Полный текст (545 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.
стр. 211
وَمَا أَجمعُوا على قَتله فَهَلا كَانَ الْإِجْمَاع على بيعَته يَا معشر الرافضة حَقًا لتيقن الْإِجْمَاع عَلَيْهَا وَأَيْضًا فإجماع النَّاس على بيعَة أبي بكر أعظم من إِجْمَاعهم على بيعَة عَليّ وعَلى قتل عُثْمَان فَإِنَّهُ مَا تخلف عَن أبي بكر إِلَّا جمَاعَة كسعد بن عبَادَة وَالله يغْفر لَهُ
وَقد قدمنَا أَن الرجل الْمَشْهُود لَهُ بِالْجنَّةِ قد يُذنب لإنتفاء الْعِصْمَة
وَمَا قَوْلك يَا جَاهِل إِن عُثْمَان قتل بِالْإِجْمَاع إِلَّا كَمَا قَالَ ناصبي قتل الْحُسَيْن بِإِجْمَاع الْمُسلمين لِأَن الَّذين قَاتلُوهُ وقتلوه لم يدفعهم أحد عَن ذَلِك فَلم يكن كذبه بأظهر من كذب الْمُدَّعِي الْإِجْمَاع على
стр. 212
قتل عُثْمَان فَإِن الْحُسَيْن لم يعظم إِنْكَار الْأمة لقَتله كَمَا عظم إنكارهم لقتل عُثْمَان وَلَا انتصر لَهُ جيوش كالجيوش الَّذين انتصروا لعُثْمَان وَلَا انتقم أعوانه من أعدائه كَمَا انتقم أعوان عُثْمَان من أعدائه وَلَا حصل بقتْله من الْفِتْنَة وَالشَّر وَالْفساد مَا حصل بقتل عُثْمَان
стр. 213
وَلَا كَانَ قَتله أعظم إنكارا عِنْد الله وَعند رَسُوله وَعند الْمُؤمنِينَ من قتل عُثْمَان فَإِن عُثْمَان من أَعْيَان السَّابِقين الْأَوَّلين من الْمُهَاجِرين من طبقَة عَليّ وَطَلْحَة وَالزُّبَيْر وَهُوَ خَليفَة للْمُسلمين أَجمعُوا على بيعَته بل لم يشهر فِي الْأمة سَيْفا وَلَا قتل على ولَايَته أحدا وَكَانَ بغزو بِالْمُسْلِمين الْكفَّار بِالسَّيْفِ وَكَانَ السَّيْف فِي خِلَافَته كَمَا كَانَ فِي خلَافَة أبي بكر وَعمر مسلولا على الْكفَّار مكفوفا عَن أهل الْقبْلَة
ثمَّ إِنَّه طلب قَتله وَهُوَ خَليفَة
стр. 214
فَصَبر وَلم يُقَاتل دفعا عَن نَفسه حَتَّى قتل
وَلَا ريب أَن هَذَا أعظم أجرا وقتلته أعظم إِنَّمَا مِمَّن لم يكن مُتَوَلِّيًا فَخرج يطْلب الْولَايَة وَلم يتَمَكَّن حَتَّى قَاتله أعوان الَّذين طلب أَخذ الْأَمر مِنْهُم فقاتل عَن نَفسه حَتَّى قتل
وَلَا ريب أَن قتال الدَّافِع عَن نَفسه وولايته أقرب من قتال الطَّالِب لِأَن يَأْخُذ الْأَمر من غَيره وَعُثْمَان ترك الْقِتَال دفعا عَن ولَايَته فَكَانَ حَاله أفضل من حَال الْحُسَيْن وَقَتله أشنع من قتل الْحُسَيْن
كَمَا أَن الْحسن ﵁ وَهُوَ لم يُقَاتل على الْأَمر بل أصلح بَين الْأمة بترك الْقِتَال مدحه النَّبِي ﷺ على ذَلِك فَقَالَ إِن ابْني هَذَا سيد وسيصلح الله بِهِ بَين فئتين عظيمتين من الْمُسلمين
والمنتصرون لعُثْمَان مُعَاوِيَة وَأهل الشَّام والمنتصرون من قتلة الْحُسَيْن
стр. 215
الْمُخْتَار بن أبي عبيد الثَّقَفِيّ وأعوانه
وَلَا يشك عَاقل أَن مُعَاوِيَة ﵁ خير من الْمُخْتَار فَإِن الْمُخْتَار كَذَّاب ادّعى النُّبُوَّة
وَقد ثَبت فِي الصَّحِيح أَن النَّبِي ﷺ قَالَ
стр. 216
يكون فِي ثَقِيف كَذَّاب ومبير فالكذاب هُوَ الْمُخْتَار والمبير هُوَ الْحجَّاج بن يُوسُف
стр. 217
وَهَذَا الْمُخْتَار كَانَ أَبوهُ رجلا صَالحا وَهُوَ أَبُو عبيد الثَّقَفِيّ الَّذِي قتل شَهِيدا فِي حَرْب الْمَجُوس وَأُخْته صَفِيَّة بنت أبي عبيد امْرَأَة عبد الله بن عمر امْرَأَة صَالِحَة وَكَانَ الْمُخْتَار رجل سوء
стр. 218
وَأما قَوْله إِن عَائِشَة كَانَت فِي كل وَقت تامر بقتل عُثْمَان وَتقول فِي كل وَقت اقْتُلُوا نعثلا قتل الله نعثلا وَلما بلغَهَا قَتله فرحت بذلك
فَيُقَال أَولا أَيْن النَّقْل الثَّابِت عَن عَائِشَة بذلك وَيُقَال ثَانِيًا إِن الْمَنْقُول عَن عَائِشَة يكذب ذَلِك وَيبين أَنَّهَا أنْكرت قَتله وذمت من قَتله ودعت على أَخِيهَا مُحَمَّد وَغَيره لمشاركتهم فِي ذَلِك
وَيُقَال ثَالِثا هَب أَن وَاحِدًا من الصَّحَابَة عَائِشَة أَو غَيرهَا قَالَ فِي ذَلِك كلمة على وَجه الْغَضَب
стр. 219
لإنكاره بعض مَا يُنكر فَلَيْسَ قَوْله حجَّة وَلَا يقْدَح فِي إِيمَان الْقَائِل وَلَا الْمَقُول لَهُ بل قد يكون كِلَاهُمَا وليا لله تَعَالَى من أهل الْجنَّة ويظن أَحدهمَا جَوَاز قتل الآخر بل و \ يظنّ كفره وَهُوَ مخطيء فِي هَذَا الظَّن كَمَا ثَبت فِي الصَّحِيحَيْنِ عَن عَليّ وَغَيره فِي قصَّة حَاطِب ابْن أبي بلتعة وَكَانَ من أهل بدر وَالْحُدَيْبِيَة وَفِي حَدِيث عَليّ أَن حَاطِبًا كتب إِلَى الْمُشْركين بِمَكَّة يُخْبِرهُمْ بِبَعْض أَمر رَسُول الله ﷺ لما أَرَادَ غَزْوَة الْفَتْح فَاطلع الله نبيه على ذَلِك فَقَالَ لعَلي وَالزُّبَيْر إذهبا حَتَّى تأتيا رَوْضَة خَاخ فَإِن بهَا ظَعِينَة مَعهَا كتاب
فَلَمَّا أَتَيَا بِالْكتاب قَالَ مَا هَذَا يَا حَاطِب فَقَالَ وَالله يَا رَسُول الله مَا فعلت هَذَا إرتدادا وَلَا رضَا بالْكفْر وَلَكِن كنت امْرَءًا مُلْصقًا فِي قُرَيْش وَلم أكن من أنفسهم وَكَانَ من مَعَك من الْمُهَاجِرين لَهُم بِمَكَّة قَرَابَات يحْمُونَ بهَا أَهْليهمْ فَأَحْبَبْت إِذْ فَاتَنِي ذَلِك أَن أَتَّخِذ عِنْدهم يدا يحْمُونَ بهَا قَرَابَتي
فَقَالَ عمر ﵁ دَعْنِي أضْرب عنق هَذَا الْمُنَافِق
فَقَالَ إِنَّه شهد بَدْرًا وَمَا يدْريك أَن الله اطلع على أهل بدر فَقَالَ اعْمَلُوا مَا شِئْتُم فقد غفرت لكم وأنزال الله تَعَالَى فِي أول سُورَة الممتحنة (يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا لَا تَتَّخِذُوا عدوي وَعَدُوكُمْ أَوْلِيَاء تلقونَ إِلَيْهِم بالمودة وَقد كفرُوا بِمَا جَاءَكُم من الْحق يخرجُون الرَّسُول وَإِيَّاكُم أَن تؤمنوا بِاللَّه ربكُم إِن كُنْتُم خَرجْتُمْ جهادا فِي سبيلي وابتغاء مرضاتي تسرون إِلَيْهِم بالمودة وَأَنا أعلم بِمَا أخفيتم وَمَا أعلنتم وَمن يَفْعَله مِنْكُم فقد ضل سَوَاء السَّبِيل) الْآيَات
وَهَذِه الْقِصَّة مِمَّا اتّفق أهل الْعلم على صِحَّتهَا
وَهِي متواترة عِنْدهم مَعْرُوفَة عِنْد عُلَمَاء التَّفْسِير وعلماء الْمَغَازِي وَالسير والتواريخ وعلماء الْفِقْه وَغير هَؤُلَاءِ وَكَانَ عَليّ ﵁ يحدث بِهَذَا الحَدِيث فِي خِلَافَته بعد الْفِتْنَة وروى ذَلِك عَنهُ كَاتبه عبيد الله بن أبي رَافع ليبين لَهُم أَن السَّابِقين مغْفُور لَهُم وَلَو جرى مِنْهُم مَا جرى
وَعُثْمَان وَطَلْحَة وَالزُّبَيْر أفضل
стр. 220
بإتفاق الْمُسلمين من حَاطِب بن أبي بلتعة وَكَانَ حَاطِب مسيئا إِلَى مماليكه وَكَانَ ذَنبه فِي مكَاتبه الْمُشْركين وإعانتهم على النَّبِي ﷺ وَأَصْحَابه أعظم من الذُّنُوب الَّتِي تُضَاف إِلَى هَؤُلَاءِ وَمَعَ هَذَا فالنبي ﷺ نهى عَن قَتله
وَكذب من قَالَ إِنَّه يدْخل النَّار لِأَنَّهُ شهد بَدْرًا وَالْحُدَيْبِيَة وَأخْبر بمغفرة الله لأهل بدر
وَمَعَ هَذَا فَقَالَ عمر ﵁ دَعْنِي أضْرب عنق هَذَا الْمُنَافِق فَسَماهُ منافقا واستحل قَتله وَلم يقْدَح ذَلِك فِي إِيمَان وَاحِد مِنْهُمَا وَلَا فِي كَونه من أهل الْجنَّة
وَكَذَلِكَ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيرهمَا فِي حَدِيث الْإِفْك لما قَامَ النَّبِي ﷺ خَطِيبًا على الْمِنْبَر يعْتَذر من رَأس الْمُنَافِقين عبد الله بن أبي ابْن سلول فَقَالَ من يعذرني من رجل بَلغنِي أَذَاهُ فِي أَهلِي وَالله مَا علمت على أَهلِي إِلَّا خيرا
وَلَقَد ذكرُوا رجلا مَا علمت عَلَيْهِ إِلَّا خيرا فَقَامَ سعد بن معَاذ سيد الْأَوْس وَهُوَ الَّذِي اهتز لمَوْته عرش الرَّحْمَن وَهُوَ الَّذِي كَانَ لَا تَأْخُذهُ فِي الله لومة لائم بل حكم فِي حلفائه من بني قُرَيْظَة بِأَن يقتل مقاتلهم وتسبى ذَرَارِيهمْ وتغنم أَمْوَالهم
حَتَّى قَالَ النَّبِي ﷺ لقد حكمت فيهم بِحكم الله من فَوق سَبْعَة أَرقعَة فَقَالَ يَا رَسُول الله نَحن نعذرك مِنْهُ إِن كَانَ من الْأَوْس ضربنا عُنُقه وَإِن كَانَ من أَصْحَابنَا من الْخَزْرَج أمرتنا فَفَعَلْنَا فِيهِ أَمرك
فَقَامَ سعد بن عبَادَة فَقَالَ كذبت لعَمْرو الله لَا تقتله وَلَا تقدر على قَتله
فَقَالَ أسيد بن حضير فَقَالَ كذبت لعَمْرو الله لنقتلنه فَإنَّك مُنَافِق تجَادل عَن الْمُنَافِقين
وكادت تثور فتْنَة بَين الْأَوْس والخزرج حَتَّى نزل النَّبِي ﷺ وخفضهم
وَهَؤُلَاء الثَّلَاثَة من خِيَار السَّابِقين الْأَوَّلين وَقد قَالَ أسيد بن حضير لسعد بن عبَادَة إِنَّك مُنَافِق تجَادل عَن الْمُنَافِقين وَهَذَا مُؤمن ولي لله من أهل الْجنَّة وَذَاكَ مُؤمن ولي لله من أهل الْجنَّة فَدلَّ على أَن الرجل قد يكفر أَخَاهُ بالتأويل وَلَا يكون وَاحِد مِنْهُمَا كَافِرًا
стр. 221
وَقَول بعض الصَّحَابَة فِي مَالك بن الدخشم وودوا أَن النَّبِي ﷺ دَعَا عَلَيْهِ فَيهْلك فَقضى رَسُول الله ﷺ صلَاته وَقَالَ أَلَيْسَ يشْهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَأَنِّي رَسُول الله
وَلَيْسَ من شَرط الرجل الْكَبِير أَن لَا يُذنب وَلَا يخطيء بإجتهاد وَلَا نَحن ادعينا الْعِصْمَة فِي عُثْمَان
وَالْكَلَام فِي النَّاس يجب أَن يكون بِعلم وَعدل لَا بِجَهْل وظلم كَحال أهل الْبدع
فَإِن الرافضة يَعْمِدُونَ إِلَى أَقوام متقاربين فِي الْفَضِيلَة يُرِيدُونَ أَن يجْعَلُوا أحدهم مَعْصُوما من الذُّنُوب والخطايا وَالْآخر مأثوما فَاسِقًا أَو كَافِرًا فَيظْهر جهلهم وتناقضهم
كاليهودي أَو النَّصْرَانِي إِذا أَرَادَ أَن يثبت نبوة مُوسَى أَو عِيسَى مَعَ قدحه فِي نبوة مُحَمَّد ﷺ فَإِنَّهُ يظْهر عَجزه وجهله وتناقضه فَإِنَّهُ مَا من طَرِيق يثبت بهَا نبوة مُوسَى وَعِيسَى إِلَّا وَتثبت نبوة مُحَمَّد بِمِثْلِهَا أَو بِمَا هُوَ أقوى مِنْهَا
وَلَا من شُبْهَة تعرض فِي نبوة مُحَمَّد ﷺ إِلَّا وَتعرض فِي نبوة مُوسَى وَعِيسَى ﵉ بِمَا هُوَ مثلهَا أَو أقوى مِنْهَا
وكل من عمد إِلَى التَّفْرِيق بَين المتماثلين أَو مدح الشَّيْء وذم مَا هُوَ من جنسه أَو مَا هُوَ أولى بالمدح مِنْهُ أَو بِالْعَكْسِ أَصَابَهُ مثل هَذَا التَّنَاقُض وَالْعجز وَالْجهل
وَهَكَذَا أَتبَاع الْعلمَاء والمشايخ إِذا أَرَادَ أحدهم أَن يمدح متبوعه ويذم نَظِيره أَو يفضل أحدهم على الآخر بِمثل هَذَا الطَّرِيق
وَأما قَوْله إِنَّهَا سَأَلت من تولى الْخلَافَة فَقَالُوا عَليّ
فَخرجت لقتاله على دم عُثْمَان وَأي ذَنْب كَانَ لعَلي فِي ذَلِك
يُقَال لَهُ أَولا قَول الْقَائِل إِن عَائِشَة وَطَلْحَة وَالزُّبَيْر إتهموا عليا بِأَنَّهُ قتل عُثْمَان وقاتلوه على ذَلِك كذب
بل إِنَّمَا طلبُوا القتلة الَّذين كَانُوا تحيزوا إِلَى عَليّ وهم يعلمُونَ أَن بَرَاءَة عَليّ من دم عُثْمَان كبراءتهم وَأعظم لَكِن
стр. 222
القتلة كَانُوا قد أووا إِلَيْهِ فطلبوا قتل القتلة وَلَكِن كَانُوا عاجزين عَن ذَلِك هم وَعلي لِأَن الْقَوْم كَانَت لَهُم قبائل يَذبُّونَ عَنْهُم والفتنة إِذا وَقعت عجز الْعُقَلَاء فِيهَا عَن دفع السُّفَهَاء فَصَارَ الأكابر ﵃ عاجزين عَن إطفاء الْفِتْنَة وكف أَهلهَا وَهَذَا شَأْن الْفِتَن كَمَا قَالَ تَعَالَى (وَاتَّقوا فتْنَة لَا تصيبن الَّذين ظلمُوا مِنْكُم خَاصَّة) وَإِذا وَقعت الْفِتْنَة لم يسلم من التلوث بهَا إِلَّا من عصمه الله
وَأَيْضًا فَقَوله أَي ذَنْب كَانَ لعَلي فِي قَتله تنَاقض مِنْهُ فَإِنَّهُ يزْعم أَن عليا مِمَّن يسْتَحل قَتله وقتاله وَمِمَّنْ ألب عَلَيْهِ وَقَامَ بذلك فَإِن عليا قد نسبه إِلَى قتل عُثْمَان كثير من شيعته وشيعة عُثْمَان هَؤُلَاءِ لتعصبهم لعُثْمَان وَهَؤُلَاء لتعصبهم لعَلي
وَأما جَمَاهِير الْإِسْلَام فيعلمون كذب الطَّائِفَتَيْنِ على عَليّ
والرافضة تَقول إِن عليا كَانَ مِمَّن يسْتَحل قتل عُثْمَان بل وَقتل أبي بكر وَعمر وَترى أَن الْإِعَانَة على قَتله من الطَّاعَات والقربات
стр. 223
فَكيف يَقُول من هَذَا إعتقاده أَي ذَنْب كَانَ لعَلي فِي ذَلِك وَإِنَّمَا يَلِيق هَذَا التَّنْزِيه لعَلي بأقوال أهل السّنة
لَكِن الرافضة من أعظم النَّاس تناقضا
وَأما قَوْله وَكَيف إستجاز طَلْحَة وَالزُّبَيْر وَغَيرهمَا مطاوعتها على ذَلِك وَبِأَيِّ وَجه يلقون رَسُول الله ﷺ مَعَ أَن الْوَاحِد منا لَو تحدث مَعَ امْرَأَة غَيره أَو أخرجهَا من منزلهَا أَو سَافر بهَا كَانَ أَشد النَّاس عَدَاوَة لَهُ فَيُقَال هَذَا من تنَاقض الرافضة وجهلهم فَإِنَّهُم يعظمون عَائِشَة فِي هَذَا الْمقَام طَعنا فِي طَلْحَة وَالزُّبَيْر وَلَا يعلمُونَ أَن هَذَا إِن كَانَ مُتَوَجها فالطعن فِي عَليّ بذلك أوجه فَإِن طَلْحَة وَالزُّبَيْر كَانَا معظمين عَائِشَة موافقين لَهَا مؤتمرين بأمرها وهما وَهِي من أبعد النَّاس عَن الْفَوَاحِش والمعاونة عَلَيْهَا فَإِن جَازَ للرافضي أَن يقْدَح فيهمَا بقوله بِأَيّ وَجه يلقون رَسُول الله ﷺ مَعَ أَن الْوَاحِد منا لَو تحدث مَعَ امْرَأَة غَيره حَتَّى أخرجهَا من منزلهَا وسافر بهَا إِلَخ كَانَ للناصبي أَن يَقُول بِأَيّ وَجه يلقى رَسُول الله ﷺ من قَاتل امْرَأَته وسلط عَلَيْهَا أعوانه حَتَّى عقروا بهَا بَعِيرهَا وَسَقَطت من هودجها وأعداؤها حولهَا يطوفون بهَا كالمسبية الَّتِي أحَاط بهَا من يقْصد سباءها وَمَعْلُوم أَن هَذَا فِي مظنه الإهانة لأهل الرجل وَذَلِكَ أعظم من إخْرَاجهَا من منزلهَا وَهِي بِمَنْزِلَة الملكة المبجلة المعطمة الَّتِي لَا يَأْتِي إِلَيْهَا أحد إِلَّا بِإِذْنِهَا وَلم يكن طَلْحَة وَالزُّبَيْر وَلَا غَيرهمَا من الْأَجَانِب يحملونها بل كَانَ فِي المعسكر من محارمها مثل عبد الله بن الزبير ابْن أُخْتهَا وخلوته بهَا ومسه لَهَا جَائِز بِالْكتاب وَالسّنة وَالْإِجْمَاع
وَكَذَلِكَ سفر الْمَرْأَة مَعَ ذِي محرمها جائظ بِالْكتاب وَالسّنة وَالْإِجْمَاع
وَهِي لم تُسَافِر إِلَّا مَعَ ذِي محرمها
وَأما الْعَسْكَر الَّذين قاتلوها فلولا أَنه كَانَ فِي الْعَسْكَر مُحَمَّد بن أبي بكر مد يَده إِلَيْهَا لمد يَده إِلَيْهَا الْأَجَانِب
وَلِهَذَا دعت عَائِشَة ﵂ على من مد يَده إِلَيْهَا وَقَالَت يَد من هَذِه
стр. 224
أحرقها الله بالنَّار فَقَالَ أَي أُخْت فِي الدُّنْيَا قبل الْآخِرَة فَقَالَت فِي الدُّنْيَا قبل الْآخِرَة فاحرق بالنَّار بِمصْر
وَلَو قَالَ المشنع أَنْتُم تَقولُونَ إِن آل الْحُسَيْن سبوا لما قتل الْحُسَيْن
وَلم يفعل بهم إِلَّا من جنس مَا فعل بعائشة حَيْثُ استولى عَلَيْهَا وَردت إِلَى بَيتهَا وَأعْطيت نَفَقَتهَا وَكَذَلِكَ آل الْحُسَيْن إستولى عَلَيْهِم وردوا إِلَى أَهْليهمْ وأعطوا نَفَقَتهم فَإِن كَانَ هَذَا سبيا وإستحلالا للْحُرْمَة النَّبَوِيَّة فعائشة قد سبيت واستحلت حُرْمَة رَسُول الله ﷺ
وهم يشنعون ويزعمون أَن بعض أهل الشَّام طلب أَن يسترق فَاطِمَة بنت الْحُسَيْن وَأَنَّهَا قَالَت لَاها لله حَتَّى نكفر بديننا
وَهَذَا إِن كَانَ وَقع فَالَّذِينَ طلبُوا من عَليّ أَن يسبوا من قاتهلم من أهل الْجمل وصفين ويغنموا أَمْوَالهم أعظم جرما وَكَانَ فِي ذَلِك لَو سبوا عَائِشَة وَغَيرهَا
ثمَّ إِن هَؤُلَاءِ الَّذين طلبُوا ذَلِك من عَليّ كَانُوا متدينين بِهِ مصرين عَلَيْهِ إِلَى أَن خَرجُوا على عَليّ وَقَاتلهمْ على ذَلِك
وَذَلِكَ الَّذِي طلب إسترقاق فَاطِمَة بنت الْحُسَيْن وَاحِد مَجْهُول لَا شَوْكَة لَهُ وَلَا حجَّة وَلَا فعل هَذَا تدينا
وَلما مَنعه سُلْطَانه من ذَلِك إمتنع
فَكَانَ المستحلون لدماء الْمُسلمين وحرمهم وَأَمْوَالهمْ وَحُرْمَة رَسُول الله ﷺ فِي عَسْكَر عَليّ أعظم مِنْهُم فِي عَسْكَر بني أُميَّة
وَهَذَا مُتَّفق عَلَيْهِ بَين النَّاس
فَإِن الْخَوَارِج الَّذين مرقوا من عَسْكَر عَليّ ﵁ هم شَرّ من شرار عَسْكَر مُعَاوِيَة ﵁ وَلِهَذَا أَمر النَّبِي ﷺ بقتالهم وَأجْمع الصَّحَابَة على قِتَالهمْ والرافضة أكذب مِنْهُم وأظلم وأجهل وَأقرب إِلَى الْكفْر والنفاق لكِنهمْ أعجز مِنْهُم وأذل وكلا الطَّائِفَتَيْنِ عَن عَسْكَر عَليّ
وَبِهَذَا وَأَمْثَاله ضعف عَليّ وَعجز عَن مقاومة من كَانَ بإزائه
وَالْمَقْصُود هُنَا أَن مَا يذكرُونَهُ من الْقدح فِي طَلْحَة وَالزُّبَيْر يَنْقَلِب مَا هُوَ أعظم
стр. 225
مِنْهُ فِي حق عَليّ
فَإِن أجابوا عَن ذَلِك بِأَن عليا كَانَ مُجْتَهدا فِيمَا فعل وَأَنه أولى بِالْحَقِّ من طَلْحَة وَالزُّبَيْر قيل نعم وَطَلْحَة وَالزُّبَيْر كَانَا مجتهدين وَعلي وَإِن كَانَ أفضل مِنْهُمَا وَلَكِن إِن كَانَ فعل طَلْحَة وَالزُّبَيْر مَعَهُمَا ذَنبا فَفعل عَليّ أعظم ذَنبا
فَإِن قَالُوا هما أحوجا عليا إِلَى ذَلِك لِأَنَّهُمَا أَتَيَا بهَا فَمَا فعله عَليّ مُضَاف إِلَيْهِمَا لَا إِلَى عَليّ قيل وَهَكَذَا مُعَاوِيَة قيل لَهُ قتلت عمارا وَقد قَالَ النَّبِي ﷺ تقتلك الفئة الباغية قَالَ أَو نَحن قَتَلْنَاهُ إِنَّمَا قَتله الَّذين جَاءُوا بِهِ حَتَّى جَعَلُوهُ تَحت سُيُوفنَا
فَإِن كَانَت هَذِه الْحجَّة مَرْدُودَة فحجة من احْتج بِأَن طَلْحَة وَالزُّبَيْر فعلا بعائشة مَا جرى عَلَيْهَا من إهانة عَسْكَر عَليّ لَهَا وإستيلائهم عَلَيْهَا مَرْدُودَة أَيْضا
وَإِن قبلت هَذِه الْحجَّة قبلت حجَّة مُعَاوِيَة ﵁
والرافضة وأمثالهم من أهل الْجَهْل وَالظُّلم يحتجون بِالْحجَّةِ الَّتِي تَسْتَلْزِم فَسَاد قَوْلهم وتناقضهم فَإِنَّهُ إِن احْتج بنظيرها عَلَيْهِم فسد قَوْلهم المنقوض بنظيرها وَإِن لم تحتج بنظيرها بطلت هِيَ فِي نَفسهَا لِأَنَّهُ لَا بُد من التَّسْوِيَة بَين المتماثلين
وَلَكِن منتهاهم مُجَرّد الْهوى الَّذِي لَا علم مَعَه (وَمن أضلّ مِمَّن اتبع هَوَاهُ بِغَيْر هدى من الله إِن الله لَا يهدي الْقَوْم الظَّالِمين)
وَأما قَوْله
كَيفَ أطاعها عشرَة آلَاف من الْمُسلمين وساعدوها على حَرْب أَمِير الْمُؤمنِينَ وَلم ينصر أحد مِنْهُم فَاطِمَة لما طلبت حَقّهَا من أبي بكر وَلَا شخص وَاحِد كَلمه بِكَلِمَة فَهَذَا من أعظم الْحجَج عَلَيْهِ
فَإِنَّهُ لَا يشك عَاقل أَن الْقَوْم كَانُوا يحبونَ رَسُول الله ﷺ ويعظمونه ويعظمون قرَابَته وبنته أَكثر وَأعظم مِمَّا يعظمون أَبَا بكر وَعمر
وَلَا يرتاب
стр. 226
عَاقل أَن الْعَرَب كَانَت تدين لبني عبد منَاف فِي الْجَاهِلِيَّة وَالْإِسْلَام أعظم مِمَّا تدين لبني تيم وَبني عدي
وَلِهَذَا لما تولى أَبُو بكر قَالَ أَبوهُ أَو قُحَافَة أرضيت بَنو مَخْزُوم وَبَنُو عبد شمس قَالُوا نعم قَالَ ذَلِك فضل الله يؤتيه من يَشَاء
وَلِهَذَا جَاءَ أَبُو سُفْيَان إِلَى عَليّ فَقَالَ أرضيتم أَن يكون هَذَا الْأَمر فِي بني تيم فَقَالَ عَليّ يَا أَبَا سُفْيَان إِن الْإِسْلَام لَيْسَ كأمر الْجَاهِلِيَّة أَو كَمَا قَالَ
فَإِذا كَانَ الْمُسلمُونَ كلهم فيهم من قَالَ إِن فَاطِمَة مظلومة وَلَا إِن أَبَا بكر ظلمها وَلَو فَرضنَا أَنهم عاجزون عَن نصرها كَمَا زعمت فَلَا أقل من الْمقَال فَإِذا لم يَقع شَيْء من النُّصْرَة وَلَا القَوْل قَطعنَا بِأَنَّهَا لم تظلم
هَذَا وَأَبُو بكر لم يكن مُمْتَنعا من سَماع كَلَام أحد وَلَا كَانَ مَعْرُوفا بالجبروت وإتفاق الْكل مَعَ توفر دواعيهم عَليّ بغض فَاطِمَة مَعَ قيام الْأَسْبَاب الْمُوجبَة لمحبتها مِمَّا يعلم إمتناعه بِالضَّرُورَةِ
وَكَذَلِكَ عَليّ وَلَا سِيمَا وَجُمْهُور قُرَيْش وَالْأَنْصَار وَالْعرب لم يكن إِلَى عَليّ مِنْهُم وَلَا مِنْهُ إِلَيْهِم إساءة لَا فِي الْجَاهِلِيَّة وَلَا فِي الْإِسْلَام
وَأما عمر فَكَانَ أَشد على الْأَعْرَاب وَأكْثر عَدَاوَة لَهُم من عَليّ وَكَلَامهم فِيهِ وَفِي حِدته مَعْرُوفَة وَمَعَ هَذَا تولى عَلَيْهِم فَمَا مَاتَ إِلَّا وَكلهمْ يثنى عَلَيْهِ وتوجع الْكل لمصرعه
وَهَذَا مَا يبين أَن الْأَمر على نقيض مَا تَقوله الرافضة وَأَن الْقَوْم كَانُوا يعلمُونَ أَن فَاطِمَة لم تكن مظلومة أصلا
ثمَّ كَيفَ يقْتَصّ الْقَوْم لعُثْمَان حَتَّى سفكت دِمَاؤُهُمْ وَلَا ينتصرون للرسول ﷺ وَأهل بَيته وَكَيف يُقَاتلُون مَعَ مُعَاوِيَة حَتَّى سفكت دِمَاؤُهُمْ مَعَه وَقد اخْتلف عَلَيْهِ بَنو عبد منَاف وَلَا يُقَاتلُون مَعَ عَليّ ﵁ حَتَّى تسفك دِمَاؤُهُمْ وَبَنُو عبد منَاف مَعَه فالعباس بن عبد الْمطلب أكبر بني هَاشم وَأَبُو سُفْيَان بن حَرْب أكبر بني أُميَّة وَكِلَاهُمَا
стр. 227
كَانَا يميلان إِلَى عَليّ فَلم لَا قَاتل النَّاس مَعَه إِذْ ذَاك وَالْأَمر فِي أَوله والقتال إِذْ ذَاك لَو كَانَ حَقًا مَعَ عَليّ أولى وَولَايَة عَليّ أسهل فَإِنَّهُ لَو عرض نفر قَلِيل مِنْهُم وَقَالُوا عَليّ هُوَ الْوَصِيّ كَمَا ادَّعَت الرافضة وَنحن لَا نُبَايِع إِلَّا لَهُ وَلَا نعصي نَبينَا ﷺ وَلَا نقدم الظَّالِمين أَو الْمُنَافِقين من بني تيم على بني هَاشم لأستجاب جُمْهُور النَّاس بل عامتهم لَا سِيمَا وَأَبُو بكر لَيْسَ عِنْده رَغْبَة وَلَا رهبة
ثمَّ هَب أَن عمر وَجَمَاعَة كَانُوا مَعَه فَمَا هم بِأَكْثَرَ وَلَا أعز من الَّذين كَانُوا مَعَ طَلْحَة وَالزُّبَيْر وَمُعَاوِيَة وَمَعَ هَذَا فقد قَاتلهم عَليّ
إِنَّه لَو كَانَ الْحق كَمَا تَقوله الرافضة لَكَانَ أَبُو بكر وَعمر وَالسَّابِقُونَ الْأَولونَ من شرار أهل الأَرْض وأعظمهم جهلا وظلما حَيْثُ عَمدُوا بعد موت نَبِيّهم ﷺ فبدلوا وظلموا وكل هَذَا مِمَّا يعلم بالإضطرار فَسَاده من دين الْإِسْلَام وَهُوَ مِمَّا يبين أَن الَّذِي ابتدع مَذْهَب الرافضة كَانَ زنديقا ملحدا عدوا لدين الْإِسْلَام وَأَهله وَلم يكن من أهل الْبدع المتأولين كالخوارج والقدرية وَإِن كَانَ قَول الرافضة راج بعد ذَلِك على قوم فيهم إِيمَان لفرط جهلهم
стр. 228
ثمَّ يُقَال وَأي دَاع كَانَ للْقَوْم حَتَّى نصروا عَائِشَة على عَليّ وَلَا ينْصرُونَ فَاطِمَة على أبي بكر وَلَو كَانَ قيامهم للرئاسة وَالدُّنْيَا لَكَانَ قيامهم مَعَ أشرف الْعَرَب وهم بَنو هَاشم أولى
وَلِهَذَا قَالَ صَفْوَان بن أُميَّة الجُمَحِي يَوْم حنين
وَالله لِأَن يربنِي رجل من قُرَيْش أحب إِلَيّ من أَن يربنِي رجل من ثَقِيف
فصفوان رَأس الطُّلَقَاء لِأَن يربه رجل من بني عبد منَاف أحب إِلَيْهِ من أَن يربه رجل من بني تيم وهلا قدمُوا الْعَبَّاس فَإِنَّهُ كَانَ أقرب إِلَى أغراضهم من أبي بكر إِذا فرضتم أَن قيامهم للدنيا فَدلَّ ذَلِك على أَنهم وضعُوا الْحق فِي نصابه وأقروه فِي إهابه وَأتوا إِلَيْهِ من بَابه
قَالَ وسموها أم الْمُؤمنِينَ وَلم يسموا غَيرهَا بذلك
قُلْنَا هَذَا بهتان وَاضح لكل أحد وَجَهل مِنْك
بل مَا زَالَت الْأمة قَدِيما وحديثا يسمون أَزوَاج النَّبِي ﷺ أُمَّهَات الْمُؤمنِينَ اتبَاعا لنَصّ تسميتهم بِالْقُرْآنِ سوى الرافضة وَمَا يُنكر هَذَا إِلَّا من يَقُول الْحُسَيْن لَيْسَ بإبن فَاطِمَة كَمَا قَالَ بعض النصيرية وَمَا كَانَ الْحسن وَالْحُسَيْن أَوْلَاد عَليّ بل أَوْلَاد سُلَيْمَان الْفَارِسِي
وَمِنْهُم من قَالَ لَيْسَ أَبُو بكر وَعمر مدفونين عِنْد النَّبِي ﷺ إِن ورقية وَأم كُلْثُوم ليستا بِنْتي النَّبِي ﷺ بل بِنْتا خَدِيجَة
стр. 229
من غَيره
قَالَ وَلم يسموا أخاها مُحَمَّد بن أبي بكر خَال الْمُؤمنِينَ وَسموا مُعَاوِيَة خَال الْمُؤمنِينَ
قُلْنَا هَذَا إِنَّمَا يَقُوله جهلة السّنة نكاية فِيكُم وَإِلَّا فَلَا فرق
وَقد تنَازع الْعلمَاء فِي إخوتهن هَل يُقَال لأَحَدهم خَال الْمُؤمنِينَ فجوز ذَلِك بَعضهم وَلَو جَوَّزنَا ذَلِك لاتسع الْخرق ولكثر أخوال الْمُؤمنِينَ وخالاتهم ولقيل فِي أبي بكر وَعمر جد الْمُؤمنِينَ ولحرم التَّزَوُّج بخالات الْمُؤمنِينَ وَهَذَا لَا يَقُوله بشر وَذَلِكَ أَنه لم يثبت لأزواجه ﷺ أَحْكَام النّسَب وَإِنَّمَا ثَبت لَهُنَّ الْحُرْمَة والإسم وَتَحْرِيم نِكَاحهنَّ دون الْمَحْرَمِيَّة
وَإِنَّمَا قَالَ هَذَا بعض السّنة فِي مُعَاوِيَة خَاصَّة لما رَأَوْا من إستحلال الرافضة لَعنه وتكفيره فَهَلا ذكرت من هُوَ أفضل من مُعَاوِيَة وَمُحَمّد بن أبي بكر وَهُوَ عبد الله بن عمر وَكَانَ سَبَب إختصاص مُحَمَّد بن أبي بكر بعلي لِأَنَّهُ ربيبه وَابْن زَوجته فَإِن عليا تزوج بِأُمِّهِ أَسمَاء بنت عُمَيْس بعد أبي بكر ثمَّ إِنَّه جلده عُثْمَان فِي حد فَبَقيَ فِي نَفسه عَلَيْهِ حَتَّى خرج عَلَيْهِ
ثمَّ إِنَّه ولي مصر من جِهَة عَليّ فَذهب إِلَيْهَا فحاربوه ثمَّ قتل وأحرق فَحصل لَهُ
стр. 230
خير وتكفير رَحمَه الله تَعَالَى والرافضة تغلو فِي تَعْظِيمه على عَادَتهم الْفَاسِدَة فِي أَنهم يمدحون رجال الْفِتْنَة الَّذين قَامُوا على عُثْمَان ويبالغون فِي مدح من قَاتل مَعَ عَليّ حَتَّى يفضلون مُحَمَّد بن أبي بكر على أَبِيه أبي بكر فيلعنون أفضل الْأمة بعد نبيها ويمدحون ابْنه الَّذِي لَيْسَ لَهُ صُحْبَة وَلَا سَابِقَة وَلَا فَضِيلَة ويتناقضون بذلك فِي تَعْظِيم الْأَنْسَاب فَإِن كَانَ الرجل لَا يضرّهُ كفر أَبِيه أَو فسقه لم يضر نَبينَا وَلَا إِبْرَاهِيم وَلَا عليا كفر آبَائِهِم وَإِن ضرهم لَزِمَهُم أَن يقدحوا فِي مُحَمَّد بن أبي بكر بِأَبِيهِ وهم يعظمونه وَابْنه الْقَاسِم بن مُحَمَّد وَابْن ابْنه عبد الرَّحْمَن بن الْقَاسِم خير عِنْد الْمُسلمين مِنْهُ
وَلَا يذكرونهما بِخَير لِكَوْنِهِمَا ليسَا من رجال الْفِتْنَة
وَأما قَوْله وَعظم شَأْنه فَإِن أَرَادَ عظم نسبه فالنسب عِنْدهم لَا حُرْمَة لَهُ لقدحهم فِي أَبِيه وَأُخْته
وَأما أهل السّنة فَإِنَّمَا يعظمون النَّاس بالتقوي لَا بِمُجَرَّد النّسَب قَالَ تَعَالَى (إِن أكْرمكُم عِنْد الله أَتْقَاكُم)
وَإِن أَرَادَ عظم شَأْنه بسابقيته وهجرته ونصرته فَهُوَ لَيْسَ من الصَّحَابَة لَا من الْمُهَاجِرين وَلَا من الْأَنْصَار
وَإِن أَرَادَ بِعظم شَأْنه أَنه كَانَ من أعظم النَّاس وأدينهم فَلَيْسَ الْأَمر كَذَلِك وَلَيْسَ هُوَ معدودا من أَعْيَان الْعلمَاء وَالصَّالِحِينَ الَّذين فِي طبقته
وَإِن أَرَادَ بذلك شرفة فِي الْمنزلَة
стр. 231
لكَونه كَانَ لَهُ جاه ومنزلة ورياسة فمعاوية كَانَ أعظم جاها ورياسة ومنزلة مِنْهُ بل مُعَاوِيَة خير مِنْهُ وأدين وأحلم وَأكْرم فَإِن مُعَاوِيَة ﵁ روى الحَدِيث وَتكلم فِي الْفِقْه وَقد روى أهل الحَدِيث حَدِيثه فِي الصِّحَاح والمساند وَغَيرهَا وَذكر بعض الْعلمَاء فَتَاوِيهِ وأقضيته
وَأما مُحَمَّد بن أبي بكر فَلَيْسَ لَهُ ذكر فِي الْكتب الْمُعْتَمدَة فِي الحَدِيث وَالْفِقْه
وَأما قَوْله وَأُخْت مُحَمَّد وَأَبوهُ أعظم من أُخْت مُعَاوِيَة وأبيها فَيُقَال هَذِه الْحجَّة بَاطِلَة على الْأَصْلَيْنِ وَذَلِكَ أَن أهل السّنة يفضلون الرجل إِلَّا بِنَفسِهِ فَلَا ينفع مُحَمَّدًا قربه من أبي بكر وَعَائِشَة وَلَا يضر مُعَاوِيَة ﵁ أَن يكون ذَلِك أفضل نسبا مِنْهُ
وَهَذَا أصل مَعْرُوف لأهل السّنة
كَمَا لَا يضر السَّابِقين الْأَوَّلين من الْمُهَاجِرين وَالْأَنْصَار الَّذين أَنْفقُوا من قبل الْفَتْح وقاتلوا كبلال وصهيب وخباب وأمثالهم أَن يكون من تَأَخّر عَنْهُم من الطُّلَقَاء وَغَيرهم كَأبي سُفْيَان بن حَرْب وابنيه مُعَاوِيَة وَيزِيد وَأبي سُفْيَان ابْن الْحَارِث بن عبد الْمطلب وَرَبِيعَة بن الْحَارِث بن عبد الْمطلب وَعقيل بن أبي طَالب وَنَحْوهم أعظم نسبا مِنْهُم فَإِن هَؤُلَاءِ من بني عبد منَاف أشرف قُرَيْش بَيْتا وَأُولَئِكَ لَيْسَ لَهُم نسب شرِيف وَلَكِن فَضلهمْ بِمَا فضل الله بِهِ من أنْفق من قبل الْفَتْح وَقَاتل على الَّذين أَنْفقُوا من بعد وقاتلوا فَكيف على من بعد هَؤُلَاءِ
وَأما الرافضة فَإِنَّهُم إِن اعتبروا النّسَب لَزِمَهُم أَن يكون مُحَمَّد بن أبي بكر عِنْدهم شَرّ النَّاس نسبا لقبح قَوْلهم فِي أَبِيه وَأُخْته
فعلي أصلهم لَا يجوز تفضيله بِقُرْبِهِ مِنْهُمَا
وَإِن ذكرُوا ذَلِك من طَرِيق الْإِلْزَام
стр. 232
لأهل السّنة فهم يفضلون من فَضله الله حَيْثُ قَالَ (إِن أكْرمكُم عِنْد الله أَتْقَاكُم) ثمَّ قَالَ إِن النَّبِي ﷺ لعن مُعَاوِيَة الطليق ابْن الطليق وَقَالَ إِذا رَأَيْتُمُوهُ على منبري فَاقْتُلُوهُ
وسموه كَاتب الْوَحْي وَلم يكْتب لَهُ كلمة من الْوَحْي بل كَانَ يكْتب لَهُ رسائل
قُلْنَا هَذَا الحَدِيث لَيْسَ فِي شَيْء من كتب الْإِسْلَام وَهُوَ عِنْد الْحفاظ كذب وَذكره ابْن الْجَوْزِيّ فِي الموضوعات
ثمَّ قد صعد الْمِنْبَر من هُوَ شَرّ من مُعَاوِيَة وَمَا أَمر بقتْله
وَأما قَوْلك الطليق بن الطليق فَمَا هَذَا بِصفة ذمّ فَإِن الطُّلَقَاء غالبهم حسن إسْلَامهمْ كالحارث بن هِشَام وَابْن أَخِيه عِكْرِمَة وَسُهيْل بن عَمْرو وَصَفوَان بن أُميَّة
стр. 233
وَيزِيد بن أبي سُفْيَان وَحَكِيم بن حزَام وأمثالهم وَكَانُوا من خِيَار الْمُسلمين وَمُعَاوِيَة مِمَّن حسن إِسْلَامه وولاه عمر بعد أَخِيه يزِيد وَلم يكن عمر وَالله مِمَّن يحابي وَلَا تَأْخُذهُ فِي الله لومة لائم وَلَا كَانَ يحب أَبَا سُفْيَان وَقد حرص على قَتله لما جَاءَ بِهِ الْعَبَّاس وَلَو كَانَ مِمَّن يحابي لوَلِيّ أَقَاربه من بني عدي ثمَّ إِن مُعَاوِيَة بَقِي على دمشق وَغَيرهَا عشْرين سنة أَمِير وَعشْرين سنة خَليفَة ورعيته يحبونه لإحسانه وَحسن سياسته وتأليفه لقُلُوبِهِمْ حَتَّى إِنَّهُم قَاتلُوا مَعَه عليا وَعلي أفضل من أَمْثَاله وَأولى بِالْحَقِّ مِنْهُ وَهَذَا يعْتَرف بِهِ غَالب جند مُعَاوِيَة وَلَكنهُمْ قَاتلُوا مَعَ مُعَاوِيَة لظنهم أَن عَسْكَر عَليّ فِيهِ قتلة عُثْمَان وَفِيه ظلمَة وَلِهَذَا لم يبدأوا بِالْقِتَالِ حَتَّى بدأهم أُولَئِكَ فقاتلوهم دفعا لصيالهم عَلَيْهِم وقتال الصَّائِل جَائِز
وَلِهَذَا قَالَ الأشتر النَّخعِيّ إِنَّهُم ينْصرُونَ علينا لأَنا نَحن بدأناهم بِالْقِتَالِ وَعلي كَانَ عَاجِزا عَن قهر الظلمَة من العسكرين وَلم يكن أمراؤه وأعوانه يوافقونه على كثير مِمَّا يامر بِهِ وَأَعْوَان مُعَاوِيَة يوافقونه
قَالَ وَقَاتل عليا وَعلي عِنْدهم رَابِع الْخُلَفَاء إِمَام حق وكل من قَاتل إِمَام حق فَهُوَ بَاغ ظَالِم
قُلْنَا نعم والباغي قد يكون متأولا مُعْتَقدًا أَنه على حق وَقد يكون بغيه مركبا من تَأْوِيل وشهوة وشبهة وَهُوَ الْغَالِب
وعَلى كل تَقْدِير فَهَذَا لَا يرد وَإِنَّا لَا ننزه هَذَا الرجل وَلَا من هُوَ أفضل مِنْهُ عَن الذُّنُوب والحكاية مَشْهُورَة عَن الْمسور بن مخرمَة أَنه خلا بِمُعَاوِيَة فَطلب مِنْهُ مُعَاوِيَة أَن يُخبرهُ بِمَا ينقمه عَلَيْهِ فَذكر الْمسور أمورا فَقَالَ يَا مسور أَلَك سيئات قَالَ نعم
قَالَ أترجو أَن
стр. 234
يغفرها الله قَالَ نعم
قَالَ فَمَا جعلك أَرْجَى لرحمة الله مني وَإِنِّي مَعَ ذَلِك وَالله مَا خيرت بَين الله وَبَين سواهُ إِلَّا اخْتَرْت الله على مَا سواهُ
وَوَاللَّه لما أليه من الْجِهَاد وَإِقَامَة الْحُدُود وَالْأَمر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَن الْمُنكر أفضل من عَمَلك
وَأَنا على دين يقبل الله من أَهله الْحَسَنَات ويتجاوز لَهُم عَن السَّيِّئَات
ثمَّ إِن قَالَت لكم الْخَوَارِج والنواصب مَا الدَّلِيل على عَدَالَة عَليّ وإيمانه مالكم حجَّة إِلَّا مَا تَوَاتر من إِسْلَامه وعبادته
فَإِن قَالُوا لكم فقد تَوَاتر ذَلِك من أبي بكر وَعمر أَيْضا وَطَائِفَة مِمَّن تقدحون فِي إِيمَانهم فَمَا الْفرق بَيْننَا وَبَيْنكُم فَإِن احتججتم بالظواهر القرآنية فَهِيَ متناولة لهَؤُلَاء وَهَؤُلَاء وَأَنْتُم أخرجتم جمَاعَة كَبِيرَة وَنحن أخرجنَا وَاحِدًا وَإِن قَالُوا بِمَا جَاءَ عَن الصَّحَابَة من فضائله قُلْنَا فقد ورد أَيْضا فَضَائِل أُولَئِكَ فاقبلوا الْكل وَإِن طعنتم فِي الصَّحَابَة فَردُّوا الْكل
فَإِن احتججتم بمبايعة النَّاس لَهُ قُلْنَا من الْمَعْلُوم أَن مبايعة النَّاس للثَّلَاثَة قبله أعظم وَأكْثر فَإِن أهل الشَّام مَا بَايعُوهُ وَلَا أَكثر أهل مصر
ثمَّ النواصب يَقُولُونَ بل عَليّ الْبَاغِي قَاتل على الْأمان وَبَدَأَ بِالْقِتَالِ وَسَفك دِمَاء الْأمة وَكَانَ السَّيْف فِي دولته مسلولا على الْأمة مكفوفا عَن الْمُشْركين
ثمَّ الْخَوَارِج تقدح فِي الطَّائِفَتَيْنِ مَعًا وَعَمْرو بن عبيد وَجَمَاعَة من الْمُعْتَزلَة يَقُولُونَ فسق أَحدهمَا لَا بِعَيْنِه
قلت يَعْنِي يَوْم الْجمل
وَأما يَوْم صفّين فَقَالَ عَمْرو بن عبيد وواصل ابْن عَطاء وَأَبُو الْهُذيْل العلاف أصَاب فِي قتال مُعَاوِيَة
نَقله ابْن حزم
وَخلق من الْخَوَارِج قَالُوا كَانَ الْحق مَعَ عَليّ فَلَمَّا حكم الْحكمَيْنِ كفر
فَإِن قيل هَؤُلَاءِ بغاة لِأَن النَّبِي
стр. 235
صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ لعمَّار تقتلك الفئة الباغية قُلْنَا الْخَيْر صَحِيح وَقد تكلم فِيهِ بَعضهم وَبَعْضهمْ تَأَوَّلَه على أَن الْبَاغِي الطَّالِب وَهَذَا لَا شَيْء
وَأما السّلف كَأبي حنيفَة وَمَالك وَأحمد وَغَيرهم فَيَقُولُونَ لم يُوجد شَرط قتال الطَّائِفَة الباغية فَإِن الله يَأْمر بقتالها إبتداء بل أَمر إِذا اقْتتلَتْ طَائِفَتَانِ أَن يصلح بَينهمَا ثمَّ إِن بَغت إِحْدَاهمَا قوتلت
وَلِهَذَا كَانَ هَذَا الْقِتَال عِنْد أَحْمد وَمَالك قتال فتْنَة
وَأَبُو حنيفَة يَقُول لَا يجوز قتال الْبُغَاة حَتَّى يبدأوا بِقِتَال الإِمَام وَهَؤُلَاء لم يبدأوه
ثمَّ أهل السّنة تَقول الإِمَام الْحق لَيْسَ مَعْصُوما وَلَا يجب على الْإِنْسَان أَن يُقَاتل مَعَه كل من خرج عَن طَاعَته وَلَا أَن يُعْطِيهِ الْإِنْسَان فِيمَا يعلم أَن مَعْصِيّة وَأَن يتْركهُ أولى
стр. 236
وعَلى هَذَا ترك جمَاعَة من الصَّحَابَة الْقِتَال مَعَ عَليّ لأهل الشَّام
وَالَّذين قَاتلُوهُ لَا يَخْلُو إِمَّا أَن يَكُونُوا عصاة أَو مجتهدين مخطئين أَو مصيبين
وعَلى كل تَقْدِير فَهَذَا لَا يقْدَح فِي إِيمَانهم وَلَا يمنعهُم الْجنَّة بقوله تَعَالَى (وَإِن طَائِفَتَانِ من الْمُؤمنِينَ اقْتَتَلُوا فأصلحوا بَينهمَا فَإِن بَغت إِحْدَاهمَا على الْأُخْرَى فَقَاتلُوا الَّتِي تبغي حَتَّى تفيء إِلَى أَمر الله فَإِن فاءت فأصلحوا بَينهمَا بِالْعَدْلِ وأقسطوا إِن الله يحب المقسطين
إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إخْوَة فأصلحوا بَين أخويكم) فسماهم إخْوَة
وَأما قَوْلك لم يكْتب لَهُ كلمة من الْوَحْي فدعوى كنظائرها
قَالَ وَكَانَ بِالْيمن يَوْم الْفَتْح يطعن على رَسُول الله ﷺ وَكتب إِلَى أَبِيه أبي سُفْيَان يعيره بِالْإِسْلَامِ وَيَقُول أَصَبَوْت إِلَى دين مُحَمَّد وَكتب إِلَيْهِ هَذِه الأبيات
(يَا صَخْر لَا تسلمن طَوْعًا فتفضحنا ... بعد الَّذين ببدر أَصْبحُوا فرقا)
(جدي وخالي وَعم الْأُم يالهم ... قوما وحَنْظَلَة المهندي لنا أرقا)
(فالموت أَهْون من قَول الوشاة لنا ... خلى ابْن هِنْد عَن الْعُزَّى لقد فرقا)
وأهدر النَّبِي ﷺ دَمه فَلَمَّا لم يجد مأوى صَار إِلَى النَّبِي ﷺ مضطربا فأظهر الْإِسْلَام قبل موت النَّبِي ﷺ بِخَمْسَة أشهر وَطرح نَفسه على الْعَبَّاس إِلَى أَن قَالَ وَعَن ابْن عمر عَن النَّبِي ﷺ يطلع عَلَيْكُم رجل يَمُوت على غير سنتي فطلع مُعَاوِيَة وَقَامَ النَّبِي ﷺ خَطِيبًا فَأخذ مُعَاوِيَة بيد ابْنه يزِيد وَخرج فَقَالَ النَّبِي ﷺ لعن الله الْقَائِد والمقود إِلَى أَن قَالَ وَبَالغ فِي محاربة على وَقتل جمعا من خِيَار الصَّحَابَة
стр. 237
وَلعن عَليّ على الْمِنْبَر وَاسْتمرّ ثَمَانِينَ سنة حَتَّى قطعه عمر بن عبد الْعَزِيز
وسم الْحسن وَقتل ابْنه مولَايَ الْحُسَيْن وَنهب وسبى وَكسر أَبوهُ ثنية النَّبِي ﷺ وأكلت أمه كبد حَمْزَة فَيُقَال سُبْحَانَ من خلق الْكَذِب وَسلمهُ إِلَى الرافضة
فَأَما أَبُو سُفْيَان فَإِنَّهُ أسلم قبل دُخُول النَّبِي ﷺ مَكَّة بمر الظهْرَان لَيْلَة نزل بهَا وَقَالَ الْعَبَّاس إِن أَبَا سُفْيَان يحب الشّرف فَقَالَ النَّبِي ﷺ من دخل دَار أبي سُفْيَان فَهُوَ آمن وَمن دخل الْمَسْجِد فَهُوَ آمن وَمن ألْقى السِّلَاح فَهُوَ آمن
وَأَبُو سُفْيَان كَانَ عِنْده من دَلَائِل النُّبُوَّة مَا سَمعه
стр. 238
من هر قل قبل إِسْلَامه بأشهر وَمَا كَانَ عِنْده من أُميَّة بن أبي الصَّلْت
لَكِن الْحَسَد
стр. 239
مَنعه من الْإِيمَان حَتَّى أدخلهُ الله عَلَيْهِ وَهُوَ كَارِه
بِخِلَاف مُعَاوِيَة فَإِنَّهُ لم يعرف عَنهُ شَيْء من ذَلِك وَلَا عَن أَخِيه يزِيد
وَهَذَا الشّعْر كذب عَلَيْهِ قطعا
ثمَّ لَا يجوز الطعْن على من تَأَخّر إِسْلَامه كصفوان بن أُميَّة
стр. 240
والْحَارث بن هِشَام
стр. 241
ثمَّ نفس هَذَا الشّعْر يدل على وَضعه فَإِنَّهُ لَا يشبه نفس الصَّحَابَة
وَإِسْلَام مُعَاوِيَة عَام الْفَتْح بإتفاق النَّاس
ثمَّ قد تقدم قَوْلك إِنَّه من الْمُؤَلّفَة قُلُوبهم والمؤلفة إِنَّمَا أَعْطَاهُم النَّبِي ﷺ من غَنَائِم حنين وَكَانَت بعد الْفَتْح بأيام فَلَو كَانَ هَارِبا لم يكن من الْمُؤَلّفَة وَقد قَالَ قصرت عَن النَّبِي ﷺ على الْمَرْوَة بمشقص وَهَذَا وَالله أعلم كَانَ فِي عمرته ﵇ من الْجِعِرَّانَة فِي ذِي الْقعدَة سنة ثَمَان
وَأما قَوْله وَقد روى عبد الله بن عمر قَالَ أتيت النَّبِي ﷺ فسمتعه يَقُول
стр. 242
يطلع عَلَيْكُم رجل يَمُوت على غير سنتي فطلع مُعَاوِيَة وَقَامَ النَّبِي ﷺ خَطِيبًا فَأخذ مُعَاوِيَة بيد ابْنه يزِيد وَخرج وَلم يسمع الْخطْبَة فَقَالَ النَّبِي ﷺ لعن الله الْقَائِد والمقود أَي يَوْم يكون للْأمة مَعَ مُعَاوِيَة ذِي الْإِسَاءَة
فَالْجَوَاب عَلَيْهِ أَولا نَحن نطالب بِصِحَّة هَذَا الحَدِيث فَإِن الإحتجاج بِالْحَدِيثِ لَا يجوز إِلَّا بعد ثُبُوته
وَيُقَال ثَانِيًا هَذَا الحَدِيث من الْكَذِب الْمَوْضُوع بإتفاق أهل الْمعرفَة بِالْحَدِيثِ وَلَا يُوجد فِي شَيْء من دواوين الحَدِيث الَّتِي يرجع إِلَيْهَا فِي معرفَة الحَدِيث وَلَا لَهُ إِسْنَاد مَعْرُوف
وَهَذَا المحتج بِهِ لم يذكر لَهُ إِسْنَادًا
ثمَّ من جَهله أَن يرْوى مثل هَذَا عَن عبد الله بن عمر وَعبد الله بن عمر من أبعد النَّاس عَن ثلب الصَّحَابَة وأروى النَّاس لمناقبهم وَقَوله فِي مدح مُعَاوِيَة مَعْرُوف ثَابت عَنهُ حَيْثُ يَقُول مَا رَأَيْت بعد رَسُول الله ﷺ أسود من مُعَاوِيَة
قيل لَهُ وَلَا أَبُو بكر وَعمر فَقَالَ كَانَ أَبُو بكر وَعمر خيرا مِنْهُ وَمَا رَأَيْت بعد رَسُول الله ﷺ أسود من مُعَاوِيَة
قَالَ أَحْمد بن حَنْبَل السَّيِّد الْحَلِيم يَعْنِي مُعَاوِيَة
وَكَانَ مُعَاوِيَة كَرِيمًا حَلِيمًا
ثمَّ إِن خطب النَّبِي ﷺ لم تكن وَاحِدَة بل كَانَ يخْطب فِي الْجمع والأعياد وَالْحج وَغير ذَلِك وَمُعَاوِيَة وَأَبوهُ يَشْهَدَانِ الْخطب كَمَا يشهدها الْمُسلمُونَ كلهم أفتراهما فِي كل خطْبَة كَانَا يقومان ويمكنان من ذَلِك هَذَا قدح فِي النَّبِي ﷺ وَفِي سَائِر الْمُسلمين إِذْ يمكنون إثنين دَائِما يقومان وَلَا يحْضرَانِ الْخطْبَة وَلَا الْجُمُعَة وَإِن كَانَا يَشْهَدَانِ كل خطْبَة فَمَا بالهما يمتنعان عَن سَماع خطية وَاحِدَة قبل أَن يتلكم بهَا ثمَّ من الْمَعْلُوم من سيرة مُعَاوِيَة أَنه كَانَ من أحلم النَّاس وأصبرهم على من يُؤْذِيه وَأعظم النَّاس تأليفا لمن يعاديه فَكيف ينفر عَن رَسُول الله ﷺ مَعَ أَنه أعظم الْخلق مرتبَة فِي الدّين وَالدُّنْيَا وَهُوَ مُحْتَاج إِلَيْهِ فِي كل أُمُوره فَكيف لَا يصبر على سَماع كَلَامه وَهُوَ بعد الْملك يسمع كَلَام من
стр. 243
يشتمه فِي وَجهه فلماذا لم يسمع كَلَام النَّبِي ﷺ وَكَيف يتَّخذ النَّبِي ﷺ كَاتبا من هُوَ فِي هَذِه الْحَالة
وَقَوله إِنَّه أَخذ بيد ابْنه يزِيد فمعاوية لم يكن لَهُ يَوْمئِذٍ ابْن اسْمه يزِيد
وَأما ابْنه يزِيد الَّذِي تولى الْملك وَجرى فِي خِلَافَته مَا جرى فَإِنَّمَا ولد فِي خلَافَة عُثْمَان بإتفاق أهل الْعلم وَلم يكن لمعاوية ولد على عهد رَسُول الله ﷺ
قَالَ الْحَافِظ أَبُو الْفضل بن نَاصِر خطب مُعَاوِيَة ﵁ فِي زمن رَسُول الله ﷺ فَلم يُزَوّج لِأَنَّهُ كَانَ فَقِيرا وَإِنَّمَا تزوج فِي زمن عمر ﵁ وَولد لَهُ فِي يزِيد فِي زمن عُثْمَان بن عَفَّان ﵁ سنة سبع وَعشْرين من الْهِجْرَة
ثمَّ نقُول ثَالِثا هَذَا الحَدِيث يُمكن معارضته بِمثلِهِ من جنسه بِمَا يدل ع لى فضل مُعَاوِيَة ﵁
قَالَ الشَّيْخ أَبُو الْفرج بن الْجَوْزِيّ فِي كتاب الموضوعات قد تعصب قوم مِمَّن يَدعِي السّنة فوضعوا فِي فضل مُعَاوِيَة ﵁ أَحَادِيث ليغيظوا الرافضة وتعصب قوم من الرافضة فوضعوا فِي ذمه أَحَادِيث وكلا الْفَرِيقَيْنِ على الْخَطَأ الْقَبِيح
стр. 244
وَأما محاربته عليا فلأمور لَا تخرجه عَن الْإِسْلَام وَإِن كَانَ عَليّ أقرب إِلَى الْحق وَأولى بِهِ مِنْهُ كَمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ تمرق مارقة على حِين فرقة من الْمُسلمين تقتلهم أولى الطَّائِفَتَيْنِ بِالْحَقِّ فَهَؤُلَاءِ المارقة هم الَّذين خَرجُوا على عَليّ وقاتلوه يَوْم النهروان فَدلَّ الحَدِيث على أَن عليا وطائفته أقرب إِلَى الْحق من طَائِفَة مُعَاوِيَة
وَفِي البُخَارِيّ عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ فِي الْحسن إِن ابْني هَذَا سيد وَإِن الله سيصلح بِهِ بَين فئتين عظيمتين من الْمُؤمنِينَ فمدح الْحسن بالإصلاح الَّذِي جرى على الْجَمَاعَة من الفئتين وسماهما مُؤمنين
وَهَذَا يدل أَيْضا على أَن الْإِصْلَاح بَينهمَا هُوَ الْمَحْمُود لَا الْقِتَال الَّذِي جرى
وَقَالَ ﷺ سَتَكُون فتْنَة الْقَاعِد فِيهَا خير من الْقَائِم الحَدِيث
وَقَالَ يُوشك أَن يكون خير مَال الْمُسلم غنم يتبع بهَا شعف الْجبَال ومواقع الْقطر يفر بِدِينِهِ من الْفِتَن
وَالَّذين رووا أَحَادِيث الْقعُود فِي الْفِتْنَة والتحذير مِنْهَا كسعد بن أبي وَقاص وَمُحَمّد بن مسلمة وَأُسَامَة لم يقاتلوا إِلَّا مَعَ عَليّ وَلَا مَعَ مُعَاوِيَة
ثمَّ الَّذين قَاتلُوا مَعَ عَليّ أخف جرما من الَّذين قتلوا عُثْمَان صبرا وَأَنت تمدحهم وترضى فعلهم يَا جَاهِل
فَإِن قلت إِن عُثْمَان فعل أَشْيَاء أنْكرت عَلَيْهِ قيل فعل عَليّ أَشْيَاء أخرت هَؤُلَاءِ عَن مبايعته فَرضِي الله عَن الرجلَيْن
ثمَّ إِن عليا بَادر بعزل مُعَاوِيَة وَكَانَ لَا بَأْس بِهِ فِي ولَايَته محببا إِلَى رَعيته
وَقد
стр. 245
اسْتعْمل عَليّ من هُوَ دون مُعَاوِيَة كزياد بن أَبِيه
وَقد كَانَ النَّبِي ﷺ أفضل من عَليّ وَاسْتعْمل أَبَا سُفْيَان على نَجْرَان وَمَات رَسُول الله ﷺ وَأَبُو سُفْيَان أَمِير عَلَيْهَا
وَكَانَ كثير من أُمَرَاء النَّبِي ﷺ على الْأَعْمَال من بني أُميَّة فَإِنَّهُ اسْتعْمل على مَكَّة عتاب بن أسيد بن أبي الْعَاصِ بن أُميَّة وَاسْتعْمل خَالِد بن سعيد بن الْعَاصِ وَأَبَان بن سعيد بن الْعَاصِ
وولاه عمر ﵁ وَلَا يتهم لَا فِي دينه وَلَا فِي سياسته وَقد ثَبت فِي الصَّحِيح عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ خِيَار أئمتكم الَّذين تحبونهم ويحبونكم وتصلون عَلَيْهِم وَيصلونَ عَلَيْكُم
وشرار أئمتكم الَّذين تبغضونهم ويبغضونكم وتعلنونهم ويلعنونكم قَالُوا وَمُعَاوِيَة كَانَت رَعيته يحبونه وَهُوَ يُحِبهُمْ وَيصلونَ عَلَيْهِ وَهُوَ يُصَلِّي عَلَيْهِم
وَقد ثَبت فِي الصَّحِيح عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ لَا تزَال طَائِفَة من أمتِي ظَاهِرين على الْحق لَا يضرهم من خالفهم وَلَا من خذلهم قَالَ مَالك بن يخَامر سَمِعت معَاذًا يَقُول هم بِالشَّام
قَالُوا وَهَؤُلَاء كَانُوا عَسْكَر مُعَاوِيَة
وَفِي صَحِيح مُسلم عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ لَا يزَال أهل الغرب ظَاهِرين حَتَّى تقوم السَّاعَة
قَالَ أَحْمد بن حَنْبَل أهل الغرب
стр. 246
هُوَ أهل الشَّام
وَقد بسطنا هَذَا فِي مَوضِع آخر
وَهَذَا النَّص يتَنَاوَل عَسْكَر مُعَاوِيَة
قَالُوا وَمُعَاوِيَة أَيْضا كَانَ خيرا من كثير مِمَّن استنابه عَليّ فَلم يكن يسْتَحق أَن يعْزل ويولي من هُوَ دونه فِي السياسة فليت عليا تألف مُعَاوِيَة وَأقرهُ على الشَّام وحقن الدِّمَاء
فَإِذا قيل إِن عليا كَانَ مُجْتَهدا فِي ذَلِك قيل وَعُثْمَان كَانَ مُجْتَهدا فِيمَا فعل
وَأَيْنَ الإجتهاد فِي تَخْصِيص بعض النَّاس بِولَايَة أَو إِمَارَة أَو مَال من الإجتهاد فِي سفك الْمُسلمين بَعضهم دِمَاء بعض حَتَّى ذل الْمُؤْمِنُونَ وعجزوا عَن مقاومة الْكفَّار حَتَّى طمعوا فيهم وَفِي الإستيلاء عَلَيْهِم وَلَا ريب أَنه لَو لم يكن قتال بل كَانَ مُعَاوِيَة مُقيما على سياسة رَعيته وَعلي مُقيما على سياسة رَعيته لم يكن فِي ذَلِك من الشَّرّ أَكثر مِمَّا حصل بالإقتتال فَإِنَّهُ بالإقتتال لم تزل هَذِه الْفرْقَة وَلم يجتمعوا على إِمَام بل سفكت الدِّمَاء وقويت الْعَدَاوَة والبغضاء وضعفت الطَّائِفَة الَّتِي كَانَت أقرب إِلَى الْحق وَهِي طَائِفَة عَليّ وصاروا يطْلبُونَ من الطَّائِفَة الْأُخْرَى من المسالمة مَا كَانَت تِلْكَ تطلبه إبتداء
وَمَعْلُوم أَن الْفِعْل الَّذِي تكون مصْلحَته راجحة على مفسدته يحصل بِهِ من الْخَيْر أعظم مِمَّا يحصل بِعَدَمِهِ
وَهنا لم يحصل بالإقتتال مصلحَة بل كَانَ الْأَمر مَعَ عدم الْقِتَال خيرا وَأصْلح مِنْهُ بعد الْقِتَال وَكَانَ عَليّ وَعَسْكَره أَكثر وَأقوى وَمُعَاوِيَة وَأَصْحَابه أقرب إِلَى مُوَافَقَته ومسالمته ومصالحته
فَإِذا كَانَ مثل هَذَا الإجتهاد مغفورا لصَاحبه فإجتهاد عُثْمَان أَن يكون مغفورا أولى وَأَحْرَى وَأما مُعَاوِيَة وأعوانه فَيَقُولُونَ إِنَّمَا قاتلنا عليا قتال دفع عَن أَنْفُسنَا وبلادنا
стр. 247
فَإِنَّهُ بدأنا بِالْقِتَالِ فدفعناه بِالْقِتَالِ وَلم نبتدئه بذلك وَلَا اعتدينا عَلَيْهِ
فَإِذا قيل لَهُم هُوَ الإِمَام الَّذِي كَانَت تجب طَاعَته عَلَيْكُم ومبايعته وَأَن لَا تشقوا عَصا الْمُسلمين قَالُوا مَا نعلم أَنه إِمَام تجب طَاعَته
لِأَن ذَلِك عِنْد الشِّيعَة إِنَّمَا يعلم بِالنَّصِّ وَلم يبلغنَا عَن النَّبِي ﷺ نَص بإمامته وَوُجُوب طَاعَته
وَلَا ريب أَن عذرهمْ فِي هَذَا ظَاهر فَإِنَّهُ لَو قدر أَن النَّص الْجَلِيّ الَّذِي تدعيه الإمامية حق فَإِن هَذَا قد كتم وأخفي فِي زمن أبي بكر وَعمر وَعُثْمَان ﵃ فَلم يجب أَن يعلم مُعَاوِيَة وَأَصْحَابه مثل ذَلِك لَو كَانَ حَقًا فَكيف إِذا كَانَ بَاطِلا
وَأما قَوْله إِن مُعَاوِيَة قتل جمعا كثيرا من خِيَار الصَّحَابَة فَيُقَال الَّذين قتلوا من الطَّائِفَتَيْنِ
قتل هَؤُلَاءِ من هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاء من هَؤُلَاءِ
وَأكْثر الَّذين كَانُوا يختارون الْقِتَال من الطَّائِفَتَيْنِ لم يَكُونُوا يطيعون عليا وَلَا مُعَاوِيَة
وَكَانَ عَليّ وَمُعَاوِيَة ﵄ أطلب لكف الدِّمَاء من أَكثر المقتتلين لَكِن غلبا فِيمَا وَقع
والفتنة إِذا ثارت عجز الْحُكَمَاء عَن إطفاء نارها
وَكَانَ فِي العسكرين مثل الأشتر النَّخعِيّ وهَاشِم بن عتبَة المرقال وَعبد الرَّحْمَن بن خَالِد بن الْوَلِيد وَأبي الْأَعْوَر
стр. 248
السّلمِيّ وَنَحْوهم من المحرضين على الْقِتَال قوم ينتصرون لعُثْمَان غَايَة الإنتصار وَقوم
стр. 249
ينفرون عَنهُ وَقوم ينتصرون لعَلي وَقوم ينفرون عَنهُ
ثمَّ قتال أَصْحَاب مُعَاوِيَة مَعَه لم يكن لخُصُوص مُعَاوِيَة بل كَانَ لأسباب أُخْرَى
وقتال الْفِتْنَة مثل قتال الْجَاهِلِيَّة لَا تنضبط مَقَاصِد أَهله وإعتقاداتهم كَمَا قَالَ الزُّهْرِيّ وَقعت الْفِتْنَة وَأَصْحَاب رَسُول الله ﷺ متوافرون فَأَجْمعُوا أَن كل دم أَو مَال أَو فرج أُصِيب بِتَأْوِيل الْقُرْآن فَإِنَّهُ هدر
أنزلوهم منزلَة الْجَاهِلِيَّة
وَأما مَا وَقع من لعن عَليّ فَإِن التلاعن وَقع من الطَّائِفَتَيْنِ فَكَانَ هَؤُلَاءِ يلعنون رُءُوس هَؤُلَاءِ فِي دُعَائِهِمْ وَهَؤُلَاء يلعنون رُءُوس هَؤُلَاءِ
والقتال بِالْيَدِ أعظم من التلاعن وَهَذَا كُله سَوَاء كَانَ ذَنبا أَو إجتهادا مخطئا أَو مصيبا فَإِن مغْفرَة الله وَرَحمته تتَنَاوَل ذَلِك بِالتَّوْبَةِ والحسنات الماحية والمصائب المكفرة وَغير ذَلِك
وَمن العجيب أَن الرافضة تنكرسب عَليّ وتسب الثَّلَاثَة قبله أَبَا بكر وَعمر وَعُثْمَان وتكفرهم وَمُعَاوِيَة وَحزبه مَا كفرُوا عليا إِنَّمَا كفرته الْخَوَارِج المارقون من الدّين وَقَالَ النَّبِي ﷺ لَا تسبوا أَصْحَابِي فوالذي نَفسِي بِيَدِهِ لَو أنْفق أحدكُم مثل أحد ذَهَبا مَا أدْرك مد أحدهم وَلَا نصيفه
стр. 250
قَالَ وسم مُعَاوِيَة الْحسن فَهَذَا قيقل وَلم يثبت فَيُقَال إِن امْرَأَته سمته وَكَانَ مطلاقا ﵁ فلعلها سمته لغَرَض وَالله أعلم بِحَقِيقَة الْحَال وَقد قيل إِن أَبَاهَا الْأَشْعَث بن قيس أمرهَا بذلك فَإِنَّهُ كَانَ يتهم بالإنحراف فِي الْبَاطِن عَن عَليّ وَابْنه الْحسن
وَإِذا قيل إِن مُعَاوِيَة أَمر أَبَاهَا كَانَ هَذَا ظنا مَحْضا وَالنَّبِيّ ﷺ قَالَ إيَّاكُمْ وَالظَّن فَإِن الظَّن أكذب الحَدِيث
وَبِالْجُمْلَةِ فَمثل هَذَا لَا يحكم بِهِ فِي الشَّرْع بإتفاق الْمُسلمين فَلَا يَتَرَتَّب عَلَيْهِ أَمر ظَاهر لَا مدح وَلَا ذمّ
ثمَّ إِن الْأَشْعَث بن قيس مَاتَ سنة أَرْبَعِينَ وَقيل سنة إِحْدَى وَأَرْبَعين وَلِهَذَا لم يذكر فِي الصُّلْح الَّذِي كَانَ بَين مُعَاوِيَة وَالْحسن بن عَليّ فِي الْعَام الَّذِي كَانَ يُسمى عَام الْجَمَاعَة وَهُوَ عَام أحد وَأَرْبَعين وَكَانَ الْأَشْعَث حما الْحسن بن عَليّ فَلَو كَانَ شَاهدا لَكَانَ يكون لَهُ ذكر فِي ذَلِك وَإِذا كَانَ قد مَاتَ قبل الْحسن بِنَحْوِ عشر سِنِين فَكيف يكون هُوَ الَّذِي أَمر ابْنَته
وَأما يزِيد فَلم يَأْمر بقتل الْحُسَيْن بإتفاق أهل النَّقْل وَلَكِن كتب إِلَى ابْن زِيَاد أَن يمنعهُ عَن ولَايَة الْعرَاق وَالْحُسَيْن ﵁ كَانَ يظنّ أَن أهل الْعرَاق ينصرونه
следующие страницы →