ولكن المخطط الخبيث الذي حمله الصليبيون معهم وهم يجوسون خلال الديار كان هو نبش الأرض الإسلامية لاستخراج حضارات ما قبل التاريخ لذبذبة ولاء المسلمين بين الإسلام وبين تلك الحضارات، تمهيدًا لاقتلاعهم نهائيًا من الولاء للإسلام " (٢). وبذلك يكون محمد علي باشا قد ساعد هؤلاء الصليبيين فى تنفيذ مخططاتهم والوصول إلى أهدافهم بفتح البلاد لهم شرقًا وغربًا يجوبونها بحرية تامة. ويذكر الشيخ محمد قطب أن فرنسا قد احتضنت محمد علي احتضانًا كاملاً لينفذ لها كل مخططاتها حيث أنشات له جيشًا مدربًا على أحدث الأساليب ومجهزاً بأحدث الأسلحة المتاحة يومئذ وكان ذلك بإشراف سليمان الفرنساوي، وأنشات له أسطولاً بحريًا حديثاً وترسانة بحرية في دمياط،

стр. 31

وأنشأت له القناطر الخيرية لتنظيم عملية الري في مصر، وكل ذلك كما يقول الشيخ ليس حبًا في شخص محمد علي أو حبًا في مصر، وإنما كان ذلك لتنفيذ المخطط الصليبي الذي عجزت الحملة الفرنسية عن تنفيذه بعد أن اضطرت للرحيل، وكان ذلك المخطط الخبيث يرمي إلى عدة أمور منها: القضاء على الدولة العثمانية، والقيام بتغريب العالم الإسلامي عن طريق تغريب مصر - بلد الأزهر (١). وقد قام محمد علي بالدور خير قيام! فإن الجيش الذي صنعته له فرنسا، وقام بتدريبه سليمان باشا الفرنساوي قد استخدمه محمد علي لا فى محاولة الاستقلال عن الدولة العثمانية فحسب، بل في محاربة الدولة نفسها! وقد كاد أن يقضي عليها لولا تدخل بريطانيا خوفا من استئثار فرنسا بصداقة السلطان وبالنفوذ في مصر، وفي الوقت نفسه لتخدم الهدف العام للصليبية بطريقة أخرى؛ فقد أوقفت بريطانيا محمد علي عند حده في الظاهر، ومنعته من مهاجمة الدولة، وفي الوقت ذاته ضمنت له الاستقلال الفعلي عن الدولة، والاستئثار بحكم مصر حكمًا وراثيًا ينتقل في ذريته، مع التبعية الإسمية للسلطان!! هذا بينما تجمعت أوربا الصليبية كلها لتحطيم محمد علي في معركة "نافارين" لأنه نسي نفسه وتجرأ على مهاجمة دولة صليبية هي اليونان، فقد كبّرته الصليبية وسلّحته لمحاربة الإسلام فقط، فإذا فعل ذلك فله كل العون، وأما إذا هاجت أطماعه لحسابه الخاص، فمس أحد الصليبيين بسوء، فهنا يجب تأديبه، بل تحطيمه تحطيمًا كاملاً إذا لزم الأمر (٣). على أن الجرم العظيم الذي تولى كبره محمد علي باشا هو قيامه بضرب الاتجاه الإسلامي السلفي في الجزيرة العربية تظاهرًا بطاعة السلطان

стр. 32

العثماني الذي فقد السيطرة على بلاد الحرمين الشريفين، واتخذ من ذلك ستارًا لتنفيذ مخططات بريطانيا وفرنسا اللتين رأتا الوجود السعودي يشكل خطراً على مصالحهما، خصوصًا في الخليج العربي والبحر الأحمر (١). وقد كان على رأس تلك الجيوش التي وجهها محمد علي ضباط فرنسيون وبعض النصارى (٢). وقد سرَّت فرنسا بذلك العمل الحربي المدمر، وكذلك بريطانيا وأبلغت فرنسا محمد علي عن طريق قنصلها في القاهرة أنها ممنونة مما رأته من اقتداره عن نشر أعلام التمدن في البلاد الشرقية (٣)، ومن ذلك بالطبع ضرب الاتجاه السلفي في الجزيرة العربية. أما تغريب العالم الإسلامي فقد عمل محمد علي على تحقيقه بفرض سياستين تغريبيتين، كانت الأولى تقضي بابتعاث الطلاب الشبان وإرسالهم إلى أوربا ليتعلموا هناك. وكان هذا -كما يقول الشيخ محمد قطب- أخطر ما فعله في الحقيقة .. لأنه من هناك بدأ "الخط العلماني" يدخل ساحة التعليم، ومن ورائه ساحة الحياة في مصر الإسلامية (٤)، وقد كان من هؤلاء المبتعثين الشيخ رفاعة رافع الطهطاوي إمام إحدى البعثات وشيخها، والذي عاد حاصلاً معه بذور التغريب والعلمنة كالدعوة إلى تحرير المرأة، وأخذ يسهم في زعزعة عقيدة الولاء والبراء بإغراقه في مديح أوربا الكافرة والثناء عليها في كتب كثيرة لعل من أبرزها كتابه في مدح باريس (٥) والذي قيل إنه أهداه إلى محمد

стр. 33

علي فقبله باحترام. وقد بلغ عدد من أرسل من المصريين إلى سنة ١٨٤٢ م مائة تلميذ (١). وقد كاد أن يتم إرسال أطفال بين الثامنة والتاسعة إلى أووبا، واشترط نوبار باشا وهو سكرتير إبراهيم باشا ولي عهد محمد علي ونجله الأكبر أن يفصل بعضهم عن بعض في المعيشة أو يوضع كل اثنين في غرفة صغيرة (٢). ولكن هذا المخطط الخبيث أوقف تنفيذه بسبب هلاك إبراهيم باشا- حتى جاء الخديوي توفيق ونفذ ذلك المخطط وبدأ بإرسال نجليه الأميرين عباس حلمي ومحمد علي إلى سويسرا وكان عمر الأول اثنتي عشرة سنة والثاني عشر سنوات (٣). أما السياسة التغريبية الثانية التي سار عليها محمد علي فهي إنشاء نظام تعليمي جديد على نسق الأنظمة التعليمية في الغرب. يقول الدكتور أحمد عزت عبد الكريم: " ومهما يكن من شيء، فقد ظهر لمحمد علي أن التعليم في الأزهر لا يمكن أن يحقق أغراضه .. كما ظهر له أن التعليم الغربي أو التعليم الذي عرفته أوربا في عصره كان وحده الوسيلة لتحقيق أغراضه، وكان هذا كافيًا ليحمل محمد علي أن يحول وجهه عن الأزهر و"الكتاتيب" وينشئ بجانبها "نظامًا تعليميًا" قائمًا بنفسه، مقتبسًا من الغرب، وليس بينه وبين النظام التعليمي القديم إلا ما يكون بين نظامين

стр. 34

يقومان جنبًا إلى جنب ويتجاذبان تعليم نابتة البلاد (١). وإلا فلو كان محمد علي مسلمًا حقًّا ولم يكن منفذًا لأهداف الغرب ومخططاته لاتجه إلى إصلاح الأزهر والتعليم في عصره بردهما إلى الوضع الصحيح، ووضع كل إمكانياته التي استغلها في التغريب في سبيل ذلك الهدف الكبير. ولكن محمد علي قد أصر على السير بالأمة في المضمار التغريبي المؤدي إلى الخياة الغربية وأساليبها وثقافتها، فقرر إنشاء نظام تعليمي كامل من المرحلة الابتدائية إلى المراحل العليا، وفتح المدارس على نمط المدارس الغربية. وقد لجأ محمد علي إلى طريق الترجمة، حيث ترجمت كثير من الكتب في مختلف العلوم والقوانين العسكرية والبحرية، وقام بابتعاث الطلاب إلى هناك، واستقدام الأساتذة الأجانب إلى المدارس الجديدة التى أنشأها (٢). على أن هناك هدفًا خطيرًا كان يرمي إليه محمد علي باشا من وراء إنشاء هذا النظام التعليمي الجديد ألا وهو إلغاء دور الأزهر في المجتمع ومن ثَمَّ القضاء عليه بصورة غير مباشرة، وذلك حين يقوم بفتح العديد من المدارس ذات المميزات العالية التي تؤهل الدارسين فيها لتبوؤ المناصب الهامة، والأعمال الرفيعة في دولة الباشا. يقول الدكتور أحمد عزت عبد الكريم: "ولكن ابتعاد الأزهر عن مجال التوظيف أو عدم اتخاذه الأهبة لإعداد تلامذته بما يؤهلهم للحياة

стр. 35

وللمجتمع الذي يعيشون فيه لم يلبث أن باعد بينه وبين كثير من خاصة الناس وصرفهم عنه إلى حد كبير. فقد كانت المناصب التي يصيبها خريجو المدارس، والثراء والاحترام اللذان يحظون بهما في أنحاء البلاد من سواد الناس ومن إليهم .. كل أولئك كان يخلب ألبابهم ويستهويهم إلى المدارس التي تقدم لهم هذا كله" (١). وهل يكون إلغاء دور الأزهر وتحجيم أنشطته إلا بصرفه عن مجالات التوظيف، أو على الأصح بصرف مجالات التوظيف عنه .. ؟ وقطع صلته بالحياة العامة .. ؟ وحين أنشأ محمد علي مدارسه الحديثة كان محتاجًا إلى معلمين للغة العربية ولم يكن هناك بالطبع غير الأزهر. لذا فقد اتجه محمد علي إليه وأخذ منه ما يكفي مدارسه ومكاتبه من المعلمين، فكانوا فريقًا هامًا من موظفي المدارس (٢). ولكن يا ترى كيف كانت معاملته لهؤلاء الأزهريين الذين أعوزته الحاجة إليهم وقاموا بدور كبير في تدريس اللغة العربية وفروعها. داخل المدارس التي أنشاها كما بشهد بذلك كل من كتب في التعليم في ذلك العصر .. ؟ يجيبنا على ذلك الدكتور أحمد عزت عبد الكريم فيقول: "وكانت الحكومة تعلم أنهم لم يكونوا يمنحون في الأزهر مرتبات كبيرة، ولهذا نراها تبخل عليهم بتلك المرتبات وترى أنهم إنما يقومون "بمقاصد خيرية" ثوابها عند ربهم!! فقد كان هناك مدرسون بل رؤساء مدرسين قضوا بمدارسهم اثنا عشر

стр. 36

عامًا لا يصيبون من الحكومة إلا مائتي قرش في الشهر، وهو قدر ضئيل يناله خريج مدرسة خصوصية حديث العهد بالوظائف، ثم هي تبخل عليهم بعد هذا ببضعة قروش تضيفها إلى مرتباتهم. أما مكاتب المبتديان (١) فقد كان نظارها من علماء الأزهر .. وكان المشايخ من الأزهر وما إليه هم القائمون بالتدريس في مكاتب المبتديان .. وكان مرتب الواحد منهم أربعين قرشًا في الشهر أي بزيادة عشرة قروش على مرتب (الحلاق) أو الخياط .. وكان كاتب المكتب يصيب من المرتب أكثر مما يصيبه المعلم بعشرين قرشًا وكان يحمل الحكومة على هذا ما ذكرنا من أنها كانت تعلم أن أهل الأزهر لم يكونوا يصيبون فيه إلا أجرًا ضئيلاً أن كانوا قومًا زاهدين، لا يغرنهم متاع الحياة الدنيا" (٢). وما ذكر من تبرير ساقط لا يمكن أن يخفي أبدًا مقدار البغض والاحتقار الذي كان يكنه محمد علي للأزهر ورجاله. وإن كان الإنجليز فيما بعد قد نهجوا نفس السياسة في احتقار الأزهريين وبخسهم مرتباتهم وحقوقهم، وفي إقصائهم عن مجالات التوظيف (٣). فليس ذلك بمستغرب منهم، ولكنا نستغرب أشد الاستغراب أن يقوم

стр. 37

بمثل ذلك من يحسب على الإسلام والمسلمين، ويدعي الإسلام مثل محمد علي. ولكن سرعان ما يزول هذا الاستغراب إذا عرفنا أن القائمين على التعليم في عهد محمد علي كان معظمهم من الغربيين النصارى، فمجلس شورى المدارس وهو الهيئة العليا للتخطيط والتنفيذ كان جميع أعضائه من الأجانب ما عدا ثلاثة. على أن هناك أمرًا تجدر الإشارة إليه حول ما ذكر من ضآلة الأجور والمرتبات في الأزهر والتي كان من أهم أسبابها قيام محمد علي بالاستيلاء على الأوقاف التابعة للأزهر وضمها للدولة، وبالتالي إحكام السيطرة على المشايخ والقائمين على التعليم من رجال الأزهر (١). وحتى الكتاتيب التي تعلم القرآن الكريم والعلوم الأولية للناشئة من أبناء المسلمين، لم تنج من غائلة محمد علي؛ فقد ذكر الجبرتي ﵀ أن كثيرًا من المكاتب أغلقت بسبب تعطل أوقافها واستيلاء محمد علي عليها (٢). وذكر الشيخ محمد عبده أن ما أبقاه محمد علي من أوقاف الأزهر والأوقاف الأخرى لا يساوي جزءًا من الألف من إيرادها. وأنه أخذ من أوقاف الجامع الأزهر ما لو بقي إلى اليوم (في عهد الشيخ محمد عبده) لكانت غلته لا تقل عن نصف مليون جنيه في السنة، وقرر له بدل ذلك ما يساوي أربعة آلاف جنيه في السنة (٣).

стр. 38

هذه السياسة التغريبية التي نهجها محمد علي والمفروضة قهرًا على المسلمين كانت تنفيذًا للمخطط الصليبي الذي عجزت الحملة الفرنسية عن تنفيذه بسبب اضطرارها إلى الرحيل كما سبق وذكرنا. وهو أمر أكده المؤرخ الإنجليزي أرنولد توينبي في قوله: "كان محمد علي ديكتاتورًا أمكنه تحويل الآراء النابليونية إلى حقائق فعالة في مصر" (٢). وهل يشك باحث عاقل بعد كل هذه الحقائق التي أوردناها أن محمد علي كان صنيعة من صنائع الغرب وعميلاً من عملائهم. وسواء أكان وصوله إلى سدة الحكم نتيجة تخطيط صليبي أو على الأخص تخطيط فرنسي أو كان نتيجة لدهاء محمد علي ومكره ونفاقه أو كان للأمرين معًا (٣)، فإن هذا كله لا يغير شيئًا، ولا ينفي أن محمد علي قد احتوته الدول الغربية، وأخذت تقوده في ركابها، خصوصًا وأن فيه من الصفات والخلال التي ينشدها المستعمرون دائمًا كجنون العظمة وغلظة القلب

стр. 39

وفظاظة الطبع ورقة الديانة أو عدمها (١). وقد عمل محمد علي طوال سنوات حكمه على القضاء على عقيدة الولاء والبراء، واستخدام سياسة العسف والإرهاب والتنكيل في أنحاء مملكته لينتزع هذه العقيدة من قلوب المسلمين، ويقضي عليها قضاءً مبرمًا (٢). قال الرحّالة الإنجليزي (كنغليك) الذي زار الشرق الإسلامي في الثلث الأخير من حكم محمد علي ١٢٥٢ - ١٢٥٣هـ (١٨٣٣ - ١٨٣٤م) غامزًا الباشا المفتون، وذاكرًا تبعيته للغرب وعدم استقلاله الكامل بإصدار القرار إلا بعد موافقة أسياده عليه. يقول: "وبرغم وجود الجيوش المصرية الكثيرة فقد فهم كل فلاح (٣) أن أربعة أو خمسة من الوجوه الشاحبة في فيينا أو بطرسبورج أو لندن (٤) يمكن أن ينزلوا الباشا المصري من عليائه بمجرد ورقة يكتبون عليها حكمهم عليه. وكان علم الأهالي أن قوة محمد علي مستمدة من القائد الفرنسي وفنونه الحربية ومن المحركات والآلات الإنجليزية .. " (٥). وقد قام ابنه إبراهيم باشا (٦) بإلغاء كافة القيود المفروضة على النصارى

стр. 40

اليهود في كل بلد سيطر عليه تحت دعوى المساواة والحرية، وذلك في أثناء حكمه للشام من قبل أبيه، وقام بإعطاء النصارى امتيازات؛ ومن ذلك فتح محلات علنية لبيع الخمور في دمشق والسماح بحمل الصلبان وشرب الخمر في الشارع (١). وعندما ذهب إليه نفر من علماء الشام يشكون إليه انقلاب الأوضاع ويبسطون أمامه ألمهم من استعلاء الذميين وركوبهم الخيل كالمسلمين لم يكن من إبراهيم إلا أن سخر منهم سخرية مرة وردهم كاسفي البال؛ إذ نصحهم أن يركبوا الجمال من اليوم حتى يصيروا أعلى من النصارى كافة؟ (٢). وقد شمخ النصارى بأنوفهم، وأشرأبت أعناقهم خصوصًا رجال الدين منهم في عهد محمد علي وابنه إبراهيم باشا؛ ومن ذلك أن بطريرك الروم مكسيموس في حلب وقت احتلال إبراهم باشا لها كان يدور أحيانًا في شوارع حلب وهو راكب بأبهة زائدة وموكب حافل يتلقى المسلمون منه ذلك كارغام لهم وتعالي عليهم وقاصدًا إهانتهم (٣). أما اليهود فقد شملهم عطف الباشا، ونعموا بالحرية التي أطلقها لهم والامتيازات التي منحهم إياها. وحادثة يهود صفد أوضح مثال على ذلك؛ يوم أن ثار المسلمون عليهم ونهبوا بعض أموالهم وممتلكاتهم، ولسنا الآن بصدد الحديث عن هذه الثورة وأسبابها، إنما الذي يعنينا هو ما حدث بعد هذه الثورة من إصرار القناصل
следующие страницы →