الجهاد في الإسلام فيما يسمونه اليوم: "الحرب الدفاعية" .. والجهاد في الإسلام أمر آخر لا علاقة له بحروب الناس اليوم، ولا بواعثها، ولا تكييفها كذلك .. إن بواعث الجهاد في الإسلام ينبغي تلمسها في طبيعة "الإسلام" ذاته ودوره في هذه الأرض، وأهدافه العليا التي قررها الله، وذكر الله أنه أرسل من أجلها هذا الرسول بهذه الرسالة، وجعله خاتم النبيين وجعلها خاتمة الرسالات.
إن هذا الدين إعلان عام لتحرير "الإنسان" في "الأرض" من العبودية للعباد -ومن العبودية لهواه أيضًا وهي من العبودية للعباد- وذلك بإعلان ألوهية الله وحده -سبحانه- وربوبيته للعالمين .. ! إن إعلان ربوبية الله وحده للعالمين معناها: الثورة الشاملة على حاكمية البشر في كل صورها وأشكالها وأنظمتها وأوضاعها، والتمرد الكامل على كل وضع في أرجاء الأرض، الحكم فيه للبشر بصورة من الصور .. أو بتعبير آخر مرادف: الألوهية فيه للبشر في صورة من الصور .. ذلك أن الحكم الذي مردّ الأمر فيه إلى البشر.
ومصدر السلطات فيه هم البشر. هو تأليه للبشر، يجعل بعضهم لبعض أربابًا من دون الله. إن هذا الإعلان معناه انتزاع سلطان الله المغتصب ورده إلى الله، وطرد المغتصبين له، الذين يحكمون الناس بشرائع من عند أنفسهم، فيقومون منهم مقام الأرباب ويقوم الناس منهم مكان العبيد .. إن معناه تحطيم مملكة البشر لإقامة مملكة الله في الأرض، أو بالتعبير القرآني الكريم: ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ﴾.
﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ ... ﴾ .. " (١).
стр. 912
* محمد عمارة وخبر الآحاد:
- الدكتور عمارة في هذه القضية (مقلد) لفحول أهل الكلام ومن تابعهم من شيوخه يردد ما يقولون كما يردد فاتحة الكتاب في الصلاة فى دون أن يورد حججًا على هذه المقولة (الآحاد لا يقبل في العقيدة) .. وإنما هو الشعار الذي يعليه على هامته إذا كشفت الحرب بيننا وبينهم عن ساقها! واشتد الخطب فهي الملجأ وإليها المفزع من أحاديث الصفات والغيب (المرهبة) لكل مبتدع!
- قال الدكتور في حديث افتراق الأمة: "إنه ككثير من الأحاديث المشابهة حديث آحاد وليس بالمتواتر وأحاديث الآحاد وإن جاز أن نأخذ بها في الأمور العملية فإنها غير ملزمة في الاعتقادات" "الإسلام وفلسفة الحكم" (١١٨)، ولو قلت (للدكتور): لماذا؟ لقال: هاه .. هاه لا أدري .. سمعت الناس يقولون شيئًا فقلته!
- ويقول الدكتور نقلاً عن المعتزلة أنهم: "يميزون ما بين الأحاديث التي موضوعها الدين والعقائد وتلك التي موضوعها السنة العملية فيرفضون الاستدلال بأحاديث الآحاد -والأغلبية السابقة من الأحاديث أحاديث آحاد- على أمور الدين والعقائد ويقبلون الاستدلال بها في العمليات؛ لأن ما طريقه الدين لا يجب قبول خبر الواحد فيه أصلاً" "الإسلام وفلسفة الحكم" (١٨٤).
- قال أبو المظفر السمعاني في كتابه "الانتصار لأهل الحديث": "إن الخبر إذا صح عن رسول الله ﷺ ورواه الثقات الأئمة وأسنده خلفهم عن سلفهم إلى رسول الله ﷺ وتلقته الأمة بالقبول فإنه يوجب العلم فيما سبيله العلم هذا عامة قول أهل الحديث والمتقنين من القائمين على السنة، وإنما هذا القول الذي يذكر أن خبر الواحد لا يفيد العلم بحال ولا بد من نقله
стр. 913
بطريق التواتر لوقوع العلم به شيء اخترعته القدرية والمعتزلة وكان قصدهم منه رد الأخبار وتلقفه منهم بعض الفقهاء الذين لم يكن لهم في العلم قدم ثابت ولم يقفوا على مقصودهم من هذا القول. ولو أنصف الفرق من الأمة لأقروا بأن خبر الواحد يوجب العلم فإنك تراهم مع اختلافهم في طرائقهم وعقائدهم يستدل كل فريق منهم على صحة ما يذهب إليه بالخبر الواحد" (١).
- وقال الإمام ابن حزم ﵀: "إن جميع أهل الإسلام كانوا على قبول خبر الواحد الثقة عن النبي ﷺ يجري على ذلك كل فرقة .. حتى حدث متكلمو المعتزلة بعد المائة من التاريخ فخالفوا الإجماع في ذلك" (٢).
- وقال صاحب "الروض الباسم": "قد انعقد إجماع المسلمين على وجوب قبول الثقات فيما لا يدخله النظر، وليس ذلك بتقليد بل عمل بمقتضى الأدلة القاطعة الموجبة لقبول أخبار الآحاد وهي محررة في موضعها من فن الأصول ولم يخالف في هذا إلا شرذمة يسيرة وهم متكلمو بغداد من المعتزلة والإجماع منطبق قبلهم وبعدهم على بطلان قولهم" (٣).
- وللرد على عمارة ينظر إلى كتاب "الصواعق" لابن القيم، و"الحديث حجة بنفسه في العقائد والأحكام" و"وجوب الأخذ بأحاديث الآحاد" للشيخ الألباني، و"أصل الاعتقاد" للشيخ عمر سليمان الأشقر.
* ما هكذا يا دكتور عمارة تُورد الإِبلُ:
- يقول في كتابه "المعتزلة ومشكلة الحرية" (٥): "نحن في مواجهة
стр. 914
خطر السلفية النصوصية الذي يتنكر للعقل والعقلانية ويتعبد بظواهر النصوص حتى ما تعلق منها بوقائع تاريخ السلف وتجاربهم البشرية واجتهاداتهم الإنسانية .. ونحن في مواجهة حركة التغريب التي تسعى إلى تغريب عقل الأمة وطرائق عيشها وأنماط سلوكها .. نواجه خطرًا تعني سيادته استلاب هوية الأمة وتميزها الحضاري وقطع سلسلة تواصلها المعرفي مع تراث الآباء والأجداد .. وبعض هذا الاستلاب متمثل في دعوة المتغربين إلى النمط الغربي في العقلانية تلك التي لا تقيم للنقل وزنًا ولا مكان للوحي فيها ولا التزام لها بشريعة السماء".
ويقول في كتابه "العلمانية" (٦): "الذين ينظرون إلى واقعنا الفكري الراهن تزعجهم أبعاد هذا الانقسام بين: سلفية نصوصية تتعبد بظواهر نصوص لا قداسة لها .. وسلفية نصوصية هي الأخرى بظواهر نصوص لم يبدعها سلفنا وإنما أبدعها مفكرو الحضارة الغربية .. ".
ويقول في كتاب "الإسلام والمستقبل" (٢٤٤): "عندما شرعت أمتنا في مغادرة إطار العصور المملوكية العثمانية إلى رحاب عصر يقظتها وإحيائها ونهضتها وتنويرها من خلف رواد مثل رفاعة الطهطاوي وجمال الدين الأفغاني ومحمد عبده وعبد الرحمن الكواكبي وخير الدين التونسي تصارعت على ساحتها واعتركت في أحشائها وتنازعت في عقلها ووجدانها تيارات رئيسية ثلاث: أولها: تيار الجمود الذي استعصم بفكرية العصور الوسطى واعتصم بعد أن أضفى على هذه الفكرية التي جسدت عصر تخلفنا الحضاري قداسة الدين وقدسيته .. وثانيها: تيار التغريب ذلك الذي انبهر أهله بتألق الحضارة الأوربية وإنجازاتها وانتصاراتها .. ".
- قلت: ولا يكاد يخلو كتاب للدكتور دون ذكر هذا التقسيم الثلاثي .. فالأمة عنده قد انقسمت إلى (متخلفين) (جامدين) (نصوصيين) (خرافيين) وإلى (متغربين) (علمانيين) .. وأما التيار الثالث (المنقذ! ) فهو تيار
стр. 915
الأفغاني (السوبرمان! ) أو تيار (السلفيين العقلانيين) (المتنورين) (المجتهدين) (تيار الوسط) .. ! وصفات تيار الجمود أنه يعيش في (خرافات) العصر المملوكي والعثماني وصفات أهل التغريب أنهم مولون ظهورهم للتراث .. وصفات المتنورين أنهم جمعوا الدين والعقل .. إلخ. لا يوجد طائفة أخرى في الأمة داخل هذه القسمة. فكأنه يريد أن يسوق الناس بعصاه إلى تيار الأفغاني كما تساق البهائم في المرعى! فهو يقول لهم: ليس أمامكم.
إلا أن تتغربوا .. فيقولون: أعوذ بالله!
أو أن تتخلفوا .. فيقولون: أعوذ بالله!
إذن فالزموا -حفظكم الله- نهج الأفغاني فالعدو من أمامكم والبحر من خلفكم! دعوة مغطاة إلى مذهب الباطل يتنبه لها كل فطن وهو في هذا الفعل يخون الأمة إذ لم يعرض لها المنهج الصحيح الذي يعرفه .. وهو المنهج السلفي الذي يجمع بين الدين كما عاشه الرسول ﷺ والصحابة وبين الدنيا التي يحاول أن يبلغ فيها القمة -ولكن تعوقه عوائق يعلمها الدكتور! - فإذا كان الدكتور جاهلاً في المنهج فهو في تفصيلاته أجهل كما سيأتي.
ثم إن الباحث في كتبه -هداه الله- لا يدري هل يجعلنا من المتخلفين أم من المتغربين؟ أما المتغربون فلا أظنه يفعلها لبعد ما بيننا ولأني لم أعثر له على نص واحد في ذلك. وأما المتخلفون فإن الدكتور (يتخبط) في ذلك فتارة تراه يثني على (السلفيين) أو أحد أعلامهم وأنهم ضد التخلف .. وتارة يصمنا بالتخلف! فتعجب أهم ضد أنفسهم مثلاً؛ فهو يقول في كتاب "الطريق إلى اليقظة" (١٥٦): "المهام الأولى لليقظة الإسلامية مجابهة الجمود بالاجتهاد والتجديد .. والتصدي للغزوة الاستعمارية بالجهاد والتحرير"، ويجعل (الوهابية) أي (السلفية) كما هو معلوم في مقدمة هذه التيارات
стр. 916
اليَقِظَة .. فهو إذن قد أخرجنا من أهل الجمود والتخلف.
وفي كتاب "التراث في ضوء العقل" (٢٣٦) يقول: "مصطلح السلفية من المصطلحات التي يحيط بمضمونها الغموض في عدد من الدوائر الفكرية والسياسية في واقعنا العربي والإسلامي والمعاصر فهناك من يرون (السلفية) و (السلفيين) التيار المحافظ والجامد في حياتنا الفكرية وفي الجانب الديني من هذه الحياة على وجه الخصوص .. وهناك من يرون في (السلفية) وأهلها التيار الأكثر تحررًا من الخرافة والبدع ومن ثم الأكثر استنارة في مجال الفكر الديني بالذات"، فهو هنا يصفنا بالجمود! لأنه يعني بالفريقين السابقين نحن والأفغاني! وقد قال عن أهل الجمود في هذا الكتاب (١٠): "لم يكن في التراث الذي يبشرون به العروبة التي غدت قيمة أعلى الإسلام الحضاري والحضارة العربية الإسلامية مكانها بحكم ما للعرب من مكان الريادة والقيادة في الدين والدنيا بهذا المحيط الذي نعيش فيه .. بل بشروا بالتبعية للعثمانيين في عصر غدت فيه الدولة العثمانية ثوبًا مليئًا بالثغرات التي تسلل منها الغرب الاستعماري في صورة امتيازات وتسهيلات وحماية للأقليات .. إلخ حتى أصبح يلتهم ديار العروبة والإسلام إقليمًا وراء إقليم هكذا كان تراثهم الذي له يدعون وبه يبشرون" فهم مع العثمانيين .. ثم يقول في كتابه: "معارك العرب" (١٦٤) عن نهضة محمد علي: "وكان لا بد لهذه الصحوة بأن تصطدم بأعداء هذه الأمة التقليديين التخلف الممثل في السلطنة العثمانية والاستعمار الأوربي .. "، ومن المعلوم أن محمد علي قاتل (الوهابيين).
فكيف يكون ذلك؟ أم أنه التناقض والتخبط الذي اعتدناه منك. لا مخرج لك إلا بأن تقول: أنا ضد الجميع فالعثمانيون والترك (متخلفون) .. والوهابيون (متخلفون)، ولكن تخلف الوهابيين أقل من تخلف العثمانيين؛ لأنهم شاركوا ولو بقليل في اليقظة الإسلامية! وهذا ما أرجحه وسيأتي
стр. 917
دفعه. ولكن كان الأولى بالدكتور (الثوري) -والثورية تعني الشجاعة- أن يجهر بقوله ويقول: أعني بالمتخلفين والجاحدين السلفيين الذين يعيشون في مكان كذا! ومن أئمتهم فلان وفلان ومن المعاصرين فلان وفلان؛ والسبب أنهم قالوا كذا وكذا وهذا تخلف .. والصواب كذا وكذا. هذا هو المنهج السليم إذا أردت أن تنقد طائفة ما أن تذكر أقوالهم "الصحيحة" وتفندها وتدلي بقولك الذي تراه لينظر فيه .. أما الكلمات الرنانة وتخويف الأمة من السلفيين (المرعبين)! فهذا منهج (المهرجين).
٢ - مثال ثان على القسمة الثلاثية عند الدكتور: قال في كتاب "المعتزلة" (٦) بعد أن حذرنا كالعادة من النصوصيين السلفيين ومن المغتربين (فالسلفية النصوصية تشل بالجبر والجبرية فعاليات الإنسان فتسهم في تأييد وتأبيد التخلف السائد في عالم الإنسان ومذاهب الغرب في الحرية قد أفقدت الإنسان توازنه واتزانه وذلك عندما حولته إلى حيوان مادي أو فرد متعال أو متغرب بسبب المادية والإلحاد عن الكون الذي يعيش فيه وليس سوى مذهب الإسلام! في الحرية الإنسانية سبيلاً للخروج من هذا المأزق الذي دفعنا إليه السلفيون النصوصيون! والمتغربون". ويعني بمذهب الإسلام .. مذهب القدرية كما علمنا في مبحث "المعتزلة" فالقسمة ثلاثية: جبريون .. وغربيون متحررون .. ثم يأتي الفريق الوسط أو (المنقذ! ) كما أسميناه. فهل حقًّا مذهب السلف الجبر؟ أم أن الدكتور يجهل (أو يتجاهل) ذلك كما قال شيخ الإسلام: "إذا كان الله قد ذم هؤلاء الذين لا يعرفون الكتاب إلا تلاوة دون فهم معانيه كما ذم الذين يحرفون الكلم عن مواضعه من بعد ما عقلوه وهم يعلمون دل على أن كلا النوعين مذموم الجاهل الذي لا يفهم معاني النصوص والكاذب الذي يحرف الكلم عن مواضعه وهذا حال أهل البدع (١).
стр. 918
لم يكن مذهب السلف الجبر أبدًا بل شنعوا على أهله وذموهم أكثر مما ذمهم الدكتور وشيوخه. قال صاحب "الطحاوية" في بيان مذهب أهل السنة في القدر: "منشأ الضلال: من التسوية بين: المشيئة، والإرادة، وبين: المحبة، والرضا، فسوّى الجبرية والقدرية، ثم اختلفوا.
فقالت الجبرية: الكون كله بقضائه وقدره، فيكون محبوبًا مرضيًا. وقال القدرية النفاة: ليست المعاصي محبوبة لله ولا مرضية له، فليست مقدَّرة ولا مقضية، فهي خارجة عن مشيئته وخلقه.
وقد دل على الفرق بين: المشيئة، والمحبة. الكتابُ والسنةُ والفطرةُ الصحيحة. أما نصوص المشيئة والإرادة من الكتاب، فقد تقدم ذكر بعضها.
وأما نصوص المحبة والرضا فقال تعالى: ﴿لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ﴾، ﴿وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ﴾.
* وقال تعالى عقيب ما نهى عنه من الشرك والظلم والفواحش والكبر: ﴿كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا﴾.
• وفي "الصحيح" عن النبي ﷺ : "إن الله كره لكم ثلاثًا: قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال".
• وفي "المسند": إن الله يحب أن يؤخذ برخصه، كما يكره أن تؤتي معصيته وكان من دعائه: "اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك، وأعوذ بمعافاتك من عقوبتك، وأعوذ بك منك". فتأمل ذكر استعاذته بصفة الرضا من صفة السخط، وبفعل المعافاة من فعل العقوبة. فالأول: الصفة، والثاني: أثرها المرتب عليها، ثم ربط ذلك بذاته سبحانه، وأن ذلك كله راجع إليه وحده لا إلى غيره، فما أعوذ منه فى واقع بمشيئتك وإرادتك، وما أعوذ به من رضاك ومعافاتك هو بمشيئتك وإرادتك، إن شئت أن ترضى عن عبدك وتعافيه، وإن
стр. 919
شئت أن تغضب عليه وتعاقبه، فإعاذتي مما أكره ومنعه أن يحل بي، هي بمشيئتك أيضًا، فالمحبوب والمكروه كله بقضائك ومشيئتك، فعياذي بك منك، وعياذي بحولك وقوتك ورحمتك مما يكون بحولك وقوتك وعدلك وحكمتك، فلا أستعيذ بغيرك من غيرك ولا أستعيذ بك من شيء صادر عن غير مشيئتك، بل هو منك. فلا يعلم ما في هذه الكلمات من التوحيد والمعارف والعبودية، إلا الراسخون في العلم بالله ومعرفته ومعرفة عبوديته" (١).
فالقسمة عندنا ثلاثية كما هي عندك ولكنها عندك كاذبة وعندنا صادقة، فهي عندنا: جبريون .. قدريون! .. أهل سنة.
٣ - مثال ثالث على القسمة الثلاثية عند الدكتور: قال في كتاب "الإسلام والعروبة" (٨٦): "الأمر الذي يجعل الأمة تواجه الخطر القديم الجديد .. خطر التشرذم والانقسام الحاد في قوى الأصالة الممثلة لذاتها الحقيقية: قوميون يديرون ظهرهم للإسلام .. وإسلاميون ينفرون من العروبة كل النفور" فالقسمة عنده: قوميون ملحدون .. أو إسلاميون شعوبيون .. ثم التيار (المنقذ! ) كالعادة. وقد سبق في مبحث (القومية) أن هذه القسمة باطلة وأن أحدًا من العلماء والدعاة المعاصرين لم ينفر من العروبة كل النفور كما يزعم الدكتور بل هم يتبعون النصوص الواردة في فضل العرب ولكن لا يغلون فيهم .. وكأن الإسلام لن يمضي دونهم وقد سبق بيان ذلك وبيان أن مذهب الدكتور الحقيقي في هذه القضية هو (القومية المستترة).
٤ - مثال رابع على القسمة الثلاثية عند الدكتور: قال في كتابه "العلمانية" (٥): "في فكرنا السياسي الحديث يلعب الخلاف حول طبيعة
стр. 920
السلطة في الدولة الإسلامية دور المحور الذي يحدد الاتجاهات والتيارات فالذين يرون السياسة والدولة دينًا خالصًا ووضعًا إِلهيًّا يقيسون خلافاتهم مع خصومهم بمعايير الكفر والإيمان وتكاد أن تظهر وتشيع في كتاباتهم مراسيم الغفران والحرمان .. أما الذين فصلوا الدين عن الدولة وباعدوا ما بين الرسالة والسياسة فإنهم الذين يتبنون اليوم في حياتنا الفكرية الدعوة إلى العلمانية".
فالقسمة ثلاثية عنده .. إما أن ندعو إلى السلطة الدينية (الكهنوتية) كما فعل النصارى أو أن ندعو إلى العلمانية ثم الفريق الثالثة (المنقذ! ) وهو الداعي إلى (العلمانية) المستتره كما مر معنا وكما صرح الدكتور به في كتابه "تيارات الفكر" (٣٢٣) نقلاً عن مشايخه حيث قال عن أحدهم (الكواكبي): "إنه يدعو إلى دولة قومية وليس إلى دولة دينية إسلامية فهو كغيره من أعلام هذا التيار كما سبق وأشرنا إلى مذهبه ينكر وجود سلطة دينية أو كهنوتية في الإسلام".
وقال عن محمد عبده بعد أن ذكر نقده للسلطة الدينية: " .. ثم يعمم هذا الموقف العلماني العقلاني فيقيم به التاريخ الإسلامي ويقرر أن الفتوحات التي حدثت بعد ظهور الإسلام كانت فتوحات سياسية، ولم تكن بالحروب الدينية .. " "نظرة جديدة" (٢٤٩).
ويقول عن شيخ مشايخه! الطهطاوي: "والطهطاوي الذي أنجز مع تلاميذه ترجمة القوانين المدنية والتجارية الفرنسية للدولة المصرية في القرن الماضي فعل ذلك من موقف عملي علماني .. " "نظرة جديدة" (٢٥٣).
وأما رأي أهل السنة والدعاة الإسلاميين فلا يذكره أبدًا؛ لأنه ينادي بتحكيم شرع الله في السياسة والاقتصاد والاجتماع.
* عمارة والتصوف:
الوثنية! ويذم من يتعرض للقبور بسوء! وهذا من أعجب ما رأيت له
стр. 921
قال في كتاب "التراث" (١٥٦): "هل إذا قدر لتراث المصريين في التوحيد الديني أن يظهر وينشر وتسلط عليه الأضواء هل ستظل مكانه اللاهوت العبراني كما هي في دوائر الفكر العالمي؟ مكانة الرائد الذي يمثل أقدم النصوص المكتوبة في عقيدة التوحيد؟ .. كلا وتلك واحدة من مهام الفكر العربي في صراعه ضد الصهيونيين" فهو يطالب بإحياء (توحيد! ) الفراعنة لتغتاظ إسرائيل! .. قلت: بل لتفرح!، ويقول في كتاب "الإسلام وفلسفة الحكم" (٥٨٢) عن المتوكل العباسي: "كما عم انقلاب المتوكل العباسي المعتزلة بالاضطهاد فلقد شمل به الشيعة العلويين كذلك فالأمويون قد قتلوا الحسين والمتوكل هدم قبره وسواه بالتراب ثم حرث أرضه وزرعها كي لا يزوره أحد من الناس"، فهو ينكر على المتوكل إحياءه للسنة في هدم القبور المرتفعة ومنع الناس من الافتتان بها لا سيما إذا كانوا من جهلة الشيعة، وقد كان الأولى بالسلفي أن يمدحه لا أن يذمه.
٤ - ومما يشهد بعدم سلفية الدكتور مدحه للتصوف الفلسفي ورجاله وهو يعلم أنه لا لقاء بين السلفية والتصوف الفلسفي الذي يقوم على مبدأ (وحدة الوجود) و (الحلول) فاسمعه يقول عن الأفغاني -متأثرًا به-: "وهو فيما يتعلق بالوقف من التراث الصوفي في الفكر الإسلامي كان أقرب إلى التصوف العقلاني -إن جاز التعبير- منه إلى التصوف العملي القائم على التنسك والتذوق والحدس .. فمعروف عنه تقديره الكبير للشيخ محيي الدين ابن عربي الذي يعد من أبرز أعلام التصوف الفلسفي في الفكر الإسلامي" "نظرة جديدة" (٢٤٧).
هذا غيض من فيض .. وقطرة من بحر مما لدى الدكتور من أفكار وكلمات تصادم المنهج السلفي فكيف يزعم أنه من رجاله؟
هم الرجال وعيب أن يقال ... لمن لم يتصف بمعاني وصفهم رجل
стр. 922
* الوهابية والسلفيون ومحمد عمارة:
١ - الوهابية: يرى الدكتور عمارة أن الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀ "دعا إلى العودة لإسلام شبة الجزيرة الأول إسلام ما قبل عصر الفتوحات ذلك الذي يكفي الإنسان منه النصوص دونما حاجة إلى العقلانية الكلامية أو الفلسفية وما أثمرت من قياس ورأي وتأويل" "الطريق" (١٦٠).
وإنه: "هاجم القياس حتى ولو كان صحيحًا وأعرض عن التأويل في فهم النصوص وتفسيرها وأعلن أن الرأي لا وزن له بجانب النصوص" "الطريق" (١٦١).
وأن الوهابية: "حركة تجديد سلفية نشأت في بيئة عربية بسيطة لم تعرف الفكر المركب لخلوها من تعقيدات الحضارة وأنماطها الفكرية المركبة فكانت صورة إسلامها هي صورة الإسلام العربي الأول في عصر صدر الإسلام" " الطريق" (١٦٣).
"كانت الوهابية كامتداد للفكر السلفي إسهامًا في الاستقلال الحضاري لأمتنا العربية الإسلامية وإن تكن بداوة بيئتها وفقر الأفكر الفلسفي عند أعلامها قد جعل إسهامها على هذه الجبهة متمثلاً في رفض التبعية الفكرية مع العجز عن الإبداع في بلورة البديل وتطويره" "الطريق" (١٦٥).
و"الوهابية بسبب من بداوة البيئة التي نشأت بها قد اتخذت موقفًا غير ودي من العقلانية ومن التمدن" "الطريق" (١٦٦)، ولذلك يقول محمد عبده عنها: "لم يكونوا للعلم أولياء ولا للمدنية أحباء" "الطريق" (١٦٧).
ولقد "عجزت عن تلبية حاجات البيئات العربية الإسلامية المتحضرة ذات الفكر المركب والتطور الحضاري المتقدم" "الطريق" (١٦٧).
ولهذا "ظلت دعوة ودولة في شبة الجزيرة وحدها ودون أن تتعداها" "العرب والتحدي" (١٥١).
стр. 923
- هذه أبرز النقاط التي يعرضها الدكتور عن (الوهابية) أو التي حكم بها عليها ويمكن أن نرجعها إلى قسمين: قسم يمدح فيه الوهابية وقسم يذم فيه الوهابية .. فهو يمدحها لأنها:
١ - حركة تجديد سلفية أعادت للتوحيد نقاءه وحاربت الخرافة.
٢ - حركة انتصرت للعروبة في مواجهة الدولة العثمانية .. وهذا فهم خاطئ فهي حركة (إسلامية - سلفية) .. ولم تكن (عربية) بالمعنى الذي يريد الدكتور؛ لأنها لم تحارب الدولة العثمانية لأجل (العروبة) بل لأجل انحراف دولة الخلافة عن التوحيد وانتشار الشرك والبدع بين أفرادها وتقريبها للطرقية والجامدين من المقلدة.
قال الأستاذ (محمد جمعة) رادًا على الدكتور في هذه القضية: "الدعوة السلفية إذًا لم تصطدم بالعثمانيين لمجرد أنهم عثمانيون غير عرب؛ بل لأن العثمانيين قد أجازوا كثيرًا من البدع الشركية التي قامت الدعوة من أجل محاربتها ثم لأن العثمانيين هم الذين بدأوا الدولة السعودية الأولى والدعوة السلفية بالقتال فالمعروف تاريخيًّا أنه لم يكن هناك أي وجود حقيقي للعثمانيين في نجد أيام قامت الدعوة بل ربما أن العثمانيين لم ينتبهوا أو يهتموا بقيامها ولكن حين رأوها تنشط وتتوسع خافوها فحرضوا ولاتهم في العراق والشام على محاربتها فلما عجزوا كلفت الدولة العثمانية وإليها على مصر (محمد علي) بذلك" "مقال تصحيح وإيضاح" مجلة الهلال أغسطس ١٩٨٣).
* وهو يذم الوهابية لأنها:
١ - عادت العقلانية والفلسفة وعلم الكلام.
٢ - عجزت عن تلبية احتياجات البلاد الأخرى في التمدن.
٣ - لأنها بدوية.
стр. 924
٤ - لأن الإمام محمد بن عبد الوهاب هاجم القياس.
٥ - لأنها عنيفة فلذلك لم تصل إلى بلاد أخرى.
- ونقول له:
يا ناطح الجبل العالي لتكلمه ... أشفق على الرأس لا تشفق على الجبل
- ولله در القائل:
متى يصل العطاش إِلى ارتواء ... إِذا استقت البحار من الركايا
ومن يثني (الأصاغر) عن مراد ... وقد جلس الأكابر في الزوايا
* محمد عمارة وبعض الأسماء:
١ - معاوية بن أبي سفيان ﵁ -:
- قال الدكتور: "إن المعتزلة قد ربطوا باستمرار بين نظرية الجبر وبين السلطة الأمرية ورأوا أن لهذه الأفكار الجبرية أبعادًا سياسية في المجتمع بل اتهموا معاوية بن أبي سفيان بأنه أول من أشاع هذا اللون من الفكر حتى يدعم سلطته وسلطانه ويوهم الناس أن انتقال الخلافة إليه وإلى أهل بيته إنما هو قدر الله وقضاؤه الذي يجب التسليم به والرضا عنه" "المعتزلة" (١٥١).
"فمعاوية .. قد حاول استخدام عقيدة الجبر كي يبرر انتقال السلطة له وتغير طبيعتها على يديه" "الإسلام وفلسفة الحكم" (١٥٨).
ويقول: "دولة بني أمية وحكامها وولاتها يحكم عليها المعتزلة في الجملة بالضلال والفسق؛ لأنها قامت على ذنب من الذنوب الكبائر وهو تحويل الخلافة الشوروية إلى ملك وراثي عضود ولأنها مارست من المظالم والكبائر ما امتلأت به صحائف آثار كثيرة من كتب أهل الأعتزال" "الإسلام وفلسفة الحكم" (٥١٠).
لقد اتهمه هذا الدكتور (الظالم) تبعًا لمشايخه الكذابين من المعتزلة بأنه
стр. 925
- ﵁ أول من ابتدع (الجبر) في الإسلام! حفاظًا على منصبه وولايته! والدليل عنده "قال الجبائي: أول من قال بالجبر وأظهره معاوية" "المعتزلة" (١٥١)، ومثله عن ابن المرتضى. أفيقبل مسلم عاقل طعن هؤلاء المبتدعة المغضوب عليهم في أفضل الأمة؟ وقد أخبرناك بعض أقوالهم الآثمة في ذلك. أيُعَدَّل الفاسق ويُفَسَّق العدل؟ قال ﷺ "لو يعطى الناس بدعواهم لادعى ناس دماء رجال وأموالهم" "مختصر مسلم" (١٠٥٣) فهذه دعاوى من أشباه "الرافضة" قد استقوها منهم لا تقبل إلا ببينة صادقة. ثم يقال: إن أول من أظهر (الجبر) ونشره بين الناس هو (الجهم بن صفوان) كما هو معروف عند أهل الفرق وهو أحد الرجال الذين أثروا في المعتزلة! قال الشهرستاني: "الجهمية أصحاب جهم بن صفوان وهو من الجبرية الخالصة" (١).
٢ - الحسن البصري:
- قال الدكتور: "إن المعتزلة يذكرون الحسن البصري في الطبقة الثالثة من طبقات رجالهم وهي الطبقة التي فيها التابعون ويثبتون له رسالته التي كتبها في القدر ردًّا على رسالة عبد الملك بن مروان، ولكن هناك من يشككون في هذه النسبة فيقولون: كان أهل القدر ينتحلون الحسن بن أبي الحسن وكان قوله مخالفًا لهم وهناك من يقول: إنه قال بالقدر ثم عدل ورجع عن القول به. ولكن الدراسة لأسس هذا الخلاف حول الحسن البصري تؤكد أن الرجل كان من أئمة الذين قالوا بالقدر على مذهب العدل" "الإسلام وفلسفة الحكم" (١٥٩) "مسلمون ثوار" (١٥٥).
ويقول: "الحسن كان بلا جدال ولا شك من أوائل الذين قالوا بالقدر على مذهب المعتزلة أهل العدل والتوحيد .. كل ما في الأمر أنه قد اختلف
стр. 926
معهم في أصل آخر هو المنزلة بين المنزلتين وفي قضايا أخرى مثل قضية تجريد السيف والخروج المسلح ضد بني أمية .. وعلى ضوء هذه الحقيقة نفهم ذكر المعتزلة للحسن في الطبقة الثالثة من طبقات رجالهم ونفهم قول الذين أرخوا لفرق المعتزلة عندما يذكرون (فرقة الحسنية) -نسبة للحسن- كإحدى فرق المعتزلة" "الإسلام وفلسفة الحكم" (١٦٠).
- قلت: ابتلي الحسن ﵀ بطائفتين من أهل البدع كلتيهما تجعله أصلاً لبدعتها .. الطائفة الأولى هي (المعتزلة) كما ذكر الدكتور والطائفة الثانية هم (الصوفية) .. قال الصوفي الشعراني في كتاب "اليواقيت والجواهر في بيان عقائد الأكابر": "وقد كان الحسن البصري وكذلك الجنيد والشبلي وغيرهم لا يقررون علم التوحيد إلا في قعور بيوتهم بعد غلق أبوابهم وجعل مفاتيحها تحت وركهم ويقولون: أتحبون أن ترمى الصحابة والتابعون الذين أخذنا عنهم هذا العلم بالزندقة بهتانًا وظلمًا" (١).
وكل يدعي وصلاً (بحسن) ... و (حسن) لا يقر لهم بذاك
بل يقر ﵀ لأهل السنة. لأنه أحد رموزهم الأكابر ولكنه جمع بين العلم والزهد والكلام (الحسن) فظنت كل طائفة أنه يعنيها وأما اتهامه بالقدر فتهمه قد براه الله منها قال ابن سيرين: "كانوا يأتون الشيخ -يعني الحسن- بكلام مجمل لو فسروه له لساءهم" (٢).
- وقال أبو سعيد الأعرابي: "كان يجلس إلى الحسن طائفة من هؤلاء فيتكلم في الخصوص حتى نسبته القدرية إلى الجبر وتكلم في الاكتساب حتى نسبته السنة إلى القدر كل ذلك لافتنانه وتفاوت الناس عنده وتفاوتهم في
стр. 927
الأخذ عنه وهو بريء من القدر ومن كل بدعة" (١).
٣ - ابن عربي الصوفي:
- قال الدكتور: "ابن عربي -في التصوف الفلسفي- قمة القمم، لا في حضارتنا العربية الإسلامية فقط، بل وعلى النطاق الإنساني. وهو بمقياس "السلفية المحافظة" أو "الفقهاء" وثني زنديق.
والذين يلقون نظرة على تيارات الفكر الإسلامي يجدون الفكرة ونقيضها، والمدرسة وضدها والمقولة وما ينقضها أو يعاديها .. قام ذلك في كل شيء، حتى في تصور الذات الإلهية، نجد "المنزهة" أصحاب التجريد، ونجد (المشبهة) الذين يفضي قولهم إلى ألوان من التجسيد أو الحلول أو الاتحاد إلخ .. والذي أعتقده وخاصة في مثل عصرنا -أن الاستنارة يجب أن تجعلنا ننظر للاختلافات في الآراء، والتعدد في التصورات، كمصدر للغنى الفكري والثراء الثقافي .. وإذا لم يكن مفر من الاختلاف، فلنجعله في إطار (الخطأ والصواب)، وليس في إطار (الكفر والإيمان)، فلا كهانة في الإسلام، ولا سلطة لبشر، حتى الرسل، على ضمائر الناس وقلوبهم.
وإذا كان الأمر كذلك، فإن مصادرة ابن عربي، أو غير ابن عربي، تصبح قضية وفعلة بينة الشذوذ خصوصًا وأنها تأتي من أناس لا علاقة لهم بالفكر الذي يصادرونه لأنه باعتراف علية المتخصصين- فكر يستعصي على كثير من الخواص، فضلاً عن العوام.
إن ابن عربي في التصوف الفلسفي، أشبه ما يكون باينشتين ونسبيته في العلوم، فمن في مجلس الشعب يستريح ضميره للحكم في مثل هذه الأمور؟ " "التراث" (٢٩١).
стр. 928
- أما عند أهل السنة فقال شيخ الإسلام: "آل الأمر بملاحدة المتصوفة كابن عربي صاحب فصوص الحكم وأمثاله إلى أن جعلوا الوجود واحدًا وجعلوا وجود الخالق هو وجود المخلوق. وهذا تعطيل للخالق وحقيقة قوله فيه مضاهاة لقول الدهرية الطبيعية الذين لا يقرون بواجب أبدع الممكن وهو قول فرعون، ولهذا كانوا معظمين لفرعون ثم إنهم جعلوا أهل النار يتنعمون فيها كما يتنعم أهل الجنة فكفروا بحقيقة اليوم الآخر ثم ادعوا أن الولاية أفضل من النبوة .. " (١).
٤ - عمرو بن عبيد:
- قال الدكتور عنه: "علامة بارزة على طريق تطور العقل العربي المسلم .. وعلم من الأعلام الذين صنعوا النشأة الأولى للتيار العقلاني في تراثنا قبل أن تعرف العربية حركة الترجمة عن اليونان وثائر في سبيل العدل والشورى التميز نظره بنظرة خاصة لقضية الثورة ركزت على ضرورة الاستعداد والتمكن والإعداد ورفضت الفوضى والتمردات ومع ذلك فهو زاهد ناسك عابد سلكه الزهاد والمتنسكون في سلك أئمتهم كما تزينت باسمه صحائف الفلاسفة والمتكلمين والثوار. فلقد ذهب إلى بيت الله الحرام -من البصرة- إلى الحج ماشيًا على قدميه أربعين مرة في أربعين سنة ومعه راحلته -جمله- مخصصًا إياه لركوب الفقراء والضعفاء" "التراث" (٢٧).
٥ - غيلان الدمشقي:
- قال الدكتور: "غيلان الدمشقي إنسان إذا شئنا أن نلخص حياته والعطاء الذي قدمته نفسه في هذه الحياة في كلمات شديدة الاختصار استطعنا أن نقول: إنه كان موقفًا ثوريًا من كل سلبيات الحياة في العصر الذي عاش
стр. 929
فيه" "مسلمون ثوار" (١٤٢).
وقال: "طلب من الخليفة -أي عمر بن عبد العزيز- أن يجعله قائمًا على رد المظالم والأموال المغتصبة من الأمة والتي كان الخلفاء والأمراء الأمويون قد احتازوها منذ علا نجمهم في خلافة عثمان بن عفان .. فقال غيلان الدمشقي للخليفة: ولني بيع الخزائن ورد المظالم. فولاه هذه المهمة وعهد إليه بتلك المسئولية" "مسلمون ثوار" (١٤٧).
وقال: "كانت حياة غيلان نموذجًا فريدًا يجسد الموقف الثوري من سلبيات مجتمعه كذلك كان مماته نموذجًا فريدًا يجسد سلبيات هذا المجتمع ويدين هذه السلبيات" "مسلمون ثوار" (١٤٩).
- قلت: قال ابن حبان: "كان داعية إلى القدر قتل وصلب بالشام لا تحل الرواية عنه ولا الاحتجاج به لبدعته التي كان يدعو إليها وقتل عليها".
ثم روى بسنده إلى إبراهيم بن أبي عُلية قال: "كنت عند عبادة بن نسي فأتاه آت فقال: إن أمير المؤمنين هشامًا قد قطع يدي غيلان ورجليه فصلبه.
قال: ما تقول؟ قال: قد فعل. قال: أصاب والله فيه القضاء والسنة ولأكتبن إلى أمير المؤمنين ولأحسنن له رأيه" (١).
- قال الذهبي: "غيلان بن أبي غيلان المقتول في القدر ضال مسكين" (٢).
وقال ابن حجر: "قال ابن المبارك: كان من أصحاب الحارث الكذاب وممن آمن بنبوته فلما قتل الحارث قام غيلان إلى مقامه. وقال له خالد بن اللجلاج: ويلك ألم تك في شبيبتك ترامي النساء بالتفاح في شهر رمضان ثم صرت خادمًا تخدم امرأة الحارث الكذاب المتنبي وتزعم أنها أم المؤمنين ثم
стр. 930
تحولت فصرت زنديقًا ما أراك تخرج من هوى إلا إلى أشر منه. وقال له مكحول: لا تجالسني. وقال الساجي: كان قدريًّا دعا عليه عمر بن عبد العزيز فقتل وصلب وكان غير ثقة ولا مأمون كان مالك ينهى عن مجالسته. قلت - آي ابن حجر-: وكان الأوزاعي هو الذي ناظره وأفتى بقتله" (١).
٦ - ابن جني:
- قال الدكتور عنه: "الرائد العملاق" "نظرة جديدة" (٦٨).
وقال: "كان ابن جني كما أعتقد ثمرة للعقل العربي الذي سار مجتمع البصرة في القرن الرابع الهجري وإضافة خلاّقة لهذا العقل" "نظرة جديدة" (٦٩).
وقال: "لقد كان -أحد تلامذة مدرسة بصرية امتازت باعتمادها على العقل وثقتها في قدرته إلى أبعد الحدود .. ألا وهي مدرسة الاعتزال" "نظرة جديدة" (٧٣).
٧ - محمد علي:
- قال الدكتور عنه: "ارتادت مصر للشرق والوطن العربي عصر التنوير واليقظة والنهضة في ظل الدولة المدنية الحديثة التي أسسها محمد علي باشا الكبير" "التراث" (١٨٩).
ويخصص الدكتور مبحثًا كاملاً في كتابه "العلمانية" للدفاع عن اتهامات (لويس عوض) لمحمد علي.
٨ - ثورة الزنج:
خصص الدكتور مبحثًا كاملاً من كتابه "الإسلام والثورة" للحديث عن ثورة الزنج، وكان مما قال: "كان قائد هذه الثورة -علي بن محمد بن أحمد ابن علي بن عيسى بن زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب-
стр. 931
شاعرًا وعالمًا يمارس في (سامراء) تعليم الخط والنحو والنجوم وكان واحدًا من المقربين إلى الخليفة المنتصر بالله" (٢٦٠).
"بالرغم من اشتهار هذه الثورة (بثورة الزنج) إلا أنها لم تكن ثورة عنصرية ولا خاصة للزنج وحدهم ولم تقف أهدافها عند المطالبة بتحرير العبيد أو تحسين ظروف عملهم .. فقائد هذه الثورة عربي وعلوي -رغم تشكيك خصومه في صحة نسبه العلوي- وأغلب قوادها كانوا عربًا" (٢٦٠).
ودولة علي بن محمد التي يسعى لها: "تعمل من أجل نظام اجتماعي هو أقرب إلى النظم الجماعية التي يتكافل فيها ويتضامن مجموع الأمة" (٢٦٤)! يعلق الدكتور على هذا الموضع قائلاً: "يشبه نظام الملك الفلسفة الاجتماعية والتنظيم المالي لثورة الزنج بالمزدكية التي قامت على الاشتراك العمومي في ثروة المجتمع" (٢٦٤). فهلاّ شبهتها بالاشتراكية الحديثة!؟.
وأما في كتاب "نظرة جديدة" فقال: "إن ثورة الزنج قامت بجنوب العراق ضد نظام الحكم العباسي وشاركت فيها جماهير الفلاحين الفقراء مع العبيد الأرقاء والأقنان الذين كانوا يعملون في تخليص مزارع الأغنياء وكبار الملاك من ملوحة مياه الخليج .. وكانت لهم أفكار اجتماعية متقدمة وبطولات ثورية في ثورتهم هذه ضد النظام الاجتماعي والسياسي الذي ساد بغداد .. " (١٨) وفي كتاب "التراث في ضوء العقل" يقول عنها: "لم تكن ثورة عنصرية عرقية قام بها الزنج العبيد ضد العرب الأشراف كما يزعم ذلك بعض المستشرقين وإنما كانت ثورة عامة للذين اختاروا الصراع العنيف طلبًا للعدل والحرية ورفضًا لسيطرة الأعاجم الأتراك على الخلفاء العباسيين واستئثارهم بخيرات البلاد، وإذا كان لهذه الثورة شرف القتال لتحرير العبيد في ذلك الوقت المبكر من تاريخنا - وهو ما يشرف هذا التاريخ فإن هذا الشرف لم يكن هدفها الوحيد" (٢٢٠).
- قلت: الدكتور معجب أشد الإعجاب بثورة الزنج، وإذا عرف
стр. 932
السبب بطل العجب فهي أولاً ثورة زيدية والزيدية كما علم شقائق المعتزلة.
وثانيًا: هي ثورة (اشتراكية) تدعو إلى الاشتراكية في المال ومساواة العبيد بغيرهم كما يوهم كلام الدكتور. فهل هي حقًّا كذلك؟ وهل يستحق أهلها أن يسموا (ثوارًا) "أم هم شراذم من قطاع الطريق والمفسدين في الأرض؟ انظر "الفتنة السوداء أو ثورة الزنج" للأستاذ محمد جمال.
٩ - الدكتور عمارة وعبد الله بن سبأ:
- قال الشيخ سلمان العودة في كتابه "عبد الله بن سبأ وأثره في إحداث الفتنة في صدر الإسلام".
"ويرى الدكتور محمد عمارة أن ابن سبأ أقرب إلى الخرافة" (١).
١٠ - الحشوية:
نبز بها الدكتور محمد عمارة السلفيين أهل السنة والجماعة، ودمغ فكر أهل السنة بالحشو اتباعًا لشيوخه (الثقات) من أهل الاعتزال قال: "أطلق هؤلاء المجبرة على أنفسهم اسم أهل السنة وأهل الجماعة وشاعت عند عامة المسلمين وجماهيرهم التفسيرات التي تجعل كلمة السنة بمعنى سنة الرسول ﷺ وتجعل كلمة الجماعة منصرفة إلى جماعة المسلمين ولكن المعتزلة يسمون هذه الفرقة بالجبرية والمجبرة والمجورة وأهل الحشو" "المعتزلة" (٢٩).
وقال: "المعتزلة يسمون هذه الفرقة (أي أهل السنة) بالحشوية وأهل الحشو ويقولون عنهم أنهم يسمون أنفسهم بأنهم أصحاب الحديث وأنهم أهل السنة والجماعة وهم بمعزل من ذلك وليس لهم مذهب معروف! ولا كتاب تعرف منهم مذاهبهم! إلا أنهم مجمعون على الجبر والتشبيه ويدعون أن أكثر السلف منهم وهم براء من ذلك وينكرون الخوض في الكلام والجدل ويقولون على التقليد وظواهر الروايات" "المعتزلة" (٣٤).
стр. 933
وأما أهل السنة والسلفيون من الأئمة فقد ردوا هذا اللقب ولم يقبلوا إطلاقه عليهم؛ لأنه من الألقاب التي يقصد بها التنفير عن الحق. كما قال الشاعر.
تقول ذا جنى النحل تمدحه ... وإِن شئت قلت ذا قيء الزنابير
مدحًا وذمًا ما جاوزت وصفهما ... والحق قد يعتريه سوء تعبير
- قال ابن القيم: "هكذا شأن كل مبتدع وملحد، وهذا ميراث من تسمية كفار قريش لرسول الله ﷺ وأصحابه الصبأة، وصار هذا ميراثًا منهم، لكل مبطل وملحد ومبتدع، يلقب الحق وأهله بالألقاب الشنيعة المنفرة.
وإذا قالوا: حشوية، صوروا في ذهن السامع قومًا قد حشوا في الدين ما ليس منه، وأدخلوه فيه، وهو حشو لا أصل له. فتنفر القلوب من هذه الألقاب وأهلها، ولو ذكروا حقيقة قولهم، لما قبلت العقول السليمة، والفطر المستقيمة سواه والله يعلم وملائكته ورسله وهم أيضًا أنهم براء من هذه المعاني الباطلة. وأنهم أبعد الخلق منها، وأن خصومهم جمعوا بين أذى الله ورسوله، بتعطيل صفاته، وبين أذى المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا فقعدوا تحت قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا (٥٧) وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾ (١).
وقال في موضع آخر: "ما ذنب أهل السنة والحديث إذا نطقوا بما نطقت به النصوص وأمسكوا عما أمسكت عنه ووصفوا الله بما وصف به نفسه ووصفه رسوله وردوا تأويل الجاهلين وانتحال المبطلين الذين عندوا ألوية الفتنة
стр. 934
وأطلقوا عنه المحنة وقالوا على الله وفي الله بغير علم فردوا باطلهم وبينوا زيفهم وكشفوا إفكهم ونافحوا عن الله ورسوله فلم يقدروا على أخذ الثأر منهم إلا بأن سموهم مشبهة ممثلة مجسمة حشوية" (١).
- وقال أبو حاتم الرازي: "علامة الزنادقة أن يسموا أهل الأثر حشوية" (٢).
١١ - نهج البلاغة:
يعتمد الدكتور عمارة كثيرًا في كتبه على كتاب "نهج البلاغة" للشريف المرتضي بدعوى أنه يحتوي على خطب وكلمات لعلي بن أبي طالب ﵁ وتجده ينقل من هذا الكتاب الروايات والآثار والخطب العديدة المخالفة لمنهج أهل السنة والتي تحتوي على طعون في الصحابة الأجلاء ممن لا تواليهم الشيعة (٣)، ويأخذ الدكتور ذلك كله مسلمًا به .. بل يبني عليه أحكامه وإن لم يبن أحكايه فكفى به إثمًا أن ينشر مثل تلك الروايات الفادحة في صحابة رسول الله ﷺ ليقرأها العالم والجاهل في كتبه فتكون بابًا لسوء الظن بهم أو زلل اللسان عليهم. فمثلاً هو يقول عن معاوية ﵁ في تصوير مدى عدائه للأنصار!! "لم ينس معاوية ولا الأمويون للأنصار موقفهم هذا ففي عهد معاوية وفدت جماعة من الأنصار على رأسهم النعمان بن بشير يشكون الفقر وضيق العيش وقالوا له: لقد صدق رسول الله في قوله لنا: ستلقون بعدي أثرة. فقد لقيناها، فقال لهم معاوية: فماذا قال لكم؟ قال لنا: فاصبروا حتى تردوا على الحوض قال فافعلوا ما أمركم به عساكم أن تلاقوه
стр. 935
غدًا عند الحوض كما أخبركم! وحرمهم ولم يعطهم شيئًا" "الإسلام وفلسفة الحكم" (٣٨١).
مرجعك يا دكتور؟ .. "شرح نهج البلاغة" (٦/ ٣٢)!!!.
روايات كثيرة يسردها الدكتور العقلاني وينثرها في كتبه خاصة ما يتعلق منها بالصحابة ﵃ فيها الألفاظ الجارحة والحزازات والحقد والغدر والخيانة والظلم لآل البيت وتجبر الأمويين والأغنياء المترفين والفقراء المساكين إذا قرأتها تشعر أنك تقرأ عن حفنة من اللصوص والمتصارعين على السلطة كما نرى في زماننا فتنكر قلبك بعدها وتستغفر الله أنك قرأتها فما بالك بمن تجرأ فنقلها وشهرها .. ثم ما بالك بمن كذبها؟ وليت الدكتور كان غافلاً عن رأي أهل السنة في هذا الكتاب ولكن اسمعه يقول: "إن المعارضين لفكر الشيعة في علم الإمام يستطيعون أن يشككوا في نسبة هذه العبارة لعلي بن أبي طالب؛ لأن نهج البلاغة قد جمعه الشريف الرضي نقيب الطالبيين ورأس الشيعة الإمامية في عصره" "الإسلام وفلسفة الحكم" (٣٨١).
ويقول: "الذين يطالعون نهج البلاغة المنسوب للإمام علي بن أبي طالب - والذي نعتقد بصدق نسبته إليه .. " "تيارات الفكر" (٢١٨).
- قلت: قال الذهبي في الشريف المرتضي: "هو جامع كتاب نهج البلاغة المنسوبة ألفاظه إلى الإمام علي ﵁ ولا أسانيد لذلك وبعضها باطل وفيه حق ولكن فيه موضوعات حاشا الإمام من النطق بها. ولكن أين المنصف؟ وقيل بل جمع أخيه الشريف الرضي" (١).
وقال أيضًا: "من طالع كتابه نهج البلاغة جزم بأنه مكذوب على أمير المؤمنين علي ﵁ ففيه السب الصريح والحط على السيدين أبي بكر وعمر
стр. 936
- ﵄ وفيه من التناقض والأشياء الركيكة والعبارات التي من له معرفه بنفس القرشيين الصحابة وبنفس غيرهم ممن بعدهم من المتأخرين جزم بأن الكتاب أكثره باطل" (١).
- قال شيخ الإسلام: "أهل العلم يعلمون أن أكثر خطب هذا الكتاب مفتراة على علي ولهذا لا يوجد غالبها في كتاب قديم ولا لها إسناد معروف فهي بمنزلة من يدعي أنه علوي أو عباسي ولا نعلم أحدًا من سلفه ادعى ذلك قط فيعلم كذبه، فإن النسب يكون معروفًا من أصله حتى يتصل بفرعه. وفي هذه الخطب أشياء قد علم يقينًا من علي ما ينقاضها ولم يوجب الله على الخلق أن يصدقوا بما لم يقم دليل على صدقه، وإن ذلك من تكليف ما لا يطاق" (٢).
وقال السيد محب الدين الخطيب تعليقًا على هذا القول: "أكثر التزوير الذي عني به الرضي وأخوه المرتضي في نهج البلاغة يدور على الشيء الذي له أصل فيضيفان إليه ما لم يكن له أصل من أمثال لقد تقمصها فلان بينما الصحيح الثابت بالسند عن علي هو جميل الثناء على فلان فيقع التناقض بين قوله المستقيم الثابت عنه وبين القول الملتوي المعزو إليه بلا سند ولا دليل على صحته فأساءوا إلى علي بإظهاره متناقضًا ومتحاملاً وأنانيًا وحاشا لله أن يكون كذلك" (٣).
١٢ - الدولة العبيدية:
خصص الدكتور كما علمنا كتابًا كاملاً في تمجيد الدولة العبيدية الرافضية وعدّ توليها على مصر اكتمالاً لعروبتها .. وفي هذا تفضيل لها على
стр. 937
ما سبقها من حكم إسلامي ومن ضمنه حكما الخلفاء الراشدين بعد عمر ﵁! والذي زاد إعجاب الدكتور بهذه الدولة الرافضية أنها جعلت (مصر) مركزًا لها بعد أن كانت مجرد ولاية تابعة لدولة الخلافة .. فقد اختلطت عنده (الوطنية) بالنزعة (الشيعية) في هذا الكتاب.
- قال ابن كثير ﵀: "كانت مدة ملك الفاطميين مائتين وثمانين سنة وكسرًا، فصاروا كأمس الذاهب ﴿كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا﴾. وكان أول ملك منهم المهدي، وكان من سلمية حدادًا اسمه عبيد، وكان يهوديًّا فدخل بلاد المغرب وتسمى بعبيد الله، وادعى أنه شريف علوي فاطمي، وقال عن نفسه إنه المهدي كما ذكر ذلك غير واحد من العلماء والأئمة بعد الأربعمائة كما قد بسطنا ذلك فيما تقدم، والمقصود أن هذا الدعي الكذاب راج له ما افتراه في تلك البلاد، ووازره جماعة من الجهلة، وصارت له دولة وصولة، ثم تمكن إلى أن بنى مدينة سماها المهدية نسبة إليه، وصار ملكًا مطاعًا، يظهر الرفض وينطوي على الكفر المحض. ثم كان من بعده ابنه القائم محمد، ثم ابنه المنصور إسماعيل، ثم ابنه المعز معد، وهو أول من دخل ديار مصر منهم، وبنيت له القاهرة المعزية والقصران، ثم ابنه العزيز نزار، ثم ابنه الحاكم منصور، ثم ابنه الطاهر علي، ثم ابنه المستنصر معد، ثم ابنه المستعلي أحمد، ثم ابنه الآمر منصور، ثم ابن عمه الحافظ عبد المجيد، ثم ابنه الظافر إسماعيل، الفائز عيسى، ثم ابن عمه العاضد عبد الله وهو آخرهم، فجملتهم أربعة عشرة ملكًا، ومدتهم مائتان ونيف وثمانون سنة، وكذلك عدة خلفاء بني أمية أربعة عشر أيضًا، ولكن كانت مدتهم نيفًا وثمانين سنة، وقد نظمت أسماء هؤلاء وهؤلاء بأرجوزة تابعة لأرجوزة بني العباس عند انقضاء دولتهم ببغداد، في سنة ست وخمسين وستمائة، كما سيأتي.
стр. 938
وقد كان الفاطميون أغنى الخلفاء وأكثرهم مالاً، وكانوا من أعتى الخلفاء وأجبرهم وأظلمهم، وأنجس الملوك سيرة، وأخبثهم سريرة، ظهرت في دولتهم البدع والمنكرات وكثر أهل الفساد، وقل عندهم الصالحون من العلماء والعباد، وكثر بأرض الشام النصرانية والدرزية والحشيشية، وتغلب الفرنج على سواحل الشام بكمالها، حتى أخذوا القدس ونابلس وعجلون والغور وبلاد غزة وعسقلان وكرك الشويك وطبرية وبانياس وصور وعكا وصيدا وبيروت وصفد وطرابلس وأنطاكية وجميع ما والى ذلك، إلى بلاد إياس وسيس، واستحوذوا على بلاد آمد والرها ورأس العين وبلاد شتى غير ذلك، وقتلوا من المسلمين خلقًا وأممًا لا يحصيهم إلا الله، وسبوا ذراري المسلمين من النساء والولدان مما لا يحد ولا يوصف، وكل هذه البلاد كانت الصحابة قد فتحوها وصارت دار الإسلام، وأخذوا من أموال المسلمين ما لا يحد ولا يوصف، وكادوا أن يتغلبوا على دمشق، ولكن الله سلم، وحين زالت أيامهم وانتقض إبرامهم أعاد الله هذه البلاد كلها إلى المسلمين بحوله وقوته وجوده ورحمته" (١).
- محمد عمارة عقلاني مستنير كما يقول ليس على منهج أهل السلطة والجماعة:
لقد انتقل الدكتور عمارة من تيار الفكر الماركسي الشمولي إلى تيار اليسار الإسلامي، أو تيار الأفغاني أو التيار الحضاري أو التيار المستنير أو العقلانية الإسلامية المعاصرة .. سَمّه ما شئت من هذه الأسماء فهي تصدق عليه.
أما إنه عاد إلى الإسلام بمعناه الصحيح وهو منهج أهل السنة
стр. 939
والجماعة .. فلا والله! لم يعُد.
وهذه الدراسة خير شاهد على ذلك.
فإن قلت: لعل الدكتور قد تراجع عن التعلق بهذا التيار أيضًا ورجع إلى منهج الحق. فحاله مال الأشعري في تنقلاته الثلاث.
فأقول: لا! لم يصنع ذلك.
ْويشهد لهذا أمور قد ذكرت بعضها عند الحديث عن مقالاته في اليمامة .. ومنها:
١ - أن كتبه التي اعتمدت عليها في هذه الدراسة لا زالت تطبع دون تغيير أو تنبيه على مثل هذا التراجع المزعوم .. فقد طبع (تيارات الفكر) وغيره طبعة جديدة في العام الماضي وما قبله.
٢ - أن الدكتور قد جمع أفكاره المعتادة التي يرددها دائمًا وضمّنها واحدًا من أواخر ما كتب وهو "معالم المنهج الإسلامي" الذي طبعه المعهد العالمي للفكر الإسلامي محتسبًا الأجر والنصح للمسلمين!!.
٣ - أنه يردد هذه الأفكار كثيرًا في مقالاته ومقابلاته كما نقلت ذلك عنه مرارًا .. وتابع مجلة المجتمع أو جريدة المسلمون تنبئك بصدق ادعائي! فهما لا تبخلان علينا بين الحين والآخر تبشران الأمة بمشروع عمارة الحضاري. والذي سينقذنا من مستنقعات التخلف التي يجرنا إليها .. النصوصيون المتزمتون الجامدون .. ! فلعلهما يتبصران الأمر بعد هذه الدراسة.
٤ - أن الدكتور الشاعر عبد الرحمن العشماوي .. قد أيدني في هذا عندما ردّ على الدكتور بعض أفكاره الجريئة .. وذلك عندما قال: "قيل عن الرجل ما قيل من أنه قد تراجع عن بعض آرائه العقلانية التي طرحها في كتبه .. "، ثم قال: "ثم إنني ما كدت أنتهي من حوار (المسلمون) الذي
стр. 940
أشرت إليه حتى برزت أمامي صورة الرجل بملامحه القديمة" (١).
- قلت: فالرجل هو الرجل لم يتراجع عن (أي) شيء من أفكاره (المستنيرة) فيشترط لتوبته ما قاله ابن القيم ﵀: " .. فتوبة هؤلاء الفساق من جهة الاعتقادات الفاسدة: بمحض اتباع السنة. ولا يكتفى منهم بذلك أيضًا حتى يبينوا فساد ما كانوا عليه من البدعة. إذ التوبة من ذنب هي بفعل ضده. ولهذا شرط الله تعالى في توبة الكاتمين ما أنزل الله من البينات والهدى: البيان؛ لأن ذنبهم لما كان بالكتمان، كانت توبتهم منه بالبيان. قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ (١٥٩) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ وذنب المبتدع فوق ذنب الكاتم؛ لأن ذاك كتم الحق. وهذا كتمه ودعا إلى خلافه. فكل مبتدع كاتم ولا ينعكس" (٢).
قلت: ويضاف إلى هذا الشرط (التبيين) الشروط المعلومة في التوبة (ترك الفعل -الندم- العزم على عدم العود) ثم قال ﵀: "القول على الله بلا علم صريح افتراء الكذب عليه (ومن أظلم ممن افترى على الله كذبًا؟ ) فذنوب أهل البدع كلها داخلة تحت هذا الجنس فلا تتحقق التوبة إلا بالتوبة من البدع. وأنى بالتوبة منها لمن لم يعلم أنها بدعة، أو يظنها سنة، فهو يدعو إليها، ويحض عليها؟ فلا تنكشف لهذا ذنوبه التي تجب عليه التوبة منها إلا بتضلعه من السنة. وكثرة اطلاعه عليها، ودوام البحث عنها والتفتيش عليها. ولا ترى صاحب بدعة كذلك أبدًا. فإن السنة -بالذات- تمحق البدعة. ولا تقوم لها. وإذا طلعت شمسها في قلب العبد قطعت من قلبه ضباب كل بدعة، وأزالت ظلمة كل ضلالة. إذ لا سلطان للظلمة مع
стр. 941
سلطان الشمس. ولا يرى العبد الفرق بين السنة والبدعة، ويعينه على الخروج من ظلمتها إلى نور السنة، إلا المتابعة، والهجرة بقلبه كل وقت إلى الله، بالاستعانة والإخلاص، وصدق اللجوء إلى الله والهجرة إلى رسوله، بالحرص على الوصول إلى أقواله وأعماله وهديه وسنته "فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله"، ومن هاجر إلى غير ذلك حظه ونصيبه في الدنيا والآخرة. والله المستعان" (١).
- قلت: وليعلم الدكتور -هداه الله- أني لم أبادله الرد في هذا الكتاب إلا دفعًا لفساد بدعته (بل بدعه) التي أراد نشرها بين عامة المسلمين وإيقافًا له عن الترسل فيها ..
- قال شيخ الإسلام في حديث له: " .. كذلك بيان من غلط في رأي رآه في أمر الدين من المسائل العلمية والعملية فهذا إذا تكلم فيه الإنسان، بعلم وعدل وقصد النصيحة فالله تعالى يثيبه على ذلك لا سيما إذا كان المتكلم فيه داعيًا إلى بدعة فهذا يجب بيان أمره للناس فإن دفع شره عنهم أعظم من دفع شر قاطع الطريق".
- وقال ﵀: "إذا كان المبطلون يعارضون نصوص الكتاب والسنة بأقوالهم فإن بيان فسادها أحد ركني الحق وأحد المطلوبين فإن هؤلاء لو تركوا نصوص الأنبياء لهدت وكفت، ولكن صالوا عليها صول المحاربين لله ولرسوله، فإن دُفع صيالهم وبُيِّن ضلالهم كان ذلك من أعظم الجهاد في سبيل الله" غافر الله لمحمد عمارة وهداه إلى عقيدة أهل السنة والجماعة.
***
стр. 942
* عفوًا ومعذرة يا إِقبال .. فكُلٌّ يؤخذ من قوله ويترك إِلا رسول الله ﷺ -:
- قال عنه السيد أبو الحسن الندوي: "إن إقبال أنبغ عقل أنتجته الثقافة الجديدة، التي ظلت تشتغل وتنتج في العالم الإسلامي من قرن كامل، وأعمق مفكر أوجده الشرق في عصرنا الحاضر" (١).
- وقال عنه الدكتور أحمد مظهر -رئيس قسم اللغة العربية بجامعة البنجاب بلاهور-: "لم يكن إقبال شاعر مسلمي شبه القارة وحدهم أو شاعر العالم الإسلامي الشرقي وحده، وإنما كان من هؤلاء الآحاد الأفذاذ الذين قلما يجود الزمان بهم، فهو شاعر الإسلام وشاعر الشرق، وشاعر الإنسانية كلها" (٢).
- قال عنه الدكتور عبد الوهاب عزام: "محمد إقبال شاعر نابغة، وفيلسوف مبدع، شاع ذكره وانتشر شعره وفلسفته في الهند، ولا سيما بين المسلمين فيها، ثم اتسع صيته وشاعت آراؤه في العالم، ولا سيما بعد أن قامت دولة باكستان العظيمة، وهي حقيقة تخيلها والناس منه يضحكون، ويقظة حلم بها والبائسون منه يسخرون، ولا يزال أنصاره وتلاميذه يكثرون على مر الأيام إعجابًا بفلسفته، فلسفة الحياة والأمل والعمل، وإكبارًا للمفكر المؤمن، والفيلسوف الذي لا يأسره الزمان، ولا يخضعه تقلب الحدثان، والشاعر الذي ينفخ الحياة في الموات، وينضر في القفر ألوان النبات، ويشعل الجمر الخامد في الرماد الهامد" (٣).
стр. 943
- وقال عنه الدكتور أحمد مظهر: "ولو كان إقبال شاعرًا نابغًا لكفاه، ولو كان فيلسوفًا مبدعًا لكفاه، ولو كان مصلحًا اجتماعيًّا أو زعيمًا سياسيًّا لكفاه، ولكن الله قد وهبه شخصية جامعة لهذه الأوصاف النبيلة".
واعتبره الدكتور نجيب الكيلاني أحد أولئك القلائل الذين بعثوا النور في سماء الشرق من أمثال الأفغاني!!! ومحمد بن عبد الوهاب وغيرهم (١).
وقال أيضًا: "إن إقبال شاعر الإسلام وفيلسوفه الكبير، وصاحب فكرة إنشاء دولة باكستان، هو أول أديب مسلم في العصر الحالي، استطاع أن يستلهم الإسلام في وضع فلسفته المشهورة -فلسفة الذات أو (خودي) - وكان شعره وعاءً لهذه الفلسفة التي آمن بها ودعا إليها في صدق وحرارة، ولم يحظ شاعر أو فيلسوف مسلم بشهرة تضارع شهرة شاعرنا الكبير في هذا العصر" (٢).
- وكانت شخصية إقبال الإصلاحية مثار اهتمام الشيخ محمد الفاضل ابن عاشور فأبرز ما قام به من دور فعال في سبيل الدعوة إلى تأسيس الباكستان من ناحية، وحفظ كيان المجتمع الإسلامي من الذوبان والتلاشي من ناحية أخرى (٣).
- وقال" عنه محمد علي جناح أول رئيس لباكستان: "كان شاعرًا منقطع النظير، طبق صيته الآفاق، وستبقى كلماته حية أبدًا. إن مساعدته لأمته وبلده لتضعه في صف أكبر كبراء الهند".
стр. 944
كتب إلى محمد علي جناح: "إنه ينبغي على مسلمي الهند من أجل أن يتيسّر عليهم حلّ مشكلاتهم إعادة توزيع البلاد، وإقامة دولة إسلامية -أو أكثر- فيها أغلبية ساحقة لهم. أولاً: تعتقد أن الوقت لمثل هذا المطلب قد حان بالفعل؟ ولعلّ هذا هو أقصر رد يمكن أن تردّ به على الاشتراكية الإلحادية لجواهر لال لنهروا" (١).
وتحقق أمله ويكفيه هذا فخرًا.
- وقال الدكتور نظير قيصر الباكستاني: "هو بدون شك شاعر الشرق وحكيم المله فيلسوف العالم الإسلامي وهو في الوقت نفسه شاعر الكون بأسره".
- ولقبّه شعراء الهند (ترجمان حقيقت) أي (ترجمان الحقائق).
- وأبرز الأستاذ أحمد حسن الزيات دور إقبال في الدفاع عن المحمدية فقال: "فإذا كان حسّان شاعر الرسول فإن إقبالاً شاعر الرسالة، وإذا كان لحسّان من نازعه شرف الدفاع عن ﷺ فليس لإقبال من ينازعه شرف الدفاع عن المحمدية" (٢).
- وقال عنه الدكتور عبد الودود شلبي: "فإذا كان للعرب في عصرهم الحاضر شاعر يلقب بأمير الشعراء هو أحمد شوقي، فقد كان أمير شعراء الإسلام في عصرنا الحاضر من غير منازع هو العلاّمة الدكتور محمد إقبال" (٣).
стр. 945
- وقال عنه الأستاذ فتحي رضوان: "محمد إقبال رمز لأحسن ما في الحياة الإنسانية".
- وذهب طه حسين إلى أن إقبال فرض نفسه على الدنيا وعلى الزمان، وأن المسلمين احتاجوا إلى نحو عشرة قرون ليوجد بينهم ثان لأبي العلاء.
- وذهب توفيق الحكيم إلى أن "الشاعر محمد إقبال هو مفخرة من مفاخر الشرق في عصوره الحديثة، فهو الخلاصة للمعرفة الكونية النابعة من الشرق، وللمعرفة العقلية الصادرة عن الغرب .. لذلك كان إقبال هو بحق المفكر المجدد في فهم الإسلام والكاشف الصادق لجوهره العظيم" (١).
- ويرى الدكتور طه حسين أن إقبال كان ينظر إلى العرب ويشيد بهم ويثني عليهم، ويتخذهم المثل الأعلى للإنسانية الجديرة بالوجود والحياة والبقاء (٢).
- ولقد عرّى إقبال حضارة الغرب ونقدها وهو العليم بها وقال: "يا ساكني ديار الغرب ليست أرض الله حانوتًا، إن الذي توهَّمتموه ذهبًا خالصًا سترونه زائفًا، وإن حضارتكم ستبعج نفسها بخنجرها، إن العزّ الذي يُبنى على غصن غض رقيق لا يثبت" (٣).
- ولقد أشار إقبال إلى أنه اكتوى بنار التعليم الغربي وخاض في دراسته، ولكنه مع ذلك خرج سالمًا وازداد إيمانًا بخلود الإسلام ومبادئه
стр. 946
السامية، كما خرج إبراهيم ﵇ من نار نمرود، فقال: "كسرت ظلم العصر الحاضر، وأبطلت مكره، التقطت الحبة وأفْلتُ من شبكة الصياد، يشهد الله أني كنت في ذلك مقلدًا لإبراهيم، فقد خضت في هذه النار واثقًا بنفسي، وخرجت منها سليمًا محتفظًا بشخصيتي" (١).
* إِقبال حبيب إِلى النفوس ولكن الحق أحب إِلينا منه:
- قوله في صفات الله :
الحق أن إقبالاً يؤيد مسلك السلف وما أرشد إليه الكتاب والسنة في هذا الباب، ولكنه تأثر كثيرًا بتفسير الصوفية وتفسير بعض فلاسفة الغرب في ذلك. مثل كانط وهيجل وهوايتهيد وبرجسون. ومن الصحيح كذلك أنه لم يستند كثيرًا إلى أقوال المفسرين والمحدثين والمتكلمين المسلمين في شرح نصوص القرآن والسنة، في محاضراته ومقالاته ودواوينه. ولذلك نجد أن كلامه غامض في غالب الأحيان، ومثقل باستخدام مصطلحات التصوف وفلسفة الغرب في شرح أفكاره.
ومن الصفات التي وصف بها إقبال الله ، أنه الذات الحقيقية والنهائية والأولى وواجبة الوجود، وهو الذات العليا والنفس العظمى والفرد الكامل الأعظم. وهو الإرادة الخالقة والقوة المحركة والنور الأصلي والأزلي الأحد، الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوًا أحد (٢).
ويقول: " .. صفة العلم وصفة الخلق أمر واحد" (٣).
стр. 947
وانظر إلى كلامه عن العلم والقدرة. والواقع أن إقبالاً قد حار في كلامه هذا حيرة الفلاسفة والمتصوفة.
* وحدة الوجود ووحدة الشهود:
لقد تضاربت آراء دارسي فكر إقبال حول موقفه من فكرة وحدة الوجود. فمنهم من رأى أنه ظل معتقدًا بها طوال حياته، ومن بين من قال بذلك تلميذ إقبال وشارح دواوينه الأستاذ يوسف سليم جشتي، ومنهم من رأى أنه كان يعتقد بها في أول عهده، ثم رفضها وندد بها حين رتب منظومة "الأسرار والرموز" بعد رجوعه من أوربا، وذلك رأي معظم الكتاب عن فكر إقبال ومن بين من رأى ذلك الدكتور سيد عبد الله وخليفة عبد الحكيم والدكتور ظ. الأنصاري (١). ومنهم من رأى أن إقبالاً لم يكن يعتقد بها في أول عهده ولكن اعتنقها خلال الفترة الأخيرة من حياته. والقائل بذلك الأستاذ ميكش أكبر آبادي في كتابه "نقد إقبال" (٢)، ويرى الأستاذ جكن نات آزاد الهندوكي أن إقبالاً ظل يعتقد بتلك الفكرة طيلة حياته، ما عدا فترة ما بين رجوعه من أوروبا في عام ١٩٠٨ م، وبين نشر ديوانه" "رسالة المشرق" (٣).
ويرى السيد نذير نيازي صاحب إقبال لمدة طويلة ومترجم محاضراته "تجديد التفكير الديني" إلى الأردية تحت إشراف إقبال نفسه، أنه لم يعتنق تلك الفكرة ليوم واحد لا في أول عهده ولا في آخره، غير أنه وجد بيئة صوفية
стр. 948
في أسرة نشأ بها، فسمع شيئًا عنها وتأثر بها تأثرًا ما، كما أنه وجد معظم الشعر الأردي والفارسي مصطبغًا بتلك الفكرة، فنسمع صداها في بعض أبيات نظمها إقبال خلال الفترة الأولى لشعره، بينما نجد أن أستاذه المولوي السيد مير حسن كان معروفًا باتجاهاته الوهابية وكان يتهم أحيانًا بالطبيعية.
ففكرة وحدة الوجود لم تصل إلى مستوى العقيدة في فكر إقبال وشعره في يوم من الأيام (١).
ورأي السيد نذير نيازي هذا يبدو لنا أقرب إلى الصواب، فإن إقبالاً كان متأثرًا بحركة السيد المجدد السرهندي لتطهير التصوف من الأفكار غير الإسلامية أو العجمية، على ما يسميه إقبال. والسيد السرهندي قد ردّ ردًّا عنيفًا على أفكار محي الدين بن عربي الأندلسي، رأس القائلين بوحدة الوجود. فكان من قوله ضمن بعض رسائله: إن ابن عربي قد زلقت رجله في أثناء الطريق، وانخدع بما يعترى السالك من الأحوال في سفره الروحي ويتراءى له من وحدة هذا الوجود فلو تقدم خطوة لشاهد أن لا وحدة بين وجود العبد والمعبود، وأن الله هو الوراء ثم وراء الوراء ثم وراء الوراء. وقد سمى السيد المجدد هذه الوحدة التي تتراءى أثناء سلوكه بمرحلة وحدة الشهود لا بوحدة الوجود في الحقيقة. وكذلك جاء ضمن بعض رسائله: "إننا نحتاج إلى النصوص لا إلى الفصوص" (٢).
وانظر قوله ضمن مقدمة "الأسرار والرموز" (٣).
стр. 949
* رأي إِقبال في النبوّة:
محبة إقبال للرسول ﷺ ومعنى حبه لديه اتباع سنته واقتفاء أثره ﷺ :
- يقول الأستاذ أبو الحسن الندوي عن حب إقبال للرسول ﷺ :
"لقد عاش الدكتور محمد إقبال شاعر الإسلام وفيلسوف العصر -مدة حياته- في حب النبي ﷺ والأشواق إلى مدينته، وتغنى بهما في شعره الخالد. وقد طفح الكأس في آخر حياته، فكان كلما ذُكِرت المدينة فاضت عينه وانهمرت الدموع. ولم يقدر له الحج وزيارة الرسول ﷺ بجسمه الضعيف، الذي كان من زمان يعاني الأمراض والأسقام. ولكنه رحل إلى الحجاز بخياله القوي، وشعره الخصب العذب، وقلبه الولوع الحنون، وحلق في أجواء الحجاز وتحدّث إلى الرسول الأعظم ﷺ بما شاء قلبه وحبه وإخلاصه ووفاؤه (١)، وتحدّث إليه عن نفسه، وعن عصره، وعن أمته وعن مجتمعه. وقد فاضت في هذا الحديث قريحة الشاعر، وانفجرت المعاني والحقائق التي كان الشاعر يغالبها ويمسك بزمامها وينتظر فرصة إطلاقها، وقد رأى أن فرصتها قد حانت .. فكان شعره في النبي الكريم، صلوات الله وسلامه عليه، من أبلغ أشعاره وأقواها، وكان حشاشة نفسه وعصارة عمله وتجاربه، وكان تصويرًا لعصره وتقريرًا عن أمته وتعبيرًا عن عواطفه" (٢).
- وفي معنى حاجة المسلمين إلى التمسك بتعاليم السنة، يقول إقبال في "رموز اللاذاتية" تحت عنوان "الرسالة":
"بالرسالات بدا تكويننا ... شرعنا منها ومنها ديننا
стр. 950
ذاك من "يهدي إِليه من يريد" ... حلقة منها حوالينا يشيد
خلقة ذات محيط يعجز ... ساحة البطحاء فيها مركز
نحن مما جمعتنا أمة ... أرسلت للناس فيها الرحمة
موجنا في بحرها متصل ... موجة من موجة لا تفصل
أمة في حرز سور الحرم ... في حفاظ مثل "أسد الأجم"
نظرة الصديق رب الفهم ... وإِلى القلب من الربّ أحب
فالنبي الروح فينا والعصب ... شرعه حبل وريد الأمة" (١)
- ويقول، تحت عنوان "إن حسن سيرة الأمة المسلمة من التأدب بالآداب المحمدية":
"أنت كمّ في فروع المصصفى ... فتفتح في ربيع المصطفى
نظرة من روضه فالتمس ... وسنا من خلقه فاقتبس
مرشد الروم الذي قطرته ... قد حوت بحرا، سمت قولته:
"لا تجدّ الحبل من خير البشر ... لا تقل عندي فنون وبصر"
فطرة المسلم طرا رأفة ... قوله والفعل كل رحمة