← Акыда

Акыда · id 6531

المنتقى من منهاج الاعتدال

شمس الدين الذهبي

Полный текст (545 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

يُنكر الصِّفَات وَلَا من يكذب بِالْقدرِ فلإمامية بِلَا ريب متفقون على مُخَالفَة العترة النَّبَوِيَّة مَعَ مخالفتهم لإِجْمَاع الصَّحَابَة فَكيف يُنكرُونَ على من لَا يُخَالف إِجْمَاع الصَّحَابَة وَلَا إِجْمَاع العترة وَأما الْمذَاهب فَإِن أَرَادَ أَنهم اتَّفقُوا على إحداثها مَعَ مُخَالفَة الصَّحَابَة فَهَذَا كذب عَلَيْهِم فَإِن الْأَرْبَعَة لم يَكُونُوا فِي وَقت وَاحِد وَلَا كَانَ فيهم من يُقَلّد الآخر وَلَا من أَمر النَّاس اتِّبَاعه بل كل مِنْهُم يَدْعُو إِلَى مُتَابعَة الْكتاب وَالسّنة وَيرد على صَاحبه وَإِن قلت إِن النَّاس اتبعُوا الآربعة فَهَذَا أَمر اتفاقي وَأما الشِّيعَة فَكل مَا خالفوا فِيهِ الْجُمْهُور فهم مخطئون فِيهِ وَالْأَرْبَعَة لم يخترعوا علما لم يكن بل جمعُوا الْعلم فأضيف ذَلِك إِلَى الْوَاحِد مِنْهُم كَمَا تُضَاف كتب الحَدِيث إِلَى من جمعهَا كالبخاري وَمُسلم وَأبي دَاوُد وكما تُضَاف الْقرَاءَات إِلَى من إختارها كنافع وَعَاصِم ثمَّ لم يقل أهل السّنة إِن إِجْمَاع الْأَرْبَعَة حجَّة معصومة وَلَا إِن الْحق منحصر فِي قَوْلهم وَإِن مَا خرج عَنهُ بَاطِل والمجتهدون يتنازعون ويختلفون فِي فهم كَلَام الرَّسُول ثمَّ الصحابه قد ثَبت عَنْهُم القَوْل بِالرَّأْيِ وَالْقِيَاس كَمَا ثَبت عَنْهُم ذمّ مَا ذموه من الْقيَاس فالمذموم مِنْهُ مَا عَارض النَّص وَكَذَلِكَ الْقيَاس الَّذِي لَا يكون فِيهِ الْفَرْع مشاركا للْأَصْل فِي منَاط الحكم وَلَا شكّ أَن الْقيَاس فِيهِ فَاسد وَلَيْسَ ذَلِك يُوجب بطلَان جَمِيعه كَمَا أَن وجود الموضوعات فِي المرويات لَا يُوجب بطلَان جَمِيع الحَدِيث قَالَ وذهبوا بِسَبَب ذَلِك إِلَى أُمُور شنيعة كإباحة الْبِنْت من الزِّنَا وَسُقُوط

стр. 142

الْحَد عَمَّن نكح أمه وَأُخْته عَالما بِالتَّحْرِيمِ وَعَن اللائط وإلحاق نسب المشرقية بالمغربي فَإِذا زوج الرجل بنته وَهِي فِي الْمشرق بِرَجُل هُوَ وأبوها فِي الْمغرب وَلم يُفَارِقهُ لَحْظَة حَتَّى مَضَت لَهُ سِتَّة أشهر فَولدت الْبِنْت ألحق الْمَوْلُود بِالرجلِ وَإِبَاحَة النَّبِيذ وَالْوُضُوء بِهِ مَعَ مشاركته الْخمر فِي الْإِسْكَار وَالصَّلَاة فِي جلد الْكَلْب وعَلى الْعذرَة الْيَابِسَة وأباحوا الغصوب فَقَالُوا لَو دخل سَارِق طاحونا فطحن الْقَمْح ملك ذَلِك فَلَو جَاءَ الْملك فنازعه كَانَ ظَالِما فَلَو تقاتلا فَقتل السَّارِق كَانَ شَهِيدا وَلَو قتل اللص الْمَالِك كَانَ هدرا وأوجبوا الْحَد على الزَّانِي إِذا كذب الشُّهُود وأسقطوه إِذا صدقهم فأسقطوا الْحَد مَعَ إجتماع الْإِقْرَار وَالْبَيِّنَة وأباحوا أكل الْكَلْب واللواط بالعبيد وأباحوا الملاهي وَالْجَوَاب مَا من مَسْأَلَة من هَذِه الْمسَائِل إِلَّا وَجُمْهُور السنه على خلَافهَا ثمَّ يُقَال وَأَنْتُم يُوجد فِيكُم معشر الرافضة إِمَّا إتفاقا وَإِمَّا إختلافا أَضْعَاف ذَلِك كَتَرْكِ الْجُمُعَة وَالْجَمَاعَة وتعطلون الْمَسَاجِد وتعمرون الْمشَاهد الَّتِي على الْقُبُور كَمَا

стр. 143

صنف مِنْكُم الْمُفِيد كتابا سَمَّاهُ مَنَاسِك حج الْمشَاهد وَفِيه الْكَذِب والشرك وَمِنْهَا تَأْخِير صَلَاة الْمغرب وَتَحْرِيم ذَبَائِح الكتابيين وَتَحْرِيم نوع من السّمك وَتَحْرِيم بَعضهم لُحُوم الْإِبِل وجعلهم الْمِيرَاث كُله للْبِنْت دون الْعم وَصَوْم بَعضهم بِالْعدَدِ لَا بِالْأَهِلَّةِ وإحلال الْمُتْعَة وَأَن الطَّلَاق الْمُعَلق بِشَرْط لَا يَقع مَعَ قصد إِيقَاعه عِنْد الشَّرْط وَأَنه لَا يَقع بِكِتَابَة وَيشْتَرط فِيهِ الْإِشْهَاد فَأَما المخلوقة من الزِّنَا فمردة للشَّافِعِيّ ﵁ وَلم يكن أَحْمد بن حَنْبَل ﵁ يظنّ فِيهَا خلافًا بِحَيْثُ أَنه أفتى بقتل من يفعل ذَلِك وَأما عقدَة على ذَوَات الْمَحَارِم فَأَبُو حنيفَة ﵁ جعل ذَلِك شُبْهَة لدرء الْحَد لوُجُود صُورَة العقد وَأكْثر السّلف يقتلُون اللائط وَقيل ذَلِك إِجْمَاع الصَّحَابَة وَهُوَ مَذْهَب مَالك ﵁ وَأَصَح الرِّوَايَتَيْنِ عَن أَحْمد وَأحد قولي الشَّافِعِي ﵁ وَالْآخر هُوَ زنا وَهُوَ قَول أبي يُوسُف وَمُحَمّد وَسُقُوط الْحَد من مُفْرَدَات أبي حنيفَة ﵁ وَكَذَا إِلْحَاق ولد المشرقية بِالَّذِي بالمغرب وَعِنْده أَن النّسَب يقْصد بِهِ الْمِيرَاث وَهَذِه الشناعات إِن كَانَت بَاطِلا فجمهور الْأَئِمَّة على خلَافهَا وَإِن كَانَت حَقًا لم تخرج عَن قَول أهل السّنة وَأَبُو حنيفَة لم يَجْعَل الْأُبُوَّة لكَونه خلق من مَائه ثمَّ يَا رَافِضِي مُنْذُ سَاعَة كنت تنكر الْقيَاس وَهنا تحتج بِهِ على أبي حنيفَة وَتقول فِي النَّبِيذ مَعَ مشاركته للخمر فِي الْإِسْكَار فَهَلا احتججت بِالنَّصِّ كل مُسكر خمر وكل خمر حرَام وَأما جلد الْكَلْب المدبوغ فَقَالَت طَائِفَة من الْعلمَاء بِعُمُوم الحَدِيث أَيّمَا إهَاب دبغ فقد طهر فَلَو قيل لَك هَات دَلِيل التَّحْرِيم لوقفت واما مَا قلت من مقاتلة الْغَاصِب وَالْمَالِك فكذب بل إِذا تنَازعا رفعا إِلَى الْحَاكِم وَأما الْحَد مَعَ الشُّهُود فمأخذ أبي حنيفَة أَنه إِذا أقرّ سقط حكم الشَّهَادَة وَلَا يُؤْخَذ بِالْإِقْرَارِ إِلَّا بِأَرْبَع مَرَّات وَأما

стр. 144

الْجُمْهُور فَيَقُولُونَ الْإِقْرَار يُؤَكد حكم الشَّهَادَة وَأما اللواط بالعبيد فكذب مَا قَالَه وَكَأَنَّهُ قصد التشنيع فَإِن بعض الجهلة يرويهِ عَن مَالك إشتبه عَلَيْهِ بِمَسْأَلَة الحشوش وَلَا يخْتَلف مَذْهَب مَالك وَالْأَئِمَّة ﵃ أَجْمَعِينَ أَن من إستحل المماليك يكفر قَالَ الْوَجْه الثَّانِي فِي الدّلَالَة على وجوب إتباع مَذْهَب الإمامية مَا قَالَه شَيخنَا الْأَعْظَم خواجه نصير الدّين مُحَمَّد بن حسن الطوسي قدس الله روحه وَقد سَأَلته عَن الْمذَاهب فَقَالَ بحثنا عَنْهَا وَعَن حَدِيث سَتَفْتَرِقُ أمتِي على ثَلَاث وَسبعين فرقة فَوَجَدنَا الْفرْقَة النَّاجِية الإمامية لأَنهم باينوا جَمِيع الْمذَاهب فَيُقَال لَا تنس أَنَّك قد كفرت من قَالَ إِن الله مُوجب بِالذَّاتِ وشيخك هَذَا مِمَّن يَقُول بِأَن الله مُوجب بِالذَّاتِ وَيَقُول بقدم الْعَالم قَرَّرَهُ فِي شرح الإشارات لَهُ

стр. 145

وَقد كَانَ وَزِير الْمَلَاحِدَة الإسماعيلية بالألموت ثمَّ صَار منجما مسيرًا لهولاكو فَأَشَارَ عَلَيْهِ بقتل الْخَلِيفَة وَالْعُلَمَاء إِلَى غير ذَلِك من الطَّامَّات وَأمر النصير وَأَتْبَاعه أشهر عِنْد الْمُسلمين وَقد قيل إِنَّه إنصلح فِي أَوَاخِر عمره وَكَانَ يحافظ على الصَّلَوَات ويشتغل بتفسير الْبَغَوِيّ وبالفقه وَأما قَوْله باينوا جَمِيع الْمذَاهب فهذيان وَكَذَا الْخَوَارِج باينوا جَمِيع الْمذَاهب وَكَذَا الْمُعْتَزلَة وَغَيرهم وَإِن عني أَنهم إختصوا بِجَمِيعِ أَقْوَالهم فَلَيْسَ كَذَلِك فقد وافقوا فِي التَّوْحِيد الْمُعْتَزلَة وَفِي الْقدر ووافقوا الْجَهْمِية ثمَّ بَينهم من الإختلاف مَالا يُوصف وَمن الْعجب أَن هَذَا المُصَنّف الرافضي الْكذَّاب المفتري يذكر أَبَا بكر وَعمر وَعُثْمَان وَسَائِر السَّابِقين وَالتَّابِعِينَ وَسَائِر أَئِمَّة الْمُسلمين من أهل الْعلم وَالدّين بالعظائم الَّتِي يفتريها عَلَيْهِم هُوَ وإخوانه وَيَجِيء إِلَى من إشتهرت عِنْد الْمُسلمين محاربته لله وَرَسُوله يَقُول عَنهُ قَالَ شَيخنَا الْأَعْظَم وَيَقُول قدس الله روحه مَعَ شَهَادَته لَهُ بالْكفْر وَمَعَ لَعنه طَائِفَة خِيَار الْمُؤمنِينَ من الْأَوَّلين والآخرين وَهَؤُلَاء داخلون فِي معنى قَوْله تَعَالَى (وَيَقُولُونَ للَّذين كفرُوا هَؤُلَاءِ أهْدى من الَّذين آمنُوا سَبِيلا أُولَئِكَ الَّذين لعنهم الله وَمن يلعن الله فَلَنْ تَجِد لَهُ نَصِيرًا)

стр. 146

وَيُقَال مباينتهم لجَمِيع الْمذَاهب هُوَ على فَسَاد قَوْلهم أدل مِنْهُ على صِحَة قَوْلهم فَإِن مُجَرّد إنفراد طَائِفَة عَن جَمِيع الطوائف بقول لَا يدل على أَنه هُوَ الصَّوَاب وإشتراك أُولَئِكَ فِي قَول لَا يدل على أَنه بَاطِل قَالَ الرافضي الثَّالِث أَن الإماميه جازمون بِحُصُول النجَاة لَهُم ولأئمتهم قاطعون بذلك وَأهل السّنة لَا يجزمون بذلك وَضرب لذَلِك مثلا ثمَّ قَالَ فمتابعة هَؤُلَاءِ أولى وَالْجَوَاب أَن يُقَال إِن كَانَ أَتبَاع أئمته الَّذين تَدعِي لَهُم طَاعَة الْمُطلقَة صَوَابا وَأَن ذَلِك يُوجب لَهُم النجَاة كَانَ أَتبَاع خلفاء بني أُميَّة الَّذين كَانُوا يوجبون طَاعَة أئمتهم مُطلقًا وَيَقُولُونَ إِن ذَلِك يُوجب النجَاة مصيبين لأَنهم كَانُوا يَعْتَقِدُونَ أَن طَاعَة الْأَئِمَّة وَاجِبَة فِي كل شَيْء وان الإِمَام لَا يؤاخذه الله بذنب وَأَنَّهُمْ لَا ذَنْب لَهُم فِيمَا أطاعوا فِيهِ الإِمَام بل أُولَئِكَ أولى بِالْحجَّةِ من الشِّيعَة لأَنهم كَانُوا مُطِيعِينَ أَئِمَّة أقامهم الله ونصبهم وأيدهم وملكهم فَإِذا كَانَ من مَذْهَب الْقَدَرِيَّة إِن الله لايفعل إِلَّا مَا هُوَ الْأَصْلَح لِعِبَادِهِ كَانَ تَوْلِيَة أُولَئِكَ مصلحَة لِعِبَادِهِ وَمَعْلُوم أَن اللطف والمصلحة الَّتِي حصلت بهم أعظم من اللطف والمصلحة الَّتِي حصلت بِإِمَام مَعْدُوم أوعاجز وَلِهَذَا حصل لأتباع خلفاء بني أُمِّيّه من المصلحه فِي دينهم ودنياهم أعظم مِمَّا حصل لأتباع المنتظر فَإِن هَؤُلَاءِ لم يحصل لَهُم

стр. 147

إِمَام يَأْمُرهُم بِشَيْء مَعْرُوف وَلَا ينهاهم عَن شَيْء من الْمُنكر وَلَا يعينهم على شَيْء من مصلحَة دينهم وَلَا دنياهم بِخِلَاف أُولَئِكَ فَإِنَّهُم إنتفعوا بأئمتهم مَنَافِع كَثِيرَة فِي دينهم ودنياهم أعظم مِمَّا انْتفع هَؤُلَاءِ بأئمتهم فنبين أَنه إِن كَانَ حجَّة هَؤُلَاءِ المنتسبين إِلَى مشايعة عَليّ ﵁ صَحِيحَة فحجة أُولَئِكَ المنتسبين إِلَى مشايعة عُثْمَان ﵁ أولى بِالصِّحَّةِ وَإِن كَانَت بَاطِلَة فَهَذَا أبطل مِنْهَا فَإِذا كَانَ هَؤُلَاءِ الشِّيعَة متفقين مَعَ سَائِر أهل السّنة على أَن جزم أُولَئِكَ بنجاتهم إِذا إدعوا لتِلْك الْأَئِمَّة طَاعَة مُطلقَة خطأ وضلال فخطأ هَؤُلَاءِ وضلالهم إِذا جزموا بطاعتهم لمن يَدعِي أَنه نَائِب الْمَعْصُوم والمعصوم لَا عين لَهُ وَلَا أثر أعظم وَأعظم فَإِن الشِّيعَة لَيْسَ لَهُم أَئِمَّة يباشرونهم بِالْخِطَابِ إِلَّا شيوخهم (الَّذين يَأْكُلُون أَمْوَالهم بِالْبَاطِلِ ويصدون عَن سَبِيل الله) وَيُقَال قَوْله إِنَّهُم جازمون بِحُصُول النجَاة لَهُم دون أهل السّنة فَإِنَّهُ إِن أَرَادَ بذلك أَن كل وَاحِد مِمَّن إعتقد إعتقادهم يدْخل الْجنَّة وَإِن ترك الْوَاجِبَات وَفعل الْمُحرمَات فَلَيْسَ هَذَا قَول الإمامية وَلَا يَقُوله عَاقل وَإِن أَرَادَ أَن حب عَليّ حَسَنَة لَا يضر مَعهَا سَيِّئَة فَلَا يضرّهُ ترك الصَّلَوَات وَلَا الْفُجُور بالعلويات وَلَا نيل أغراضهم بسفك دم بني هَاشم إِذا كَانَ يحب عليا فَإِن قَالُوا الْمحبَّة الصادقة تَسْتَلْزِم الْمُوَافقَة عَاد الْأَمر إِلَى أَنه لَا بُد من أَدَاء الْوَاجِبَات وَترك الْمُحرمَات وَإِن أَرَادَ بذلك أَنهم يَعْتَقِدُونَ أَن كل من إعتقد الإعتقاد الصَّحِيح وَأدّى الْوَاجِبَات وَترك الْمُحرمَات دخل الْجنَّة فَهَذَا إعتقاد أهل السّنة فَإِنَّهُم جزموا بالنجاة لكل من اتَّقى الله تَعَالَى كَمَا نطق بِهِ الْقُرْآن وَإِنَّمَا توقفوا فِي شخص معِين لعدم الْعلم بِدُخُولِهِ فِي الْمُتَّقِينَ فَإِذا علم أَنه مَاتَ على التَّقْوَى علم أَنه من أهل

стр. 148

الْجنَّة وَلِهَذَا يشْهدُونَ بِالْجنَّةِ لمن شهد لَهُ الرَّسُول ﷺ وَلَهُم فِيمَن استفاض فِي النَّاس حسن الثَّنَاء عَلَيْهِ قَولَانِ فنبين أَنه لَيْسَ فِي الإمامية جزم مَحْمُود اختصوا بِهِ عَن أهل السّنة وَالْجَمَاعَة فَإِن قَالُوا إِنَّمَا نحزم لكل شخص رَأَيْنَاهُ مُلْتَزما للواجبات عندنَا تَارِكًا للمحرمات بِأَنَّهُ من أهل الْجنَّة من غير أَن يخبرنا بباطنه مَعْصُوم قيل هَذِه الْمَسْأَلَة لَا تتَعَلَّق بالإمامية بل إِن كَانَ إِلَى هَذَا طَرِيق صَحِيح فَهُوَ طَرِيق أهل السّنة وهم بسلوكه أحذق وَإِن لم يكن هُنَاكَ طَرِيق صَحِيح إِلَى ذَلِك كَانَ ذَلِك قولا بِلَا علم وَلَا فَضِيلَة فِيهِ بل فِي عَدمه فَفِي الْجُمْلَة لَا يدعونَ علما صَحِيحا إِلَّا واهل السّنة أَحَق بِهِ وَمَا ادعوهُ من الْجَهْل فَهُوَ نقص وَأهل السّنة أبعد عَنهُ وَالْقَوْل بِكَوْن الرجل الْمعِين من أهل الْجنَّة قد يكون سَببه إِخْبَار الْمَعْصُوم وَقد يكون سَببه تواطؤ شَهَادَة الْمُؤمنِينَ الَّذين هم شُهَدَاء الله فِي الأَرْض كَمَا فِي الصَّحِيح عَن النَّبِي ﷺ أَنه مر عَلَيْهِ بِجنَازَة فَأَثْنوا عَلَيْهَا خيرا فَقَالَ وَجَبت وَجَبت وَمر عَلَيْهِ بِجنَازَة فَأَثْنوا شرا فَقَالَ وَجَبت وَجَبت فَقَالُوا يَا رَسُول الله مَا قَوْلك وَجَبت وَجَبت قَالَ هَذِه الْجِنَازَة أثنيتم عَلَيْهَا خيرا فَقلت وَجَبت لَهَا الْجنَّة وَهَذِه الْجِنَازَة أثنيتم عَلَيْهَا شرا فَقلت وَجَبت لَهَا النَّار أَنْتُم شُهَدَاء الله فِي الأَرْض

стр. 149

وَإِن أهل السّنة يجزمون بِحُصُول النجَاة لأئمتهم أعظم من جزم الرافضة وَذَلِكَ أَن أئمتهم بعد النَّبِي ﷺ هم السَّابِقُونَ الْأَولونَ من الْمُهَاجِرين وَالْأَنْصَار وهم جازمون بِحُصُول النجَاة لهَؤُلَاء فَإِنَّهُم يشْهدُونَ أَن الْعشْرَة المبشرة فِي الْجنَّة وَيشْهدُونَ أَن الله تَعَالَى قَالَ لأهل بدر اعْمَلُوا مَا شِئْتُم فقد غفرت لكم بل يَقُولُونَ إِنَّه لَا يدْخل النَّار أحد بَايع تَحت الشَّجَرَة كَمَا ثَبت ذَلِك فِي الصَّحِيح عَن النَّبِي ﷺ فَهَؤُلَاءِ أَكثر من ألف وَأَرْبَعمِائَة إِمَام لأهل السّنة يشْهدُونَ أَنه لَا يدْخل النَّار مِنْهُم أحد وَهِي شَهَادَة بِعلم كَمَا دلّ على ذَلِك الْكتاب وَالسّنة وَأهل السّنة يشْهدُونَ بالنجاة إِمَّا مُطلقًا وَإِمَّا معينا شَهَادَة مستندة إِلَى علم وَأما الرافضة فَإِنَّهُم إِن شهدُوا شهدُوا بِمَا لَا يعلمُونَ وشهدوا بالزور الَّذِي يعلمُونَ أَنه كذب فهم كَمَا قَالَ الشَّافِعِي رَحمَه الله تَعَالَى مَا رَأَيْت قوما اشْهَدْ بالزور من الرافضة وَإِن الإِمَام الَّذِي شهد لَهُ بالنجاة إِمَّا أَن يكون هُوَ المطاع فِي كل شَيْء وَإِن نازعه غَيره من الْمُؤمنِينَ أَو هُوَ مُطَاع فِيمَا يَأْمر بِهِ طَاعَة الله وَرَسُوله وَفِيمَا يَقُوله بإجتهاد إِذا لم يعلم أَن غَيره أولى مِنْهُ وَنَحْو ذَلِك فَإِن كَانَ الإِمَام هُوَ الأول فَلَا إِمَام لأهل السّنة بِهَذَا الإعتبار إِلَّا رَسُول الله ﷺ فَإِنَّهُ لَيْسَ عِنْدهم من يجب أَن يطاع فِي كل شَيْء إِلَّا رَسُول الله ﷺ وهم يَقُولُونَ كَمَا قَالَ مُجَاهِد وَالْحكم وَمَالك وَغَيرهم كل أحد يُؤْخَذ من قَوْله وَيتْرك إِلَّا

стр. 150

رَسُول الله ﷺ وَيشْهدُونَ لإمامهم أَنه خير الْخَلَائق وَيشْهدُونَ بِأَن كل من ائتم بِهِ فَفعل مَا أَمر بِهِ وَترك مَا نهى عَنهُ دخل الْجنَّة وَهَذِه الشَّهَادَة بِهَذَا وَهَذَا هِيَ أتم من شَهَادَة الرافضة للعسكرين وأمثالهما بِأَن من أَطَاعَهُمَا دخل الْجنَّة فَثَبت أَن إِمَام أهل السّنة أكمل وشهاداتهم لَهُ إِذا أطاعوه أكمل وَلَا سَوَاء وَإِن أَرَادوا بِالْإِمَامِ الإِمَام الْمُقَيد فَذَاك لَا يُوجب أهل السّنة طَاعَته إِن لم يكن مَا أَمر بِهِ مُوَافقا لأمر الإِمَام الْمُطلق رَسُول الله ﷺ وهم إِذا أطاعوه فِيمَا أَمر الله بِطَاعَتِهِ فِيهِ فَإِنَّمَا هم مطيعون لله وَرَسُوله فَلَا يضرهم توقفهم فِي الإِمَام الْمُقَيد هَل هُوَ فِي الْجنَّة أم لَا كَمَا لَا يضر أَتبَاع الْمَعْصُوم إِذا أطاعوا نوابه مَعَ أَن نوابه قد يكونُونَ من أهل النَّار لَا سِيمَا ونواب الْمَعْصُوم عِنْدهم لَا يعلمُونَ أَنهم يأمرون بِمَا يَأْمر بِهِ الْمَعْصُوم لعدم الْعلم بِمَا يَقُوله مَعْصُوم وَأما أَقْوَال الرَّسُول ﷺ فَهِيَ مَعْلُومَة فَمن أَمر بهَا فقد علم أَنه وافقها وَمن أَمر بِخِلَافِهَا علم أَنه خالفها وَمَا اخْتلف فِيهِ مِنْهَا فاجتهد فِيهِ نَائِبه فَهَذَا خير من طَاعَة نَائِب لمن يَدعِي لَهُ الْعِصْمَة وَلَا أحد يعلم بِشَيْء مِمَّا أَمر بِهِ هَذَا الْغَائِب المنتظر فضلا عَن الْعلم بِكَوْن نَائِبه مُوَافقا أَو مُخَالفا فَإِن ادعوا أَن النواب عاملون بِأَمْر من قبلهم فَعلم عُلَمَاء الْأمة

стр. 151

بِأَمْر رَسُول الله ﷺ أتم وأكمل من علم هَؤُلَاءِ بقول من يدعونَ عصمته وَلَو طُولِبَ أحدهم بِنَقْل صَحِيح ثَابت بِمَا يَقُولُونَهُ عَن عَليّ أَو عَن غَيره لما وجدوا إِلَى ذَلِك سَبِيلا وَلَيْسَ لَهُم من الْإِسْنَاد وَالْعلم بِالرِّجَالِ الناقلين مالأهل السّنة قَالَ الرافضي الرَّابِع أَنهم أخذُوا مَذْهَبهم عَن المعصومين وَقد كَانَ كرم وَجهه يُصَلِّي فِي الْيَوْم وَاللَّيْلَة ألف رَكْعَة مَعَ شدَّة إبتلائه بالحروب وَكَانَ زين العابدين وَكَانَ الباقر وَعدد لَهُم مَنَاقِب بَعْضهَا مَكْذُوب فَيُقَال لَا نسلم أَنكُمْ أَخَذْتُم مذهبكم عَن أهل الْبَيْت فأنكم تخالفون عليا وأئمة أهل بَيته فِي الْأُصُول وَالْفُرُوع فَإِنَّهُم يثبتون الصِّفَات وَالْقدر وَخِلَافَة الثَّلَاثَة وفضلهم إِلَى غير ذَلِك وَلَيْسَ لكم أَسَانِيد مُتَّصِلَة حَتَّى نَنْظُر فِيهَا وَالْكذب فمتوفر عنْدكُمْ فَإِن ادعوا تَوَاتر نَص هَذَا على هَذَا وَنَصّ هَذَا على هَذَا كَانَ هَذَا مُعَارضا بِدَعْوَى غَيرهم مثل هَذَا التَّوَاتُر فَإِن سَائِر الْقَائِلين بِالنَّصِّ إِذا ادعوا مثل هَذِه الدَّعْوَى لم يكن بَين الدعويين فرق ثمَّ هم محتاجون فِي مَذْهَبهم إِلَى مقدمتين إِحْدَاهمَا عصمَة من يضيفون الْمَذْهَب إِلَيْهِ وَالثَّانِي ثُبُوت ذَلِك النَّقْل عَنهُ وَكِلَاهُمَا لَا دَلِيل لَهُم عَلَيْهِمَا

стр. 152

وَقد ثَبت لعَلي وبنيه من المناقب مَا لم يذكرهُ المُصَنّف وَذكر أَشْيَاء كذبا وجهلا مثل قَوْله نزل فِي حَقهم (هَل أَتَى) وَهِي مَكِّيَّة بإتفاق وَعلي لم يدْخل بفاطمة إِلَّا بعد بدر وَولد لَهُ الْحسن فِي السّنة الثَّانِيَة من الْهِجْرَة وَالْحُسَيْن فِي السّنة الرَّابِعَة من الْهِجْرَة بعد نزُول (هَل أَتَى) بسنين كَثِيرَة فَقَوْل الْقَائِل إِنَّهَا نزلت فيهم من الْكَذِب الَّذِي لَا يخفى على من لَهُ علم بنزول الْقُرْآن واحوال هَذِه السَّادة الأخيار وَأما آيَة (وَيُطَهِّركُمْ تَطْهِيرا) فَلَيْسَ فِيهَا إِخْبَار بذهاب الرجس وبالطهارة بل فِيهَا الْأَمر لَهُم بِمَا يوجبهما وَذَلِكَ كَقَوْلِه تَعَالَى (مَا يُرِيد الله ليجعل عَلَيْكُم من حرج وَلَكِن يُرِيد ليطهركم) (يُرِيد الله ليبين لكم وَيهْدِيكُمْ) (يُرِيد الله أَن يُخَفف عَنْكُم) فالإرادة هُنَا متضمنة لِلْأَمْرِ والمحبة وَالرِّضَا لَيست هِيَ الملتزمة لوُقُوع المُرَاد وَلَو كَانَ كَذَلِك لتطهر كل من أَرَادَ الله طَهَارَته وَهَذَا على قَول شيعَة زَمَاننَا اوجه فَإِنَّهُم معتزلة يَقُولُونَ إِن الله يُرِيد مَالا يكون فَقَوله تَعَالَى (يُرِيد الله ليذْهب عَنْكُم الرجس) إِذا كَانَ بِفعل الْمَأْمُور وَترك الْمَحْظُور كَانَ ذَلِك مُتَعَلقا بإرادتهم وبأفعالهم فَإِن فعلوا مَا أمروا بِهِ طهروا وَمِمَّا يبين أَن ذَلِك مِمَّا أمروا بِهِ مِمَّا أخبر بِوُقُوعِهِ أَن النَّبِي ﷺ أدَار الكساء على عَليّ وَفَاطِمَة وَالْحسن وَالْحُسَيْن ثمَّ قَالَ اللَّهُمَّ هَؤُلَاءِ أهل بَيْتِي فَأذْهب عَنْهُم الرجس وطهركم تَطْهِيرا رَوَاهُ مُسلم من حَدِيث عَائِشَة وَرَوَاهُ أهل السّنَن من حَدِيث أم سَلمَة وَفِيه دَلِيل على أَنه تَعَالَى قَادِرًا على إذهاب الرجس والتطهير وَأَنه خَالق أَفعَال الْعباد ردا على المعتزلي وَمَا يبين أَن الْآيَة متضمنة لِلْأَمْرِ وَالنَّهْي قَوْله فِي سِيَاق الْكَلَام (يَا نسَاء النَّبِي من يَأْتِ مِنْكُن بِفَاحِشَة مبينَة إِلَى قَوْله وَلَا تبرجن تبرج الْجَاهِلِيَّة الأولى وأقمن الصَّلَاة وآتين الزَّكَاة وأطعن الله وَرَسُوله إِنَّمَا يُرِيد الله ليذْهب عَنْكُم الرجس أهل الْبَيْت ويطهركهم نتطهيرا وَإِذ واذكرن مَا يُتْلَى فِي بيوتكن) فَهَذَا السِّيَاق

стр. 153

يدل على أَن ذَلِك أَمر وَنهي وَأَن الزَّوْجَات من أهل الْبَيْت فَإِن السِّيَاق إِنَّمَا هُوَ فِي مخاطبتهن وَيدل الضَّمِير الْمُذكر على أَنه عَم غير زَوْجَاته كعلي وَفَاطِمَة وابنيهما كَمَا أَن مَسْجِد قبا أسس على التَّقْوَى ومسجده أَيْضا أسس على التَّقْوَى وَهُوَ اكمل فِي ذَلِك فَلَمَّا نزلت (لمَسْجِد أسس على التَّقْوَى) تنَاول اللَّفْظ مَسْجِد قبا ولمسجده بطرِيق الأولى وَأَصَح الرِّوَايَتَيْنِ عَن أَحْمد أَنَّهُنَّ من أهل بَيته وَفِي الصَّحِيحَيْنِ اللَّهُمَّ صل على مُحَمَّد وعَلى أَزوَاجه وَذريته وَأما إِيجَاب الْمَوَدَّة فَثَبت أَن ابْن عَبَّاس سُئِلَ عَن الْآيَة فَقَالَ إِنَّه لم يكن بطن من قُرَيْش إِلَّا فِيهِ لرَسُول الله ﷺ مِنْهُم قرَابَة فَقَالَ تَعَالَى قل لَا أَسأَلكُم عَلَيْهِ أجرا إِلَّا أَن تودوني فِي الْقَرَابَة الَّتِي بيني وَبَيْنكُم وَيدل على ذَلِك أَنه لم يقل إِلَّا الْمَوَدَّة لذِي الْقُرْبَى بل قَالَ فِي الْقُرْبَى أَلا ترى أَنه لما أَرَادَ ذَوي قرَابَة قَالَ) ﴿وَاعْلَمُوا أَنما غَنِمْتُم من شَيْء فَأن لله خمسه وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى﴾ وَلَيْسَت موالاتنا لأهل الْبَيْت من أجر النَّبِي ﷺ فِي شَيْء وَهُوَ ﵇ لَا يسألنا أجرا وَإِنَّمَا اجره على الله تَعَالَى (قل لَا أَسأَلكُم عَلَيْهِ من أجر) ثمَّ إِن الْآيَة مَكِّيَّة وَلم يكن عَليّ تزوج بفاطمة بعد وَلَا ولد لَهما وَزعم أَن عليا كَانَ يُصَلِّي فِي الْيَوْم وَاللَّيْلَة ألف رَكْعَة وَلم يَصح ذَلِك وَنَبِينَا ﷺ كَانَ لَا يزِيد فِي اللَّيْل على ثَلَاث عشرَة رَكْعَة وَلَا يسْتَحبّ قيام كل اللَّيْل بل يكره قَالَ النَّبِي ﷺ لعبد الله بن عَمْرو بن الْعَاصِ إِن لجسدك عَلَيْك حَقًا وَقد كَانَ ﵇ يُصَلِّي فِي الْيَوْم وَاللَّيْلَة نَحْو أَرْبَعِينَ رَكْعَة وَعلي كَانَ أعلم بسننه وأتبع لهديه من أَن يُخَالِفهُ هَذِه الْمُخَالفَة لَو كَانَ ذَلِك مُمكنا فَكيف وَصَلَاة ألف رَكْعَة مَعَ الْقيام بِسَائِر الْوَاجِبَات غير مُمكن إِذْ عَلَيْهِ حُقُوق نَفسه من مصالحها ونومها واكلها وشربها وحاجتها ووضوئها ومباشرته أَهله وسراريه وَالنَّظَر لأولاده وَأَهله ورعيته مِمَّا يستوعب نصف الزَّمَان تَقْرِيبًا فالساعة الْوَاحِدَة لَا تتسع لثمانين رَكْعَة إِلَّا أَن تكون بِالْفَاتِحَةِ فَقَط وَبلا طمأنينة

стр. 154

وَعلي كرم الله وَجهه أجل من أَن يُصَلِّي صَلَاة الْمُنَافِقين الَّتِي هِيَ نقر وَلَا يذكر الله فِيهَا إِلَّا قَلِيلا كَمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ وَأما قَوْله وواخاه فموضوع فَإِنَّهُ ﵇ لم يواخ أحدا وَلَا آخى بَين الْمُهَاجِرين بَعضهم من بعض بل مَعَ الْأَنْصَار وَأما قَوْله وَجعله الله نفس رَسُوله حَيْثُ قَالَ (وأنفسنا وَأَنْفُسكُمْ) فَهَذَا خطأ وَإِنَّمَا هَذَا مثل قَوْله (لَوْلَا إِذْ سمعتموه ظن الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَات بِأَنْفسِهِم خيرا) وَكَقَوْلِه تَعَالَى (فَاقْتُلُوا أَنفسكُم) (وَلَا تخرجُونَ أَنفسكُم من دِيَاركُمْ) فَالْمُرَاد بالأنفس الإخوان نسبا أَو دينا وَقد قَالَ النَّبِي ﷺ للعلي أَنْت مني وَأَنا مِنْك وَقَالَ إِن الْأَشْعَرِيين إِذا أرملوا فِي الْغَزْو جمعُوا مَا كَانَ مَعَهم فِي ثوب ثمَّ قسموه بِالسَّوِيَّةِ فهم مني وَأَنا مِنْهُم وَقَالَ فِي جليبيب هَذَا مني وَأَنا مِنْهُ والخبران فِي الصَّحِيح وَأما تَزْوِيج عَليّ بفاطمة ففضيلة لَهُ وَكَذَلِكَ تَزْوِيج عُثْمَان بأختيها فَضِيلَة لَهُ وَكَذَلِكَ تَزْوِيج النَّبِي ﷺ بإبنة أبي بكر وإبنة عمر فَضِيلَة لَهما فالخلفاء الْأَرْبَعَة أصهاره ﷺ وَرَضي عَنْهُم أَجْمَعِينَ

стр. 155

قَالَ وَله معجزات كَثِيرَة فَإِن عني الكرامات فعلي أفضل من كثير من ذَوي الكرامات ثمَّ قَالَ حَتَّى ادعِي قوم فِيهِ الربوبية وقتلهم قُلْنَا معجزات النَّبِي ﷺ أعظم وَمَا ادعيت فِيهِ وَللَّه الْحَمد الربوبية ثمَّ مدعُو ربوبية عَليّ عدد يسير فحرقهم ومكفروه أُلُوف من الْخَوَارِج فَمَا فيهمَا خير والخوارج متقيدون بِالْإِسْلَامِ وَلَهُم تعبد وَالَّذين عبدوه زنادقة قَالَ وَأخذ النَّبِي ﷺ يَوْمًا بيد الْحُسَيْن وَولده إِبْرَاهِيم على فخده فَنزل جِبْرِيل فَقَالَ إِن الله لم يكن ليجمع لَك بَينهمَا فاختر فَقَالَ إِذا مَاتَ الْحُسَيْن بَكَيْت أَنا وَعلي وَفَاطِمَة وَإِذا مَاتَ إِبْرَاهِيم بَكَيْت أَنا فأختار موت إِبْرَاهِيم فَمَاتَ بعد ثَلَاث قلت هَذَا لَا يعرف لَهُ إِسْنَاد وَهُوَ كذب رَكِيك من أَحَادِيث الْجُهَّال فَلَيْسَ فِي جمع الله بَين إِبْرَاهِيم وَالْحُسَيْن أعظم مِمَّا فِي جمعه بَين الْحسن وَالْحُسَيْن ثمَّ ذكر تَسْمِيَة النَّبِي ﷺ عَليّ بن الْحُسَيْن بزين العابدين قُلْنَا هَذَا لَا أصل لَهُ وَلَا رَوَاهُ عَالم وَأما ذكره أَبَا جَعْفَر وَأَنه أعلم أهل زَمَانه فَهَذِهِ دَعْوَى فالزهري كَانَ فِي عصره وَهُوَ أعلم عِنْد النَّاس مِنْهُ وَنقل تَسْمِيَة النَّبِي ﷺ إِيَّاه الباقر كذب وَكَذَلِكَ حَدِيث تَبْلِيغ جَابر لَهُ السَّلَام هُوَ من الموضوعات عِنْد أهل الحَدِيث ثمَّ قَالَ وجعفر بن مُحَمَّد نشر فقه الإمامية والمعارف والعقائد فها الْكَلَام يسْتَلْزم إِمَّا أَنه ابتدع مَا لم يُعلمهُ من قبله وَإِمَّا أَن يكون من قبله قصر بل الآفة وَقعت

стр. 156

من الْكَذَّابين على جَعْفَر ونسبوا إِلَيْهِ كتاب البطاقة وَكتاب الجفر وَكتاب الهفت واختلاج الْأَعْضَاء وَفِي النُّجُوم وَغير ذَلِك حَتَّى أَن قوما زَعَمُوا أَن رسائل إخْوَان الصَّفَا مَأْخُوذَة عَنهُ وَهِي معمولة بعده بِنَحْوِ مِائَتي سنة عِنْد ظُهُور دولة الباطنية الَّذين ملكوا مصر فأظهروا اتِّبَاع الشَّرِيعَة وَأَن لَهَا بَاطِنا مُخَالفا وباطن أَمرهم الفلسفة وعَلى هَذَا وضعت هَذِه الرسائل وَضعهَا جمَاعَة وَقد ذكرُوا فِيهَا مَا استولى عَلَيْهِ النَّصَارَى من الشَّام وَأما مُوسَى بن جَعْفَر فقد قَالَ فِيهِ أَبُو حَاتِم ثِقَة إِمَام من أَئِمَّة الْمُسلمين وَقَالَ ابْن سعد لَيْسَ لَهُ كَبِير رِوَايَة وَأما من بعده فَلم يُؤْخَذ عَنْهُم من الْعلم مَا يذكر فِي أخبارهم وَلَا لَهُم فَتَاوَى بل لَهُم من الْفَضَائِل والمحاسن مَا هم لَهُ أهل وَذكر أَن بشرا الحافي تَابَ على يَد مُوسَى وَهَذَا من كذب من لم يعرف الْأُمُور فَإِن مُوسَى أقدمه الرشيد الْعرَاق وحبسه قَالَ وَكَانَ عَليّ بن مُوسَى أزهد النَّاس وأعلمهم فَيُقَال من المصائب الَّتِي ابتلى بهَا ولد الْحُسَيْن إنتحال الرافضة إيَّاهُم وتعظيمهم لَهُم وإطراؤهم بالدعاوي والغلو وَكَانَ عَليّ كَبِير الْقدر وَقد كَانَ فِي زَمَانه الشَّافِعِي وَغَيره مِمَّن هُوَ أعلم مِنْهُ ومعروف الْكَرْخِي وَأَبُو سُلَيْمَان الدَّارَانِي مِمَّن هُوَ أزهد مِنْهُ وَقد وضعُوا عَلَيْهِ نسخا عَن آبَائِهِ ثمَّ قَالَ أَخذ عَنهُ فُقَهَاء الْجُمْهُور كثيرا فَهَذَا بهت مَا أَخذ عَنهُ إِلَّا آحَاد النَّاس كَأبي الصَّلْت الْهَرَوِيّ ثمَّ قَالَ فِي أثْنَاء كَلَامه إِن النَّبِي ﷺ قَالَ إِن فَاطِمَة أحصنت فرجهَا فَحرم الله ذريتها على النَّار وَهَذَا كذب واللاتي أحصن فروجهن لَا يحصيهن إِلَّا الله تَعَالَى وَمن ذريتهن الْبر والفاجر ففضل فَاطِمَة لَيْسَ بِمُجَرَّد إِحْصَان فرجهَا ثمَّ الرافضة تشهد على كثير من أَوْلَادهَا بالْكفْر والفسوق وهم أهل السّنة كَمَا رفضت الرافضة زيد بن عَليّ ونابذوه ثمَّ ذكر الْمهْدي وَأَنه مُحَمَّد المنتظر قُلْنَا ذكر ابْن جرير وَابْن قَانِع وَغَيرهمَا أَن

стр. 157

الْحسن بن عَليّ العسكري لم يعقب والإمامية تزْعم أَنه كَانَ لَهُ ولد دخل سرداب سامرا وَهُوَ صَغِير لَهُ سنتَانِ أَو ثَلَاث أَو خمس وَهَذَا لَو كَانَ مَوْجُودا مَعْلُوما لَكَانَ الْوَاجِب فِي حكم الله تَعَالَى أَن يكون فِي حضَانَة أمه وَنَحْوهَا من أهل الْحَضَانَة وَأَن يكون مَاله عِنْد

стр. 158

من يحفظه فَكيف يكون من يسْتَحق الْحجر والحضانة مَعْصُوما إِمَامًا للْأمة ثمَّ هَذَا إِن قدر وجوده أَو عَدمه لَا يَنْتَفِعُونَ بِهِ فِي دين وَلَا علم وَلَا دنيا وَلَا حصل بِهِ لطف وَلَا مصلحَة فَإِن قيل بِسَبَب ظلم النَّاس احتجب عَنْهُم قيل كَانَ الظُّلم فِي زمن آبَائِهِ وَمَا احتجبوا ثمَّ الْمُؤْمِنُونَ بِهِ قد طبقوا الأَرْض فَهَلا إجتمع بهم فِي وَقت وَكَانَ يُمكنهُ أَن يأوي إِلَى بقْعَة فِيهَا شيعته فَمَا حصل بِهَذَا الْمَعْلُوم مصلحَة أصلا غير الإنتظار الطَّوِيل ودوام الْحَسْرَة والألم وَالدُّعَاء بالمستحيل لأَنهم يدعونَ لَهُ بِالْخرُوجِ والظهور من نَحْو أَرْبَعمِائَة وَخمسين سنة وَلَا يجابون ثمَّ ذكر حَدِيث ابْن عمر يخرج فِي آخر الزَّمَان رجل من وَلَدي الحَدِيث

стр. 159

قُلْنَا ذَا حجَّة عَلَيْكُم فَإِن لَفظه يواطيء إسمه إسمي وإسم أَبِيه إسم أبي يَعْنِي إسمه مُحَمَّد بن عبد الله لَا مُحَمَّد بن الْحسن ثمَّ قد رُوِيَ عَن عَليّ ﵁ أَنه من ذُرِّيَّة الْحسن لَا الْحُسَيْن ثمَّ قَالَ فَهَؤُلَاءِ الْأَئِمَّة المعصومون الَّذين بلغُوا الْغَايَة فِي الْكَمَال وَلم يتخذوا مَا اتَّخذهُ غَيرهم من الْأَئِمَّة المشتغلين بِالْملكِ وأنواع الْمعاصِي والملاهي وَشرب الْخُمُور والفجور قَالَت الإمامية فَالله يحكم بَيْننَا وَبَين هَؤُلَاءِ وَهُوَ خير الْحَاكِمين وَمَا أحسن قَول بعض النَّاس (إِذا شِئْت أَن ترضي لنَفسك مذهبا ... وَتعلم أَن النَّاس فِي نقل أَخْبَار) (فدع عَنْك قَول الشَّافِعِي وَمَالك ... وَأحمد والمروي عَن كَعْب أَحْبَار) (ووال أُنَاسًا قَوْلهم وحديثهم ... روى جدنا عَن جبرئيل عَن الْبَارِي)

стр. 160

وَالْجَوَاب من وُجُوه أَحدهَا أَن دَعْوَى الْعِصْمَة فِي هَؤُلَاءِ لم يذكر عَلَيْهَا حجَّة إِلَّا مَا ادَّعَاهُ من أَنه يجب على الله أَن يَجْعَل للنَّاس إِمَامًا مَعْصُوما ليَكُون لطفا ومصلحة فِي التَّكْلِيف وَقد تبين فَسَاد هَذِه الْحجَّة من وُجُوه أدناها أَن هَذَا أَي اللطف والمصلحة مَفْقُود لَا مَوْجُود فَإِنَّهُ لم يُوجد إِمَام مَعْصُوم حصل بِهِ لطف وَلَا مصلحَة وَلَو لم يكن فِي الدَّلِيل على إنتفاء ذَلِك إِلَّا المنتظر الَّذِي قد علم بِصَرِيح الْعقل أَنه لم ينْتَفع بِهِ أحد لَا فِي دين وَلَا دنيا وَلَا حصل لأحد من الْمُكَلّفين بِهِ مصلحَة وَلَا لطف لَكَانَ هَذَا دَلِيلا على بطلَان قَوْلهم فَكيف مَعَ كَثْرَة الدَّلَائِل على ذَلِك الثَّانِي أَن قَوْله كل وَاحِد من هَؤُلَاءِ قد بلغ الْغَايَة فِي الْكَمَال هُوَ قَول مُجَرّد عَن الدَّلِيل وَالْقَوْل بِلَا علم يُمكن كل أحد أَن يُقَابله بِمثلِهِ وَإِذا ادّعى هَذَا الْكَمَال فِيمَن هُوَ أشهر فِي الْعلم وَالدّين من العسكريين وأمثالهما من الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ وَسَائِر أَئِمَّة الْمُسلمين كَانَ ذَلِك أولى بِالْقبُولِ وَمن طالع أَخْبَار النَّاس علم أَن الْفَضَائِل العلمية والدينية المتواترة عَن غير وَاحِد من الْأَئِمَّة أَكثر مِمَّا ينْقل عَن العسكريين وأمثالهما من الصدْق الثَّالِث أَن قَوْله هَؤُلَاءِ الْأَئِمَّة إِن أَرَادَ بِهِ أَنهم كَانُوا ذَوي سُلْطَان وَقدره مَعَهم السَّيْف فَهَذَا كذب ظَاهر وهم لَا يدعونَ ذَلِك بل يَقُولُونَ إِنَّهُم عاجزون ممنوعون مغلوبون مَعَ الظَّالِمين لم يتَمَكَّن أحد مِنْهُم من الْإِمَامَة إِلَّا عَليّ بن أبي طَالب مَعَ أَن أمورا استصعبت عَلَيْهِ وَنصف الْأمة أَو أقل أَو أَكثر لم يبايعوه بل كثير مِنْهُم

стр. 161

قَاتلُوهُ وَقَاتلهمْ وَكثير مِنْهُم لم يقاتلوه وَلم يقاتلوا مَعَه وَكَانَ فيهم من فضلاء الْمُسلمين من لم يكن مَعَ عَليّ بل الَّذين تخلفوا عَن الْقِتَال مَعَه وَله كَانُوا أفضل مِمَّن قَاتل مَعَه وَإِن أَرَادَ بِهِ أَنهم كَانَ لَهُم علم وَدين يسْتَحقُّونَ بِهِ أَن يَكُونُوا أَئِمَّة فَهَذِهِ الدَّعْوَى إِن صحت لَا توجب كَونهم أَئِمَّة يجب على النَّاس طاعتهم كَمَا أَن إستحقاق الرجل أَن يكون إِمَام مَسْجِد لَا يَجعله إِمَامًا وإستحقاقه أَن يكون قَاضِيا لَا يصيره قَاضِيا وإستحقاقه أَن يكون أَمِير حَرْب لَا يَجعله أَمِير حَرْب وَالصَّلَاة لَا تصح إِلَّا خلف من يكون إِمَامًا بِالْفِعْلِ لَا خلف من يَنْبَغِي أَن يكون إِمَامًا وَكَذَلِكَ الحكم بَين النَّاس إِنَّمَا يفصله ذُو سُلْطَان وقدرة لَا من يسْتَحق أَن يُولى الْقَضَاء وَكَذَلِكَ الْجند إِنَّمَا يُقَاتلُون مَعَ أَمِير عَلَيْهِم لَا مَعَ من لم يُؤمر وَإِن كَانَ يسْتَحق أَن يُؤمر وَفِي الْجُمْلَة الْفِعْل مَشْرُوط بِالْقُدْرَةِ وكل من لَيْسَ لَهُ قدرَة وسلطان على الْولَايَة والإمارة لم يكن إِمَامًا وَإِن كَانَ إستحق أَن يَجْعَل لَهُ قدرَة حَتَّى يتَمَكَّن فكونه يشرع أَن يُمكن أَو يجب أَن يُمكن لَيْسَ هُوَ نفس التَّمَكُّن وَالْإِمَام هُوَ المتمكن الْقَادِر وَلَيْسَ فِي هَؤُلَاءِ من هُوَ كَذَلِك إِلَّا عَليّ كَمَا تقدم الرَّابِع أَن يُقَال مَا تعنون بالإستحقاق أتعنون أَن الْوَاحِد من هَؤُلَاءِ كَانَ يجب أَن يُولى الْإِمَامَة دون سَائِر قُرَيْش أم تُرِيدُونَ أَن الْوَاحِد مِنْهُم من جملَة من يصلح للخلافة فَإِن أردتم الأول فَهُوَ مَمْنُوع مَرْدُود وَإِن أردتم الثَّانِي فَذَلِك قدر مُشْتَرك بَينه وَبَين خلق كثير من قُرَيْش الْخَامِس أَن يُقَال الإِمَام هُوَ من يَقْتَدِي بِهِ وَذَلِكَ على وَجْهَيْن أَحدهمَا أَن يرجع إِلَيْهِ فِي الْعلم وَالدّين بِحَيْثُ يطاع بإختيار الْمُطِيع لكَونه عَالما بِأَمْر الله عزوجل آمرا بِهِ فيطيعه الْمُطِيع لذَلِك وَإِن كَانَ عَاجِزا عَن إلزامهم الطَّاعَة وَالثَّانِي أَن يكون صَاحب يَد وَسيف بِحَيْثُ يطاع طَوْعًا وَكرها قَادِرًا على إِلْزَام الْمُطِيع بِالطَّاعَةِ وَقَوله تَعَالَى (يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا أطِيعُوا الله وَأَطيعُوا الرَّسُول وأولي الْأَمر مِنْكُم) قد فسر أولو الْأَمر بذوي الْقُدْرَة كأمراء الْحَرْب وَفسّر بِأَهْل الْعلم وَالدّين وَكِلَاهُمَا حق

стр. 162

وَهَذَانِ الوصفان كَانَا كَامِلين فِي الْخُلَفَاء الرَّاشِدين فَإِنَّهُم كَانُوا كَامِلين فِي الْعلم وَالْعدْل والسياسة وَالسُّلْطَان وَإِن كَانَ بَعضهم أكمل فِي ذَلِك من بعض فَأَبُو بكر وَعمر أكمل فِي ذَلِك من عُثْمَان وَعلي وبعدهم لم يكمل أحد فِي هَذِه الْأُمُور إِلَّا عمر بن عبد الْعَزِيز بل قد يكون الرجل أكمل فِي الْعلم وَالدّين مِمَّن يكون لَهُ سُلْطَان وَقد يكون أكمل فِي السُّلْطَان مِمَّن هُوَ أعلم مِنْهُ وأدين وَهَؤُلَاء إِن أُرِيد بكونهم أَئِمَّة أَنهم ذَوُو سُلْطَان فَبَاطِل وهم لَا يَقُولُونَهُ وَإِن أُرِيد بذلك أَنهم أَئِمَّة فِي الْعلم وَالدّين يطاعون مَعَ عجزهم عَن إِلْزَام غَيرهم بِالطَّاعَةِ فَهَذَا قدر مُشْتَرك بَين كل من كَانَ متصفا بِهَذِهِ الصِّفَات ثمَّ إِمَّا أَن يُقَال قد كَانَ فِي أعصارهم من هُوَ أعلم مِنْهُم وأدين إِذْ الْعلم الْمَنْقُول عَن غَيرهم أَضْعَاف الْعلم الْمَنْقُول عَنْهُم وَظُهُور آثَار غَيرهم فِي الْأمة أعظم من ظُهُور آثَارهم فِي الْأمة والمتقدمون مِنْهُم كعلي بن الْحُسَيْن وَابْنه أبي جَعْفَر وَابْنه جَعْفَر بن مُحَمَّد قد أَخذ عَنْهُم من الْعلم قِطْعَة مَعْرُوفَة وَأخذ عَن غَيرهم أَكثر من ذَلِك بِكَثِير كثير وَأما من بعدهمْ فالعلم الْمَأْخُوذ عَنْهُم قَلِيل جدا وَلَا ذكر لأحد مِنْهُم فِي رجال أهل الْعلم الْمَشَاهِير بالرواية والْحَدِيث والفتيا وَلَا غَيرهم من الْمَشَاهِير بِالْعلمِ وَمَا يذكر لَهُم من المناقب والمحاسن فَمثله يُوجد لكثير غَيرهم من الْأمة وَأما أَن يُقَال أَنهم أفضل الْأمة فِي الْعلم وَالدّين فعلى التَّقْدِيرَيْنِ فإمامتهم على هَذَا الإعتبار لَا يُنَازع فِيهَا أهل السّنة فَإِنَّهُم متفقون على أَنه يؤتم بِكُل أحد فِيمَا يَأْمر بِهِ من طَاعَة الله وَيَدْعُو إِلَيْهِ من دين الله ويفعله مِمَّا يُحِبهُ الله فَمَا فعله هَؤُلَاءِ من الْخَيْر ودعوا إِلَيْهِ من الْخَيْر فَإِنَّهُم أَئِمَّة فِيهِ يَقْتَدِي بهم فِي ذَلِك قَالَ تَعَالَى (وَجَعَلنَا مِنْهُم أَئِمَّة يهْدُونَ بأمرنا لما صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يوقنون) وَقد قَالَ تَعَالَى لإِبْرَاهِيم (إِنِّي جاعلك للنَّاس إِمَامًا) وَلم يكن ذَلِك أَن جعله ذَا سيف يُقَاتل بِهِ جيمع النَّاس بل جعله بِحَيْثُ يجب على النَّاس أَتْبَاعه

стр. 163

سَوَاء أطاعوه أم عصوه فَهَؤُلَاءِ الْأَئِمَّة فِي الدّين أُسْوَة أمثالهم فَأهل السّنة مقرون بإمامة هَؤُلَاءِ فِيمَا دلّت الشَّرِيعَة على الأئتمام بهم فِيهِ كَمَا أَن هَذَا الحكم ثَابت لأمثالهم مثل أبي بكر وَعمر وَعُثْمَان وَابْن مَسْعُود وَأبي بن كَعْب ومعاذ وَأبي الدَّرْدَاء وأمثالهم من السَّابِقين الْأَوَّلين وَمثل سعيد بن الْمسيب وَسليمَان بن يسَار وَعبيد الله بن عبد الله وَعُرْوَة بن الزبير وَالقَاسِم بن مُحَمَّد وَأبي بكر بن عبد الرَّحْمَن وخارجة بن زيد وَهَؤُلَاء فُقَهَاء الْمَدِينَة وَمثل عَلْقَمَة وَالْأسود بن زيد وَأُسَامَة وَمُحَمّد بن سِيرِين وَالْحسن الْبَصْرِيّ وَمثل سَالم بن عبد الله ابْن عمر وَمثل هِشَام بن عُرْوَة وَعبد الرَّحْمَن بن الْقَاسِم وَالزهْرِيّ وَيحيى بن سعيد الْأنْصَارِيّ وَأبي الزِّنَاد وَمثل مَالك وَالْأَوْزَاعِيّ وَاللَّيْث بن سعد وَأبي حنيفَة وَالشَّافِعِيّ وَأحمد وَإِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم وَغَيرهم لَكِن الْمَنْقُول الثَّابِت عَن بعض هَؤُلَاءِ من الحَدِيث والفتيا قد يكون أَكثر من الْمَنْقُول الثَّابِت عَن الآخر فَتكون شهرته لِكَثْرَة علمه أَو لقُوَّة حجَّته أَو نَحْو ذَلِك وَإِلَّا فَلَا يَقُول أهل السّنة إِن يحيى بن سعيد وَهِشَام بن عُرْوَة وَأَبا الزِّنَاد أولى بالإتباع من جَعْفَر بن مُحَمَّد وَلَا يَقُولُونَ إِن الزُّهْرِيّ وَيحيى بن أبي كثير وَحَمَّاد بن أبي سَلمَة وَسليمَان بن يسَار وَمَنْصُور بن الْمُعْتَمِر أولى بالإتباع من أَبِيه أبي جَعْفَر الباقر وَلَا يَقُولُونَ إِن الْقَاسِم بن مُحَمَّد وَعُرْوَة بن الزبير وَسَالم بن عبد الله أولى بالإتباع من عَليّ بن الْحُسَيْن بل كل وَاحِد من هَؤُلَاءِ ثِقَة فِيمَا يَنْقُلهُ مُصدق فِي ذَلِك وَمَا بَينه من دلَالَة

стр. 164

الْكتاب وَالسّنة على أَمر من الْأُمُور هُوَ من الْعلم الَّذِي يُسْتَفَاد مِنْهُ فَهُوَ مُصدق فِي الرِّوَايَة والإسناد وَإِذا أفتى بِفُتْيَا وعارضه غَيره رد مَا تنازعوا فِيهِ إِلَى الله وَرَسُوله كَمَا أَمر الله بذلك وَهَذَا حكم الله وَرَسُوله بَين هَؤُلَاءِ جَمِيعهم وَكَذَا كَانَ الْمُسلمُونَ على عهد رَسُول الله ﷺ وعهد خلفائه الرَّاشِدين ﵃ السَّادِس أَن يُقَال قَوْله لم يتخذوا مَا اتَّخذهُ غَيرهم من الْأَئِمَّة المشتغلين بِالْملكِ والمعاصي كَلَام بَاطِل وَذَلِكَ أَنه إِن أَرَادَ أَن أهل السّنة يَقُولُونَ إِنَّه يؤتم بهؤلاء الْمُلُوك فِيمَا يَفْعَلُونَهُ من مَعْصِيّة الله فَهَذَا كذب عَلَيْهِم فَإِن عُلَمَاء أهل السّنة المعروفين بِالْعلمِ عِنْد أهل السّنة متفقون على أَنه لَا يقْتَدى بِأحد فِي مَعْصِيّة الله وَلَا يتَّخذ إِمَامًا فِي ذَلِك وَإِن أَرَادَ أَن أهل السّنة يستعينون بهؤلاء الْمُلُوك فِيمَا يحْتَاج إِلَيْهِ فِي طَاعَة الله ويعاونونهم على مَا يَفْعَلُونَهُ من طَاعَة الله فَيُقَال لَهُ إِن كَانَ إتخاذهم أَئِمَّة بِهَذَا الإعتبار محذورا فالرافضة أَدخل مِنْهُم فِي ذَلِك فَإِنَّهُم دَائِما يستعينون بالكفار والفجار على مطالبهم ويعاونون الْكفَّار والفجار على كثير من مآربهم وَهَذَا أَمر مشهود فِي كل زمَان وَمَكَان وَلَو لم يكن إِلَّا صَاحب هَذَا الْكتاب منهاج الندامة وإخوانه فَإِنَّهُم يتخذون الْمغل وَالْكفَّار والفساق والجهال أَئِمَّة بِهَذَا الإعتبار

стр. 165

السَّابِع أَن يُقَال الْأَئِمَّة الَّذين هم مثل هَؤُلَاءِ الَّذين ذكرهم فِي كِتَابه وَادّعى عصمتهم لَيْسَ لَهُم سُلْطَان تحصل بِهِ مَقَاصِد الْإِمَامَة وَلَا يَكْفِي الإئتمام بهم فِي طَاعَة الله وَلَا فِي تَحْصِيل مَا لَا بُد مِنْهُ مِمَّا يعين على طَاعَة الله فَإِذا لم يكن لَهُم ملك وَلَا سُلْطَان لم يُمكن أَن تصلى خَلفهم جُمُعَة وَلَا جمَاعَة وَلَا يكونُونَ أَئِمَّة فِي الْجِهَاد وَلَا فِي الْحَج وَلَا تُقَام بهم الْحُدُود وَلَا تفصل بهم الْخُصُومَات وَلَا يَسْتَوْفِي الرجل بهم حُقُوقه الَّتِي عِنْد النَّاس وَالَّتِي فِي بَيت المَال وَلَا يُؤمن بهم السَّبِيل فَإِن هَذِه الْأُمُور كلهَا تحْتَاج إِلَى قَادر يقوم بهَا وَلَا يكون قَادِرًا إِلَّا من لَهُ أعوان على ذَلِك وَهَؤُلَاء لم يَكُونُوا قَادِرين على ذَلِك بل الْقَادِر على ذَلِك كَانَ غَيرهم فَمن طلب هَذِه الْأُمُور من إِمَام عَاجز كَانَ جَاهِلا ظَالِما وَمن اسْتَعَانَ عَلَيْهَا بِمن هُوَ قَادر عَلَيْهَا كَانَ مهتديا مُسَددًا فَهَذَا يحصل مصلحَة دينه ودنياه وَالْأول تفوته مصلحَة دينه ودنياه الثَّامِن أَن يُقَال دَعْوَى كَون جَمِيع الْخُلَفَاء كَانُوا مشتغلين بِمَا ذكره من الْخُمُور والفجور كذب عَلَيْهِم والحكايات المنقولة فِي ذَلِك فِيهَا مَا هُوَ كذب وَقد علم أَن فيهم الْعدْل والزاهد كعمر بن عبد الْعَزِيز والمهتدي بِاللَّه وَأَكْثَرهم لم يكن مظْهرا لهَذِهِ

стр. 166

الْمُنْكَرَات من خلفاء بني أُميَّة وَبني الْعَبَّاس وَإِن كَانَ أحدهم قد يبتلى بِبَعْض الذُّنُوب وَقد يكون تَابَ مِنْهَا وَقد تكون لَهُ حَسَنَات كَثِيرَة تمحو تِلْكَ السَّيِّئَات وَقد يبتلى بمصائب تكفرها عَنهُ فَفِي الْجُمْلَة الْمُلُوك حسناتهم كَثِيرَة وسيئاتهم وَالْوَاحد من هَؤُلَاءِ وَإِن كَانَ لَهُ ذنُوب ومعاص لَا تكون لآحاد الْمُؤمنِينَ فَلهم من الْحَسَنَات مَا لَيْسَ لآحاد الْمُسلمين من الْأَمر بِالْمَعْرُوفِ والهني عَن الْمُنكر وَإِقَامَة الْحُدُود وَجِهَاد الْعَدو وإيصال كثير من الْحُقُوق إِلَى مستحقيها وَمنع كثير من الظُّلم وَإِقَامَة كثير من الْعدْل وَنحن لَا نقُول إِنَّهُم كَانُوا سَالِمين من ذَلِك لَكِن نقُول وجود الظُّلم والمعاصي من بعض الْمُسلمين وُلَاة الْأُمُور وعامتهم لَا يمْنَع أَن يُشَارك فِيمَا يعمله من طَاعَة الله وَأهل السّنة لَا يأمرون بموافقة وُلَاة الْأُمُور إِلَّا فِي طَاعَة الله لَا فِي مَعْصِيَته وَلَا ضَرَر على من وَافق أحدا فِي طَاعَة الله إِذا إنفرد عَنهُ بِمَعْصِيَة لم يشركهُ فِيهَا كَمَا أَن الرجل إِذا حج مَعَ النَّاس فَوقف مَعَهم وَطَاف لم يضرّهُ كَون بعض الْحجَّاج لَهُ مظالم وذنوب ينْفَرد بهَا وَكَذَلِكَ إِذا شهد مَعَ النَّاس الْجُمُعَة وَالْجَمَاعَة ومجالس الْعلم وغزا مَعَهم لم يضرّهُ كَون بعض المشاركين لَهُ فِي ذَلِك لَهُ ذنُوب يخْتَص بهَا فولاة الْأُمُور بِمَنْزِلَة غَيرهم يشاركون فِيمَا يَفْعَلُونَهُ من طَاعَة الله وَلَا يشاركون فِيمَا يَفْعَلُونَهُ من مَعْصِيّة الله وَهَذِه كَانَت سيرة أهل الْبَيْت مَعَ غَيرهم

стр. 167

فَمن اتبعهم فِي ذَلِك فَهُوَ الْمُقْتَدِي بهم دون من تَبرأ من السَّابِقين الْأَوَّلين وَجُمْهُور أهل الْعلم وَالدّين وَظَاهر على عداوتهم الْكفَّار وَالْمُنَافِقِينَ كَمَا يَفْعَله من الرافضة الضَّالّين التَّاسِع أَن يُقَال إِمَام قَادر يَنْتَظِم بِهِ أَمر النَّاس فِي أَكثر مصالحهم بِحَيْثُ يُؤمن بِهِ السَّبِيل ويقام بِهِ مَا يُقَام من الْحُدُود وَيدْفَع بِهِ مَا يدْفع من الظُّلم وَيحصل بِهِ مَا يحصل من جِهَاد الْعَدو ويستوفي بِهِ مَا يَسْتَوْفِي من الْحُقُوق خير من إِمَام مَعْدُوم لَا حَقِيقَة لَهُ والرافضة يدعونَ إِلَى إِمَام مَعْصُوم وَلَيْسَ عِنْدهم فِي الْبَاطِن إِلَّا إِمَام مَعْدُوم وَفِي الظَّاهِر إِمَام كفور أَو ظلوم فأئمة أهل السّنة وَلَو فرض مَا فرض فيهم من الظُّلم والذنُوب خير من الْأَئِمَّة الظاهرين الَّذين تعتمدهم الرافضة وَخير من إِمَام مَعْدُوم لَا حَقِيقَة لَهُ وَأما الْأَئِمَّة الْبَاقُونَ الَّذين كَانُوا موجودين فَأُولَئِك يأتم بهم أهل السّنة كَمَا يأتمون بأمثالهم فهم وأمثالهم أَئِمَّة وَمن أئتم بهؤلاء وأمثالهم من سَائِر الْمُسلمين كَانَ خيرا مِمَّن أئتم بهم وحدهم فَإِن الْعلم رِوَايَة ودراية كلما كثر فِيهِ الْعلمَاء وَاتَّفَقُوا عَلَيْهِ كَانَ أقوى وَأولى بالإتباع فَلَيْسَ عِنْد الشِّيعَة خير إِلَّا وَأهل السّنة يشركونهم فِيهِ وَالْخَيْر الَّذِي اخْتصَّ بِهِ أهل السّنة لَا يشركهم فِيهِ الشِّيعَة الْعَاشِر أَن يُقَال مَا ذكره هَذَا الإمامي يُمكن كل وَاحِد من أهل السّنة أَن يُعَارضهُ بِمَا هُوَ أقوى مِنْهُ فَإِنَّهُ يُقَال عَن مثل سعيد بن الْمسيب وعلقمة وَالْأسود وَالْحسن الْبَصْرِيّ وَعَطَاء بن أبي رَبَاح وَمُحَمّد بن سِيرِين ومطرف بن الشخير وَمَكْحُول وَالقَاسِم بن مُحَمَّد وَعُرْوَة بن الزبير وَسَالم بن عبد الله وَمَا شَاءَ الله من التَّابِعين وتابعيهم هَؤُلَاءِ أَئِمَّة فِيمَا يُمكن الأئتمام فِيهِ بهم من الدّين وَعلي بن الْحُسَيْن وَابْنه وجعفر بن مُحَمَّد وَغَيرهم هم أَيْضا أَئِمَّة أهل السّنة وَالْجَمَاعَة بِهَذَا الإعتبار فَلم تأتم الشِّيعَة بِإِمَام ذِي علم وزهد

стр. 168

إِلَّا وَأهل السّنة يأتمون بِهِ وبجماعة آخَرين يشاركونهم فِي الْعلم والزهد بل هم أعلم مِنْهُ وأزهد وَمَا اتخذ أهل السّنة إِمَامًا من أهل الْمعاصِي إِلَّا وَقد اتَّخذت الشِّيعَة إِمَامًا من أهل الْمعاصِي شرا مِنْهُ فَأهل السّنة أولى بالأئتمام بأئمة الظُّلم فِي غير مَا هم ظَالِمُونَ فِيهِ فهم خير من الشِّيعَة فِي الطَّرفَيْنِ الْحَادِي عشر قَوْله قَالَت الإمامية فَالله يحكم بَيْننَا وَبَين هَؤُلَاءِ وَهُوَ خير الْحَاكِمين فَيُقَال للإمامية إِن الله حكم بَينهم فِي الدُّنْيَا بِمَا أظهره من الدَّلَائِل والبينات وَبِمَا يظْهر أهل الْحق عَلَيْكُم فهم ظاهرون عَلَيْكُم بِالْحجَّةِ وَالْبَيَان وباليد وَاللِّسَان كَمَا أظهر دين نبيه على سَائِر الْأَدْيَان قَالَ تَعَالَى (هُوَ الَّذِي أرسل رَسُوله بِالْهدى وَدين الْحق لِيظْهرهُ على الدّين كُله) وَمن كَانَ دينه قَول أهل السّنة الَّذِي خالفتموهم فِيهِ فَإِنَّهُ ظَاهر عَلَيْكُم بِالْحجَّةِ وَاللِّسَان كظهور دين مُحَمَّد ﷺ على سَائِر الْأَدْيَان وَلم يظْهر دين مُحَمَّد ﷺ قطّ على غَيره من الْأَدْيَان إِلَّا بِأَهْل السّنة كَمَا ظهر فِي خِلَافه أبي بكر وَعمر وَعُثْمَان ﵃ ظهورا لم يحصل لشَيْء من الْأَدْيَان وَعلي ﵁ مَعَ أَنه من الْخُلَفَاء الرَّاشِدين وَمن سَادَات السَّابِقين الْأَوَّلين لم يظْهر فِي خِلَافَته دين الْإِسْلَام بل وَقعت الْفِتْنَة بَين أَهله وطمع فيهم عدوهم من الْكفَّار والنصاري وَالْمَجُوس بِالشَّام والمشرق وَأما بعد عَليّ فَلم يعرف أهل علم وَدين وَلَا أهل يَد وَسيف نصر الله بهم الْإِسْلَام إِلَّا أهل السّنة وَأما الرافضة فإمَّا أَن تعاون أَعدَاء الْإِسْلَام

стр. 169

وَإِمَّا أَن تمسك عَن نصر الطَّائِفَتَيْنِ وَلَا ريب أَن الله تَعَالَى يحكم يَوْم الْقِيَامَة بَين السَّابِقين الْأَوَّلين من الْمُهَاجِرين وَالْأَنْصَار وَبَين من عاداهم من الْأَوَّلين والآخرين كَمَا يحكم بَين الْمُسلمين وَالْكفَّار الثَّانِي عشر أَن يُقَال هَذَا التظلم مِمَّن هُوَ إِن قُلْتُمْ مِمَّن ظلم عليا كَأبي بكر وَعمر على زعمكم فَيُقَال لكم الْخصم فِي ذَلِك عَليّ وَقد مَاتَ كَمَا مَاتَ أَبُو بكر وَعمر وَهَذَا أَمر لَا يتَعَلَّق بِنَا وَلَا بكم إِلَّا بطرِيق بَيَان الْحق وموالاة أَهله وَنحن نبين بالحجج الباهرة أَن أَبَا بكر وَعمر أولى بِالْعَدْلِ من كل أحد سواهُمَا من هَذِه الْأمة وَأبْعد عَن الظُّلم من كل من سواهُمَا وَأَن عليا لم يكن يعْتَقد أَنه إِمَام الْأمة دونهمَا كَمَا نذْكر هَذَا فِي مَوْضِعه إِن شَاءَ الله وَإِن قُلْتُمْ نتظلم من الْمُلُوك الَّذين منعُوا هَؤُلَاءِ حُقُوقهم من الْإِمَامَة فَهَذَا فرع على كَون هَؤُلَاءِ الإثني عشر كَانُوا يطْلبُونَ الْإِمَامَة أَو كَانُوا يَعْتَقِدُونَ أَنهم أَئِمَّة الْأمة المعصومون وَهَذَا كذب على الْقَوْم وَسَوَاء كَانَ صدقا أَو كذبا فَالله يحكم بَين الطَّائِفَتَيْنِ إِن كَانُوا مختصمين (قل اللَّهُمَّ فاطر السَّمَاوَات وَالْأَرْض عَالم الْغَيْب وَالشَّهَادَة أَنْت تحكم بَين عِبَادك فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ) ( وَإِن كَانَ التظلم من بعض الْمُلُوك الَّذين بَينهم وَبَين هَؤُلَاءِ مُنَازعَة فِي ولَايَة أَو مَال فَلَا ريب أَن الله يحكم بَين الْجَمِيع

стр. 170

كَمَا يحكم بَين سَائِر المختصمين فَإِن نفس الشِّيعَة بَينهم من المخاصمات أَكثر مِمَّا بَين سَائِر طوائف أهل السّنة وَبَنُو هَاشم قد جرى بَينهم نوع من الحروب وَجرى بَين بني حسن وَبني حُسَيْن من الحروب مَا يجْرِي بَين أمثالهم فِي هَذِه الْأَزْمَان والحروب فِي الْأَزْمَان الْمُتَأَخِّرَة بَين بعض بني هَاشم وَبَين غَيرهم من الطوائف أَكثر من الحروب الَّتِي كَانَت فِي أول الزَّمَان بَين بعض بني أُميَّة وَبَعض بني هَاشم لَا لشرف نسب أُولَئِكَ فَإِن نسب بني هَاشم أشرف لَكِن لِأَن خير الْقُرُون هُوَ الْقرن الَّذِي بعث فِيهِ النَّبِي ﷺ ثمَّ الَّذين يَلُونَهُمْ ثمَّ الَّذين يَلُونَهُمْ فالخير فِي تِلْكَ الْقُرُون أَكثر وَالشَّر فِيمَا بعْدهَا

стр. 171

أَكثر وَإِن كَانَ التظلم من أهل الْعلم وَالدّين الَّذين لم يظلموا أحدا وَلم يعاونوا ظَالِما وَلَكِن يذكرُونَ مَا يجب من القَوْل علما وَعَملا بالدلائل الكاشفة للحق فَلَا يشك من لَهُ أدنى عقل أَنه من شبه مثل مَالك وَالْأَوْزَاعِيّ وَالثَّوْري وَأبي حنيفَة وَاللَّيْث بن سعد وَالشَّافِعِيّ وَأحمد وَإِسْحَاق وأمثالهم بِمثل هِشَام بن الحكم وَهِشَام بن سَالم وأمثالهما من شُيُوخ الرافضة إِنَّه لمن أظلم الظَّالِمين وَكَذَلِكَ من شبه القدريين النغمى والكراجكي وأمثالهما بِمثل أبي عَليّ وَأبي هَاشم وَالْقَاضِي عبد الْجَبَّار وَأبي الْحُسَيْن الْبَصْرِيّ إِنَّه لمن أظلم الظَّالِمين وَهَؤُلَاء شُيُوخ الْمُعْتَزلَة دع مُحَمَّد هيضم وَأَمْثَاله وَالْقَاضِي أَبَا بكر بن الطّيب وَأَمْثَاله من متكلمة أهل الْإِثْبَات دع أهل الْفِقْه والْحَدِيث والتصوف كَأبي حَامِد الإسفرايني وَأبي زيد الْمروزِي وَأبي عبد الله بن بطة وَأبي بكر عبد الْعَزِيز وَأبي بكر الرَّازِيّ وَأبي الْحسن الْقزْوِينِي وَأبي مُحَمَّد بن أبي زيد وَأبي بكر الْأَبْهَرِيّ وَأبي الْحسن الدَّارَقُطْنِيّ وَأبي عبد الله

стр. 172

ابْن مَنْدَه وَأبي الْحُسَيْن بن مَيْمُون وَأبي طَالب الْمَكِّيّ وَأبي عبد الرَّحْمَن السّلمِيّ وأمثال هَؤُلَاءِ فَمَا من طَائِفَة من طوائف أهل السّنة على تنوعهم إِذا اعتبرتها إِلَّا وتحققتها أعلم وَأَعْدل وَأبْعد عَن الْجَهْل وَالظُّلم من طَائِفَة الروافض فَلَا يُوجد فِي أحد مِنْهُم معاونة ظَالِم إِلَّا وَهُوَ فِي الرافضة أَكثر وَلَا يُوجد فِي الشِّيعَة عدل عَن ظلم ظَالِم إِلَّا وَهُوَ فِي هَؤُلَاءِ أَكثر وَهَذَا أَمر يشْهد بِهِ العيان وَالسَّمَاع لمن لَهُ إعتبار وَنظر وَلَا يُوجد فِي جَمِيع الطوائف أكذب مِنْهُم وَلَا أظلم مِنْهُم وَلَا أَجْهَل مِنْهُم وشيوخهم يقرونَ بألسنتهم يَقُولُونَ يَا أهل السّنة أَنْتُم فِيكُم فتوة لَو قَدرنَا عَلَيْكُم مَا عاملناكم بِمَا تعاملونا بِهِ عِنْد الْقُدْرَة علينا

стр. 173

الثَّالِث عشر أَن يُقَال هَذَا الشّعْر الَّذِي اسْتشْهد بِهِ وَاسْتَحْسنهُ هُوَ قَول جَاهِل فَإِن أهل السّنة متفقون على مَا روى جدهم عَن جِبْرِيل عَن الْبَارِي بل هم يقبلُونَ مُجَرّد قَول الرَّسُول ﷺ ويؤمنون بِهِ وَلَا يسألونه من أَيْن علمت هَذَا لعلمهم بِأَنَّهُ مَعْصُوم (وَمَا ينْطق عَن الْهوى إِن هُوَ إِلَّا وَحي يُوحى) وَإِنَّمَا سموا أهل السّنة لأتباعهم سنته ﷺ لَكِن الشَّأْن فِي معرفَة مَا رَوَاهُ جدهم فهم يطْلبُونَ ذَلِك من الثِّقَات الْأَثْبَات فَإِن كَانَ عِنْد العلويين علم شَيْء من ذَلِك إستفادوه مِنْهُم وَإِن كَانَ عِنْد غَيرهم علم شَيْء من ذَلِك إستفادوه مِنْهُ وَأما مُجَرّد كَون جدهم روى عَن جِبْرِيل عَن الْبَارِي إِذا لم يَكُونُوا عَالمين بِهِ فَمَا يصنع لَهُم وَالنَّاس لم يَأْخُذُوا قَول مَالك وَالشَّافِعِيّ وَأحمد وَغَيرهم إِلَّا لكَوْنهم يسندون أَقْوَالهم إِلَى مَا جَاءَ بِهِ النَّبِي ﷺ فَإِن هَؤُلَاءِ من أعلم النَّاس بِمَا جَاءَ بِهِ وأتبعهم لذَلِك وَأسد إجتهادا فِي معرفَة ذَلِك وَأَتْبَاعه وَإِلَّا فَأَي غَرَض للنَّاس فِي تَعْظِيم هَؤُلَاءِ وَعَامة الْأَحَادِيث الَّتِي يَرْوِيهَا هَؤُلَاءِ يَرْوِيهَا أمثالهم وَكَذَلِكَ عَامَّة مَا يجيبون بِهِ من الْمسَائِل كَقَوْل أمثالهم وَلَا يَجْعَل أهل السّنة قَول وَاحِد من هَؤُلَاءِ مَعْصُوما يجب إتباعه بل إِذا تنازعوا فِي شَيْء ردُّوهُ إِلَى الله وَالرَّسُول وَاعْتبر ذَلِك بِمَا تشاهده فِي زَمَانك من أهل الْعلم بِالْقُرْآنِ والْحَدِيث وَالْفِقْه فَإنَّك تَجِد كثيرا من بني هَاشم لَا يحفظ الْقُرْآن وَلَا يعرف من حَدِيث النَّبِي ﷺ إِلَّا مَا شَاءَ الله وَلَا يعرف مَعَاني ذَلِك فَإِذا قَالَ هَذَا

стр. 174

روى جدنا عَن جبرئيل عَن الْبَارِي قيل نعم وَهَؤُلَاء أعلم مِنْكُم بِمَا روى جدكم عَن جِبْرَائِيل وَأَنْتُم ترجعون فِي ذَلِك إِلَيْهِم وَإِذا كَانَ كل من الْأَوَّلين والآخرين من بني هَاشم قد يتَعَلَّم بعض مَا جَاءَ بِهِ إِلَّا كعلم أمثالهم فبمن يأتم النَّاس وَعَمن يَأْخُذُونَ أيأخذون عَمَّن يعرف مَا جَاءَ بِهِ جدهم أَو عَمَّن لَا يعرف ذَلِك وَالْعُلَمَاء هم وَرَثَة الْأَنْبِيَاء فَإِن الْأَنْبِيَاء لم يورثوا درهما وَلَا دِينَارا وَإِنَّمَا ورثوا الْعلم فَمن أَخذه أَخذ بِخَط وافر

стр. 175

وَإِن قَالَ مرادي بهؤلاء الْأَئِمَّة الإثنا عشر قيل لَهُ مَا رَوَاهُ عَليّ بن الْحُسَيْن وَأَبُو جَعْفَر وأمثالهما من حَدِيث جدهم فمقبول مِنْهُم كَمَا يرويهِ أمثالهم وَلَوْلَا أَن النَّاس وجدوا عِنْد مَالك وَالشَّافِعِيّ وَأحمد أَكثر مِمَّا وجدوه عِنْد مُوسَى بن جَعْفَر وَعلي بن مُوسَى وَمُحَمّد بن عَليّ لما عدلوا عَن هَؤُلَاءِ إِلَى هَؤُلَاءِ وَإِلَّا فَأَي غَرَض لأهل الْعلم وَالدّين أَن يعدلُوا عَن مُوسَى بن جَعْفَر إِلَى مَالك بن أنس وَكِلَاهُمَا من بلد وَاحِد فِي عصر وَاحِد وجدوا عِنْد مُوسَى بن جَعْفَر من علم الرَّسُول مَا وجدوه عِنْد مَالك مَعَ كَمَال رَغْبَة الْمُسلمين فِي معرفَة علم الرَّسُول وَنَفس بني هَاشم كَانُوا يستفيدون علم الرَّسُول من مَالك بن أنس أَكثر مِمَّا يستفيدونه من ابْن عمهم مُوسَى بن جَعْفَر ثمَّ الشَّافِعِي جَاءَ بعد مَالك وَقد خَالفه فِي أَشْيَاء وردهَا عَلَيْهِ حَتَّى وَقع بَينه وَبَين أَصْحَاب مَالك مَا وَقع وَهُوَ أقرب نسبا من بني هَاشم من مَالك وَمن أحرص النَّاس على مَا يستفيده من علم الرَّسُول من بني عَمه وَغير بني عَمه وَلَو وجد عِنْد أحد من بني هَاشم أعظم من الْعلم الَّذِي وجده عِنْد مَالك لَكَانَ أَشد النَّاس مسارعة إِلَى ذَلِك فَلَمَّا كَانَ يعْتَرف بِأَنَّهُ لم يَأْخُذ عَن أحد أعلم من مَالك وسُفْيَان بن عُيَيْنَة وَكَانَت كتبه مشحونة بِالْأَخْذِ عَن هذَيْن الْإِثْنَيْنِ وَغَيرهمَا وَلَيْسَ فِيهَا شَيْء عَن مُوسَى بن جَعْفَر وَأَمْثَاله من بني هَاشم علم أَن مَطْلُوبه من علم الرَّسُول ﷺ كَانَ عِنْد مَالك أَكثر مِمَّا هُوَ عِنْد هَؤُلَاءِ وَكَذَلِكَ أَحْمد بن جنبل قد علم كَمَال محبته لرَسُول الله ﷺ ولحديثه ومعرفته بأقواله وأفعاله وموالاته لمن يُوَافقهُ ومعاداته لمن يُخَالِفهُ ومحبته لبني هَاشم وتصنيفه فِي فضائلهم حَتَّى صنف فَضَائِل عَليّ وَالْحسن وَالْحُسَيْن كَمَا صنف فَضَائِل الصَّحَابَة وَمَعَ هَذَا فَكَتبهُ مَمْلُوءَة عَن مثل مَالك وَالثَّوْري وَالْأَوْزَاعِيّ وَاللَّيْث بن سعد ووكيع بن الْجراح وَيحيى

стр. 176

ابْن سعيد الْقطَّان وهشيم بن بشير وَعبد الرَّحْمَن بن مهْدي وأمثالهم دون مُوسَى بن جَعْفَر وَعلي بن مُوسَى وَمُحَمّد بن عَليّ وأمثالهم فَلَو وجد مَطْلُوبه عِنْد مثل هَؤُلَاءِ لَكَانَ أَشد النَّاس رَغْبَة فِي ذَلِك فَإِن زعم زاعم أَنه كَانَ عِنْدهم من الْعلم المخزون مَا لَيْسَ عِنْد أُولَئِكَ لَكِن كَانُوا يكتمونه فَأَي فَائِدَة للنَّاس من علم مَكْتُوم فَعلم لَا يُقَال بِهِ ككنز لَا ينْفق مِنْهُ فَكيف يأتم النَّاس بِمن لَا يبين لَهُم وَالْعلم المكتوم كَالْإِمَامِ الْمَعْدُوم وَكِلَاهُمَا لَا ينْتَفع بِهِ وَلَا يحصل بِهِ لطف وَلَا مصلحَة وَإِن قَالُوا بل كَانُوا يثبتون ذَلِك لخواصهم دون هَؤُلَاءِ الْأَئِمَّة قيل أَولا هَذَا كذب عَلَيْهِم فَإِن جَعْفَر بن مُحَمَّد لم يَجِيء بعده مثله وَقد أَخذ الْعلم عَن هَؤُلَاءِ الْأَئِمَّة كمالك وَابْن عُيَيْنَة وَشعْبَة وَالثَّوْري وَابْن جريج وَيحيى بن سعيد وأمثالهم من الْعلمَاء والمشاهير الْأَعْيَان ثمَّ من ظن بهؤلاء السَّادة أَنهم يكتمون الْعلم عَن مثل هَؤُلَاءِ ويخصون بِهِ قوما مجهولين لَيْسَ لَهُم فِي الْأمة لِسَان صدق فقد أَسَاءَ الظَّن بهم فَإِن فِي هَؤُلَاءِ من الْمحبَّة لله وَلِرَسُولِهِ وَالطَّاعَة لَهُ وَالرَّغْبَة فِي حفظ دينه وتبليغه وموالاة من وَالَاهُ ومعاداة من عَادَاهُ وصيانته عَن الزِّيَادَة وَالنُّقْصَان مَالا يُوجد قريب مِنْهُ لأحد من شُيُوخ الشِّيعَة وَهَذَا أَمر مَعْلُوم بِالضَّرُورَةِ لمن عرف وَهَؤُلَاء هَؤُلَاءِ وَاعْتبر هَذَا مِمَّا

стр. 177

تَجدهُ فِي كل زمَان من شُيُوخ السّنة وشيوخ الرافضة كمصنف هَذَا الْكتاب فَإِنَّهُ عِنْد الإمامية أفضلهم فِي زَمَانه بل يَقُول بعض النَّاس لَيْسَ فِي بِلَاد الْمشرق أفضل مِنْهُ فِي جنس الْعُلُوم مُطلقًا وَمَعَ هَذَا فَكَلَامه يدل على أَنه من اجهل خلق الله تَعَالَى بِحَال النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم

стр. 178

وأقواله وأعماله فيروى الْكَذِب الَّذِي يظْهر أَنه كذب من وُجُوه كَثِيرَة فَإِن كَانَ عَالما بِأَنَّهُ كذب فقد ثَبت عَنهُ ﷺ أَنه قَالَ من حدث عني بِحَدِيث وَهُوَ يرى أَنه كذب فَهُوَ أحد الْكَذَّابين وَإِن كَانَ جَاهِلا بذلك دلّ على أَنه من أَجْهَل النَّاس بأحوال النَّبِي ﷺ كَمَا قيل (فَإِن كنت لَا تَدْرِي فَتلك مُصِيبَة ... وَإِن كنت تَدْرِي فالمصيبة أعظم) وَأما الأبيات الَّتِي أنشدها فقد قيل فِي معارضتها (إِذا شِئْت أَن ترْضى لنَفسك مذهبا ... تنَال بِهِ الزلفى وتنجو من النَّار) (فدن بِكِتَاب الله وَالسّنة الَّتِي ... أَنْت عَن رَسُول الله من نقل أخيار) (ودع عَنْك دَاعِي الرَّفْض والبدع الَّتِي ... يقودك داعيها إِلَى النَّار والعار) (وسر خلف أَصْحَاب الرَّسُول فَإِنَّهُم ... نُجُوم هدى فِي ضوئها يَهْتَدِي الساري) (وعج عَن طَرِيق الرَّفْض فَهُوَ مؤسس ... على الْكفْر تأسيسا على جرف هار) (هما خطتان إِمَّا هدى وسعادة ... وَإِمَّا شقاء مَعَ ضَلَالَة كفار) (فَأَي فريقينا أَحَق بأمنه ... وَأهْدى سَبِيلا عِنْدَمَا يحكم الْبَارِي) (أَمن سبّ أَصْحَاب الرَّسُول وَخَالف الْكتاب ... وَلم يعبأ بِثَابِت الْأَخْبَار) (أم الْمُقْتَدِي بِالْوَحْي يسْلك مَنْهَج الصَّحَابَة ... مَعَ حب الْقَرَابَة الْأَطْهَار)

стр. 179

إِلَى أَن قَالَ وَمنع أَبُو بكر فَاطِمَة إرثها والتجأ إِلَى رِوَايَة إنفرد بهَا وَكَانَ هُوَ الْغَرِيم لَهَا لِأَن الصَّدَقَة تحل لَهُ لِأَن النَّبِي ﷺ قَالَ نَحن معاشر الْأَنْبِيَاء لَا نورث مَا تَرَكْنَاهُ صَدَقَة على مَا رَوَوْهُ عَنهُ وَالْقُرْآن يُخَالف ذَلِك لِأَنَّهُ تَعَالَى قَالَ (يُوصِيكُم الله فِي أَوْلَادكُم) وَهَذَا عَام وَكذب روايتهم فَقَالَ (وَورث سُلَيْمَان دَاوُد) وَقَالَ (فَهَب لي من لَدُنْك وليا يَرِثنِي) وَالْجَوَاب عَن قَوْله رِوَايَة إنفرد بهَا بِأَنَّهُ كذب رَوَاهُ عَن النَّبِي ﷺ أَبُو بكر وَعمر وَعُثْمَان وَعلي وَطَلْحَة وَالزُّبَيْر وَسَعِيد وَعبد الرَّحْمَن بن عَوْف وَالْعَبَّاس وَأَزْوَاج النَّبِي ﷺ وَأَبُو هُرَيْرَة ﵃ وأرضاهم أَجْمَعِينَ وَقَوله كَانَ الْغَرِيم لَهَا كذب فَإِن أَبَا بكر لم يدع التَّرِكَة لنَفسِهِ وَإِنَّمَا هِيَ صَدَقَة لمستحقها وَأَيْضًا فتيقن الصَّحَابَة وأولهم عَليّ ﵁ أَن النَّبِي ﷺ لَا يُورث وَلِهَذَا لما ولي عَليّ الْخلَافَة لم يقسم تَرِكَة النَّبِي ﷺ وَلَا غَيرهَا عَن مصرفها

стр. 180

وَعُمُوم آيَة الْمِيرَاث قد خص مِنْهُ هَذَا وَأَنه لَا يَرث الْكَافِر وَلَا الْقَاتِل عمدا وَلَا العَبْد وَغير ذَلِك ثمَّ إِن أَبَا بكر وَعمر ﵄ قد أعطيا عليا وبنيه ﵃ من المَال أَضْعَاف مَا خَلفه النَّبِي ﷺ وَمَا خَلفه النَّبِي ﷺ فقد سلمه عمر إِلَى عَليّ وَالْعَبَّاس ﵃ يليانه ويفعلان فِيهِ مَا كَانَ النَّبِي ﷺ يَفْعَله وَهَذَا مِمَّا يَنْفِي التُّهْمَة عَن أبي بكر وَعمر ثمَّ لَو قدر أَن أَبَا بكر وَعمر متغلبان موثبان على الْأَمر لكَانَتْ الْعَادة تقضي بِأَن لَا يزاحما الْوَرَثَة الْمُسْتَحقّين للولاية والتركة فِي ذَلِك المَال بل يعطيانهم ذَلِك وأضعافه ليكفوا عَن الْمُنَازعَة فِي الْولَايَة ثمَّ قَوْله تَعَالَى (وَورث سُلَيْمَان دَاوُد) لَا يدل إِذْ الْإِرْث اسْم جنس تَحْتَهُ أَنْوَاع وَالدَّال على مَا بِهِ الإشتراك لَا يدل على مَا بِهِ الإمتياز فَإِذا قيل هُنَا حَيَوَان لم يدل على إِنْسَان أَو فرس فَإِن لفظ الْإِرْث يسْتَعْمل فِي لفظ إِرْث الْعلم وَالْملك وَغير ذَلِك قَالَ تَعَالَى (ثمَّ أَوْرَثنَا الْكتاب الَّذين اصْطَفَيْنَا) وَقَالَ تَعَالَى (وَتلك الْجنَّة الَّتِي أورثتموها) (وأورثكم أَرضهم) (إِن الأَرْض لله يُورثهَا من يَشَاء) (وأورثنا الْقَوْم الَّذين كَانُوا يستضعفون) وَأخرج أَبُو دَاوُد أَن النَّبِي ﷺ قَالَ إِن الْأَنْبِيَاء لم يورثوا دِينَارا وَلَا ودرهما وَإِنَّمَا ورثوا الْعلم ثمَّ يُقَال بل المُرَاد إِرْث الْعلم والنبوة لَا المَال إِذْ مَعْلُوم أَنه كَانَ لداود أَوْلَاد كَثِيرَة غير سُلَيْمَان فَلَا يخْتَص سُلَيْمَان بِمَالِه وَلَيْسَ فِي كَونه ورث مَاله صفة مدح لَهما فَإِن الْبر والفاجر يَرث أَبَاهُ وَالْآيَة سيقت فِي بَيَان مدح سُلَيْمَان وَمَا خص بِهِ وإرث المَال من الْأُمُور العادية الْمُشْتَركَة بَين النَّاس وَمثل ذَلِك لَا يقص علينا لعدم فَائِدَته وَكَذَلِكَ قَوْله
следующие страницы →