← Общие книги

Общие книги · id 6523

أعلام وأقزام في ميزان الإسلام

سيد حسين العفاني

Полный текст (1 176 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.

стр. 631

- هل كان على السادات -ليعجب هيكل- أن يترك العفن الذي تركه له عبد الناصر ليأتي على الأخضر واليابس؟ (١). - يا عرّاب الناصرية الكادح إلى حتفه كدحًا، أما أن لك أيها السكران بخمر الناصرية الأثيم أن تفيق .. إن حديث الغرائز كان عليه أن يتوقف يوم ٢٨ سبتمبر سنة ١٩٧٠ بذهاب سيدك إلى ربه - لو جمعت أكاذيبك عن الإسلاميين لملأت مجلدات ولكن كيف تجترئ الكذب على الله فتقول في "خريف الغضب" (ص ٢٨٩): "وكانت لكتابات سيد قطب تأثيراتها، ولقد ساعد على انتشار هذه التأثيرات أن الإخوان المسلمين لم يقبلوا مجمل الأفكار الرئيسية التي جاءت بها الثورة المصرية، كانت أفكار الثورة عن المساواة وتذويب الفوارق بين الطبقات تبدو متعارضة مع قول القرآن (وجعلنا بعضكم فوق بعض طبقات) هذا كلام هيكل وليس كلام الله، ومن يكذب على الله، فليس بمستغرب عليه أن يكذب على الناس. إِن كان يقصد ما يقول فآثم ... أو كان يجهل فالجهالة عار (٢) - تقول صافيناز كاظم في كتابها "الخديعة الناصرية" عن التيار الثوري الانتهازي أنه يتكلم بلغة الثوار، ويستخدم اصطلاحاتهم ويصفق للاشتراكية، وكان هذا التيار بانتهازيته يجمع مكاسب مادية هائلة، يسوغها لنفسه بمقولة: "الاشتراكية لا تعني الفقر .. الاشتراكية من أجل حياة أفضل"! وكانت وظيفته الأساسية أن يزوّر حقيقة عبد الناصر، ويجعل منه وثنًا معبودًا له خوار، ويفلسف كل أخطائه ويبررها، ويدافع عنها أمام الرأي العام العربي

стр. 632

والعالمي، ويقوم بدور تشويه وسحق مجموعة المثقفين الشرفاء من الحركة الإسلامية ويتهمهم بالتطرف والطفولة الثورية والإرهاب والشغب كان هذا التيار يُهندسه ويقوده محمد حسنين هيكل ومن تحت إبطه لطفي الخولي -قبل أن يغدر به- ومحمود أمين العالم من جانب آخر، بالإضافة إلى ثقلين ثقافيين رئيسيين هما: توفيق الحكيم (١)، ونجيب محفوظ (هاتان الشخصيتان الزئبقيتان اللتان أثبتتا قدرة شيطانية رهيبة في القفز واللعب على حبال كل التيارات بحيث أمكن لها الامتداد والاستمرار في مكانتهما الراسخة العالية لدى كل سلطة مهما تغيرت الأقنعة واللغة واللهجة والصوت والصيحات سبحان الله!! )، وكان كل اسم من هؤلاء يحتكم تحت إمرته وحمايته طابورًا من أسماء عديدة - "معظمها ناصرية وماركسية وتوليفة الماركسية الناصرية والناصرية الماركسية" (٢) * الهزيمة النكراء التي سماها هيكل النكسة: كيف استطاع هيكل أن يزور التاريخ وهو يكتب في أكبر صحيفة وهي الأهرام عن أيام ٥ يونيو - كيف كتب عن أعمق مأساة في تاريخنا، مأساة توقف عندها التاريخ .. لم تجف لها دموع الملايين على مئات الألوف من الأبرياء، كيف استطاع عبد الناصر وهيكل أن يخدعا شعبًا ويضللا أمة؟ وكيف أننا ما نزال نهز آذاننا ونفرك عيوننا ونرى الموّال الذي لا ينتهي عن "كلنا بنحبك .. ناصر".

стр. 633

- إن احتيال الدجال هيكل وزمرته قد أطال بقاء الوثن في الحكم، بزعم أنه تجاوز عمره الافتراضي في مايو ١٩٦٧ م يوم أعلن أنه لن يحارب .. لن يهاجم .. لن يبدأ، ثم حشد مئات الألوف من الجنود بلا استعداد، بلا خطة، وجعلهم عراة في الصحراء، وكأنه "رومولوس" آخر ملوك الإمبراطورية الرومانية، عندما قرّر أن يصفي الإمبراطورية لأنها كبرت وشاخت، فقبل أن تحاكمه وتحكم عليه، حاكمها وحكم عليها، وأدانها ونفّذ فيها حكم الإعدام في صبيحة الخامس من يونيو عام ١٩٦٧ م. - وظهرت براعة عبد الناصر وهيكل في التمثيل يوم النكسة وما بعدها، فقد قررّ عبد الناصر أن يتنحَّى ظهرًا ويعود ليلاً، وأعد له خطاب التنحي الممثل البارع محمد حسنين هيكل، ورُسِمت الأدوار بواسطة الدّجالين .. يترك ناصر الحكم لوزير الحربية المهزوم شمس بدران ثم يعدل عنه إلى زكريا محيي الدين وهو كريه عند الشعب المصري، وكأنه يتنحَّى من ناحية ويدفع الناس إلى التمسك به، ودُبِّرت مظاهرات العدول عن التنحي، وكانت الصورة التي يجب أن نخجل لها حتى آخر الزمان .. صورة "أعضاء مجلس الأمة، وهم يرقصون طربًا؛ لأن عبد الناصر قد قررّ العودة، أوْ قل: فرقة الفنون الشعبية التابعة لمجلس الأمة .. رقص الناس طربًا وفرحًا للرجل الذي مسح بهم الأرض من المحيط إلى الخليج .. للرجل الذي كان سببًا في سفك دماء الآلاف الذين ذبحوا على رمال سيناء .. للرجل الذي أدخل اليهود في مصر وسوريا والأردن والقدس في ست ساعات". - أية شعوب هذه التي تهلل وتكبر للزعيم الذي جلب لها هزيمة نكراء لا مثيل لها في التاريخ القديم والحديث، ومع هذا يعلن هيكل أننا انتصرنا لبقاء عبد الناصر في الحكم وإن ضاعت سيناء برملها، ولسوف يُسأل هيكل عن دجله أمام محكمة التاريخ، وأمام الأجيال القادمة ... وسيسأل أمام الله

стр. 634

عز وجل في الآخرة عما فعل بأمته. - ومن يوم هزيمته في ٥/ ٦/١٩٦٧ حتى هلاكه في ٢٨/ ٩/١٩٧٠ عاش عبد الناصر ثلاث سنوات وثلاثة أشهر و٢٣ يومًا ظهر دجل حاوي الناصرية وفيلسوفها محمد حسنين هيكل. * " بصراحة" لمحمد حسنين هيكل بعد النكسة .. بجريدة الأهرام: كان محمد حسنين هيكل يخرج لنا كل جمعة بأفيون صراحته، يغالط في ضوء الشمس كل الحقائق الصارخة، ويقول: إننا لا نستطيع أن نحارب مثل فيتنام؛ لأن فيتنام دولة فقيرة وشعبها بدائي وليس لديه ما يخسره، أما شعب مصر فشعب عريق، لديه السد العالي، والأهرامات ولا يجب أن يعرضهم للدمار والنسف بدخولها حربًا مثل حرب فيتنام (انظر مقالات هيكل بالأهرام ما بين ٦/ ١٩٦٧ إلى ١٢/ ٦٧) واستمر هيكل يركز على الحل السلمي وفقًا لقرار ٢٤٢ المعترف بإسرائيل، وأن الحرب الوحيدة الممكنة هي حروب استنزاف لفرض الحل السلمي، وكان يقدم منطقًا تعجيزيًا يوهن من عزيمة الشعب المصري بقوله: إنه لا يمكن الحرب ضد إسرائيل؛ لأن الحرب معها تعني الحرب مع أمريكا، ونحن لا يمكن أن نناطح أمريكا، واختراع خرافة اسمها "تحييد أمريكا! ". كانت مقالات هيكل السامة دائبة السعي لإنهاك معنويات الشعب المصري وسحقها، وكان يبدو في مقالاته ديناصورًا ساديًا كريهًا، لكنه كان يُرضي بمقالاته وروحه هذه الكثير من شرائح المثقفين المهزومين والثوريين مع وقف التنفيذ، وكانت هذه الشرائح بطبيعة ذاتية أنانية - تبحث وسط الخراب عن المكسب الذاتي والمصالح الشخصية، وكانت ترى في راية الكفاح الشعبي ومواصلة الاستعداد للدفاع من أجل استعادة كل الأراضي المحتلة بالقوة،

стр. 635

كانت ترى في هذه الراية ما يهدد استقرارها وراحتها لذلك قامت هذه الشرائح بتبني مقولات هيكل، وصوّرته في هيئة الرجل العاقل الواعي غير المتهور، إذ وجدت في صراحته الكاذبة صياغة لما يجول في ضمائرها ويخدم أهدافها. - (كان أهم ما أبدع فيه هيكل هو إعلانه أننا انتصرنا في الحقيقة -رغم خسارة الرجال وضياع الأرض- ونصرنا هو: إن نظام عبد الناصر لم يسقط وبالفعل صرنا نحتفل بعيد النصر رغم الهزيمة! ) (١). * برغم عداوتي وكرهي الشديد للعامية: برغم عداوتي وكرهي الشديد للكتابة بالعامية إلاَّ أني أستميح القارئ عذرًا في إيراد هاتين القصيدتين قصيدة عن الأستاذ ميكي (أي محمد حسنين هيكل) وقصيدة عن نكسة ٥ يونيو وعبد الجبار (يعني عبد الناصر) لأحمد فؤاد نجم رغم أنني أخالفه في انتمائه الفكري وسلوكه الشخصي من الألف إلى الياء يصدق فيه قول رسولنا ﷺ : "صدقك وهو كذوب". - قصيدة تدحض مغالطات هيكل وسيده ناصر .. ومقالاته الكاذبة في جريدة الأهرام تحت عنوان "بصراحة": "بصراحة يا أستاذ ميكي .. (المقصود هيكل) إنك رجعي وتشكيكي بصراحة لا أنت معايا ولا طالل من شبابيكي وبلادنا لسه جريحة

стр. 636

وبتصرخ بالأفريكي لو بات التار يا ولادي حيبات الذل شريكي "بصراحة" يا أستاذ ميكي إنك رجعي وتشكيكي قاعد لا مؤاخنة تهلفط وكلامك رومانتيكي ولا ناوي تبطَّل تكتب بصراحة كلام بولوتيكي عن دور الحل السلمي واستعماله التكتيكي فـ الوقت اللي إحنا صراحة دايخين دوخة البلجيكي وبلدنا لسه جريحة وبتصرخ بالأفريكي لو بات التار يا ولادي حيبات الذل شريكي والشعب يقول يا بلادي بالروح والدم أفديكي وحاجات "بصراحة" بتحصل في بلدنا يا أستاذ ميكي "بصراحة" لا أنت معايا

стр. 637

ولا طالل من شبابيكي وكأنك مثلاً موميا للسلطان الأنتيكي أحياها لاستعمالها لستعمار الأمريكي رجعت على هيئة ميكي!! " يوم أُعلنت الهزيمة باسم النكسة في يونيو ١٩٦٧ وجد أحمد فؤاد نجم نفسه يتقيأ دمًا، ومع هذه الحالة الجسمانية المفاجئة جلس ليكتب قصيدته الشهيرة التي كلّفته قرارًا بالاعتقال مدى الحياة عام ١٩٦٨: الحمد لله خبّطنا تحت باططنا يا محلى رجعة ظبّاطنا من خط النار! يا أهل مصر المحمية بالحراميةْ الفول كثير والطعمية والبرّ عَمَار والعيشة معدن وآهي ماشيةْ آخر آشية ما دام جنابُهْ والحاشية بكروش وكتارْ ها تقوللي سينا وما سيناشي ما تدويشناشي ما ستميت أتوبيس ماشي

стр. 638

شاحنين أنفار إيه يعني لما يموت مليون أو كل الكون العمر أصلاً مش مضمون والناس أعمار إيه يعني في العقبة جرينا والاّ في سينا هيّ الهزيمة تنَسِّينا إننا أحرار إيه يعني شعب في ليل ذله ضايع كله دي كفاية بسّ أمّا تقول لُّه إحنا الثوار وكفاية أسيادنا البعدا عايشين سُعدا بفضل ناس تملا المعدة وتقول أشعار أشعار تمجدْ وتماين حتى الخاين إن شاء الله يخربها مداين عبد الجبار!! ***

стр. 639

* مدرسة يوسف الخال (مدرسة الحزب القومي السوري) منطلق العمل الشعوبي وأساس البناء التغريبي وحاملة لواء الفينيقية والوجودية: - يوسف الخال - غسان تويني - لويس الحاج - أدونيس - توفيق صايغ - جبرا إِبراهيم - غادة السمان - ليلى بعلبكي: "تمثل مدرسة الحزب القومي السوري الأدبية منطلق العمل الشعوبي وأساس البناء التغريبي في هذه المرحلة، فهي تحمل لواء الإقليمية والفينيقية، والوجودية وكل شتات الدعوات الوافدة لتزييف أصالة الأدب العربي. وعلى قمة هذه المؤسسة: يوسف الخال، غسان تويني، لويس الحاج، وقد أفرزت: أدونيس، وتوفيق صايغ، ويوسف حبش الأشقر، وجبرا إبراهيم جبرا، وليلى بعلبكي، وغادة السمان، وقد احتضنت هذه المؤسسة التيار الماركسي والوجودي والبعثي، وفي أحضانها نمت كتابات وأشعار: البياتي، وكاظم حداد وعبد المعطي حجازي، والسياب وصلاح عبد الصبور، ومن أكبر دعاتها: أدونيس ولويس عوض وقد تصدروا مجلات أدب وحوار وشعر، ويصور الباحثون منطلق هذا العمل بأن القوميين السوريين الذين صودرت دعوتهم الهدامة منذ سنوات، قد وجدوا في الأدب والشعر منطلقًا جديدًا، يقول: فيشعر القوميون السوريون أن "فينيقيا" هي فردوسهم المفقود، وهي أرضهم الموعودة التي يحلمون بها ويحاولون إعادتها إلى الواقع الحي" وهذا الحنين إلى فينيقيا أو إلى سوريا الكبرى بلغة الاصطلاحات الحديثة يملأ شعر القوميين السوريين وخاصة أدونيس وهو أنضج هؤلاء الشعراء فنًا وأكثرهم تعبيرًا عن هذه الفكرة، وكانت جريدة النهار هي بوتقة العمل، يقول طلال رحمة: كانت الأسماء التي ظهرت على صفحات جريدة النهار بمجملها من الناحيتين السياسية والفكرية، امتدادًا طبيعيًا لأوائل المبشرين اللبنانيين والسوريين فيما يسمى عصر النهضة الأدبية، وفي أواخر الأربعينات هزمت

стр. 640

الحركة النازية وتقدمت على أنقاضها الحركة الشيوعية، وعربيًا اتضح الصراع الصهيوني -العربي- ومعه جاءت الهزيمة الأولى، واستعان غسان تويني (بكالوريس الاقتصاد والسياسة من جامعة هارفارد الأمريكية) برفيقه في الحزب السوري القومي الاجتماعي ورفيقه في الجامعة (الرفيق يوسف الخال) ورسمه عرابًا على صقلية الأدب والفن في النهار، ومع يوسف الخال بدأ عهد جديد كان مطلعًا على الأدب العربي، ومتأثرًا بشارل مالك الذي لم يكن معجبًا بالتراث العربي، فأقام نوعًا من التوازن، وحمل يوسف الخال عن أستاذه شارل مالك لواء (الفكرة اللبنانية - الفينيقية). - يقول طلال رحمة: امتازت هذه المرحلة تحت ستار التجديد والتحديث بتسخيف التراث العربي بما في ذلك ابن خلدون وابن سينا، وابن المقفع وابن الرومي، وبتقديس كل ما هو أجنبي. وأخرج يوسف الخال مجلة شعر التي لعبت دورًا كبيرًا وخطيرًا في الحياة الثقافية، ثم اتجه جبرًا إلى أن يتخلص من أداة الوصل، فبدلاً من أن يقول: (أيها الشاب الذي يموت باكرًا) خرج بتطبيقات لتحطيم اللغة العربية تحت بند التجديد من مثل (يا الشاب اليموت باكرًا)، وكان سعيد عقل يتابع جهوده من أجل تحديث اللغة وتطويرها عبر دعوته الصريحة إلى الكتابة باللغة العامية الدارجة (لبنان أن حكى)، وبالحرف اللاتيني (يارا)، فالتقى مع جماعة النهار وكان لقاءً عظيمًا نجم عنه انسداد نوافذ لبنان الفكرية على المنطقة العربية ونحو انعزالية ثقافية دعمت الانعزالية السياسية في ذلك الحين، ثم تولى أنسى الحاج جريدة النهار، وتولى توفيق صايغ مجلة حوار، وتولى أدونيس مجلة مواقف، وقد كشف طلال رحمة عن مبادئ هذه الجماعة، فذكر أن أهمها هي: نهش اللغة العربية كلغة وكتراث واستخدام الكلمات واللهجة العامية بالإضافة إلى تركيب الجملة وفق الأسلوب الفرنسي.

стр. 641

كذلك نهش جميع المفكرين والكتاب الأحياء منهم الأموات الذين تجرأوا وآمنوا إما بالعروبة السياسية أو بالحضارة العربية ثقافيًا (لا أعترف بوجود الكتاب الكبار أمثال طه حسين، وعباس محمود العقاد، وتوفيق الحكيم .. إلخ) هذه هي الخلفية للمخطط الذي سارت عليه مؤسسة الشعوبية والتغريب التي اتصلت خيوطها بما قام في مختلف العواصم العربية من محاولات لبناء الواجهة الشعوبية، فكانت بيروت بمجلاتها ومؤسساتها هي العامل الموجه للحركة في هذه المرحلة التي نؤرخها، ويتابع الاستشراق هذه المحاولة ويؤيدها، فنجد أمثال (جاك بيرك) يصدر كتابًا يسجل فيه المحاولة التي تعاونت الشعوبية والتغريب والماركسية عليها في سبيل تحويل مجرى الأدب العربي، والتأثير في مجالاته بالأدب الجنسي المكشوف في القصة وكسر عمود الشعر في النظم وإقامة الأسلوب اللبناني التوراتي في النثر، فقد أصدر كتابه (في الأدب العربي) عام ١٩٦٦، وحشد فيه دعاة التجديد في هذه المؤامرة الخطيرة، وهم: نجيب محفوظ، لويس عوض، بشر فارس، حسين فوزي، محمود أمين العالم، عبد الرحمن الخميسي، سعيد عقل، أدونيس، ميخائيل نعيمة، محمد كامل حسين، جبران، سلامة موسى، طه حسين، الجوهري، أمين الخولي، صلاح عبد الصبور، هذه الواجهة الشعوبية العريضة التي كانت سببًا في نكسة ١٩٦٧. - يقول الأستاذ محمد التازي تحت عنوان "نكسة الأدب": إن الأدب المغربي الذي لم تفاجئه الهزيمة وما نجم عنها من أحداث بل وجد في الهزيمة دليلاً على صدق حدسه وإحساسه، ففي الوقت الذي ظهر فيه أدب التشاؤم واليأس والشك في كل القيم والمقومات الأخلاقية والإنسانية، حرص الأدب المغربي على التأكيد على ضرورة التمسك بالأصالة الروحية للإنسان العربي، ونحن على خلاف واضح مع بعض النقاد العرب، فعندما لاحظوا سطحية

стр. 642

الأدب العربي بعد الهزيمة وتعبيره المباشر عن آثارها، زعموا أن ذلك يرجع إلى فقدان العمق والأصالة في الثقافة العربية المعاصرة، بينما زعمنا أن الثقافة العربية غنية بالعمق والأصالة، وأن مرد السطحية الملاحظة هي سقوط الأدب بين براثن الإعلام، فلا الأدب استمر على أصالته محافظًا على مقوماته، وكانت كارثة الإعلام العربي الممهدة للكارثة العسكرية، وبذلك فقدت الكلمة إشراقها وصدقها ونفاذها، وأخذ المواطن العربي يكذب كل ما يسمع ويقرأ بعد أن كان يصدق كل ما يسمع وما يقرأ، وأصبحت المشكلة في نظرنا ليست مشكلة تعبير وقول تبليغ، وإنما المشكلة تصديق ما يكتب وما ينشر، فقد فقدت الثقة بين الأديب والإنسان العربي حين اكتشف هذا الإنسان الطيب المكافح أنه كان ضحية للمذياع والتلفاز والصحيفة والكتاب قبل أن تزحف عليه قوى الشر بأسلحتها الفتاكة لتغتاله وتحرقه وتشرده، وقد انفصل الأدباء العرب بعد النكسة إلى ثلاث فئات: ١ - "فئة النكسة": التي تعتقد أن ما حدث يوم ٥ يونيو هو مجرد نكسة أصابت الكفاح العربي، وأنها لا يجب أن تؤثر بأي حال في السياسة والمنهج والأسلوب والتفكير وكل ما كان خطه العمل قبل ٥ يونيه، وهؤلاء الذين أريد لهم أن يرفعوا علم النكسة بعد الحرب واتخذوا من الكلمة مسوغًا للاستمرار في السياسة. ٢ - "فئة النكبة": أولئك الأدباء الذين أطلقوا على ما حدث يوم ٥ يونيه اسم النكبة ليعبروا من خلال هذه التسمية عن استمرار شكهم في السياسة والمنهج والأسلوب الذي كان سائدًا قبل ٥ يونيه وزادتهم النكسة اقتناعًا بتفكيرهم وتأكيدًا لشكهم. ٣ - "الفئة الثالثة": "وتسمى ما وقع بعد الخامس من يونيه بالهزيمة العسكرية لتحدد مسئولية ما وقع، ولتضع خطًا فاصلاً بين المسئولية الشعبية التي انزوت وخفتت، وبين المسئولية العسكرية التي أوشكت أن تقضى عليها،

стр. 643

وإذا كان المستقبل من صنع الحاضر؛ فإن الحاضر من صنع الماضي، والذين لا يتذكرون الماضي محكوم عليهم أن يعيدوا أخطاءه ولو لم يريدوا ذلك، ومجرد رفض الماضي لا يقيم حاضرًا ولا يعد لمستقبل، إن المثقفين العرب قصروا في واجبهم نحو الجماهير التي تحولت من فعل مؤثر إلى متفرج في حلبة الصراع، حيث يتصارع الطموح الشخصي على حساب قضية الجماهير، فأوشكت هذه الجماهير أن تفقد حس المعركة، إن المثقفين كانوا يجهلون كل شيء عن العدو المتربص بهم، إن المثقف العربي أكره في كثير من أجزاء الوطن العربي على تجنب تحليل هذا الرفض وتعميقه لدى الإنسان العربي". اهـ. - "ونضيف إلى ذلك أن الذين تولوا الثقافة في أغلب البلاد العربية كانوا ماركسيين وشعوبيين، وكانوا على هوى مع الصهيونية الشيوعية، ولذلك فقد وجهوا الأدب بمختلف فنونه وجهة أخرجته عن الأصالة وردته إلى أساليب جوفاء، ثم كان لهم بعد النكسة الادعاء الباطل بأن التراث العربي الإسلامي هو سبب الهزيمة وأن النصر لا يأتي إلا بالانصهار الكامل في الفكر الغربي وخاصة الماركسية، وقد كشف هذا عن مؤامراتهم الخطيرة في بناء الواجهة الشعوبية، ومدى الخطر الذي لحق بالقيم وبالأمة وبالكيان من جراء هذه السيطرة التي بدأت عام ١٩٦٠ تقريبًا على الصحافة ووسائل الإعلام والسينما والمسرح، ولكن السنوات التي تلت النكسة ما لبثت أن حطمت هذا الاتجاه وكشفت عن فساد التماس العالم الإسلامي والعرب لمنهج الماركسية، كما تكشف من قبل فساد تبعيته لمنهج الليبرالية تمامًا، وتبين للعرب أنه ليس هناك إلا طريق واحد: هو طريق الأصالة الذي يستمد مقوماته من القيم الإسلامية التي بناها القرآن، وكان مجرد الاتجاه نحو هذا الهدف هو منطلق النصر الذي تحقق في العاشر من رمضان، فدل بذلك على سلامة

стр. 644

الطريق وعلى ضرورة تعميقها والسير فيها إلى النهاية" (١). اهـ. * الدكتور حسن حنفي على درب القطيعة مع ثوابت الإِسلام وأصوله .. إلحاد وزندقة: على درب القطيعة المعرفية الكبرى مع ثوابت الإسلام وأصوله سار الدكتور حسن حنفي حذو النعل بالنعل، وذهب على درب تأويل الإسلام تأويلاً يفرغ الدين من الدين، فيقول عن الذات الإلهية التي أجمع المسلمون على تنزيهها، وفي الذات والصفات والأفعال، عن مماثلة أو مشابهة المحدثات ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١]، ويقول عن التوحيد والوحي، والنبوة والرسالة والإيمان والغيب، والتراث وغيرها من مفاهيم ثوابت الدين ومصطلحاته: "إنه -أي الله- هو الأرض .. والخبز .. والحرية .. والعدل .. والعتاد .. والعُدّة .. وصرخات الألم .. وصيحات الفرح .. فهو تعبير أدبي أكثر منه وصفًا لواقع، وتعبير إنشائي أكثر منه وصفًا خبريًا، ولذلك وجب التخلي عن ألفاظ ومصطلحات كثيرة في علم أصول الدين من مثل: الله، والرسول والدين، والجنة والنار، والثواب والعقاب؛ لأن هذه الألفاظ والمصطلحات قطعية؛ ولأنها تجاوز الحس والمشاهدة .. ولأنها تشير إلى مقولات غير إنسانية .. فما الله إلا وعي الإنسان بذاته .. وما صفاته وأسماؤه إلا آمال الإنسان وغاياته التي يصبو إليها .. وكل صفات الله -العلم، والقدرة، والحياة، والسمع، والبصر، والكلام، والإرادة- كلها صفات الإنسان الكامل، وكل أسماء الله الحسنى تعني آمال الإنسان وغاياته التي يصبو إليها .. فالحقيقة هي الإنسان والواقع الذي يعيش فيه، ولذلك فتعبير الإنسان الكامل أكثر تعبيرًا من لفظ الله.

стр. 645

والتوحيد ليس توحيد الذات الإلهية، كما هو الحال في علم الكلام الموروث، وإنما هو وحدة البشرية ووحدة التاريخ، ووحدة الحقيقة، ووحدة الإنسان ووحدة الجماعة، ووحدة الأسرة .. فالمهم هو إيجاد الدلالة المعاصرة للموضوع القديم، وتخليصه من شوائبه اللاهوتية، فليس للعقائد صدق داخلي، ولا يوجد دين في ذاته، والوحي هو البناء المثالي للعالم .. والمطلوب هو تحويل الوحي إلى أيديولوجية وإلى علم إنساني. - والعلمانية هي أساس الوحي، فالوحي علماني في جوهره، والدينية طارئة عليه من صنع التاريخ، تظهر في لحظات تخلف المجتمعات وتوقفها عن التطور، والتراث قضية وطنية لا دينية، ومادة التراث نسقطها كلها من الحساب، ونستبدل بها مادة أخرى جديدة من واقعنا المعاصر. والإلحاد هو التجديد، والتحول من القول إلى العمل، ومن النظر إلى السلوك، ومن الفكر إلى الواقع إنه وعي بالحاضر .. ودرء للأخطار .. بل هو المعنى الأصلي للإيمان، والمطلوب هو الانتقال من العقل إلى الطبيعة، ومن الروح إلى المادة، ومن الله إلى العالم ومن النفس إلى البدن، ومن وحدة العقيدة إلى وحدة السلوك، ومن العقيدة إلى الثورة" (١). هكذا بلغ "التأويل - العبثي" الذروة إن لم يكن قد تجاوزها! فكل ثوابت الإسلام، وجميع عقائده، ومضامين مصطلحاته -من الله إلى الرسول إلى الدين إلى الجنة إلى النار إلى الثواب والعقاب- قد جردت من محتواها الديني "فنفس الكلمات لم يعد لها نفس المعاني" كما قال الحداثيون الغربيون، وانقلبت مصطلحات الدين وعقائده الثوابت إلى هذا العبث

стр. 646

الحداثي اللا معقول! " (١). * وصدق الله تعالى إذ يقول: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آَيَاتِنَا لَا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَا أَفَمَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ خَيْرٌ أَمْ مَنْ يَأْتِي آَمِنًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [فصلت: ٤٠]. * وقال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف: ١٨٠]. - يقول هذا الضال المضل رائد اليسار الإسلامي!!!: "النقل وحده لا يثبت شيئًا، "وقال الله"، "وقال الرسول" لا يُعتبر حجة (٢)، ويقول رائد التجديد!! "فألفاظ مثل: الجن والملائكة والشياطين، بل الخلق والبعث والقيامة ألفاظ تجاوز الحس والمشاهدة، ولا يمكن استعمالها؛ لأنها لا تشير إلى واقع، ولا يقبلها الناس، ولا تؤدي دور الإيصال؟! (٣). * حسن حنفي يقول: "احتمينا بالنصوص فجاء اللصوص ": - يقول د. حسن حنفي أحد أقطاب هذا الاتجاه: "إن العقل هو أساس النقل، وأن كل ما عارض العقل فإنه يعارض النقل، وكل ما وافق العقل فإنه يوافق النقل، ظهر ذلك عند المعتزلة وعند الفلاسفة" ثم يقول: "لقد احتمينا بالنصوص فجاء اللصوص" (٤).

стр. 647

وهكذا تحول المؤمنون بالنص والدعاة إليه إلى "لصوص"؟!!، والعبارة استعارها حنفي من الشاعر الماركسي الفلسطيني محمود درويش (١). وصار المهم عند هؤلاء مسايرة روح العصر فقط، وتساوت لديهم النصوص الدينية في حجيتها مع الأمثال العامية والأغاني الشعبية. - يقول حسن حنفي حول هذه الفكرة: ما يهمنا هو روح العصر، وما نهتم به هي مشاكل العصر .. لذلك نهتم بالأمثال العامية وبسير الأبطال، كما نفعل تمامًا مع النصوص الدينية، ونهتم بالأغاني الشعبية (٢). ثم أصدر حنفي كتابًا تحت عنوان "قضايا معاصرة في فكرنا المعاصر" بث فيه الشكوك والإلحاد، ويدعو إلى أن الفكر الغيبي أقرب إلى الأساطير منه إلى الفكر الديني، وأن قصص آدم وحواء والملائكة والشياطين، كلها رموز أو جزء من الأدب الشعبي، ويرى هذا الضال المرتد أن العقل ما كان في حاجة إلى الشرع؛ لأن الإنسان لا يحتاج إلى الوحي، وأن ابن تيمية وابن القيم -رحمهما الله- يؤمنان بوجود الشياطين والجن، وهذا هو أحد وجوه الضعف في هذه المدرسة، وأن الإنسان لا يحتاج لكونه مسلمًا إلى الإيمان بالجن والملائكة" (٣). وقد وصلت به الحماقة إلى أن يقول: "يمكن للمسلم المعاصر أن ينكر كل الجانب الغيبي في الدين ويكون مسلمًا حقًا في سلوكه" (٤). ***

стр. 648

* وهو يهدم أصول الدين على طريقة الفكر الماركسي: - يقول: "لا يوجد دين في ذاته، بل يوجد تراث لجماعة معينة، ظهر في لحظة تاريخية محددة، ويمكن تطويرها للحظة تاريخية قادمة" (١). * الموقف من التراث: يقف اليسار من التراث موقفًا نقديًا تاريخيًا، فهو يعني إبراز مواطن التقدم في التراث من عقلانية وطبيعية وديمقراطية، وهو ما نحتاجه في قرننا هذا (٢)، وحتى تعود للإنسان قيمته التي فقدها عندما اعترف بالله، يدعو اليسار الإسلامي الإنسان إلى التحرر من كل سلطة إلا من سلطة العقل والواقع، وهذا العمل يقتضي ضرب كل الأطروحات الرجعية، والانطلاق في التجديد. ويرى حسن حنفي أن السبب في فقد الإنسان لقيمته في تراثنا الإسلامي يرجع إلى سيادة الاختيار الأشعري، وقد تكون هذه السيادة هي إحدى معوقات العصر؛ لأنها تعطي الأولوية لله في الفعل، وفي العلم والحكم وفي التقويم، في حين أن وجداننا المعاصر يعاني من أخذ زمام المبادرة هذه باسم الله مرة، وباسم السلطان مرة أخرى، ومن ثم فالاختيار البديل: هو الخيار الاعتزالي .. الذي قد يكون أكثر تعبيرًا عن حاجات العصر، وأكثر تلبية لمطالبه (٣). يريد الكاتب انتزاع السيادة من الله ﷻ ، كبرت كلمة تخرج من أفواههم، وما تخفي صدورهم أعظم، ولا شك أن هذه نزعة إلحاد ماركسية

стр. 649

لا تحتاج إلى بيان وإن موهوا وخدعوا. - وهناك تجديد على مستوى اللغة والمصطلحات (١): يرى حسن حنفي أن اللغة التقليدية في تراثنا قاصرة، وتتضمن عيوبًا كثيرة منها: أنها لغة إلهية، تدور الألفاظ فيها حول الله .. بل إن لفظ الله لا يعبر عن معنى معين، فهو صرخة وجودية .. إذ أن الله عند الجائع هو الرغيف، وعند المستعبد هو الحرية، وعند المظلوم هو العدل، أي: أنه في معظم الحالات "صرخة المضطهدين" ثم ينتهي حنفي إلى أنه لا يمكن إيصال أي معنى بلفظ "الله"؛ لأن الله حوى كثرة من المعاني لدرجة أنه يدل على معانٍ متعارضة (٢). فلا داعي إذن طبقًا لهذا الكلام إلى استعمال لفظ الجلالة، لتحل محلها كلمات: الخبز والحرية والعدل والحب، والإشباع والإنسان الكامل!!!. إن كل الأقنعة والتموية باسم الإسلام، قد انقشعت وها هو منهج المصطلحات الماركسية يبث سمومه بلا وجل ولا تردد، وانظر إلى قوله كذلك: "إن اللغة القديمة لغة دينية تشير إلى موضوعات دينية خالصة مثل: دين، ورسول، ومعجزة، ونبوة .. وهي لغة عاجزة عن إيصال مضمونها في العصر الحاضر!! وهي -كذلك- لغة تاريخية صورية مجردة .. ولذلك فاليسار يروم تأسيس لغة جديدة تستعمل الألفاظ التي يقبلها العصر!!. - يقول حنفي: إن في العصر ألفاظًا تجري مجرى النار في الهشيم مثل: الأيديولوجيا، والتقدم والحركة والتغير، والتحرر والجماهير، والعدالة .. وهي ألفاظ لها رصيد نفسي لدى الجماهير، والتي يمكن أن تعبر

стр. 650

عن ثقافة وطنية (١). وهذه اللغة مفتوحة وعقلانية، أما ألفاظ "الله والجنة والنار والآخرة والحساب والعقاب" فهي ألفاظ قطعية صرفة، لا يمكن التعامل معها دون فهم أو تفسير أو تأويل، ويضيف قائلاً: بأن الألفاظ يجب أن يكون لها مقابل في الواقع الحسي، فألفاظ "الجن والملائكة والشياطين؛ بل والخلق والبعث والقيامة" ألفاظ تجاوزها الحس والمشاهدة، ولا يمكن استعمالها؛ لأنها لا تشير إلى واقع ولا يقبلها كل الناس. وفي نظر اليسار أن ذلك سينقل عصرنا من "مرحلة التمركز حول الله إلى مرحلة التمركز حول الإنسان، وتلك مهمة التراث والتجديد في أول محاولاته من أجل إعادة بناء علم أصول الدين، على أنه علم الإنسان (٢)، إننا إذا فعلنا كل ذلك أمكننا التغيير والتجديد ما دمنا قد تخلينا عن لغة اللاهوت، وتخلصنا من كل المفاهيم الغيبية المعيقة للتقدم والانطلاق. - وإنها لجرأة -وأي جرأة- يعلنها اليسار الإسلامي على الله، والوحي والإسلام، باسم الإنسان والعقل والتجديد (٣). * الفهم المقاصدي للشريعة (٤): الشريعة عند أصحاب اليسار جاءت لتحقيق بعض المقاصد العامة والمقاصد العليا التي جاءت الشريعة لتحقيقها في نظرهم خمسة هي: الإنسانية، والعدل الاجتماعي، والحرية السياسية، المبدئية، التقدم المستمر

стр. 651

نحو الأفضل، لكن ما الوسائل المعتمدة في تحقيق هذه المقاصد؟ هل يحددها الوحي أم يختارها الإنسان؟! لدى اليسار أن المصلحة أصل مستقل في التشريع، وأنه لا سلطة إلا لضرورة الواقع الذي نعيش فيه، لقد أصبح الواقع هو المجدد للاختيارات والقوانين، أما دور الشرع فثانوي؛ لأن اختياراتنا هي التي تحدد طبيعة القوانين، وذلك يعني أن القوانين والأحكام المنزلة في القرآن، والواردة في السنة قابلة للتأويل والتعطيل، ونحن في كل ذلك نستلهم روح الشريعة ومقاصدها .. ولعلنا لا نكون بعيدين عن المادية التاريخية إن لم نقل من أكبر ممثليها والداعين إليها" (١). * العلمانية والوحي: انظر إلى هذا الكفر الصريح، يقول حسن حنفي: "إن العلمانية هي أساس الوحي، فالوحي علماني في جوهره، والدينية طارئة عليه من صنع التاريخ تظهر في لحظات تخلف المجتمعات وتوقفها عن التطور" (٢). * أما الرؤية الاقتصادية: فأبرز أهدافهم أن يصلوا إلى إقامة المجتمع الاشتراكي، إقامة مجتمع بلا طبقات، وبعض الملكية الفردية، مع تبني أسلوب الملكية الجماعية، وتشجيع العمل النقابي والإصلاح الزراعي. - وهم يعتمدون الثورة الاشتراكية، يقول حسن حنفي: "بالنسبة لنا: الاشتراكية قضية مبدأ دائم، وليست قضية نظام عابر يتغير بتغير الحكام، وتظل الجماهير الإسلامية في كلتا الحالتين فاترة لا يعنيها الأمر في شيء،

стр. 652

هذا إضافة إلى أن الإسلام ذاته ضد تجميع رأس المال في أيدي القلة ﴿كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ﴾ [الحشر: ٧]، ويرفض الملكية الخاصة والمجتمع الطبقي، ويقول بالمساواة، ويرفض الاستغلال والاحتكار .. ويعطي الإمام حق التأميم والمصادرة للمال المستغل لصالح المسلمين، مهمة اليسار الإسلامي إعادة توزيع ثروة المسلمين بين المسلمين، كما شرع الإسلام، طبقًا للعمل والجهد والعرق (١). هكذا؟! لو أردتم شرع الإسلام لتركتم هذا التلفيق المريب، ورفض حكم الله في الاقتصاد وغيره؟!. * الطيب تيزيني الماركسي الغالي في ماركسيته: أستاذ جامعي سوري، أعدّ هذا المجرم "مشروع رؤية جديدة للفكر العربي منذ بدايته وحتى المرحلة المعاصرة" وقد أصدر جزءين من مشروعه، خصّص الأول منهما لعرض النظرية المقترحة في قضية التراث .. ويعتمد الماركسية مذهبًا، والمادية التاريخية منهجًا، يقول: "إن النظرية الاشتراكية العالمية (الماركسية) هي المنظار الذي يجب أن ننظر من خلاله إلى التراث، فما استقام منه لها قبلناه، وأما ما لا يستجيب منه لذلك فإنه يُعزل تاريخيًّا" (٢). - وقفة أخرى مع هيكل نختم بها هذا المجلد: يتباكى الناصريون الآن على إعلان هيكل عن اعتزاله الكتابة والعمل الصحفي .. وأقاموا الدنيا وأقعدوها وصوروا هيكل على أنه المنقذ للأمة والمجدد لآمالها.

стр. 653

وحال الناس والجماهير الغوغاء ولسان حالهم "وزمِّر مع كل قرد حتى ينتهى سوق القرود، ولكنا نقول لدجّال الناصرية سخرية. * لا تعتزل: من غيرك يقدر أن يعطي للكلمة أكثر من معنى؟! النكبة نكسة، والسجنُ .. تأديب للشعب المجرمْ والحركة ثورة، والتأميم .. تنظيم من أجل الأمة لا تعتزل من غيرك يمكن أن يتكلم في التبرير وفي التمرير في التحذير من التحرير، وفي تحريك الشعب فيهبُّ يطالب باستمرار مسيرة جلاده؟ لا تعتزل من غيرك يمكن أن يرضي كلَّ الأذواقْ؟ من غيرك يُمكن أن يُخرس كل الأبواق؟ من غيرك يقدر أن يقنع آلاف البشر المطحونين بأن الكون جميل لا أبدع وبأن الحاكم قد قرّر وبأن الشعب بأجمعه قد فوّض شخصًا لا يسمعْ وبأن صواريخ "القاهر" يمكن أن تقهر بن جوريون وبأن الأزمة حاليًا لا مخرج منها سوى العودة لعهود التسعات الخمسة

стр. 654

ولعهد الميثاق اللعبة ولعهد النكسة والنكبة ولعهد الخامس من يونية؟ لا تعتزل .. لا تعتزل (١). - أفيقوا أيها السادرون في غيّكم والفظوا حملة المباخر ودجلهم من ضيّعوا الأمة وانحرفوا بها عن الإسلام مصدر كرامتها وعزتها فدمروا يومها وغدها وجعلوها في المستنقع الآسن والظلام الحالك. والحمد لله أن شباب هذه الأمة بدأ يفيق من غيبوبته وما عاد يسمع لدجل الحواة، ولا يشنف سمع الطيبين إلا وحي السماء وقول الكبير المتعال. ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ [الصف: ٨]. ***

стр. 655

أعلام وأقزام في ميزان الإسلام جمع وترتيب الدكتور سيد بن حسين العفّاني الجزء الثاني الناشر دار ماجد عسيري للنشر والتوزيع السعودية - جدة - هاتف ٦٦٣١٤٠٣ فاكس ٦٦٥٧٥٢٩ جوال ٠٥٤٣٤٦١٥١

стр. 656

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

стр. 657

أعلام وأقزام في ميزان الإسلام

стр. 658

حقوق الطبع محفوظة للمؤلف ١٤٢٤ هـ - ٢٠٠٤ م الطبعة الأولى رقم الإِيداع بدار الكتب المصرية رقم الإيداع ١٧٨٨١/ ٢٠٠٣

стр. 659

* الدكتور نصر أبو زيد يقول عن القرآن أنه نص بشري .. ومُنتَج ثقافي لا قداسة له: "ونموذج ثان، لحداثي آخر، من الذين اتخذوا الدراسات الإسلامية ميدانًا لهذا التأويل العبثي .. يقول -عن القرآن الكريم- الذي يؤمن المؤمنون -كل المؤمنين- أنه وحي سماوي، وتنزيل إلهي معجز وخالد .. يقول هذا الحداثي -عن القرآن-: إنه نص بشري، ومُنْتَج ثقافي .. لا قداسة له! وأن بينه وبين الشعر الجاهلي -وخاصة شعر الصعاليك- شبهًا كبيرًا! وبنص عباراته -التي لا تحتاج إلى تعليق- يقول: "من الواقع تكوَّن النص [القرآن]، ومن لغته وثقافته صيغت مفاهيمه، فالواقع هو الذي أنتج النص .. الواقع أولاً، والواقع ثانيًا، والواقع أخيرًا. لقد تشكل القرآن من خلال ثقافة شفاهية .. وهذه الثقافة هي الفاعل، والنص منفعل ومفعول .. فالنص القرآني في حقيقته وجوهره مُنْتَج ثقافي. والمقصود بذلك أنه تشكل في الواقع والثقافة فترة تزيد على العشرين عامًا ... فهو ديالكتيك صاعد وليس ديالكتيكا هابطًا .. والإيمان بوجود ميتافيزيقي سابق للنص يطمس هذه الحقيقة .. والفكر الرجعي في تيار الثقافة العربية هو الذي يحوّل النص من نص لغوي إلى شيء له قداسته. والنص القرآني منظومة من مجموعة من النصوص، وهو يتشابه في تركيبته تلك مع النص الشعري، كما هو واضح من المعلقات الجاهلية مثلاً، والفارق بين القرآن وبين المعلقة من هذه الزاوية المحددة يتمثل في المدى الزمني الذي استغرقه تكوّن النص القرآني .. فهناك عناصر تشابه بين النص القرآني ونصوص الثقافة عامة، وبينه وبين النص الشعري بصفة خاصة .. وسياق مخاطبة النساء في القرآن، المغاير لسياق مخاطبة الرجال، هو انحياز منه لنصوص الصعاليك"!. هذا عن القرآن .. أما عن "النبوة والرسالة" و"الوحي" .. فإنها -عند

стр. 660

هذا الحداثي الماركسي-: ظواهر إنسانية، وثمرة "لقوة المخيلة" الإنسانية، وليس فيها إعجاز ولا مفارقة للواقع وقوانينه .. فالأنبياء مثل الشعراء والمتصوفة، مع فارق في درجة "المخيلة"، فقط لا غير .. وبنص عباراته: "إن الأنبياء والشعراء والعارفين قادرون دون غيرهم على استخدام فاعلية "المخيلة" في اليقظة والنوم على السواء .. ومن حيث قدرة "المخيلة" وفاعليتها، فالنبي يأتي على رأس قمة الترتيب، يليه الصوفي العارف، ثم يأتي الشاعر في نهاية الترتيب. وتفسير النبوة اعتمادًا على مفهوم "الخيال" معناه أن ذلك الانتقال من عالم البشر إلى عالم الملائكة انتقال يتم من خلال فاعلية "المخيلة" الإنسانية، التي تكون في "الأنبياء" أقوى منها عند سواهم من البشر .. إنها حالة من حالات الفاعلية الخلاقة، فالنبوة، في ظل هذا التصور، لا تكون ظاهرة مفارقة .. وهذا كله يؤكد أن ظاهرة الوحي لم تكن ظاهرة مفارقة للواقع، أو تمثل وثبًا عليه وتجاوزًا لقوانينه، بل كانت جزءًا من مفاهيم الثقافة ونابعة من مواضعاتها"! (١). وبعد تحويل القرآن إلى نص بشري .. والوحي والنبوة إلى قوة في "المخيلة" الإنسانية .. يذهب هذا الحداثي الماركسي إلى تطبيق "التاريخية والتاريخانية" على معانٍ ومضابين وأحكام القرآن -كل معانيه ومضامينه وأحكامه- من العقائد إلى الأحكام وحتى القيم والأخلاق والقصص - الأمر الذي يعني نسخ كل مضابين القرآن وتجاوزها .. فيقول: " .. فالقرآن خطاب تاريخي، لا يتضمن معنى مفارقًا جوهريًا ثابتًا .. وليس ثمة عناصر جوهرية ثابتة في النصوص .. فالقرآن قد تحوّل من لحظة نزوله من كونه [نصًا إِلهيًّا] وصار فهمًا [نصًّا إِنسانيًّا]؛ لأنه تحول من التنزيل إلى التأويل.

стр. 661

وهذه التاريخية تنطبق على النصوص التشريعية، وعلى نصوص العقائد والقصص .. وهي تحرك دلالة النصوص وتنقلها في الغالب من الحقيقة إلى المجاز .. " (١)!!. هكذا، تم العبث الحداثي بالثوابت والمقدسات -القرآن .. والنبوة والرسالة .. والوحي- على هذا النحو اللامعقول! " (٢). * قال تعالي: ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْمُتَكَبِّرِينَ﴾ [الزمر: ٦٠]. * وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آَيَاتِ اللهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللهِ وَعِنْدَ الَّذِينَ آَمَنُوا كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ﴾ [غافر: ٣٥]. * وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا بِالْكِتَابِ وَبِمَا أَرْسَلْنَا بِهِ رُسُلَنَا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (٧٠) إِذِ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَالسَّلَاسِلُ يُسْحَبُونَ (٧١) فِي الْحَمِيمِ ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ﴾ [غافر: ٧٠ - ٧٢]. * وقال تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (٢٤) لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ﴾ [النحل: ٢٣ - ٢٥]. * أحمد عبد المعطي حجازي من شياطين الإِنس: - هو أولى الناس بقول الشاعر: وكنتُ امرأً من جند إِبليس فارتقى ... بي الدهر حتى صار إِبليس من جندي فلو مات قبلي كنت أحسنُ بعده ... طرائق فسق ليس يحسنها بعدي

стр. 662

- يقول الدكتور محمد عمارة عنه في كتابه "مستقبلنا بين التجديد الإسلامي والحداثة الغربية" (ص ٣١ - ٣٣) ونموذج ثالث، لشاعر حداثي -يسمونه "الشاعر الكبير"- بدأ عروبيًا، وانتهى فرنكفونيًا، في بلد ليس لها تاريخ في الفرنكفونية! أي أنه فرنكفوني بالهواية والهوى! ولقد احترف -في كتاباته الصحفية .. التي غلبت شعره- الدعوة إلى: - تعبير الأنثى بالجسد .. أي: جعل الجسد الأنثوي العاري "الموديل" هو الملهم للرسامين والنحاتين والمصورين والأدباء .. ففصاحة الجسد الأنثوي العاري -عنده- لا تعادلها فصاحة أخرى!! وهو يسحب هذه الدعوة حتى على جسد آدم وحواء ﵉!!. - والدعوة إلى احتقار العربية -لغة القرآن الكريم- وذلك عندما يدافع عن وصف لويس عوض لهذه اللغة الوطنية والقومية بأنها: "لغة ميتة .. ودخيلة"!!. - والدعوة إلى الاحتفاء والاحتفال بالإسكندر الأكبر (٣٥٦ - ٣٢٤ ق م) بتزيين مياديننا بتماثيله - وهو الذي افتتح مرحلة غزو الغرب للشرق، والقهر الحضاري لثقافات الشرق ولغاته ودياناته، عشرة قرون، لم تنقشع ظلماتها إلا بالفتوحات التحريرية التي قادها الإسلام والمسلمون. - والمشاركة في الاحتفال -عامين كاملين- بالاحتلال، بدلاً من الاستقلال - الاحتفال بمرور قرنين على غزوة بونابرت (١٧٦٩ - ١٨٢١ م) لمصر (١٢١٣ - ١٢١٦ هـ - ١٧٩٨ - ١٨٠١ م) وإحراقه مئات القرى المصرية، وإبادته لسُبْع تعداد الشعب المصري، وتحويله الأزهر الشريف إلى إصطبل للخيول! مزق الفرنسيون فيه القرآن الكريم، وتراث العلوم الإسلامية .. بل

стр. 663

وبالوا وتغوطوا فيه! - والتحدي لمشاعر الأمة الوطنية والقومية والإسلامية والإنسانية، عندما غضبت كل الأمة من الوحشية الصهيونية التي استخدمت كل أسلحة الدمار الثقيلة، والمحرمة دوليًا، ضد أطفال وشباب ونساء وشيوخ انتفاضة الأقصى المبارك والقدس الشريف والاستقلال الفلسطيني -التي تفجرت في ٢٨ سبتمبر سنة ٢٠٠٠ م- فكتب هذا الشاعر الحداثي داعيًا إلى حب الجنود الصهاينة الذي أطلقوا الرصاص على الطفل الفلسطيني الأعزل -محمد الدرة- لمدة خمس وأربعين دقيقة!!. فالكراهية -في عرف هذا الشاعر الحداثي- يجب أن تقف عند "القتل" ولا تتعداه إلى القاتل" (١)!! .. ولست أدري -ولا المنجم يدري- هل يمكن كراهة الزنا، مع حب الزناة؟! وكراهة السرقة، مع حب اللصوص؟! وكراهة "الشيطنة" مع حب الشياطين؟! .. وهل يمكن أن نقيم العدالة والقصاص على الجريمة، مع الحب وإطلاق السراح للمجرمين؟!. - ولقد توّج هذا الشاعر الحداثي مسلسل القطيعة مع ثوابت الأمة، عندما سُئل عن رأيه فيما: "لو اصطدم المبدع الشاعر بما هو مقدس؟ ". فإذا به - بعد أن أعلن "تقديسه لقيمة العقل وقيمة الحرية" يعلن رفضه لوجود "المقدس الديني" من الأصل والأساس! .. فهذا الذي يسمونه "مقدسًا

стр. 664

دينيًا"، ليس أكثر من اختراع نخترعه نحن، وادعاء ندعيه .. ونص عبارته -في الإجابة على هذا السؤال- يقول: "إن المقدس ليس كائنًا خارج الشعر، أو خارج الإنسان .. المقدس هو مقدس لأننا نقدسه .. والشاعر يفترض أنه قد غلبته النشوة، أو روح السخرية، أو الجحود، كل هذه المشاعر وكل هذه الحالات تصادف الإنسان، وتصادف الشاعر، ماذا يصنع في هذه الحالة؟ نحن نتوقع دائمًا من الشاعر أن يكتب بلغة تؤدي ما يرين أن يؤديه، لكن تظل محافظة على ما يجب لها من جمال" (١)!. فالمقدس -بإطلاق- عند هذا الشاعر الحداثي الفرنكفوني - هو "العقل" و"الحرية" .. أما المقدس الديني فهو اختراع يخترعه من يؤمن به، ولا وجود له في الواقع والحقيقة .. والسخرية من هذا المقدس الديني، والجحود له، في لحظات "النشوة" و"الإبداع" أمر مطلوب، طالما كانت العبارة التي نعبر بها عن هذه السخرية وهذا الجحود، جميلة .. فقط لا غير!!. هكذا تعاملت وتتعامل حداثة القطيعة المعرفية مع الموروث، مع المقدس الديني، وثوابت القيم، وما أجمعت واجتمعت عليه الفطر السليمة من مشاعر وحقائق تتعلق بالتراث وبالتاريخ!. * الدين عند أحمد عبد المعطي حجازي علاقة بين العبد وربه: بلغ التطرف بهذا العلماني أحمد عبد المعطي أن طلب من المسئولين حرمان الدكتور السيد أحمد فرج من التدريس بالجامعة؛ لأنه أخطر على الطلاب من كتابه -"أدب نجيب محفوظ"- الأهرام ٧/ ٧/١٩٩٩. وكان من

стр. 665

حيثيات هذه الدعوة ما قرأه حجازي للدكتور فرج في بعض كتبه من أن "الدين هو الرابطة المقدمة على أية رابطة أخرى، فالدين في نظر السيد فرج ليس مجرد اعتقاد، أو علاقة بين الإنسان وخالقه، وإنما هو أيضًا قومية وجنسية" (١). * حجازي والموديلات العارية: بكى حجازي بكاءً مرًّا وهاج هياجًا شديدًا للنكبة التي نزلت بالفن؛ لأن وزيرًا مسئولاً حرّم "الموديلات العارية" في كليات الفنون. والموديلات العارية نساء يُستأجَرن ويجلسن ويقفن أو يضطجعن -تبعًا للوضع المطلوب- عاريات تمامًا ليرسمهن الطلاب والأساتذة. ووصف حجازي الوزير الذي أصدر القرار بالاستبداد وضيق الأفق وقال بالحرف الواحد: "نريد أن نحرر عقولنا من الخرافة، ونعالج نفوسنا من الخوف، ونعامل أجسامنا بما هي جديرة به من اعتزاز واحترام" (الأهرام ١٦/ ٦/١٩٩٩). وهل لا يكون الاعتزاز بالجسد من وجهة نظره إلا بالتعرية. ولقد رد عليه فهمي هويدي في الأهرام ٦/ ٧/١٩٩٩ تحت عنوان "لكي نتجنب مصير الهنود الحمر" قائلاً: "إنها فكرة غير إنسانية تبتذل جسد المرأة وتهينه .. بالمناسبة هل يقبل المدافعون عن رسم الجسد العاري أن تقف أمهاتهم أو زوجاتهم أو بناتهم هذا الموقف أمام الطلاب وغيرهم من هواة الفن؟ .. وهؤلاء المشغولون بالدفاع عن رسم الجسد العاري لم نجد لهم دورًا ولا باعًا في الدفاع عن الأمة العارية المكشوفة حضاريًّا، والتي لا تكاد تجد ما

стр. 666

يستر عوراتها في سباق التقدم". - وأحمد عبد المعطي حجازي الشاعر وأقواله طوام، ويكفيك ما قاله في جريدة الأهرام يوم الأربعاء ١٠/ ٧/٢٠٠٢ في مقاله الأسبوعي بعنوان "الإزار والرداء" وعرّج على قول الله تعالى: ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾ وهو يرى كالعشماوي أن ألفاظ الآية ليس فيها ما يدل على أن تغطية المرأة شعرها واجب ديني؛ لأن الخمار هو الغطاء دون تحديد. - ونصر أبو زيد الذي يريد الناس أن يتعاملوا مع القرآن كنص أدبي وليس وحيًا إِلهيًّا بل يقول في آخر كتابه: "وقد آن أوان المراجعة والانتقال إلى مرحلة التحرر، لا من سلطة النصوص وحدها، بل من كل سلطة تعوق مسيرة الإنسان في عالمنا، علينا أن نقوم بهذا الآن وفورًا، قبل أن يجرفنا الطوفان" (١). وهو يريد زحزحة القرآن عن موكب حياة المسلمين، ويقول: "إن الاحتكام إلى كتاب الله لم يكن موجودًا إلا عندما ظهر الخوارج" (٢). * أدونيس: واسمه الحقيقي علي أحمد سعيد، قزمٌ تعملق، كان على النحلة النُصيرية المارقة، ثم تاب على يد إبليس منها، والتحق بالشيوعية وتسمَّى بأحد أسماء آلهة الفينيقيين (أدونيس) وانضم في مقتبل عمره إلى الحزب القومي السوري، وتأثر برئيس الحزب النصراني "أنطوان سعادة"، ثم مال إلى اليهودية بعد عمالة طويلة للماسونية. ومن نماذج شعره الكفري العفن قوله:

стр. 667

كاهنة الأجيال قولي لنا شيئًا عن الله الذي يولد .. قولي أفي عينيه ما يُعبد .. وقوله: مات إلهٌ، كان من هناك يهبط من جمجمة السماء. وقوله: لا الله أختار .. ولا الشيطان .. كلاهما جدار .. كلاهما يغلق لي عيني، هل أبدِّل الجدار بالجدار .. وقوله: اعبر اعبر .. فوق الله والشيطان .. وقوله: يا أرضنا يا زوجة الإله والطغاة .. وقوله: نمضي ولا نصغي لذلك الإله .. تُقنا إلى ربٍّ جديدٍ سواه .. * وعبد العزيز المقالح: كاتب وشاعر يمني عَفِن، كان مديرًا لجامعة صنعاء وهو ذو فكر يساري. ومن نماذج شعره الملحد قوله: صار الله رمادًا، صمتًا، رعبًا في كف الجلادين .. حقلاً ينبت سبحات وعمائم .. بين الرب .. الأغنية .. الثروة .. والرب القادم من هوليود .. كان الله قديمًا حُبًّا .. كان سحابةً .. كان نهارًا .. في الليل أغنيةٌ .. * عبد الوهاب البَياتي: وعبد الوهاب البياتي شاعر عراقي ماركسي ومن شعره الكفري قوله: الله في مدينتي يبيعه اليهود .. الله في مدينتي مشردٌ طريد .. أراده الغزاة أن يكون لهم أجيرًا شاعرًا قواد ..

стр. 668

يخدع في قيثاره المذهب العباد .. لكنه أصيب بالجنون .. لأنه أراد أن يصون زنابق الحقول من جرادهم .. أراد أن يكون .. * محمود درويش: وهو عضو الحزب الشيوعي الفلسطيني والمستشار الثقافي السابق لياسر عرفات .. وهذا الذي يُشار إليه بالبنان في المعارض الثقافية الكبيرة .. ويُمثل فلسطين!! أي والله. - ومن شعره الكفري: كل قاضٍ كان جزّارًا تدرّج في النبوءة والخطيئة .. وقوله: نامي فعين الله نائمة ... عنا وأسراب الشحارير (١). ويقول" في قصيدته "مديح الظل العالي": يا خالقي في هذه الساعات من عدمٍ تجلّ ... لعلّ لي ربًّا لأعبده لعلَّ - ويقول في قصيدته "المطر الأول": في رذاذ المطر الناعم كانت شفتاها وردة تنمو على جلدي ... وكانت مقلتاها أفقًا يمتد من أمسي إلى مستقبلي كانت الحلوة لي كانت الحلوة تعويضًا عن القبر الذي ضم إلهًا وأنا جئت إليها من وميض المنجل

стр. 669

والأهازيج التي تطلع من لحم أبي نارًا وآها - ويقول في قصيدة (أهديها غزالاً): وفي ليل رمادي رأينا الكوكب الفضي ينقط ضوءه العسلي فوق نوافذ البيت وقالت وهي حين تقول تدفعني إلى الصمت تعال غدًا لنزرعه مكان الشوك في الأرض أبي من أجلها صلى وصام وجاب أرض الهند والإغريق إلها راكعًا لغبار رجليها وجاع لأجلها في البيد أجيالاً يشدّ النوق وأقسم تحت عينيها يمين قناعة الخالق بالمخلوق فدائي الربيع أنا وعبدُ نعاسِ عينيها وصُوفيُّ الحصى والرمل والحجر سأعبدهم لتلعب كالملاكِ وظلّ رجليها على الدنيا صلاة الأرض للمطرِ * صلاح عبد الصبور: يقول هذا الهالك التالف الحائز على جائزة الدولة التقديرية!! في شعره الكفري العَفِن: .. وفي الجحيم دحرجت روح فلان ..

стр. 670

يا أيها الإله كم أنت قاسٍ مُوحش .. وقوله: والشيطان خالقنا ليجرح قدرة الله العظيم .. وقوله: ملاحنا ينتف شعر الذقن في جنون .. يدعو إله النقمة المجنون .. أن يلين قلبه، ولا يلين .. وقوله: كان لي يومًا إله وملاذي كان بيته .. قال لي إن طريق الورد وعرٌ فارتقيته .. وقوله: حين أبصرت إلهي أسمر الجبهة وردي .. ورقصنا وإلهي للضحى خدًّا لخد .. ثم نمنا وإلهي بين أمواج وورد .. وقوله: وإلهي كان طفلاً .. وأنا طفلاً عبدته .. * أمل دنقل: القائل في شعره الكفري: المجد للشيطان معبود الرياح .. مَن قال لا في وجه من قالوا نعم .. * فدوى طوقان: وهي شاعرة فلسطينية يبرأ منها الحجر والشجر في أرض الإسراء، ومن شعرها قولها في حق ربها وخالقها تقول في قصيدة لها بعنوان "مرثاة إلى نمر": وأنت يا من قيل عنه إنه هناك .. حان لطيفٌ بالعباد .. أين أنت لا أراك ..
следующие страницы →