← Акыда

Акыда · id 6531

المنتقى من منهاج الاعتدال

شمس الدين الذهبي

Полный текст (545 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

بِشَيْء من ذَلِك ودلالتهم على إستحالة وُقُوع ذَلِك مِنْهُ أَن الظُّلم والقبيح مَا شرع الله وجوب ذمّ فَاعله وذم الْفَاعِل لما لَيْسَ لَهُ فعله وَلنْ يكون كَذَلِك حَتَّى يكون متصرفا فِيمَا غَيره أملك بِهِ وبالتصرف فِيهِ مِنْهُ فَوَجَبَ إستحالة ذَلِك فِي حَقه من حَيْثُ لم يكن أَمر النَّاس بذمه وَلَا كَانَ مِمَّن يجوز دُخُول أَفعاله تَحت تَكْلِيف من نَفسه لنَفسِهِ وَلَا يكون فعله تَصرفا فِي شَيْء غَيره أملك بِهِ فَثَبت بذلك اسْتِحَالَة تصَوره فِي حَقه وَحَقِيقَة قَول هَؤُلَاءِ أَن الذَّم إِنَّمَا يكون لمن تصرف فِي ملك غَيره وَمن عصى الْأَمر وَالله يمْتَنع أَن يَأْمُرهُ أحد وَيمْتَنع أَن يتَصَرَّف فِي ملك غَيره فَإِن الْأَشْيَاء لَهُ وَهَذَا القَوْل يرْوى عَن إِيَاس ابْن مُعَاوِيَة قَالَ مَا خَاصَمت بعقلي كُله إِلَّا الْقَدَرِيَّة قلت أخبروني مَا الظُّلم قَالُوا أَن يتَصَرَّف الْإِنْسَان فِيمَا لَيْسَ لَهُ قلت فَللَّه كل شَيْء ثمَّ هَؤُلَاءِ يجوزون التعذيب لَا لجرم فَلَا يرد عَلَيْهِ الْمُعَارضَة بتعذيب الْقصير لقصره وَلَا الْأسود للونه لأَنهم يجوزون ذَلِك لمحض الْمَشِيئَة القَوْل الثَّانِي أَن الظُّلم مَقْدُور لله منزه عَنهُ كتعذيب الْإِنْسَان بذنب غَيره كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿وَمن يعْمل من الصَّالِحَات وَهُوَ مُؤمن فَلَا يخَاف ظلما وَلَا هضما﴾ وَهَؤُلَاء يَقُولُونَ الْفرق بَين تَعْذِيب الْإِنْسَان على فعله الإختياري وَغير فعله الإختياري مُسْتَقر فِي فطر الْعُقُول وَيَقُولُونَ الإحتجاج بِالْقدرِ على الذُّنُوب مِمَّا يعلم بُطْلَانه بِالْعقلِ فَإِن الظَّالِم لغيره لَو احْتج بِالْقدرِ لاحتج ظالمه بِالْقدرِ أَيْضا فالإحتجاج على فعل الْمعاصِي بِالْقدرِ بَاطِل بإتفاق الْملَل والعقلاء وَإِنَّمَا يحْتَج بِهِ من اتبع هَوَاهُ كَمَا قيل أَنْت عِنْد الطَّاعَة

стр. 107

قدري وَعند الْمعْصِيَة جبري أَي مَذْهَب وَافق هَوَاك تمذهبت بِهِ وَلَو كَانَ الْقدر حجَّة لفاعل الْفَوَاحِش لم يحسن أَن يلوم أحد أحدا وَلَا أَن يُعَاقب أحد أحدا وَقد يعرض ذَلِك لكثير من المدعين الْحَقِيقَة من الْفُقَرَاء والصوفية والعامة وَغَيرهم فَيَشْهَدُونَ الْقدر ويعرضون عَن الْأَمر وَالنَّهْي فَلَا عذر لأحد فِي ترك مَأْمُور وَلَا فعل مَحْظُور بِكَوْن ذَلِك مُقَدرا عَلَيْهِ بل لله الْحجَّة الْبَالِغَة على خلقه فالمحتجون بِالْقدرِ على الْمعاصِي شَرّ من الْقَدَرِيَّة المكذبين بِالْقدرِ وَمن ثمَّ اتهمَ بِالْقدرِ جمَاعَة لم يَكُونُوا قدرية لَكِن كَانُوا لَا يقبلُونَ الإحتجاج على الْمعاصِي بِالْقدرِ كَمَا قيل للْإِمَام أَحْمد كَانَ ابْن أبي ذِئْب قدريا فَقَالَ النَّاس كل من شدد عَلَيْهِم الْمعاصِي قَالُوا هُوَ قدري وَلِهَذَا تَجِد الَّذين يشْهدُونَ الْقدر يُنكرُونَ على من أنكر الْمُنكر وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ قدر عَلَيْهِم فَيُقَال لهَذَا وإنكار الْمُنكر أَيْضا بِقدر الله فنقضت قَوْلك بِقَوْلِك وَمن جهلة مشايخهم من يَقُول أَنا كَافِر بِرَبّ يعْصى وَلَو قتلت سبعين نَبيا مَا كنت مخطئا وَيَقُول آخر (أَصبَحت منفعلا لما يختاره ... مني ففعلي كُله طاعات) وَمن النَّاس من يظنّ أَن إحتجاج آدم على مُوسَى بِالْقدرِ كَانَ من هَذَا الْبَاب وَهَذَا جهل فَإِن الْأَنْبِيَاء من أعظم النَّاس أمرا بِمَا أَمر الله بِهِ ونهيا عَمَّا نهى عَنهُ فَكيف يسوغ لأجد مِنْهُم أَن يَعْصِي الله بِالْقدرِ وَأَيْضًا فَإِن آدم كَانَ قد تَابَ من الذَّنب وتيب عَلَيْهِ وَلَو كَانَ الْقدر حجَّة لَكَانَ حجَّة لإبليس وَفرْعَوْن وَغَيرهمَا وَلَكِن كَانَ ملام مُوسَى لآدَم لأجل الْمُصِيبَة الَّتِي لحقتهم بِسَبَب أكله وَلِهَذَا قَالَ لَهُ لماذا أخرجتنا وبنيك من

стр. 108

الْجنَّة وَالْعَبْد مَأْمُور أَن يرجع إِلَى الْقدر عِنْد المصائب لَا عِنْد الذُّنُوب والمعايب فيصبر على المصائب وَيَتُوب من الذُّنُوب قَالَ الله تَعَالَى ﴿فاصبر إِن وعد الله حق واستغفر لذنبك﴾ وَمَعْلُوم أَن الْأَفْعَال الإختيارية تكسب نفس الْإِنْسَان صِفَات محمودة وصفات مذمومة بِخِلَاف لَونه وقصره فَإِنَّهَا لَا تكسبه ذَلِك قَالَ ابْن عَبَّاس إِن للحسنة نورا فِي الْقلب وضياء فِي الْوَجْه وسعة فِي الرزق وَقُوَّة فِي الْبدن ومحبة فِي قُلُوب الْخلق فَالله تَعَالَى جعل أَفعَال العَبْد سَببا لهَذَا وَهَذَا كَمَا جعل أكل السم سَببا للمرض وَالْمَوْت لَكِن قد يدْفع ذَلِك بالترياق كَمَا أَن السَّيِّئَات قد يدْفع مقتضاها بِالتَّوْبَةِ والأعمال الصَّالِحَة الماحية والمصائب المكفرة وَإِذا قيل خلق الْفِعْل مَعَ حُصُول الْعقُوبَة عَلَيْهِ ظلم كَانَ بِمَنْزِلَة قَوْلك خلق السم ثمَّ حُصُول التّلف بِهِ ظلم وَقد دلّت الدَّلَائِل اليقينية على أَن كل حَادث فَالله خالقه وَفعل العَبْد من جملَة الْحَوَادِث فَمَا شَاءَ الله كَانَ وَمَا لم يَشَأْ لم يكن وَإِذا قيل حدث الْفِعْل بِإِرَادَة العَبْد قُلْنَا الْإِرَادَة أَيْضا حَادِثَة فَلَا بُد لَهَا من سَبَب وَإِن شِئْت قلت الْفِعْل مُمكن فَلَا تَرْجِيح لوُجُوده على عَدمه إِلَّا بمرجح وَكَون العَبْد فَاعِلا لَهُ حَادث مُمكن فَلَا بُد لَهُ من مُحدث مُرَجّح وَلَا فرق فِي ذَلِك بَين حَادث وحادث وَمن الْمَخْلُوقَات مَا قد يحصل بِهِ ضَرَر للْبَعْض كالأمراض والآلام وَفِي ذَلِك حِكْمَة لله فَإِذا كَانَ الْعقَاب على فعل العَبْد الإختياري لم يكن ظلما فالحادث بِالنِّسْبَةِ إِلَى الرب لَهُ فِيهِ حِكْمَة يحسن لأجل تِلْكَ الْحِكْمَة وَذَلِكَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى العَبْد عدل لِأَنَّهُ عُوقِبَ على فعله فَمَا ظلمه الله وَلَكِن هُوَ الظَّالِم وَلَو عاقبه الْوَالِي وَقطع يَده ورد إِلَى رب المَال سَرقته لعد حَاكما بِالْعَدْلِ وَلَو قَالَ لَهُ السَّارِق أَنا قدر على لم يكن هَذَا حجَّة لَهُ وَلَا مَانِعا لحكم الْوَالِي فَإِذا اقْتصّ الله من الظَّالِم يَوْم الْقِيَامَة كَانَ عادلا وَلَا ينفع الظَّالِم قَوْله أَنْت

стр. 109

قدرت عَليّ وَلَيْسَ الْقدر بِعُذْر لَهُ وَإِذا كَانَ الله هُوَ الْخَالِق لكل شَيْء فَذَاك لحكمة أُخْرَى لَهُ فِي الْفِعْل فخلقه حسن بِالنِّسْبَةِ لما فِيهِ من الْحِكْمَة وَلَقَد أنكر الْأَئِمَّة على من قَالَ جبر الله الْعباد كالثوري وَالْأَوْزَاعِيّ والزبيدي وَأحمد بن حَنْبَل وَقَالُوا الْجَبْر لَا يكون إِلَّا من عَاجز كَمَا يجْبر الْأَب ابْنَته على خلاف مرادها وَالله تَعَالَى خَالق الْإِرَادَة وَالْمرَاد فَيُقَال جبل الله الْعباد كَمَا جَاءَت بِهِ السّنة وَلَا يُقَال جبر قَالَ النَّبِي ﷺ لأشج عبد الْقَيْس إِن فِيك لخلتين يحبهما الله الْحلم والأناة فَقَالَ أخلقين تخلقت بهما أم جبلت عَلَيْهِمَا قَالَ بل جبلت عَلَيْهِمَا فَقَالَ الْحَمد لله الَّذِي جبلني على خلتين يحبهما الله فجهة خلق الله وَتَقْدِيره غير جِهَة أمره وتشريعه فَإِن أمره وتشريعه مَقْصُوده بَيَان مَا ينفع الْعباد إِذا فَعَلُوهُ وَمَا يضرهم بِمَنْزِلَة أَمر الطَّبِيب الْمَرِيض بِمَا يَنْفَعهُ وحميته مِمَّا يضرّهُ فَأخْبر الله على ألسن رسله بمصير السُّعَدَاء والأشقياء وَأمر بِمَا يُوصل إِلَى السَّعَادَة وَنهى عَمَّا يُوصل إِلَى الشقاوة وَأما خلقه وَتَقْدِيره فَيتَعَلَّق بِهِ وبجملة الْمَخْلُوقَات فيفعل مَا لَهُ فِيهِ حِكْمَة مُتَعَلقَة بِعُمُوم خلقه وَإِن كَانَ فِي ضمن ذَلِك مضرَّة للْبَعْض كَمَا أَنه ينزل الْغَيْث رَحْمَة وَحِكْمَة وَإِن كَانَ فِي ضمن ذَلِك ضَرَر للْبَعْض بِسُقُوط منزله أَو إنقطاعه عَن سَفَره أَو تَعْطِيل معيشته وَيُرْسل الرُّسُل رَحْمَة وَحِكْمَة وَإِن كَانَ فِي ضمن ذَلِك أَذَى قوم وَسُقُوط رياستهم فَإِذا قدر على الْكَافِر كفره قدره لما فِي ذَلِك من الْحِكْمَة والمصلحة الْعَامَّة وعاقبه لإستحقاقه ذَلِك بِفِعْلِهِ الإختياري وَلما فِي عُقُوبَته من الْحِكْمَة والمصلحة الْعَامَّة

стр. 110

وَقِيَاس أَفعاله تَعَالَى على أفعالنا خطأ ظَاهر لِأَن السَّيِّد يَأْمر عَبده بِأَمْر لِحَاجَتِهِ إِلَيْهِ ولغرضه فَإِذا أثابه على ذَلِك كَانَ من بَاب الْمُعَاوضَة وَلَيْسَ هُوَ الْخَالِق لفعل الْمَأْمُور وَالله غَنِي عَن الْعباد إِنَّمَا أَمرهم بِمَا يَنْفَعهُمْ ونهاهم عَمَّا يضرهم أَمر إرشاد وَتَعْلِيم فَإِن أعانهم على فعل الْمَأْمُور فقد تمت نعْمَته وَإِن خذل وَلم يعن العَبْد حَتَّى فعل الذَّنب كَانَ لَهُ فِي ذَلِك حِكْمَة أُخْرَى وَإِن كَانَت مستلزمة تألم هَذَا فَإِنَّمَا يألم بأفعاله الَّتِي من شَأْنهَا أَن تورثه نعيما أَو عذَابا وَإِن ذَلِك الإيراث بِقَضَاء الله وَقدره فَلَا مُنَافَاة بَين هَذَا وَهَذَا بَقِي الْكَلَام فِي نفس تِلْكَ الْحِكْمَة الْكُلية فَهَذِهِ لَيْسَ على النَّاس مَعْرفَتهَا ويكفيهم التَّسْلِيم لمن قد عرفُوا حكمته وَرَحمته وَقدرته فَمن الْمَعْلُوم مَا لَو علمه كثير من النَّاس لضرهم علمه فحكمته أكبر من الْعُقُول قَالَ تَعَالَى ﴿لَا تسألوا عَن أَشْيَاء إِن تبد لكم تَسُؤْكُمْ﴾ وَهَذِه الْمَسْأَلَة مَسْأَلَة غايات أَفعَال الله تَعَالَى وَنِهَايَة حكمته ولعلها أجل الْمسَائِل الإلهية وَمَا ضلت الْقَدَرِيَّة إِلَّا من جِهَة قِيَاس الله بخلقه فِي عدلهم وظلمهم كَمَا ضلت الجبرية الَّذين لَا يجْعَلُونَ لأفعال الله حِكْمَة وَلَا ينزهونه عَن ظلم وَدين الله بَين الغالي فِيهِ والجافي عَنهُ وقولك عَنْهُم وَلم يخلق فِيهِ قدرَة على الْإِيمَان فَهَذَا قَالَه من يَقُول إِن الْقُدْرَة لَا تكون إِلَّا مَعَ الْفِعْل فَمن لم يفعل شَيْئا لم يكن قَادِرًا عَلَيْهِ وَلَكِن لَا يكون عَاجِزا عَنهُ وَلَيْسَ ذَا قَول جُمْهُور السّنة بل يثبتون للْعَبد قدرَة هِيَ منَاط الْأَمر وَالنَّهْي غير الْقُدْرَة الْمُقَارنَة للْفِعْل وَتلك الْقُدْرَة تكون مُتَقَدّمَة على الْفِعْل بِحَيْثُ تكون لمن لم يطع كَمَا قَالَ الله تَعَالَى (وَللَّه على النَّاس حج الْبَيْت من إستطاع إِلَيْهِ سَبِيلا) فَأوجب الْحَج على المستطيع فَلَو لم يسْتَطع إِلَّا من حج لم يكن الْحَج إِلَّا على من

стр. 111

حج وَلَا عُوقِبَ أحد على ترك الْحَج وَقَالَ ﴿فَاتَّقُوا الله مَا اسْتَطَعْتُم﴾ فَأوجب التَّقْوَى بِحَسب الإستطاعة فَلَو كَانَ من لم يتق الله لم يسْتَطع التَّقْوَى لم يكن قد أوجب التَّقْوَى إِلَّا على من اتَّقى وَأهل السّنة متفقون على أَن لله على عَبده الْمُطِيع نعْمَة دينية خصّه بهَا دون الْكَافِر وَأَنه أَعَانَهُ على الطَّاعَة قَالَ تَعَالَى ﴿وَلَكِن الله حبب إِلَيْكُم الْإِيمَان وزينه فِي قُلُوبكُمْ وَكره إِلَيْكُم الْكفْر والفسوق والعصيان﴾ وَعند الْقَدَرِيَّة هَذَا التحبب والتزين عَام فِي كل الْخلق وَالْآيَة تَقْتَضِي أَنه خَاص بِالْمُؤْمِنِينَ وَقَالَ تَعَالَى ﴿فَمن يرد الله أَن يهديه يشْرَح صَدره لِلْإِسْلَامِ﴾ الْآيَة وَقَالَ ﴿أَو من كَانَ مَيتا فأحييناه وَجَعَلنَا لَهُ نورا يمشي بِهِ فِي النَّاس﴾ وَقَالَ ﴿بل الله يمن عَلَيْكُم أَن هدَاكُمْ للْإيمَان﴾ وَقد أمرنَا الله أَن نقُول ﴿اهدنا الصِّرَاط الْمُسْتَقيم﴾ وَالدُّعَاء إِنَّمَا يكون لمستقبل غير حَاصِل وَهَذِه الْهِدَايَة غير الْهدى الَّذِي هُوَ بَيَان الرَّسُول وتبليغه قَالَ الله ﴿وَلَوْلَا فضل الله عَلَيْكُم وَرَحمته مَا زكا مِنْكُم من أحد أبدا وَلَكِن الله يُزكي من يَشَاء﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿وجعلناهم أَئِمَّة يهْدُونَ بأمرنا﴾ وَقَالَ ﴿وجعلناهم أَئِمَّة يدعونَ إِلَى النَّار﴾ وَهَذَا كثير جدا وَمِمَّا ورد فِي الإستطاعة قَوْله تَعَالَى ﴿وَمن لم يسْتَطع مِنْكُم طولا أَن ينْكح الْمُحْصنَات الْمُؤْمِنَات﴾ وَقَالَ ﴿وسيحلفون بِاللَّه لَو استطعنا لخرجنا مَعكُمْ﴾ وَقَالَ ﴿فَمن لم يسْتَطع فإطعام سِتِّينَ مِسْكينا﴾ وَقَالَ ﷺ لعمران ابْن حُصَيْن صل قَائِما فَإِن لم تستطع فقاعدا فَإِن لم تستطع فعلى جنب فَإِنَّمَا نفى إستطاعة لَا فعل مَعهَا فالإستطاعة الْمَشْرُوطَة فِي الشَّرْع أخص من الإستطاعة الْمَعْلُومَة بِالْعقلِ فَإِن الشَّارِع ييسر على عباده وَيُرِيد بهم الْيُسْر فالمريض يَسْتَطِيع الْقيام مَعَ تَأَخّر برئه فَهَذَا فِي الشَّرْع غير مستطيع لأجل حُصُول الضَّرَر عَلَيْهِ وَإِن كَانَ قد تسمى مستطيعا

стр. 112

فالشارع لَا ينظر فِي الإستطاعة الشَّرْعِيَّة إِلَى مُجَرّد الْإِمْكَان بل يُرَاعِي لَوَازِم ذَلِك فَإِذا كَانَ الشَّارِع قد اعْتبر فِي المكنة عدم الْمفْسدَة الراجحة فَكيف يُكَلف مَعَ الْعَجز وَلَكِن هَذِه الإستطاعة مَعَ بَقَائِهَا إِلَى حِين الْفِعْل لَا تَكْفِي فِي وجود الْفِعْل إِذْ لَو كفت لَكَانَ التارك كالفاعل بل لَا بُد من إِحْدَاث إِعَانَة أُخْرَى تقارن هَذِه مثل جعل الْفَاعِل مرِيدا فَإِن الْفِعْل لَا يتم إِلَّا بقدرة وَإِرَادَة والإستطاعة الْمُقَارنَة للْفِعْل تدخل فِيهَا الْإِرَادَة الجازمة بِخِلَاف الْمَشْرُوطَة فِي التَّكْلِيف فَإِنَّهُ لَا يشْتَرط فِيهَا الْإِرَادَة فَالله يَأْمر بِالْفِعْلِ من لَا يُريدهُ لَكِن لَا يَأْمر بِهِ من يعجز عَنهُ كَمَا أَن السَّيِّد يَأْمر عَبده بِمَا لَا يُريدهُ وَلَا يَأْمُرهُ بِمَا يعجز عَنهُ وَإِذا اجْتمعت الْإِرَادَة الجازمة وَالْقُوَّة التَّامَّة لزم وجود الْفِعْل وَمن قَالَ الْقُدْرَة لَا تكون إِلَّا مَعَ الْفِعْل يَقُول كل كَافِر وفاسق قد كلف مَا لَا يُطَاق وَلَيْسَ هَذَا الْإِطْلَاق قَول جُمْهُور أَئِمَّة السّنة بل يَقُولُونَ أوجب الله الْحَج على المستطيع حج أَو لم يحجّ وَأوجب صِيَام الشَّهْرَيْنِ فِي الْكفَّار كفر أَو لم يكفر وَأوجب الْعِبَادَة على الْقَادِر دون الْعَاجِز فعل أَو لم يفعل وَمَا لَا يُطَاق يُفَسر بشيئين بِمَا لَا يُطَاق للعجز عَنهُ فَهَذَا مَا كلفه أحد أَو بِمَا لَا يُطَاق للإشتغال بضده فَهَذَا الَّذِي وَقع بِهِ التَّكْلِيف كَمَا فِي أَمر الْعباد بَعضهم لبَعض فَإِنَّهُم يفرقون بَين هَذَا وَهَذَا فَلَا يَأْمر السَّيِّد عَبده الْأَعْمَى بنقط الْمَصَاحِف ويأمره عَبده الْقَاعِد أَن يقوم وَالْفرق بَينهمَا ضَرُورِيّ قَالَ الرافضي وَمِنْهَا إفحام الْأَنْبِيَاء وإنقطاع حجتهم لِأَن النَّبِي إِذا قَالَ للْكَافِرِ آمن بِي وصدقني يَقُول لَهُ قل لِرَبِّك يخلق فِي الْإِيمَان وَالْقُدْرَة المؤثرة حَتَّى أفعل وَإِلَّا فَكيف تكلفني الْإِيمَان وَلَا قدرَة لي عَلَيْهِ بل خلق فِي الْكفْر وَأَنا

стр. 113

لَا أتمكن من مقاهرته فَيَنْقَطِع النَّبِي وَلَا يتَمَكَّن من جَوَابه فَيُقَال هَذَا مقَام يكثر الْخَوْض فِيهِ وَكثير من البطالين إِذا أَمر بِمَا يجب عَلَيْهِ تعلل بِالْقدرِ وَقَالَ حَتَّى يقدرني الله على ذَلِك وَكَذَا إِذا نهي قَالَ قد قضي عَليّ بذلك أَي جبلة فِي والإحتجاج بِالْقدرِ حجَّة داحضة لَا يعْذر بهَا العَبْد وَلِهَذَا لما قَالَ الْمُشْركُونَ ﴿لَو شَاءَ الله مَا أشركنا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حرمنا من شَيْء﴾ قَالَ الله تَعَالَى ﴿قل هَل عنْدكُمْ من علم فتخرجوه لنا إِن تتبعون إِلَّا الظَّن وَإِن أَنْتُم إِلَّا تخرصون قل فَللَّه الْحجَّة الْبَالِغَة فَلَو شَاءَ لهداكم أَجْمَعِينَ﴾ فَإِن هَؤُلَاءِ علمُوا بفطرهم أَن حجتهم داحضة فَإِن أحدهم لَو ظلم الآخر فِي مَاله أَو فجر بامرأته أَو قتل وَلَده أَو كَانَ مصرا على الظُّلم فَنَهَاهُ النَّاس فَقَالَ لَو شَاءَ الله لم أفعل لم يقبلُوا مِنْهُ هَذِه الْحجَّة وَلَا هُوَ يقبلهَا من غَيره ولوجبت عُقُوبَته وَإِنَّمَا يحْتَج بهَا المحتج دفعا للوم بِلَا وَجه وَلَو كَانَ الإحتجاج بِالْقدرِ عذرا لما حصل فرق بَين الطائع والعاصي فَأثْبت الله عَلَيْهِم الْحجَّة بقوله ﴿قل فَللَّه الْحجَّة الْبَالِغَة﴾ ثمَّ أثبت الْقدر بقوله ﴿فَلَو شَاءَ لهداكم أَجْمَعِينَ﴾ وَكِلَاهُمَا حق قَالَ وَمِنْهَا تَجْوِيز أَن يعذب الله سيد الْمُرْسلين على طَاعَته ويثيب إِبْلِيس على مَعْصِيَته لِأَنَّهُ يفعل لَا لغَرَض فَيكون فَاعل الطَّاعَة سَفِيها لِأَنَّهُ يتعجل بالتعب فِي الإجتهاد فِي الْعِبَادَة وَإِخْرَاج مَاله فِي عمَارَة الْمَسَاجِد والربط وَالصَّدقَات من غير نفع يحصل لَهُ لِأَنَّهُ قد يُعَاقِبهُ على ذَلِك وَلَو فعل عوض ذَلِك مَا يتلذذ بِهِ من الْمعاصِي قد يثيبه وَهَذَا يُؤَدِّي إِلَى خراب الْعَالم وإضطراب الدّين فَيُقَال هَذَا بَاطِل لم ينْقل أحد مِنْهُم أَن الله يعذب أنبياءه وَلَا أَنه قد يعذبهم بل اتَّفقُوا على أَنه يثيبهم لَا محَالة لِأَنَّهُ وعد بذلك وَهُوَ لَا يخلف الميعاد بل من النَّاس من يَقُول علمت إثابتهم بِالسَّمْعِ وَمِنْهُم

стр. 114

من قَالَ بِالْعقلِ وَقَالَ تَعَالَى ﴿أم حسب الَّذين اجترحوا السَّيِّئَات أَن نجعلهم كَالَّذِين آمنُوا وَعمِلُوا الصَّالِحَات﴾ وَهَذَا إستفهام إِنْكَار على من يظنّ ذَلِك فَعلم أَن التَّسْوِيَة بَين أهل الطَّاعَة وَأهل الْكفْر مِمَّا يعلم بُطْلَانه وَإِن ذَلِك من الحكم السيء الَّذِي تنزه الله عَنهُ وَقَالَ تَعَالَى ﴿أم نجْعَل الَّذين آمنُوا وَعمِلُوا الصَّالِحَات كالمفسدين فِي الأَرْض أم نجْعَل الْمُتَّقِينَ كالفجار﴾ ﴿أفنجعل الْمُسلمين كالمجرمين مَا لكم كَيفَ تحكمون﴾ وقولك مِنْهَا تَجْوِيز تَعْذِيب الْأَنْبِيَاء إِن أردْت أَنهم يَقُولُونَ إِنَّه قَادر على ذَلِك فَأَنت لَا تنَازع فِي الْقُدْرَة وَإِن أردْت أَنا نشك هَل يَفْعَله أَو لَا يَفْعَله فمعلوم أَنا لَا نشك بل نقطع بِدُخُول أَنْبيَاء الله وأوليائه جنته وبدخول إِبْلِيس وَحزبه النَّار وَإِن أردْت أَن من قَالَ يفعل لَا لحكمة يلْزمه تَجْوِيز هَذَا فَهَذَا قَول لبَعض الْمُتَكَلِّمين لَكِن أَكثر أهل السّنة لَا يَقُولُونَ ذَلِك ثمَّ الْكل متفقون على أَن وجود الطَّاعَة نَافِع وَعدمهَا مُضر قَالَ وَمِنْهَا أَنه لَا يتَمَكَّن أحد من تَصْدِيق نَبِي لِأَن التَّوَصُّل إِلَى ذَلِك إِنَّمَا يتم بمقدمتين إِحْدَاهمَا أَن الله فعل المعجز على يَد النَّبِي لأجل التَّصْدِيق وَالثَّانيَِة أَن كل من صدقه الله فَهُوَ صَادِق فكلا المقدمتين لَا تتمّ على قَوْلهم لِأَنَّهُ إِذا إستحال أَن يفعل لغَرَض إستحال أَن تظهر المعجزات لأجل التَّصْدِيق وَإِذا كَانَ فَاعِلا للقبيح ولأنواع الضلال والمعاصي وَالْكذب جَازَ أَن يصدق الْكذَّاب فَلَا يَصح الإستدلال على صدق نَبِي وَلَا نَذِير قُلْنَا قد تقدم أَن أَكثر أهل السّنة المثبتين للقدر وَغَيرهم يَقُولُونَ إِن الله يفعل لحكمة فَهَذَا القَوْل وضده لَا يخرج عَن أَقْوَال السّنة وَأَيْضًا فَلَا نسلم أَن تَصْدِيق النَّبِي لَا يُمكن إِلَّا بطرِيق الإستدلال بالمعجزات بل الطّرق الدَّالَّة على صدقه مُتعَدِّدَة غير المعجزات وَمن قَالَ لَا طَرِيق إِلَّا ذَلِك فعلى النَّافِي الدَّلِيل ثمَّ إِن دلَالَة المعجزة على الصدْق دلَالَة ضَرُورِيَّة

стр. 115

لَا تحْتَاج إِلَى نظر فَإِن إقتران المعجزة بِدَعْوَى النُّبُوَّة يُوجب علما ضَرُورِيًّا أَن الله أظهرها لصدقه كَمَا أَن من قَالَ لملك من الْمُلُوك إِن كنت أرسلتني إِلَى هَؤُلَاءِ فانقض عادتك وقم واقعد ثَلَاث مَرَّات فَفعل ذَلِك الْملك علمنَا بِالضَّرُورَةِ أَنه فعل ذَلِك لأجل تَصْدِيقه وقولك إِذا كَانَ فَاعِلا للقبيح جَازَ أَن يصدق الْكذَّاب قُلْنَا مَا فِي الْمُسلمين من يَقُول إِن الله يفعل قبيحا وَمن قَالَ أَنه خَالق أَفعَال الْعباد يَقُول ذَلِك الْفِعْل قَبِيح مِنْهُم لَا مِنْهُ كَمَا أَنه ضار لَهُم لَا لَهُ ثمَّ الْآخرُونَ يَقُولُونَ إِن ذَلِك الْفِعْل مفعول لَهُ وَهُوَ فعل للْعَبد وَأما نفس خرق الْعَادة فَلَيْسَتْ فعلا للعباد حَتَّى يُقَال إِنَّهَا قبيحة مِنْهُم وتصديق الْكذَّاب إِنَّمَا يكون بإخباره أَنه صَادِق سَوَاء كَانَ ذَلِك بقول أَو فعل يجْرِي مجْرى القَوْل وَذَلِكَ مُمْتَنع مِنْهُ لِأَنَّهُ صفة نقص وَالله منزه عَن النَّاقِص قَالَ وَمِنْهَا أَنه لَا يَصح أَن يُوصف الله أَنه غَفُور حَلِيم عَفْو لِأَن وَصفه بِهَذَا إِنَّمَا يثبت لَو كَانَ مُسْتَحقّا لعقاب الْفُسَّاق بِحَيْثُ إِذا أسْقطه عَنْهُم كَانَ غَفُورًا عفوا وَإِنَّمَا يسْتَحق الْعقَاب إِذا كَانَ الْعِصْيَان من العَبْد لَا من الله فَنَقُول الْجَواب من وُجُوه أَحدهَا أَن كثيرا من أهل السّنة يَقُول لَا نسلم أَن وَصفه بِهَذِهِ إِنَّمَا يثبت لَو كَانَ مُسْتَحقّا بل الْوَصْف بهَا يثبت إِذا كَانَ قَادِرًا على الْعقَاب مَعَ قطع النّظر عَن الإستحقاق فيفعل مَا يَشَاء وَيحكم مَا يُرِيد الثَّانِي أَن قَول الْقَائِل يسْتَحق الْعقَاب يَعْنِي بِهِ أَن عِقَابه للعصاة عدل مِنْهُ أَو يَعْنِي بِهِ أَنه مُحْتَاج إِلَى ذَلِك أما الأول فمتفق عَلَيْهِ فعفوه ومغفرته بِفضل وإحسان مِنْهُ وَهَذَا يَقُول بِهِ من يَقُول إِنَّه خَالق أفعالهم والقائلون بِأَنَّهَا أَفعَال لَهُ كسب لَهُم متفقون على أَن الْعقَاب عدل مِنْهُ الثَّالِث أَن يُقَال الْمَغْفِرَة وَالْعَفو وَالرَّحْمَة إِمَّا أَن يُوصف بهَا مَعَ كَون الْعقَاب قبيحا

стр. 116

على قَول من يَقُول بذلك وَإِمَّا أَن لَا يُوصف بهَا إِلَّا إِذا كَانَ الْعقَاب سائغا فَإِن كَانَ الأول لزم أَن لَا يكون غفارًا لمن تَابَ وآمن وَعمل صَالحا ثمَّ اهْتَدَى لِأَن عِقَاب هَؤُلَاءِ قَبِيح وَالْمَغْفِرَة لَهُم وَاجِبَة عِنْد أهل هَذَا القَوْل وَيلْزم أَن لَا يكون رحِيما وَلَا غَفُورًا للأنبياء وَيلْزم أَن لَا يكون رحِيما غَفُورًا لمن ظلم ثمَّ بدل حسنا بعد سوء وَقد ثَبت أَنه غفار للتوابين رَحِيم بِالْمُؤْمِنِينَ فَعلم أَنه مَوْصُوف بالمغفرة وَالرَّحْمَة مُطلقًا الرَّابِع أَن الْعِصْيَان من العَبْد بِمَعْنى أَنه فَاعله عِنْد الْأَكْثَر وَبِمَعْنى أَنه كاسبه عِنْد الْبَعْض وَبِهَذَا القَوْل يسْتَحق الْآدَمِيّ أَن يُعَاقب الظَّالِم فإستحقاق الله عِقَاب الظَّالِم أولى بذلك وَأما كَونه خَالِقًا لذَلِك فَذَاك أَمر يعود إِلَيْهِ وَله فِيهِ حِكْمَة عِنْد الْجُمْهُور الْقَائِلين بالحكمة أَو لمحض الْمَشِيئَة عِنْد من لَا يُعلل بالحكمة قَالَ وَمِنْهَا أَنه يلْزم تَكْلِيف مَا لَا يُطَاق لِأَنَّهُ تَكْلِيف الْكَافِر بِالْإِيمَان وَلَا قدرَة لَهُ عَلَيْهِ وَهُوَ قَبِيح عقلا وَقَالَ تَعَالَى ﴿لَا يُكَلف الله نفسا إِلَّا وسعهَا﴾ فَالْجَوَاب أَن المثبتين للقدر لَهُم فِي قدرَة العَبْد قَولَانِ أَحدهمَا أَن قدرته لَا تكون إِلَّا مَعَ الْفِعْل وعَلى هَذَا فالكافر الَّذِي قد سبق فِي علم الله أَنه لَا يُؤمن لَا يقدر على الْإِيمَان أبدا الثَّانِي أَن الْقُدْرَة الْمَشْرُوطَة فِي التَّكْلِيف تكون قبل الْفِعْل وبدونه وَإِلَى حِين وُقُوعه وَالْقُدْرَة المستلزمة للْفِعْل فَلَا بُد أَن تكون مَعَه وأصل قَوْلهم أَن الله خص الْمُؤمن بِنِعْمَة يَهْتَدِي بهَا لم يُعْطهَا الْكَافِر وَأَن العَبْد لَا بُد أَن يكون قَادِرًا حِين الْفِعْل خلافًا لمن زعم أَنه لَا يكون قَادِرًا إِلَّا قبل الْفِعْل وَأَن النِّعْمَة على الْكَافِر وَالْمُؤمن سَوَاء إِلَى أَن قَالَ وعَلى قَول جُمْهُور السّنة الْقَائِلين بِأَن الْكَافِر يقدر على الْإِيمَان يبطل

стр. 117

هَذَا الْإِيرَاد وعَلى قَول الآخرين فيلتزمونه وَأي الْقَوْلَيْنِ كَانَ الصَّوَاب فَهُوَ غير خَارج عَن أَقْوَال أهل السّنة وَأَيْضًا فتكليف مَا لَا يُطَاق كتكليف الزَّمن الْمَشْي وتكليف الْآدَمِيّ الطيران فَغير وَاقع فِي الشَّرِيعَة عِنْد جَمَاهِير أهل السّنة المثبتين للقدر وَلَيْسَ فِيمَا ذكره مَا يَقْتَضِي لُزُوم وُقُوع هَذَا وَأما مَا لَا يُطَاق للإشتغال بضده كإشتغال الْكَافِر بالْكفْر الصَّاد عَن الْإِيمَان وكالقاعد فِي حَال قعوده فَإِن إشتغاله بالقعود يمْنَع أَن يكون قَائِما والإرادة الجازمة لأحد الضدين تنَافِي إِرَادَة الآخر وتكليف الْكَافِر الْإِيمَان من هَذَا الْبَاب وَمثل هَذَا لَا نسلم أَنه قَبِيح عقلا بل الْعُقَلَاء متفقون على أَن أَمر الْإِنْسَان وَنَهْيه بِمَا لَا يقدر عَلَيْهِ حَال الْأَمر وَالنَّهْي لإشتغاله بضده إِذا أمكن أَن يتْرك ذَلِك الضِّدّ وَيفْعل الْمَأْمُور بِهِ مُمكن سَائِغ الْخَامِس أَن تَكْلِيف مَا لَا يُطَاق إِذا فسر بِأَنَّهُ الْفِعْل الَّذِي لَيْسَ لَهُ قدرَة عَلَيْهِ تقارن مقدورها كَانَ دَعْوَى إمتناعه بِهَذَا التَّفْسِير مورد نزاع فَيحْتَاج نَفْيه إِلَى دَلِيل قَالَ وَمِنْهَا أَن تكون أفعالنا الإختيارية الْوَاقِعَة بِحَسب قصودنا ودواعينا مثل حركتنا يمنة ويسرة كالأفعال الإضطرارية مثل حَرَكَة النبض وحركة الْوَاقِع من شَاهِق وَالْفرق بَينهمَا ضَرُورِيّ قُلْنَا هَذَا يلْزم من يَقُول العَبْد لَا قدرَة لَهُ على أَفعاله الإختيارية وَلَيْسَ هَذَا قَول إِمَام مَعْرُوف وَلَا طَائِفَة من السّنة والمثبتة للقدر إِلَّا مَا يحْكى عَن الجهم بن صَفْوَان وغلاة المثبتة أَنهم سلبوا العَبْد قدرته وَقَالُوا حركته كحركة الْأَشْجَار وَأَشد الطوائف قربا من هَؤُلَاءِ الْأَشْعَرِيّ وَهُوَ مَعَ هَذَا يثبت للْعَبد قدرَة محدثة وَيَقُول الْفِعْل كسب العَبْد لكنه يَقُول لَا تَأْثِير لقدرته فِي إِيجَاد الْمَقْدُور

стр. 118

فَمَا أثْبته من الْكسْب لَا يعقل وَنحن لَا ننكر أَن بعض أهل السّنة قد يخطيء لَكِن لَا يتفقون على الْخَطَأ كَمَا تتفق الإمامية على الْخَطَأ بل كل مَسْأَلَة خَالَفت فِيهَا الإمامية أهل السّنة فَالصَّوَاب فِيهَا مَعَ أهل السّنة فالجمهور على أَن العَبْد لَهُ قدرَة حَقِيقَة وَهُوَ فَاعل حَقِيقَة وَالله خَالق فعله لقَوْله تَعَالَى ﴿خَالق كل شَيْء﴾ وَقَالَ تَعَالَى عَن إِبْرَاهِيم ﴿رَبنَا واجعلنا مُسلمين لَك﴾ وَقَالَ ﴿رب اجْعَلنِي مُقيم الصَّلَاة وَمن ذريتي﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿وجعلناهم أَئِمَّة يهْدُونَ بأمرنا﴾ وَقَالَ ﴿وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْن مَا كنت﴾ وَقَالَ ﴿وجعلناهم أَئِمَّة يدعونَ إِلَى النَّار﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَمَا تشاؤون إِلَّا أَن يَشَاء الله﴾ أثبت مَشِيئَة العَبْد وَأخْبر أَنَّهَا لَا تكون إِلَّا بِمَشِيئَة الرب تَعَالَى وَقد أخبر أَن الْعباد يَفْعَلُونَ ويعملون ويؤمنون ويكفرون ويصدقون ويكذبون فِي مَوَاضِع جمة وَأَن لَهُم قُوَّة واستطاعة وشناعاته تلْزم من لَا يفرق بَين فعل الرب ومفعوله أَو يَقُول إِن أَفعَال الْعباد فعل الله أَو يَقُول لَيْسَ فِي الْمَخْلُوقَات قوى وَلَا طبائع وَقد دلّت النُّصُوص على ذَلِك والعقول قَالَ تَعَالَى ﴿سقناه لبلد ميت فأنزلنا بِهِ المَاء فأخرجنا بِهِ من كل الثمرات﴾ وَقَالَ ﴿فأحيا بِهِ الأَرْض بعد مَوتهَا﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿يهدي بِهِ الله من اتبع رضوانه﴾ وَقَالَ ﴿يضل بِهِ كثيرا وَيهْدِي بِهِ كثيرا﴾ وَقَالَ ﴿أولم يرَوا أَن الله الَّذِي خلقهمْ هُوَ أَشد مِنْهُم قُوَّة﴾ وَقَالَ ﴿خَلقكُم من ضعف ثمَّ جعل من بعد ضعف قُوَّة﴾ وَقَالَ ﷺ لأشج عبد الْقَيْس إِن فِيك لخصلتين يحبهما الله الْحلم والأناة إِلَى أَن قَالَ شَيخنَا فأفعال الْعباد حَادِثَة بعد أَن لم تكن فَحكمهَا حكم سَائِر الْحَوَادِث وَهِي مُمكنَة من الممكنات فَحكمهَا حكم سَائِر الممكنات فَمَا من دَلِيل اسْتدلَّ بِهِ على أَن بعض

стр. 119

الْحَوَادِث الممكنات مخلوقة لله تَعَالَى إِلَّا وَهُوَ يدل على أَن أفعالنا مخلوقة لله تَعَالَى فَإِنَّهُ قد علم أَن الْمُحدث لَا بُد لَهُ من مُحدث وَهَذِه مُقَدّمَة ضَرُورِيَّة عِنْد الْجُمْهُور وَكَذَلِكَ الْمُمكن لَا بُد لَهُ من مُرَجّح تَامّ فَإِذا كَانَ فعل العَبْد حَادِثا فَلَا بُد لَهُ من مُحدث وَإِذا قيل الْمُحدث هُوَ العَبْد يكون العَبْد صَار مُحدثا لَهُ بعد أَن أم لم يكن فَهُوَ أَيْضا أَمر حَادث فَلَا بُد لَهُ من مُحدث إِذْ لَو كَانَ العَبْد لم يزل مُحدثا لَهُ لزم دوَام ذَلِك الْفِعْل الْحَادِث وَإِذا كَانَ إحداثه لَهُ حَادِثا من فَلَا بُد لَهُ من مُحدث وَإِذا قيل الْمُحدث إِرَادَة العَبْد قيل فإرادته أَيْضا حَادِثَة لَا بُد لَهَا من مُحدث وَإِن قيل حدثت بِإِرَادَة من العَبْد قيل وَتلك الْإِرَادَة لَا بُد لَهَا أَيْضا من مُحدث فَأَي مُحدث فرضته فِي العَبْد فَالْقَوْل فِيهِ كالقول فِي الْحَادِث الأول وَإِن جعلته قَدِيما أزليا كَانَ هَذَا مُمْتَنعا لِأَن مَا يقوم بِالْعَبدِ لَا يكون قَدِيما وَإِن قلت هُوَ وصف العَبْد وَهِي قدرته المخلوقة فِيهِ وَالْقَوْل فِيهَا كالقول فِي الْإِرَادَة فَلَا بُد أَن يكون الْمُرَجح التَّام من الله تَعَالَى ودقق الْعَلامَة شَيخنَا النّظر هُنَا واستوعب وسَاق تسلسل الْحَوَادِث قَالَ المُصَنّف وَمِنْهَا أَنه لَا يبْقى فرق بَين من أحسن غَايَة الْإِحْسَان عمره وَبَين من أَسَاءَ غَايَة الْإِسَاءَة عمره وَلم يحسن منا شكر الأول وذم الثَّانِي لِأَن الْفِعْلَيْنِ صادران من الله تَعَالَى فَيُقَال هَذَا بَاطِل فَإِن إشتراك الْفِعْلَيْنِ فِي كَون الرب خلقهما لَا يسْتَلْزم إشتراكهما فِي الحكم فَإِن جَمِيع مَا سوى الله مُشْتَرك فِي كَون الله خلقه قَالَ تَعَالَى ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى والبصير وَلَا الظُّلُمَات وَلَا النُّور﴾ الْآيَة وَالله خَالق الْجنَّة وَالنَّار وخالق الْعَالم وَالْجَاهِل وخالق الْعَسَل والسم واللذة والألم وخالق آدم وإبليس وَإِذا كَانَ الشَّرْع وَالْعقل متطابقين على أَن مَا جعل الله فِيهِ مَنْفَعَة ومصلحة يجب مدحه وَإِن كَانَ جمادا فَكيف لَا يكون من جعله محسنا غَايَة الْإِحْسَان إِلَى الْخلق

стр. 120

أَحَق بالمدح وَكَذَلِكَ فِي جَانب الشَّرّ والقدري يَقُول لَا يكون العَبْد مَحْمُودًا على إحسانه وَلَا مذموما على إساءته إِلَّا بِشَرْط أَلا يكون الله جعله محسنا إِلَيْنَا وَلَا من بِهِ علينا إِذا فعل الْخَيْر وَلَا ابتلانا بِهِ إِذا فعل الشَّرّ وَحَقِيقَة قَوْلهم إِنَّه حَيْثُ يشْكر العَبْد لَا يشْكر الرب وَحَيْثُ يشْكر الرب لَا يشْكر العَبْد وَأَنه لَا منَّة لله علينا فِي تَعْلِيم الرَّسُول وتبليغه إِلَيْنَا وَالله تَعَالَى يَقُول ﴿لقد من الله على الْمُؤمنِينَ إِذْ بعث فيهم رَسُولا من أنفسهم﴾ الْآيَة وَيَقُول لَا تكون لله نعْمَة على عباده بإستغفار الْمَلَائِكَة لَهُم وَتَعْلِيم الْعلمَاء وَعدل الْوُلَاة عَلَيْهِم وَيَقُولُونَ لَا يقدر الله أَن يَجْعَل الْمُلُوك عادلين وَلَا جائرين وَلَا يقدر أَن يصير أحدا محسنا إِلَى أحد وَلَا مسيئا إِلَى أحد وعَلى لَازم قَوْلهم لَا يسْتَحق الله أَن يشْكر بِحَال لِأَن الشُّكْر إِنَّمَا يكون على النعم الدِّينِيَّة أَو الدُّنْيَوِيَّة أَو الأخروية فالدنيوية عِنْدهم وَاجِبَة على الله والدينية فَمَا فعلهَا بِنَا وَلَا يقدر أَن يَجْعَل أحدا مُؤمنا وَلَا يهدي أحدا وَلَا يَجْعَل برا وَلَا تقيا وَلَا يقدره على خير أصلا وَأما النعم الأخروية فالجزاء وَاجِب عَلَيْهِ فَالْحَمْد لله الَّذِي هدَانَا للحق وجنبنا هَذِه الضلالات فالمقرون بِالْقدرِ يمدحون المحسن ويذمون الْمُسِيء مَعَ إتفاقهم على أَن الله خَالق الْفِعْلَيْنِ فَقَوله يلْزمهُم أَن لَا يفرقُوا بَين هَذِه وَهَذَا لُزُوم مَالا يلْزم وَغَايَة الْأَمر أَن يكون الله جعل هَذَا مُسْتَحقّا للمدح وَالثَّوَاب وَهَذَا مُسْتَحقّا للذم وَالْعِقَاب فَإِذا كَانَ كَذَلِك لم يمْتَنع أَن يمدح ذَا ويذم ذَا قَالَ وَمِنْهَا التَّقْسِيم الَّذِي ذكره مولَايَ الإِمَام مُوسَى الكاظم وَقد سَأَلَهُ أَبُو حنيفَة رَحمَه الله تَعَالَى ومُوسَى صبي فَقَالَ الْمعْصِيَة مِمَّن فَقَالَ إِمَّا من العَبْد اَوْ من الله أَو مِنْهُمَا فَإِن كَانَت من الله قالله أنصف من أَن يظلم عَبده ويؤاخذه بِمَا لَا يفعل وَإِن كَانَت مِنْهُمَا فَهُوَ شَرِيكه وَالْقَوِي أولى بإنصاف عَبده الضَّعِيف وَإِن كَانَت من العَبْد

стр. 121

وَحده فَعَلَيهِ وَقع الْأَمر وإلبه يتَوَجَّه الذَّم فَقَالَ أَبُو حنيفَة ذُرِّيَّة بَعْضهَا من بعض فَيُقَال مَا ذكرت بسندها فنعلم صِحَّتهَا ولعلها كذب فَإِن أَبَا حنيفَة مقرّ بِالْقدرِ وَقد رد على الْقَدَرِيَّة فِي الفقة الْأَكْبَر فَكيف يستصوب قَول من يَقُول إِن الله لم يخلق أَفعَال الْعباد ثمَّ مُوسَى بن جَعْفَر وَسَائِر عُلَمَاء أهل الْبَيْت مثبتون الْقدر وَكَذَلِكَ قدماء الشِّيعَة وَإِنَّمَا قَالُوا بِالْقدرِ فِي دولة بني بويه حِين خالطوا الْمُعْتَزلَة وَأَيْضًا فَهَذَا الْكَلَام المحكي عَن مُوسَى بن جَعْفَر يَقُوله أصاغر الْقَدَرِيَّة وصبيانهم وَهُوَ مَعْرُوف من حِين حدثت الْقَدَرِيَّة قبل أَن يُولد مُوسَى بن جَعْفَر والقدرية حدثوا زمن ابْن الزبير وَعبد الْملك وَقَول الْقَائِل الْمعْصِيَة مِمَّن لفظ مُجمل فَإِن الْمعْصِيَة وَالطَّاعَة عمل وَعرض قَائِم بِغَيْر فَلَا بُد لَهُ من مَحل يقوم بِهِ وَهِي قَائِمَة بِالْعَبدِ لَا محَالة وَلَيْسَت قَائِمَة بِاللَّه ﵎ بِلَا ريب وَمَعْلُوم أَن كل مَخْلُوق يُقَال هُوَ من الله بِمَعْنى أَنه خلقه بَائِنا عَنهُ لَا بِمَعْنى أَنه قَامَ بِهِ واتصف بِهِ كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وسخر لكم مَا فِي السَّمَاوَات وَمَا فِي الأَرْض جَمِيعًا مِنْهُ﴾ وَقَوله تَعَالَى ﴿وَمَا بكم من نعْمَة فَمن الله﴾ قَالَ وَمِنْهَا أَنه يلْزم أَن يكون الْكَافِر مُطيعًا بِكُفْرِهِ لِأَنَّهُ فعل مَا هُوَ مُرَاد الله فَهَذَا مَبْنِيّ على أَن الطَّاعَة هَل هِيَ مُوَافقَة لِلْأَمْرِ أَو مُوَافقَة للإرادة وَهِي مَبْنِيَّة على أَن الْأَمر هَل يسْتَلْزم الْإِرَادَة أم لَا وَقد قدمنَا أَن الله خَالق أَفعَال الْعباد بإرادته وَقد يخلق مالم يَأْمر بِهِ وَأجْمع الْعلمَاء أَن الرجل لَو حلف ليقضينه حَقه فِي غَد إِن شَاءَ الله فَخرج الْغَد وَلم يقضه مَعَ قدرته على الْقَضَاء لم يَحْنَث وَلَو كَانَت مَشِيئَة الله بِمَعْنى أمره لحنث لِأَنَّهُ مَأْمُور

стр. 122

بذلك وَكَذَلِكَ سَائِر الْحلف على فعل مَأْمُور إِذا علقه بِالْمَشِيئَةِ قَالَ الله تَعَالَى ﴿وَلَو شَاءَ رَبك لآمن من فِي الأَرْض كلهم جَمِيعًا﴾ مَعَ أَنه قدر أَمرهم بِالْإِيمَان فَعلم أَن الْأَمر غير الْمَشِيئَة كَذَلِك قَوْله ﴿وَمن يرد أَن يضله يَجْعَل صَدره ضيقا﴾ دَلِيل على أَنه أَرَادَ إضلاله وَهُوَ لم يَأْمُرهُ بالضلالة وَقد ذكرنَا أَن الْإِرَادَة وَردت بمعنيين إِرَادَة قدرية وَإِرَادَة شَرْعِيَّة فَهَذِهِ متضمنة للمحبة وَالرِّضَا لَا الأولى قَالَ وَمِنْهَا أَنه يلْزم نِسْبَة السَّفه إِلَيْهِ تَعَالَى لِأَنَّهُ يَأْمر الْكَافِر بِالْإِيمَان وَلَا يُريدهُ مِنْهُ قُلْنَا قد قَررنَا أَن الْإِرَادَة نَوْعَانِ إِرَادَة الْخلق وَإِرَادَة الْأَمر قَالَ وَمِنْهَا أَنه يلْزم أَن نستعيذ بإبليس من الله وَلَا يحسن قَوْله تَعَالَى ﴿فاستعذ بِاللَّه من الشَّيْطَان﴾ لأنههم نزهوا إِبْلِيس وَالْكَافِر عَن الْمعاصِي وأضافوها إِلَى الله فَيكون شرا على عَبده من إِبْلِيس تَعَالَى الله عَن ذَلِك فَيُقَال هَذَا كَلَام سَاقِط فإمَّا أَن يكون لأبليس فعل أَو لَا فَإِن لم يكن لَهُ فعل امْتنع أَن يستعاذ بِهِ فَإِنَّهُ لَا يفعل شَيْئا فَلَا يعيذ حِينَئِذٍ أحدا وَإِن كَانَ لَهُ فعل بَطل تنزيهه عَن الْمعاصِي فَسقط الإعتراض بِهِ على قَول من أثبت الْقدر أَو نَفَاهُ وَيُقَال إِنَّمَا تحسن الإستعاذة بإبليس لَو كَانَ يُمكنهُ أَن يعيذهم من الله سَوَاء كَانَ الله خَالِقًا لأفعال الْعباد أَو لَا وَهَؤُلَاء الْقَدَرِيَّة كالمصنف وَأَمْثَاله مَعَ قَوْلهم إِن إِبْلِيس يفعل مَا لَا يقدره الله وَيفْعل بِغَيْر إِرَادَة الله وَأَن الله لَا يقدر على أَن يُغير أحدا من عمل إِلَى عمل لَا من خير إِلَى شَرّ وَلَا من شَرّ إِلَى خير وَفِي الصَّحِيح عَن النَّبِي ﷺ أَنه كَانَ يَقُول أعوذ برضاك من سخطك وبمعافاتك من عُقُوبَتك وبل وَبِك مِنْك فاستعاذ بِبَعْض صِفَاته

стр. 123

وأفعاله من بعض حَتَّى استعاذ بِهِ مِنْهُ فَكيف يمْتَنع أَن يستعاذ بِهِ من بعض مخلوقاته ثمَّ أهل السّنة لَا يُنكرُونَ أَن يكون دُعَاء العَبْد لرَبه وإستعاذته بِهِ سَببا لنيل الْمَطْلُوب وَدفع المرهوب وَالله أرْحم لِعِبَادِهِ من الوالدة بِوَلَدِهَا فيستعاذ بِهِ من شَرّ أَسبَاب الشَّرّ الَّتِي قَضَاهَا بِحِكْمَتِهِ فَمن قَالَ بالحكمة وَالْعلَّة يَقُولُونَ خلق إِبْلِيس كَمَا خلق الْحَيَّات والعقارب وَالنَّار لما فِي خلقه ذَلِك من الْحِكْمَة وامرنا أَن ندفع الضَّرَر عَنَّا بِكُل مَا نقدر عَلَيْهِ وَمن أعظم الْأَسْبَاب إستعاذتنا بِهِ حِكْمَة وَرَحْمَة وَمن لَا يَقُول بِالْعِلَّةِ وَالْحكمَة فَإِنَّهُ يَقُول خلق إِبْلِيس الضار لِعِبَادِهِ وَجعل إستعاذتنا طَرِيقا إِلَى دفع ضَرَره كَمَا جعل إطفاء النَّار طَرِيقا إِلَى دفع حريقها والترياق طَرِيقا إِلَى دفع السم فَهُوَ خَالق النافع والضار وأمرنا بِمَا ينفعنا ثمَّ إِن أعاننا كَانَ محسنا وَإِلَّا فَلهُ أَن يفعل مَا شَاءَ وَقَوله نزهوا إِبْلِيس وَالْكَافِر من الْمعاصِي فَهَذَا فِرْيَة فَإِنَّهُم متفقون على أَن العَاصِي هُوَ المتصف بالمعصية والمذموم عَلَيْهَا وَأَن الْأَفْعَال يُوصف بهَا من قَامَت بِهِ لَا من خلقهَا وَأَن إِضَافَة الصّفة إِلَى الْمَوْصُوف بهَا الَّذِي قَامَت بِهِ من إِضَافَة الْمَخْلُوق إِلَى خالقه ثمَّ أَخذ القدري يسهب فِي هذيانه وغيه فَقَالَ وَمِنْهَا أَنه لَا يبقي وثوق بوعد الله ووعيده لأَنهم جوزوا إِسْنَاد الْكَذِب فِي الْعَالم إِلَيْهِ فَجَاز أَن يكذب فِي إخباراته كلهَا فتنتفي فَائِدَة بعثة الرُّسُل قلت الْفرق بَين الْخَالِق وَبني الْفَاعِل مَعْلُوم بَين الْعُقَلَاء فَإِذا خلق الله لغيره حَرَكَة لم يكن هُوَ المتحرك وَإِذا خلق للرعد صَوتا لم يكن هُوَ المصوت وَإِذا خلق الألوان فِي النَّبَات وَالْحَيَوَان لم يكن هُوَ المتصف بِتِلْكَ الألوان وَإِذا خلق فِي غَيره علما وحياة وقدرة لم تكن تِلْكَ الْمَخْلُوقَات فِي غَيره صِفَات لَهُ وَإِذا خلق فِي غَيره عمى وصمما لم يكن هُوَ الْمَوْصُوف بالعمى والصمم وَإِذا خلق فِي غَيره صوما وطوافا وخشوعا لم يكن هُوَ الصَّائِم وَلَا الطَّائِف وَلَا الخاشع أما قَوْله تَعَالَى (وَمَا رميت إِذْ رميت وَلَكِن الله رمى) مَعْنَاهُ مَا أصبت إِذْ حذفت وَلَكِن

стр. 124

الله هُوَ الَّذِي أصَاب فَمِنْهُ الْحَذف بِالْيَدِ وَمن من الله الإيصال إِلَى الْعَدو كلهم وَلَيْسَ المُرَاد بذلك مَا يَظُنّهُ بعض النَّاس أَنه لما خلق الرَّامِي وَالرَّمْي كَانَ هُوَ الرَّامِي فِي الْحَقِيقَة فَإِن ذَلِك لَو صَار فِي كل فعل لَكُنْت تَقول مَا مشيت إِذْ مشيت وَلَكِن الله مَشى وَمَا ركبت إِذْ ركبت وَلَكِن الله ركب وَمَا لَا نِهَايَة لَهُ وَبطلَان ذَلِك مَعْلُوم بِالضَّرُورَةِ وَلِهَذَا يرْوى أَن عُثْمَان كَانُوا يرمونه بِالْحِجَارَةِ لما حصر فَقَالَ علام ترمونني فَقَالُوا مَا رميناك وَلَكِن الله رماك فَقَالَ إِن الله لَو رماني لأصابني وَلَكِن أَنْتُم ترمونني فتخطئونني الْوَجْه الآخر أَنهم يجوزون أَنه تَعَالَى يخلق الْقُدْرَة على الْكَذِب مَعَ علمه بِأَن صَاحبهَا يكذب وَكَذَا الْقُدْرَة على الظُّلم وَالْفُحْش وَمَعْلُوم أَن الْوَاحِد منا يجْرِي تَمْكِينه من القبائح وإعانته عَلَيْهَا مجْرى فعله لَهَا فَمن أعَان غَيره على الْكَذِب وَالظُّلم كَانَ الْفَاعِل قَالَ تَعَالَى ﴿وَلَا تعاونوا على الْإِثْم والعدوان﴾ فَإِن قَالُوا إِنَّمَا أعطَاهُ الْقُدْرَة ليطيع لَا ليعصي قيل إِذا كَانَ عَالما بِأَنَّهُ يَعْصِي كَانَ بِمَنْزِلَة من أعْطى آخر سَيْفا لِيُقَاتل بِهِ الْكفَّار مَعَ علمه بِأَنَّهُ يقتل نَبيا وَهَذَا لَا يجوز فِي حَقنا فتعالى الله عَن ذَلِك الثَّالِث أَن يُقَال لَيْسَ كل مَا كَانَ قَادِرًا عَلَيْهِ وَهُوَ مُمكن نشك فِي وُقُوعه بل نعلم أَنه لَا يفعل أَشْيَاء مَعَ أَنه قَادر عَلَيْهَا وَهِي مُمكنَة فَلَا يقلب الْبَحْر زئبقا وَالْجِبَال ياقوتا وَعلمنَا بِأَنَّهُ تَعَالَى منزه عَن الْكَذِب وَأَنه مُمْتَنع عَلَيْهِ قطعا الرَّابِع نَحن نعلم بِأَنَّهُ مَوْصُوف بِصِفَات الْكَمَال وَأَن كل كَمَال ثَبت لموجود فَهُوَ أَحَق بِهِ وكل نقص منزه عَنهُ ونعلم أَن الْحَيَاة وَالْعلم وَالْقُدْرَة صِفَات كَمَال فَهُوَ أَحَق بهَا وَكَذَلِكَ الصدْق كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿وَمن أصدق من الله حَدِيثا﴾ وَقَالَ النَّبِي ﷺ إِن أصدق الْكَلَام كَلَام الله الْخَامِس أَن كَلَامه قَائِم بِذَاتِهِ غيرمخلوق عِنْد أهل السّنة فَإِن الْكَلَام صفة

стр. 125

كَمَال فَلَا بُد أَن يَتَّصِف بهَا سَوَاء قَالُوا إِنَّه لَا يتَعَلَّق بمشيئته وَقدرته وَهُوَ معنى قَائِم بِالنَّفسِ أَو حُرُوف اَوْ أصوات قديمَة أَو قَالُوا إِنَّه مُتَعَلق بمشيئته وَأَنه تكلم بعد أَن لم يكن متكلما أَو أَنه لم يزل متكلما إِذا شَاءَ وَالْكذب صفة نقص كالصمم والبكم والعمى وَمَعَ أَنه يخلق خلقه متصفين بذلك وَلَا يقوم بِهِ فَكَذَلِك يخلق الْكَذِب فِي الْكَاذِب وَلَا يقوم بِهِ السَّادِس أَن هَذَا السُّؤَال وَارِد عَلَيْكُم فَإِنَّكُم تَقولُونَ يخلق فِي غَيره كلَاما يكون كَلَامه مَعَ كَونه قَائِما بِغَيْرِهِ وَهُوَ مَخْلُوق وَأَن الْكَلَام الَّذِي يتَكَلَّم بِهِ الْعباد لَيْسَ هُوَ كَلَامه وَلَا مخلوقا لَهُ فَإِذا كَانَ هَذَا صدقا وَهَذَا صدقا فَلَا بُد أَن يعترفوا أَن هَذَا كَلَامه وَهَذَا لَيْسَ بِكَلَامِهِ وقولك وَجَاز إرْسَال الْكذَّاب فَنَقُول لَا ريب أَن الله يُرْسل الْكذَّاب كَقَوْلِه ﴿ألم تَرَ أَنا أرسلنَا الشَّيَاطِين على الْكَافرين تؤزهم أزا﴾ وَكَقَوْلِه ﴿بعثنَا عَلَيْكُم عبادا لنا﴾ لَكِن لَا يكون ذَا إِلَّا مَقْرُونا بِمَا يبين كذبهمْ كَمَا فِي مثل مُسَيْلمَة وَالْأسود الْعَنسِي وَلَيْسَ فِي إرسالهم مَا يمْنَع التَّمْيِيز بَين الصَّادِق والكاذب وَإِذا خلق من يَدعِي النُّبُوَّة وَهُوَ كَاذِب فَإِن قَالُوا يجوز إِظْهَار أَعْلَام الصدْق عَلَيْهِ كَانَ هَذَا مَمْنُوعًا وَهُوَ بَاطِل بالإتفاق وَإِن قَالُوا لَا لم يكن مُجَرّد إدعاء النُّبُوَّة بِلَا علم على الصدْق ضارا فَإِن مدعي الطِّبّ أَو أَنه صانع بِلَا علم يدل على صدقه لم يلْتَفت إِلَيْهِ فَكيف مدعي النُّبُوَّة وَإِن قَالُوا إِذا جوزتم عَلَيْهِ أَن يخلق الْكَذِب فِي الْكذَّاب فجوزوا عَلَيْهِ أَن يظْهر على يَدَيْهِ أَعْلَام الصدْق قيل هَذَا مُمْتَنع لِأَن أَدِلَّة الصدْق تَسْتَلْزِم الصدْق إِذْ الدَّلِيل مُسْتَلْزم للمدلول وَإِظْهَار أَعْلَام الصدْق على الْكذَّاب مُمْتَنع لذاته وَإِن قَالُوا جوزوا أَن يظْهر على يَدَيْهِ خارق قُلْنَا نعم فَنحْن نجوز ذَلِك لمُدعِي الإلهية كالدجال وَيجوز الخارق لمُدعِي النُّبُوَّة لَكِن على وَجه لَا يدل على صدقه كالساحر والكاهن

стр. 126

السَّابِع أَن دَلَائِل النُّبُوَّة وَمَا بِهِ يعرف صدق النَّبِي لم يتخصص فِي الخوارق بل يتنوع كَمَا تتنوع معرفَة الْكَذِب قَالَ وَمِنْهَا أَنه يلْزم تَعْطِيل الْحُدُود والزواجر عَن الْمعاصِي فَإِن الزِّنَا إِذا كَانَ وَاقعا بِإِرَادَة الله وَالسَّرِقَة إِذا صدرت عَن الله وإرادته هِيَ المؤثرة لم يجز للسُّلْطَان الْمُؤَاخَذَة عَلَيْهَا لِأَنَّهُ يصد السَّارِق عَن مُرَاد الله فَلَو صد أَحَدنَا عَن مُرَاده لتألم وَيلْزم أَن يكون الرب مرِيدا للنقيضين لِأَن الْمعْصِيَة مُرَادة لَهُ والزجر عَنْهَا مُرَاد لَهُ قُلْنَا قد مر مَا يبين هَذَا ونقول مَا قدره وقضاه من ذَلِك هُوَ مَا وَقع دون مَا لم يكن وَمَا وَقع لم يقدر أحد أَن يردهُ وَإِنَّمَا يرد بالحدود والزواجر مَا لم يَقع بعد فَمَا شَاءَ الله كَانَ وَمَا لم يَشَأْ لم يكن فقولك يصد السَّارِق عَن مُرَاد الله كذب لِأَنَّهُ إِنَّمَا يصده عَمَّا لم يَقع وَمَا لم يَقع يردهُ الله وَلِهَذَا لَو حلف ليسرقن هَذَا المَال إِن شَاءَ الله وَلم يسرقه لم يَحْنَث بِالْإِجْمَاع لِأَن الله لم يَشَأْ سَرقته وَلَكِن الْقَدَرِيَّة لَا تكون عِنْدهم الْإِرَادَة إِلَّا بِمَعْنى الْأَمر فيزعمون أَن السّرقَة إِذا كَانَت مُرَادة كَانَت مَأْمُورا بهَا وَقد تَيَقنا أَن الله لم يَأْمر بِالسَّرقَةِ وَمن قَالَ أَمر بهَا فقد كفر وَأَيْضًا فَإِن من الْمَقْدُور بالإتفاق مَا يحسن رده وزواله كالمرض فَإِنَّهُ من فعل الله وَيحسن بِنَا دَفعه بالدتاوي والإجتناب لأسبابه فَفِي هَذَا إِزَالَة لمراد الله وَكَذَا إطفاء النَّار الَّتِي تُرِيدُ أَن تحرق وَإِقَامَة الْجِدَار الَّذِي يُرِيد أَن يَقع وَكَذَا رد الْبرد بالدفء وَالْحر بالظل فَيدْفَع مُرَاد بِمُرَاد وَالْكل من قدر الله وَقد قيل للنَّبِي ﷺ أَرَأَيْت أدوية نتداوى بهَا ورقي نسترقي بهَا وتقاة نتقيها هَل ترد من قدر الله شَيْئا قَالَ هِيَ من قدر الله وَقَالَ تَعَالَى (لَهُ مُعَقِّبَات من بَين يَدَيْهِ وَمن خَلفه يَحْفَظُونَهُ من أَمر الله)

стр. 127

وقولك يلْزم أَن يكون مرِيدا للنقيضين كَلَام سَاقِط فَإِن النقيضين مَا لَا يَجْتَمِعَانِ وَلَا يرتفعان أَو مَا لَا يَجْتَمِعَانِ وهما المتضادان والزجر لَيْسَ عَمَّا وَقع وَأُرِيد بل عُقُوبَة على الْمَاضِي وزجر عَن الْمُسْتَقْبل والزجر الْوَاقِع بإرادته إِن حصل مَقْصُوده لم يحصل المزجور عَنهُ فَلم يردهُ فَيكون المُرَاد الزّجر فَقَط وَإِن لم يحصل مَقْصُوده لم يكن زجرا تَاما بل يكون المُرَاد فعل هَذَا الزّجر وَفعل ذَاك كَمَا يُرَاد ضرب هَذَا لهَذَا بِالسَّيْفِ وحياة هَذَا وكما يُرَاد الْمَرَض الْمخوف الَّذِي قد يكون سَببا للْمَوْت وَيُرَاد مَعَه الْحَيَاة قَالَ وَمِنْهَا قد تقدم بِالضَّرُورَةِ إستناد أفعالنا إِلَيْنَا ووقوعها بِحَسب إرادتنا فَإِذا أردنَا الْحَرَكَة يمنة لم تقع يسرة وَبِالْعَكْسِ وَالشَّكّ فِي ذَلِك سفسطة فَيُقَال جُمْهُور أهل السّنة قَائِلُونَ بِهَذَا فَإِن أفعالنا مستندة إِلَيْنَا وَنحن محدثون لَهَا والنصوص بذلك كَثِيرَة فِي الْقُرْآن فَاعْلَم أَن كَون العَبْد مرِيدا فَاعِلا بعد أَن لم يكن مرِيدا فَاعِلا أَمر حَادث فإمَّا أَن يكون لَهُ مُحدث أَو لَا فَإِن لم يكن لَهُ مُحدث لزم حُدُوث الْحَوَادِث بِلَا مُحدث وَإِن كَانَ لَهُ مُحدث فإمَّا أَن يكون العَبْد أَو الله فَإِن كَانَ العَبْد فَالْقَوْل فِي إحداثه لتِلْك الفاعلية كالقول فِي إحداثها وَيلْزم التسلسل وَهُوَ هُنَا بَاطِل لِأَن العَبْد كَانَ بعد أَن لم يكن فَيمْتَنع أَن تقوم بِهِ حوادث لَا أول لَهَا فَتعين أَن يكون الله هُوَ الْخَالِق لكَون العَبْد مرِيدا فَاعِلا فَأهل السّنة يَقُولُونَ بِهَذَا الْعلم الضَّرُورِيّ فَيَقُولُونَ العَبْد فَاعل وَالله خلقه فَاعِلا وَإنَّهُ مُرِيد وَالله خلقه مرِيدا قَالَ تَعَالَى ﴿وَمَا تشاؤون إِلَّا أَن يَشَاء الله﴾ وَقَالَ ﴿رب اجْعَلنِي مُقيم الصَّلَاة﴾ فإرادة العَبْد ثَابِتَة لَكِن لَا تُوجد إِلَّا بِمَشِيئَة الله وَمن زعم أَن الْإِرَادَة لَا تعلل كَانَ قَوْله لَا حَقِيقَة لَهُ لِأَن الْإِرَادَة أَمر حَادث فَلَا بُد لَهُ من مُحدث وَقَالُوا إِن الْبَارِي يحدث إِرَادَة لَا فِي مَحل بِلَا سَبَب اقْتضى حدوثها وَلَا إِرَادَة فارتكبوا ثَلَاث محالات حُدُوث حَادث بِلَا إِرَادَة من الله وحدوث

стр. 128

حَادث بِلَا سَبَب حدث وَقيام الصّفة بِنَفسِهَا لَا فِي مَحل فَإِن قيل كَيفَ يكون الله مُحدثا لَهَا وَالْعَبْد مُحدث لَهَا قيل إِحْدَاث الله لَهَا هُوَ خلقهَا فَيصير العَبْد فَاعِلا لَهَا بقدرته ومشيئته الَّتِي خلقت فِيهِ وكل من الإحداثين مُسْتَلْزم للْآخر فخلق الرب لفعل العَبْد يسْتَلْزم وجود الْفِعْل وَكَون العَبْد فَاعِلا لَهُ بعد أَن لم يكن يسْتَلْزم كَون الرب خَالِقًا لَهُ قَالَ الإمامي وَالْقُرْآن مَمْلُوء من إِسْنَاد أَفعَال الْبشر إِلَيْهِم كَقَوْلِه ﴿ادخُلُوا الْجنَّة بِمَا كُنْتُم تَعْمَلُونَ﴾ ﴿من عمل صَالحا فلنفسه وَمن أَسَاءَ فعلَيْهَا﴾ وَذكر آيَات قُلْنَا هَذَا كُله حق وَالْقُرْآن أَيْضا مشحون بِمَا يدل على أَن أفعالنا حَادِثَة بِمَشِيئَة الله كَقَوْلِه (وَلَو شَاءَ الله مَا اقْتَتَلُوا) (وَلَو شَاءَ الله مَا أشركوا) (فَمن يرد الله أَن يهديه يشْرَح صَدره) فَلَا يجوز أَن تؤمن بِبَعْض الْكتاب وتكفر بِبَعْض وَلَو كَانَت الْمَشِيئَة بِمَعْنى الْأَمر لحنث من حلف وَقَالَ إِن شَاءَ الله وَقَالَ تَعَالَى (يضل بِهِ كثيرا وَيهْدِي بِهِ كثيرا) (وَاعْلَمُوا أَن الله يحول بَين الْمَرْء وَقَلبه) قَالَ الإمامي فَقَالَ الْخصم الْقَادِر يمْتَنع أَن يرجح أحد مقدوريه من غير مُرَجّح وَمَعَ التَّرْجِيح يجب الْفِعْل فَلَا قدرَة وَلِأَنَّهُ يلْزم أَن يكون الْإِنْسَان شَرِيكا لله وَلقَوْله (وَالله خَلقكُم وَمَا تَعْمَلُونَ) فَقُلْنَا الْجَواب عَن الأول لمعارضة بِاللَّه فَإِنَّهُ قَادر فَإِن افْتَقَرت الْقُدْرَة إِلَى الْمُرَجح وَكَانَ الْمُرَجح مُوجبا للأثر لزم أَن يكون الله مُوجبا لَا مُخْتَارًا فليزم الْكفْر وَالْجَوَاب عَن الثَّانِي أَي شركَة هُنَا وَالله هُوَ الْقَادِر على قهر العَبْد وإعدامه وَالْجَوَاب عَن قَوْله تَعَالَى (وَالله خَلقكُم) أَنَّهَا إِشَارَة إِلَى الْأَصْنَام الَّتِي كَانُوا ينحتونها فَأنْكر عَلَيْهِم فَقَالَ

стр. 129

(أتعبدون مَا تنحتون وَالله خَلقكُم وَمَا تَعْمَلُونَ) قَالَ شَيخنَا ابْن تَيْمِية رَحمَه الله تَعَالَى لم يذكر من ادلة أهل الْإِثْبَات إِلَّا يَسِيرا وَمَعَ هَذَا فالأدلة الثَّلَاثَة لَيْسَ لَهُم عَنْهَا جَوَاب صَحِيح أما الأول فَإِن الْمُسْتَدلّ بذلك الدَّلِيل لَا يَقُول إِذا وَجب الْفِعْل فَلَا قدرَة فَإِن عَامَّة أهل السّنة يَقُولُونَ إِن العَبْد لَهُ قدرَة حَتَّى الجبرية لَكِن يَقُولُونَ لَا تَأْثِير لَهَا وَقد مر أَن لَهَا تَأْثِيرا من جنس تَأْثِير الْأَسْبَاب فِي مسبباتها لَيْسَ لَهَا تَأْثِير الْخلق والإبداع وَيُوجب هَذَا الدَّلِيل أَن الْقَادِر يمْتَنع أَن يرجح مقدوره إِلَّا بمرجح وَذَلِكَ الْمُرَجح لَا يكون من العَبْد فَتعين أَن يكون من الرب وَعند وجود الْمُرَجح التَّام يجب وجود الْفِعْل وَيمْتَنع عَدمه فَإِنَّهُ إِذا كَانَ بعد وجود الْمُرَجح يُمكن وجود الْفِعْل وَعَدَمه كَمَا كَانَ قبل الْمُرَجح كَانَ مُمكنا والممكن لَا يتَرَجَّح وجوده على عَدمه إِلَّا بمرجح تَامّ وَأما مُعَارضَة ذَلِك بِفعل الله فَالْجَوَاب أَن هَذَا برهَان عَقْلِي يقيني واليقينيات لَا تعَارض وَلَا يُوجد لَهَا معَارض وَأَيْضًا فَإِن قدرَة الرب تفْتَقر إِلَى مُرَجّح لَكِن الْمُرَجح هُوَ إِرَادَة الله وَإِرَادَة الله لَا يجوز أَن تكون من غَيره بِخِلَاف إِرَادَة العَبْد وَإِذا كَانَ الْمُرَجح إِرَادَة الله كَانَ فَاعِلا بإختياره لَا مُوجبا بِذَاتِهِ بِدُونِ إختياره وَحِينَئِذٍ فَلَا يلْزم الْكفْر ثمَّ نقُول مَا تَعْنِي بِقَوْلِك يلْزم أَن يكون الله مُوجبا بِذَاتِهِ أتعني بذلك أَن يكون مُوجبا للأثر بِلَا قدرَة وَلَا إِرَادَة أَو تَعْنِي بِهِ أَن يكون الْأَثر وَاجِبا عِنْد وجود الْمُرَجح الَّذِي هُوَ الْإِرَادَة مثلا مَعَ الْقُدْرَة فَإِن عنيت الأول لم نسلم التلازم فَإِن الْفَرْض أَنه قَادر وَأَنه مُرَجّح بمرجح فَهُنَا شَيْئَانِ قدرَة وامر آخر وَقد فسرنا ذَلِك بالإرادة فَكيف يُقَال إِنَّه مُرَجّح بِلَا قدرَة وَلَا إِرَادَة وَإِن أردْت أَنه يجب وجود الْأَثر إِذا حصلت الْإِرَادَة مَعَ الْقُدْرَة فَهَذَا حق وَهُوَ مَذْهَب الْمُسلمين فَمَا شَاءَ الله وجوده وَجب وجوده بمشيئته وَقدرته

стр. 130

وَمَا لم يَشَأْ وجوده إمتنع وجوده لعدم مَشِيئَته وَقدرته فَالْأول وَاجِب بِالْمَشِيئَةِ وَالثَّانِي مُمْتَنع لعدمها وَأما مَا يَقُوله الْقَدَرِيَّة من أَن الله يَشَاء مَا لَا يكون وَيكون مَا لَا يَشَاء فَهَذَا ضلال فَإِذا أَرَادَ حُدُوث مَقْدُور فإمَّا أَن يجب وجوده أَو لَا فَإِن وَجب حصل الْمَطْلُوب وَتبين وجود الْأَثر عِنْد الْمُرَجح وَسَوَاء سميت ذَا مُوجبا بِالذَّاتِ أَو لم تسمه وَإِن لم يجب وجوده كَانَ مُمكنا قَابلا للوجود والعدم فَلَا بُد لَهُ من مُرَجّح وَهَكَذَا هَلُمَّ جرا ثمَّ نقُول مَا ذكرته من الْحجَّة الْعَقْلِيَّة وَهُوَ إستناد أفعالنا الإختيارية إِلَيْنَا ووقوعها بِحَسب إختيارنا معَارض بِمَا لَيْسَ من أفعالنا كاللون فَإِن الْإِنْسَان يحصل اللَّوْن الَّذِي يُرِيد حُصُوله فِي الثَّوْب بِحَسب إختياره وَهُوَ مُسْتَند إِلَى صَنعته وَمَعَ هَذَا فَلَيْسَ اللَّوْن مَفْعُولا لَهُ وَأَيْضًا فَمَا ينْبت من الزَّرْع وَالشَّجر قد يحصل بِحَسب إختياره وَهُوَ مُسْتَند إِلَى إزدراعه وَلَيْسَ الإنبات من فعله فَلَيْسَ كل مَا اسْتندَ إِلَى العَبْد وَوَقع بِحَسب إختياره كَانَ مَفْعُولا لَهُ وَهَذِه مُعَارضَة عقلية وَأما قَوْله أَي شركَة هَا هُنَا فَيُقَال إِذا كَانَت الْحَوَادِث حَادِثَة بِغَيْر فعل الله وَلَا قدرته فَهَذِهِ مُشَاركَة لله صَرِيحَة وَلِهَذَا شبه هَؤُلَاءِ بالمجوس الَّذين يجْعَلُونَ فَاعل الشَّرّ غير فَاعل الْخَيْر فيجعلون لله شَرِيكا آخر وَلِهَذَا قَالَ ابْن عَبَّاس الْإِيمَان بِالْقدرِ نظام التَّوْحِيد وَقَول الْقَدَرِيَّة يتَضَمَّن الْإِشْرَاك والتعطيل فَإِنَّهُ يتَضَمَّن إِخْرَاج بعض الْحَوَادِث عَن أَن يكون لَهَا فَاعل ويتضمن إِثْبَات فَاعل مُسْتَقل غير الله وَهَاتَانِ شعبتان من شعب الْكفْر فَإِن أصل كل كفر التعطيل والشرك وَهَذَا كَمَا تَقول الفلاسفة من أَن الأفلاك تفعل بطرِيق الإستقلال وَأَنَّهَا هِيَ المحدثة للحوادث الَّتِي فِي الأَرْض وَالْعجب إنكارهم على الْقَدَرِيَّة قَوْلهم مَا زَالَ الرب عاطلا عَن الْفِعْل حَتَّى أحدث الْعَالم وهم يَقُولُونَ مَا زَالَ وَلَا يزَال معطلا عَن الإحداث بل عَن الْفِعْل فَإِن مَا لزم ذَاته كالعقل والفلك لَيْسَ هُوَ

стр. 131

فِي الْحَقِيقَة فعلا لَهُ إِذْ الْفِعْل لَا يعقل إِلَّا شَيْئا بعد شَيْء فَأَما مَا لزم الذَّات فَهُوَ من بَاب الصِّفَات كلون الْإِنْسَان وَطوله فَإِنَّهُ يمْتَنع أَن يكون فعلا لَهُ بِخِلَاف حركاته فَإِنَّهَا فعل لَهُ وَإِن قدر أَنه لم يزل متحركا كَمَا يُقَال فِي نفس الْإِنْسَان أَنَّهَا لم تزل تتحرك من حَال إِلَى حَال وَأَن الْقلب أَشد تقلبا من الْقدر إِذا استجمعت غليانا فكون الْفَاعِل الَّذِي هُوَ فِي نَفسه يقوم بِهِ فعل يحدث شَيْئا بعد شَيْء مَفْعُولا بِخِلَاف مَا لزمَه لَازم يقارنه فِي الْأَزَل فَهَذَا لَا يعقل أَن يكون مَفْعُولا لَهُ فَتبين أَنهم فِي الْحَقِيقَة لَا يثبتون للرب فعلا أصلا فهم معطلة حَقًا وأرسطو وَأَتْبَاعه إِنَّمَا أثبتوا الْعلَّة الأولى من جِهَة كَونهَا عِلّة غائية لحركة الْفلك فَإِن حَرَكَة الْفلك عِنْدهم بالإختيار كحركة الْإِنْسَان فَلَا بُد لَهَا من مُرَاد فَيكون هُوَ مطلوبها فَقَالُوا إِن الْعلَّة الأولى هِيَ الَّتِى يَتَحَرَّك الْفلك لأَجلهَا أَي للتشبيه بهَا بل غَايَة مَا يثبتونه أَن يكون شرطا فِي وجود الْعَالم فَهِيَ عِلّة لَهُ تحركه كَمَا يُحَرك المعشوق العاشق بِمَنْزِلَة الرجل الَّذِي إشتهى طَعَاما فَمد يَده إِلَيْهِ اَوْ رأى من يحب فَذَلِك المحبوب هُوَ المحرك لكَون المتحرك أحبه وحيئنذ فَلَا يكونُونَ قد أثبتوا لحركة الْفلك مُحدثا أحدثها غير الْفلك كَمَا لم تثبت الْقَدَرِيَّة لأفعال الْحَيَوَان مُحدثا غير الْحَيَوَان فَلهَذَا كَانَ الْفلك عِنْدهم حَيَوَانا كَبِيرا فَتبين أَن الفلاسفة قدرية فِي جَمِيع حوادث الْعَالم وَأَنَّهُمْ أصل الشَّرّ وَلِهَذَا يضيفون الْحَوَادِث إِلَى الطبائع الَّتِي فِي الْأَجْسَام كَمَا تَقول الْقَدَرِيَّة فِي الْحَيَوَان وَلَا يثبتون مُحدث الْحَوَادِث وغايتهم أَن جعلُوا الرب شرطا فِي وجود الْعَالم وَمِنْهُم من قَالَ الْفلك وَاجِب الْوُجُود لَكِن أثبتوا عِلّة إِمَّا غائية وَإِمَّا فاعلية وَعند التَّحْقِيق لَا حَقِيقَة لما أثبتوه فهم أَجْهَل النَّاس بِاللَّه

стр. 132

وَمن دخل فِي أهل الْملَل مِنْهُم كالفارابي وَابْن سينا ومُوسَى بن مَيْمُون الْيَهُودِيّ وَيحيى بن عدي النَّصْرَانِي وَمَتى فهم مَعَ إلحادهم أَسد عقلا ونظرا من أرسطو وَأَتْبَاعه الْمَشَّائِينَ وَدخل بعض المتكلمة مَعَهم فِي الْبَاطِل وَخَرجُوا عَن الْحق كتوحيد الإلهية وَإِثْبَات حقائق أَسمَاء الله وَصِفَاته وَلم يعرفوا من التَّوْحِيد إِلَّا تَوْحِيد الربوبية وَهُوَ الْإِقْرَار بِأَن الله خَالق كل شَيْء وربه وَهَذَا تَوْحِيد أقرّ بِهِ الْمُشْركُونَ قَالَ تَعَالَى (وَلَئِن سَأَلتهمْ من خلقهمْ ليَقُولن الله) وَقَالَ تَعَالَى (وَمَا يُؤمن أَكْثَرهم بِاللَّه إِلَّا وهم مشركون وَإِنَّمَا التَّوْحِيد الْمَطْلُوب تَوْحِيد الإلهية المتضمن تَوْحِيد الربوبية وَإِن تَوْحِيد الله أَن يعبد وَحده فَلَا يخَاف إِلَّا هُوَ وَلَا يَدعِي إِلَّا هُوَ وَالْعِبَادَة تجمع غَايَة الْحبّ والذل والتوحيد يتَضَمَّن إِثْبَات نعوت الْكَمَال لله وَالْإِخْلَاص لَهُ (وَمَا أمروا إِلَّا ليعبدوا الله مُخلصين لَهُ الدّين) وأصل الشّرك إِمَّا تَعْطِيل مثل تَعْطِيل فِرْعَوْن مُوسَى وَالَّذِي حَاج إِبْرَاهِيم فِي ربه وَإِمَّا الْإِشْرَاك وَهُوَ كثير فِي الْأُمَم أَكثر من التعطيل وَأَهله خصوم جَمِيع الْأَنْبِيَاء وَفِي خصوم إِبْرَاهِيم وَمُحَمّد ﷺ معطلة ومشركة لَكِن التعطيل الْمَحْض للذات قَلِيل وَأما الْكثير فَهُوَ تَعْطِيل صِفَات الْكَمَال وَهُوَ مُسْتَلْزم لتعطيل الذَّات فَإِنَّهُم يصفونَ وَاجِب الْوُجُود بِمَا يجب أَن يكون مُمْتَنع الْوُجُود ثمَّ إِن كل من كَانَ إِلَى الرَّسُول ﷺ وَأَصْحَابه وَالتَّابِعِينَ لَهُم بِإِحْسَان أقرب كَانَ أقرب إِلَى كَمَال التَّوْحِيد وَالْإِيمَان وَالْعقل والعرفان وكل من كَانَ عَنْهُم أبعد كَانَ عَن ذَلِك أبعد فمتأخرو متكلمة الْإِثْبَات الَّذين خلطوا الْكَلَام بالفلسفة كالرازي والآمدي وَنَحْوهمَا هم دون أبي الْمَعَالِي الْجُوَيْنِيّ وَأَمْثَاله فِي تَقْرِير التَّوْحِيد وَإِثْبَات صِفَات الْكَمَال وَأَبُو الْمَعَالِي وَأَمْثَاله دون القَاضِي أبي بكر

стр. 133

ابْن الطّيب وَأَمْثَاله فِي ذَلِك وَهَؤُلَاء دون أبي الْحسن الْأَشْعَرِيّ فِي ذَلِك والأشعري فِي ذَلِك دون أبي مُحَمَّد بن كلاب وَابْن كلاب دون السّلف وَالْأَئِمَّة فِي ذَلِك ومتكلمة أهل الْإِثْبَات الَّذين يقرونَ بِالْقدرِ هم خير فِي التَّوْحِيد وَإِثْبَات صِفَات الْكَمَال من الْقَدَرِيَّة من الْمُعْتَزلَة والشيعة وَغَيرهم لِأَن أهل الْإِثْبَات يثبتون لله كَمَال الْقُدْرَة وَكَمَال الْمَشِيئَة وَكَمَال الْخلق وَأَنه مُنْفَرد بذلك فَيَقُولُونَ إِنَّه وَحده خَالق كل شَيْء من الْأَعْيَان والأعراض وَلِهَذَا جعلُوا أخص صِفَات الرب تَعَالَى الْقُدْرَة على الإختراع وَالتَّحْقِيق أَن الْقُدْرَة على الإختراع من جملَة خَصَائِصه لَيْسَ هِيَ وَحدهَا أخص صِفَاته وَأُولَئِكَ يخرجُون أَحْوَال الْحَيَوَان عَن أَن تكون مخلوقة لَهُ وَحَقِيقَة قَوْلهم تَعْطِيل هَذِه الْحَوَادِث عَن خَالق لَهَا وَإِثْبَات شُرَكَاء لله يفعلونها وَكثير من مُتَأَخِّرَة الْقَدَرِيَّة يَقُولُونَ إِن الْعباد خالقون لَهَا وَلَكِن سلفهم يحترزون عَن ذَلِك

стр. 134

وَطول الشَّيْخ هُنَا بعبارات منطقية وبحوث دقيقة إِلَى أَن ذكر دَلِيل التمانع فِي قَوْله (لَو كَانَ فيهمَا آلِهَة إِلَّا الله لفسدتا) فَقَالَ إِن دَلِيل التمانع أَنه لَو كَانَ للْعَالم صانعان لَكَانَ أَحدهمَا إِذا أَرَادَ أمرا وَأَرَادَ الآخر خِلَافه مثل أَن يُرِيد أَحدهمَا إطلاع الشَّمْس من مشرقها وَيُرِيد الآخر إطلاعها من مغْرِبهَا إمتنع أَن يحصل مرادهما إِذْ ذَلِك جمع بَين الضدين فَيلْزم أَن لَا يحصل مُرَاد وَاحِد مِنْهُمَا فَلَا يكون رَبًّا وَكَذَا إِذا أَرَادَ أَحدهمَا تَحْرِيك شَيْء وَأَرَادَ الْأُخَر تسكينه فَإِن قيل يجوز أَن تتفق الإرادتان فَنَقُول إِذا فرض ربان فإمَّا أَن يكون كل مِنْهُمَا قَادِرًا بِنَفسِهِ أَو لَا يكون قَادِرًا إِلَّا بِالْآخرِ فَإِن لم يكن قَادِرًا إِلَّا بِالْآخرِ كَانَ هَذَا مُمْتَنعا لذاته مقتضيا للدور فِي الْعِلَل والفاعلين فَإِنَّهُ يسْتَلْزم أَن يكون كل مِنْهُمَا جعل الآخر قَادِرًا وَلَا يكون أَحدهمَا فَاعِلا حَتَّى يكون قَادِرًا فاذا كَانَ كل مِنْهُمَا جعل الاخر قَادِرًا فقد جعله فَاعِلا وَيكون كل مِنْهُمَا جعل الآخر رَبًّا وَهَذَا مُمْتَنع من ربين واجبين بأنفسهما قديمين لِأَن هَذَا لَا يكون قَادِرًا رَبًّا فَاعِلا حَتَّى يَجعله الآخر كَذَلِك وَكَذَلِكَ الآخر وَهَذَا مُمْتَنع ضَرُورَة فالدور القبلي مُمْتَنع لذاته كالدور فِي الفاعلين والعلل فَيمْتَنع أَن يكون كل من الشَّيْئَيْنِ عِلّة للْآخر وفاعلا لَهُ أَو جُزْءا من الْعلَّة فَإِذا كَانَ كل مِنْهُمَا لَا يكون قَادِرًا أَو فَاعِلا إِلَّا بِالْآخرِ لزم أَن يكون كل مِنْهُمَا عِلّة فاعلة وَعلة لتَمام مَا بِهِ يصير الآخر قَادِرًا فَاعِلا وَذَلِكَ مُمْتَنع ضَرُورَة فَلَزِمَ أَن الرب لَا بُد أَن يكون قَادِرًا بِنَفسِهِ فَإِن أمكنه إِرَادَة خلاف مَا يُرِيد الآخر أمكن إختلافهما وَإِن لم يُمكنهُ أَن يُرِيد إِلَّا مَا يُرِيد الآخر لزم الْعَجز فَمَتَى فرض لُزُوم إتفاقهما أبدا كَانَ ذَلِك مُمْتَنعا لذاته وَقد يُمكن هَذَا فِي مخلوقين بِأَن يجعلهما ثَالِث قَادِرين فيكونان متعاونين كاليدين فَإِنَّهُ تحدث لَهما قُوَّة بإجتماعهما وَيمْتَنع ذَلِك فِي حالتين فَإِنَّهُ إِن كَانَ أَحدهمَا قَادِرًا على الإستقلال والإنفراد وَلم يشْتَرط فِي فعله معاونة الآخر أمكن أَحدهمَا أَن يفعل مَا لَا يُريدهُ الآخر أَو مَا يُرِيد خِلَافه وَإِن لم يكن قَادِرًا على الإنفراد إمتنع أَن يحصل لَهما عِنْد الإجتماع قُوَّة لما فِي

стр. 135

ذَلِك من الدّور لِأَن هَذَا لَا يقدر حَتَّى يقدر ذَاك وَلَا يقدر ذَاك حَتَّى يقدر هَذَا وَإِذا قيل أَحدهمَا يقدر على مَا يُوَافقهُ عَلَيْهِ الآخر لم يكن قَادِرًا إِلَّا بموافقته وَإِذا قيل يقدر على مَا يُخَالِفهُ الآخر فِيهِ كَانَ كل مِنْهُمَا مَانِعا الآخر من مقدوره فَلَا يكون وَاحِد مِنْهُمَا قَادِرًا وَإِذا كَانَ كل مِنْهُمَا مَانِعا مَمْنُوعًا لزم مِنْهُ الْجمع بَين النقيضين فيتبين إمتناع ربين سَوَاء وَامْتنع وُقُوع مؤثرين تامين مستقلين يَجْتَمِعَانِ على أثر وَاحِد بِأَن يَقُول كل مِنْهُمَا إِنَّه خاط هَذَا الثَّوْب وَحده وَهَذَا بِخِلَاف المشتركين على عمل فعل وَاحِد قَالَ تَعَالَى (وَمَا كَانَ مَعَه من إِلَه إِذا لذهب كل إِلَه بِمَا خلق ولعلا بَعضهم على بعض) فَذكر سُبْحَانَهُ وجوب إمتياز المفعولين وَوُجُوب قهر أَحدهمَا الآخر وَلَو إختلط مفعولهما لكانا كالحاملين خَشَبَة كل مِنْهُمَا مفتقر إِلَى الآخر حَال الإجتماع فَإِذا قدر أَن إِرَادَة هَذَا وَفعله مُقَارن لإِرَادَة الآخر وَفعله فالتقدير أَنه لَا يُمكنهُ أَن يُرِيد وَأَن يفعل إِلَّا مَعَ الآخر فَتكون إِرَادَته وَفعله مَشْرُوطًا بِإِرَادَة الآخر وَفعله فَيكون بِدُونِ ذَلِك عَاجِزا عَن الْإِرَادَة وَالْفِعْل فَيكون كل مِنْهُمَا عَاجِزا حَال الإنفراد قَالَ الرافضي وَذَهَبت الأشاعرة إِلَى أَن الله يرى بِالْعينِ مَعَ أَنه مُجَرّد عَن الْجِهَات وَقد قَالَ تَعَالَى (لَا تُدْرِكهُ الْأَبْصَار) وخالفوا الضَّرُورَة من أَن الْمدْرك بِالْعينِ يكون مُقَابلا أَو فِي حكمه وَقَالُوا يجوز أَن يكون بَين أَيْدِينَا جبال شاهقة مُخْتَلفَة الألوان لَا نرَاهَا وأصوات هائلة لَا نسمعها وعساكر متحاربة بِحَيْثُ نمسهم ويمسوننا وَلَا نشاهد صورهم وحركاتهم وَيجوز أَن نشاهد أَصْغَر شَيْء كالذرة فِي الْمشرق وَنحن فِي الْمغرب وَهَذِه سفسطة قُلْنَا أما رُؤْيَته فِي الْآخِرَة بالأبصار فَهُوَ قَول السّلف وَالْأَئِمَّة وتواترت بِهِ الْأَحَادِيث ثمَّ جُمْهُور الْقَائِلين بِالرُّؤْيَةِ يَقُولُونَ يرى عيَانًا مُوَاجهَة كَمَا هُوَ الْمَعْرُوف بِالْعقلِ قَالَ ﵇ إِنَّكُم سَتَرَوْنَ ربكُم عزوجل يَوْم الْقِيَامَة كَمَا ترَوْنَ الشَّمْس لَا تضَامون

стр. 136

فِي رُؤْيَته وَفِي لفظ كَمَا ترَوْنَ الشَّمْس وَالْقَمَر صحوا وَفِي لفظ هَل تضَارونَ فِي رُؤْيَة الشَّمْس صحوا لَيْسَ دونهَا سَحَاب قَالُوا لَا قَالَ فَهَل تضَارونَ فِي رُؤْيَة الْقَمَر صحوا لَيْسَ دونه سَحَاب قَالُوا لَا قَالَ فَإِنَّكُم ترَوْنَ ربكُم كَمَا ترَوْنَ الشَّمْس وَالْقَمَر وَالَّذين قَالُوا يرى بِلَا مُقَابلَة هم الَّذين يَقُولُونَ إِنَّه لَيْسَ فَوق الْعَالم فَلَمَّا كَانُوا مثبتين للرؤية نافين للعلو إحتاجوا إِلَى الْجمع بَين هَاتين الْمَسْأَلَتَيْنِ وَهُوَ قَول طَائِفَة من الأشعرية وأئمتهم يَقُولُونَ بِأَن الله فَوق الْعَرْش والمعتزلة نفت الْفَوْقِيَّة والرؤية فَإِذا عرضنَا وجود مَوْجُود لَا يشار إِلَيْهِ وَلَا يصعد إِلَيْهِ شَيْء وَلَا ينزل مِنْهُ أَمر وَلَا هُوَ دَاخل الْعَالم وَلَا خَارجه وَلَا ترفع الْأَيْدِي إِلَيْهِ على أَي الْفطر والعقول أنْكرت ذَلِك جدا وَأما قَول الأشعرية فَقَالُوا إِنَّه تَعَالَى قَادر على أَن يخلق بحضرتنا مَا لَا نرَاهُ وَلَا نَسْمَعهُ من الْأَجْسَام والأصوات وَأَن يرينا مَا بعد منا من الذَّر فَلَا يَقُولُونَ هَذَا وَاقع وتجويز وُقُوع الشَّيْء غير الشَّك فِي الْوُقُوع قَالَ وَذَهَبت الأشعرية إِلَى أَن الله أمرنَا ونهانا فِي الْأَزَل وَلَا مَخْلُوق عِنْده قَائِلا يَا أَيهَا النَّاس اتَّقوا ربكُم يَا أَيهَا النَّبِي اتَّقِ الله يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا اتَّقوا الله وَلَو جلس شخص وَحده وَلَا غُلَام عِنْده فَقَالَ يَا غَانِم قُم يَا نجاح كل قيل لمن تنادي فَيَقُول لِعبيد أشتريهم بعد سنة لنسب إِلَى الْحمق والسفه قُلْنَا هَذَا قَول الْكلابِيَّة وهم طَائِفَة من الَّذين يَقُولُونَ الْقُرْآن مَخْلُوق كالمعتزلة لَا من يَقُول هُوَ كَلَام الله غير مَخْلُوق كالكرامية والسالمية وَالسَّلَف وَأهل الحَدِيث من أهل الْمذَاهب

стр. 137

الآربعة وَغَيرهم فَلَيْسَ فِي ذكر مثل هَؤُلَاءِ حُصُول مَقْصُود الرافضي ثمَّ كثير من الرافضة يَقُول بِهِ وَهُوَ الثَّابِت عَن أَئِمَّة أهل الْبَيْت ثمَّ إِن الْكلابِيَّة والأشعرية قَالُوا هَذَا لموافقتهم للمعتزلة فِي الأَصْل لإتفاقهم على صِحَة دَلِيل حُدُوث الْأَجْسَام فلزمهم القَوْل بحدوث مَا لَا يَخْلُو عَن الْحَوَادِث ثمَّ قَالُوا وَمَا تقوم بِهِ الْحَوَادِث لَا يَخْلُو مِنْهَا فَإِذا قيل الْجِسْم لم يخل من الْحَرَكَة والسكون قَالُوا والسكون الأزلي يمْتَنع زَوَاله لِأَنَّهُ مَوْجُود أزلي وكل مَوْجُود أزلي يمْتَنع زَوَاله وكل جسم يجوز عَلَيْهِ الْحَرَكَة فَإِذا جَازَ عَلَيْهِ الْحَرَكَة وَهُوَ أزلي وَجب أَن تكون حركته ازلية لإمتناع زَوَال السّكُون الأزلي وَلَو جَازَ عَلَيْهِ الْحَرَكَة الأزلية لزم حوادث لَا أول لَهَا وَذَاكَ مُمْتَنع فَلَزِمَ أَنه تَعَالَى لَا تقوم بِهِ الْحَوَادِث وَقد علمُوا قطعا أَن الْكَلَام يقوم بالمتكلم كَمَا يقوم الْعلم بالعالم وَالْحَرَكَة بالمتحرك وَأَن الْكَلَام الَّذِي يخلقه الله فِي غَيره لَيْسَ كلَاما لَهُ بل لذَلِك الْمحل فَلَمَّا ثَبت عِنْدهم أَن الْكَلَام لَا بُد أَن يقوم بالمتكلم وَقد وافقوا الْمُعْتَزلَة على أَن الْحَوَادِث لَا تقوم بالقديم لزم من الْأَصْلَيْنِ أَن يكون الْكَلَام قَدِيما قَالُوا وَقدم الْأَصْوَات مُمْتَنع لِأَن الصَّوْت لَا يبْقى زمانين فَتعين أَن يكون الْكَلَام الْقَدِيم معنى لَيْسَ بِحرف وَلَا صَوت وَإِذا كَانَ كَذَلِك كَانَ معنى وَاحِدًا لِأَنَّهُ لَو زَاد على وَاحِد لم يكن لَهُ حد مَحْدُود وَيمْتَنع وجود مَعَاني لَا نِهَايَة لَهَا فهم يَقُولُونَ نَحن وافقناكم على إمتناع أَن يقوم بالرب مَا هُوَ مُرَاد لَهُ مَقْدُور وخالفناكم فِي كَون كَلَامه مخلوقا مُنْفَصِلا عَنهُ فلزمت المناقضة فَإِن كَانَ الْجمع بَين هذَيْن مُمكنا لم نتناقض وَإِن تعذر لزم خطأنا فِي إِحْدَى الْمَسْأَلَتَيْنِ وَلم يتَعَيَّن الْخَطَأ فِيمَا خالفناكم فِيهِ بل قد نَكُون أَخْطَأنَا فِيمَا وافقناكم عَلَيْهِ من كَونه لَا يتَكَلَّم بمشيئته وَقدرته بِكَلَام يقوم بِهِ مَعَ أَن إِثْبَات هَذَا القَوْل هُوَ قَول جُمْهُور أهل

стр. 138

الحَدِيث وَطَوَائِف من الْمُتَكَلِّمين والكرامية والشيعة بل لَعَلَّه قَول أَكثر الطوائف وَإِذا اضطررنا إِلَى مُوَافقَة إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ كَانَت موافقتنا لمن يَقُول إِن الرب يتَكَلَّم إِذا شَاءَ خير من موافقتنا لمن يَقُول إِن كَلَامه إِنَّمَا هُوَ مَا يخلقه فِي غَيره لظُهُور فَسَاده عقلا وَشرعا وَوجه آخر أَن يُقَال الْخطاب لمعدوم لم يُوجد بعد وبشرط وجوده أقرب إِلَى الْعقل من مُتَكَلم لَا يقوم بِهِ كَلَامه وَمن كَون الرب مسلوبا صِفَات الْكَمَال فَمَا خلق الله عرضا فِي جسم إِلَّا كَانَ صفة للجسم لَا للخالق وَأما خطاب من لم يُوجد بِشَرْط وجوده فَإِن الْمُوصي قد يُوصي بأَشْيَاء وَيَقُول أَنا آمُر الْوَصِيّ بعد موتِي أَن يعْمل كَذَا وَيعْمل كَذَا وَإِذا بلغ ولدى فلَان يكون هُوَ الْوَصِيّ وَأَنا آمره بِكَذَا وَكَذَا بل يقف وَقفا يبْقى دهرا وَيَأْمُر النَّاظر الَّذِي لم يخلق بعد بأَشْيَاء وَأما الْقَائِل يَا غَانِم يَا نجاح فَإِن قصد بِهِ خطاب حَاضر فَهَذَا قَبِيح وَإِن قصد بِهِ خطاب من سَيكون مثل أَن يَقُول قد أَخْبرنِي الصَّادِق أَن أمتِي تَلد غُلَاما وَيُسمى غانما فَإِذا وَلدته فَهُوَ حر وَقد جعلته وَصِيّا على أَوْلَادِي وَأَنا آمُرك يَا غَانِم بِكَذَا وَكَذَا لم يكن هَذَا مُمْتَنعا لِأَنَّهُ خطاب لحاضر فِي الْعلم وَإِن كَانَ مفقودا فِي الْعين وَالْإِنْسَان يُخَاطب من يستحضره فِي نَفسه وَيذكر أَشْيَاء لَهُ وَيَقُول يَا فلَان أما قلت لَك كَذَا وروى عَن عَليّ كرم الله وَجهه وَرَضي عَنهُ أَنه لما مر بكربلاء قَالَ صبرا أَبَا عبد الله يَعْنِي الْحُسَيْن ﵁ وَالنَّبِيّ ﷺ ذكر الدَّجَّال وَخُرُوجه وَقَالَ يَا عباد الله اثبتوا وَلم يُوجد بعد عباد الله أُولَئِكَ قلت وَذَا كثير فِي الْقُرْآن من إخْبَاره تَعَالَى عَن نَفسه وَعَن عباده وَمَلَائِكَته بِصِيغَة الْمَاضِي بِمَا سَيكون بعد السَّاعَة كَقَوْلِه تَعَالَى (ونادى أَصْحَاب الْجنَّة أَصْحَاب النَّار) (وَقَالُوا الْحَمد لله الَّذِي أذهب عَنَّا الْحزن) (وَقَالَ الَّذين فِي النَّار لخزنة جَهَنَّم)

стр. 139

قَالَ الرافضي وَذهب من عدا الإمامية والإسماعيلية إِلَى أَن الْأَنْبِيَاء وَالْأَئِمَّة غير معصومين فجوزوا بعثة من يجوز عَلَيْهِ الْكَذِب والسهو وَالسَّرِقَة فَيُقَال مَا ذكرته عَن الْجُمْهُور فِي تَجْوِيز ذَلِك على الْأَنْبِيَاء كذب فأنهم متفقون على عصمَة الْأَنْبِيَاء ﵈ فِي تَبْلِيغ الرسَالَة وطاعتهم وَاجِبَة إِلَّا عِنْد الْخَوَارِج وَالْجُمْهُور يجوزون عَلَيْهِم الصَّغَائِر وَأَنَّهُمْ لَا يقرونَ عَلَيْهَا وَأما عصمَة الْأَئِمَّة فَنعم كَمَا قَالَ لم يقل بهَا إِلَّا من ذكر وناهيك بقول عرى عَن الْحجَّة قَالُوا إِن الله لم يخل الْعَالم من أَئِمَّة معصومين لما فِي ذَلِك من الْمصلحَة واللطف قُلْنَا فَهَذَا الْغَائِب المنتظر الْمَفْقُود لم يحصل بِهِ شَيْء من الْمصلحَة واللطف سَوَاء كَانَ مَيتا كَمَا نقُول أَو حَيا كَمَا تزعمه الإماميه وَكَذَلِكَ أجداده تمّ يحصل بهم ذَلِك كَمَا حصل بِالنَّبِيِّ ﷺ ثمَّ لم يحصل بعده أحد من الإثني عشر لَهُ سُلْطَان إِلَّا عَليّ كرم الله وَجهه وَمن الْمَعْلُوم بِالضَّرُورَةِ أَن حَال اللطف والمصلحة الَّتِي كَانَ الْمُؤْمِنُونَ فِيهَا زمن الْخُلَفَاء الثَّلَاثَة أعظم مِمَّا كَانَ فِي زَمَانه من الْفرْقَة والفتنة والقتال وَالله قد أمرنَا بِالرَّدِّ عِنْد التَّنَازُع إِلَى الله وَالرَّسُول وَلَو كَانَ للنَّاس مَعْصُوم غير الرَّسُول لوجه الرَّد إِلَيْهِ وَفِي الصَّحِيحَيْنِ أَن أَبَا ذَر قَالَ أَوْصَانِي خليلي أَن أسمع وَأطِيع وَإِن كَانَ عبدا حَبَشِيًّا مجدع الْأَطْرَاف وَلمُسلم عَن أم الْحصين أَنَّهَا سَمِعت النَّبِي ﷺ فِي حجَّة الْوَدَاع يَقُول وَلَو اسْتعْمل عَلَيْكُم عبد أسود مجدع يقودكم بِكِتَاب الله فَاسْمَعُوا واطيعوا وللبخاري عَن أنس بِنَحْوِهِ والإمامية وَغَيرهم يجوزون أَن يكون نواب الإِمَام غير معصومين وَأَن لَا يكون الإِمَام عَالما بعصمتهم بِدَلِيل أَن النَّبِي ﷺ قد ولى الْوَلِيد بن عقبَة ثمَّ أخبر بمحاربة الَّذين أرْسلهُ إِلَيْهِم وَعلي كرم الله وَجهه وَرَضي عَنهُ كَانَ كثير من نوابه يخونونه وَفِيهِمْ من هرب عَنهُ فاشتراط الْعِصْمَة فِي الْأَئِمَّة لَيْسَ بمقدور وَلَا مَأْمُور وَلم تحصل بِهِ مَنْفَعَة

стр. 140

قَالَ وهم يرَوْنَ القَوْل بِالْقِيَاسِ والرأي فأدخلوا فِي دين الله مَا لَيْسَ مِنْهُ وحرفوا أَحْكَام الشَّرِيعَة وأحدثوا مَذَاهِب أَرْبَعَة لم تكن فِي زمن النَّبِي ﷺ وأهملوا أقاويل الصَّحَابَة فَالْجَوَاب إِن هَذَا وَارِد عَلَيْكُم فالزيدية تَقول بِالْقِيَاسِ ثمَّ الْقيَاس خير من تَقْلِيد من لم يبلغ فِي الْعلم مبلغ الْمُجْتَهدين كَمَا لَك وَالثَّوْري وَالشَّافِعِيّ وَأحمد وَأبي عبيد وهم أعلم وأفقه من العسكريين وأمثالهما ثمَّ قَوْله أدخلُوا فِي دين الله مَا لَيْسَ مِنْهُ وحرفوا فَهَذَا لَيْسَ فِي طَائِفَة أَكثر من الرافضة فَإِنَّهُم كذبُوا على الرَّسُول ﷺ مَا لم يكذبهُ غَيرهم وردوا من الصدْق مَا لَا يُحْصى وحرفوا حَيْثُ قَالُوا (مرج الْبَحْرين) عَليّ وَفَاطِمَة (يخرج مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤ والمرجان) الْحسن وَالْحُسَيْن (فِي إِمَام مُبين) عَليّ (وَآل عمرَان على الْعَالمين) أل أبي طَالب وَسموا أَبَا طَالب عمرَان (والشجرة الملعونة) بَنو أُميَّة (أَن تذبحوا بقرة) عَائِشَة (لَئِن أشركت ليحبطن عَمَلك) لَئِن أشركت بَين أبي بكر وَعمر وَنَحْو ذَلِك مِمَّا وجدته فِي كتبهمْ وَمن ثمَّ دخلت الإسماعيلية فِي تأويلات الْوَاجِبَات والمحرمات فهم أَئِمَّة التحريف وَأما قَوْله واحدثوا مَذَاهِب أَرْبَعَة وأهملوا أقاويل الصَّحَابَة فَيُقَال لَهُ مَتى كَانَت مُخَالفَة الصَّحَابَة مُنْكرا عنْدكُمْ وَمن الَّذِي يُخَالف إِجْمَاع الصَّحَابَة نَحن أَو أَنْتُم وَمن الَّذِي كفرهم وضللهم إِن أهل السّنة لَا يتَصَوَّر أَن يتفقوا على مُخَالفَة إِجْمَاع الصَّحَابَة وَأما الإمامية فَلَا ريب أَنهم متفقون على مُخَالفَة إِجْمَاع العترة النَّبَوِيَّة مَعَ مُخَالفَة إِجْمَاع الصَّحَابَة فَإِنَّهُ لم يكن فِي العترة النَّبَوِيَّة بني هَاشم على عهد رَسُول الله ﷺ وَأبي بكر وَعمر وَعُثْمَان وَعلي ﵃ من يَقُول بإمامة إثني عشر وَلَا بعصمة أحد بعد النَّبِي ﷺ وَلَا بِكفْر الْخُلَفَاء الثَّلَاثَة بل وَلَا من يطعن فِي إمامتهم بل وَلَا من

стр. 141

يُنكر الصِّفَات وَلَا من يكذب بِالْقدرِ فلإمامية بِلَا ريب متفقون على مُخَالفَة العترة النَّبَوِيَّة مَعَ مخالفتهم لإِجْمَاع الصَّحَابَة فَكيف يُنكرُونَ على من لَا يُخَالف إِجْمَاع الصَّحَابَة وَلَا إِجْمَاع العترة وَأما الْمذَاهب فَإِن أَرَادَ أَنهم اتَّفقُوا على إحداثها مَعَ مُخَالفَة الصَّحَابَة فَهَذَا كذب عَلَيْهِم فَإِن الْأَرْبَعَة لم يَكُونُوا فِي وَقت وَاحِد وَلَا كَانَ فيهم من يُقَلّد الآخر وَلَا من أَمر النَّاس اتِّبَاعه بل كل مِنْهُم يَدْعُو إِلَى مُتَابعَة الْكتاب وَالسّنة وَيرد على صَاحبه وَإِن قلت إِن النَّاس اتبعُوا الآربعة فَهَذَا أَمر اتفاقي وَأما الشِّيعَة فَكل مَا خالفوا فِيهِ الْجُمْهُور فهم مخطئون فِيهِ وَالْأَرْبَعَة لم يخترعوا علما لم يكن بل جمعُوا الْعلم فأضيف ذَلِك إِلَى الْوَاحِد مِنْهُم كَمَا تُضَاف كتب الحَدِيث إِلَى من جمعهَا كالبخاري وَمُسلم وَأبي دَاوُد وكما تُضَاف الْقرَاءَات إِلَى من إختارها كنافع وَعَاصِم ثمَّ لم يقل أهل السّنة إِن إِجْمَاع الْأَرْبَعَة حجَّة معصومة وَلَا إِن الْحق منحصر فِي قَوْلهم وَإِن مَا خرج عَنهُ بَاطِل والمجتهدون يتنازعون ويختلفون فِي فهم كَلَام الرَّسُول ثمَّ الصحابه قد ثَبت عَنْهُم القَوْل بِالرَّأْيِ وَالْقِيَاس كَمَا ثَبت عَنْهُم ذمّ مَا ذموه من الْقيَاس فالمذموم مِنْهُ مَا عَارض النَّص وَكَذَلِكَ الْقيَاس الَّذِي لَا يكون فِيهِ الْفَرْع مشاركا للْأَصْل فِي منَاط الحكم وَلَا شكّ أَن الْقيَاس فِيهِ فَاسد وَلَيْسَ ذَلِك يُوجب بطلَان جَمِيعه كَمَا أَن وجود الموضوعات فِي المرويات لَا يُوجب بطلَان جَمِيع الحَدِيث قَالَ وذهبوا بِسَبَب ذَلِك إِلَى أُمُور شنيعة كإباحة الْبِنْت من الزِّنَا وَسُقُوط

стр. 142

الْحَد عَمَّن نكح أمه وَأُخْته عَالما بِالتَّحْرِيمِ وَعَن اللائط وإلحاق نسب المشرقية بالمغربي فَإِذا زوج الرجل بنته وَهِي فِي الْمشرق بِرَجُل هُوَ وأبوها فِي الْمغرب وَلم يُفَارِقهُ لَحْظَة حَتَّى مَضَت لَهُ سِتَّة أشهر فَولدت الْبِنْت ألحق الْمَوْلُود بِالرجلِ وَإِبَاحَة النَّبِيذ وَالْوُضُوء بِهِ مَعَ مشاركته الْخمر فِي الْإِسْكَار وَالصَّلَاة فِي جلد الْكَلْب وعَلى الْعذرَة الْيَابِسَة وأباحوا الغصوب فَقَالُوا لَو دخل سَارِق طاحونا فطحن الْقَمْح ملك ذَلِك فَلَو جَاءَ الْملك فنازعه كَانَ ظَالِما فَلَو تقاتلا فَقتل السَّارِق كَانَ شَهِيدا وَلَو قتل اللص الْمَالِك كَانَ هدرا وأوجبوا الْحَد على الزَّانِي إِذا كذب الشُّهُود وأسقطوه إِذا صدقهم فأسقطوا الْحَد مَعَ إجتماع الْإِقْرَار وَالْبَيِّنَة وأباحوا أكل الْكَلْب واللواط بالعبيد وأباحوا الملاهي وَالْجَوَاب مَا من مَسْأَلَة من هَذِه الْمسَائِل إِلَّا وَجُمْهُور السنه على خلَافهَا ثمَّ يُقَال وَأَنْتُم يُوجد فِيكُم معشر الرافضة إِمَّا إتفاقا وَإِمَّا إختلافا أَضْعَاف ذَلِك كَتَرْكِ الْجُمُعَة وَالْجَمَاعَة وتعطلون الْمَسَاجِد وتعمرون الْمشَاهد الَّتِي على الْقُبُور كَمَا

стр. 143

صنف مِنْكُم الْمُفِيد كتابا سَمَّاهُ مَنَاسِك حج الْمشَاهد وَفِيه الْكَذِب والشرك وَمِنْهَا تَأْخِير صَلَاة الْمغرب وَتَحْرِيم ذَبَائِح الكتابيين وَتَحْرِيم نوع من السّمك وَتَحْرِيم بَعضهم لُحُوم الْإِبِل وجعلهم الْمِيرَاث كُله للْبِنْت دون الْعم وَصَوْم بَعضهم بِالْعدَدِ لَا بِالْأَهِلَّةِ وإحلال الْمُتْعَة وَأَن الطَّلَاق الْمُعَلق بِشَرْط لَا يَقع مَعَ قصد إِيقَاعه عِنْد الشَّرْط وَأَنه لَا يَقع بِكِتَابَة وَيشْتَرط فِيهِ الْإِشْهَاد فَأَما المخلوقة من الزِّنَا فمردة للشَّافِعِيّ ﵁ وَلم يكن أَحْمد بن حَنْبَل ﵁ يظنّ فِيهَا خلافًا بِحَيْثُ أَنه أفتى بقتل من يفعل ذَلِك وَأما عقدَة على ذَوَات الْمَحَارِم فَأَبُو حنيفَة ﵁ جعل ذَلِك شُبْهَة لدرء الْحَد لوُجُود صُورَة العقد وَأكْثر السّلف يقتلُون اللائط وَقيل ذَلِك إِجْمَاع الصَّحَابَة وَهُوَ مَذْهَب مَالك ﵁ وَأَصَح الرِّوَايَتَيْنِ عَن أَحْمد وَأحد قولي الشَّافِعِي ﵁ وَالْآخر هُوَ زنا وَهُوَ قَول أبي يُوسُف وَمُحَمّد وَسُقُوط الْحَد من مُفْرَدَات أبي حنيفَة ﵁ وَكَذَا إِلْحَاق ولد المشرقية بِالَّذِي بالمغرب وَعِنْده أَن النّسَب يقْصد بِهِ الْمِيرَاث وَهَذِه الشناعات إِن كَانَت بَاطِلا فجمهور الْأَئِمَّة على خلَافهَا وَإِن كَانَت حَقًا لم تخرج عَن قَول أهل السّنة وَأَبُو حنيفَة لم يَجْعَل الْأُبُوَّة لكَونه خلق من مَائه ثمَّ يَا رَافِضِي مُنْذُ سَاعَة كنت تنكر الْقيَاس وَهنا تحتج بِهِ على أبي حنيفَة وَتقول فِي النَّبِيذ مَعَ مشاركته للخمر فِي الْإِسْكَار فَهَلا احتججت بِالنَّصِّ كل مُسكر خمر وكل خمر حرَام وَأما جلد الْكَلْب المدبوغ فَقَالَت طَائِفَة من الْعلمَاء بِعُمُوم الحَدِيث أَيّمَا إهَاب دبغ فقد طهر فَلَو قيل لَك هَات دَلِيل التَّحْرِيم لوقفت واما مَا قلت من مقاتلة الْغَاصِب وَالْمَالِك فكذب بل إِذا تنَازعا رفعا إِلَى الْحَاكِم وَأما الْحَد مَعَ الشُّهُود فمأخذ أبي حنيفَة أَنه إِذا أقرّ سقط حكم الشَّهَادَة وَلَا يُؤْخَذ بِالْإِقْرَارِ إِلَّا بِأَرْبَع مَرَّات وَأما

стр. 144

الْجُمْهُور فَيَقُولُونَ الْإِقْرَار يُؤَكد حكم الشَّهَادَة وَأما اللواط بالعبيد فكذب مَا قَالَه وَكَأَنَّهُ قصد التشنيع فَإِن بعض الجهلة يرويهِ عَن مَالك إشتبه عَلَيْهِ بِمَسْأَلَة الحشوش وَلَا يخْتَلف مَذْهَب مَالك وَالْأَئِمَّة ﵃ أَجْمَعِينَ أَن من إستحل المماليك يكفر قَالَ الْوَجْه الثَّانِي فِي الدّلَالَة على وجوب إتباع مَذْهَب الإمامية مَا قَالَه شَيخنَا الْأَعْظَم خواجه نصير الدّين مُحَمَّد بن حسن الطوسي قدس الله روحه وَقد سَأَلته عَن الْمذَاهب فَقَالَ بحثنا عَنْهَا وَعَن حَدِيث سَتَفْتَرِقُ أمتِي على ثَلَاث وَسبعين فرقة فَوَجَدنَا الْفرْقَة النَّاجِية الإمامية لأَنهم باينوا جَمِيع الْمذَاهب فَيُقَال لَا تنس أَنَّك قد كفرت من قَالَ إِن الله مُوجب بِالذَّاتِ وشيخك هَذَا مِمَّن يَقُول بِأَن الله مُوجب بِالذَّاتِ وَيَقُول بقدم الْعَالم قَرَّرَهُ فِي شرح الإشارات لَهُ

стр. 145

وَقد كَانَ وَزِير الْمَلَاحِدَة الإسماعيلية بالألموت ثمَّ صَار منجما مسيرًا لهولاكو فَأَشَارَ عَلَيْهِ بقتل الْخَلِيفَة وَالْعُلَمَاء إِلَى غير ذَلِك من الطَّامَّات وَأمر النصير وَأَتْبَاعه أشهر عِنْد الْمُسلمين وَقد قيل إِنَّه إنصلح فِي أَوَاخِر عمره وَكَانَ يحافظ على الصَّلَوَات ويشتغل بتفسير الْبَغَوِيّ وبالفقه وَأما قَوْله باينوا جَمِيع الْمذَاهب فهذيان وَكَذَا الْخَوَارِج باينوا جَمِيع الْمذَاهب وَكَذَا الْمُعْتَزلَة وَغَيرهم وَإِن عني أَنهم إختصوا بِجَمِيعِ أَقْوَالهم فَلَيْسَ كَذَلِك فقد وافقوا فِي التَّوْحِيد الْمُعْتَزلَة وَفِي الْقدر ووافقوا الْجَهْمِية ثمَّ بَينهم من الإختلاف مَالا يُوصف وَمن الْعجب أَن هَذَا المُصَنّف الرافضي الْكذَّاب المفتري يذكر أَبَا بكر وَعمر وَعُثْمَان وَسَائِر السَّابِقين وَالتَّابِعِينَ وَسَائِر أَئِمَّة الْمُسلمين من أهل الْعلم وَالدّين بالعظائم الَّتِي يفتريها عَلَيْهِم هُوَ وإخوانه وَيَجِيء إِلَى من إشتهرت عِنْد الْمُسلمين محاربته لله وَرَسُوله يَقُول عَنهُ قَالَ شَيخنَا الْأَعْظَم وَيَقُول قدس الله روحه مَعَ شَهَادَته لَهُ بالْكفْر وَمَعَ لَعنه طَائِفَة خِيَار الْمُؤمنِينَ من الْأَوَّلين والآخرين وَهَؤُلَاء داخلون فِي معنى قَوْله تَعَالَى (وَيَقُولُونَ للَّذين كفرُوا هَؤُلَاءِ أهْدى من الَّذين آمنُوا سَبِيلا أُولَئِكَ الَّذين لعنهم الله وَمن يلعن الله فَلَنْ تَجِد لَهُ نَصِيرًا)
следующие страницы →