← Общие книги

Общие книги · id 6523

أعلام وأقزام في ميزان الإسلام

سيد حسين العفاني

Полный текст (1 176 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

عامًا لا يصيبون من الحكومة إلا مائتي قرش في الشهر، وهو قدر ضئيل يناله خريج مدرسة خصوصية حديث العهد بالوظائف، ثم هي تبخل عليهم بعد هذا ببضعة قروش تضيفها إلى مرتباتهم. أما مكاتب المبتديان (١) فقد كان نظارها من علماء الأزهر .. وكان المشايخ من الأزهر وما إليه هم القائمون بالتدريس في مكاتب المبتديان .. وكان مرتب الواحد منهم أربعين قرشًا في الشهر أي بزيادة عشرة قروش على مرتب (الحلاق) أو الخياط .. وكان كاتب المكتب يصيب من المرتب أكثر مما يصيبه المعلم بعشرين قرشًا وكان يحمل الحكومة على هذا ما ذكرنا من أنها كانت تعلم أن أهل الأزهر لم يكونوا يصيبون فيه إلا أجرًا ضئيلاً أن كانوا قومًا زاهدين، لا يغرنهم متاع الحياة الدنيا" (٢). وما ذكر من تبرير ساقط لا يمكن أن يخفي أبدًا مقدار البغض والاحتقار الذي كان يكنه محمد علي للأزهر ورجاله. وإن كان الإنجليز فيما بعد قد نهجوا نفس السياسة في احتقار الأزهريين وبخسهم مرتباتهم وحقوقهم، وفي إقصائهم عن مجالات التوظيف (٣). فليس ذلك بمستغرب منهم، ولكنا نستغرب أشد الاستغراب أن يقوم

стр. 37

بمثل ذلك من يحسب على الإسلام والمسلمين، ويدعي الإسلام مثل محمد علي. ولكن سرعان ما يزول هذا الاستغراب إذا عرفنا أن القائمين على التعليم في عهد محمد علي كان معظمهم من الغربيين النصارى، فمجلس شورى المدارس وهو الهيئة العليا للتخطيط والتنفيذ كان جميع أعضائه من الأجانب ما عدا ثلاثة. على أن هناك أمرًا تجدر الإشارة إليه حول ما ذكر من ضآلة الأجور والمرتبات في الأزهر والتي كان من أهم أسبابها قيام محمد علي بالاستيلاء على الأوقاف التابعة للأزهر وضمها للدولة، وبالتالي إحكام السيطرة على المشايخ والقائمين على التعليم من رجال الأزهر (١). وحتى الكتاتيب التي تعلم القرآن الكريم والعلوم الأولية للناشئة من أبناء المسلمين، لم تنج من غائلة محمد علي؛ فقد ذكر الجبرتي ﵀ أن كثيرًا من المكاتب أغلقت بسبب تعطل أوقافها واستيلاء محمد علي عليها (٢). وذكر الشيخ محمد عبده أن ما أبقاه محمد علي من أوقاف الأزهر والأوقاف الأخرى لا يساوي جزءًا من الألف من إيرادها. وأنه أخذ من أوقاف الجامع الأزهر ما لو بقي إلى اليوم (في عهد الشيخ محمد عبده) لكانت غلته لا تقل عن نصف مليون جنيه في السنة، وقرر له بدل ذلك ما يساوي أربعة آلاف جنيه في السنة (٣).

стр. 38

هذه السياسة التغريبية التي نهجها محمد علي والمفروضة قهرًا على المسلمين كانت تنفيذًا للمخطط الصليبي الذي عجزت الحملة الفرنسية عن تنفيذه بسبب اضطرارها إلى الرحيل كما سبق وذكرنا. وهو أمر أكده المؤرخ الإنجليزي أرنولد توينبي في قوله: "كان محمد علي ديكتاتورًا أمكنه تحويل الآراء النابليونية إلى حقائق فعالة في مصر" (٢). وهل يشك باحث عاقل بعد كل هذه الحقائق التي أوردناها أن محمد علي كان صنيعة من صنائع الغرب وعميلاً من عملائهم. وسواء أكان وصوله إلى سدة الحكم نتيجة تخطيط صليبي أو على الأخص تخطيط فرنسي أو كان نتيجة لدهاء محمد علي ومكره ونفاقه أو كان للأمرين معًا (٣)، فإن هذا كله لا يغير شيئًا، ولا ينفي أن محمد علي قد احتوته الدول الغربية، وأخذت تقوده في ركابها، خصوصًا وأن فيه من الصفات والخلال التي ينشدها المستعمرون دائمًا كجنون العظمة وغلظة القلب

стр. 39

وفظاظة الطبع ورقة الديانة أو عدمها (١). وقد عمل محمد علي طوال سنوات حكمه على القضاء على عقيدة الولاء والبراء، واستخدام سياسة العسف والإرهاب والتنكيل في أنحاء مملكته لينتزع هذه العقيدة من قلوب المسلمين، ويقضي عليها قضاءً مبرمًا (٢). قال الرحّالة الإنجليزي (كنغليك) الذي زار الشرق الإسلامي في الثلث الأخير من حكم محمد علي ١٢٥٢ - ١٢٥٣هـ (١٨٣٣ - ١٨٣٤م) غامزًا الباشا المفتون، وذاكرًا تبعيته للغرب وعدم استقلاله الكامل بإصدار القرار إلا بعد موافقة أسياده عليه. يقول: "وبرغم وجود الجيوش المصرية الكثيرة فقد فهم كل فلاح (٣) أن أربعة أو خمسة من الوجوه الشاحبة في فيينا أو بطرسبورج أو لندن (٤) يمكن أن ينزلوا الباشا المصري من عليائه بمجرد ورقة يكتبون عليها حكمهم عليه. وكان علم الأهالي أن قوة محمد علي مستمدة من القائد الفرنسي وفنونه الحربية ومن المحركات والآلات الإنجليزية .. " (٥). وقد قام ابنه إبراهيم باشا (٦) بإلغاء كافة القيود المفروضة على النصارى

стр. 40

اليهود في كل بلد سيطر عليه تحت دعوى المساواة والحرية، وذلك في أثناء حكمه للشام من قبل أبيه، وقام بإعطاء النصارى امتيازات؛ ومن ذلك فتح محلات علنية لبيع الخمور في دمشق والسماح بحمل الصلبان وشرب الخمر في الشارع (١). وعندما ذهب إليه نفر من علماء الشام يشكون إليه انقلاب الأوضاع ويبسطون أمامه ألمهم من استعلاء الذميين وركوبهم الخيل كالمسلمين لم يكن من إبراهيم إلا أن سخر منهم سخرية مرة وردهم كاسفي البال؛ إذ نصحهم أن يركبوا الجمال من اليوم حتى يصيروا أعلى من النصارى كافة؟ (٢). وقد شمخ النصارى بأنوفهم، وأشرأبت أعناقهم خصوصًا رجال الدين منهم في عهد محمد علي وابنه إبراهيم باشا؛ ومن ذلك أن بطريرك الروم مكسيموس في حلب وقت احتلال إبراهم باشا لها كان يدور أحيانًا في شوارع حلب وهو راكب بأبهة زائدة وموكب حافل يتلقى المسلمون منه ذلك كارغام لهم وتعالي عليهم وقاصدًا إهانتهم (٣). أما اليهود فقد شملهم عطف الباشا، ونعموا بالحرية التي أطلقها لهم والامتيازات التي منحهم إياها. وحادثة يهود صفد أوضح مثال على ذلك؛ يوم أن ثار المسلمون عليهم ونهبوا بعض أموالهم وممتلكاتهم، ولسنا الآن بصدد الحديث عن هذه الثورة وأسبابها، إنما الذي يعنينا هو ما حدث بعد هذه الثورة من إصرار القناصل

стр. 41

الأوربيين على دفع التعويض من خزينة الدولة العلوية، وقد بالغ كل من القناصل واليهود في تقدير حجم الخسائر والمنهوبات، أما قنصل بريطانيا في الإسكندرية فقد قدر من مكانه هناك أن خسائر اليهود قد بلغت سبعين ألف جنيه، وهو رقم يفوق ما وقع أضعافًا مضاعفة. ولم يسع محمد علي تحت ضغط القناصل إلا أن يصدر أمرًا بتعويض اليهود ولكن ليس من خزينة الدولة التي يملكها، بل من أموال وممتلكات المسلمين الذين تحمل فقراؤهم والمعسرون منهم ثقل هذا التعويض. ومع علم محمد علي بكذب ادعاءات اليهود والقناصل ومبالغتهم في تقدير الخسائر إلا أنه كما قال: "ما دام أصدقاؤنا القناصل أصروا وصمموا على ذلك فتخلصنا من هذه القائلة. فقد صدرت الأوامر خطية إلى سليمان باشا (الفرنساوي) ببيع أملاك وعقارات هؤلاء الفقراء لتقسم أثمانها على المدعين كذبًا - وتلك الأوامر مرسلة عن طيه لتسليمها إلى القناصل ليوصلوها بمعرفتهم إلى الباشا المومى إليه" (١). ومع عظم الهالة التي أحيط بها محمد علي من قبل المستشرقين ومن اقتفى أثرهم من المؤرخين القوميين والعلمانيين حول ما قام به من إصلاحات في كثير من المجالات التعليمية والاقتصادية والعسكرية إلا أنه من الثابت من سيرة محمد علي أنه يكره المصريين ويحتقرهم ويزدريهم أيما ازدراء، كما قال أحدهم: إن محمد علي كان يحب مصر ولم يكن يحب المصريين. وليس أدل من ذلك إلا قوله يخاطب الفرنسيين ويفاوضهم على مسألة

стр. 42

احتلال الجزائر وهو: "ثقوا أن قراري .. لا ينبع من عاطفة دينية فأنتم تعرفونني وتعلمون أنني متحرر من هذه الاعتبارات التي يتقيد بها قومي .. وقد تقولون أن مواطني حمير وثيران وهذه حقيقة أعلمها" (١). وقد كان محمد علي باشا متواطئًا مع الفرنسيين عند احتلالهم للجزائر، حتى لقد هم -بعد أن جاءته الأوامر بالطبع! - أن يقوم بنفسه باحتلال الجزائر خدمة للفرنسيين وعملاً لحسابهم الخاص إلا أن أسياده رفضوا تلك الفكرة التي تهيج المسلمين وتثيرهم بعد أن ينكشف أمر عميلهم؛ لذا بادروا إلى إلغائها، واكتفى محمد علي بتزويد الفرنسيين في الجزائر بالغلال (٢). ويذهب الدكتور سليمان الغنام إلى أن بريطانيا لما علمت بعزم محمد علي ثارت ثائرتها وهددته بنسف أسطوله إن هو فكر في ذلك (٣). ْوبعد فهذه وقفة متأنية مع واحد ممن حكموا المسلمين فترة طويلة وعملوا على القضاء على مظاهر هذه العقيدة بشكل مباشر تمثل في سياسة العسف والإرهاب. وبشكل غير مباشر اتخذ التغريب له مسارًا، وإن كان الشكل الثاني كانت له آثار بعيدة المدى، على عكس الأول الذي ما زاد هذه العقيدة في نفوس المسلمين إلا رسوخًا. واستحق بذلك جد الأسرة العلوية أن يكون رائد التغريب الأول في العالم الإسلامي، وعلى رأس من لجوا في موالاة الكافرين، وأمعنوا في اتباعهم، وسعوا في تقويض هذه العقيدة العظيمة بكل ما أوتوه من وسائل القوة التي كانوا يملكونها.

стр. 43

* السيد عمر مكرم ومواجهته لمحمد علي وغدر محمد علي به: بلغ محمد علي من العتو والظلم والصلف مبلغًا كبير الدرجة أنه أمر الشيخ عبد الله الشرقاوي شيخ الأزهر بلزوم داره وعدم الخروج منها ولا حتى إلى صلاة الجمعة (١). وقد تبوأ (محمد علي) عرش مصر وتمكن من حكمها بمساعدة العلماء الذين أوصلوه إلى سدة الحكم بشرط إقامة الشريعة والعدل، ولكن ما إن ثبت أقدامه في السلطة حتى غدر بهم وقلب لهم ظهر المجن، فكان أول عمل قام به أن نفى نقيب الأشراف الشريف (عمر مكرم) الرجل الأول في إيصاله إلى الحكم وأول من بايعه من الناس. وسبب ذلك كثرة المظالم والمغارم التي أحدثها (محمد علي باشا)، حيث اجتمع الناس في الأزهر وأبطلت الدروس، واجتمع المشايخ والسيد عمر وكتبوا عرضحال إلى الباشا يذكرون فيه المحدثات من المظالم، وحبس شخص من أهل العلم بلا ذنب، وقد تعاهدوا وتعاقدوا على الاتحاد وترك المنافرة. فأرسل إليهم الباشا رسولاً يسألهم عن طلبهم فعرفوه بما سطروه إجمالاً وبينوه له تفصيلاً، فقال: ينبغي ذهابكم إليه وتخاطبونه مشافهة بما تريدون، وهو لا يخالف أوامركم ولا يرد شفاعتكم. فقالوا بلسان واحد: لا نذهب إليه أبدًا ما دام يفعل هذه الفعال، فإن رجع عنها وامتنع عن إحداث البدع والمظالم عن خلق الله رجعنا إليه وترددنا عليه، كما "كنا في السابق فإننا بايعناه على العدل لا على الظلم والجور. فحاول الرسول إقناعهم بالمجيء فأبوا أشد الإباء، وقالوا: لا نجتمع

стр. 44

عليه أبدًا ولا نثير فتنة، بل نلزم بيوتنا ونقتصر على حالنا، ونصبر على تقدير الله بنا وبغيرنا، فأخذ منهم العرضحال ووعدهم برد الجواب، وبعد عودته أطلق ذلك الشخص الذى كان محبوسًا، وتأخر الجواب. ولكن العلماء لم يكونوا على قلب رجل واحد فإن فيهم الانتهازيين وطلاب المناصب، وهل أتي الناس قديمًا وحديثًا إلا من قبل هؤلاء الذين أضاعوا علمهم ورغبوا في الفاني عن الباقي؟! وهل تمكن الطغاة والمتجبرون إلا على أكتاف هؤلاء الطغمة المنسوبة إلى العلم ممن جعلوه وسيلة إلى قضاء مآربهم، وحظوظ نفوسهم؟!. ثم اجتمع شيخان من مشايخ الأزهر هما: الشيخ المهدي والشيخ الدواخلي، مع محمد أفندي طبل ناظر المهمات في حكومة محمد علي، وقد كان الثلاثة على غير وفاق مع السيد عمر، وتناجوا مع بعضهم. ثم ذهب الشيخان المذكوران إلى السيد عمر وأخبراه عن أن محمد أفندي ذكر لهم أن الباشا لم يحدث شيئًا من تلك المظالم، وقد كذب من نقل ذلك، وقال: إنه يقول: إني لا أخالف أوامر المشايخ، وعند اجتماعهم معه يحصل كل المراد. ولكن السيد عمر قد سئم من ألاعيب محمد علي وخبرها جيدًا، فبين لهذين الشيخين أن ما قاله محمد أفندي كذب لا أصل له، وأراهم بعض الأوراق التي تشتمل على المطالبة بهذه المظالم الجديدة، وقال لهم: أما الذهاب إليه فلا أذهب إليه أبدًا وإن كنتم تنقضون الأيمان والعهد الذي وقع بيننا فالرأي لكم، ثم انفض المجلس. "وأخذ الباشا يدبر في تفريق جمعهم وخذلان السيد عمر، لما في نفسه منه من عدم إنفاذ أغراضه ومعارضته له في غالب الأمور، ويخشى صولته ويعلم أن الرعية والعامة تحت أمره إن شاء جمعهم وإن شاء فرقهم،

стр. 45

وهو الذي قام بنصره وساعده وأعانه وجمع الخاصة والعامة حتى ملكه الأقليم". ثم ذهب الشيخان المذكوران وديوان أفندي وعبد الله بكتاش الترجمان، وحضر الجميع عند السيد عمر، وطال بينهما الكلام، والسيد عمر مصمم على الامتناع. "ثم قام المهدي والدواخلي وخرجا صحبة ديوان أفندي والترجمان وطلعوا إلى القلعة وتقابلوا مع الباشا، ودار بينهم الكلام، وقال في كلامه: أنا لا أرد شفاعتكم، ولا أقطع رجاءكم، والواجب عليكم إذا رأيتم مني انحرافًا أن تنصحوني وترشدوني. ثم أخذ يلوم على السيد عمر في تخلفه وتعنته، ويثني على البواقي، ويقول عنلا: وفي كل وقت يعاندني ويبطل أحكامي ويخوفني بقيام الجمهور. فقال الشيخ المهدي: هو ليس إلا بنا وإذا خلا عنا فلا يسوي بشيء، إن هو إلا صاحب حرفة أو جابي وقف؛ يجمع الإيراد ويصرفه على المستحقين (١)، فعند ذلك تبين قصد الباشا لهم ووافق ذلك ما في نفوسهم من الحقد للسيد عمر. ثم عادوا إلى السيد عمر وأخبروه بأن الباشا يقبل الشفاعة، ولم يقع منه خلاف، وأخبروه بقول الباشا: "وأما ما تفعلونه من التشنيع والاجتماع بالأزهر، فهذا لا يناسب منكم وكأنكم تخوفوني بهذا الاجتماع وتهيج الشرور وقيام الرعية، كما كنتم تفعلون في زمان المماليك فأنا لا أفزع من

стр. 46

ذلك وإن حصل من الرعية أمر فليس لهم إلا السيف والانتقام (١). ثم إن المشايخ وديوان أفندي وعبد الله بكتاش اجتمعوا في بيت السيد عمر مكرم وتكلموا في شان الطلوع إلى الباشا ومقابلته، فحلف السيد عمر إنه لا يطلع إليه ولا يجتمع به ولا يرى له وجهًا إلا إذا أبطل المظالم التي أحدثها، وبين موقفه قائلاً: إن جميع الناس يتهموني معه، ويزعمون أنه لا يتجارأ على شيء يفعله إلا باتفاقي معه، وامتنع عن الطلوع، فاتفقوا على طلوع الشيخ عبد الله الشرقاوي والمهدي والدواخلي والفيومي وذلك على خلاف غرض السيد عمر، فلما طلعوا إلى الباشا وتكلموا معه وقد فهم كل منهم لغة الآخر الباطنية. وحاول الباشا أن يراوغهم ويظهر أنه أبطل المظالم، ثم عادوا إلى السيد عمر وأخبروه بما وقع، فأخبرهم بكذب ذلك للمرة الثانية، وعاتب المشايخ لمسايرتهم له وعدم إنكارهم عليه، "ووجه عليهم اللوم في نقضهم العهد والأيمان، وانفض المجلس وتفرقت الآراء، وراج سوق النفاق وتحركت حفاظ الحقد والحسد وكثر سعيهم وتناجيهم بالليل والنهار، والباشا يراسل السيد عمر ويطلبه للحضور إليه والاجتماع به ويعده بإنجاز ما يشير عليه به. وأرسل إليه كتخدا (النائب) ليترفق به، وذكر له أن الباشا يرتب له كيسًا في كل يوم، ويعطيه في هذا الحين ثلثمائة كيس خلال ذلك فلم يقبل، ولم يزل الباشا متعلق الخاطر بسببه، ويتجسس ويتفحص عن أحواله وعلى من يتردد عليه من كبار العسكر، وربما أغوى به بعض الكبار فراسلوه سرًّا وأظهروا له كراهتهم للباشا وأنه إن انتبذ لمفاقمته ساعدوه وقاموا بنصرته عليه

стр. 47

فلم يخف على السيد عمر مكرم (١) ولم يزل مصممًا وممتنعًا عن الاجتماع به والامتثال إليه ويسخط عليه". وفي ذلك الوقت أمر الباشا بكتابة عرضحال بسبب المطلوب لوزير الدولة وهي أربعة آلاف كيس، ويذكر أنها صرفت في مشاريع وأعمال؛ كسد ترعة الفرعونية ومحاربة الأمراء المصرية (المماليك) - حتى دخلوا في طاعة الدولة، وعمارة القلعة والقناة التي تنقل المياه إليها وحفر الخلجان والترع. ثم أرسله إلى السيد عمر ليضع خطه وختمه عليه فامتنع وقال: "أما صرفه على سد الترعة فإن الذي جمعه وجباه من البلاد يزيد على ما صرفه أضعافًا كثيرة، وأما غير ذلك فكله كذب لا أصل له، وإن وجد من يحاسبه على ما أخذ من القطر المصري من الفرض والمظالم لما وسعه الدفاتر". فلما أخبر الباشا بذلك حنق واغتاظ في نفسه وطلبه للاجتماع به فامتنع، فلما أكثر عليه قال: إن كان ولا بد فأجتمع معه في بيت السادات، وأما طلوعي إليه فلا يكون، فلما أخبر بذلك ازداد حنقه وقال: "إنه بلغ به أن يزدريني ويرذلني ويأمرني بالنزول من محل حكمي إلى بيوت الناس". ثم اجتمع الباشا مع المشايخ في اليوم الثاني في بيت ولده إبراهيم، وأرسل رسولاً من طرفه ورسولاً من طرف القاضي يطلبه للحضور ليتحاقق ويتشارع معه، فرجعا وأخبرا بأنه شرب دواء ولا يمكنه الحضور في هذا اليوم، فعند ذلك أحضر الباشا خلعة، وألبسها الشيخ السادات على نقابة الأشراف وأمر بكتابة فرمان بخروج السيد عمر ونفيه من مصر يوم تاريخه، فتشفع المشايخ في إمهاله ثلاثة أيام حتى يقضي أشغاله، فأجاب إلى ذلك؛ فتقبل السيد عمر أمر النفي بصدر رحب.

стр. 48

وفي يوم الأحد أول رجب عام ١٢٢٤ هـ اجتمع المودعون للسيد عمر، ثم حضر محمد كتخدا، فعند وصوله قام السيد عمر وركب في الحال، وخرج صحبته وشيعه الكثير من المتعممين وغيرهم وهم يتباكون حوله حزنًا على فراقه، وكذلك اغتم الناس على سفره وخروجه من مصر لأنه كان ركنًا وملجأ ومقصدًا للناس ولتعصبه لنصرة الحق (١). وفي صبح ذلك اليوم، حضر الشيخ المهدي عند الباشا وطلب وظائف السيد عمر فأنعم عليه الباشا بنظر أوقاف الإمام الشافعي، ونظر وقف سنان باشا ببولاق، وحاسب على المنكسر له من الغلال مدة أربع سنوات فأمر بدفعها له من خزينته نقدًا، وقدرها خمسة وعشرون كيسًا، وذلك في نظير اجتهاده في خيانة السيد عمر حتى أوقعوا به ما ذكر (٢). وفي مستهل شعبان نمق مشايخ الوقت عرضحال في حق السيد عمر، بأمر الباشا، ليرسله إلى الدولة وذكروا فيه سبب عزله ونفيه عن مصر، وعدوا له مثالب ومعايب وجنحًا وذنوبًا: منها أنه أدخل في دفتر الأشراف أسماء أشخاص ممن أسلم من القبط واليهود. ومنها أنه أخذ من الألفي (أحد زعماء المماليك الكبار) مبلغًا من المال ليملكه مصر في فتنة أحمد باشا خورشيد، وأنه كاتب الأمراء المصريين أيضًا في وقت الفتنة ليأخذوا مصر على حين غفلة من أهلها في يوم قطع الخليج (الاحتفال بوفاء النيل). وأنه أراد إيقاع الفتن في العساكر لينقضن دولة الباشا ويولي خلافه

стр. 49

ويجمع عليه طوائف المغاربة والصعائدة وأخلاط العوام وغير ذلك، وذلك على حد من أعان ظالمًا سلط عليه. وكتبوا عليه أسماء المشايخ وذهبوا به إليهم ليضعوا ختومهم عليه، فامتنع البعض من ذلك وقال: هذا كلام لا أصل له، ووقع بينهم محاججات ولام الأعاظم الممتنعين على الامتناع، وكان من الممتنعين الشيخ أحمد الطحطاوي مفتي الحنفية، وكان ذلك سببًا في عزله عن ذلك المنصب بعد أن اتفق الأشياخ والمتصدرون على عزله، فاعتكف في داره لا يخرج منها إلا قليلاً واعتزلهم ولم يخالطهم وهم يبالغون في ذمه والحط عليه لكونه لم يوافقهم في شهادة الزور، "والحامل لهم على ذلك كله الحظوظ النفسانية والحسد، مع أن السيد عمر كان ظلاً ظليلاً عليهم وعلى أهل البلدة ويدافع ويرافع عنهم وعن غيرهم، ولم تقم بعد خروجه من مصر لهم راية، ولم يزالوا بعده في انحطاط وانخفاض" (١). * أولاد محمد علي باشا وأحفاده ومنحهم الإرساليات التنصيرية العون والتأييد: أما أولاد الباشا وأحفاده من بعده، فقد ظلوا يتعاهدون ما غرسه لهم والدهم وجدهم من غراس التغريب والعلمنة، ويسيرون في نفس الطريق التي مهدها أمامهم، ويتسابقون إلى كسب ولاء الغرب، وخطب وده (٢).

стр. 50

(فسعيد باشا) قد توالت أعطياته وسخاؤه على منح الإرساليات التنصيرية فوق ما تحلم به من عون وتأييد. فقد تفضل ذات مرة بإهداء إحدى الإرساليات قطعة أرض بالقاهرة في حي الخرنفش، وليته اكتفى بذلك، بل قام بمنحهم ٣٠ ألف فرنك سنة ١٨٥٩ م (١). ومن العجيب أن الأقباط لم ينشئوا لهم مدارس "نظامية" حتى عهد (إسماعيل) (٢) حين توالت عليهم هباته فأنشأوا مدرستهم الكبرى بجانب كنيستهم العامة وجعلوا التعليم فيها بالمجان، وأباحوا لبعض المسلمين الالتحاق بها (٣). أما اليهود فقد كان لهم مدرسة خاصة بابنائهم في عصر " محمد علي " أسسها أحد أثريائهم ويدعى (مسيو كريمو) وسميت المدرسة باسمه.

стр. 51

أما في عهد (إسماعيل باشا) فقد صار لليهود أربعة مكاتب بالقاهرة؛ اثنان منها للبنين ومثلهما للبنات، ولهم مدرسة نظامية بالقاهرة أيضًا، كما أنهم لم يهملوا إنشاء مكاتب لهم بالإسكندرية. أما طوائف النصارى الأخرى فليسوا أقل مما ذكرنا؛ فإن الطائفة الأرمنية هي من أقل الطوائف في عهد محمد علي التي أنشات مدارس على النظام الأوربي، فقد أسست مدرسة (كالرسديان) ببولاق سنة ١٨٢٨ م وهي تابعة لبطركخانتها الأرثوذكسية. أما الطائفة اليونانية ففي سنة ١٨٤٧ م أسست مدرسة (توستا) بشارع جامع مسجد العطارين بالأسكندرية، وكانت هذه المدرسة أول مدرسة أنشاها اليونانيون بمصر. ومنذ ذلك الوقت أخذوا في تأسيس مدارس لهم. أما الإيطاليون فقد بدأوا في إنشاء مدارسهم في مصر حوالي سنة ١٨٦٠م (١). وبمثل هذه التسهيلات والدعم انتشرت الإرساليات في مصر بشكل كبير، وانبرى النصارى على تنوع جنسياتهم، واختلاف طوائفهم ومذاهبهم يتسابقون في إنشاء المدارس التنصيرية، وتشييد دور العبادة الكنسية دون حسيب أو رقيب، بل قد قدم لهم ما لم يدر بخلدهم من الدعم والتشجيع. ومع أن هذه المدارس وتلك الإرساليات قد قامت بجهود ضخمة في تحقيق أهدافها التنصيرية، إلا أن نجاحها كان ضعيفًا أو أن النجاح لم يحالفها، وذلك بسبب ما قدمناه في بداية هذا الموضوع من أن الجماهير المسلمة كان يرتكز في قلوبها بغض الكافرين وعداوتهم. ومع هذا الفشل الذريع الذي منيت به هذه المؤسسات الصليبية فقد

стр. 52

حاول القساوسة والمنصرون أن يلجأوا إلى وسائل أخرى ويغطوا على ما يرمون إليه من أهداف باتت مكشوفة، فقام أحدهم ويدعى (بارثلميو) بفتح مدرسة بالاكتتاب لتعليم الأطفال من جميع الأديان، فقبل (محمد علي) أن تقوم الحكومة المصرية بجميع نفقاتها على ألا يدخلها إلا الصريون فقط بشرط عدم التدخل في ديانتهم (١). حقا إنه شرط غريب .. فكيف يعهد بمدرسة للأطفال إلى قسيس نصراني ثم يشترط عليه عدم التدخل في ديانتهم؟ وفي اعتقادنا أن هذا الشرط ليس أكثر من طعم في ذلك الشرك الذي اتفق على نصبه كل من محمد علي والمنصرين. وذلك للإيقاع بأبناء المسلمين ودفعهم بين براثن التنصير. أما حين تولى مقاليد الحكم (الخديوي إسماعيل) الذي كان يسعى إلى جعل مصر قطعة من أوربا كما قال (٢)، فقد تأسست عدة مدارس حرة بالمجان لكل الأديان في سنة ١٨٦٩ م بسبب رعاية الخديوي ودعمه السخي حتى يحقق أمنيته المنشودة في جعل مصر قطعة من أوربا (٣). وفي نفس الوقت الذي كنا نرى خلاله هؤلاء الحكام يتسابقون إلى دعم المدارس الأجنبية وإزاحة العوائق من طريقها، نرى أنهم قد أهملوا تعليم المسلمين في بلادهم فلم يلتفتوا إليه إلا قليلاً. (فسعيد باشا) في الوقت الذي أهمل فيه تعليم المصريين نجده يقدم إلى المدارس الأجنبية كل التسهيلات التي تساعدها على أداء رسالتها، فقدم إليها الأراضي التي تبني عليها مدارسها مجانًا، ومنحها المساعدات المالية الضخمة -كما سبق أن ذكرنا- والكتب الدراسية التي تطلبها، بل كانت الدولة تدفع

стр. 53

مرتبات المدرسين الذين تعينهم المدارس لتدريس اللغة العربية. وفي رأي أحد المؤرخين الأجانب للتعليم في هذه الفترة أن ما منحه سعيد للفرير (١) والإيطاليين بالإسكندرية يفوق ما أنفقه على ميزانية التعليم طوال حكمه (٢). ومع الإمعان في السير داخل الطريق التغريبي، والإيغال في منعطفاته ومنحدراته من قبل حكام مصر أصبح عدد المدارس الأجنبية يفوق عدد المدارس الحكومية التي أنشأتها الحكومة في فترات من حكمها؛ ففي سنة ١٨٧٥م كان عدد المدارس الأجنبية ٩٣ مدرسة، بها ٨٩١٦ تلميذًا وتلميذة، بينما كان عدد المدارس الحكومية ٣٦ مدرسة، بها ٤٨٧٨ تلميذًا وتلميذة. وفي سنة ١٨٨٧ م كان عدد المدارس الحكومية ٤٠ مدرسة كان عدد الطلاب فيها ٥٥٠٠ طالب، بينما كان عدد المدارس الأجنبية ١٩١ مدرسة، كان عدد الطلاب فيها ٢٢٧٦٤ طالب (٣). وفي هذه الأرقام والإحصائيات ما يغني عن التعليق، وبرهان ساطع على تولي هؤلاء الحكام للكفار، وفسح المجال لهم في بلاد المسلمين يعيثون فيها فسادًا، بل وتقديمم الدعم والعون والتشجيع إلى مؤسساتهم وقسسهم ومنصريهم. أما الاهتمام بالتعليم في الأزهر فأقل ما يمكن أن يقال أنه كان عندهم ملقى في زوايا الإهمال والنسيان.

стр. 54

وكما رأينا (الباي أحمد) لا يحيد قيد أنملة عن آراء وزيره المؤتمن الفرنسي (جوزاب دافو) ويقوم بتنفيذ ما يقرره ويراه، حتى لو كان ذلك في أخطر أمور البلاد وأهمها كالنواحي الدفاعية والعسكرية لتسقط البلاد فريسة سهلة تحت الاحتلال الفرنسي. فإن (الخديوي إسماعيل) كان لا يثق إلا بكل ما هو آت من الغرب، وبكل ما هو أوربي؛ ففي المجال العسكري مثلاً كان الضابط الأوربي الجديد مقدمًا على من هو أعلى منه رتبة وأكثر خبرة وتمرسًا من الضباط المصريين والمسلمين بالطبع. هذه الثقة العمياء التي منحها (الخديوي إسماعيل) العسكريين النصارى، وهذا الولاء المعلن الذي أولاهم إياه كانت له عواقب وخيمة جدًّا، ودفعت البلاد الثمن باهظًا لتلك السياسة الخرقاء. ولعل أصدق مثال على ذلك هو هذه الحادثة المؤلمة التي يرويها لنا واحد ممن عاشوا وقائعها، وهو القائد المعروف (أحمد عرابي) (١) (المتوفى سنة ١٣٢٩ هـ)؛ فحين قام (الخديوي إسماعيل) بتسيير حملة عسكرية إلى بلاد الحبشة عام ١٢٩٢ هـ وعهد بقيادتها إلى (راتب باشا) سردار العساكر المصرية، وأمر هذا القائد أن يكون مقيدًا برأي أركان حربه الجنرال (لورنج) وهو أمريكي كما يقول أحمد عرابي: "لا يعرف الفنون العسكرية، وإنما كان رئيس فرقة في الحرب الأمريكية من ضمن الفرق غير النظامية أي (المتطوعين) وكان أكثر رجال أركان الحرب الذين معه من بني جنسه فكان هذا الترتيب سبب الفشل الذي حاق بالمصريين في تلك الحملة". ثم يذكر أحمد عرابي كيفية سير هذه الحملة ووصولها إلى الحبشة ويبين

стр. 55

سبب الفشل الذي منيت به، والمصير الأسود الذي واجهته فيقول: "وكان أحد القسس الفرنساويين المبشرين في بلاد الأحباش يتردد كل يوم على رئيس أركان الحرب الجنرال (الورنج) الأمريكي مستطلعًا أحوال الجيش المصري حتى علم مقداره، واتفق معه على الحركة الحربية التي تكون سببًا لهلاك الفرقة المصرية عند الصدمة الأولى، وكان يبلغ معلوماته كل يوم إلى الملك (ملك الحبشة) فحشد هذا الملك جيشه وكان عدده ينيف على الثلاثمائة ألف من الرجال والنساء والشيوخ والأطفال على حسب عادتهم في الدفاع عن كيان بلادهم" (١). ثم كتب عرابي فصلاً بعنوان "في خيانة أركان الحرب، الأمريكيين الموظفين في الجيش المصري" فكان مما قاله حول هذه الخيانة: "واستعد جميع أركان الحرب الأوربيين والأمريكيين للحملة فألقوا جانبًا طرابيشهم الرسمية ولبسوا قبعاتهم ثم ربطوا في أعناقهم مناديل بيضاء إشارة إلى أنهم مسيحيون ليأمنوا على أنفسهم الخطر عند اختلاط الجيشين على حسب الاتفاق مع القسيس السابق ذكره. ثم ذكر ما حل بالجيش المسلم من هلاك عظيم، وسقوطه بين قتيل وأسير وجريح، عدا الغنائم التي غنمها الأحباش النصارى من هذا الجيش البائس (٢). * وصدق الله العظيم حين يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [آل عمران: ١١٨].

стр. 56

"وصدق رسول الله ﷺ حين قال للمشرك ذي الجرأة والنجدة الذي أراد القتال معه في غزوة بدر: " فارجع فلن أستعين بمشرك " (١). وهكذا كان الجيش المصري المسلم في هذه الحملة الخاسرة ضحية لتآمر الجنرالات الصليبيين الذين ركن إليهم (الخديوي إسماعيل) ووثق فيهم ثقة عمياء، وكبل قائد الجيش العام بأوامر أحدهم ممن ليس لديهم أية دراية بالأمور العسكرية. بل إننا نكاد نجزم أن هذه الحملة وما تلاها من حملات إلى بلاد الحبشة في عهد (الخديوي إسماعيل) لم تكن من باب التوسع والفتوحات كما يعتبرها كثير من المؤرخين، وإنما كانت من باب إلقاء الجيش المصري إلى التهلكة والإبادة. ولسنا نهدف بالطبع إلى استقصاء الحديث عنها، والدخول في أسبابها والظروف المحيطة بها، ولكن ذلك لا يمنعنا أن نشير إلى ما يؤيد ما ذهبنا إليه آنفا لعلاقة ذلك بموضوع الولاء والبراء فنقول أن حكم (الخديوي إسماعيل) في ذلك العصر قد بلغ من الضعف والعجز مبلغًا عظيمًا بسبب الديون الضخمة التي أرهق البلاد بها، مما تمخض عنه أن تستأثر الدول الدائنة وفي مقدمتها دولتا بريطانيا وفرنسا بالسلطة في عهده؛ حيث قامت كل منهما بتعيين وزير مراقب في الظاهر، ومهيمن على نصاب الأمور والسلطة في الحقيقة. فكيف يمكن لدولة أثقلتها الديون، وأنهكها الإفلاس والعجز أن تسير الحملات الحربية الباهظة التكاليف في بلاد مجهولة وصعبة التضاريس من

стр. 57

أجل التوسع فقط .. ؟ ولماذا لزم الوزيران الصمت حيال هذه الحملات التي ترهق ميزانية الدولة التي عينا لمراقبتها، واستخلاص الديون منها .. ؟ وإذا كان النفوذ الأوربي قد تغلغل في عهد (إسماعيل) تغلغلاً عظيمًا، وأصبحت حكومته وقصوره وسراياه تعج بالأوربيين والأمريكيين، فكيف تسمح أوربا الصليبية ومن ورائها الوزراء والقناصل والجنرالات الموجودون في حكومة الخديوي بأن يقوم هذا الحاكم بغزو الحبشة النصرانية وفتحها. في الواقع أن هذا أمر لا يمكن حدوثه مطلقًا إلا إذا كانت هناك أهداف غير ظاهرة يراد تحقيقها وأكبر دليل على هذا أن جده محمد علي باشا لما عزم على غزو الحبشة سنة ١٨٤٠ م حذره السفير الإنجليزي (سالت) وقال له: "تقع الحبشة (أثيوبا) تحت حمايتنا وهي البلد الوحيد في أفريقيا الذي اعتنق الدين المسيحي، وصمدت صمودًا طويلاً مظفرًا خلال أجيال أمام هجمات المسلمين، ولا ينبغي لأحد أن يتوقع من أوربا عامة ومن إنكلترا خاصة أن تقف موقف اللامبالاة إذا ما تعرض هذا البلد للهجوم .. وهناك كثيرون من جمعية الكتاب المقدس في بريطانيا يهتمون بمستقبل هذا البلد" (١). * دفاع الدكتور محمد عمارة عن محمد علي باشا والرد عليه: قال الدكتور عنه: "ارتادت مصر للشرق والوطن العربي عصر التنوير واليقظة والنهضة في ظل الدولة المدنية الحديثة التي أسسها محمد علي باشا الكبير" " التراث " (١٨٩)، ويخصص الدكتور مبحثًا كاملاً في كتابه "العلمانية" للدفاع عن اتهامات " لويس عوض" التي ردد فيها علمانية محمد علي باشا وأثبت الدكتور إنه لم يكن علمانيًّا أبدا فهو لم يحدث أي تغيير في القضاء أو يلغي المدارس الدينية وأما بعثاته فهي لعلوم الدنيا دون غيرها من

стр. 58

العلوم الإنسانية". قال سليمان بن صالح الخرابيشي في كتابه "محمد عمارة في ميزان أهل السنة والجماعة" (٦٦٤ - ٦٧١): "قلت: عندما يحكم المسلم على إنسان ما فإنه يستعرض أعماله ويتأملها بمنظور إسلامي شرعي فيذكر حسناته إن كان له حسنات ويذكر سيئاته .. والدكتور إنما ذكر الأمور التي يعتقد إنها حسنات لمحمد علي باشا فهو عنده رائد الدولة المصرية الحديثة الذي انتشلها من (ظلمات) المماليك إلى (نور) التقدم والمدنية بفضل جهوده في التربية وإرسال البعثات وتنظيم الجيش وفتح المدارس المدنية .. إلخ. ولكنه لم يذكر حرفًا واحدًا عن دوافع محمد علي باشا لذلك وعن غدره بالمسلمين (أعني المماليك) وعن حقده على العلماء الذين وثقوا فيه، وكانوا السبب في تمليكه مصر (أعني عمر مكرم ومن معه) وعن الأمر الكبير الذي يميز حياة الكبير! وهو عداوته للتوحيد وأهله ومحاربته للموحدين ممن أهل الجزيرة تنفيذًا لأوامر أسياده من شيوخ (الخرافة) في تركيا والدول الغربية الكافرة وكل ذلك في سبيل كسب دنيوي وطموح شخصي بالغ فيه هذا الجندي (التركي)! كان الأولى بالمفكر الاسلامي أن ينبه القارئ إلى هذا الذنب العظيم الذي ارتكبه الباشا وأبناؤه في حق دعاه التوحيد .. وإما التمجيد والثناء على (مدنيته) و (تقدميته) فهذه تجعل المرء يرتاب كثيرًا في مدى صدق الدكتور في ادعائه السلفية التي تخلى عن أهلها في أدنى موقف. وإما حكم رجال الإسلام في محمد علي وحقيقة علمانيته التي نفاها الدكتور. فقد قال الشيخ محمد قطب: "كان محمد علي شخصًا سيِّئ السمعة .. معروفًا بالقسوة وغلظ الكبد .. ترسله الدولة العثمانية لتأديب القرى التي تتأخر في دفع ما يفرض عليها من المال، فيعسكر هو وأفراد حملته التأديبية حول القرية ينهبون

стр. 59

ويسلبون ويفزعون الآمنين، حتى يرى أهل القرية أن الأفضل لهم أن يدفعوا الأموال المطلوبة -وإن أبهظتهم- خير من الذل والفزع الذي يعانونه من محمد علي وأفراد حملته! وكان محبًا للعظمة إلى حد الجنون .. صفات كلها صالحة .. ! وليس بين يدي الآن ما يقطع بأن فرنسا هي التي تدخلت لدى السلطان لإرساله واليًا على مصر .. وإن كانت الظروف تشير إلى ذلك. ولكنه جاء على أي حال .. واليًا من قبل الدولة العثمانية على مصر .. عام ١٨٠٥ من الميلاد، أي بعد مغادرة الحملة الفرنسية بثلاثة أعوام، كانت مصر في أثنائها قد عادت إلى حكم المماليك مع الولاء للسلطان واحتضنته فرنسا احتضانًا كاملاً لينفذ لها كل مخططاتها! أنشأت له جيشًا مدربًا على أحدث الأساليب ومجهزًا بأحدث الأسلحة المتاحة يومئذ بإشراف سليمان باشا الفرنساوي! وأنشات له أسطولاً بحريًا على أحدث طراز يومذاك وأنشأت له ترسانة بحرية في دمياط. وأنشأت له القناطر الخيرية لتنظيم عملية الري في مصر. هل كان هذا كله حبًا في شخص محمد علي؟ أو حبًا في مصر؟! إنما كان لتنفيذ المخطط الصليبي الذي عجزت الحملة الفرنسية عن تنفيذه بسبب اضطرارها إلى الرحيل. لقد قام محمد علي بدور خطير في نقل مصر من المرتكز الإسلامي إلى شيء آخر يؤدي بها في النهاية إلى الخروج من الحيز الإسلامي .. سواء كان واعيًا تمامًا. لهذا الدور، أو مستغلاً من قبل الصليبية لتنفيذه. والذي يغلب على حسِّنا -على ضوء التجربتين الأخيرتين، تجربة كمال أتاتورك وجمال عبد الناصر- أنه كان واعيًا للدور وضالعًا فيه. ولكن يستوي أن يكون ضالعًا بوعي أو مستغلاً مستغفلاً .. فهو في الحالين يؤدي ذات الدور، ويؤدي الدور إلى ذات النتائج بصرف النظر عن النوايا الداخلية للمنفذين.

стр. 60

ولكن يبقى شيء مؤكد في جميع الأحوال .. أن " المسلم " الحق لا يمكن بحال أن يقوم بمثل هذا الدور لا واعيًا ولا مسغفلاً؛ لأن إسلامه يمنعه أن يتلقى "التوجيه" من أعداء الإسلام. لكي نفهم حقيقة الدور الذي قام محمد علي في خدمة أعداء الإسلام، ينبغي أن نفهم ماذا كان يريد الأعداء. لقد كانوا يريدون القضاء على الإسلام بصفة عامة، ولكنهم وضعوا في مخططهم أهدافًا مرحلية معينة تمكنهم -في تصورهم- من القضاء الأخير على الإسلام .. من هذه الأهداف: القضاء على الدولة العثمانية، والقيام "بتغريب" العالم الإسلامي مع العناية الخاصة بتغريب مصر -بلد الأزهر- وتصدير التغريب منها إلى بقية العالم الإسلامي. فأما القضاء على الدولة العثمانية فالأمر فيه واضح. وأما عملية التغريب -عن طريق الغزو الفكري- فمهمتها الأولى قتل روح الجهاد الإسلامية ضد الصليبيين للقضاء على المقاومة المستمرة التي يلقاها الغزو الصليبي المسلح، وذلك بإزالة الحاجز العقيدي الذي يذكر المسلم دائمًا بأنه مسلم وأعداؤه كفار يجب أن يجاهدهم ولا يسمح لهم باحتلال أرضه الإسلامية فإذا "تغرب" لم يعد هذا الحاجز قائمًا في نفسه، ولم يعد يثير عنده ما يثيره الإسلام في نفس المسلم. كما أن التغريب هو الذي يضمن تبعية العالم الإسلامي للغرب -بعد أن يخضع عسكريًّا له- لأنه حين يتغرب، يحس أن انتماءه لم يعد للإسلام وإنما للغرب، فلا يشعر برغبة في الانفصال عنه، وحتى إن رغب في يوم من الأيام أن "يستقل" ففي حدود التبعية العامة التي لا تخرجه من حوزة سادته، ومن النطاق الذي يضربه السادة حوله. والآن وقد أدركنا تخطيط الأعداء فلننظر دور محمد علي بعد " احتوائه " من قبل فرنسا. كانت الخطة الصليبية -التي اضطلعت فرنسا بتنفيذها في مصر- هي

стр. 61

تكبير محمد علي وإغرائه بالاستقلال عن السلطان، فتنفصل بذلك قطعة من أرض المسلمين عن الدولة الإسلامية (وذلك يضعفها ولا شك) ثم يكون محمد علي نموذجًا مغريًا لغيره من الولاة، فيستقلون تباعًا عن الدولة رغبة في السلطان الذاتي، فتتفكك عرى الدولة وتنهار .. وفي ذات الوقت كانت الخطة في تغريب مصر -بعد استقلالها- لضمان تبعيتها الدائمة للغرب وانفصالها النهائي عن الإسلام. وقام محمد علي بالدور المطلوب خير قيام! فإن الجيش الذي صنعته له فرنسا، وقام بتدريبه سليمان باشا الفرنساوي قد استخدمه محمد علي لا في محاولة الاستقلال عن الخلافة فحسب، بل في محاربة الخليفة نفسه! وقد كاد يتغلب على جيش الخليفة بالفعل لولا تدخل بريطانيا .. تظاهرًا بالوقوف في صف الخليفة، وغيره في الحقيقة من أن تستأثر فرنسا "بصداقة" السلطان، وبالنفوذ في مصر! وفي الوقت نفسه لتخدم الهدف العام للصليبية بطريقة أخرى .. فقد أوقفت بريطانيا محمد علي عند حده في ظاهر الأمر، ومنعته من مهاجمة الخليفة، وفي الوقت ذاته ضمنت له الاستقلال الفعلي عن الخليفة، والاستئثار بحكم مصر حكمًا وراثيًا ينتقل في ذريته، مع التبعية الاسمية للسلطان!! (هذا بينما تجمعت أوربا الصليبية كلها لتحطيم محمد علي في معركة نافارين؛ لأنه نسي نفسه وتجرأ على مهاجمة دولة صليبية هي اليونان! فقد كبرته الصليبية وسلحته لمحاربة الإسلام فقط، فإذا فعل ذلك فله كل العون. أما إذا هاجت أطماعه لحسابه الخاص، فمس أحد الصليبيين بسوء، فهنا يجب تأديبه بل تحطيمه تحطيمًا كاملاً إذا لزم الأمر!! ). أما الجانب الآخر من المهمة وهو عملية التغريب، فقد نفذها محمد علي بسياسة الابتعاث التي اتبعها، بإرسال الطلاب الشبان إلى أوربا ليتعلموا هناك .. وكان هذا أخطر ما فعله في الحقيقة؛ لأنه من هناك بدأ الخط

стр. 62

"العلماني" يدخل ساحة التعليم، ومن ورائه ساحة الحياة في مصر الإسلامية. وقد يقول قائل: إنه لم يكن أمامه من سبيل للنهوض بمصر إلا هذا السبيل! وهو قول مردود فلو كان في مكان محمد علي قائد مسلم واع، يريد أن ينهض بمصر الإسلامية -أي على أسس إسلامية وقاعدة إسلامية- فقد كان أمامه سبيل آخر، هو النهوض بالأزهر -معقل العلم لا لمصر وحدها بل للعالم الإسلامي كله- برده إلى الصورة الزاهية التي كانت عليها المعاهد الإسلامية في عصور النهضة، حيث كانت تعلم العلم الشرعي والعلوم الدنيوية، وكان يتخرج فيها الأطباء والمهندسون والرياضيون والفلكيون والفيزيائيون والكيميائيون المسلمون الذي علموا العلم لأوربا يومًا من الأيام! فإذا كانت بلاده -أو بلاد العالم الإسلامي جمعاء- تفتقر إلى المتخصصين في هذه العلوم، الذين يحتاج إليهم الأزهر لينهض بمهمته، ففي وسعه يومئذ أن يرسل أفرادًا بأعيانهم، يختارون اختيارًا دقيقًا، على أساس دينهم وتقواهم، وحصافتهم ورزانتهم، بعد أن يكونوا قد تجاوزوا سن الفتنة، وأحصنوا بالزواج فلا ينزلقون في مزالق الفساد الخلقي .. فيتخصصون في مختلف العلوم ويعودون ليدرسوا للطلاب في بيئتهم الإسلامية، فيظل الشباب محافظًا على إسلامه، ويتزود من العلوم بما ينفض عنه تخلفه العلمي، ويعيد إليه الحاسة العلمية التي فقدها المسلمون خلال عصر التخلف الطويل .. وعندئذ " تنهض " مصر، بل ينهض العالم الإسلامي كله من طريق الأزهر الذي يؤمه الدارسون من جميع بلاد العالم الإسلامي .. ويكون هذا القائد المسلم قد أدى أجل خدمة للإسلام والمسلمين. فهل فكر محمد علي على هذا النحو، أو هل كان قمينا أن يتجه هذه الوجهة؟! لو كان هذا لما أختاروه! ولما جاءوا به ليؤدي دوره "العظيم" إنما كانت صياغته النفسية كلها

стр. 63

و"التوجيه" الذي يتلقاه، كله إلى الجانب الأخر .. جانب التغريب. لذلك أرسل الشبان الصغار بأعداد متزايدة إلى أوربا، وهم في سن الفتنة، غير محصنين بشيء .. "لينهلوا" من العلم إن شاءوا، ومن الفساد إن شاءوا، أو من العلم والفساد معًا في غالب الأحيان .. ثم يعودوا، ليكونوا رأس الحربة المتجه إلى الغرب، الذي يجر بلاده كلها إلى هناك! ولا عبرة بأنه كان يرسل مع كل بعثة إمامًا يؤمهم في الصلاة ويعلمهم أمور دينهم! فقد كان للصلاة حتى ذلك الوقت قداستها في حس المسلمين، ولا يتصور وجود " مسلم " لا يؤديها! أو هي في أقل الاعتبارات "تقليد" له قداسته، لا يمكن أن يخرج عليه مسلم! لذلك لم يتكن يتصور أن تكون هناك مجموعة من المسلمين بغير إمام يؤمهم في الصلاة، ولا يمكن أن يقدم محمد علي على كسر ذلك التقليد المقدس في ذلك الحين" (١). وقال الشيخ محمود شاكر: "رغم اندحار الحملة الفرنسية على الشرق فإن رسالة نابليون إلى كليبر بقيت هي الأساس في عملية الاستشراق والمستشرقين. يقول نابليون في رسالته: "اجتهد في جمع ٥٠٠ أو٦٠٠ شخص من المماليك حتى متى لاحت السفن الفرنسية تقبض عليهم في القاهرة أو الأرياف وتسفرهم إلى فرنسا، وإذا لم تجد عددًا كافيًا من المماليك فاستعض عنه برهائن من العرب ومشايخ البلدان فإذا ما وصل هؤلاء إلى فرنسا يحتجزون مدة سنة أو سنتين يشاهدون في أثنائها عظمة الأمة الفرنسية

стр. 64

ويعتادون على تقاليدنا ولغتنا ولما يعودون إلى مصر يكون لنا منهم حزب يضم إليهم غيرهم كنت قد طلبت مرارًا جوقة تمثيلية وسأهتم اهتمامًا، خاصًا بإرسالها لك لأنها ضرورية للجيش وللبدء في تغيير تقاليد البلاد". ومضت السنون والاستشراق في عمل دائب وتدبير متماد. وتولى أمر مصر رجل كانت تركيا بعثته مع ٣٠٠ من الجند في أواخر الحملة الفرنسية هو محمد علي عام ١٨٠٥ م - ١٢٢٠ هـ وكان في الخامسة والثلاثين من عمره جاهلاً لم يتعلم قط شيئًا من العلوم وكان لا يقرأ ولا يكتب ولكنه استطاع خداع المشايخ والقادة الذين آثروا ولايته على ولاية المماليك الذين لم يستطيعوا التصدي والوقوف أمام حملة نابليون. لم يكن الاستشراق وبخاصة الفرنسي غافلاً عن هذا المغامر الجديد الذي صعد إلى حكم مصر فنرى أنه عندما قامت ولايته على الديار المصرية أحاطت به قناصل المسيحية الشمالية إحاطة كامله -والقناصل هم الاستشراق نفسه في صورته السياسية- فبدأوا يوغرون صدره على المشايخ والقادة الذين نصبوه واليًا على مصر ويخوفونه عاقبة سلطانهم على جماهير الأمة فاستجاب لطنينهم وغدر بالمشايخ والقادة الذين وقفوا بجانبه وكانت مذبحة القلعة وغيرها وبهذا ظفر الاستشراق بالمشايخ الكبار ومهد لعزل الأزهر ومشايخه عن قيادة الأمة بل استطاع أن يؤلب الدولة التركية على ما يحدث من يقظة إسلامية في قلب الجزيرة العربية على يد محمد بن عبد الوهاب فاستجابت دار الخلافة بغفلتها إلى هذا التأليب وأرسلت جيوش محمد علي لقتال المسلمين في الجزيرة العربية ووجدها محمد علي فرصة لتحقيق آماله في التوسع وبسط نفوذه على بلاد أخرى وبهذا أدرك الاستشراق وأدركت المسيحية الشمالية مأربًا من أكبر مآربها في وأد اليقظة التي كانت تهددهم بها دار الإسلام في جزيرة العرب التي كانت تخشى المسيحية الشمالية أن تنضم هذه اليقظة إلى اليقظة الكائنة في دار الإسلام في مصر فيومئذ لا يعلم غير الله ما تكون العواقب، وتم كل ذلك

стр. 65

على يد مسلمين جهلة يوجههم الاستشراق والمسيحية الشمالية من حيث لا يبصرون ولا يعلمون ماذا يراد بهم ولا إلى أي هوة من الهلكة يساقون. ثم كانت بعثات محمد علي التي لم تكن نابعة من عقل هذا الجندي الجاهل بل كانت نابعة من عقول تخطط وتدبر لأهداف بعيدة المدى محققة بذلك ما جاء في رسالة نابليون لكليبر سالفة الذكر .. " (١). وقال الشيخ سفر الحوالي: " .. حدثت نفرة شديدة بين علم الأزهر الذي كان يعتقد أنه يمثل الثقافة الإسلامية أصدق تمثيل وبين علم الغرب الذي بدا لأعين الأزهريين علمًا غريبًا خاصًا بالكفار. من هذا الخطأ التاريخي تقريبًا نشأت الازدواجية الخطرة في العالم الإسلامي: تعليم ديني ضيق محدود وتعليم لا ديني يشمل نشاطات الفكر كلها. وقد حاول محمد علي في أول الأمر أن يدخل العلوم الحديثة ضمن مناهج الأزهر إلا أنه خشي معارضة الأزهريين فقام على الفور بانشاء نظامه التعليمي الحديث هكذا أنقسم التعليم في مصر إلى نظام ديني ونظام مدني حديث" (٢). قلت: أي نظام علماني. وقال الدكتور أحمد فرج: "كان محمد علي الذي اعتلى حكم مصر بعد خروج الفرنسيين كنابليون فكلاهما كانت تحركه أهداف علمانية" (٣). ويقول: "كان محمد علي امتدادًا لنابليون في مصر ومبادئ العلمانية التي أرساها نابليون وجيوشه الفرنسية مكن لها محمد علي بعد ذلك بعد أن قوض سلطة الأزهر وأضعف نفوذ علماء الدين وأتى بكل ما لا يتفق وفكرة الحاكم في التصور الإسلامي الذي يجسد صورة العدل بمعناها الشرعي.

стр. 66

لقد مهدت أوربا -خاصة فرنسا- كيف تحكم مصر بعد خروج الفرنسيين منها. وكانت خطة محمد علي في التحديث استمرارًا لخطة نابليون وأقام محمد علي دولته العلمانية التي لا تفرق بين مواطن وآخر إلا بمقدار ما يقدمه لها من خدمات دونما اعتبار لدين أو عرف أو لون، تمامًا كما فعلت فرنسا بعد نجاح ثورتها الكبرى وبنفس الأسلوب والمبادئ التي حملها نابليون وجيشه إلى كل بقعة وطئتها أقدامهم من العالم وكان محمد علي كنابليون يمضي كالسهم لا يوقف تقدمه شيء لضعف العلماء وقلة الأفاضل منهم وقلة حيلتهم" (١). قلت: ومن العجيب أن الدكتور أحمد فرج نقل مقالاً لمحمد عبده نشر في المنار يقول فيه: "إنه -أي محمد علي- أطلع نجم العلم في البلاد ولكنه لم يفكر في بناء التربية على قاعدة من الدين والأدب أو وضع حكومة منظمة يقام بها الشرع ويستقر العدل وحتى الكتب التي ترجمت إلى فنون شتى ترجمت برغبة من الأوربيين الذين أرادوا نشر آدابهم في البلاد وحرم المصريين من بلوغ الرتب في الجيش لذلك لم تلبث تلك القوة أن تهدمت واندثرت وظهر الأثر عندما جاء الإنجليز لإخماد ثورة عرابي .. ثم استقروا ولم توجد من البلاد نخوة في رأس تثبت لهم أن في البلاد من يحامي عن استقلالها. ولقد لا يستحي بعض الأحداث من أن يقول: إن محمد علي جعل من جدران سلطانه بنية من الدين .. فليقل لنا أحد من الناس أي عمل من أعماله ظهرت فيه رائحة للدين الإسلامي إلا مسألة (الوهابية) وأهل الدين يعلمون أن الإغاره فيها كانت على الدين لا للدين" (٢). قلت: فليت الدكتور كعادته قد تابع شيخه في هذه المسالة! (٣).

стр. 67

* رفاعة الطهطاوي (١٨٠١ - ١٨٧٣) يثنى على رقص الغرب وهو رائد الإصلاح! أو التغريب,وتلميذ جومار ألبار: سبق الكلام عنه، ونزيد بقول (جب): "كانت المصادر الأولى التي أخذ الفكر الأوربي يشع منها هي المدارس المهنية التي أنشاها محمد علي والبعثات العلمية التي أرسلها إلى أوربا"، ويذكر أن منها "مدرسة الألسن " التي كان يشرف عليها العالم الفذّ رفاعة الطهطاوي وهو تلميذ جومار ألبار". انظر إلى الطهطاوي في كتابه "تخليص الإبريز في تلخيص باريز" وهو يحدث أبناء أمته عن نوادي ومراقص باريس، وتعظيم المجتمع الفرنسي للمرأة!!! يقول: "والغالب أن الجلوس للنساء، ولا يجلس أحد من الرجال إلا إذا اكتفت النساء، وإذا دخلت امرأة على أهل المجلس ولم يكن ثم كرسي خال قام لها رجل وأجلسها. ولا تقوم لها امرأة لتجلسها، فالأنثى دائمًا في هذه المجالس معظمة أكثر من الرجل، ثم إن الإنسان إذا دخل بيت صاحبه فإنه يجب عليه أن يحيى صاحبة البيت قبل صاحبه ولو كبر مقامه ما أمكن، فدرجته بعد زوجته أو نساء البيت" (١). ويتعلق بالرقص في فرنسا كل الناس وكأنه نوع من العياقة والشلبنة (!!! ) لا من الفسق، فلذلك كان دائمًا غير خارج عن قوانين الحياء، بخلاف الرقص في أرض مصر فإنه من خصوصيات النساء؛ لأنه لتهيج الشهوات، أما في باريس فإنه نطّ مخصوص لا يشم منه رائحة العهر أبدًا!!، وكل إنسان يعزم امرأة يرقص معها، فإذا فرغ الرقص عزمها آخر للرقصة الثانية، وهكذا، وسواء كان يعرفها أو لا، وتفرح النساء بكثرة الراغبين في الرقص معهن

стр. 68

لسآمة أنفسهم من التعلق بشيء واحد، كما قال الشاعر: أيا من ليس يرضيها خليل ... ولا ألفا خليل كل عام أراك بقية من قوم موسى ... فهم لا يصبرون على طعام وقد يقع في الرقص رقصة مخصوصة بأن يرقص الإنسان ويده في خاصرة من ترقص معه، وأغلب الأوقات يمسكها بيده، وبالجملة فمسّ المرأة أيًّا كان من الجهة العليا من البدن غير عيب عند هؤلاء النصارى، وكلما حسن خطاب الرجل مع النساء ومدحهن عُدّ هذا من الأدب" (١). هذا الكلام يُوحي لقارئه بدلالات نذكر منها اثنتين: ا- إن الأخلاق ليست مرتبطة بالدين، وهي فكرة انقدحت في ذهن الشيخ لكنه لم يستطع أن يعبر عنها بجلاء، فها هو المجتمع يمارس ألوان الدياثة التي لا يرضاها الدين طبعًا ولكنها مع ذلك ليست خارجة عن قوانين الحياء، ولا يُشم منها رائحة العهر بل هي معدودة في باب الأدب!!!! وقد نمت هذه الفكرة وترعرعت حتى قيل صراحة: أن الحجاب وسيلة لستر الفواحش، وأن التبرج دليل على الشرف والبراءة، ومن ثم فلا علاقة بين الدين والأخلاق. ٢ - إن هذا المجتمع الديوث يكرم المرأة ويحترمها، وفي المقابل نرى المجتمع الإسلامي يحافظ على العرض لكنه يحتقر المرأة -حسب الواقع آنذاك - وبذلك نصل إلى المفهوم الذي وُجِد في أوربا نفسه وهو أن حقوق المرأة مرتبطة بتحررها من الدين فما لم يُنبذ الدين فلن تحصل على هذه الحقوق! وهكذا وُجدت البذرة الأولى لما سُمِّي "بقضية المرأة"! (٢).

стр. 69

لقد انبهر رفاعة الطهطاوي وفُتن بفرنسا، والثورة الفرنسية ولا ينكر أحد طبيعتها اللادينية والأثر التلمودي فيها. انظر إلى ما قاله الطهطاوي وكأنما هو يترجم مع الشرح عبارات روسو وفولتير. يقول: "ومن زاول علم أصول الفقه، وفقه ما اشتمل عليه من الضوابط والقواعد جزم بأن جميع الاستنباطات العقلية التي وصلت عقول أهالي باقي الأمم المتمدنة إليها وجعلوها أساسًا لوضع قوانين تمدنهم وأحكامهم، قلّ أن تخرج عن تلك الأصول التي بنيت عليها الفروع الفقهية التي عليها مدار المعاملات. فما يسمى عندنا بعلم أصول الفقه يشبه ما يسمى عندهم بالحقوق الطبيعية أو النواميس الفطرية، وهو عبارة عن قواعد عقلية تحسينًا وتقبيحًا، يؤسسون عليها أحكام المدنية. وما نسميه بالعدل والإحسان يعبرون عنه بالحرية والتسوية، وما يتمسك به أهل الإسلام من محبة الدين والتولع بحمايته مما يفضلون به عن سائر الأمم في القوة والمنعة يسمونه محبة الوطن". ... "ولما كانت أعمال كل نوع من أنواع المخلوقات وكل عضو من أعضاء فرد ذلك النوع منقادة لنواميس طبعية عمومية خصته الحكمة الإلهية كان لا يمكن مخالفة هذه النواميس بدون اختلال للنظام العام والخاص، وهذه النواميس الطبيعية التي خصت بها العالم القدرة الإلهية عامة للإنسان وغيره .. فينبغي للإنسان أن لا يتجارى على هذه الأسباب ويتعدى حدودها، حيث إن المسببات الناتجة عنها منتظمة محققة .. فعلى الإنسان أن يطبق أعماله على هذه الأسباب التي تقدم ذكرها ويتمسك بها وإلاَّ عوقب عقابًا إِلهيًّا لمخالفة خالق هذه الأسباب .. وأغلب هذه النواميس الطبيعية لا يخرج عنها حكم الأحكام الشرعية، فهي فطرية خلقها الله مع الإنسان وجعلها ملازمة له في الوجود، فكأنها قالب له نسجت على منواله

стр. 70

وطبعت على مثاله وكأنما هي سطرت في لوح فؤاده بإلهام إلهي بدون واسطة، جاءت بعدها شرائع الأنبياء بالواسطة وبالكتب التي لا يأتيها الباطل من بين يديها ولا من خلفها، فهي سابقة على تشريع الشرائع عند الأمم والملل، وعليها في أزمان الفترة تأسست قوانين الحكماء الأول وقدماء الدول وحصل منها الإرشاد إلى طرق المعاش في الأزمنة الخالية كما ظهر منها التوصل إلى نوع من انتظام الجمعيات التآنسية عند قدماء مصر والعراق وفارس واليونان، وكان ذلك من لطف الله تعالى بالنوع البشري حيث هداهم لمعاشهم بظهور حكماء فيهم يقننون القوانين المدنية لا سيما الضرورية لحفظ المال والنفس والنسل .. " (١). ويقول في مؤلف آخر مثنيًا على الدستور الفرنسي (الشرطة): "فيه أمور لا ينكر ذوو العقول أنها من باب العدل .. ومعنى الشرطة في اللغة اللاتيني ورقة، ثم تسومح فيها فأطلقت على السجل المكتوب فيه الأحكام المقيدة، فلنذكره لك وإن كان غالب ما فيه ليس في كتاب الله تعالى ولا في سنة رسول الله ﷺ لتعرف كيف قد حكم عقولهم بأن العدل والإنصاف من أسباب تعمير الممالك وراحة العباد، وكيف انقادت الحكام والرعايا، لذلك عمرت بلادهم وكثرت مصارفهم وتراكم بناهم وارتاحت قلوبهم، فلا تسمع فيها من يشكو ظلمًا أبدًا والعدل أساس العمران" (٢). وانظر إلى أثر رفاعة في تلميذه محمد عثمان جلال (١٨٢٩ - ١٨٩٨) لترى موجة عاتية من موجات التغريب فقد كانت أبرز آثاره الأدبية ترجمات لبعض المؤلفات الفرنسية ذات الشهرة مثل بول وفرجيني، وخرافات لافونتين وبعض ملاهي موليير، والأمر الذي يجب التنويه به في عمله هذا

стр. 71

ليس هو فكر الترجمة في ذاتها بل الروح التجديدية التي تكمن وراءها (! ) فقد ترجم لافونتين إلى شعر سهل لا تصنّع فيه ولا رهق، إلا أنه حين ترجم ملاهي موليير كتبها بلهجة العامة في مصر، ولم يكن الوقت قد حان بعد للإقدام على مثل هذا العمل الجريء (! ) غير أن ما تجلى في تلك الخطوة من انفكاك تام من أسر الماضي كان دليلاً على روح العصر، قال الخديوي إسماعيل: "أن مصر أصبحت قطعة من أوروبا"، ولذا كان لا بد للأدب المصري من أن يعبر عن استقلاله عن التقاليد الآسيوية والإفريقية" (١). * عبد الرحمن الكواكبي أول من نادى بفكرة العلمانية حسب مفهومها الأوربي الصريح: يقول عبد الرحمن الكواكبي (ت ١٩٠٢): "يا قوم وأعني بكم الناطقين بالضاد من غير المسلمين أدعوكم إلى تناسي الإساءات والأحقاد، وما جناه الآباء والأجداد، فقد كفى ما فعل ذلك على أيدي المثيرين، وأجلكم من أن لا تهتدوا لوسائل الاتحاد وأنتم المتنورون السابقون. فهذه أمم أوستريا وأميركا قد هداها العلم لطرائق الاتحاد الوطني دون الديني، والوفاق الجنسي دون المذهبي، والارتباط السياسي دون الإداري .. ". "دعونا ندبر حياتنا الدنيا، ونجعل الأديان تحكم الآخرة فقط (! ) دعونا نجتمع على كلمات سواء، ألا وهي فلتحيا الأمة، فليحيا الوطن، فلنحيا طلقاء أعزاء" (٢).

стр. 72

* وكم ذا بمصر من المبكيات .. واإِسلاماه أكبر مؤتمر للتبشير (التنصير) يعقد بمنزل أحمد عرابي!!! فليُعدَّ عرابي للسؤال جوابًا بين يدي الله ﴿أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ﴾: أُتسلم الأمة أزمة أمورها لمن لا يعرفون معنى الولاء والبراء وهل يُصدق مخبول أنه في بيت زعيم المصريين أحمد عرابي عُقد أول مؤتمر تنصيري لتغيير دين الأمة وهذا أمر متواتر يعلمه كل من قرأ التاريخ. نزف البكاء دموع عينك فاستعر ... عينًا لغيرك دمعها مدرارُ من ذا يعيرك عينه تبكي بها ... أرأيت عينًا للدموع تُعارُ وما تزال بقلبي ألف مُبكية .. !!!! تحت عنوان "مؤتمر القاهرة سنة ١٩٠٦" نقل الأستاذ محب الدين الخطيب إلينا الآتي: "كان القسيس "زويمر" رئيس إرسالية التبشير العربية في البحرين أول من ابتكر فكرة عقد مؤتمر عام يجمع إرساليات التبشير البروتستانية للتفكير في مسألة نشر الإنجيل بين المسلمين. وفي سنة ١٩٠٦ أذاع اقتراحه وأبان الكيفية التي يكون بها، فوضعت هذه الفكرة على بساط البحث في (ميسور) من ولاية (أكرا) في الهند؛ لأن هذه الولاية ذات أهمية كبرى من حيث المسائل الإسلامية لوجود مدرسة (عليكر) هناك. ثم عرض الاقتراح على مؤتمر التبشير الذي ينعقد في مدينة (مدراس) الهندية كل عشر سنوات فأجاز عقده وأن اتخاذ الهند قاعدة لتأسيس النظامات الخاصة بتبشير المسلمين بالنصرانية أمر طبيعي وبديهي؛ لأن مسلمي الهند أخذوا على عاتقهم منذ القرن التاسع عشر تأييد السياسة الإنكليزية للتغلب على الهندوس. ولما تقرر عقد المؤتمر شرع القسيس (زويمر) وزميل له يعدان المعدات لتأليف لجنة مؤقتة تضع برنامج مذكرات المؤتمر وتدعو المبشرين المنتشرين في

стр. 73

كل البلاد للاشتراك به وفي يوم ٤ من أبريل من سنة ١٩٠٦ افتتح المؤتمر في القاهرة في منزل عرابي باشا في باب اللوق وبلغ عدد مندوبي إرساليات التبشير ٦٢ بين رجال ونساء. وكان عدد منا ومندوبي إرساليات التبشير الأمريكية التي في الهند وسوريا والبلاد العثمانية وفارس ومصر واحدًا وعشرين ومندوبو إرساليات التبشير الإنكليزية خمسة واشتركت في المؤتمر الإرساليات الأسكتلندية والإنكليزية المنفردة والألمانية والهولندية والسويدية وإرسالية التبشير الدنمركية الموجودة في بلاد العرب. انتخب القسيس (زويمر) رئيسًا للمؤتمر، وعين معه نائب رئيس وكتبة، وحددت أيام الجلسات. وهذا برنامج المسائل التي تفاوضوا فيها: ملخص إحصائي عن عدد المسلمين في العالم، الإسلام في أفريقية، الإسلام في السلطنة العثمانية، الإسلام في الهند، الإسلام في فارس، الإسلام في الملايو، الإسلام في الصين، النشرات التي ينبغي إذاعتها بين المسلمين المتنورين والمسلمين العوام، التنصر، الارتداد، وسائل إسعاف المتنصرين المضطهدين، شئون نسائية إسلامية، موضوعات تتعلق بتربية المبشرين والعلاقات بينهم وكيفية التعليم في الإسلام. وهذه الموضوعات جمعت على حدة في كتاب كبير اسمه "وسائل التبشير بالنصرانية بين المسلمين" ثم صنف القسيس زويمر كتابًا جمع فيه بعض تقارير عن التبشير وسماه "العالم الإسلامي اليوم". * وسائل لتبشير المسلمين بالنصرانية: جمع هذا الكتاب ونشره القسيس (فلِمينغ) الأمريكي وكتب عليه هذه الكلمة "نشرة خاصة" بمعنى أنه طبع ليتنقل في أيدي فئة خاصة من رجال

стр. 74

التبشير لا ليطلع عليه كل الناس وقد ضمنه المباحث التي دارت في مؤتمر القاهرة واختتمه بنداءين استنهض بأحدهما همم رجال النصرانية ليجمعوا قواهم ويتضافروا بأعمال مشتركة وعمومية فيستولوا على أهم الأماكن الإسلامية. والنداء الثاني خاص بأعمال نسائية. أما الفصل الأول من الكتاب فيبحث في الطريقة التي ينبغي انتهاجها في التبشير وعما إذا كان مفيدًا ضم إرساليات تبشير المسلمين إلى إرساليات تبشير الوثنيين، وفضل بقاءهما منفصلتين. وفيه البحث أيضًا عما إذا كان الإله الذي يعبده المسلمون هو إله النصارى واليهود أم لا؟ وقد صرح (الدكتور لِبْسِيُوس) في مؤتمر القاهرة بأن إله الجميع واحد إلا أن القسيس زويمر خالفه في هذا الرأي فقال: إن المسلمين مهما يكونوا موحدين فإن تعريفهم لإلههم يختلف عن تعريف المسيحيين؛ لأن إله المسلمين ليس إله قداسة ومحبة .. وفي الفصل الثاني والثالث بحث في الصعوبات التي تحول دون تبشير المسلمين العوام وذكر الوسائل التي يمكن استجلابهم بها وتحبيب المبشرين إليهم، وأهم هذه الوسائل العزف بالوسيقى الذي يميل إليه الشرقيون كثيرًا، وعرض مناظر الفانوس السحري عليهم وتأسيس الإرساليات الطبية بينهم، وأن يتعلم المبشرون لهجاتهم العامية واصطلاحاتها نظريًا وعمليًا، وأن يدرسوا القرآن ليقفوا على ما يحتويه، وأن يخاطبوا العوام المسلمين على قدر عقولهم ومستوى علمهم، ويجب أن تلقى الخطب عليهم بأصوات رخيمة وبفصاحة، وأن يخطب المبشر وهو جالس ليكون تأثيره أشد على السامعين، وأن لا تتخلل خطاباته كلمات أجنبية عنهم، وأن يبذل عناينه في اختيار الموضوعات، وأن يكون واقفًا على آيات القرآن والإنجيل عارفًا بمحل المناقشة، وأن يستعين قبل كل شيء بالروح القدس والحكمة الإلهية، ومن الضروري أن

стр. 75

يكون خبيرًا بالنفس الشرقية وأن يستعمل التشبيه والتمثيل أكثر مما يستعمل القواعد المنطقية التي لا يعرفها الشرقيون. وختم المؤلف هذين الفصلين بأن أكثر المسلمين الذين تنصروا إنما هم من العامة والأميين. وفي الفصل الرابع يأتي ذكر الصعوبات التي تقف في سبيل تبشير المسلمين المتنورين وهذه الصعوبات هي التي جعلت المؤتمر يترك المذاكرة في بادئ الأمر بمسألة التنصير، فخاض في البحث عن الوسائل التي يكون لها تأثير -ولو قليلاً- على الناشئة الإسلامية لتدرك الأمور الاجتماعية والخُلقية والأدبية. وهنا قال سكرتير المؤتمر: إن الخطة العدائية التي انتهجها الشبان المسلمون المتعلمون اضطرت المبشرين في القطر المصري إلى محاولة إعادة ثقة الشبان المسلمين بهم، فصار هؤلاء المبشرون يلقون محاضرات في موضوعات اجتماعية وخلقية وتاريخية لا يستطردون فيها إلى مباحث الدين، رغبة في جلب قلوب المسلمين إليهم. وأنشاوا بعد ذلك في القاهرة مجلة أسببوعية اسمها (الشرق والغرب) افتتحوا فيها بابًا غير ديني يبحثون فيه بالشئون الاجتماعية والتاريخية، وأسسوا أبضا مكتبة لبيع الكتب بأثمان قليلة والغرض من ذلك استجلاب الزبائن ومحادثتهم في أثناء البيع. وقد مضى على ذلك ثلاث سنوات تسنى فيها للمبشرين أن يتوصلوا إلى النتائج الآتية: الأولى: أنهم عرفوا أحوال البلاد وأفكار المسلمين وشعورهم وعواطفهم وميولهم. الثانية: أنهم حصلوا على ثقة عدد من المسلمين بهم. الثالثة: أن المبشرين تحققوا أنهم بتظاهرهم في وداد المسلمين وميلهم إلى
следующие страницы →