← Акыда

Акыда · id 6529

بذل المجهود في إفحام اليهود ت الشرقاوي

السموأل بن يحيى المغربي

Полный текст (129 стр.). Показаны 106–129 · переход к 111.

стр. 106

وَحرم عَلَيْهِم فِي التَّوْرَاة أكل ذَبَائِح الْأُمَم الَّذين يذبحونها قربانا للأصنام لِأَنَّهَا قد سمى عَلَيْهَا غير اسْم الله تَعَالَى فَأَما الذَّبَائِح الَّتِي لم تذبح قربانا فَلم تنطق التَّوْرَاة بتحريمها وَإِنَّمَا نطقت التَّوْرَاة بإباحتهم تنَاول المأكل من يَدي غَيرهم من الْأُمَم فِي قَول الله تَعَالَى لمُوسَى حِين اجتازوا على أَرض بني الْعيص لوثنكار وبام كي لَو ابتين ثخاميأ رحمام عاذ بذراح كف راغل تَفْسِيره لَا تتحرشوا بهم فَإِنِّي لَا أُعْطِيك من أَرضهم وَلَا مَسْلَك قدم أوحل تشبروميا ثام بنسيف زاخلين وَعم ياعم تخزو باءتام تكيف وشيدثيم تَفْسِيره مَأْكُولا تمتاروا مِنْهُم بِفِضَّة وتأكلوه وَأَيْضًا مَاء تشتروا مِنْهُم بِفِضَّة وتشربوا فقد تبين من نَص التَّوْرَاة أَن الْمَأْكُول مُبَاح للْيَهُود تنَاوله من يَد غَيرهم من الْأُمَم وَأكله وهم يعلمُونَ أَن بني الْعيص كَانُوا عابدي الْأَصْنَام وَأَصْحَاب كفر فَلَا يكون الْمُسلمُونَ على كل حَال بِدُونِ هَذِه الْمنزلَة أَعنِي أَن يساوى بَينهم وَبَين بني الْعيص فَيَنْبَغِي لَهُم أَن يَأْكُلُوا من مأكولات الْمُسلمين وَأَن يجْعَلُوا للْمُسلمين تَفْضِيلًا بتوحيدهم وَإِيمَانهمْ وكونهم لَا يعْبدُونَ الْأَصْنَام فموسى عَلَيْهِ

стр. 107

السَّلَام إِنَّمَا نَهَاهُم عَن مناكحة عباد الْأَصْنَام وَأكل مَا يذبحونه بأسمائها ولسنا نَعْرِف أحد من الْمُسلمين يذبح ذَبِيحَة باسم صنم وَلَا وثن فَمَا بَال هَؤُلَاءِ لَا يَأْكُلُون من ذَبَائِح الْمُسلمين بل مَا بَال من سكن بِالشَّام وبلد الْعَجم مِنْهُم لَا يَأْكُلُون من أَيدي الْمُسلمين اللَّبن والجبن والحلوى وَالْخبْز وَغير ذَلِك من المأكولات فَإِن قَالُوا لِأَن التَّوْرَاة حرمت علينا أكل الطريفا قُلْنَا لَهُم إِن الطريفا هِيَ الفريسة الَّتِي يفترسها الْأسد أَو الذِّئْب أَو غَيره من السبَاع وَدَلِيل ذَلِك قَول التَّوْرَاة وباساد بساذى طريفا لوثر حانو لمكيلب تشيلخووثو تَفْسِيره وَلَحْمًا فِي الصَّحرَاء فريسة لَا تَأْكُلُوا للكلب ألقوه فَلَمَّا نظر أئمتهم إِلَى أَن التَّوْرَاة غير ناطقة بِتَحْرِيم مأكل الْأُمَم عَلَيْهِم إِلَّا عباد الْأَصْنَام وَأَن التَّوْرَاة قد صرحت بِأَن تَحْرِيم مواكلتهم ومخالطتهم خوف استدراجهم بالمخالطة إِلَى مناكحتهم وَأَن مناكحتهم إِنَّمَا تكره خوف استتباعها الِانْتِقَال إِلَى أديانهم وَعبادَة أوثانهم ووجدوا جَمِيع هَذَا وَاضحا فِي التَّوْرَاة اختلقوا كتابا سموهُ هَلَكت شحيطا وَمَعْنَاهُ علم الذباحة

стр. 108

وَوَضَعُوا فِي هَذَا الْكتاب من تَشْدِيد الإصر عَلَيْهِم مَا شغلوهم بِهِ عماهم فِيهِ من الذل وَالْمَشَقَّة وَذَلِكَ أَنهم أمروهم بِأَن ينفخوا الرئة حَتَّى تمتلئ هَوَاء ويتأملوها حَتَّى يخرج الْهَوَاء من ثقب مِنْهَا أم لَا فَإِن خرج مِنْهَا الْهَوَاء حرمُوهُ وَإِن كَانَت بعض أَطْرَاف الرئة لاصقة بِبَعْض لم يأكلوه وَأَيْضًا فَإِنَّهُم أمروا الَّذِي قد الذَّبِيحَة أَن يدْخل يَده فِي بطن الذَّبِيحَة ويتأمل بإصبعه فَإِن وجد الْقلب ملتصقا إِلَى الظّهْر أَو أحد الْجَانِبَيْنِ وَلَو كَانَ الالتصاق بعرق دَقِيق كالشعرة حرمُوهُ وَلم يأكلوه وسموه طريفا ويعنون بذلك أَنه نجس وَهَذِه التَّسْمِيَة هِيَ أول التَّعَدِّي مِنْهُم لِأَنَّهُ لَيْسَ موضوعها فِي اللُّغَة إِلَّا المفترس الَّذِي يفترسه بعض الوحوش وَدَلِيل ذَلِك قَول يَعْقُوب لما جاؤوه بقميص يُوسُف ملوثا بِالدَّمِ

стр. 109

ويكيراه ويومر كثوث بنى حياراعا احالا ثهوطاروف طوارف يوسيف تَفْسِيره فتأملها وَقَالَ دراعة ابْني وَحشِي رَدِيء أكله افتراسا افترس يُوسُف فقد تبين أَن تَفْسِير طروف طوراف يُوسُف افتراسا افترس يُوسُف فالطريفا هِيَ الفريسة وَدَلِيل آخر أَنه قَالَ وَلَحْمًا فِي الصَّحرَاء فريسة لَا تَأْكُلُوا والفريسة أبدا أَنما تُوجد فِي الصَّحرَاء وَلَيْسَ يَنْبَغِي أَن يعجب من ذَلِك فَإِن هَذَا النَّهْي عَن أكل الفريسة إِنَّمَا ترك على قوم ذَوي أخبية يسكنون الْبر وَذَلِكَ أَنهم مَكَثُوا يَتَرَدَّدُونَ فِي التيه والبراري تَمام أَرْبَعِينَ سنة وَكَانُوا أَكثر هَذِه الْمدَّة لَا يَجدونَ طَعَاما إِلَّا الْمَنّ فَلَمَّا اشْتَدَّ قرمهم إِلَى اللَّحْم جَاءَهُم مُوسَى بالسلوى وَهُوَ طَائِر صَغِير يشبه السمانى وخاصيته أَن أكل لَحْمه يلين الْقُلُوب القاسية وَيذْهب بالخنزوانة والقساوة

стр. 110

وَذَلِكَ ان هَذَا الطَّائِر يَمُوت إِذا سمع صَوت الرَّعْد كَمَا أَن الخطاف يقْتله الْبرد فيلهمه الله أَن يسكن جزائر الْبَحْر الَّتِي لَا يكون بهَا مطر وَلَا رعد إِلَى انْقِضَاء أَوَان الْمَطَر والرعد فَيخرج من الجزائر وينتشر فِي الأَرْض فجلب الله إِلَيْهِم هَذَا الطَّائِر لينتفعوا بِمَا فِي أكل لَحْمه من الخاصية وَهِي تليين الْقُلُوب القاسية وَكَانَ قد اشْتَدَّ قرمهم إِلَى اللَّحْم قبل ذَلِك بِحَيْثُ لم يمنعهُم من أكل الفريسة وَالْميتَة إِلَّا نزُول تَحْرِيمهَا فِي التَّوْرَاة فقد تبين التَّعَدِّي من شائخهم فِي تَفْسِير الطريفا وَأَنه الفريسة

стр. 111

فَأَما فقهاؤهم فَإِنَّهُم اختلقوا من أنفسهم هذيانات وخرافات تتَعَلَّق بالرئة وَالْقلب وَقَالُوا مَا كَانَ من الذَّبَائِح سليما من هَذِه الشُّرُوط فَهُوَ دخيا وَتَفْسِير هَذِه الْكَلِمَة طَاهِر وَمَا كَانَ خَارِجا عَن هَذِه الشُّرُوط فَهُوَ طريفا وَتَفْسِير هَذِه الْكَلِمَة حرَام وَقَالُوا معنى قَول التَّوْرَاة وَلَحْمًا فريسة فِي الصَّحرَاء لَا تَأْكُلُوا للكلب ألقوه يَعْنِي إِذا ذبحتم ذبيحتكم وَلم تُوجد فِيهَا هَذِه الشُّرُوط فَلَا تَأْكُلُوهَا بل تَبِيعُوهَا على من لَيْسَ من أهل ملتكم وَذَلِكَ أَنهم فسروا قَوْله للكلب ألقوه أَي لمن لَيْسَ على ملتكم أطعموه وبيعوه أَلا إِنَّهُم على الْحَقِيقَة أشبه بالكلاب وأحق بِهَذَا اللقب والتشبيه لقبح عُقُولهمْ وَسُوء ظنونهم واعتقادهم فِيمَن سواهُم من الْأُمَم

стр. 112

ثمَّ إِن الْيَهُود فرقتان إِحْدَاهَا عرفت أَن أُولَئِكَ السّلف الَّذين ألفوا المشنا والتلمود وهم فُقَهَاء الْيَهُود قوم كذابون على الله تَعَالَى وعَلى مُوسَى النَّبِي ﵇ أَصْحَاب حماقات ورقاعات هائلة من ذَلِك أَن أَكثر مسَائِل فقههم ومذهبهم يَخْتَلِفُونَ فِيهَا ويزعمون أَن الْفُقَهَاء كَانُوا إِذا اخْتلفُوا فِي كل وَاحِدَة من هَذِه الْمسَائِل يوحي الله إِلَيْهِ بِصَوْت يسمعهُ جمهورهم يَقُول الْحق فِي هَذِه المسالة مَعَ الْفَقِيه فلَان وهم يسمون هَذَا الصَّوْت بَث قَول فَلَمَّا نظر الْيَهُود القراؤون وهم أَصْحَاب عانان بن دَاوُد وبنيامين إِلَى هَذِه المحالات الشنيعة وَإِلَى هَذَا الافتراء الْفَاحِش وَالْكذب الْبَارِد انفصلوا بِأَنْفسِهِم عَن الْفُقَهَاء وَعَن كل من يَقُول بمقالتهم وكذبوهم فِي كل مَا افتروا على الله تَعَالَى وَقَالُوا بعد أَن ثَبت كذبهمْ على الله وَأَنَّهُمْ ادعوا النُّبُوَّة وَزَعَمُوا أَن الله تَعَالَى كَانَ يُوحى إِلَى جَمِيعهم فِي كل يَوْم مَرَّات فقد فسقوا وَلَا يجوز قبُول شَيْء مِنْهُم فخالفوهم فِي سَائِر

стр. 113

مَا أضلوه من الْأُمُور الَّتِي لم ينْطق بهَا نَص التَّوْرَاة وأكلوا اللَّحْم بِاللَّبنِ وَلم يحرموا سوى ابْن الجدي بِلَبن أمه فَقَط مُرَاعَاة للنَّص أَعنِي قَول التَّوْرَاة لَا ينضج الجدي بِلَبن أمه

стр. 114

وَأما الترهات الَّتِي ألفها الحخاميم الْفُقَهَاء وسموها هَلَكت شحيطا أَعنِي علم الذباحة وَهِي الْمسَائِل الْفِقْهِيَّة الَّتِي رتبها الْفُقَهَاء

стр. 115

ونسبوها إِلَى مُوسَى عَن الله تَعَالَى فَإِن القرائين اطرحوها مَعَ غَيرهَا وألغوها وصاروا لَا يحرمُونَ شَيْئا من الذَّبَائِح الَّتِي يتولون ذباحتها الْبَتَّةَ فَهَذَا حَال هَذِه الطَّائِفَة من الْيَهُود أَعنِي القرائين وَلَهُم أَيْضا فُقَهَاء أَصْحَاب تصانيف إِلَّا أَنهم لم يبالغوا فِي الْكَذِب على الله تَعَالَى إِلَى حد أَن يدعوا النُّبُوَّة وَلَا نسبوا شَيْئا من تفاسيرهم إِلَى النَّبِي وَلَا إِلَى الله تَعَالَى بل إِلَى اجتهادهم والفرقة الثَّانِيَة يُقَال لَهُم الربانيون وهم أَكثر عددا وهم شيعَة الحخاميم الْفُقَهَاء المفترين على الله الَّذين يَزْعمُونَ أَن الله كَانَ يخاطبهم فِي كل مَسْأَلَة بالصوت الَّذِي أسموه بَث قَول وَهَذِه الطَّائِفَة أَشد الْيَهُود عَدَاوَة لغَيرهم من الْأُمَم لِأَن أُولَئِكَ الْفُقَهَاء المفترين على الله تَعَالَى قد أوهموهم أَن المأكولات والمشروبات إِنَّمَا تحل للنَّاس بِأَن يستعملوا فِيهَا هَذَا الْعلم الَّذِي نسبوه إِلَى مُوسَى وَإِلَى الله تَعَالَى وَأَن سَائِر الْأُمَم لَا يعْرفُونَ هَذَا وَأَنَّهُمْ إِنَّمَا شرفهم الله بِهَذَا وَأَمْثَاله من الترهات الَّتِي أفسدوا بهَا عُقُولهمْ فَصَارَ أحدهم ينظر إِلَى من لَيْسَ على مِلَّته كَمَا ينظر إِلَى بعض الْحَيَوَانَات الَّتِي لَا عقل لَهَا وَينظر إِلَى المآكل الَّتِي تأكلها الْأُمَم كَمَا ينظر الرجل الْعَاقِل إِلَى الْعذرَة أَو إِلَى صديد الْمَوْتَى وَغير ذَلِك من الْأَشْيَاء القذرة الَّتِي لَا يسوغ لأحد أكلهَا

стр. 116

فَهَذَا هُوَ الأَصْل فِي بَقَاء هَذِه الطَّائِفَة على أديانها لشدَّة مباينتها لغَيْرهَا من الْأُمَم وَلِأَنَّهُم ينظرُونَ إِلَى النَّاس بِعَين النَّقْص والإزراء إِلَى أبعد غَايَة وَأما الطَّائِفَة الأولى وهم القراؤون فأكثرهم خرج إِلَى دين الْإِسْلَام أَولا فأولا إِلَى أَن لم يبْق مِنْهُم إِلَّا نفر يسير لأَنهم أقرب إِلَى الاستعداد لقبُول الْإِسْلَام لسلامتهم من محاولات فُقَهَاء الربانيين أَصْحَاب الافتراء الزَّائِد الَّذين شَدَّدُوا على جَمَاعَتهمْ الإصر فقد تبين مِمَّا ذَكرْنَاهُ أَن الحخاميم هم الَّذين شَدَّدُوا على هَذِه الطَّائِفَة دينهم وضيقوا عَلَيْهِم الْمَعيشَة والإصر فقصدوا بذلك مبالغتهم فِي مضادة مَذَاهِب الْأُمَم حَتَّى لَا يختلطوا بهم فَيُؤَدِّي اختلاطهم بهم إِلَى خُرُوجهمْ من دينهم وَالسَّبَب الثَّانِي فِي تضييق الإصر عَلَيْهِم أَن الْيَهُود مبددون فِي شَرق الْبِلَاد وغربها فَمَا من جمَاعَة مِنْهُم فِي بَلْدَة إِلَّا إِذا قدم عَلَيْهِم رجل من أهل دينهم من بِلَاد بعيدَة يظْهر لَهُم الخشونة فِي دينه وَالْمُبَالغَة فِي التورع وَالِاحْتِيَاط فَإِن كَانَ من المتفقهة فَهُوَ يشرع فِي إِنْكَار أَشْيَاء عَلَيْهِم ويوهمهم التَّنَزُّه عَمَّا هم فِيهِ وينسبهم إِلَى قلَّة الدّين وينسب مَا يُنكره عَلَيْهِم إِلَى مشائخه وَأهل بَلَده وَيكون فِي أَكثر ذَلِك الْإِسْنَاد كَاذِبًا وَيكون قَصده بذلك إِمَّا الرِّئَاسَة عَلَيْهِم وَإِمَّا تَحْصِيل غَرَض مِنْهُم وَلَا سِيمَا إِن أَرَادَ الْمقَام بَينهم أَو التَّدْبِير بَينهم فتراه أول مَا ينزل بهم لَا يَأْكُل من أطعمتهم وَلَا من ذَبَائِحهم ويتأمل سكين ذباحهم وينكر عَلَيْهِم بعض أَمرهم وَيَقُول أَنا لَا آكل إِلَّا من ذباحة يَدي فتراهم مَعَه فِي عَذَاب لَا يزَال يُنكر عَلَيْهِم الْحَلَال والمباح ويوهمهم تَحْرِيمه

стр. 117

بإسنادات يخترعها حَتَّى لَا يشكوا فِي ذَلِك فَإِن وصل بعد مُدَّة طَوِيلَة من أهل بَلَده من يعرف أَنه كَاذِب فِي تِلْكَ الإسنادات فَلَا يَخْلُو أمره من أَن يُوَافقهُ أَو يُخَالِفهُ فَإِن وَافقه فَإِنَّمَا يُوَافقهُ ليشاركه فِي الرِّئَاسَة الناموسية الَّتِي حصلت لَهُ وخوفا من أَن يكذب إِن خَالفه وينسب إِلَى قلَّة الدّين وَأَيْضًا فَإِن القادم الثَّانِي فِي أَكثر الْأَمر يستحسن مَا اعْتَمدهُ القادم الأول من تَحْرِيم الْمُبَاحَات وإنكار المحللات وَيَقُول لَهُم لقد عظم الله ثَوَاب فلَان إِذْ قوى ناموس الدّين فِي قُلُوب هَذِه الْجَمَاعَة وشيد سياج الشَّرْع عِنْدهم وَإِذا لقِيه على الِانْفِرَاد يشكره ويجزيه خيرا أَو يَقُول لَهُ لقد زين الله بك أهل بلدنا وَإِن كَانَ القادم الثَّانِي يُنكر مَا أَتَى بِهِ القادم الأول من الْإِنْكَار عَلَيْهِم والتضييق لم يبْق من الْجَمَاعَة وَاحِد يستصحبه وَلَا يصدقهُ بل جَمِيعهم ينسبونه إِلَى قلَّة الدّين لِأَن هَؤُلَاءِ الْقَوْم يَعْتَقِدُونَ أَن تضييق الْمَعيشَة وَتَحْرِيم المحللات هُوَ الْمُبَالغَة فِي الدّين والزهد وهم أبدا يَعْتَقِدُونَ أَن الدّين وَالْحق مَعَ من يضيق عَلَيْهِم وَلَا ينظرُونَ هَل يَأْتِي بِدَلِيل أم لَا وَلَا يبحثون عَن كَونه محقا أم مُبْطلًا هَذَا حَال القادم إِلَى بلد من متفقهتهم

стр. 118

فَأَما إِن كَانَ القادم أحد أَحْبَار الْيَهُود وعلمائهم فهنالك ترى الْعجب من الناموس الَّذِي يعتمده وَالسّنَن الَّتِي يحدثها ويلحقها بالفرائض وَلَا يقدر أحدهم على الِاعْتِرَاض عَلَيْهِ فتراهم مستسلمين إِلَيْهِ وَهُوَ يحتلب دِرْهَم ويجتلب بحيله درهمهم حَتَّى لَو بلغه أَن بعض أَحْدَاث الْيَهُود قد جلس على قَارِعَة الطَّرِيق فِي يَوْم السبت اَوْ اشْترى لَبَنًا من بعض الْمُسلمين أَو خمرًا ثلبه وسبه فِي مجمع من يهود الْمَدِينَة وأباحهم عرضه وَنسبه إِلَى قلَّة الدّين فَهَذَا السَّبَب وَالسَّبَب الَّذِي ذَكرْنَاهُ قبله هما الْعلَّة فِي تَشْدِيد الإصر الَّذِي جعلته الْيَهُود على أَنْفسهَا وتضييق الْمَعيشَة عَلَيْهَا وتجنبهم مآكل غَيرهم ومخالطة من كَانَ على غير ملتهم وَقد أوضحناهما للمتأمل

стр. 119

خَاتِمَة الْكتاب أَحَق النَّاس بِأَن يوسم بالجهالة وينبذ بالضلالة من كَانَ طبعه آبيا عَن الانقياد للحقائق وعقله بَعيدا عَن فهم الْيَقِين فَأَما من شقَّتْ دَرَجَته عَن ذَلِك وَكَانَ مَعَ امْتِنَاعه عَن تَسْلِيم الْحَقَائِق مسرعا إِلَى قبُول الْبَاطِل وتصديق المستحيل فَهُوَ حقيق بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْجُنُون والسقوط وَهَذِه الطَّائِفَة أَحَق النَّاس بذلك لِأَن آبَائِهِم كَانُوا يشاهدون فِي كل يَوْم من الْآيَات الحسية وَالنَّار السماوية مَا لم يره غَيرهم من الْأُمَم وهم مَعَ ذَلِك يهمون برجم مُوسَى وَهَارُون فِي كثير من الْأَوْقَات وَكفى بإتخاذهم الْعجل فِي أَيَّام مُوسَى وإيثارهم العودة إِلَى مصر وَالرُّجُوع إِلَى الْعُبُودِيَّة ليشبعوا من أكل اللَّحْم والبصل والقثاء ثمَّ عِبَادَتهم الْأَصْنَام بعد عصر يُوشَع بن نون ثمَّ انضمامهم إِلَى أبشالوم الْوَلَد الْعَاق ولد دَاوُد من بنت ملك الكرج فَإِن سوادهم الْأَعْظَم انْضَمَّ إِلَى هَذَا الْوَلَد العَاصِي الْعَاق وشدوا مَعَه على حَرْب الْملك الْكَبِير وَالنَّبِيّ الْكَرِيم نَبِي الله دَاوُد ثمَّ أَنهم لما عَادوا إِلَى طَاعَة دَاوُد جَاءَت وفودهم وعساكرهم متقاطرة إِلَيْهِ مستغفرين مِمَّا ارتكبوه مستبشرين بسلامة الْملك دَاوُد بِحَيْثُ اخْتصم

стр. 120

الأسباط مَعَ سبط يهوذا إِذا عبروا بِالْملكِ الْأُرْدُن قبل مَجِيء عَسَاكِر الأسباط غيرَة مِنْهُم على السَّبق إِلَى خدمَة الْملك وتعاتبوا فِي ذَلِك عتابا دَقِيقًا فَقَالَ سبط يهوذا نَحن أَحَق النَّاس بِالسَّبقِ إِلَى الْملك والاختصاص بخدمته لِأَنَّهُ منا فَلَا وَجه لعتبكم علينا يَا بني إِسْرَائِيل فنبغ فُضُولِيّ يُقَال لَهُ شيبع بن بكري فَنَادَى برفيع صَوته لَا نصيب لنا فِي دَاوُد ولاحظ فِي ابْن يساي ليمض كل مِنْكُن إِلَى خبائه يَا إسرائيليين فَمَا كَانَ أسْرع من انفضاض عَسْكَر بني إِسْرَائِيل عَن دَاوُد بِسَبَب كلمة ذَلِك الْفُضُولِيّ وَلما توصل الْوَزير يؤاب إِلَى قتل ذَلِك المشغب عَادَتْ العساكر جَمِيعهَا إِلَى طَاعَة دَاوُد فَمَا كَانَ الْقَوْم إِلَّا مثل رعاع همج الْعَوام الَّذين تجمعهم دبدبة وتفرقهم صَيْحَة وَأما عِبَادَتهم الكبشين وتركهم الْحَج إِلَى الْقُدس ثمَّ إصرارهم على مُخَالفَة الْأَنْبِيَاء إِلَى انْقِضَاء دولتهم فمما لَا يصدر عَن متمسك بأهداب الْعقل وسبيلهم أَن لَا يتطرقوا إِلَى معايب أحد من الْأُمَم إِذا كَانَت هَذِه مخازيهم وفضائحهم فَأَما تسرعهم إِلَى قبُول الْبَاطِل والمستحيل فَإنَّا نذْكر مِنْهُ طرفا يُنبئ عَن

стр. 121

قلَّة عُقُولهمْ وَهُوَ مَا جرى فِي زَمَاننَا من أذكاهم وأكيسهم وأمكرهم وهم يهود بَغْدَاد فَإِن محتالا من شُبَّان الْيَهُود نَشأ بسواد الْموصل يُقَال لَهُ مناحيم بن سُلَيْمَان وَيعرف بِابْن الروحى وَكَانَ ذَا جمال فِي صورته وَقد تفقه فِي دينهم بِالْإِضَافَة إِلَى الْجُمْهُور من الْيَهُود الساكنين بالناحية الْمَعْرُوفَة بالعمادية من بلد الْموصل وَكَانَ المتولى هُنَاكَ ذَا ميل إِلَى ذَلِك الْمُحْتَال وَحب لَهُ لحسن اعْتِقَاده فِيهِ وَلما توهم فِيهِ من ديانَة اظاهر بهَا بِحَيْثُ كَانَ الْوَالِي يسْعَى إِلَى زيارته فطمع ذَلِك الْمُحْتَال فِي جَانب الْوَالِي واستضعف عقله فَتوهم أَنه يتَمَكَّن من الْوُثُوب على القلعة وَأَخذهَا وَأَنَّهَا تضحي لَهُ معقلا حصينا فَكتب إِلَى الْيَهُود المستقرين بنواحي بِلَاد آذربيجان وَمَا والاها لِأَنَّهُ علم أَن يهود الْأَعَاجِم أقوى جَهَالَة من سائد الْيَهُود وَذكر فِي كتبه أَنه قَائِم قد غَار للْيَهُود من يَد الْمُسلمين وخاطبهم بأنواع من الْمَكْر والخديعة فبعض فُصُول كتبه الَّتِي رَأَيْتهَا يحوي مَا هَذَا مَعْنَاهُ ولعلكم تَقولُونَ هَذَا لأي شئ قد استنفرنا الْحَرْب أم لقِتَال لَا لسنا نريدكم لِحَرْب وَلَا لقِتَال بل لِتَكُونُوا واقفين بَين يَدي هَذَا الْقَائِم ليراكم هُنَاكَ من يَغْشَاهُ من رسل الْمُلُوك الَّذين بِبَابِهِ

стр. 122

وَفِي أَوَاخِر الْكتب يَنْبَغِي أَن يكون مَعَ كل وَاحِد مِنْكُم سيف أَو غَيره من آلَات الْحَرْب ويخفيه تَحت أثوابه فاستجابت إِلَيْهِ يهود الْأَعَاجِم وَأهل نواحي الْعمادِيَّة وَسَوَاد الْموصل ونفروا إِلَيْهِ بِالسِّلَاحِ الْمُسْتَتر حَتَّى صَار عِنْده مِنْهُم جمَاعَة كثيفة وَكَانَ الْوَالِي لحسن ظَنّه بِهِ يظنّ أَن أُولَئِكَ القادمين إِنَّمَا جَاءُوا لزيارة ذَلِك الحبر الَّذِي قد ظهر لَهُم بِزَعْمِهِ فِي بَلَده إِلَى أَن انكشفت لَهُ مطامعهم وَكَانَ حَلِيمًا عَن سفك الدِّمَاء فَقتل صَاحب الْفِتْنَة الْمُحْتَال وَحده فَأَما الْبَاقُونَ فتهاجوا مُدبرين بعد أَن ذاقوا وبال الْمَشَقَّة والخسارات والفقر وَلم تنكشف هَذِه الْقِصَّة لَهُم مَعَ ظُهُورهَا لكل ذِي عقل بل هم إِلَى الْآن يفضلونه على كثير من أَنْبِيَائهمْ أَعنِي يهود الْعمادِيَّة وَفهم من يَعْتَقِدهُ الْمَسِيح المنتظر بِعَيْنِه وَلَقَد رَأَيْت جمَاعَة من يهود الْأَعَاجِم بخوى وسلماس وتبريز ومراغه وَقد جعلُوا اسْمه قسمهم الْأَعْظَم وَأما من بالعمادية من الْيَهُود فصاروا أَشد مباينة وَمُخَالفَة فِي جَمِيع أُمُورهم للْيَهُود من النَّصَارَى

стр. 123

وَفِي تِلْكَ الْولَايَة جمَاعَة مِنْهُم على دين يَسُبُّونَهُ إِلَى مناحيم الْمُحْتَال الْمَذْكُور وَلما وصل خَبره إِلَى بَغْدَاد اتّفق هُنَاكَ شخصان من محتالى الْيَهُود ودواهي مشيختهم فزورا على لِسَان مناحيم كتبا إِلَى بَغْدَاد تبشرهم بالفرج الَّذِي كَانُوا قَدِيما ينتظرونه وَأَنه يعين لَهُم لَيْلَة يطيرون فِيهَا أَجْمَعِينَ إِلَى بَيت الْمُقَدّس فانقاد الْيَهُود البغداديون إِلَيْهِ مَعَ مَا يَدعُونَهُ من الذكاء ويفخرون بِهِ من الخب انقادوا بأسرهم إِلَى تَصْدِيق ذَلِك وَذَهَبت نسوانهم بأموالهن وحليهن إِلَى ذَيْنك الشَّيْخَيْنِ ليتصدقا بِهِ عَنْهُن على من يسْتَحقّهُ بزعمهما وَصرف الْيَهُود جلّ أَمْوَالهم فِي هَذَا الْوَجْه واكتسوا ثيابًا خضرًا واجتمعوا فِي تِلْكَ اللَّيْلَة على السطوح ينتظرون الطيران بزعمهم على أَجْنِحَة الْمَلَائِكَة إِلَى بَيت الْمُقَدّس وارتفع للنسوان مِنْهُم بكاء على أطفالهن المرتضعين خوفًا أَن يطرن قبل طيران أَوْلَادهنَّ أَو يطير أطفالهن قبلهن فتجوع الْأَطْفَال بتأخر الرَّضَاع عَنْهُم وتعجب الْمُسلمُونَ هُنَاكَ مِمَّا اعترى الْيَهُود حِينَئِذٍ بِحَيْثُ أحجموا عَن معارضتهم حَتَّى تنكشف آثَار مواعيدهم العرقوبية فَمَا زَالُوا متهافتين إِلَى الطيران إِلَى أَن أَسْفر الصَّباح عَن خذلانهم وإمتهانهم

стр. 124

وَنَجَا ذَانك المحتالان بِمَا وصل إِلَيْهِمَا من أَمْوَال الْيَهُود وانكشف لَهُم بعد ذَلِك وَجه الْحِيلَة وَمَا تظاهر بِهِ من جِلْبَاب الرذيلة فسموا ذَلِك الْعَام عَام الطيران وصاروا يعتبرون بِهِ سنى كهولهم والشبان وَهُوَ تَارِيخ البغداديين من المتهودة فِي هَذَا الزَّمَان فكفاهم هَذَا الْأَمر عارا دَائِما وشنارا ملازما وَفِيمَا قد أوردناه كِفَايَة قاضية للوطر من إفحامهم وإلجامهم بِمَا هُوَ عين مَا عِنْدهم وَأَعُوذ بِاللَّه مِمَّا يشركُونَ وَإِلَيْهِ الْبَرَاءَة مِمَّا يكفرون

стр. 125

رِسَالَة إِلَى السموأل وجوابها بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم انْتِقَال سيدنَا الإِمَام الحبر الْعَالم الأوحد الرئيس مؤيد الدّين شمس الْإِسْلَام أوحد الْعَصْر ملك الْحُكَمَاء أدام الله تأييده وأرغم حسوده من الْملَّة الإسرائيلية إِلَى الْملَّة الإسلامية إِمَّا هوى واستحسان وعبث أَو بِدَلِيل وبرهان فَأَما الْهوى وَالِاسْتِحْسَان والعبث فَهُوَ مَا يقبح بِمثلِهِ وَلَا يَلِيق لمن وصل إِلَى دَرَجَته من الْعلم وَلَا سِيمَا فِي الِاعْتِقَاد وَالدّين وَإِن قَالَ إِنَّه بِدَلِيل وبرهان وَبحث وَنظر فَإِن كَانَ هَذَا الْبَحْث وَالنَّظَر بعقل حدث لَهُ فِيمَا بعد فَرُبمَا حدث لَهُ عقل آخر فيريه أَن مَا هُوَ عَلَيْهِ الْآن بَاطِل وَإِن كَانَ ذَلِك الْبَحْث بِالْعقلِ الأول فَهَلا كَانَ ذَلِك الْبَحْث قبل ذَلِك الْوَقْت وَلَعَلَّه لَو ازْدَادَ فِي الْبَحْث وَالنَّظَر لعلم أَن الْحق فِي غير الْمَذْهَب الَّذِي صَار إِلَيْهِ وَإِن قَالَ عرفت أَن الْحق فِي هَذَا الدّين بِالدَّلِيلِ والبرهان قُلْنَا بِأَيّ طَرِيق ثمَّ إِنَّه لَا يعلم أحد أَن مذهبا أصح من سَائِر الْمذَاهب إِلَّا إِذا بحث واستقصى عَن جَمِيع الْمذَاهب وَتَأمل جَمِيع مَا اصله أَرْبَابهَا وحججهم

стр. 126

فَإِن هُوَ أدعى ذَلِك فَهُوَ محَال لِأَن عمره لَا يَفِي لمطالعة جَمِيع مَا أَصله سَائِر أَصْحَاب الْمذَاهب والأديان وَلَعَلَّه لَو سُئِلَ عَن حَقِيقَة دين الْمَجُوس والثنوية والبراهمة لما كَانَ قيمًا بعلوم مَذْهَبهم وَأَيْضًا فَإِن الْملَّة الَّتِي قد انْتقل إِلَيْهَا هِيَ على مَذَاهِب كَثِيرَة فَإلَى أَيهَا انتسب وأيها اخْتَار فَإِن كَانَ إِلَى الْآن غير منتسب إِلَى أَحدهَا فَهُوَ إِلَى الْآن غير مُسلم وَإِن كَانَ قد رجح أحد الْمذَاهب فَبِأَي طَرِيق إِن ادّعى الْبُرْهَان اسْتَحَالَ ذَلِك لِأَنَّهُ يلْزم مِنْهُ أَن يكون قد اطلع على سَائِر كَلَام أَصْحَاب الشَّافِعِي وَابْن حنيفَة وَمَالك وَأحمد وَإِن كَانَ قد رجح أحد الْمذَاهب اسْتِحْسَانًا وَهوى أَو تقليدا فَذَلِك مِمَّا لَا يَلِيق بالعلماء والحكماء وَحِينَئِذٍ يرْتَفع عَنْهُم الْملك وَرَأى سيدنَا الإِمَام الحبر فِي تَأمل ذَلِك والإجابة عَنهُ أَعلَى

стр. 127

نُسْخَة الْجَواب بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاء من النَّاس مَا ولاهم عَن قبلتهم الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا قل لله الْمشرق وَالْمغْرب يهدي من يَشَاء إِلَى صِرَاط مُسْتَقِيم﴾ تَأَمَّلت مَا ذكره هَذَا الْمُعْتَرض السَّائِل عَمَّا لَا يعنه فَليعلم أَن الله هَدَانِي بِالدَّلِيلِ الْوَاضِح وَالْحجّة الثَّابِتَة من غير تَقْلِيد لمعلم أَو وَالِد وَأما سُؤَاله عَن وَقت الإذعان بِالْكَلِمَةِ الإسلامية هَل كَانَ تاليا لاعتقادها أَو تخَلّل بَينهمَا زمَان كَانَت هَذِه الْكَلِمَة فِيهِ مضمرة غير مظهرة فَهُوَ ضرب من الفضول لِأَن الْإِسْلَام مَقْبُول عِنْد الله وَعند أهل الدّين فِي أَي الْوَقْتَيْنِ كَانَ وَأما نسبته لتأخير إِظْهَاره إِلَى الْعَبَث فَمن أَيْن لَهُ أَن تَأْخِير الإذعان والإشهار لم يكن لتوخي وَقت أَو لمحاذرة عَدو على أَنا نبرأ إِلَى الله من التضجيع فِي إِجَابَة الدَّاعِي إِلَى الْحق بعد مَعْرفَته

стр. 128

وَلَكِن عقيب مَا كشف الله عَن البصيرة وجاد بِنور الْهِدَايَة بادرت إِلَى الانضمام إِلَى زمرة الْحق وَأما قَوْله إِنَّه كَمَا حدث لَهُ هَذَا عقلا فَرُبمَا حدث لَهُ عقل آخر يرِيه أَن مَا هُوَ عَلَيْهِ بَاطِل فَجَوَابه أَن هَذَا تَمْثِيل فَاسد وَكَلَام مختل لِأَن هَذَا الإعتراض إِنَّمَا يرد على من انْتقل إِلَى دين ببحث وَنظر ثمَّ انْتقل عَن الدّين الثَّانِي إِلَى دين ثَالِث ببحث آخر وَنظر آخر لَا على من نبذ المحالات الَّتِي حصلت فِي وهمه بالتلفق من الْآبَاء فِي الطفولة وَأنس بهَا واعتادها من غير أَن تصح عِنْده ببحث وَنظر ثمَّ انه لما اتّفق لَهُ اعمال الْفِكر والبحث أَدَّاهُ الْعقل والأدلة الصَّحِيحَة إِلَى الْحق لِأَن ذَلِك المهجور الْمَتْرُوك لم يؤده إِلَيْهِ نظر. فَكيف يلْزمه مَا ذكر من الشُّبْهَة وَأما قَوْله: هَل بحث عَن جَمِيع الْمذَاهب فانه لَا حَاجَة لي إِلَى ذَلِك لِأَن الْحق فِي جِهَة وَاحِدَة وَلَيْسَ بمتعدد فَلَمَّا قادني الدَّلِيل إِلَى الْمَذْهَب الْحق لزم من صِحَّته بطلَان سَائِر الْمذَاهب الْمُخَالفَة لَهُ من غير حَاجَة إِلَى الإطلاع على جَمِيع مَا حَرَّره أَرْبَابهَا وَأما قَوْله لَو بحث لعلم أَن الْحق فِي غير مَا هُوَ عَلَيْهِ فَهُوَ محَال لِأَن الْحق لَا يَتَعَدَّد وَأما سُؤَاله عَن مَا الطَّرِيق الَّذِي صحت بِهِ عِنْدِي دَعْوَة الْمُصْطَفى ﷺ فَإِن شَهَادَة هَذِه الْأُمَم الْعَظِيمَة بنبوته مَعَ المعجز الْأَعْظَم الَّذِي لم يبار فِيهِ وَهُوَ فصاحة الْقُرْآن دلَّنِي على ذَلِك وأكد ذَلِك إشارات فهمتها من التَّوْرَاة دلّت عَلَيْهِ إِلَّا أَن الأول هُوَ الأَصْل فِي الدّلَالَة

стр. 129

وآما سُؤَاله عَن الْمَذْهَب الإسلامي الَّذِي انتسبت إِلَيْهِ وَمَا زعم أَنه يلْزَمنِي من مطالعة جَمِيع مَذَاهِب الْأَئِمَّة فَهُوَ شُبْهَة لَا تلزمني وسئال عَمَّا لَا يعنيه إِلَّا أَن جوابي عَنهُ هُوَ الْجَواب الأول بِعَيْنِه وَهُوَ أَن الدَّلِيل قادني إِلَى مَذْهَب اعْتقد بِصِحَّتِهِ فَلَا حَاجَة لي إِلَى تصفح غَيره لِأَن الْحق غير مُتَعَدد فِي الْمذَاهب كَمَا أَنه غير مُتَعَدد فِي الْملَّة على أَن الِاخْتِلَاف بَين الْأَئِمَّة الْمُسلمين إِنَّمَا هُوَ فِي تَوَابِع وصغائر لَا فِي أصل العقيدة بِحَيْثُ يكفر بَعضهم بَعْضًا أَعنِي أَصْحَاب الشَّافِعِي وَأبي حنيفَة وَمَالك وَأحمد ﵃ دون أَصْحَاب الْبدع على أَن هَذَا السَّائِل عَمَّا لَا يعنيه إِذا قَامَ هَذَا الْمقَام فسبيله أَن يقوى مَا هدمت من حجج الْيَهُود ويتشاغل بنصرتهم عَن السُّؤَال عَمَّا لَا يعنيه لِأَنِّي قد أظهرت فَسَاد اعْتِقَادهم وتناقض مَا عِنْدهم فِي الإفحام فَذَلِك أولى من الإخلاد إِلَى شُبْهَة الزَّنَادِقَة وهذيانات المتفلسفة الْكفَّار الَّذين يجب قَتلهمْ فِي الْملَّة الَّتِي فارقتها وَالْملَّة الَّتِي هَدَانِي الله إِلَيْهَا أما مَا ختم بِهِ كَلَامه فَذَاك أَمر مَرْفُوع على الْحَقِيقَة إِلَّا أَن الْمُلُوك والسلاطين جرت عَادَتهم أَن يخصوا كل وَاحِد بِمَا يرونه لَهُ أَهلا حراسة للمراتب من تطاول غير الْأَكفاء (والحسد لَا يزِيد أَهله إِلَّا خمولا ... ) (وَإِذا خفيت على الغبي فعاذر ... أَن لَا تراني مقلة عمياء) وَالسَّلَام تمّ الْجَواب