← Общие книги

Общие книги · id 6523

أعلام وأقزام في ميزان الإسلام

سيد حسين العفاني

Полный текст (1 176 стр.). Показаны 876–915 · переход к 881.

стр. 876

الآتي دون شك: أولاً: موادة الكافرين ومعاداة المؤمنين فالمصري المسلم سيوالي ويواد المصري الكافر ويعاديان جميعًا التركي المسلم مثلاً، وهذا كفر صريح لمصادمته للأدلة التالية - وقد تركت أضعافها للاختصار ولأن القضية واضحه في حس كل مسلم: * قال تعالى: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آَمَنُوا﴾ وأنتم تقولون إنما وليكم المواطنون المؤمنون والكافرون. * قال تعالى: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللهَ وَرَسُولَهُ .. ﴾ الآية. وأنتم توالون من حاد الله ورسوله من كفار اليهود والنصارى. * قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾. فمن والاهم ووادهم فهو منهم وأنتم مقيمون على ذلك. • قال ﷺ : "المسلم أخو المسلم" "مسلم" (٨/ ١٨). ثانيًا: تقديم الوطن على الدين يستلزم أن يكون الإسلام معليًا عليه بالقوانين الكافرة التي يقرها اليهود والنصارى ولا شك فهم لن يرضوا أبدًا أن يحكموا بالإسلام كاملاً، ولذلك سيزاحموه بقوانينهم الكافرة إلى أن يلغوه. وقد تمكنوا من ذلك. فهذه البلاد المصرية تحكم بقوانين الكفر دون قوانين الإسلام وفي هذا رد على قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾. ثالثًا: تقديم الوطن على الإسلام يستلزم منه تعطيل الجهاد واقتصار الحروب على الدفاع عن الوطن. وفي هذا نبذ للإسلام وأحكامه وإحياء للشعارات الجاهلية المؤدية بصاحبها إلى النار.

стр. 877

رابعًا: تقديم الوطن على الإسلام مناقض للتوحيد لا فيه من عدم البراءة من المشركين. خامسًا: تقديم الوطن على الإسلام مناقض لإرادة الله من إرسال الرسل وإنزال الكتب الداعية إلى عبادته وحده والدخول في طاعته وموالاة أوليائه. إلى غير ذلك من المعارضات الكثيرة للإسلام. * الدكتور محمد عمارة والقومية: القومية أرفع درجة من الوطنية .. ولكنها تشاركها في الوثنية! والدكتور عمارة سمى أحد كتبه "الإسلام والوحدة الوطنية"، ثم تراجع في الطبعات التالية فسماه "الإسلام والوحدة القومية" فقد ارتقى درجة في سلم الوعي .. ونتمنى أن يأتي الوقت الذي يسميه فيه "الإسلام والوحدة الإسلامية" وما ذلك على الله بعزيز كان مصريًّا ثم تراجع ليكون قوميًّا يدخل العرب في ولاء واحد هو ولاء القومية، والقومية كأختها الوطنية عندما تقرأ قول الدكتور عمارة: "وحيثما امتد الفتح العربي امتد نور الإسلام .. فالعرب الذين فتحوا البلاد لم يحملوا معهم سلطان الدولة وحده، وإنما حملوا معهم نور الإسلام ... وكانت عروبة القرآن مع عروبة الفاتحين. مما أعان على ارتباط العروبة بالإسلام، فامتد نطاق العروبة بامتداد نطاق الإسلام. لما بين فقه الدين وتذوق العربية من روابط وعلاقات؟. ولقد رَسَّخ من هذه الحقيقة، وجعلها مقبولة، بل ومطلوبة، لدى الشعوب التي فتح العرب بلادها، أن مفهوم العروبة، لدى العرب الفاتحين لم يكن عرقًا ولا جنسًا ولا عصبية عمياء، كتلك التي عرفتها جاهليتهم، ثم جاء الإسلام فمحاها .. وإنما كانت عروبة حضارية، يسعى إليها الناس، لا خوفًا من جنس ولا خضوعًا لعصبية، وإنما رغبة في فقه الدين وسعيًا إلى إدراك أسرار كتابه العربي المبين .. لقد دعا الرسول ﷺ العرب إلى ترك

стр. 878

العصبية العرقية الجاهلية؛ لأنها (منتنة) " "الإسلام والمستقبل" (١٢٣). - عندما تقرأ ذلك تظن أن الدكتور عمارة من المعارضين للقومية العربية بمفهومها المخالف للإسلام. وأنه يؤمن بأفضلية العرب كما ورد ذلك في الأحاديث النبوية .. ولكنك تفاجأ عندما تعلم أن الدكتور عمارة من (غلاة) القوميين العرب. لا تختلف دعوته عن دعوتهم أي اختلاف يذكر ما عدا أنهم جاهروا بها بعيدًا عن الإسلام .. وأما هو فقد خمر وجهها بخمار إسلامي خفيف فكيف ذلك؟ ١ - يرى الدكتور عمارة أن العرب الشرقيين قبل الإسلام كانوا في صراع حضاري! مع الغرب البيزنطي. "وأمام هذا الخطر الذي أحدق بالجامعة العربية برزت ضرورات الوحدة بين قبائلها فبدأ التواصل بين وسط شبه الجزيرة وبين اليمن بعد تحريرها بقيادة سيف بن ذي يزن .. ولعبت الأشهر الحرم دورها في جعل القبائل العربية تعيش فترات من المسلم تنمو فيه روابط الوحدة في اللغة والتجارة والعادات والآداب .. " "الإسلام والمستقبل" (١٢٢). هذا قبل الإسلام وعندما ظهر الإسلام كان أحد العوامل التي ألفت بين العرب في مواجهة عدوهم .. فهو عامل توحيد فقط! وبظهوره أصبحنا نرى -كما يزعم الدكتور- تمايزًا بين الوحدة الدينية والوحدة القومية .. فهناك أمة (الدين) وأمة (الدولة) فأمه الدين يدخل فيها المسلمون فقط؛ لأنهم أصحاب دين واحد. وأما أمة السياسة والدولة فيدخل فيها المسلمون والكفار من اليهود والنصارى وغيرهم .. لكن بشرط أن يكونوا عربًا! ويحتج الدكتور على ذلك بما يسميه (الصحيفة) التي كتبها الرسول ﷺ عند قدومه المدينة وفيها جعل المسلمين (أمة واحدة من دون الناس) ومن لحق بهم وجاهد معهم فهم نواة الرعية السياسية وهم أمة مع المؤمنين

стр. 879

برغم اختلاف الدين. ٢ - يرى الدكتور عمارة أن العروبة هي اللغة فقط. فمن تكلم بالعربية فهو عربي: "فالرسول ﷺ ينكر المضمون (العرقي) للعروبة، ويدعو إلى اعتماد المضمون الحضاري رابطة ومعيارًا لمن هو العربي؟ ومن هم العرب؟ فاللغة، وهي وعاء للفكر والتراث والحضارة والذكريات .. هي المعيار والرباط الذي دعا الرسول إلى اعتماده بدلاً من (العرق) و (القبلية)، ذلك أن مجتمع شبه الجزيرة كان يضم (عربًا باللغة) والحضارة غير (العرب) بالعرق والجنس والدم. ومن ثم فإن اعتماد المعيار الحضاري كان سبيلاً، لا لتجاوز النعرات الجاهلية والمفاهيم المختلفة والمتعصبة فقط، وإنما أيضًا لبناء كيان جديد وأوسع من ذلك الذي يمكن بناؤه على أساس من العرب والجنس .. وهي أيضًا قفزة حضارية، وتطور متحضر هام إلى الأمام .. يبشر الرسول بهذا المفهوم الجديد عندما يخطب في الناس قائلاً: "أيها الناس، إن الرب واحد، والأب واحد، وليست العربية بأحدكم من أب ولا أم، وإنما هي اللسان (اللغة) فمن تكلم العربية فهو عربي" "العرب والتحدي" (٣٥). ٣ - ينكر الدكتور عمارة على الدكتور محمد رشاد خليل مساواة المسلم العربي بالمسلم غير العربي! "هو يتحدث عن الدكتور رشاد قائلاً: "ثم كتب فجعل علاقة المسلم المصري بأخيه المصري مساوية لعلاقته بالمسلم في أندونيسيا ونيجيريا وتركستان! مهملاً أي أثر للقوميات وقسماتها الأمر الذي جعل هذا الفكر لم يبصر سوى رابطة العقيدة الإسلامية" "الإسلام والعروبة" (٨١). ٤ - يرى الدكتور إن طلائع القوميين العرب هم المعتزلة الذين واجهوا الهجوم الشعوبي وعلى رأسهم الجاحظ فهو يقول: "أما الجاحظ فإننا واجدون عنده بواكير الصياغات النظرية للفكر القومي العربي بمضمونه الحضاري والإنساني المستنير حتى ليحسب المرء أنها من ثمرات العقل المستنير في عصرنا

стр. 880

الحديث" "العرب والتحدي" (٥٨). كما يرى أن تيار الأفغاني هو: "الذي بلغت في دعوته روابط العروبة والإسلام .. قمة الوضوح والعمق والشمول فالأفغاني يؤمن بوحدة النوع الإنساني وبوحدة الأمة الإسلامية لكنه ينبه على أثر تمايز الأقاليم وما يحدثه هذا التمايز من مغايرة بين الأقوام" "الإسلام والعروبة" (١٢٩). ٥ - يرى الدكتور أن الفتوحات الإسلامية التي بدأت في عصره ﷺ ثم في عصر أصحابه لنشر الإسلام فتوحات (عربية) لصد المستعمر الغربي وإزالة الظلم عن أبناء تلك البلاد الذين شاركوا (العرب) في حروبهم ضد المستعمر؛ لأنهم عرب مثلهم أو شرقيون إن لم يكونوا عربًا. ٦ - يؤمن الدكتور إيمانًا تامًا (بخرافة) الصراع بين الشرق والغرب فلم يعد يرى في الأحداث التاريخية سواه .. وعندما مر على خبر التتار وصراعهم مع المسلمين. أسقط في يده فهم شرقيون يقاتلون شرقيين كما يزعم! فكيف يخرج من هذه الورطة؟ لقد فكر وقدر فقاده فكره مع سيطرة الخرافة عليه إلى القول بأن: "الغرب الاستعماري كان قد قرر أن يقوم بجولة أخرى في صراعه ضد حضارة العرب والمسلمين، وإذا كانت قواه الذاتية، وعلاقات دولة بعضها مع البعض الآخر، والحالة التي عليها بقايا إماراته وقواده الاستيطانية في المشرق، إذا كانت هذه العوامل لا تتيح الفرصة كي يقوم هو بهذه الجولة الجديدة، فليبحث إذن عن قوة مدمرة يستخدمها ضدنا في هذا الصراع، وليفتش عن قبضة حديدية يحاول أن يصرع بها هذا الشعب الذي يعيش ما بين الخليج والمحيط .. ولقد توافق هذا التفكير الاستعماري مع ظهور قوة الدولة المغولية في أواسط آسيا، تلك الدولة التي كونتها قبائل وثنية جبلية متبربرة، اختطت لنفسها طريق السلب والنهب والتدمير، واتخذت من تدمير الحضارات وتخريب المدن صناعة لا تعرف غيرها من الصناعات ..

стр. 881

وقبل أن ينتصب القرن الثالث عشر الميلادي كانت هناك استعدادات في بلاط الدولة المغولية للقيام بزحف مدمر يستهدف احتلال الكثير من أوروبا بالإغارة على المناطق الشمالية الغربية لأوروبا وهنا بذل الغرب الاستعماري جهوده المضنية كي يجعل وجهة هذا الزحف التتري إلى بلاد العرب والمسلمين، ولكي يقيم تحالفًا غير مقدس بينه وبين هذه القوة الوثنية العنصرية، عله يقتسم معها الوطن العربي، ويعيد سيطرته ثانية على القدس وغيرها من مدن الشام وفلسطين" "معارك العرب" (١١٦). ٧ - يرى الدكتور أن بداية التفريق بين الإسلام والعروبة بدأ مع المماليك الذين انتشر في عهدهم الظلم والخرافات. فاختفت العروبة مع سيطرتهم على الدولة الإسلامية .. وهكذا العثمانيون إلى إن ظهرت اليقظة العربية المعاصرة. ٨ - ينتقد الدكتور المودودي وسيد قطب والندوي وسعيد حوى وغيرهم من مفكري الإسلام لانتقادهم القومية واعتبارها خطرًا على الإسلام .. حيث لم يفرقوا بين القومية العربية والقومية العلمانية التي لا تعترف بالدين. هذه أخي القارئ أبرز معالم الدكتور عمارة حول القومية، وهو يوهمنا بأنه لا يرى رأي القوميين العرب الذين نبذوا الإسلام .. وإنما هو يمزج بين الإسلام والقومية مزجًا يعطي كلاً منهما حقه. ويخترع لذلك قضية أمة الدين وأمة الدولة زيادة في التلبيس على القارئ والحق يقال إن الدكتور -كما قلت سابقًا- من غلاة القوميين العرب المعاصرين ويشهد لذلك كذبه واختراعاته العجيبة. كما يشهد لذلك فلتات قلمه التي تظهر ما في نفسه. * القومية في ميزان أهل السنة والجماعة: - قال الشيخ ابن باز ﵀: "من المعلوم من دين الإسلام بالضرورة أن الدعوة إلى القومية العربية أو غيرها من القوميات، دعوة باطلة

стр. 882

وخطأ عظيم ومنكر ظاهر وجاهلية نكراء وكيد سافر للإسلام وأهله، وذلك لوجوه: الوجه الأول: إن الدعوة إلى القومية العربية تفرّق بين المسلمين، وتفصل المسلم العجمي عن أخيه العربي، وتفرّق بين العرب أنفسهم لأنهم كلهم ليسوا يرتضونها، وإنما يرضاها منهم قوم دون قوم، وكل فكرة تقسم المسلمين وتجعلهم أحزابًا، فكرة باطلة، تخالف مقاصد الإسلام وما يرمي إليه، وذلك لأنه يدعو إلى الاجتماع والوئام والتواصي بالحق والتعاون على البر والتقوي كما يدل على ذلك قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٠٢) وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمْ آَيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾. * وقال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ (٦٢) وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾. * وقال تعالى: ﴿مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٣١) مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾. الوجه الثاني: أن الإسلام نهى عن دعوى الجاهلية وحذّر منها وأبدى في ذلك وأعاد في نصوص كثيرة، بل قد جاءت النصوص تنهى عن جميع أخلاق الجاهلية وأعمالهم إلا ما أقره الإسلام من ذلك ولا ريب أن الدعوة إلى القومية العربية من أمر الجاهلية، لأنها دعوة إلى غير الإسلام ومناصرة لغير الحق، وكم جرّت دعوى الجاهلية على أهلها من ويلات وحروب طاحنة وقودها النفوس والأموال والأعراض، وعاقبتها تمزيق الشمل وغرس العداوة

стр. 883

والشحناء في القلوب والتفريق بين القبائل والشعوب. - قالت شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: كل ما خرج عن دعوى الإسلام والقرآن من نسب أو بلد أو جنس أو مذهب أو طريقة، فهو من عزاء الجاهلية، بل لما اختصم مهاجري وأنصاري فقال المهاجري: يا للمهاجرين، وقال الأنصاري: يا للأنصار، قال النبي ﷺ : "أبدعوى الجاهلية وأنا بين أظهركم" وغضب لذلك غضبًا شديدًا. انتهى. ومما ورد في ذلك من النصوص قوله تعالى: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآَتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللهَ وَرَسُولَهُ﴾. * وقال تعالى: ﴿إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ﴾. • وفي سنن أبي داود، عن النبي ﷺ أنه قال: "ليس منا من دعا إلى عصبية، وليس منا من قاتل على عصبية، وليس منا من مات على عصبية". • وفي "صحيح مسلم" أيضًا عن النبي ﷺ أنه قال: "إن الله أوحى إليّ أن تواضعوا حتى لا يبغي أحد على أحد ولا يفخر أحد على أحد". ولا ريب أن دعاة القومية يدعون إلى عصبية ويغضبون لعصبية ويقاتلون على عصبية، ولا ريب أيضًا أن الدعوة إلى القومية تدعو إلى البغي والفخر لأن القومية ليست دينًا سماويًّا يمنع أهله من البغي والفخر، وإنما هي فكرة جاهلية تحمل أهلها على الفخر بها والتعصب لها على من نالها بشيء، وإن كانت هي الظالمة وغيرها المظلوم. - وهنا شبهة يذكرها بعض دعاة القومية أحب أن أكشفها للقارئ، وهي أن بعض دعاة القومية زعم أن النهي عن الدعوة إلى القومية العربية والتحذير منها يتضمن تنقص العرب وإنكار فضلهم. - والجواب أن يقال: لا شك أن هذا زعم خاطئ واعتقاد غير صحيح،

стр. 884

فإن الاعتراف بفضل العرب وما سبق لهم في صدر الإسلام من أعمال مجيدة لا يشك فيه مسلم عرف التاريخ كما أسلفنا، وقد ذكر غير واحد من أهل العلم ومنهم أبو العباس ابن تيمية في كتابه "اقتضاء الصراط المستقيم" أن مذهب أهل السنة تفضيل جنس العرب على غيرهم، وأورد في ذلك أحاديث تدل على ذلك، ولكن لا يلزم من الاعتراف بفضلهم أن يجعلوا عمادًا يتكتل حوله ويُوالى عليه ويُعادى عليه، وإنما ذلك من حق الإسلام الذي أعزّهم الله به وأحيا ذكرهم ورفع شأنهم، فهذا لون وهذا لون، ثم هذا الفضل الذي امتازوا به على غيرهم، وما منّ الله به عليهم من فصاحة اللسان ونزول القرآن الكريم بلغتهم وإرسال الرسول العام بلسانهم ليس مما يقدّمهم عند الله في الآخرة ولا يوجب لهم النجاة إذا لم يؤمنوا ويتقوا، وليس ذلك أيضًا يوجب تفضيلهم على غيرهم من جهة الدين، بل أكرم الناس عند الله أتقاهم كما تقدم في الآية الكريمة والحديث الشريف، بل هذا الفضل عند أهل التحقيق يوجب عليهم أن يشكروا الله سبحانه أكثر من غيرهم، وأن يضاعفوا الجهود في نصر دينه الذي رفعهم الله به، وأن يوالوا عليه ويعادوا عليه دون أن يلتفتوا إلى قومية أو غيرها من الأفكار المسمومة والدعوات المشئومة، ولو كانت أنسابهم وحدها تنفعهم شيئًا لم يكن أبو لهب وأضرابه من أصحاب النار، ولو كانت تنفعهم بدون الإيمان لم يقل لهم النبي ﷺ في الحديث الصحيح: "يا معشر قريش! اشتروا أنفسكم من الله، لا أغني عنكم من الله شيئًا"، وبذلك يعلم القارئ السليم من الهوى أن الشبهة المذكورة شبهة واهية لا أساس لها من الشرع المطهر ولا من المنطق السليم البعيد من الهوى. الوجه الثالث: هو أنها سلّم إلى موالاة كفار العرب وملاحدتهم من أبناء غير المسلمين واتخاذهم بطانة والاستنصار بهم على أعداء القوميين من المسلمين وغيرهم. ومعلوم ما في هذا من الفساد الكبير والمخالفة لنصوص

стр. 885

القرآن والسنة الدالة على وجوب بغض الكافرين من العرب وغيرهم ومعاداتهم وتحريم موالاتهم واتخاذهم بطانة. والنصوص في هذا المعني كثيرة منها قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٥١) فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ .. ﴾ الآية. سبحان الله ما أصدق قوله وأوضح بيانه، هؤلاء القوميون يدعون إلى التكتل حول القومية العربية مسلمها وكافرها، يقولون: نخشى أن تصيبنا دائرة، نخشى أن يعود الاستعمار إلى بلادنا، نخشى أن تسلب ثرواتنا بأيدي أعدائنا، فيوالون لأجل ذلك كل عربي من يهود ونصارى ومجوس ووثنيين وملاحدة وغيرهم تحت لواء القومية العربية، ويقولون: أن نظامها لا يفرق بين عربي وعربي وإن تفرقت أديانهم، فهل هذا إلا مصادمة لكتاب الله ومخالفة لشرع الله وتعدٍّ لحدود الله وموالاة ومعاداة وحب وبغض على غير دين الله؟ فما أعظمَ ذلك من باطل وما أسوأه من منهج. القرآن يدعو إلى موالاة المؤمنين ومعاداة الكافرين أينما كانوا وكيفما كانوا، وشرع القومية العربية يأبى ذلك ويخالفه ﴿قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللهُ﴾. * ويقول الله سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾. ونظام القومية يقول: كلّهم أولياء مسلمهم وكافرهم، والله يقول: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ .. ﴾ الآية. * ويقول سبحانه: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ

стр. 886

قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآَءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللهِ وَحْدَهُ﴾. * وقال تعالى: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آَبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ﴾ وشرع القومية، أو بعبارة أخرى شرع دعاتها يقول: أقصوا الدين عن القومية، وافصلوا الدين عن الدولة، وتكتلوا حول أنفسكم وقوميتكم حتى تدركوا مصالحكم وتستردوا أمجادكم، وكأن الإسلام وقف في طريقهم وحال بينهم وبين أمجادهم، هذا والله هو الجهل والتلبيس وعكس القضية، سبحانك هذا بهتان عظيم. والآيات الدالة على وجوب موالاة المؤمنين ومعاداة الكافرين والتحذير من توليهم لا تخفي على أهل القرآن، فلا ينبغي أن نطيل بذكرها، وكيف يجوز في عقل عاقل أن يكون أبو جهل وأبو لهب، وعقبة بن أبي معيط، والنضر بن الحارث وأضرابهم من صناديد الكفار في عهد النبي ﷺ وبعده إلى يومنا هذا إخوانًا وأولياء لأبي بكر وعمر وعثمان وعلي وسائر الصحابة ومن سلك سبيلهم من العرب إلى يومنا هذا .. هذا والله من أبطل الباطل وأعظم الجهل. وشرع القومية ونظامها يوجب هذا ويقتضيه وإن أنكره بعض دعاتها جهلاً أو تجاهلاً وتلبيسًا. الوجه الرابع: من الوجوه الدالة على بطلان الدعوة إلى القومية العربية أن يقال: إن الدعوة إليها والتكتل حول رايتها يفضي بالمجتمع ولا بد إلى رفض حكم القرآن؛ لأن القوميين غير المسلمين لن يرضوا تحكيم القرآن فيوجب ذلك لزعماء القومية أن يتخذوا أحكامًا وضعية تخالف حكم القرآن حتى يستوي مجتمع القومية في تلك الأحكام .. وقد صرح الكثير منهم بذلك .. وهذا هو الفساد العظيم والكفر المستبين والردة السافرة، كما قال

стр. 887

تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ (١). * محمد عمارة والعلمانية: للدكتور عمارة كتاب بعنوان (العلمانية ونهضتنا الحديثة) خصصه للرد على غلاة العلمانيين ممن يرون فصل الدين عن الدواء واستبعاده عن قيادة الأمة في مجال السياسة .. وله أيضًا حوارات كثيرة معهم .. إذن! .. لماذا هذا المبحث؟ فأقول: سيزول عجبك قريبًا. وفيما يلي لن أبحث تطور العلمانية في بلادنا وكيفية انتقالها؛ لأنه مبحث طويل يعرفه الجميع. وخير من بحث فيه من المعاصرين الشيخ محمد قطب في كتابه "مذاهب معاصرة" والشيخ سفر في رسالته "العلمانية" فخلاصة العلمانية التي يعرفها الجميع لكثرة الحديث حولها هي "فصل الدين عن الدولة" وجميع القراء تقريبًا يعلمون أنها مخالفة لهدي الإسلام فملخص حكم الإسلام فيها كما قال الشيخ سفر: "إن العلمانية تعني بداهة الحكم بغير ما أنزل الله فهذا هو معنى قيام الحياة على غير الدين ومن ثم فهي بالبديهة أيضًا نظام جاهلي لا مكان لمعتقده في دائرة الإسلام بل هو كافر بنص القرآن الكريم ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ (٢). فهذا المبحث لن أخصصه لذلك، وإنما سأعرض فيه رأي الدكتور حول طبيعة السلطة في الإسلام ليقتنع القارئ بعلمانيته ثم أفند شبهاته وآراءه بعد ذلك.

стр. 888

* العلمانية عند الدكتور عمارة: - يقول الدكتور: "إن فصل الدين عن الدولة على النحو الذي تقرره العلمانية الغربية لا يمكن أن يكون شعار الذين يفهمون الإسلام حق الفهم .. فهو شعار مرفوض" "الدولة الإسلامية" (٦٤). فالدكتور يرفض علمانية الغرب التي تفصل الدين عن الدولة وتجعل الدين يقبع في الكنيسة. ٢ - لماذا يرفض الدكتور العلمانية؟ يقول: "شعار العلمانية قد ارتفع في أوربا بمعنى عزل السلطة الدينية للكنيسة عن شئون المجتمع السياسية؛ لأن تراث أوربا وواقعها كانا يشهدان سلطة دينية تحكم قبضتها على مقدرات المجتمع كلها أما في واقعنا نحن وتراثنا ومنطلقاتنا فالأمر مختلف بل وعلى النقيض فالإسلام لم يقر السلطة الدينية بل هو كما يقول الإمام محمد عبده ينكرها ويدعو إلى رفضها بل ويهدمها من الأساس .. " "الدولة الإسلامية" (٦٣). إذن هو ينكر العلمانية الغربية؛ لأنه لا يوجد لدينا سلطة دينية تواجهها في الطرف الآخر كما حدث في الغرب مما اضطرهم للجوء إلى العلمانية للحد من سلطات الدين ورجاله .. لهذا فالدكتور عمارة أيضًا. ٣ - ينكر السلطة الدينية في الإسلام ويقول: "أما إسلامنا فإنه ينكر السلطة الدينية التي تجعل لنفر من البشر سلطانًا اختص به المولى سبحانه ورسله عليهم الصلاة والسلام" "الدولة الإسلامية" (٦٣). ويقول: "إن السلطة الدينية تعني -في كلمات بسيطة ودقيقة- أن يدعي إنسان ما لنفسه صفة الحديث باسم الله وحق الانفراد بمعرفة رأي السماء وتفسيره. وذلك فيما يتعلق بشئون الدين أو بأمور الدنيا .. وسواء في ذلك أن يكون هذا الادعاء من قبل فرد. يتولى منصبًا دينيًّا أو منصبًا سياسيًّا. وسيان كذلك أصدرت كهذه الدعوى من فرد أو من مؤسسة فكرية

стр. 889

أو سياسية. وفيما يتعلق بالفكر الإسلامي، فإن كل مذاهبه وتياراته الفكرية -باستثناء الشيعة- تنكر وجود السلطة الدينية وتنفي أن يكون من حق أي فرد أو هيئة إضفاء القدسية الإلهية على ما تصدر من أحكام وآراء" "الدولة الإسلامية" (١٤). ٤ - يرى الدكتور: "أن مصدر هذه النظرية قديم قدم طموحات السلطة المستبدة بمقدرات البشر، من أن حاول أصحابها تغليف استبدادهم وانفرادهم بالسلطان بغلاف ديني يصد الناس بسلاح الإيمان والدين عن السعي لممارسة حقهم، بل واجبهم في محاسبة الحكام .. لقد بدأت وظلت. ولا تزال محاولة يريد بها البعض الإفلات من نطاق محاسبة الجماهير، عن طريق تجريد الأمة من حقها في التشريع وحقها في أن تكون مصدر السلطان والسلطات .. زاعمة هذه المحاولة أن الحاكم نائب عن الله لا عن الأمة .. وهم بذلك يغفلون أو يتغافلون عن أن "حق الله" هو "حق المجتمع"، أي حق الأمة والناس .. بحكم خلافة الإنسان -في الأرض- عن الله .. وإذا نحن ذهبنا نلتمس بدايات هذه الدعوى في تراث الإنسانية السياسي وجدناها لدى فراعنة مصر الأقدبين الذين ادّعوا بنوتهم للإله .. ووجدناها في الكسروية الفارسية التي سبقت ظهور الإسلام. عندما كان كسرى يحكم "بالحق الإلهي". جاعلاً من قراراته وأحكامه وحي الإله "أهورا - مزدا" .. وجدناها كذلك في القيصرية الرومانية. قبل اعتناقها المسيحية، عندما كانت ذات الإمبراطور "مقدسة إلهية" .. وحتى بعد اعتناقها للمسيحية فلقد طوعت أوربا المسيحية لتراثها في نظرية الحكم بالحق الإلهي. ولم تطوع المسيحية أوربا لتعاليمها التي عرفت بالشرق خالية من هذا المفهوم. وبعبارة قاضي القضاة عبد الجبار بن أحمد الهمذاني (٤١٥) فإن النصرانية (المسيحية)

стр. 890

عندما دخلت روما لم تتنصر روما ولكن المسيحية هي التي ترومت؟! .. فلقد أصبح الإمبراطور رئيسًا للكنيسة. وحكم بالحق الإلهي في ظل المسيحية، كما كان الحال وهم يعبدون الأوثان! .. فمن تراث أوربا الوثني القديم تسربت هذه النظرية إلى أوربا المسيحية. حتى أصبحت المسئول الأول عن العصور المظلمة التي شهدتها أوربا لعدة قرون. ومن تراث الكسروية الفارسية تسربت هذه النظرية إلى فكر الشيعة السياسي حتى لقد انفردت به هذه الفرقة من دون سائر فرق الإسلام. فهي إذن نظرية غريبة عن فكر الإسلام الجوهري وتراثه النقي .. وهي إذن ميراث من مواريث الأمم الأخرى. سواء في العصور القديمة أم في العصور الوسطى" "الدولة الإسلامية" (٨٠). ٥ - يرى الدكتور أن من الداعين إلى السلطة الدينية في عصرنا الحاضر - والذين لأجلهم ألف كتابه "تيار الرفض في حركة الصحوة الإسلامية" ويعني بهما الجماعات التي تأثرت بفكر السيد المودودي والسيد قطب كما صرح بذلك في أكثر من موضع بدعوى أنهما شابها الشيعة في دعوتهما المشهورة بأن تكون (الحاكمية لله) فهم في نظره "يزعمون أن السلطان السياسي في المجتمع الإسلامي ليس حقًّا من حقوق الأمة، فالبشر ليسوا هم الحكام في مجتمعاتهم، وإنما الحاكم في هذه المجتمعات هو الله وسبحانه وتعالى .. أي أن الأمة ليست هي مصدر السلطات، كما تعارفت على ذلك الدساتير والأنظمة والنظريات التي تسود أغلب أنحاء الدنيا في العصر الذي نعيش فيه! فهذه الجماهير وتلك الأمم والشعوب التي تناضل من أجل أن تصبح هي مصدر السلطة والسلطان على أرضها وفي مجتمعاتها، هي بنظر هؤلاء النفر من المفكرين والمشتغلين بشئون الإسلام، خارجة عن صراط الله

стр. 891

المستقيم. ومتعدية حدودها، وجائرة على اختصاص المولى جل وعلا! ". "وهم، بقولهم هذا، يجعلون صاحب السلطة السياسية في النظام الإسلامي -الحاكم- وكيلاً عن الله -سواء صرحوا بذلك أم لم يصرحوا- لأن الحاكم هو في النهاية منفذ شريعة ومطبق قانون، وهو في عمله هذا إنما ينوب عن صاحب السلطة الأصلي في المجتمع. فإذا قلنا إن السلطة لله. كانت دينًا ووحيًا، ومن ثم كانت سلطة دينية، وكان متوليها حاكمًا "بالحق الإلهي" ونائبًا عن الله. وخليفة له وظلاًّ! .. أما إذا قلنا -كما هو الحال في الفكر الديمقراطي- بأن صاحب السلطة الأصلي هو الشعب. كان متوليها نائبًا عن الأمة ووكيلاً أو شبه وكيل. وكان مسئولاً أمام الأمة التي لها الحق في محاسبته ومراقبته. وعزله إن هو أخل بشروط عند البيعة والتفويض والاختيار" "الدولة الإسلامية" (٣١ - ٣٢). ٦ - وبعد أن رفض الدكتور العلمانية والسلطة الدينية فهو يختار أن الإسلام "يفرق بين العلوم الشرعية، وبخاصة ما يتعلق منها "بأصول الدين"، وبين ما سواها من العلوم .. فالعلوم التي تتعلق بالنبوة، واليوم الآخر، وبالعبادات وبأركان الدين، هي علوم شرعية، المرجع الأول فيها إلى النصوص الموحى بها، وهذه هي علوم الدين، أما ما سواها من العلوم، رغم تسميتها بالإسلامية، فإنها علوم عقلية، دنيوية جاءت ثمرة لنشاط العقل الإنساني المحكوم فقط، بالحقائق المقررة والمكتشفة في ميادين هذه العلوم، فنحن لدينا في تراثنا علوم وفنون مثل: "العمارة الإسلامية" و"الزخرفة الإسلامية" و"الفن الإسلامي" و"الطب" و"الصيدلة" و"الفلك" .. إلخ .. إلخ .. علوم وفنون تبلورت صروحها في المجتمع الإسلامي، فسميت إسلامية، ولكن بالمعنى الحضاري، ليس بالمعنى الديني، فهي علوم الحضارة الإسلامية وليست علوم الديانة الإسلامية، وهي علوم العقل الإسلامي

стр. 892

وليست علوم الوحي الإسلامي، وهي محكومة بحقائق العلم كما يقررها عقل العالم المسلم وليس المرجع في صحتها تفسيرًا أو تخريجًا يقتحم به دعي ميادين هذه العلوم .. فليست هناك "كيمياء" مسلمة وأخرى كافرة .. وليس هناك "جبر" مؤمن وآخر كافر .. لأن وصف كل هذه العلوم "بالإسلامية" إنما هو بالمعنى الحضاري وليس بالمعنى الديني؛ لأن الإسلام كحضارة قد شمل ميادين أكثر عددًا وأوسع مدى من تلك التي امتد إليها نطاق الإسلام كدين .. فالإسلام يقرر "مدنية" السلطة السياسية في المجتمع، ويؤكد على "بشريتها"، وذلك عندما يقرر أن الطريق إلى تولي هذه السلطة هو شورى البشر، والاختيار والعقد والبيعة. وعندما يؤكد على نيابة الحاكم عن الأمة، ومسئوليته تجاهها وأمامها .. وهو في ذات الوقت لا يرى "الفصل" بين الدين والدنيا؛ لأنه -باعتراف الجميع- قد تناول عددًا من الأحكام وأشار إلى كثير من أمور الدنيا فاتخذت لنفسه فيها موقفًا، وقرر للحياة الاجتماعية عددًا من القواعد الكلية، المتمثلة في "مقاصد الشريعة" وآيات الأحكام التي قننت "للثوابت" دون "المتغيرات" ثم طلب من الناس أن يعيشوا ويتحركوا وأن يطوروا حياتهم ومجتمعاتهم في إطار هذه القواعد الكلية والوصايا الإلهية العامة، التي هي أشبه ما تكون بالمثل العليا والأطر الجامعة التي حددها الله للناس كي لا يضلوا عنها ولا يتنكبوا الطريق الموصل إلى تحقيقها أو الاقتراب منها على أقل تقدير .. ومن هنا فإن الصياغة التي نفضل استخدامها، والتي نراها التعبير الأدق عن موقف الإسلام من هذه القضية، هي أن نقول: إن الإسلام ينكر أن تكون طبيعة السلطة السياسية الحاكمة دينية، أي ينكر "وحدة" السلطتين الدينية والزمنية، ولكنه لا يفصل بينهما، وإنما هو "يميز" بينهما. فالتمييز لا الفصل بين الدين والدولة هو موقف الإسلام. فاستبعاد الدين ونفيه من نطاق العوامل الحاكمة والمؤثرة في المجتمع

стр. 893

خطأ فكري. لا يتصور وضعه موضع التطبيق .. وفي نفس الوقت فإن محاولة صبغ السياسة والحكم بالصبغة الدينية الخالصة هي محاولة غريبة عن روح الإسلام؛ لأنها دعوة إلى أن يقتفي المسلمون أثار الأمم الأخرى التي وحدت السلطتين: الدينية والسياسية، فعاشت أظلم عصور تاريخها تستوي في ذلك كسروية الفرس وقيصرية الروم، في القديم، وأوربا في العصور الوسطى" "الدولة الإسلامية" (٦٢ - ٦٥). - ويقول محددًا منهجه: "إن ما هو دين جاء به الوحي، وانتقل إلينا في القرآن - الذي هو معجزة الرسول ﷺ نتلقاه بروح الإيمان. من مصدره هذا. مستعينين بالسنة. التي ينفي عنها الوضع والتحريف موافقتها للقرآن، ومستأنسين ومسترشدين في نظرنا هذا بالعقل الذي هو "وكيل الله" في الإنسان جعل إليه زمام أموره وقيادة نشاطاته .. وإذا كان العقل -كدليل- هو من خلق الله، والقرآن -كدليل- هو من عند الله، فيستحيل قيام التعارض الحقيقي أو التضاد بين دليلين أبدعهما خالق واحد، وتعهد بواسطتهما معًا مهمة هداية الإنسان .. فإذا حدث وبدا أن هناك تعارضًا بين ظاهر النص وبرهان العقل، وجب تأويل النص -دون تعسف- بما يتفق مع برهان العقل، حتى تتوافق في هداية البشر الأدلة النابعة من مصدر واحد، هو الخالق " "الدولة الإسلامية" (١٦). ويقول": "ما قضاه وأبرمه وقرره الرسول في أمور الدين عقائد وعبادات، لا يجوز نقضه أو تغييره حتى بعد وفاته؛ لأن سلطانه الديني، كرسول ما زال قائمًا فيه. وسيظل كذلك خالدًا بخلود رسالته ﵊ .. على حين أن ما أبرمه من أمور الحرب والسياسة يجوز للمسلمين التغيير فيه بعد وفاته. لأن سلطانه هنا قد انقضى بانتقاله إلى الرفيق الأعلى. وخلفه سلطان الخليفة، الذي هو سلطان مدني لا أثر للسلطة الدينية فيه"

стр. 894

"الدولة الإسلامية" (٧٦). ٧ - يحتج الدكتور على دعواه السابقة بعدة أدلة يمكن تلخيصها كالآتي: أ- حديث تأبير النخل "أنتم أعلم بأمور دنياكم". ب- أن الخلافة كانت بالشورى والاختيار والعقد والبيعة لا بالميراث. ج- أن الحكم في القرآن والسنة لا يدل على الحكم في السياسة بل الحكم في القضاء والمنازعات. د- أن عمر ﵁ اقتبس بعض أنظمة الفرس كالديوان. هـ- أن الإسلام قد قرر الفصل بين أمة الدين وأمة الدولة. وأن سنة النبي ﷺ تنقسم إلى سنة دينية ملزمة وسنة دنيوية غير ملزمة ومنها مشاوراته للصحابة في عدد من الحوادث وقضاؤه بينهم بحسب ما يظهر له مستشهدًا على قوله هذا بكلام للقرافي والدهلوي سيأتي في موضعه. * العلمانية في الميزان السلفي: نحن نرفض العلمانية ونحن نرفض السلطة الدينية! هذا حكم أهل السنة وهو موافق لحكمك فما الفرق بيننا إذن؟ الفرق بيننا أن منهج أهل السنة يؤمن بالإسلام كاملاً، لأنه منهج يعم حياة المسلم صغيرها وكبيرها، وأما الدكتور عمارة فيؤمن بالعلمانية (المتمسلمة) التي تؤمن ببعض الإسلام وترد بعض فخلاصة كلامه -هداه الله- أننا يجب أن نأخذ العقائد والعبادات وأركان الدين من القرآن والسنة لأنها وحي لا يتغير بالزمن، وأما في السياسة وشئون المجتمع فالمرجع فيها إلى الأمة والمصلحة لا القرآن والسنة؛ لأنها ليست دين .. ولكن كل ذلك "في إطار الوصايا العامة والقواعد الكلية التي

стр. 895

قررها هذا الدين"!! كما يقول. وأيضًا أمور الاقتصاد والعمران والتصوف بأنواعه مثلها. هذا ملخص ما يريد الدكتور وهو ينطوي على مخالفات شرعية مستترة ستتضح أثناء النقاش. فيقال للدكتور: ١ - لا أعرف أحدًا من الإسلاميين من أهل السنة في هذا الزمان يقول بالسلطة الدينية كما تزعم، وإنما تلك المقولات تخيلات في ذهنك أسأت بها فهم كلام الأستاذين المودودي وسيد قطب -رحمهما الله- (١) فالسلطة الدينية لم يقل بها سوى الشيعة الذين يجعلون للإمام العصمة في قراراته أما عندنا أهل السنة فلا يجرؤ أن يقول ذلك أحد. فلماذا تكذب عليهما؟ وتحمل كلامهما ما لا يحتمل وما لا يقوله إلا جاهل بطبيعة المنهج الإسلامي فحديثهما في واد وأنت وفهمك في واد آخر فأنت تقول عن المودودي أنه: "ذهب فأحيا شعارًا من شعارات الخوارج -رغم عدائه لفكرهم- وهو شعار الحاكمية فأثار بلبلة ولغطًا وشبهات كثيرة في حقل الفكر السياسي الإسلامي المعاصر" "الطريق" (٢٦٧). وهو يقول عن نفسه: "إن الإسلام لا طاعة فيه لأحد من الناس، وإن الآيات التي أوردناها آنفًا لتدل دلالة صارخة على أن الطاعة ليست إلا لله ، وما جاء الإسلام إلا لأن يقمع شأفة عبودية الإنسان لغير الله، وأن يقضي على ألوهية البشر. ومن الواضح النبين أن الإسلام لا طاعة فيه لأحد من البشر ككونه أحد أفراد البشر. فما طاعة الرسول إلا باعتباره قد أوتي الحكم والنبوة من الله، وما طاعة الحكام إلا باعتبارهم منفّذين لأحكام الله

стр. 896

ورسوله، وما طاعة العلماء إلا لأجل أنهم يرشدون الناس إلى أحكام الله ورسوله وحدود الله في مختلف شعب الحياة. فإذا جاء أحد منهم بأمر من الله، فالواجب على المسلم أن يطأطئ له رأسه دون أن يستنكف عن طاعته؛ لأنه لا حرية له في الفكر والرأي أبدًا أمام الله خالقه ورازقه وحاكمه الحقيقي المطلق. وأما إذا جاء أحد من البشر مهما كان شأنه يعرض على المسلم رأيه وفكرته من نسيج خياله فإن طاعته على المسلم ليس واجبًا. وله الحق كل الحق أن يمارس حريته في التفكير ويقيم رأيًا من الآراء. كما له الحق في أن يأخذ برأي غيره إن ارتاح إليه قلبه. وأن يخالفه بحرية تامة إذا رآه لا يستقيم" (١) "مفاهيم إسلامية" (١٢٩). وأنت تقول عن سيد ﵀: "لم يختلف موقف سيد قطب في الجوهر عن موقف المودودي في نظرية الحاكمية الإلهية فهي بمقتضى لا إله إلا الله كما يدركها العربي العارف بمدلولات لغته لا حاكمية إلا لله ولا سلطان لأحد على أحد لأن السلطان كله لله .. والحاكفية الإلهية عامة في الجانب الإرادي من حياة الإنسان كما هي في الجانب الفطري والوجودي شاملة لما هو دنيوي شمولها لما هو ديني عامة فيما هو سياسة عمومها فيما هو عبادة" "الصحوة الإسلامية" (١٤٩). وهو يقول: "الإسلام لا كهانة فيه ولا وساطة بين الخلق والخالق، فكل مسلم في أطراف الأرض، وفي فجاج البحر، يستطيع بمفرده أن يتصل بربه، بلا كاهن ولا قسيس، والإمام المسلم لا يستمد ولايته من "الحق الإلهي" ولا من الوساطة بين الله والناس، وإنما يستمد مباشرته للسلطة من الجماعة الإسلامية، كما يستمد السلطة ذاتها من تنفيذ الشريعة، التي يستوي الكل في فهمها وتطبيقها متى فقهوها، ويحتكم إليها الكل على السواء.

стр. 897

فليس في الإسلام "رجل دين" بالمعنى المفهوم في الديانات التي لا تصح مزاولة الشعائر التعبدية فيها إلا بحضور رجل الدين، إنما في الإسلام علماء بالدين، وليس للعالم بهذا الدين من حق خاص في رقاب المسلمين، وليس للحاكم في رقابهمم إلا تنفيذ الشريعة التي لا يبتدعها هو بل يفرضها الله على الجميع" (١) "العدالة الاجتماعية" (١٣). فكيف تتهمهما بما لم يقولا به؟ الذي أظنه -والله أعلم- أنك تعلم حقيقة قولهما، ولكنك ترى بسوء فهمك إن هذا القول منهما يتضمن القول بالسلطة الدينية ولو أنكرا ذلك في كتبهما وهكذا غيرهما من دعاة الإسلام الذين يطالبون بتحكيم الشريعة (كاملة) ويدل لذلك قولك: "وهم بقولهم هذا .. يجعلون صاحب السلطة السياسية في النظام الإسلام -الحاكم- وكيلاً عن الله سواء صرحوا بذلك أم لم يصرحوا لأن الحاكم هو في النهاية منفذ شريعة ومطبق قانون .. " "الدولة الإسلامية" (٣٢) وهذا الفهم الخاطئ جرك إلى اعتقاد أن من يطالب بتحكيم الشريعة في هذا الزمان هو من الداعين إلى السلطة الدينية. - يقول عبد القادر عودة ﵀: "إذا كان من وظيفة الحكومة الإسلامية أن تقيم الدين فإنها لا تعتبر من نوع الحكومات الدينية التي يسميها الفقه الدستوري حكومات ثيوقراطية" (٢). - ويقول الشيخ سفر الحوالي: "أما السلطة الكهنوتية فلا وجود لها في الإسلام لا بالشكل الذي رأيناه سلفًا في أوربا النصرانية ولا بغيره. ذلك أن الإسلام -وهو دين التوحيد الخالص- إنما أنزله الله لتحرير العباد وإخراجهم

стр. 898

من عبودية العباد إلى عبادة الله وحده وطاعته دون سواه في التلقي وفي الاتباع في المنهج والسلوك " (١). - ويقول الشيخ القرضاوي: "أما الحاكمية بالمعنى التشريعي ومفهومها أن الله سبحانه هو الشرع لخلقه وهو الذي يأمرهم وينهاهم ويحل لهم ويحرم عليهم فهذا ليس من ابتكار المودودي ولا سيد قطب بل هو أمر مقرر عند المسلمين جميعًا" (٢). فالحاكم لا يطاع إلا لأجل تنفيذ أوامر الله وأحكامه وإما إذا خالف ذلك فلا حق له بالطاعة. وهذا عمل الخلفاء الراشدين بعده ﷺ والغريب أنك لم تطلق على حكمهم مسمى "الحكومة الدينية" مع أننا لا نطالب إلا بمثل حكمهم!! فما الفرق بيننا؟ الخلاف بيننا وبينك ليس هو في اعتقادك أن العلماء والدعاة يقولون بالحكومة الدينية بشكلها النصراني فأنت تعلم أنهم لم يقولوا بذلك كما سبق وإنما الخلاف بيننا في تحديد السلطة المدنية والسلطة الدينية كما فرقت بينهما أو أمور الدين وأمور الدولة. فقولك إن أمور السياسة والاقتصاد والعمران والفن لا تدخل ضمن الدين قول فيه إجمال فهو من الأسماء المبهمة التي يتوقف فيها أهل السنة فلا يجيبوا بنفي ولا إيجاب حتى يعرفوا معناها فهي كألفاظ الجسم والتركيب والجوهر والحيز في باب العقائد يتوقف فيها كما هو معروف من مذهب أهل السنة فإن كان حقًّا أقر وإن كان باطلاً رد .. وهكذا قولك هذا فماذا تعني بالسياسة؟ إن كنت تعني مثلاً أن تختار الأمة حكامها بنفسها مع الشروط التي اشترطها الإسلام فيهم وإن يشاورهم هذا الحاكم في أمور الدولة التنظيمية وفي شئون الحرب المتغيرة كخطة الحرب (التكتيكية) من أين يهاجم؟ وأي قائد يولي على هذه الجهة؟

стр. 899

ونحو ذلك فهذا الأمر نوافقك في أنه لم يرد فيه نصوص ملزمة، وإنما هو متروك للحاكم. وأما إن كنت تعني بالسياسة أن تكون الدولة ديمقراطية كما تصرح بذلك كثيرًا، وتكون السلطات بيد الشعب فهذا أيضًا مما يتوقف فيه لأنه مجمل. فإن عنيت بسلطات الشعب أن يشاركوا الحاكم في أحكامه التي سبق أمثله منها أي لم يكن فيها نص من القرآن أو السنة فهذا مما نوافقك عليه، ولكن لا نسميه ديمقراطية، وإنما هو الشورى الإسلامية ويتنبه هنا إلى أمرين: ١ - إن الذين يشاورهم الخليفة من الشعب في مثل هذه القضايا إنما هم أهل العقد والحل من أجلاء المسلمين وأصحاب الورع والتقوى والفكر الناضج وليست المشاورة لكل الشعب الذي يحتوي في مجمله على أناس من الجهلة والعوام والطغام الذين لا يفقهون شيئًا في هذه الأمور. ٢ - إن مشاورة الحاكم لهم لا تعني أن يلزم بما يقولون ما لم يكن فيه نص بل هو يستمع إلى آرائهم ثم يفصل في الأمر بما يراه هو محققًا لمصلحة الأمة. ولا يلزمه أحد بشيء كما فعل عمر ﵁ في أحكام كثيرة. وأما إن عنيت بسلطان الشعب (الديمقراطية الغربية) (١) وهو ما تعنيه.

стр. 900

أي أن تكون الأمة هي مصدر التشريع بحيث تشرع القوانين التي تراها مناسبة للزمن المعاصر ولو خالفت نصًا من الكتاب أو السنة فهذا ما نرفضه رفضًا تامًا؛ لأنه تدخل في ما اختص به الله تعالى. وهو ما يسميه سيد قطب والمودودي بالحاكمية. وهذا هو الذي تدندنون حوله فقد صرحت في بعض كتبك بأن الهدف من سن القوانين المتنوعة التي يراها الشعب هو مصلحة الأمة ولو عارض ذلك نصًّا من الكتاب والسنة ومثال ذلك قولك: "الإسلام كدين لم يحدد للمسلمين نظامًا محددًّا للحكم؛ لأن منطق صلاحية الدين الإسلامي لكل زمان ومكان يقتضي ترك النظم المتجددة قطعًا بحكم التطور للعقل الإنساني الرشيد. يصوغها وفق مصلحة المجموع وفي إطار الوصايا العامة والقواعد الكلية التي قررها هذا الدين" "الدولة الإسلامية" (٥٣)، وفي نص آخر تقول: "إن الأمة هنا هي مصدر السلطات شريطة أن تتقيد سلطاتها بالوصايا الدينية المتمثلة في النصوص القطعية الثبوت والقطعية الدلالة طالما بقيت هذه النصوص محققة لمصلحة الأمة في مجموعها وإلا قدمت المصلحة على هذه النصوص .. لأن الشريعة في السياسة والدولة والعمران مقاصد ورأس هذه المقاصد ومحورها وجماعها هو تحقيق مصلحة الأمة الكافلة لسعادتها في الدنيا والآخرة" "العلمانية" (٥١). - قلت: ومعنى هذا الكلام الخطير الذي (يميع) الإسلام وسلطانه في الأرض أن الشعب (الجاهل) إذا اجتمع يومًا ما ورأى أن أمرًا ما يحقق المصلحة للدولة فإن الحاكم يلتزمه ولو خالف القرآن والسنة كما قال الدكتور فيترتب على هذا الأمر الخطير قضايا كثيرة .. وهكذا قضايا كثيرة وخطيرة لا تحصر .. فإن العمدة عند الدكتور هو (المصلحة) لا غير فهو (براجماتي) مسلم! وأما النصوص الشرعية فكما اعترف هو بنفسه فإنها تقذف في البحر!! والعياذ بالله! والطريف قوله بعد ذلك: "في إطار الوصايا العامة

стр. 901

والقواعد الكلية التي قررها هذا الدين"! فإن هذه العبارة تذكرني بعبارة كثير من الصحفيين عندما يطالبون بأمر يخالف الإسلام يتسترون بقولهم: "في ظل العقيدة السمحة"! فهي لافتات معروضة في الطريق لكل من أراد هدم الإسلام من داخله ودون أن يشعر به أحد .. (هم العدو فاحذرهم). * محمد عمارة والاشتراكية: - (العدل الاجتماعي) .. أحد أهداف الدين الإسلامي التي جاءت نصوصه لتحقيقها عن طريق حفظ حقوق المسلمين وعدم الإضرار بهم .. ومساواتهم أمام نظم الإسلام وأحكامه. والدكتور عمارة يدعو كثيرًا إلى .. (العدل الاجتماعي). بل علمنا فيما مضى أنه الفكرة التي تُشغل باله وتملأ عليه حياته في السنوات الأخيرة. وقد تأملت كثيرًا في .. (العدل الاجتماعي) الذي ينادي به الدكتور .. فألفيته اشتراكية ترتدي مسوح الإسلام! فلنستمع أخي القارئ إلى نصوصه وشبهاته حول ذلك ثم لنستمع إلى حكم الإسلام في الاشتراكية والإجابة عن شبهاته. يقول الدكتور: "الإسلام كدين ومن خلال كتابه الكريم وسنته التشريعية العامة لم يحدد لمستقبل المسلمين نظرية اجتماعية بعينها ولم يشرع لمجتمعهم تشريعًا اقتصاديًّا دائمًا بذاته لأنه وهو خاتم الرسالات والمقرر أن لله في كونه سننًا منها سنة التطور والتحول والتغيير ما كان له أن يضع القيود المسبقة على المصالح المتجددة والمتغيرة" "الإسلام والثورة" (٥٣). ويقول: وإذا شئنا إيجازًا يكشف فلسفة الإسلام الاجتماعية فإن باستطاعتنا أن نقول: إنه قد انحاز كل الانحياز إلى صف مجموع الأمة وعامتها وانتصر مصالح العاملين من أبنائها .. ثم ترك للواقع المتطور والمتغير أمر الاختيار والصياغة لما يحقق هذه المقاصد من نظريات وقوالب وتشريعات"

стр. 902

"الإسلام والثورة" (٥٤). ويقول: "والإسلام عندما انحاز في المسألة الاجتماعية إلى مجموع الأمة وجعل الاحتياجات معيارًا للحيازة إنما كان يستهدف تفادي المخاطر والمضار التي تنشأ عن تركز ثروة الله -ثروة الأمة- بيد قلة من الأغنياء يتداولونها ويحتجزونها فيما بينهم لأن في ذلك الفساد كل الفساد في المادة والفكر في الدنيا والدين .. فالثروة يجب أن توزع وفق الاحتياجات وذلك حتى لا يزداد غنى الأغنياء فيصبح المالى حكرًا عليهم يتداولونه دولة بينهم" "الإسلام والثورة" (٥٧). ويقول: "ومذهب أبي ذر الغفاري أنه ما زاد على حاجة الإنسان فهو كنز سيكوى به ويعذب يوم القيامة حتى وإن أخرج عنه الزكاة .. وهو أيضًا مذهب علي بن أبي طالب الذي قرر أن الحد الأقصى لنفقة الإنسان ٤٠٠٠ درهم وما كثر عنه فهو كنز وإن أديت زكاته" "الإسلام والثورة" (٦٤)!!!. ويقول: "فتحريم الربا -وهو المال الناشئ عن مال دون عمل- يقطع بأن الفلسفة الاجتماعية للإسلام تقف مع المذهب القائل أن العمل هو الذي يعطي الأشياء حقيقة ومعظم قيمتها. وهو الأساس في الكسب وعليه المعول الأكبر في التمايز والامتياز" "الإسلام والثورة" (٧٠). - أخيرًا يلخص فكرته قائلاً: "لقد جعل المال مالاً لله .. منه فاض وعنه صدر وجعل الناس جميعًا مستخلبين فيه .. وحدد العمل سبيلاً للاختصاص فيه والحيازة منه .. ونهى عن حيازة ما زاد عن الاحتياجات التي يحدد العرف والعادة ودرجة ثراء المجتمع حدودها القصوى .. ونبه على وجوب الاشتراك العمومي في المصادر الأساسية لثروة الأمة والمجتمع" "الإسلام والثورة" (٧١).

стр. 903

* حكمها في الميزان السلفي: - يقول الشيخ عبد الله بن حميد ﵀: "لا اشتراكية في الإسلام، وإنما ذلك قول باطل دعا إليه بعض الناس وزعم أنه من الدين وسمى ذلك اشتراكية إسلامية تمويهًا وتضليلاً، فالمساواة بين الناس في المال مما لا سبيل إليه، وإنما هو تمرد على النظام السماوي غير أن الذي يُقال في هذا المقام إن هناك واجبات تجب في المال كالزكاة وحقوق الأقارب من النفقات وغيرها مما هو مذكور في موضعه من كتب الأحكام والله الموفق والهادي إلى سواء السبيل". - وقال الشيخ ابن باز: "إن الذين يدعون إلى الاشتراكية أو الشيوعية أو غيرهما من المذاهب الهدامة المناقضة لحكم الله كفّار ضلاّل" (١). * محمد عمارة (٢) والدعوة إِلى التقريب بين السنة والشيعة: - يدعو محمد عمارة إلى التقريب بين السنة والشيعة، وهو يكثر النقل عنهم وخاصة من أهم كتبهم (نهج البلاغة) الذي شرحه شيخه محمد عبده .. ولذلك فهو يثني على الدولة العبيدية الرافضية بمصر ويعتز بالانتساب إليها .. - قال في كتابه: "عندما أصبحت مصر عربية ٤٧": "ذلك التحيز الذي نجده في كتب التاريخ التي كتبها المؤرخون السلفيون (السنيون) عن مصر والقاهرة في زمن الفاطميين وهو موقف يجب أن يبرأ منه الباحث المعاصر؛

стр. 904

لأنه لا ناقة له ولا جمل في هذه الخلافات التي فرقت العالم الإسلامي فكريًّا وسياسيًّا حينًا من الدهر والتي زالت منذ قرون بواعثها وأسبابها، ولم يعد مستساغًا أن نظل في القرن الرابع عشر الهجري أسري لحزازات ولدت أسبابها ثم ماتت في زمن علي بن أبي طالب ومعاوية بن أبي سفيان". - وقال أيضًا بعد أن ذكر وثيقة الحاكم في التقريب بين السنة والشيعة: "إذا كنا نعتقد بالأهمية الكبرى لهذه الوثيقة التي أصدرها الحاكم بأمر الله في رمضان سنة ٣٩٨ هـ في الأمور التي تتعلق بشئون الدين والاعتقادات والتي حوت أفكارًا وقيمًا لا يزال المسلمون المستنيرون! يجاهدون في سبيل سيادتها وتطبيقها حتى في عصرنا هذا عندما يتحدثون عن التقارب بين المذاهب والفرق الإسلامية فضلاً عن توحيدها" (عندما أصبحت مصر عربية ١١٣). فهو لا يدعو إلى التقارب فقط بل إلى التوحيد الكامل .. وكيف ذلك؟ لا ندري! لأن الدكتور كما قلت لكم بارع في استخدام الألفاظ "المطاطة" التي لا تجد تحتها أي فائدة. ونطالع في كتابه "تيارات الفكر" محاولة (غريبة) لتوحيد المذاهب كلها في مذهب واحد! ولكننا نفاجأ بعدم وجود مذهب أهل السنة والجماعة ضمن هذه المذاهب! وهو الأساس والكل يخطب وده فلذلك يحق لنا أن نسمي هذه المحاولة "التقريب بين أعداء السنة"! قال الدكتور: "وإذا نحن خرجنا من إطار نظرية الإمامة فلن نجد بين الشيعة الإمامية، وبين غيرهم من تيارات الفكر الإسلامي وفرقة خلافات تتجاوز في الأهمية أو التميز ما بين الفرق غير الشيعية من خلافات سواء أكان ذلك في إطار المباحث الكلامية أو فقه الفروع .. بل سنجد الاتفاق قائمًا أو التقارب متحققًا بين الشيعة الإمامية وغيرهم من فرق المسلمين في العديد من القضايا والتصورات .. يلقي الضوء على هذه المقولة. مقولة الاتفاق الكامل أو التقارب الشديد أو الاختلاف

стр. 905

المألوف بين الإمامية وغيرهم ممن لم يتشيع .. يلقي الضوء على هذه المقولة أمثلة نضربها للدلالة والتوضيح .. " (٢١٥) ثم ضرب أمثلة لتقاربهم مع المعتزلة وأهل البدع الآخرين إلى أن يقول: "تلك هي عقائد الشيعة الاثنى عشرية في الإمامة فكر مرفوض ممن عداهم .. كان ولا يزال سبب أنقسام أمة الإسلام وفي غير الإمامة اجتهادات يتفق أو يختلف معهم فيها غيرهم من المتكلمين المسلمين .. والأمر الذي يجعل أنظار الحريصين على وحدة الأمة الإسلامية تتركز حول مبحث الإمامة على أمل أن تطوير هذا المبحث من منطلق النظرة النقدية للتراث وفي ضوء منطق العصر ومصلحة الأمة كفيل بأن يجد تأويلاً -يرضى عنه كل الفرقاء- للمأثورات التي فصمت عرى وحدة الأمة لعدة قرون .. خصوصًا وأنها قد رويت لتعالج قضية صراع قد غدا الآن في ذمة التاريخ" (٢٢١). - هكذا يا دكتور!! تجمع وتقرّب وتوحّد .. وأهل السنة والجماعة وهم أصحاب الشأن في هذا التقريب المزعوم لا نحس منهم من أحد في تقريبك ولا نسمع لهم ركزًا .. أم أن الأمر كما قيل: ويُقضى الأمر حين تغيب تيم ... ولا يُستأمرون وهم شهود - قال الدكتور في كتابه "الإسلام والمستقبل" (٢٤٤) عند حديثه عن تيار الجمود (١) (وهم نحن! ): "وفي قوم زعموا أنهم مجتهدون رغم تسليمهم واستسلامهم لأساطير تراثية ظلت تفعل فعلها في تقسيم المسلمين إلى شيعة وسنة". * التقريب في الميزان السلفي: لا تقارب بين السنة والشيعة .. أعلنها المخلصون الأذكياء من هذه الأمة

стр. 906

من الذين عرفوا دين الرافضة ومحصوه عبر السنين فاقتنعوا بأنه دين آخر غير الإسلام يقترب من اليهودية أكثر من الإسلام. - قال السيد محب الدين الخطيب: "إن استحالة التقارب بين طوائف المسلمين وبين فرق الشيعة هي بسبب مخالفتهم لسائر المسلمين في الأصول كما اعترف به وأعلنه النصر الطوسي وأقره عليه نعمة الله الموسوي وباقر الخونساري ويقره كل شيعي" (١). - وقال الشيخ الألباني: "لو أن أهل السنة والشيعة اتفقوا على وضع قواعد في مصطلح الحديث يكون التحاكم إليها عند الاختلاف في مفردات الروايات ثم اعتمدوا جميعًا على ما صح منها لو أنهم فعلوا ذلك لكان هناك أمل في التقارب والتفاهم في أمهات المسائل المختلف فيها بينهم أما والخلاف لا يزال قائمًا في القواعد والأصول على أشده فهيهات هيهات أن يمكن التقارب والتفاهم معهم بل كل محاولة في سبيل ذلك فاشلة والله المستعان" (٢). - ويقول الأستاذ عبد الله الغريب: "أطالب هؤلاء الذين يتباكون على ضرورة التقائنا مع الرافضة أن يقوموا بإحصائية لعدد من الكتب الحديثة التي ألفها كبار علمائهم وسيجدون أنها تزيد على الألف كلها تشكيك بأصولنا وعقيدتنا .. وعندئذ سيعلمون -لو أنصفوا- أن إمكانية الالتقاء معهم غير ممكنة" (٣).

стр. 907

* محمد عمارة وتحرير المرأة: الحديث عن المرأة المسلمة كما يقول الدكتور: "حديث طويل وعريض وعميق وأكثر من هذا فإنه مليء بالاختلافات والتناقضات" "الإسلام والمستقبل" (١٩٩)، وصدق الدكتور! فإن الحديث عن المرأة في هذا العصر فيه اختلافات وهذه الاختلافات في قضايا واحده لا تتغير ولا تتبدل .. وسبب هذه الاختلافات الهوى ولو التزم المختلفون كتاب الله وسنة رسوله ﷺ مرجعًا لهم لما حدثت الاختلافات. والدكتور في حديثه عن المرأة ذكر بعض المخالفات الشرعية وجعلها هي الصواب وغيرها الخطأ زاعمًا أن ما خالفها فهو (تخلف)! هكذا دون أن يذكر آراء (المتخلفين) كي لا تؤثر في الأمة كما أثر غيرها لا سيما بعد انتشار (النقاب) الذي أسهر ليل الدكتور وأرقه أشد مما أسهرته وأرقته قضية فلسطين! فأصبح الهمّ الأكبر له ولأمثاله من (العقلانيين) أعني (غير المتخلفين)! فماذا يقول الدكتور حول المرأة؟ .. وماذا نقول؟ لنبدأ بالدكتور (المستنير) ليضيء لنا الطريق! ثم أتبعه بقول أهل السنة. - يقول الدكتور: "لقد ساوى الإسلام بين المرأة والرجل في الحقوق والواجبات دون أن تعني مساواته هذه إلغاء تمايز الجنسين في الطبيعة أو الاختصاص فقرر للمرأة إنسانيتها واحتفظ لها بتميزها بل رأى في هذا التمييز قسمة من قسمات إنسانيتها التي بها تتحقق المساواة بينها وبين الرجال" "الإسلام والمستقبل". - ويقول: "نحن إذا سلمنا بتمايز الرجل والمرأة في هذه الأمور -أي القوة الجسدية والنظام الجسدي والخصائص النفسية- وتلك حقيقة فلن يعني ذلك الانفصال الكامل بين ميداني عمل كل منهما" "أبو الأعلى المودودي" (٣٧١).

стр. 908

يرى الدكتور أن ما دعا إليه قاسم أمين هو "الحجاب الشرعي" "الإسلام والمستقبل" (٢٢٧) ويقول: "جمهور الفقهاء والمفسرين على أن الأصل هو جواز كشف المرأة لوجهها وكفيها إلا إذا خشيت الفتنة .. أما الأستاذ المودودي فالأصل عنده هو النقاب وتغطية جميع أجزاء جسم المرأة ولا يجوز كشف الوجه والكفين إلا للضرورة. وهو بذلك قد ارتاد -في حركة الصحوة الإسلامية- التفكير لظاهرة الغلو بواسطة النقاب التي لا تكتفي بالحجاب" "المودودي" (٣٨٤). يرى الدكتور أن "ما لدينا في تراثنا حول قضية ولاية المرأة لمنصب القضاء هو فكر إسلامي وآراء فقهية واجتهاد فقهاء وليس دينًا وضعه الله وأوحى به إلى رسوله ﵊" "الإسلام والمستقبل" (٢٣٧). أما حديث: "ما أفلح قوم يلي أمرهم امرأة" فهو "نبوءة سياسية من الرسول ﷺ بفشل الفرس المجوس أولئك الذين ملكوا عليهم امرأة وليس حكمًا بتحريم ولاية المرأة للقضاء .. فلا ولايتها العامة ولا الخاصة كانت بالقضية المطروحة على مجتمع النبوة كي تقال فيها الأحاديث" "الإسلام والمستقبل" (٢٤١). يرى الدكتور جواز الاختلاط في الأماكن العامة "المودودي" (٣٨٥). يرى الدكتور جواز عمل المرأة في السياسة والقانون والفنون والاقتصاد والتجارة والصناعة والزراعة و .. إلخ "المودودي" (٣٧٨). يحتج الدكتور على آرائه في العمل والاختلاط العام بمشاركة بعض الصحابيات في بعض الغزوات. يرى الدكتور جواز مشاركة المرأة في الانتخابات والمجالس النيابية "المودودي" (٣٨٠) ويحتج على ذلك بأن الصحابيات بايعن الرسول ﷺ واشتركن في بيعة العقبة.

стр. 909

* محمد عمارة ومفهوم الجهاد عنده: يرى الدكتور عمارة أن "القتال في الإسلام سبيل يلجأ إليها المسلمون عند الضرورة، ضرورة حماية الدعوة وتأمين حرية الدعاة وضمان الأمن لدار الإسلام وأوطان المسلمين .. سيان كان ذلك القتال دفاعيًّا تمامًا أو مبادأة يجهض بها المسلمون عدوانًا أكيدًا أو محتملاً .. فهو في كل الحالات صد للعدوان .. إما إذا جنح المخالفون إلى المسلم وانفتحت السبل أمام دعوة الإسلام ودعاته وتحقق الأمن لدار الإسلام فلا ضرورة للحرب عندئذ ولا مجال لحديث عن القتال باسم (الدنيا) كان ذلك الحديث أو بالسم (الدين) " "الدولة الإسلامية" (١٣٦). ويقول: "الحديث عن أن الإسلام يوجب على أهله قتال كل حكومات المعمورة وجيوشها فإنه أقرب إلى هذيان الضعفاء ينفسون به عن العجز إزاء القهر الذي يمارسه الطغاة الداخليون منهم والخارجيون إزاء عالم الإسلام وشعوبه .. وهو هذيان يسخر منه الواقع الإسلامي بإمكانياته الحالية والمحتملة ومن ثم فلا أثر له إلا جلب العداء للمسلمين والنفور من الإسلام .. فضلاً عن منافاة فكر دعاة هذه الحرب الدينية لفكر الإسلام الحق في هذا الموضوع" "الدولة الإسلامية" (١٣٦). ويؤكد رأيه قائلاً: "ليس في الإسلام حرب دينية .. لأن القتال لا يمكن أن يكون سبيلاً لتحصيل التصديق القلبي واليقين الداخلي الذي هو الإيمان" "الدولة الإسلامية" (١٣٦). - قلت: فكرة الدكتور عمارة في هذه القضية تتلخص في أن الحرب في الإسلام التي مارسها الرسول ﷺ والصحابة ﵃ من بعده هي حرب (سياسية) لا (دينية)! أي أنه لم يفرضها لنشر الإسلام وإكراه الناس على الدخول فيه. بل هي باختلافها حرب لتأمين الدولة الإسلامية ضد العدوان

стр. 910

عليها .. وأنه لا يمكن وجود حرب دينية في الإسلام لفرضه على الناس؛ لأن الله قد أذن بتعدد الشرائع .. فالإسلام ليس هو الدين الحق لوحده في هذا الزمان فهناك اليهودية والنصرانية .. فلماذا يقاتلهم المسلمون وهم مثلهم على هدى؟! ويرى أن الأجدى بدلاً من هذه الحرب الهجومية التي يطالب بها الدعاة أن نهتم بالنهضة الإسلامية "المؤسسة على الوعي الناضج بحقيقة الإسلام الدين والإسلام الحضارة تلك التي ستحول عالم الإسلام وبلاد المسلمين إلى شاهد صدق على عظمة الإسلام وتقدميته وجدارته بأن يكون الدين الذي تتدين به الإنسانية الراشدة دون سواه" "الدولة الإسلامية" (١٣٦). - ويجيب عن شبهات الدعاة بما سيأتي. وهذا القول منه مخالف للكتاب والسنة وأحداث السيرة النبوية وتاريخ المسلمين. وهو قد استقاه من رجال عاشوا في زمن التبعية الغربية والانهزام الروحي أمام الكافر. فأصبح يردده في زمن أعز الله فيه الإسلام وأهله في عدة مواقع .. فكان الأحرى به أن يدع هذا القول (العتيق) ويتعالى بإسلامه قليلاً. - قال سيد قطب ﵀ رادًا على الدكتور ومن سار بسيره في هذه القضية: "المهزومون ررحيًّا وعقليًّا ممن يكتبون عن "الجهاد في الإسلام" ليدفعوا عن الإسلام هذا "الاتهام" يخلطون بين منهج هذا الدين في النص على استنكار الإكراه على العقيدة، وبين منهجه في تحطيم القوى السياسية المادية التي تحول بين الناس وبينه، والتي تُعَبِّد الناس للناس، وتمنعهم من العبودية لله .. وهما أمران لا علاقة بينهما ولا مجال للالتباس فيهما .. ومن أجل هذا التخليط، وقبل ذلك من أجل تلك الهزيمة! -يحاولون أن يحصروا

стр. 911

الجهاد في الإسلام فيما يسمونه اليوم: "الحرب الدفاعية" .. والجهاد في الإسلام أمر آخر لا علاقة له بحروب الناس اليوم، ولا بواعثها، ولا تكييفها كذلك .. إن بواعث الجهاد في الإسلام ينبغي تلمسها في طبيعة "الإسلام" ذاته ودوره في هذه الأرض، وأهدافه العليا التي قررها الله، وذكر الله أنه أرسل من أجلها هذا الرسول بهذه الرسالة، وجعله خاتم النبيين وجعلها خاتمة الرسالات. إن هذا الدين إعلان عام لتحرير "الإنسان" في "الأرض" من العبودية للعباد -ومن العبودية لهواه أيضًا وهي من العبودية للعباد- وذلك بإعلان ألوهية الله وحده -سبحانه- وربوبيته للعالمين .. ! إن إعلان ربوبية الله وحده للعالمين معناها: الثورة الشاملة على حاكمية البشر في كل صورها وأشكالها وأنظمتها وأوضاعها، والتمرد الكامل على كل وضع في أرجاء الأرض، الحكم فيه للبشر بصورة من الصور .. أو بتعبير آخر مرادف: الألوهية فيه للبشر في صورة من الصور .. ذلك أن الحكم الذي مردّ الأمر فيه إلى البشر. ومصدر السلطات فيه هم البشر. هو تأليه للبشر، يجعل بعضهم لبعض أربابًا من دون الله. إن هذا الإعلان معناه انتزاع سلطان الله المغتصب ورده إلى الله، وطرد المغتصبين له، الذين يحكمون الناس بشرائع من عند أنفسهم، فيقومون منهم مقام الأرباب ويقوم الناس منهم مكان العبيد .. إن معناه تحطيم مملكة البشر لإقامة مملكة الله في الأرض، أو بالتعبير القرآني الكريم: ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ﴾. ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ ... ﴾ .. " (١).

стр. 912

* محمد عمارة وخبر الآحاد: - الدكتور عمارة في هذه القضية (مقلد) لفحول أهل الكلام ومن تابعهم من شيوخه يردد ما يقولون كما يردد فاتحة الكتاب في الصلاة فى دون أن يورد حججًا على هذه المقولة (الآحاد لا يقبل في العقيدة) .. وإنما هو الشعار الذي يعليه على هامته إذا كشفت الحرب بيننا وبينهم عن ساقها! واشتد الخطب فهي الملجأ وإليها المفزع من أحاديث الصفات والغيب (المرهبة) لكل مبتدع! - قال الدكتور في حديث افتراق الأمة: "إنه ككثير من الأحاديث المشابهة حديث آحاد وليس بالمتواتر وأحاديث الآحاد وإن جاز أن نأخذ بها في الأمور العملية فإنها غير ملزمة في الاعتقادات" "الإسلام وفلسفة الحكم" (١١٨)، ولو قلت (للدكتور): لماذا؟ لقال: هاه .. هاه لا أدري .. سمعت الناس يقولون شيئًا فقلته! - ويقول الدكتور نقلاً عن المعتزلة أنهم: "يميزون ما بين الأحاديث التي موضوعها الدين والعقائد وتلك التي موضوعها السنة العملية فيرفضون الاستدلال بأحاديث الآحاد -والأغلبية السابقة من الأحاديث أحاديث آحاد- على أمور الدين والعقائد ويقبلون الاستدلال بها في العمليات؛ لأن ما طريقه الدين لا يجب قبول خبر الواحد فيه أصلاً" "الإسلام وفلسفة الحكم" (١٨٤). - قال أبو المظفر السمعاني في كتابه "الانتصار لأهل الحديث": "إن الخبر إذا صح عن رسول الله ﷺ ورواه الثقات الأئمة وأسنده خلفهم عن سلفهم إلى رسول الله ﷺ وتلقته الأمة بالقبول فإنه يوجب العلم فيما سبيله العلم هذا عامة قول أهل الحديث والمتقنين من القائمين على السنة، وإنما هذا القول الذي يذكر أن خبر الواحد لا يفيد العلم بحال ولا بد من نقله

стр. 913

بطريق التواتر لوقوع العلم به شيء اخترعته القدرية والمعتزلة وكان قصدهم منه رد الأخبار وتلقفه منهم بعض الفقهاء الذين لم يكن لهم في العلم قدم ثابت ولم يقفوا على مقصودهم من هذا القول. ولو أنصف الفرق من الأمة لأقروا بأن خبر الواحد يوجب العلم فإنك تراهم مع اختلافهم في طرائقهم وعقائدهم يستدل كل فريق منهم على صحة ما يذهب إليه بالخبر الواحد" (١). - وقال الإمام ابن حزم ﵀: "إن جميع أهل الإسلام كانوا على قبول خبر الواحد الثقة عن النبي ﷺ يجري على ذلك كل فرقة .. حتى حدث متكلمو المعتزلة بعد المائة من التاريخ فخالفوا الإجماع في ذلك" (٢). - وقال صاحب "الروض الباسم": "قد انعقد إجماع المسلمين على وجوب قبول الثقات فيما لا يدخله النظر، وليس ذلك بتقليد بل عمل بمقتضى الأدلة القاطعة الموجبة لقبول أخبار الآحاد وهي محررة في موضعها من فن الأصول ولم يخالف في هذا إلا شرذمة يسيرة وهم متكلمو بغداد من المعتزلة والإجماع منطبق قبلهم وبعدهم على بطلان قولهم" (٣). - وللرد على عمارة ينظر إلى كتاب "الصواعق" لابن القيم، و"الحديث حجة بنفسه في العقائد والأحكام" و"وجوب الأخذ بأحاديث الآحاد" للشيخ الألباني، و"أصل الاعتقاد" للشيخ عمر سليمان الأشقر. * ما هكذا يا دكتور عمارة تُورد الإِبلُ: - يقول في كتابه "المعتزلة ومشكلة الحرية" (٥): "نحن في مواجهة

стр. 914

خطر السلفية النصوصية الذي يتنكر للعقل والعقلانية ويتعبد بظواهر النصوص حتى ما تعلق منها بوقائع تاريخ السلف وتجاربهم البشرية واجتهاداتهم الإنسانية .. ونحن في مواجهة حركة التغريب التي تسعى إلى تغريب عقل الأمة وطرائق عيشها وأنماط سلوكها .. نواجه خطرًا تعني سيادته استلاب هوية الأمة وتميزها الحضاري وقطع سلسلة تواصلها المعرفي مع تراث الآباء والأجداد .. وبعض هذا الاستلاب متمثل في دعوة المتغربين إلى النمط الغربي في العقلانية تلك التي لا تقيم للنقل وزنًا ولا مكان للوحي فيها ولا التزام لها بشريعة السماء". ويقول في كتابه "العلمانية" (٦): "الذين ينظرون إلى واقعنا الفكري الراهن تزعجهم أبعاد هذا الانقسام بين: سلفية نصوصية تتعبد بظواهر نصوص لا قداسة لها .. وسلفية نصوصية هي الأخرى بظواهر نصوص لم يبدعها سلفنا وإنما أبدعها مفكرو الحضارة الغربية .. ". ويقول في كتاب "الإسلام والمستقبل" (٢٤٤): "عندما شرعت أمتنا في مغادرة إطار العصور المملوكية العثمانية إلى رحاب عصر يقظتها وإحيائها ونهضتها وتنويرها من خلف رواد مثل رفاعة الطهطاوي وجمال الدين الأفغاني ومحمد عبده وعبد الرحمن الكواكبي وخير الدين التونسي تصارعت على ساحتها واعتركت في أحشائها وتنازعت في عقلها ووجدانها تيارات رئيسية ثلاث: أولها: تيار الجمود الذي استعصم بفكرية العصور الوسطى واعتصم بعد أن أضفى على هذه الفكرية التي جسدت عصر تخلفنا الحضاري قداسة الدين وقدسيته .. وثانيها: تيار التغريب ذلك الذي انبهر أهله بتألق الحضارة الأوربية وإنجازاتها وانتصاراتها .. ". - قلت: ولا يكاد يخلو كتاب للدكتور دون ذكر هذا التقسيم الثلاثي .. فالأمة عنده قد انقسمت إلى (متخلفين) (جامدين) (نصوصيين) (خرافيين) وإلى (متغربين) (علمانيين) .. وأما التيار الثالث (المنقذ! ) فهو تيار

стр. 915

الأفغاني (السوبرمان! ) أو تيار (السلفيين العقلانيين) (المتنورين) (المجتهدين) (تيار الوسط) .. ! وصفات تيار الجمود أنه يعيش في (خرافات) العصر المملوكي والعثماني وصفات أهل التغريب أنهم مولون ظهورهم للتراث .. وصفات المتنورين أنهم جمعوا الدين والعقل .. إلخ. لا يوجد طائفة أخرى في الأمة داخل هذه القسمة. فكأنه يريد أن يسوق الناس بعصاه إلى تيار الأفغاني كما تساق البهائم في المرعى! فهو يقول لهم: ليس أمامكم. إلا أن تتغربوا .. فيقولون: أعوذ بالله! أو أن تتخلفوا .. فيقولون: أعوذ بالله! إذن فالزموا -حفظكم الله- نهج الأفغاني فالعدو من أمامكم والبحر من خلفكم! دعوة مغطاة إلى مذهب الباطل يتنبه لها كل فطن وهو في هذا الفعل يخون الأمة إذ لم يعرض لها المنهج الصحيح الذي يعرفه .. وهو المنهج السلفي الذي يجمع بين الدين كما عاشه الرسول ﷺ والصحابة وبين الدنيا التي يحاول أن يبلغ فيها القمة -ولكن تعوقه عوائق يعلمها الدكتور! - فإذا كان الدكتور جاهلاً في المنهج فهو في تفصيلاته أجهل كما سيأتي. ثم إن الباحث في كتبه -هداه الله- لا يدري هل يجعلنا من المتخلفين أم من المتغربين؟ أما المتغربون فلا أظنه يفعلها لبعد ما بيننا ولأني لم أعثر له على نص واحد في ذلك. وأما المتخلفون فإن الدكتور (يتخبط) في ذلك فتارة تراه يثني على (السلفيين) أو أحد أعلامهم وأنهم ضد التخلف .. وتارة يصمنا بالتخلف! فتعجب أهم ضد أنفسهم مثلاً؛ فهو يقول في كتاب "الطريق إلى اليقظة" (١٥٦): "المهام الأولى لليقظة الإسلامية مجابهة الجمود بالاجتهاد والتجديد .. والتصدي للغزوة الاستعمارية بالجهاد والتحرير"، ويجعل (الوهابية) أي (السلفية) كما هو معلوم في مقدمة هذه التيارات
следующие страницы →