Полный текст (129 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
وَقد كَانَ الْأَنْبِيَاء ﵈ ضربوا لَهُم أَمْثَالًا أشاروا بهَا إِلَى جلالة دين الْمَسِيح وخضوع الجبارين لأهل مِلَّته وإتيانه بالنسخ الْعَظِيم فَمن ذَلِك قَول يشعيا فِي نبوءته
стр. 72
عَم كيس يحدا ويرتصو سنيهيم وفارا وأذوب ترعينا وأرياكيا قار يوخل تيين
تَفْسِيره
إِن الذِّئْب والكبش يرعيان جَمِيعًا ويربضان مَعًا وَإِن الْبَقَرَة والدب يرعيان جَمِيعًا وَإِن الْأسد يَأْكُل التِّبْن كالبقرة
فَلم يفهموا من تِلْكَ الْأَمْثَال إِلَّا صورها الحسية دون مَعَانِيهَا الْعَقْلِيَّة فتولو عَن الْإِيمَان بالمسيح عِنْد مبعثه وَأَقَامُوا ينتظرون الْأسد حَتَّى يَأْكُل التِّبْن وَتَصِح لَهُم حِينَئِذٍ عَلامَة الْمَسِيح
ويعتقدون أَيْضا أَن هَذَا المنتظر مَتى جَاءَهُم يجمعهُمْ بأسرهم إِلَى الْقُدس وَتصير لَهُم الدولة ويخلو الْعَالم من سواهُم ويحجم الْمَوْت عَن جنابهم الْمدَّة الطَّوِيلَة
وسبيلهم أَن لَا يعدلُوا عَن تتبع الْأسود فِي غاباتهم وَطرح التِّبْن بَين أيديها ليعلموا وَقت أكلهَا إِيَّاه
وَأَيْضًا فَإِنَّهُم فِي الْعشْر الأول من كل سنة يَقُولُونَ فِي صلواتهم الهوينوا أَو الوهى أدنواتينوا لملوخ عل يوشبى تيبيل أرضيخا وتوماركول اسير نسئاما بأفوا ذوناى ألوها يسرائيل مالاخ وملخو ثوبوبكول ماسالا
تَفْسِيره
يَا إلهنا وإله أبائنا املك على جَمِيع أهل الأَرْض ليقول كل ذِي نسمَة
стр. 73
الله إِلَه إِسْرَائِيل قد ملك ومملكته فِي الْكل متسلطه
وَيَقُولُونَ فِي هَذِه الصَّلَاة أَيْضا وسيكون لله الْملك وَفِي ذَلِك الْيَوْم يكون الله وَاحِدًا
ويعنون بذلك أَنه لَا يظْهر أَن الْملك لله إِلَّا إِذا صَارَت الدولة إِلَى الْيَهُود الَّذين هم أمته وصفوته
فَأَما مادامت الدولة لغير الْيَهُود فَإِن الله خامل الذّكر عَن الْأُمَم وَأَنه مطعون فِي ملكه مَشْكُوك فِي قدرته
стр. 74
فَهَذَا معنى قَوْلهم اللَّهُمَّ املك على جَمِيع أهل الأَرْض
وَمعنى قَوْلهم وسيكون الْملك لله
وَمِمَّا ينخرط فِي هَذَا السلك قَوْلهم لاما يومى وهليوبين أَنا ناألوهيم
تَفْسِيره
لم تَقول الْأُمَم أَيْن إلآههم
وَقَوْلهمْ عورا لاما ببشان أذوناى هاقيضائتا نيخا
стр. 75
وَتَفْسِيره
انتبه لم تنام يارب اسْتَيْقَظَ من رقدتك
وَهَؤُلَاء إِنَّمَا نطقوا بِهَذِهِ الهذايانات والكفريات من شدَّة الضجر من الذل والعبودية وَالصغَار وانتظار فرج لَا يزْدَاد مِنْهُم إِلَّا بعدا
فأوقعهم ذَلِك فِي الطيش والضجر وأخرجهم إِلَى نوع من التزندق والهذيان الذى لَا تستحسنه إِلَّا عُقُولهمْ الرَّكِيكَة
فتجرأوا على الله بِهَذِهِ المناجاه القبيحة كَأَنَّهُمْ ينخون الله بذلك لينتخى لَهُم ويحمي لنَفسِهِ لأَنهم إِذا ناجوا رَبهم بذلك فكأنهم يخبرونه بِأَنَّهُ قد اخْتَار الخمول لنَفسِهِ وينخونه للنباهة واشتهار الصيت
فترى أحدهم إِذا تَلا هَذِه الْكَلِمَات فِي الصَّلَاة يقشعر جلده وَلَا بشك فِي أَن كَلَامه يَقع عِنْد الله بموقع عَظِيم وَأَنه يُؤثر فِي ربه ويحركه بذلك ويهزه وينخيه
وَهَؤُلَاء على حَقِيقَة يَنْبَغِي أَن يرحم جهلهم وَضعف عُقُولهمْ
وَأَيْضًا فَإِن عِنْدهم فِي توراتهم أَن مُوسَى صعد الْجَبَل مَعَ مشائخ أمته فَأَبْصرُوا الله جهرة وَتَحْت رجلَيْهِ كرْسِي منظره كمنظر البلور
ذَلِك قَوْله ويراو إيث الوهى يسرائيل وتاحث رغلا وكراي لبناث هسفير وخعيصم مشامايم لَا ظوهر
стр. 76
ويزعمون أَن اللَّوْحَيْنِ مكتوبان بأصبع الله فِي قَوْلهم بأصباع ألوهيم
وَيطول الْكتاب اذا عددنا مَا عِنْدهم من كفريات التجسيم على أَن أَحْبَارهم قد تهذبوا كثيرا عَن مُعْتَقد آبَائِهِم بِمَا استفادوه من تَوْحِيد الْمُسلمين
وأعربوا عَن تَفْسِير مَا عِنْدهم بِمَا يدْفع عَنْهُم إِنْكَار الْمُسلمين عَلَيْهِم مِمَّا لَا تَقْتَضِيه الْأَلْفَاظ الَّتِي فسروها ونقلوها
وصاروا مَتى سئلوا عَمَّا عِنْدهم من هَذِه الفضائح استتروا بالجحد والبهتان خوفًا من فظيع مَا يلْزمهُم من الشناعة
стр. 77
وَمن ذَلِك أَنهم ينسبون إِلَى الله النَّدَم على مَا يفعل فَمن ذَلِك قَوْلهم فِي التوراه الَّتِي بِأَيْدِيهِم
ويتناحم أذوناى كى عاشا إث هاأدم باإرض ويتعصب إِن لبون
تَفْسِيره وَنَدم الله على خلق الْبشر فِي الأَرْض وشق عَلَيْهِ
وَقد أفرط المترجم فِي تعصبه وتحريفه للألفاظ عَن مُوجب اللُّغَة وَفسّر ويناحم أذوناي
وثاب أدوناي بميمره يَعْنِي وَعَاد الله فِي رَأْيه
وَهَذَا التَّأْوِيل وَإِن كَانَ غير مُوَافق للغة فَهُوَ أَيْضا كفر بل مُنَاقض لما يدفعونه من البداء والنسخ
وَأما الدَّلِيل إِلَى أَن تَفْسِير ويتعصيب أل لبو وشق عَلَيْهِ فَهُوَ مَا جَاءَ فِي مُخَاطبَة حَوَّاء ﵍
سعيصب تليدي بانيم
تَفْسِيره وبمشقة تلدين الْأَوْلَاد
فقد تبين أَن أل عصيب فِي اللِّسَان العبراني هُوَ الْمَشَقَّة وَهَذِه الْآيَة عِنْدهم فِي قصَّة قوم نوح زَعَمُوا أَن الله تَعَالَى لما رأى فَسَاد قوم نوح وَأَن شرهم وكفرهم قد عظما نَدم على خلق الْبشر وشق عَلَيْهِ
стр. 78
وَلَا يعلمُونَ البله أَن من يَقُول بِهَذِهِ الْمقَالة لزمَه أَن الله قبل أَن يخلق الْبشر لم يكن عَالما بِمَا سَيكون من قوم نوح وَغير ذَلِك من النَّقْص تَعَالَى الله عَمَّا يكفرون
وَعِنْدهم أَيْضا أَن الله تَعَالَى قَالَ لشموائيل النَّبِي ﵇
نيحا مَتى كى هملاخي إِن شاو الميلخ على يسراييل
تَفْسِيره
نَدِمت إِذْ وليتك شاؤول ملكا على بني إسرائيلوفي مَوضِع آخر من سفر شموائيل
واذوناى نيحام كى هميليخ إنى شااول على يسراييل
تَفْسِيره
وَالله نَدم على تَمْلِيكه شاؤول على إِسْرَائِيل
وَأَيْضًا فَإِن عِنْدهم أَن نوحًا النَّبِي ﵇ لما خرج من السَّفِينَة بَدَأَ بِبِنَاء مذبح لله تَعَالَى وَقرب عَلَيْهِ قرابين وَيَتْلُو ذَلِك
ويارح أذوناي اث دييح هنيجو وح ولومر أذوناي ال لبو لواسيف عوذ لقَلِيل إث اه إِذا ماعا عبورها إِذا م كى ييصير ليب هاأو رَاع منعور اَوْ وَلَو أَو سيف مود لهلكوث إث كل حاي كَا اثير عاسيثي
стр. 79
تَفْسِيره
فاستنشق الله رَائِحَة القتار فَقَالَ الله تَعَالَى فِي ذَاته لن أعاود لعنة الأَرْض بِسَبَب النَّاس لِأَن خاطر الْبشر مطبوع على الرداءة وَلنْ أعاود إهلاك جَمِيع الْحَيَوَان كَمَا صنعت
ولسنا نرى أَن هَذِه الكفريات كَانَت فِي التَّوْرَاة الْمنزلَة على مُوسَى صلوَات الله عَلَيْهِ
وَلَا نقُول أَيْضا إِن الْيَهُود قصدُوا تغييرها وأفسادها بل الْحق أولى مَا اتبع وَنحن نذْكر الْآن حَقِيقَة سَبَب تَبْدِيل التَّوْرَاة
ذكر السَّبَب فِي تَبْدِيل التَّوْرَاة
علماؤهم وَأَحْبَارهمْ يعلمُونَ أَن هَذِه التَّوْرَاة الَّتِي بِأَيْدِيهِم لَا يعْتَقد أحد من عُلَمَائهمْ وَأَحْبَارهمْ أَنَّهَا الْمنزلَة على مُوسَى الْبَتَّةَ لِأَن مُوسَى
стр. 80
صان التَّوْرَاة عَن بني إِسْرَائِيل وَلم يبثها فيهم وَإِنَّمَا سلمهَا إِلَى عشيرته أَوْلَاد ليوى وَدَلِيل ذَلِك قَول التَّوْرَاة ويختوب موشى إث هتورا هزوت وبيتناه ال هكوا هنيم بنى ليوى
تَفْسِيره
وَكتب مُوسَى هَذِه التَّوْرَاة وَدفعهَا إِلَى الْأَئِمَّة بني ليوى
وَكَانَ بَنو هَارُون قُضَاة الْيَهُود وحكامهم لِأَن الْإِمَامَة وخدمة القرابين وَبَيت الْمُقَدّس كَانَت مَوْقُوفَة عَلَيْهِم
وَلم يبْذل مُوسَى من التَّوْرَاة لبنى إِسْرَائِيل إِلَّا نصف سُورَة يُقَال لَهَا هاأزينو
فَإِن هَذِه السُّورَة من التَّوْرَاة هِيَ الَّتِي علمهَا مُوسَى بنى إِسْرَائِيل ذَلِك قَوْله ويختوب مُوسَى إنى هئسيرا هزوث ويلمذاه لبنى يسراييل
تَفْسِيره وَكتب مُوسَى هَذِه السُّورَة وَعلمهَا بنى إِسْرَائِيل وَأَيْضًا فَإِن الله قَالَ لمُوسَى عَن هَذِه السُّورَة وهايت إِلَى هشيرا هزوث لعيد ببنى يسراييل
وَتَفْسِيره وَتَكون لي هَذِه السُّورَة شَاهدا على بنى إِسْرَائِيل
وَأَيْضًا فَإِن الله قَالَ لمُوسَى عَن هَذِه السُّورَة
стр. 81
كى لوتشا خَاخ مفى زرعون
تَفْسِيره
لِأَن هَذِه السُّورَة لَا تنسى من أَفْوَاه أَوْلَادهم
يعْنى أَن هَذِه السُّورَة مُشْتَمِلَة على ذمّ طباعهم وَأَنَّهُمْ سيخالفون شرائع التَّوْرَاة وَأَن السخط يَأْتِيهم بعد ذَلِك وتخرب دِيَارهمْ ويشتتون فِي الْبِلَاد
قَالَ
فَهَذِهِ السُّورَة تكون متداولة فِي أَفْوَاههم كالشاهد عَلَيْهِم الْمُوَافق لَهُم على صِحَة مَا قيل لَهُم فَهَذِهِ السُّورَة لما قَالَ الله تَعَالَى عَنْهَا أَنَّهَا لَا تنسى من أَفْوَاه أَوْلَادهم دلّ ذَلِك على أَن الله تَعَالَى علم أَن غَيرهَا من السُّور تنسى
وَأَيْضًا فَإِن هَذَا دَلِيل على أَن مُوسَى لم يُعْط بنى إِسْرَائِيل من التَّوْرَاة إِلَّا هَذِه السُّورَة فَأَما بَقِيَّة التَّوْرَاة فَدَفعهَا إِلَى أَوْلَاد هَارُون وَجعلهَا فيهم وصانها عَن سواهُم
وَهَؤُلَاء الْأَئِمَّة الهارونيون الَّذين كَانُوا يعْرفُونَ التَّوْرَاة ويحفظون أَكْثَرهَا قَتلهمْ بخت نصر على دم وَاحِد يَوْم فتح بَيت الْمُقَدّس
стр. 82
وَلم يكن حفظ التَّوْرَاة فرضا وَلَا سنة بل كَانَ كل وَاحِد من الهارونيين يحفظ فصلا من التَّوْرَاة
فَلَمَّا رأى عزرا أَن الْقَوْم قد أحرق هيكلهم وزالت دولتهم وتفرق جمعهم وَرفع كِتَابهمْ جمع من محفوظاته وَمن الْفُصُول الَّتِي يحفظها الكهنة مَا لفق مِنْهُ هَذِه التَّوْرَاة الَّتِي بِأَيْدِيهِم الْآن
стр. 83
وَلذَلِك بالغوا فِي تَعْظِيم عزرا هَذَا غَايَة الْمُبَالغَة وَزَعَمُوا أَن النُّور إِلَى الْآن يظْهر على قَبره الَّذِي عِنْد بطائح الْعرَاق لِأَنَّهُ عمل لَهُم كتابا يحفظ دينهم
فَهَذِهِ التَّوْرَاة الَّتِي بِأَيْدِيهِم على الْحَقِيقَة كتاب عزرا وَلَيْسَ كتاب الله
стр. 84
وَهَذَا يدل على انه أعنى الَّذِي جمع هَذِه الْفُصُول الَّتِي بِأَيْدِيهِم رجل فارغ جَاهِل بِالصِّفَاتِ الإلهية فَلذَلِك نسب إِلَى الله تَعَالَى صِفَات التجسم والندامة على ماضى من أَفعاله والإقلاع عَن مثلهَا وَغير ذَلِك مِمَّا تقدم ذكره
وَأَيْضًا فمما يسْتَدلّ بِهِ على بطلَان تأويلاتهم وإفراطهم فِي التعصب وَتَشْديد الإصر مَا ذَكرُوهُ فِي تَفْسِير هَذِه الْآيَة ريست بكورى إِذْ ماشخا تخا تابى ببث أذوناى ألوهيخا لَو تبشيل كدى باحليب أمو
تَفْسِيره
بكور ثمار أَرْضك تحمل إِلَى بَيت الله رَبك لَا تنضج الجدي بِلَبن أمه
стр. 85
وَالْمرَاد من ذَلِك أَنهم أمروا عقيب افتراض الْحَج عَلَيْهِم أَن يستصحبوا مَعَهم إِذا حجُّوا إِلَى الْقُدس أبكار أغنامهم وأبكار مستغلات أَرضهم لأَنهم قد كَانَ فرض عَلَيْهِم قبل ذَلِك أَن تبقى سخولة الْبَقَرَة وَالْغنم وَرَاء أمهاتها سَبْعَة أَيَّام وَمن الْيَوْم الثَّامِن فَصَاعِدا تصلح أَن تكون قربانا لله تَعَالَى
فَأَشَارَ فِي هَذِه الْآيَة فِي قَوْله لَا تنضج الجدي بِلَبن أمه
إِلَى أَنهم لَا يبالغوا فِي إطالة مكث بكور أَوْلَاد الْغنم وَالْبَقر وَرَاء أمهاتهن بل يستصحبوا أبكارهن اللَّاتِي قد عبرن سَبْعَة أَيَّام من ميلادهن مَعَهم إِذا حجُّوا إِلَى بَيت الْمُقَدّس ليتخذوا مِنْهَا القرابين
فَتوهم المشائخ البلة المترجمون لهَذِهِ الْآيَة والمفسرون لمعانيها أَن المشرع يُرِيد بالإنضاج هُنَا إنضاج الطبيخ فِي الْقدر
وهبهم صَادِقين فِي هَذَا التَّفْسِير فَلَا يلْزم من تَحْرِيم الطَّبْخ تَحْرِيم الْأكل إِذْ لَو أَرَادَ المشرع الْأكل لما مَنعه مَانع من التَّصْرِيح بذلك
وَمَا كفاهم هَذَا الْغَلَط فِي تَفْسِير هَذِه اللَّفْظَة حَتَّى حرمُوا أكل سَائل اللحمان بالبن
وَهَذَا مُضَاف إِلَى مَا يسْتَدلّ بِهِ على جهل الْمُفَسّرين والنقلة وكذبهم على الله تَعَالَى وَتَشْديد الإصر على طائفتهم
стр. 86
فَأَما الدَّلِيل على تَفْسِير تبشيل الإنضاج الَّذِي هُوَ الْبلُوغ فَهُوَ قَول رَئِيس السقاة ليوسف الصّديق وهما فِي السجْن إِذْ شرح لَهُ رُؤْيَاهُ فَقَالَ فِي جملَة كَلَامه ويكيفن شلوشا ساريفيم وَهِي حفوراحث عالثا نصاه هبشيلو سكلوثيها غنابين
تَفْسِيره
وَفِي الكرمة ثَلَاثَة عناقيد وَهِي كَأَنَّهَا قد أثمرت وَصعد نوارها ونضجت عَنَّا قيدها عنبا
فقد تبين أَن الإنضاج الَّذِي يعبر عَنهُ بَال هبشيلو إِنَّمَا هُوَ الْبلُوغ
وَلَا يَنْبَغِي للعاقل أَن يستبعد اصْطِلَاح كَافَّة هَذِه الطَّائِفَة على الْمحَال واتفاقهم على فنون من الْكفْر والضلال
فَإِن الدولة إِذا انقرضت عَن أمة باستيلاء غَيرهَا عَلَيْهَا وَأَخذهَا بلادها انطمست حقائق سالف أَخْبَارهَا واندرس قديم آثارها وَتعذر الْوُقُوف عَلَيْهَا لِأَن الدولة إِنَّمَا يكون زَوَالهَا عَن أمة بتتابع الغارات والمصادمات وإخراب الْبِلَاد وإحراق بَعْضهَا فَلَا تزَال هَذِه الْفُنُون متتابعة عَلَيْهَا إِلَى أَن تستحيل علومها جهلا وَكلما كَانَت الْأمة أقدم وَاخْتلفت عَلَيْهَا الدول المناولة لَهَا بالإذلال والإيذاء كَانَ حظها من اندراس الْآثَار أَكثر
стр. 87
وَهَذِه الطَّائِفَة بِلَا شكّ أعظم الطوائف حظا مِمَّا ذَكرْنَاهُ لِأَنَّهَا من أقدم الْأُمَم عهدا ولكثرة الْأُمَم الَّتِي استولت عَلَيْهَا من الكنعانيين والبابليين وَالْفرس واليونان وَالنَّصَارَى وَالْإِسْلَام
وَمَا من هَذِه الْأُمَم إِلَّا من قصدهم أَشد الْقَصْد وَطلب استئصالهم وَبَالغ فِي إحراق بِلَادهمْ وإخرابها وإحراق كتبهمْ إِلَّا الْمُسلمين
فَإِن الْإِسْلَام صَادف الْيَهُود تَحت ذمَّة الْفرس وَلم يبْق لَهُم مَدَنِيَّة وَلَا جَيش إِلَّا الْعَرَب المتهودة بِخَيْبَر
فأشد على الْيَهُود من جَمِيع هَذِه الممالك مَا نالهم من مُلُوكهمْ العصاة مثل أحاب وأحزيا وأمصيا ويهورام ويربعام بن نباط وَغَيرهم من الْمُلُوك الإسرائيليين الَّذين قتلوا الْأَنْبِيَاء وبالغوا فِي تطلبهم ليقتلوهم وعبدوا الْأَصْنَام وأحضروا من الْبِلَاد سدنة للأصنام لتعظيمها وَتَعْلِيم رسوم عبادتها وابتنوا لَهَا البيع الْعَظِيمَة والهياكل وَعَكَفَ على عبادتها الْمُلُوك ومعظم بنى إِسْرَائِيل وَتركُوا أَحْكَام التَّوْرَاة وَالشَّرْع مُدَّة طَوِيلَة وأعصارا مُتَّصِلَة
стр. 88
فَإِذا كَانَ هَذَا تَوَاتر الْآفَات على شرعهم من قبل مُلُوكهمْ وَمِنْهُم على أنفسهم فَمَا ظَنك بالآفات المتفتنة الَّتِي تَوَاتَرَتْ عَلَيْهِم من اسْتِيلَاء الْأُمَم فِيمَا بعد عَلَيْهِم وَقتل أئمتهم وإحراق كتبهمْ ومنعهم إيَّاهُم عَن الْقيام بشرائعهم
فَإِن الْفرس كثيرا مَا منعوهم عَن الختانة وَكَثِيرًا مَا منعوهم عَن الصَّلَاة لمعرفتهم أَن مُعظم صلوَات هَذِه الطَّائِفَة دُعَاء على الْأُمَم بالبوار وعَلى الْعَالم بالخراب سوى بِلَادهمْ الَّتِي هِيَ أَرض كنعان
فَلَمَّا رَأَتْ الْيَهُود الْجد من الْفرس فِي مَنعهم عَن الصَّلَاة اخترعوا أدعية مزجوا بهَا فصولا من صلَاتهم وسموها الخزانة وصاغوا لَهَا ألحانا عديدة وصاروا يَجْتَمعُونَ أَوْقَات صلواتهم على تلحينها وتلاوتها
وَالْفرق بَين هَذِه الخزانة وَبَين الصَّلَاة أَن الصَّلَاة بِغَيْر لحن وَأَن الْمصلى يَتْلُو الصَّلَاة وَحده وَلَا يجْهر مَعَه غَيره وَأما الْخزَّان فيشاركه جمَاعَة فِي الْجَهْر بالخزانة ويعاونونه فِي الألحان فَكَانَت الْفرس إِذا أنْكرت ذَلِك مِنْهُم زعمت الْيَهُود أَنهم يغنون أَحْيَانًا وينوحون أَحْيَانًا على أنفسهم فتركوهم وَذَلِكَ
وَمن الْعجب أَن دولة الْإِسْلَام لما جَاءَت مقرة للذمة على أديانها وَصَارَت الصَّلَاة مُبَاحَة لَهُم صَارَت الخزانة عِنْد الْيَهُود من السّنَن المستحبة فِي الأعياد والمواسم والأفراح يجعلونها عوضا عَن الصَّلَاة ويستغنون بهَا عَنْهَا من غير ضَرُورَة تبعثهم على ذَلِك
стр. 89
فصل فِيمَا يعتقدونه فِي دين الْإِسْلَام
هم يَزْعمُونَ أَن الْمُصْطَفى ﷺ وَشرف وَعظم وكرم كَانَ قد رأى أحلاما تدل على كَونه صَاحب دولة وَأَنه سَافر إِلَى الشَّام فِي تِجَارَة لِخَدِيجَة رضوَان الله عَلَيْهَا وَاجْتمعَ بأحبار الْيَهُود وقص عَلَيْهِم أحلامه فَعَلمُوا أَنه صَاحب دولة فأصحبوه عبد الله بن سَلام فَقَرَأَ عَلَيْهِ عُلُوم التَّوْرَاة وفقهها مُدَّة
زَعَمُوا وأفرطوا فِي دَعوَاهُم إِلَى أَن نسبوا الفصاحة المعجزة الَّتِي فِي الْقُرْآن إِلَى تأليف عبد الله بن سَلام وانه قرر فِي شرح النِّكَاح أَن الزَّوْجَة لَا تستحل بعد الطَّلَاق الثَّالِث إِلَّا بِنِكَاح آخر ليجعل بزعمهم أَوْلَاد الْمُسلمين ممزريم
وَهَذِه كلمة جمع واحده ممزير وَهُوَ اسْم لولد الزِّنَا لِأَن فِي شرعهم أَن الزَّوْج إِذا رَاجع زَوجته بعد أَن نكحت غَيره كَانَ أولادهما معدودين من أَوْلَاد الزِّنَا
стр. 90
فَلَمَّا كَانَ النّسخ مِمَّا لَا ينطبع فهمه فِي عُقُولهمْ ذَهَبُوا إِلَى أَن هَذَا الحكم فِي النِّكَاح من مَوْضُوعَات عبد الله بن سَلام قصد بِهِ أَن يَجْعَل أَوْلَاد الْمُسلمين ممزريم بزعمهم
ثمَّ أَكثر الْعجب مِنْهُم أَنهم جعلُوا دَاوُد النَّبِي ﵇ ممزير من وَجْهَيْن وَجعلُوا منتظرهم ممزير من وَجْهَيْن
وَذَلِكَ أَنهم لَا يَشكونَ فِي أَن دَاوُد بن بشاى بن عَابِد وَأَبُو هَذَا عَابِد يُقَال لَهُ بوعز من سبط يهوذا وَأمه يُقَال لَهَا رَوْث الموابية من بني مؤاب ومؤاب هَذَا مَنْسُوب عِنْدهم فِي نَص التَّوْرَاة فِي هَذِه الْقِصَّة وَهِي أَنه لما أهلك الله تَعَالَى أمة لوط لفسادها وَنَجَا بابنتيه فَقَط خالتا ابنتاه أَن الأَرْض قد خلت مِمَّن تستبقيان مِنْهُ نَسْلًا فَقَالَت الْكُبْرَى للصغرى إِن أَبَانَا لشيخ وإنسان لم يبْق فِي الأَرْض ليَأْتِينَا كسبيل الْبشر فهمى نسقى أَبَانَا خمرًا ونضاجعه لنستبقى من أَبينَا نَسْلًا
فَفَعَلَتَا ذَلِك بزعمهم لعنهم الله وَجعلُوا ذَلِك النَّبِي قد شرب الْخمر حَتَّى سكر وَلم يعرف ابْنَتَيْهِ ثمَّ وطئهما فأحبلهما وَهُوَ لَا يعرفهما
فَولدت إِحْدَاهمَا ولدا سمته مؤاب تعنى أَنه من الْأَب وَالثَّانيَِة سمت وَلَدهَا بن عمى تعنى أَنه من قبيلتها
وَذَلِكَ الْوَالِدَان عِنْد الْيَهُود ممزريم ضَرُورَة لِأَنَّهُمَا من الْأَب وابنتيه
فَإِن أَنْكَرُوا ذَلِك لِأَن التَّوْرَاة لم تكن نزلت لَزِمَهُم ذَلِك لِأَن عِنْدهم
стр. 91
أَن إِبْرَاهِيم الْخَلِيل ﵇ لما خَافَ فِي ذَلِك الْعَصْر من أَن يقْتله المصريون بِسَبَب زَوجته أخْفى نِكَاحهَا وَقَالَ هِيَ أُخْتِي علما مِنْهُ بِأَنَّهُ إِذْ قَالَ ذَلِك لم يبْق للظنون إِلَيْهِمَا سَبِيل
وَهَذَا دَلِيل على أَن حظر نِكَاح الْأُخْت كَانَ فِي ذَلِك الزَّمَان مَشْرُوعا
فَمَا ظَنك بِنِكَاح الْبِنْت الَّذِي لم يجز وَلَا فِي زمن آدم ﵇
وَهَذِه الْحِكَايَة منسوبة إِلَى لوط النَّبِي فِي التَّوْرَاة الْمَوْجُودَة بأيدى الْيَهُود فَلَنْ يقدروا على جَحدهَا فيلزمهم من ذَلِك أَن الْوَلَدَيْنِ المنسوبين إِلَى لوط ممزريم إِذْ توليدهما على خلاف الْمَشْرُوع
стр. 92
وَإِذا كَانَت رَوْث من ولد مؤاب وَهِي جدة دَاوُد ﵇ وَجدّة مسيحهم المنتظر فقد جعلوهما جَمِيعًا من نسل الأَصْل الَّذِي يطعنون فِيهِ
وَأَيْضًا فَمن أفحش الْمحَال أَن يكون شيخ كَبِير قد قَارب الْمِائَة سنة قد سقى الْخمر حَتَّى سكر سكرا حَال بَينه وَبَين معرفَة ابْنَتَيْهِ فضاجعته إِحْدَاهمَا واستنزلت منيه وَقَالَت عَنهُ وَهُوَ لَا يشْعر قَاتلهم الله أَنى يؤفكون نطق كِتَابهمْ فِي قَوْله وَلَو ياذاع بشخبا وبقوماه
стр. 93
تَفْسِيره
وَلم يشْعر باضطجاعها وقيامها
وَهَذَا حَدِيث من لَا يعرف كَيْفيَّة الْحَبل لِأَنَّهُ من الْمحَال أَن تهلق الْمَرْأَة من شيخ طَاعن فِي السن قد غَابَ حسه لفرط سكره
وَمِمَّا يُؤَكد اسْتِحَالَة ذَلِك أَنهم زَعَمُوا أَن ابْنَته الصُّغْرَى فعلت كَذَلِك بِهِ فِي اللَّيْلَة الثَّانِيَة فعلقت أَيْضا وَهَذَا مُمْتَنع من المشائخ الْكِبَار أَن يعلق من أحدهم فِي لَيْلَة ويلعق مِنْهُ أَيْضا فِي اللَّيْلَة الثَّانِيَة إِلَّا أَن الْعَدَاوَة الَّتِي مازالت بَين بني عمون مؤاب وَبَين بني إِسْرَائِيل بعثت وَاضع هَذَا الْفَصْل على تلفيق هَذَا الْمحَال ليَكُون أعظم الْأَخْبَار فحشا فِي حق بني عمون ومؤاب
وَأَيْضًا فَأن عِنْدهم أَن مُوسَى جعل الْإِمَامَة فِي الهارونيين فَلَمَّا ولى طالوت وثقلت وطأته على الهارونيين وَقتل مِنْهُم مقتلة عَظِيمَة ثمَّ انْتقل الْأَمر إِلَى دَاوُد بقى فِي نفوس الهارونيين التشوق إِلَى الْأَمر الَّذِي زَالَ عَنْهُم وَكَانَ عزرا هَذَا خَادِمًا لملك الْفرس حظيا لَدَيْهِ فتوصل إِلَى بِنَاء بَيت
стр. 94
الْمُقَدّس وَعمل لَهُم هَذِه التَّوْرَاة الَّتِي بِأَيْدِيهِم
فَلَمَّا كَانَ هارونيا كره أَن يتَوَلَّى عَلَيْهِم فِي الدولة الثَّانِيَة داودى فأضاف فِي التَّوْرَاة فصلين طاعنين فِي نسب دَاوُد
أَحدهمَا قصَّة بَنَات لوط
وَالْآخر قصَّة ثامار وَسَيَأْتِي ذكرهَا
وَلَقَد بلغ لعمري غَرَضه فَإِن الدولة الثَّانِيَة الَّتِي كَانَت لَهُم فِي بَيت الْمُقَدّس لم يملك عَلَيْهِم فِيهَا داوديون بل كَانَت مُلُوكهمْ هارونيين
وعزرا هَذَا لَيْسَ هُوَ العزير كَمَا يظنّ لِأَن العزير هُوَ تعريب العازار
فَأَما عزرا فَإِنَّهُ إِذا عرب لم يتَغَيَّر عَن حَاله لِأَنَّهُ اسْم خَفِيف الحركات والحروف وَلِأَن عزرا عِنْدهم لَيْسَ بِنَبِي وَإِنَّمَا يسمونه عزرا هوفير وَتَفْسِيره النَّاسِخ
وَأَيْضًا فَإِن عِنْدهم فِي التَّوْرَاة قصَّة أعجب من هَذِه وَهِي أَن
стр. 95
يهوذا بن يَعْقُوب ﵉ زوج وَلَده الْأَكْبَر من امْرَأَة يُقَال لَهَا ثامار
وَكَانَ يَأْتِيهَا مستدبرا فَغَضب الله من فعله فأماته فَزَوجهَا من وَلَده الآخر فَكَانَ إِذا دخل بهَا أمنى على الأَرْض علما مِنْهُ بِأَنَّهُ إِن أولدها كَانَ
стр. 96
أول الْأَوْلَاد مدعوا باسم أَخِيه ومنسوبا إِلَى أَخِيه فكره الله ذَلِك من فعله فأماته أَيْضا فَأمرهَا يهوذا باللحاق بِأَهْلِهَا إِلَى أَن يكبر شيلا وَلَده وَيتم عقله حذرا من أَن يُصِيبهُ مَا أصَاب أَخَوَيْهِ فأقامت فِي بَيت أَبِيهَا فَمَاتَتْ من بعد زَوْجَة يهوذا وأصعد إِلَى منزل يُقَال لَهُ ثمناث ليجز غنمه فَلَمَّا أخْبرت ثامار بإصعاد حميها إِلَى ثمناث لبست زِيّ الزوانى وَجَلَست فِي مستشرف على طَرِيقه لعلمها بشيمه فَلَمَّا مر بهَا خالها زَانِيَة فَرَاوَدَهَا فطالبته بِالْأُجْرَةِ فوعدها بجدي وَرهن عِنْدهَا عصاة وخاتمه وَدخل بهَا فعلقت مِنْهُ بفارص وزارح وَمن نسل فارص هَذَا كَانَ بوعز المتزوج بروث الَّتِي من نسل مؤاب وَمن وَلَدهَا كَانَ دَاوُد النَّبِي ﵇
وَأَيْضًا فَفِي هَذِه الْحِكَايَة دقيقة ملزمة بالنسخ وَهِي أَن يهوذا لما أخبر بِأَن كمنته قد علقت من الزِّنَا أفتى بإحراقها
فَبعثت إِلَيْهِ بِخَاتمِهِ وَعَصَاهُ
وَقَالَت من رب هذَيْن أَنا حَامِل
فَقَالَ صدقت مني ذَلِك وَاعْتذر بِأَنَّهُ لم يعرفهَا وَلم يعاودها
وَهَذَا يدل على أَن شَرِيعَة ذَلِك الزَّمَان كَانَت مقتضية إحراق الزوانى
стр. 97
وَأَن التَّوْرَاة أَتَت بنسخ ذَلِك وأوجبت الرَّجْم عَلَيْهِنَّ
وفيهَا أَيْضا من نسبتهم الزناء وَالْكفْر إِلَى بَيت النُّبُوَّة مَا يُقَارب مَا نسبوه إِلَى لوط النَّبِي ﵇
وَهَذَا كُله عِنْدهم فِي نَص كِتَابهمْ وهم يجْعَلُونَ هَذَا نسبا لداود وَسليمَان ولمسيحهم المنتظر ثمَّ يرَوْنَ الْمُسلمين أَحَق بِهَذَا اللقب من منتظرهم
وكذبهم فِي هَذَا القَوْل من أظهر الْأُمُور وأبينها
فإمَّا دفعهم لإعجاز الْقُرْآن للفصحاء فلست أعجب مِنْهُ إِذا كَانُوا لَا يعْرفُونَ من الْعَرَبيَّة مَا يفرقون بِهِ بَين الفصاحة والعي مَعَ طول مكثهم فِيمَا بَين الْمُسلمين
وَأَيْضًا فَمن اعتراضهم على الْمُسلمين أَنهم يَقُولُونَ كَيفَ يجوز أَن ينْسب إِلَى الله تَعَالَى كتاب ينْقض بعضه بَعْضًا يُرِيدُونَ بذلك ينْسَخ بعضه بَعْضًا
فَنَقُول لَهُم
أما تَحْسِين جَوَاز ذَلِك فقد ذَكرْنَاهُ فِي أول هَذِه الْكَلِمَة وَأما تعجبكم مِنْهُ وتشنيعكم بِهِ فَإِن كتابكُمْ غير خَال من مثله فَإِن أَنْكَرُوا ذَلِك قُلْنَا لَهُم
стр. 98
ماتقولون فِي السبت أَيهمَا أقدم افتراضها عَلَيْكُم أَو افتراض الصَّوْم الْأَكْبَر
فَيَقُولُونَ
السبت أقدم
لأَنهم إِن قَالُوا الصَّوْم أقدم كذبناهم بِأَن السبت فرضت عَلَيْهِم فِي أول إعطائهم الْمَنّ وَالصَّوْم الْأَكْبَر فرض عَلَيْهِم بعد نزُول اللَّوْحَيْنِ ومخالفتهم وعبادتهم الْعجل وَلما رفع عَنْهُم عِقَاب ذنبهم ذَلِك فِي هَذَا الْيَوْم فرض عَلَيْهِم صَوْمه وتعظيمه
فَإِذا أقرُّوا بِتَقْدِيم السبت
قُلْنَا لَهُم
مَا تَقولُونَ فِي يَوْم السبت هَل فرضت فِيهِ عَلَيْكُم الرَّاحَة والدعة وَتَحْرِيم المشقات أم لَا
стр. 99
فَيَقُولُونَ
بلَى
فَنَقُول لَهُم
فَلم فرضتم فِيهِ الصَّوْم إِذا اتّفق صومكم الْأَكْبَر يَوْم السبت مَعَ كَون صومكم فرض بعد فَرِيضَة السبت وَلكم فِي ذَلِك الصَّوْم أَنْوَاع من الْمَشَقَّة مِنْهَا الْقيام جَمِيع النَّهَار أَلَيْسَ هَذَا أَيْضا قد نسخ فَرِيضَة السبت
وَأما سيدنَا رَسُول الله ﷺ وَعظم وكرم فَلهُ فِيمَا بَينهم اسمان فَقَط فَعَلَيْهِم لعنة الله وَالْمَلَائِكَة وَالنَّاس أَجْمَعِينَ
أَحدهمَا فاسول
وَتَفْسِيره السَّاقِط
وَالثَّانِي موشكاع
وتأويله الْمَجْنُون
وَأما الْقُرْآن الْعَظِيم فأنهم يسمونه فِيمَا بَينهم قالون وَهُوَ اسْم للسوءة بلسانهم يعنون بذلك أَنه عَورَة الْمُسلمين
وَبِذَلِك وَأَمْثَاله صَارُوا أَشد عَدَاوَة للَّذين آمنُوا فَكيف لَا يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون
стр. 100
فصل مُعرب عَن بعض فضائحهم
وَمن الفضائح الَّتِي عِنْدهم مَذْهَبهم فِي قصَّة الْيَتَامَى والحالوص
وَذَلِكَ أَنهم أمروا أَنه إِذا أَقَامَ أَخَوان فِي مَوضِع وَاحِد وَمَات أَحدهمَا وَلم يعقب ولدا فَلَا تخرج امْرَأَة الْمَيِّت إِلَى رجل أَجْنَبِي بل ولد حميها ينْكِحهَا وَأول ولد يولدها ينْسب إِلَى أَخِيه الدارج
فَإِن أَبى أَن ينْكِحهَا خرجت مشتكية مِنْهُ إِلَى مشيخة قَومهَا قائلة
قد أبي ابْن حميى أَن يستبقى إسما لِأَخِيهِ فِي إِسْرَائِيل وَلم يرد نِكَاحي
فيحضره الْحَاكِم هُنَاكَ ويكلفه أَن يقف وَيَقُول لوجافا صتى لفختاه
تَفْسِيره
مَا أردْت نِكَاحهَا
فتتناول الْمَرْأَة نَعله فتخرجها عَن رجله وتمسكها بِيَدِهَا وتبصق فِي وَجهه وتنادى عَلَيْهِ كاخا يعاسى لَا اه يش اشير لَو بينى إث بيث أحيو
تَفْسِيره كَذَا فليصغ بِالرجلِ الَّذِي لَا يَبْنِي بَيت أَخِيه ويدعى فِيمَا بعد اسْمه بالمخلوع النَّعْل وينبز بَيته بِهَذَا اللقب أعنى بَيت المخلوع النَّعْل هَذَا كُله مفترض فِي التَّوْرَاة عَلَيْهِم
стр. 101
وَفِي حِكْمَة ملجئة للرجل إِلَى نِكَاح زَوْجَة أَخِيه الدارج لِأَنَّهُ إِذا علم أَنه قد فرض على الْمَرْأَة أَن تَشْتَكِي إِلَى نَادِي قَومهَا فَذَلِك مِمَّا يحملهُ على نِكَاحهَا
فَإِن لم يردعه الْحيَاء من ذَلِك فَرُبمَا إِذا حضر استحيا أَن يَقُول مَا أردْت نِكَاحهَا فَإِن لم يخجله ذَلِك فَرُبمَا يستحي من انتهاك الْعرض بخلع نَعله وَكَون الْمَرْأَة تشيل نَعله وتبصق فِي وَجهه وتنادي عَلَيْهِ بقلة الْبركَة والمروءة
فَإِن هُوَ استهان بذلك فَرُبمَا استعظم أَن ينبز باللقب وَيبقى عَلَيْهِ وعَلى آله من بعده عاره وقبح اسْمه فيلجئه ذَلِك إِلَى نِكَاحهَا
فَإِن كَانَ من الزّهْد فِيهَا بِحَيْثُ يهون عَلَيْهِ جَمِيع ذَلِك فقد فرق الشَّرْع بَينهمَا بعد ذَلِك وَلَيْسَ فِي التَّوْرَاة غير هَذَا
ففرع فقهاؤهم على ذَلِك مَا فِيهِ خزيهم وفضيحتهم وَذَلِكَ أَنه إِذا زهدت الْمَرْأَة فِي نِكَاح أخى زَوجهَا الْمُتَوفَّى أكرهوه على النُّزُول عَنْهَا ثمَّ ألزموها الْحُضُور عِنْد الْحَاكِم بِمحضر من مشيختهم الحاخاميم ولقنوها أَن تَقول
مباين بيامن لَهَا قيم لَا جو شيم بيسرايل لوا ابا يبمى
تَفْسِيره أَبى ابْن حميي أَن يُقيم لِأَخِيهِ اسْما فِي إِسْرَائِيل وَلم يرد نِكَاحي فيلزمونها الْكَذِب عَلَيْهِ لِأَنَّهُ أَرَادَ فمنعته فَكَانَ الإمتناع مِنْهَا والإرادة مِنْهُ
وَإِذا لقنوها تِلْكَ الْأَلْفَاظ فهم يأمرونها بِالْكَذِبِ ويحضرونه ويأمرونه بإن يقوم وَيَقُول
стр. 102
لوحا فاصيتي لفحتا
تَفْسِيره مَا أردْت نِكَاحهَا
وَلَعَلَّ ذَلِك سؤله ومناه فيأمرونه بِأَن يكذب
وَأما إخراقها بِهِ وبصقها فِي وَجهه فغاية التَّعَدِّي لِأَنَّهُ مَا كفاهم بِأَن يكذبوا عَلَيْهِ وألزموه بِأَن يكذب حَتَّى ألزموه عقَابا على ذَنْب لم يجنه فصاروا كَمَا قَالَ الشَّاعِر
(وجرم جَرّه سُفَهَاء قوم ... فَحل بِغَيْر جانيه الْعقَاب)
стр. 103
ذكر السَّبَب فِي تشديدهم الإصر على أنفسهم
تشديدهم الإصر على أنفسهم لَهُ سببان أَحدهمَا من جَانب فقهائهم وهم الَّذين يدعونَ الحاخاميم وَتَفْسِير هَذِه اللَّفْظَة الْحُكَمَاء
وَكَانَ الْيَهُود فِي قديم الزَّمَان تسمى فقهاءها بالحكماء
وَكَانَت لَهُم فِي الشآم والمدائن مدارس وَكَانَ لَهُم أُلُوف من الْفُقَهَاء وَذَلِكَ فِي زمَان دولة النبط البابليين وَالْفرس ودولة اليونان ودولة الرّوم حَتَّى اجْتمع الكتابان اللَّذَان اجْتمع فقهاؤهم على تأليفهما وهما المشنا والتلمود
فاما المشنا فَهُوَ الْكتاب الْأَصْغَر وَحَجمه نَحْو ثَمَانمِائَة ورقة
وَأما التلمود فَهُوَ الْكتاب الْأَكْبَر ومبلغه نَحْو نصف حمل بغل لكثرته وَلم يكن الْفُقَهَاء الَّذين ألفوه فِي عصر وَاحِد وَإِنَّمَا ألفوه فِي جيل بعد جيل
فَلَمَّا نظر الْمُتَأَخّرُونَ مِنْهُم إِلَى هَذَا التَّأْلِيف وَأَنه كلما مر عَلَيْهِ جيل
стр. 104
زادوا فِيهِ وَأَن فِي هَذِه الزِّيَادَات الْمُتَأَخِّرَة مَا يُنَاقض أَوَائِل هَذَا التَّأْلِيف علمُوا أَنهم إِن لم يقطعوا ذَلِك ويمنعوا من الزِّيَادَة فِيهِ أدّى إِلَى الْخلَل الظَّاهِر والمتناقض الْفَاحِش
فَقطعُوا الزِّيَادَة فِيهِ وَمنعُوا من ذَلِك وحظروا على الْفُقَهَاء الزِّيَادَة فِيهِ وَإِضَافَة شَيْء آخر إِلَيْهِ وحرموا من يضيف إِلَيْهِ شَيْئا آخر فَوقف على ذَلِك الْمِقْدَار
وَكَانَ أئمتهم قد حرمُوا عَلَيْهِم فِي هذَيْن الْكِتَابَيْنِ مؤاكلة الْأَجَانِب أَعنِي من كَانَ على غير ملتهم وحظروا عَلَيْهِم أكل اللحمان من ذباحة من لم يكن على دينهم لأَنهم أعنى علماءهم وأئمتهم علمُوا أَن دينهم لَا يبْقى عَلَيْهِم فِي هَذِه الجلوة مَعَ كَونهم تَحت الذل والعبودية إِلَّا إِن صدوهم عَن مُخَالطَة
стр. 105
مُخَالطَة من كَانَ على غير ملتهم وحرموا عَلَيْهِم مناكحتهم وَالْأكل من ذَبَائِحهم
وَلم يُمكنهُم الْمُبَالغَة فِي ذَلِك إِلَّا بِحجَّة يبتدعونها من أنفسهم ويكذبون بهَا على الله تَعَالَى
لِأَن التَّوْرَاة إِنَّمَا حرمت عَلَيْهِم مناكحة غَيرهم من الْأُمَم لِئَلَّا يوافقوا أَزوَاجهم فِي عبَادَة الْأَصْنَام وَالْكفْر بِاللَّه تَعَالَى
стр. 106
وَحرم عَلَيْهِم فِي التَّوْرَاة أكل ذَبَائِح الْأُمَم الَّذين يذبحونها قربانا للأصنام لِأَنَّهَا قد سمى عَلَيْهَا غير اسْم الله تَعَالَى
فَأَما الذَّبَائِح الَّتِي لم تذبح قربانا فَلم تنطق التَّوْرَاة بتحريمها وَإِنَّمَا نطقت التَّوْرَاة بإباحتهم تنَاول المأكل من يَدي غَيرهم من الْأُمَم فِي قَول الله تَعَالَى لمُوسَى حِين اجتازوا على أَرض بني الْعيص لوثنكار وبام كي لَو ابتين ثخاميأ رحمام عاذ بذراح كف راغل
تَفْسِيره
لَا تتحرشوا بهم فَإِنِّي لَا أُعْطِيك من أَرضهم وَلَا مَسْلَك قدم
أوحل تشبروميا ثام بنسيف زاخلين وَعم ياعم تخزو باءتام تكيف وشيدثيم
تَفْسِيره مَأْكُولا تمتاروا مِنْهُم بِفِضَّة وتأكلوه وَأَيْضًا مَاء تشتروا مِنْهُم بِفِضَّة وتشربوا
فقد تبين من نَص التَّوْرَاة أَن الْمَأْكُول مُبَاح للْيَهُود تنَاوله من يَد غَيرهم من الْأُمَم وَأكله وهم يعلمُونَ أَن بني الْعيص كَانُوا عابدي الْأَصْنَام وَأَصْحَاب كفر
فَلَا يكون الْمُسلمُونَ على كل حَال بِدُونِ هَذِه الْمنزلَة أَعنِي أَن يساوى بَينهم وَبَين بني الْعيص فَيَنْبَغِي لَهُم أَن يَأْكُلُوا من مأكولات الْمُسلمين وَأَن يجْعَلُوا للْمُسلمين تَفْضِيلًا بتوحيدهم وَإِيمَانهمْ وكونهم لَا يعْبدُونَ الْأَصْنَام فموسى عَلَيْهِ
стр. 107
السَّلَام إِنَّمَا نَهَاهُم عَن مناكحة عباد الْأَصْنَام وَأكل مَا يذبحونه بأسمائها
ولسنا نَعْرِف أحد من الْمُسلمين يذبح ذَبِيحَة باسم صنم وَلَا وثن
فَمَا بَال هَؤُلَاءِ لَا يَأْكُلُون من ذَبَائِح الْمُسلمين بل مَا بَال من سكن بِالشَّام وبلد الْعَجم مِنْهُم لَا يَأْكُلُون من أَيدي الْمُسلمين اللَّبن والجبن والحلوى وَالْخبْز وَغير ذَلِك من المأكولات
فَإِن قَالُوا لِأَن التَّوْرَاة حرمت علينا أكل الطريفا
قُلْنَا لَهُم إِن الطريفا هِيَ الفريسة الَّتِي يفترسها الْأسد أَو الذِّئْب أَو غَيره من السبَاع وَدَلِيل ذَلِك قَول التَّوْرَاة وباساد بساذى طريفا لوثر حانو لمكيلب تشيلخووثو
تَفْسِيره
وَلَحْمًا فِي الصَّحرَاء فريسة لَا تَأْكُلُوا للكلب ألقوه
فَلَمَّا نظر أئمتهم إِلَى أَن التَّوْرَاة غير ناطقة بِتَحْرِيم مأكل الْأُمَم عَلَيْهِم إِلَّا عباد الْأَصْنَام وَأَن التَّوْرَاة قد صرحت بِأَن تَحْرِيم مواكلتهم ومخالطتهم خوف استدراجهم بالمخالطة إِلَى مناكحتهم وَأَن مناكحتهم إِنَّمَا تكره خوف استتباعها الِانْتِقَال إِلَى أديانهم وَعبادَة أوثانهم
ووجدوا جَمِيع هَذَا وَاضحا فِي التَّوْرَاة اختلقوا كتابا سموهُ هَلَكت شحيطا وَمَعْنَاهُ علم الذباحة
стр. 108
وَوَضَعُوا فِي هَذَا الْكتاب من تَشْدِيد الإصر عَلَيْهِم مَا شغلوهم بِهِ عماهم فِيهِ من الذل وَالْمَشَقَّة وَذَلِكَ أَنهم أمروهم بِأَن ينفخوا الرئة حَتَّى تمتلئ هَوَاء ويتأملوها حَتَّى يخرج الْهَوَاء من ثقب مِنْهَا أم لَا فَإِن خرج مِنْهَا الْهَوَاء حرمُوهُ وَإِن كَانَت بعض أَطْرَاف الرئة لاصقة بِبَعْض لم يأكلوه وَأَيْضًا فَإِنَّهُم أمروا الَّذِي قد الذَّبِيحَة أَن يدْخل يَده فِي بطن الذَّبِيحَة ويتأمل بإصبعه فَإِن وجد الْقلب ملتصقا إِلَى الظّهْر أَو أحد الْجَانِبَيْنِ وَلَو كَانَ الالتصاق بعرق دَقِيق كالشعرة حرمُوهُ وَلم يأكلوه وسموه طريفا ويعنون بذلك أَنه نجس
وَهَذِه التَّسْمِيَة هِيَ أول التَّعَدِّي مِنْهُم لِأَنَّهُ لَيْسَ موضوعها فِي اللُّغَة إِلَّا المفترس الَّذِي يفترسه بعض الوحوش
وَدَلِيل ذَلِك قَول يَعْقُوب لما جاؤوه بقميص يُوسُف ملوثا بِالدَّمِ
стр. 109
ويكيراه ويومر كثوث بنى حياراعا احالا ثهوطاروف طوارف يوسيف
تَفْسِيره فتأملها وَقَالَ دراعة ابْني وَحشِي رَدِيء أكله افتراسا افترس يُوسُف
فقد تبين أَن تَفْسِير طروف طوراف يُوسُف افتراسا افترس يُوسُف فالطريفا هِيَ الفريسة
وَدَلِيل آخر أَنه قَالَ وَلَحْمًا فِي الصَّحرَاء فريسة لَا تَأْكُلُوا
والفريسة أبدا أَنما تُوجد فِي الصَّحرَاء وَلَيْسَ يَنْبَغِي أَن يعجب من ذَلِك
فَإِن هَذَا النَّهْي عَن أكل الفريسة إِنَّمَا ترك على قوم ذَوي أخبية يسكنون الْبر
وَذَلِكَ أَنهم مَكَثُوا يَتَرَدَّدُونَ فِي التيه والبراري تَمام أَرْبَعِينَ سنة وَكَانُوا أَكثر هَذِه الْمدَّة لَا يَجدونَ طَعَاما إِلَّا الْمَنّ فَلَمَّا اشْتَدَّ قرمهم إِلَى اللَّحْم جَاءَهُم مُوسَى بالسلوى وَهُوَ طَائِر صَغِير يشبه السمانى
وخاصيته أَن أكل لَحْمه يلين الْقُلُوب القاسية وَيذْهب بالخنزوانة والقساوة
стр. 110
وَذَلِكَ ان هَذَا الطَّائِر يَمُوت إِذا سمع صَوت الرَّعْد كَمَا أَن الخطاف يقْتله الْبرد
فيلهمه الله أَن يسكن جزائر الْبَحْر الَّتِي لَا يكون بهَا مطر وَلَا رعد إِلَى انْقِضَاء أَوَان الْمَطَر والرعد فَيخرج من الجزائر وينتشر فِي الأَرْض
فجلب الله إِلَيْهِم هَذَا الطَّائِر لينتفعوا بِمَا فِي أكل لَحْمه من الخاصية وَهِي تليين الْقُلُوب القاسية
وَكَانَ قد اشْتَدَّ قرمهم إِلَى اللَّحْم قبل ذَلِك بِحَيْثُ لم يمنعهُم من أكل الفريسة وَالْميتَة إِلَّا نزُول تَحْرِيمهَا فِي التَّوْرَاة
فقد تبين التَّعَدِّي من شائخهم فِي تَفْسِير الطريفا وَأَنه الفريسة
следующие страницы →