← Акыда

Акыда · id 6531

المنتقى من منهاج الاعتدال

شمس الدين الذهبي

Полный текст (545 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

هُوَ أهل الشَّام وَقد بسطنا هَذَا فِي مَوضِع آخر وَهَذَا النَّص يتَنَاوَل عَسْكَر مُعَاوِيَة قَالُوا وَمُعَاوِيَة أَيْضا كَانَ خيرا من كثير مِمَّن استنابه عَليّ فَلم يكن يسْتَحق أَن يعْزل ويولي من هُوَ دونه فِي السياسة فليت عليا تألف مُعَاوِيَة وَأقرهُ على الشَّام وحقن الدِّمَاء فَإِذا قيل إِن عليا كَانَ مُجْتَهدا فِي ذَلِك قيل وَعُثْمَان كَانَ مُجْتَهدا فِيمَا فعل وَأَيْنَ الإجتهاد فِي تَخْصِيص بعض النَّاس بِولَايَة أَو إِمَارَة أَو مَال من الإجتهاد فِي سفك الْمُسلمين بَعضهم دِمَاء بعض حَتَّى ذل الْمُؤْمِنُونَ وعجزوا عَن مقاومة الْكفَّار حَتَّى طمعوا فيهم وَفِي الإستيلاء عَلَيْهِم وَلَا ريب أَنه لَو لم يكن قتال بل كَانَ مُعَاوِيَة مُقيما على سياسة رَعيته وَعلي مُقيما على سياسة رَعيته لم يكن فِي ذَلِك من الشَّرّ أَكثر مِمَّا حصل بالإقتتال فَإِنَّهُ بالإقتتال لم تزل هَذِه الْفرْقَة وَلم يجتمعوا على إِمَام بل سفكت الدِّمَاء وقويت الْعَدَاوَة والبغضاء وضعفت الطَّائِفَة الَّتِي كَانَت أقرب إِلَى الْحق وَهِي طَائِفَة عَليّ وصاروا يطْلبُونَ من الطَّائِفَة الْأُخْرَى من المسالمة مَا كَانَت تِلْكَ تطلبه إبتداء وَمَعْلُوم أَن الْفِعْل الَّذِي تكون مصْلحَته راجحة على مفسدته يحصل بِهِ من الْخَيْر أعظم مِمَّا يحصل بِعَدَمِهِ وَهنا لم يحصل بالإقتتال مصلحَة بل كَانَ الْأَمر مَعَ عدم الْقِتَال خيرا وَأصْلح مِنْهُ بعد الْقِتَال وَكَانَ عَليّ وَعَسْكَره أَكثر وَأقوى وَمُعَاوِيَة وَأَصْحَابه أقرب إِلَى مُوَافَقَته ومسالمته ومصالحته فَإِذا كَانَ مثل هَذَا الإجتهاد مغفورا لصَاحبه فإجتهاد عُثْمَان أَن يكون مغفورا أولى وَأَحْرَى وَأما مُعَاوِيَة وأعوانه فَيَقُولُونَ إِنَّمَا قاتلنا عليا قتال دفع عَن أَنْفُسنَا وبلادنا

стр. 247

فَإِنَّهُ بدأنا بِالْقِتَالِ فدفعناه بِالْقِتَالِ وَلم نبتدئه بذلك وَلَا اعتدينا عَلَيْهِ فَإِذا قيل لَهُم هُوَ الإِمَام الَّذِي كَانَت تجب طَاعَته عَلَيْكُم ومبايعته وَأَن لَا تشقوا عَصا الْمُسلمين قَالُوا مَا نعلم أَنه إِمَام تجب طَاعَته لِأَن ذَلِك عِنْد الشِّيعَة إِنَّمَا يعلم بِالنَّصِّ وَلم يبلغنَا عَن النَّبِي ﷺ نَص بإمامته وَوُجُوب طَاعَته وَلَا ريب أَن عذرهمْ فِي هَذَا ظَاهر فَإِنَّهُ لَو قدر أَن النَّص الْجَلِيّ الَّذِي تدعيه الإمامية حق فَإِن هَذَا قد كتم وأخفي فِي زمن أبي بكر وَعمر وَعُثْمَان ﵃ فَلم يجب أَن يعلم مُعَاوِيَة وَأَصْحَابه مثل ذَلِك لَو كَانَ حَقًا فَكيف إِذا كَانَ بَاطِلا وَأما قَوْله إِن مُعَاوِيَة قتل جمعا كثيرا من خِيَار الصَّحَابَة فَيُقَال الَّذين قتلوا من الطَّائِفَتَيْنِ قتل هَؤُلَاءِ من هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاء من هَؤُلَاءِ وَأكْثر الَّذين كَانُوا يختارون الْقِتَال من الطَّائِفَتَيْنِ لم يَكُونُوا يطيعون عليا وَلَا مُعَاوِيَة وَكَانَ عَليّ وَمُعَاوِيَة ﵄ أطلب لكف الدِّمَاء من أَكثر المقتتلين لَكِن غلبا فِيمَا وَقع والفتنة إِذا ثارت عجز الْحُكَمَاء عَن إطفاء نارها وَكَانَ فِي العسكرين مثل الأشتر النَّخعِيّ وهَاشِم بن عتبَة المرقال وَعبد الرَّحْمَن بن خَالِد بن الْوَلِيد وَأبي الْأَعْوَر

стр. 248

السّلمِيّ وَنَحْوهم من المحرضين على الْقِتَال قوم ينتصرون لعُثْمَان غَايَة الإنتصار وَقوم

стр. 249

ينفرون عَنهُ وَقوم ينتصرون لعَلي وَقوم ينفرون عَنهُ ثمَّ قتال أَصْحَاب مُعَاوِيَة مَعَه لم يكن لخُصُوص مُعَاوِيَة بل كَانَ لأسباب أُخْرَى وقتال الْفِتْنَة مثل قتال الْجَاهِلِيَّة لَا تنضبط مَقَاصِد أَهله وإعتقاداتهم كَمَا قَالَ الزُّهْرِيّ وَقعت الْفِتْنَة وَأَصْحَاب رَسُول الله ﷺ متوافرون فَأَجْمعُوا أَن كل دم أَو مَال أَو فرج أُصِيب بِتَأْوِيل الْقُرْآن فَإِنَّهُ هدر أنزلوهم منزلَة الْجَاهِلِيَّة وَأما مَا وَقع من لعن عَليّ فَإِن التلاعن وَقع من الطَّائِفَتَيْنِ فَكَانَ هَؤُلَاءِ يلعنون رُءُوس هَؤُلَاءِ فِي دُعَائِهِمْ وَهَؤُلَاء يلعنون رُءُوس هَؤُلَاءِ والقتال بِالْيَدِ أعظم من التلاعن وَهَذَا كُله سَوَاء كَانَ ذَنبا أَو إجتهادا مخطئا أَو مصيبا فَإِن مغْفرَة الله وَرَحمته تتَنَاوَل ذَلِك بِالتَّوْبَةِ والحسنات الماحية والمصائب المكفرة وَغير ذَلِك وَمن العجيب أَن الرافضة تنكرسب عَليّ وتسب الثَّلَاثَة قبله أَبَا بكر وَعمر وَعُثْمَان وتكفرهم وَمُعَاوِيَة وَحزبه مَا كفرُوا عليا إِنَّمَا كفرته الْخَوَارِج المارقون من الدّين وَقَالَ النَّبِي ﷺ لَا تسبوا أَصْحَابِي فوالذي نَفسِي بِيَدِهِ لَو أنْفق أحدكُم مثل أحد ذَهَبا مَا أدْرك مد أحدهم وَلَا نصيفه

стр. 250

قَالَ وسم مُعَاوِيَة الْحسن فَهَذَا قيقل وَلم يثبت فَيُقَال إِن امْرَأَته سمته وَكَانَ مطلاقا ﵁ فلعلها سمته لغَرَض وَالله أعلم بِحَقِيقَة الْحَال وَقد قيل إِن أَبَاهَا الْأَشْعَث بن قيس أمرهَا بذلك فَإِنَّهُ كَانَ يتهم بالإنحراف فِي الْبَاطِن عَن عَليّ وَابْنه الْحسن وَإِذا قيل إِن مُعَاوِيَة أَمر أَبَاهَا كَانَ هَذَا ظنا مَحْضا وَالنَّبِيّ ﷺ قَالَ إيَّاكُمْ وَالظَّن فَإِن الظَّن أكذب الحَدِيث وَبِالْجُمْلَةِ فَمثل هَذَا لَا يحكم بِهِ فِي الشَّرْع بإتفاق الْمُسلمين فَلَا يَتَرَتَّب عَلَيْهِ أَمر ظَاهر لَا مدح وَلَا ذمّ ثمَّ إِن الْأَشْعَث بن قيس مَاتَ سنة أَرْبَعِينَ وَقيل سنة إِحْدَى وَأَرْبَعين وَلِهَذَا لم يذكر فِي الصُّلْح الَّذِي كَانَ بَين مُعَاوِيَة وَالْحسن بن عَليّ فِي الْعَام الَّذِي كَانَ يُسمى عَام الْجَمَاعَة وَهُوَ عَام أحد وَأَرْبَعين وَكَانَ الْأَشْعَث حما الْحسن بن عَليّ فَلَو كَانَ شَاهدا لَكَانَ يكون لَهُ ذكر فِي ذَلِك وَإِذا كَانَ قد مَاتَ قبل الْحسن بِنَحْوِ عشر سِنِين فَكيف يكون هُوَ الَّذِي أَمر ابْنَته وَأما يزِيد فَلم يَأْمر بقتل الْحُسَيْن بإتفاق أهل النَّقْل وَلَكِن كتب إِلَى ابْن زِيَاد أَن يمنعهُ عَن ولَايَة الْعرَاق وَالْحُسَيْن ﵁ كَانَ يظنّ أَن أهل الْعرَاق ينصرونه

стр. 251

ويوفون لَهُ بِمَا كتبُوا إِلَيْهِ فَأرْسل إِلَيْهِم ابْن عَمه مُسلم بن عقيل فَلَمَّا قتلوا مُسلما وغدروا

стр. 252

بِهِ وَبَايَعُوا ابْن زِيَاد أَرَادَ الرُّجُوع فَأَدْرَكته السّريَّة الظالمة فَطلب أَن يذهب إِلَى يزِيد أَو يذهب إِلَى الثغر أَو يرجع إِلَى بَلَده فَلم يمكنوه من ذَلِك حَتَّى يستأسر لَهُم وَلَكِن هُوَ ﵁ أَبى أَن يسلم نَفسه وَأَن ينزل على حكم عبيد الله بن زِيَاد وَقَاتل حَتَّى قتل شَهِيدا مَظْلُوما ﵁ وَلما بلغ ذَلِك يزِيد أظهر التوجع وَظهر الْبكاء فِي دَاره وَلم يسب لَهُم حريما أصلا بل جهزهم وَأَعْطَاهُمْ وبعثهم إِلَى وطنهم وَكَانَ مُعَاوِيَة وصّى يزِيد برعاية حق الْحُسَيْن وإجلاله وَقَوله إِن أَبَا سُفْيَان كسر ثنية النَّبِي ﷺ فَإِنَّمَا كسرهَا عتبَة بن أبي وَقاص ولاكت هِنْد كبد حَمْزَة ولفظتها ثمَّ من الله عَلَيْهَا بِالْإِسْلَامِ وَكَانَ النَّبِي ﷺ يكرمها أَنَّهَا حماته قَالَ الله تَعَالَى (قل للَّذين كفرُوا إِن ينْتَهوا يغْفر لَهُم مَا قد سلف) وَفِي مُسلم من حَدِيث عَمْرو بن الْعَاصِ أَن النَّبِي ﷺ قَالَ لَهُ الْإِسْلَام

стр. 253

يهدم مَا كَانَ قبله وَفِي صَحِيح البُخَارِيّ لما أسلمت هِنْد أم مُعَاوِيَة ﵄ قَالَت وَالله يَا رَسُول الله مَا كَانَ على ظهر الأَرْض أهل خباء أحب إِلَيّ أَن يذلوا من أهل خبائك ثمَّ مَا أصبح الْيَوْم على ظهر الأَرْض أهل خباء أحب إِلَى أَن يعزوا من أهل خبائك قَالَ الرافضي وَسموا خَالِدا سيف الله عنادا لأمير الْمُؤمنِينَ الَّذِي هُوَ أَحَق بِهَذَا مِنْهُ وَقَالَ فِيهِ الرَّسُول ﷺ عَليّ سيف الله وَسَهْم الله وَقَالَ عَليّ على الْمِنْبَر أَنا سيف الله على أعدائه وخَالِد لم يزل عدوا للرسول مُكَذبا لَهُ وَهُوَ كَانَ السَّبَب فِي قتل الْمُسلمين يَوْم أحد وَلما تظاهر بِالْإِسْلَامِ بَعثه النَّبِي ﷺ إِلَى بني جذيمة فخانه وَخَالف أمره وَقتل الْمُسلمين فَقَالَ النَّبِي ﷺ اللَّهُمَّ إِنِّي أَبْرَأ إِلَيْك مِمَّا صنع خَالِد فَأَما تَسْمِيَة عَليّ سيف الله فَلم يَصح وَلَا عَرفْنَاهُ فِي كتاب وَأما تَسْمِيَة خَالِد سيف الله فَلَيْسَ هُوَ مُخْتَصًّا بِهِ بل هُوَ سيف من سيوف الله سَله على الله الْمُشْركين كَمَا صَحَّ عَن النَّبِي ﷺ قَالَ فِيهِ ذَلِك من حَدِيث حميد بن هِلَال عَن أنس أَن النَّبِي ﷺ نعى زيدا وجعفرا وَابْن رَوَاحَة وَعَيناهُ تَذْرِفَانِ قَالَ ثمَّ أَخذ الرَّايَة سيف من سيوف الله حَتَّى فتح الله عَلَيْهِ وَهَذَا لَا يمْنَع أَن يكون غَيره سَيْفا لله بل هُوَ يتَضَمَّن أَن سيوف الله مُتعَدِّدَة وَلَا ريب أَن خَالِدا قتل من الْكفَّار أَكثر مِمَّا قتل غَيره وَكَانَ سعيدا فِي حروبه وَأسلم قبل الْفَتْح وَهَاجَر وَمن حِين أسلم كَانَ النَّبِي ﷺ يؤمره وَلَقَد انْقَطع فِي يَده يَوْم مُؤْتَة تِسْعَة أسياف أخرجه البُخَارِيّ

стр. 254

وَلَا ريب أَن النَّبِي ﷺ تَبرأ من فعله ببني جذيمة وَلَكِن مَا عَزله وَلَا ريب أَن عليا من سيوف الله فَمن نازعك فِي ذَا وَهُوَ أفضل من خَالِد فَإِن لَهُ من الْعلم وَالْبَيَان والسابقة وَالْإِيمَان والمشاهد مَا لَا يخفى ثمَّ السَّيْف خاصيته الْقِتَال وَعلي كَانَ الْقِتَال بعض فضائله وخَالِد كَانَ أخص نعوته الْقِتَال وَبِه تقدم فَلهَذَا عبر عَنهُ بِأَنَّهُ سيف من سيوف الله وَهَذَا الْبَراء بن مَالك قتل مائَة رجل مبارزة سوى من شرك فِي قَتله وَقَالَ النَّبِي ﷺ صَوت أبي طَلْحَة فِي الْجَيْش خير من فِئَة وَقَالَ إِن لكل نَبِي حواريا وحواري الزبير والرافضة متناقضون فَإِنَّهُم يَقُولُونَ عَليّ النَّاصِر لرَسُول الله ﷺ الَّذِي لولاه لما قَامَ دينه ثمَّ يصفونه بِالْعَجزِ والتقية الْمنَافِي لذَلِك وَكَانَ النَّبِي ﷺ أرسل خَالِدا بعد الْفَتْح إِلَى بني جذيمة فَلم يحسنوا أَن يَقُولُوا أسلمنَا فَقَالُوا صبأنا صبأنا فَلم يقبل ذَلِك وَقَالَ لَيْسَ ذَلِك بِإِسْلَام فَقَتلهُمْ فَأَخْطَأَ فِي إجتهاده ثمَّ أرسل النَّبِي ﷺ عليا بِمَال فَأَعْطَاهُمْ نصف الدِّيات وَضمن لَهُم مَا تلف حَتَّى ميلغة الْكَلْب وحاشا خَالِدا أَن يكون معاندا للنَّبِي ﷺ بل كَانَ مُطيعًا لَهُ وَإِن أَخطَأ فِي هَذِه الْمرة كَمَا أَخطَأ أُسَامَة بن زيد فِي قتل ذَلِك الرجل الَّذِي قَالَ لَا إِلَه إِلَّا الله وَقتل السّريَّة لصَاحب الْغَنِيمَة الَّذِي قَالَ أَنا مُسلم فَنزلت فيهم (يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا إِذا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيل الله فَتَبَيَّنُوا وَلَا تَقولُوا لمن ألْقى إِلَيْكُم السَّلَام لست مُؤمنا) الْآيَة قَالَ وَلما سَار لقِتَال أهل الْيَمَامَة قتل مِنْهُم ألفا وَمِائَتَيْنِ مَعَ تظاهرهم بِالْإِسْلَامِ

стр. 255

وَقتل مَالك بن نُوَيْرَة وَهُوَ مُسلم وعرس بإمرأته وَسموا بني حنيفَة أهل الرِّدَّة لأَنهم منعُوا الزَّكَاة أَبَا بكر إِذا لم يعتقدوا إِمَامَته فسموا مَانع الزَّكَاة مُرْتَدا وَلم يسموا من اسْتحلَّ دِمَاء الْمُسلمين ومحاربة أَمِير الْمُؤمنِينَ مُرْتَدا مَعَ قَول النَّبِي ﷺ يَا عَليّ حربك حَرْبِيّ فمحارب الرَّسُول كَافِر بِالْإِجْمَاع فَيُقَال الله أكبر على هَؤُلَاءِ الْمُرْتَدين المفترين أَتبَاع أهل الرِّدَّة الَّذين برزوا بمعاداة الله وَرَسُوله وَكتابه وَدينه ومرقوا من الْإِسْلَام ونبذوه وَرَاء ظُهُورهمْ وشاقوا الله وَرَسُوله وعباده الْمُؤمنِينَ وتولوا أهل الرِّدَّة والشقاق فَإِن هَذَا الْفَصْل وَأَمْثَاله مِمَّا يُحَقّق أَن الرافضة المتعصبين على أبي بكر كالمرتدين الَّذين قَاتلهم الصّديق وَذَلِكَ أَن أهل الْيَمَامَة آمنُوا بمسيلمة الْكذَّاب الَّذِي صنف قُرْآنًا وَفعل العظائم فَبعث أَبُو بكر الصّديق الَّذِي من أفضل أَعماله عِنْد الله تَعَالَى قِتَاله هَؤُلَاءِ الْكَفَرَة جَيْشًا من أفضل الصَّحَابَة وَعَلَيْهِم خَالِد سيف الله على رغم أَنْفك يُقَاتلُون مُسَيْلمَة بعد أَن قَاتلُوا طليحة الْأَسدي الَّذِي تنبأ أَيْضا وَأتبعهُ أهل نجد ثمَّ أسلم طليحة وَصلح أمره وَاسْتشْهدَ فِي حَرْب مُسَيْلمَة مثل زيد بن الْخطاب وثابت بن قيس وَأسيد بن حضير وَسَالم ومولاه أَبُو حُذَيْفَة وَأَبُو دُجَانَة وَقُرْآن مُسَيْلمَة ضحكة مثل يَا ضفدع بنت ضفدعين نقي كم تنقين لَا المَاء تكدرين وَلَا الشَّارِب تمنعين رَأسك فِي المَاء وذنبك فِي الطين إِن الأَرْض بَيْننَا

стр. 256

وَبَين قُرَيْش وَلَكِن نِصْفَيْنِ وَلَكِن قُريْشًا قوم لَا يعدلُونَ وَمثل قَوْله والطاحنات طحنا والعاجنات عَجنا والخابزات خبْزًا واللاقمات لقما وَمثل والفيل وَمَا أَدْرَاك مَا الْفِيل لَهُ زلوم طَوِيل إِن ذَلِك من خلق رَبنَا الْجَلِيل وَلما سمع أَبُو بكر هَذَا الْكَلَام قَالَ وَيْلكُمْ أَيْن يذهب بكم إِن هَذَا كَلَام لم يخرج من إل وَفِي الْجُمْلَة فَأمر مُسَيْلمَة الْكذَّاب وإدعاؤه النُّبُوَّة وَاتِّبَاع بني حنيفَة لَهُ بِالْيَمَامَةِ وقتال الصّديق لَهُم على ذَلِك أَمر متواتر مَشْهُور قد علمه الْخَاص وَالْعَام كتواتر أَمْثَاله وَلَيْسَ هَذَا من الْعلم الَّذِي تفرد بِهِ الْخَاصَّة بل علم النَّاس بذلك أظهر من علمهمْ بِقِتَال الْجمل وصفين فقد ذكر عَن بعض أهل الْكَلَام أَنه أنكر الْجمل وصفين وَهَذَا الْإِنْكَار وَإِن كَانَ بَاطِلا فَلم نعلم أحدا أنكر قتال أهل الْيَمَامَة وَأَن مُسَيْلمَة الْكذَّاب إدعى النُّبُوَّة وَأَنَّهُمْ قَاتلُوهُ على ذَلِك لَكِن هَؤُلَاءِ الرافضة لجحدهم هَذَا وجهلهم بِهِ بِمَنْزِلَة إنكارهم كَون أبي بكر وَعمر دفنا عِنْد النَّبِي ﷺ وإنكارهم مُوالَاة أبي بكر وَعمر للنَّبِي ﷺ ودعواهم أَنه نَص على عَليّ بالخلافة بل مِنْهُم من يُنكر أَن تكون زَيْنَب ورقية وَأم كُلْثُوم من بَنَات النَّبِي ﷺ وَمِنْهُم من

стр. 257

يَقُول إِن الصَّحَابَة بعجوا بطن فَاطِمَة حَتَّى طرحت وهدموا سقف بَيتهَا على من فِيهِ فهم يَعْمِدُونَ إِلَى الْأُمُور الثَّابِتَة المتواترة فينكرونها وَإِلَى الْأُمُور المعدومة أَو المختلقة فيثبتونها فَلهم أوفر نصيب من قَوْله تَعَالَى (وَمن أظلم مِمَّن افترى على الله كذبا أَو كذب بِالْحَقِّ لما جَاءَهُ) فتراهم يُؤمنُونَ وَالله بِالْكَذِبِ ويكذبون بِالْحَقِّ وَهَذَا حَال الْمُرْتَدين وهم يدعونَ أَن أَبَا بكر وَعمر وَمن اتبعهما ارْتَدُّوا عَن الْإِسْلَام وَقد علم الْخَاص وَالْعَام أَن أَبَا بكر هُوَ الَّذِي قَاتل الْمُرْتَدين فيالله كَيفَ نخاطب من يزْعم أَن أهل الْيَمَامَة مظلومون مُسلمُونَ وَقَوله إِنَّهُم سموا بني حنيفَة مرتدين لأَنهم لم يحملوا الزَّكَاة إِلَى أبي بكر فَهَذَا من أظهر الْكَذِب وأبينه فَإِنَّهُ إِنَّمَا قَاتل بني حنيفَة لكَوْنهم آمنُوا بمسيلمة الْكذَّاب وإعتقدوا نبوته وَأما مانعو الزَّكَاة فَكَانُوا قوما آخَرين غير بني حنيفَة وَهَؤُلَاء كَانَ قد وَقع لبَعض الصَّحَابَة شُبْهَة فِي جَوَاز قِتَالهمْ واما بَنو حنيفَة فَلم يتَوَقَّف أحد فِي وجوب قِتَالهمْ وَأما قَوْلك وَلم يسموا من اسْتحلَّ دِمَاء الْمُسلمين ومحاربة أَمِير الْمُؤمنِينَ مُرْتَدا مَعَ أَنهم سمعُوا قَول النَّبِي ﷺ يَا عَليّ حَرْبِيّ حربك وسلمي سلمك ومحارب رَسُول الله

стр. 258

صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كَافِر بِالْإِجْمَاع فَيُقَال دَعوَاهُم أَنهم سمعُوا هَذَا الحَدِيث من النَّبِي ﷺ أَو عَنهُ كذب عَلَيْهِم فَمن الَّذِي نقل عَنْهُم أَنهم سمعُوا ذَلِك وَهَذَا الحَدِيث لَيْسَ فِي شَيْء من كتب الحَدِيث الْمَعْرُوفَة وَلَا روى بِإِسْنَاد مَعْرُوف بل هُوَ كذب مَوْضُوع على النَّبِي ﷺ بإتفاق أهل الْعلم بِالْحَدِيثِ ثمَّ عَليّ لم يكن قِتَاله يَوْم الْجمل وصفين بِأَمْر من النَّبِي ﷺ بل بإجتهاده قَالَ يُونُس عَن الْحسن عَن قيس بن عباد قَالَ قلت لعَلي أخبرنَا عَن مسيرك هَذَا أَعهد عهد إِلَيْك رَسُول الله ﷺ أم رأى رَأَيْته قَالَ مَا عهد إِلَيّ شَيْئا وَلَكِن رأى رَأَيْته فَلَو كَانَ محَارب عَليّ مُحَاربًا لرَسُول الله ﷺ مُرْتَدا لَكَانَ عَليّ حكم فيهم بسيرة الْمُرْتَدين بل تَوَاتر عَنهُ يَوْم الْجمل أَنه مَا اتبع مدبرهم وَلم يُجهز على جريحهم وَلَا غنم أَمْوَالهم وَلَا سبى ذَرَارِيهمْ وَهَذَا مِمَّا أنكرهُ عَلَيْهِ الْخَوَارِج وقاوا إِن كَانُوا مُؤمنين فَلم قاتلتهم وَإِن كَانُوا كفَّارًا فَلم حرمت نِسَاءَهُمْ وَأَمْوَالهمْ فَبعث ابْن عَمه ابْن الْعَبَّاس يناظرهم فَقَالَ لَهُم قد كَانَت عَائِشَة فيهم فَإِن قُلْتُمْ إِنَّهَا لَيست أمنا كَذبْتُمْ الْقُرْآن وَإِن قُلْتُمْ هِيَ أمنا واستحللتم سبيهَا وَوَطئهَا كَفرْتُمْ وَكَانَ يَقُول فِي أَصْحَاب الْجمل إِخْوَاننَا بغوا علينا طهرهم السَّيْف وَنقل عَنهُ أَنه صلى على قَتْلَى الطَّائِفَتَيْنِ ثمَّ إِن كَانَ أهل صفّين مرتدين كَيفَ جَازَ للْإِمَام الْمَعْصُوم عنْدكُمْ وَهُوَ الْحسن أَن ينزل عَن الْخلَافَة ويسلمها إِلَى مُرْتَد ثمَّ الله قد سماهم مُؤمنين فِي قَوْله (وَإِن طَائِفَتَانِ من الْمُؤمنِينَ اقْتَتَلُوا فأصلحوا بَينهمَا) وَقَالَ الرَّسُول ﷺ إِن ابْني هَذَا سيد وسيصلح

стр. 259

الله بِهِ بَين فئتين عظيمتين من الْمُسلمين فَلَو قَالَت لَهُم النواصب أخزاهم الله فعلي اسْتحلَّ الدِّمَاء وَقَاتل بِرَأْيهِ على رياسته وَقد قَالَ النَّبِي ﷺ سباب الْمُسلم فسوق وقتاله كفر وَقَالَ لَا ترجعوا بعدِي كفَّارًا يضْرب بَعْضكُم رِقَاب بعض فَمَاذَا تردون عَلَيْهِم وَأعلم أَن طَائِفَة من الْفُقَهَاء الْحَنَفِيَّة وَالشَّافِعِيَّة والحنبلية جعلُوا قتال مانعي الزَّكَاة وقتال الْخَوَارِج من قتال الْبُغَاة وَجعلُوا قتال الْجمل وصفين من ذَلِك وَهَذَا القَوْل خطأ وَخلاف نَص أبي حنيفَة وَمَالك وَأحمد وَغَيرهم ومخالف للسّنة فَإِن الْخَوَارِج أَمر النَّبِي ﷺ بقتالهم

стр. 260

وَاتفقَ على ذَلِك الصَّحَابَة وَأما قتال الْجمل وصفين فَهُوَ قتال فتْنَة لَيْسَ فِيهِ أَمر الرَّسُول وَلَا إِجْمَاع من الصَّحَابَة وَأهل صفّين لم يبدأوا عليا بِقِتَال ثمَّ أَبُو حنيفَة وَغَيره لَا يجوزون قتال الْبُغَاة إِلَّا أَن يبدأوا الإِمَام وَأَبُو حنيفَة وَأحمد وَمَالك لَا يجوزون للْإِمَام قتال من قَامَ بِالْوَاجِبِ إِذا كَانَت طَائِفَة ممتنعة وَقَالَت لَا نُؤَدِّي زكاتنا إِلَى فلَان فَيجب الْفرق بَين قتال الْمُرْتَدين وقتال الْخَوَارِج المارقين أما قتال مانعى الزَّكَاة فآكد من قتال الْخَوَارِج إِذا كَانُوا لم يخرجوها بِالْكُلِّيَّةِ وَلم يقرُّوا بهَا وَأما قتال الْبُغَاة الْمَذْكُور فِي الْقُرْآن فنوع ثَالِث غير هَذَا وَهَذَا فَإِنَّهُ تَعَالَى لم يَأْمُرنَا بِقِتَال الْبُغَاة ابْتِدَاء بل بالإصلاح وَلَيْسَ هَذَا حكم الْمُرْتَدين وَلَا الْخَوَارِج وقتال الْجمل وصفين هَل هُوَ من قتال الْبُغَاة أَو من قتال الْفِتْنَة الَّتِي الْقَاعِد فِيهَا خير من الْقَائِم فَمن قعد من الصَّحَابَة وَجُمْهُور أهل الحَدِيث يَقُولُونَ هُوَ قتال فتْنَة

стр. 261

وَقَوله تَعَالَى (فَإِن بَغت إِحْدَاهمَا) يَعْنِي إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ المقتتلتين لَا طَائِفَة مُؤمنَة لم تقَاتل فَإِن هَذِه لَيْسَ فِي الْآيَة أَمر بقتالها فَإِن كَانَ قَوْله (فَإِن بَغت) بعد الْإِصْلَاح فَهُوَ أوكد وَإِن كَانَ بعد الإقتتال حصل الْمَقْصُود فأصحاب مُعَاوِيَة إِن كَانُوا قد بغوا إِذْ لم يبايعوا عليا فَمَا فِي الْآيَة أَمر بقتالهم وَلَو قَدرنَا أَنهم بغوا بعد الْقِتَال فَمَا وجد أحد يصلح بَين الطَّائِفَتَيْنِ قلت لَكِن سماهم النَّبِي ﷺ بغاة فِي قَوْله لعمَّار تقتلك الفئة الباغية وَهَذِه مبَاحث لَا ترجع إِلَى تفكيرهم بِوَجْه وَمِمَّا يبين كذب هَذَا القَوْل أَنه لَو كَانَ حَرْب عَليّ حَربًا للرسول وَالله قد تكفل بنصر رَسُوله كَمَا قَالَ (إِنَّا لننصر رسلنَا وَالَّذين آمنُوا) (وَلَقَد سبقت كلمتنا لعبادنا الْمُرْسلين إِنَّهُم لَهُم المنصورون) لوَجَبَ

стр. 262

أَن يغلب محَارب الرَّسُول وَمَا كَانَ الْأَمر كَذَلِك بِخِلَاف الْخَوَارِج فَإِنَّهُم من جنس الْمُحَاربين لله وَرَسُوله فاقتصر عَلَيْهِم وَقد قَالَ تَعَالَى (إِنَّمَا جَزَاء الَّذين يُحَاربُونَ الله وَرَسُوله) يَعْنِي قطاع الطَّرِيق وَمَعَ هَذَا فَلَا نكفرهم بذلك وَلَو كفرناهم لقتلناهم وَلَا بُد قَالَ وَقد أحسن بعض الْفُضَلَاء حَيْثُ يَقُول شَرّ من إِبْلِيس من لم يسْبقهُ فِي سالف طَاعَة وَجرى مَعَه فِي ميدان مَعْصِيّة قَالَ وَلَا شكّ بَين الْعلمَاء أَن إِبْلِيس كَانَ أعبد الْمَلَائِكَة وَكَانَ يحمل الْعَرْش وَحده سِتَّة آلَاف سنة ثمَّ استكبر وَلعن وَمُعَاوِيَة لم يزل فِي الْإِشْرَاك وَعبادَة الْأَصْنَام إِلَى أَن أسلم ثمَّ استكبر عَن طَاعَة الله فِي نصب أَمِير الْمُؤمنِينَ عَليّ إِمَامًا فَكَانَ شرا من إِبْلِيس فَنَقُول هَذَا الْكَلَام فِيهِ من الْجَهْل والضلال وَالْخُرُوج عَن دين الْإِسْلَام وكل دين بل وَعَن الْعقل الَّذِي يكون لكثير من الْكفَّار مَا لَا يخفى على من تدبره فَإِن إِبْلِيس أكفر الْكَفَرَة وَمن كفر فَإِنَّمَا هُوَ من أَتْبَاعه وقتلاه فَكيف يكون أحد شرا مِنْهُ وَقَول الْقَائِل شَرّ من إِبْلِيس من لم يسْبقهُ إِلَى طَاعَة هَذَا يَقْتَضِي أَن كل من عصى الله فَهُوَ شَرّ من إِبْلِيس ثمَّ نقُول إِن أحدا من الْبشر لَا يجْرِي مَعَ إِبْلِيس فِي ميدان مَعْصِيَته كلهَا وَلَا يتَصَوَّر أَن بشرا يُسَاوِيه فِي مَعْصِيَته لِأَنَّهُ عاند ربه كفاحا ثمَّ تفرغ لإغواء الْخلق إِلَى يَوْم الْقِيَامَة ثمَّ عِبَادَته الْمُتَقَدّمَة حبطت بِكُفْرِهِ وَأَيْضًا فَمن الَّذين قَالَ إِن إِبْلِيس كَانَ أعبد الْمَلَائِكَة وَأَنه حمل الْعَرْش وَحده وَأَنه كَانَ طَاوس الْمَلَائِكَة وَأَنه مَا ترك فِي السَّمَاء رقْعَة وَلَا فِي الأَرْض بقْعَة إِلَّا وَله فِيهَا سَجْدَة وركعة هَذَا مبناه على النَّقْل وَلم تأت آيَة وَلَا حَدِيث بذلك ثمَّ يفترى ويكذب وَيَقُول لَا شكّ بَين الْعلمَاء فَهَذَا إِن كَانَ قَالَه بعض الوعاظ أَو المصنفين فِي الرَّقَائِق أَو بعض من ينْقل فِي التَّفْسِير من الْإسْرَائِيلِيات مَا لَا أصل لَهُ

стр. 263

فَمثل هَذَا لَا يحْتَج بِهِ فِي جرزة بقل فَكيف يحْتَج بِهِ فِي جعل إِبْلِيس خيرا من كل من عصى الله من بني آدم وَيجْعَل الصَّحَابَة من هَؤُلَاءِ الَّذين إِبْلِيس خير مِنْهُم فَمَا وصف الله وَلَا رَسُوله إِبْلِيس بِخَير قطّ وَلَا كَانَ من حَملَة الْعَرْش فضلا عَن أَن يحملهُ وَحده هَذِه خرافة وهذيان ثمَّ إِبْلِيس حَبط عمله وَمُعَاوِيَة مُحي كفره بإيمانه كَغَيْرِهِ من الصَّحَابَة فَمَا خطأك فِي زعمك ارتداد مُعَاوِيَة وَعُثْمَان وصفوة الصَّحَابَة الْمَشْهُود لَهُم بِالْجنَّةِ إِلَّا كخطأ الْخَوَارِج فِي تكفيرهم عليا وعَلى زعمك يكون مَا زَالَ عَليّ مَغْلُوبًا مَعَ الْمُرْتَدين وَيكون الْحسن قد خلع نَفسه وَسلم الْأَمر لمرتد وعَلى زعمك يكون نصر الله لخَالِد أعظم من نَصره عليا وَمَا كل من عصى الله يكون مستكبرا عَن طَاعَته قَالَ وَتَمَادَى بَعضهم فِي التعصب حَتَّى إعتقد إِمَامَة يزِيد وَمَعَ مَا صدر عَنهُ من قتل الْحُسَيْن وسبى نِسَائِهِ فِي الْبِلَاد على الْجمال بِغَيْر قتب وزين العابدين مغلول فَيُقَال لم نعتقد أَنه من الْخُلَفَاء الرَّاشِدين كَمَا قَالَه بعض الجهلة من الأكراد وكما قيل هُوَ نَبِي فَهَؤُلَاءِ نظراء من إدعى نبوة عَليّ أَو إلهيته

стр. 264

وَحكي عَن بعض أَتبَاع بني أُميَّة أَن الْخَلِيفَة تقبل مِنْهُ الْحَسَنَات ويتجاوز لَهُ عَن السَّيِّئَات فَهَؤُلَاءِ مَعَ ضلالهم أقل ضلالا مِمَّن يعْتَقد عصمَة المنتظر الَّذِي يَقُولُونَ إِنَّه فِي السرداب من أَرْبَعمِائَة وَخمسين سنة وَهُوَ مَعْدُوم

стр. 265

وَقد ذهبت المرجئة وهم خلائق إِلَى أَن التَّوْحِيد لَا يضر مَعَه شَيْء وَنحن نقُول خلَافَة النُّبُوَّة ثَلَاثُونَ سنة ثمَّ صَارَت ملكا كَمَا ورد فِي الحَدِيث وَإِن عنيت بإعتقاد إِمَامَة يزِيد أَنه كَانَ ملك وقته وَصَاحب السَّيْف كأمثاله من المروانية والعباسية فَهَذَا أَمر مُتَيَقن وَحكم يزِيد على حوزة الْإِسْلَام سوى مَكَّة فَإِنَّهُ غلب عَلَيْهَا ابْن الزبير وَامْتنع عَن بيعَة يزِيد وَلم يدع إِلَى نَفسه حَتَّى بلغه موت يزِيد

стр. 266

فكون الْوَاحِد من هَؤُلَاءِ إِمَامًا بِمَعْنى أَنه كَانَ سُلْطَانا وَمَعَهُ السَّيْف يُولى

стр. 267

ويعزل وَيُعْطِي وَيحرم وَيحكم وَينفذ وَيُقِيم الْحُدُود ويجاهد الْكفَّار وَيقسم الْأَمْوَال

стр. 268

أَمر مَشْهُور متواتر لَا يُمكن جَحده وَهَذَا معنى كَونه إِمَامًا وَخَلِيفَة وسلطانا كَمَا أَن إِمَام الصَّلَاة هُوَ الَّذِي يُصَلِّي بِالنَّاسِ فَإِذا رَأينَا رجلا يُصَلِّي بِالنَّاسِ كَانَ القَوْل بِأَنَّهُ إِمَام أمرا مشهودا محسوسا لَا تمكن المكابرة فِيهِ وَأما كَونه برا أَو فَاجِرًا مُطيعًا أَو عَاصِيا فَذَاك أَمر آخر فَأهل السّنة إِذا اعتقدوا إِمَامَة الْوَاحِد من هَؤُلَاءِ يزِيد أَو عبد الْملك أَو الْمَنْصُور أَو غَيرهم كَانَ بِهَذَا الإعتبار وَمن نَازع فِي هَذَا فَهُوَ شَبيه بِمن نَازع فِي ولَايَة أبي بكر وَعمر وَعُثْمَان وَفِي ملك كسْرَى وَقَيْصَر وَالنَّجَاشِي وَغَيرهم وَأما كَون الْوَاحِد من هَؤُلَاءِ مَعْصُوما فَلَيْسَ هَذَا إعتقاد أحد من الْعلمَاء وَكَذَلِكَ كَونه عادلا لَهُ كل أُمُوره مُطيعًا فِي جَمِيع أَفعاله لَيْسَ هَذَا إعتقاد أحد من الْمُسلمين وَكَذَلِكَ وجوب طَاعَته فِي كل مَا يَأْمر بِهِ وَإِن كَانَ مَعْصِيّة لله لَيْسَ هُوَ إعتقاد أحد من الْمُسلمين وَلَكِن مَذْهَب أهل السّنة وَالْجَمَاعَة أَن هَؤُلَاءِ يشاركون فِيمَا يحْتَاج إِلَيْهِم فِيهِ من طَاعَة الله فنصلي خَلفهم الْجُمُعَة وَالْعِيدَيْنِ وَغَيرهمَا من الصَّلَوَات الَّتِي يقيمونها هم لِأَنَّهَا لَو لم تصل خَلفهم أفْضى إِلَى تعطليها ونجاهد مَعَهم الْكفَّار ونحج مَعَهم الْبَيْت الْعَتِيق ويستعان بهم فِي الْأَمر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَن الْمُنكر وَإِقَامَة الْحُدُود فَإِن الْإِنْسَان لَو قدر أَن يحجّ فِي رفقه لَهُم ذنُوب وَقد جَاءُوا يحجون لم يضرّهُ هَذَا شَيْئا وَكَذَلِكَ الْغَزْو وَغَيره من الإعمال الصَّالِحَة إِذا فعلهَا الْبر وشاركه فِي ذَلِك الْفَاجِر لم يضرّهُ ذَلِك شَيْئا فَكيف إِذا لم يُمكن فعلهَا إِلَّا على هَذَا الْوَجْه ويستعان بهم أَيْضا فِي الْعدْل فِي الحكم وَالْقسم فَإِنَّهُ لَا يُمكن عَاقِلا أَن يُنَازع فِي أَنهم كثيرا مَا يعدلُونَ فِي حكمهم وقسمهم ويعاونون على الْبر وَالتَّقوى

стр. 269

وَلَا يعاونون على الْإِثْم والعدوان فَإِذا غلب على الْأَمر خَليفَة كيزيد وَعبد الْملك والمنصور فإمَّا أَن يُقَال يجب مَنعه من الْأَمر وقتاله وَهَذَا رَأْي فَاسد يُؤَدِّي إِلَى سفك الدِّمَاء وَإِن كَانَ الْخَارِج دينا وَقل من خرج على إِمَام ذِي سُلْطَان إِلَّا كَانَ مَا تولد على فعله من الشَّرّ أعظم مِمَّا تولد من الْخَيْر كَالَّذِين خَرجُوا على يزِيد فِي الْمَدِينَة وكإبن

стр. 270

الْأَشْعَث الَّذِي خرج على عبد الْملك فِي الْعرَاق وكإبن الْمُهلب الَّذِي خرج على أَبِيه بخراسان وكأبي مُسلم صَاحب الدعْوَة الَّذِي خرج عَلَيْهِم بخراسان أَيْضا وكالذين خَرجُوا على الْمَنْصُور بِالْمَدِينَةِ وَالْبَصْرَة وَغَايَة هَؤُلَاءِ إِمَّا أَن يغلبوا وَإِمَّا أَن يغلبوا ثمَّ يَزُول ملكهم فَلَا يكون لَهُم عَاقِبَة فَإِن عبد الله بن عَليّ العباسي وَأَبا مُسلم قتلا خلقا كثيرا وَكِلَاهُمَا قَتله أَبُو جَعْفَر الْمَنْصُور وَأما أهل الْحرَّة وَابْن الْأَشْعَث وَابْن الْمُهلب فهزموا وَهزمَ أَصْحَابهم فَلَا أَقَامُوا دينا وَلَا أَبقوا دنيا وَالله تَعَالَى لَا يَأْمر بِأَمْر لَا يحصل بِهِ صَلَاح الدّين وَصَلَاح الدُّنْيَا وَإِن كَانَ فَاعل ذَلِك من عباد الله الْمُتَّقِينَ وَمن أهل الْجنَّة فليسوا أفضل من عَليّ وَطَلْحَة وَالزُّبَيْر وَعَائِشَة وَغَيرهم وَمَعَ هَذَا لم يحْمَدُوا مَا فَعَلُوهُ من الْقِتَال وهم أعظم قدرا عِنْد الله وَأحسن نِيَّة من غَيرهم وَكَذَلِكَ أهل الْحرَّة كَانَ فيهم من أهل الْعلم وَالدّين خلق وَكَذَلِكَ أَصْحَاب ابْن الْأَشْعَث كَانَ فيهم خلق من أهل الْعلم وَالدّين وَالله يغْفر لَهُم كلهم وَقد قيل لِلشَّعْبِيِّ فِي فتْنَة ابْن الْأَشْعَث أَيْن كنت يَا عَامر قَالَ كنت حَيْثُ يَقُول الشَّاعِر (عوى الذِّئْب فاستأنست بالذئب إِذْ عوى ... وَصَوت إِنْسَان فكدت أطير) أصابتنا فتْنَة لم نَكُنْ فِيهَا بررة أتقياء وَلَا فجرة أقوياء وَكَانَ الْحسن الْبَصْرِيّ يَقُول إِن الْحجَّاج عَذَاب الله فَلَا تدافعوا عَذَاب الله بِأَيْدِيكُمْ وَلَكِن عَلَيْكُم بالإستكانة والتضرع فَإِن الله يَقُول (وَلَقَد أَخَذْنَاهُم بِالْعَذَابِ فَمَا اسْتَكَانُوا لرَبهم وَمَا يَتَضَرَّعُونَ) وَكَانَ طلق بن حبيب يَقُول اتَّقوا الْفِتْنَة بالتقوى فَقيل لَهُ أجمل لنا التَّقْوَى فَقَالَ أَن تعْمل بِطَاعَة الله على نور من الله ترجو رَحْمَة الله وَأَن تتْرك مَعْصِيّة الله على نور من الله تخَاف عَذَاب الله رَوَاهُ أَحْمد وَابْن أبي الدُّنْيَا وَكَانَ أفاضل

стр. 271

الْمُسلمين ينهون عَن الْخُرُوج والقتال فِي الْفِتْنَة كَمَا كَانَ عبد الله بن عمر وَسَعِيد بن الْمسيب وَعلي بن الْحُسَيْن وَغَيرهم ينهون عَام الْحرَّة عَن الْخُرُوج على يزِيد وكما كَانَ الْحسن وَمُجاهد وَغَيرهمَا ينهون عَن الْخُرُوج فِي فتْنَة ابْن الْأَشْعَث وَلِهَذَا اسْتَقر أَمر أهل السّنة على ترك الْقِتَال فِي الْفِتْنَة للأحاديث الصَّحِيحَة الثَّابِتَة عَن النَّبِي ﷺ وصاروا يذكرُونَ هَذَا فِي عقائدهم ويأمرون بِالصبرِ على جور الْأَئِمَّة وَترك قِتَالهمْ وَإِن كَانَ قد قَاتلهم فِي الْفِتْنَة خلق كثير من أهل الْعلم وَالدّين وَبَاب قتال أهل الْبَغي وَالْأَمر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَن الْمُنكر يشْتَبه بِالْقِتَالِ فِي الْفِتْنَة وَلَيْسَ هَذَا مَوضِع بَسطه وَمن تَأمل الْأَحَادِيث الصَّحِيحَة الثَّابِتَة عَن النَّبِي ﷺ فِي هَذَا الْبَاب واعتبرا أَيْضا أولي الْأَبْصَار علم أَن الَّذِي جَاءَت بِهِ النُّصُوص النَّبَوِيَّة خير الْأُمُور وَلِهَذَا لما أَرَادَ الْحُسَيْن ﵁ أَن يخرج إِلَى أهل الْعرَاق لما كاتبوه كتبا كَثِيرَة أَشَارَ عَلَيْهِ أفاضل أهل الْعلم وَالدّين كإبن عمر وَابْن عَبَّاس عَبَّاس وَأبي بكر بن عبد الرَّحْمَن بن الْحَارِث بن هِشَام أَن لَا يخرج وَغلب على ظنهم أَنه يقتل حَتَّى أَن بَعضهم قَالَ أستودعك الله من قَتِيل وَقَالَ بَعضهم لَوْلَا الشناعة لأمسكتك ومنعتك من الْخُرُوج وهم بذلك قاصدون نصيحته طالبون لمصلحته ومصلحة الْمُسلمين وَالله وَرَسُوله إِنَّمَا يَأْمر بالصلاح لَا بِالْفَسَادِ لَكِن الرَّأْي يُصِيب تَارَة ويخطيء أُخْرَى فَتبين أَن الْأَمر على مَا قَالَه أُولَئِكَ إِذْ لم يكن فِي الْخُرُوج مصلحَة لَا فِي دين وَلَا فِي دنيا بل تمكن أُولَئِكَ الظلمَة الطغاة من سبط رَسُول الله ﷺ حَتَّى قَتَلُوهُ مَظْلُوما شَهِيدا وَكَانَ فِي خُرُوجه وَقَتله من الْفساد مَا لم يحصل لَو قعد فِي بَلَده فَإِن مَا قَصده من تَحْصِيل الْخَيْر وَدفع الشَّرّ لم يحصل مِنْهُ شَيْء بل زَاد الشَّرّ بِخُرُوجِهِ وَقَتله وَنقص الْخَيْر

стр. 272

بذلك وَصَارَ سَببا لشر عَظِيم وَكَانَ قتل الْحُسَيْن مِمَّا أوجب الْفِتَن كَمَا كَانَ قتل عُثْمَان مِمَّا أوجب الْفِتَن وَهَذَا كُله مِمَّا يبين أَن مَا أَمر بِهِ النَّبِي ﷺ من الصَّبْر على جور الْأَئِمَّة وَترك قِتَالهمْ وَالْخُرُوج عَلَيْهِم هُوَ أصلح الْأُمُور للعباد فِي المعاش والمعاد وَأَن من خَالف ذَلِك مُتَعَمدا أَو مخطئا لم يحصل بِفِعْلِهِ صَلَاح بل فَسَاد وَلِهَذَا أثنى النَّبِي ﷺ على الْحسن بقوله إِن ابْني هَذَا سيد وسيصلح الله بِهِ بَين فئتين عظيمتين من الْمُسلمين وَلم يثن على أحد لَا بِقِتَال فِي فتْنَة وَلَا بِخُرُوج على الْأَئِمَّة وَلَا نزع يَد من طَاعَة وَلَا بمفارقة الْجَمَاعَة وَقد ثَبت فِي البُخَارِيّ من حَدِيث ابْن عمر عَن النَّبِي ﷺ أول جَيش يغزون الْقُسْطَنْطِينِيَّة مغْفُور لَهُم فَأول من غزا الْقُسْطَنْطِينِيَّة جَيش بَعثهمْ مُعَاوِيَة وَعَلَيْهِم ابْنه يزِيد وَفِيهِمْ من سَادَات الصَّحَابَة أَبُو أَيُّوب الْأنْصَارِيّ فحاصروها ثمَّ الْفِتَن كَالْجمَلِ وصفين والحرة ومقتل الْحُسَيْن ووقعة مرج راهط وقتلة التوابين بِعَين الْورْد وفتنة ابْن الْأَشْعَث وأضعاف ذَلِك مِمَّا يطول ذكره وَأعظم من ذَلِك فتْنَة عُثْمَان وَلِهَذَا جَاءَ فِي الحَدِيث الْمَرْفُوع الَّذِي رَوَاهُ الإِمَام أَحْمد فِي الْمسند وَغَيره ثَلَاث من نجا مِنْهُنَّ فقد نجا موتى وَقتل خَليفَة مضطهد بِغَيْر حق والدجال وَأما قَوْله السَّبي وَالْحمل على الْجمال بِلَا أقتاب فَهَذَا من الْكَذِب الْوَاضِح مَا استحلت أمة مُحَمَّد ﷺ سبي هاشمية وَإِنَّمَا قَاتلُوا الْحُسَيْن خوفًا مِنْهُ وَمن أَن يزِيل عَنْهُم الْملك فَلَمَّا اسْتشْهد فرغ الْأَمر وَبعث بآله إِلَى الْمَدِينَة وَلَكِن جهل الرافضة إِلَيْهِ الْمُنْتَهى وَلَا ريب أَن قتل الْحُسَيْن من أعظم الذُّنُوب وفاعله والراضي بِهِ مُسْتَحقّ للعقاب لَكِن لَيْسَ قَتله بأعظم من قتل أَبِيه وَقتل زوج أُخْته عمر وَقتل زوج خَالَته عُثْمَان

стр. 273

قَالَ وَأنزل فِي الْحسن وَالْحُسَيْن (قل لَا أَسأَلكُم عَلَيْهِ أجرا إِلَّا الْمَوَدَّة فِي الْقُرْبَى) فَهَذَا بَاطِل فَإِن الْآيَة مَكِّيَّة بِلَا ريب نزلت قبل أَن يتَزَوَّج عَليّ بفاطمة ﵄ وَقبل أَن يُولد لَهُ الْحسن وَالْحُسَيْن فَإِن عليا إِنَّمَا تزوج فَاطِمَة بِالْمَدِينَةِ بعد الْهِجْرَة فِي الْعَام الثَّانِي وَلم يدْخل بهَا إِلَّا بعد غَزْوَة بدر فِي شهر رَمَضَان سنة إثنتين وَقد تقدم الْكَلَام على الْآيَة الْكَرِيمَة وَأَن المُرَاد بهَا مَا بَينه ابْن عَبَّاس ﵂ من أَنه لم تكن قَبيلَة من قُرَيْش إِلَّا وَبَينهَا وَبَين رَسُول الله ﷺ قرَابَة فَقَالَ (لَا أَسأَلكُم عَلَيْهِ أجرا إِلَّا الْمَوَدَّة فِي الْقُرْبَى) إِلَّا أَن تودوني فِي الْقَرَابَة الَّتِي بيني وَبَيْنكُم رَوَاهُ البُخَارِيّ وَغَيره قَالَ وَتوقف جمَاعَة فِي لعنته يَعْنِي يزِيد مَعَ أَنه عِنْدهم ظَالِم وَقد قَالَ تَعَالَى (أَلا لعنة الله على الظَّالِمين) وَقد سَأَلَ مهنا أَحْمد بن حَنْبَل عَن يزِيد فَقَالَ هُوَ الَّذِي فعل مَا فعل وَقَالَ لَهُ وَلَده صَالح إِن قوما ينسبوننا إِلَى تولي يزِيد فَقَالَ يَا بني وَهل يوالي يزِيد أحد يُؤمن بِاللَّه وَالْيَوْم الآخر فَقَالَ لم لَا تلعنه قَالَ وَكَيف لَا ألعن من لَعنه الله قَالَ تَعَالَى (فَهَل عسيتم إِن توليتم أَن تفسدوا فِي الأَرْض وتقطعوا أَرْحَامكُم أُولَئِكَ الَّذين لعنهم الله فأصمهم وأعمى أَبْصَارهم) فَهَل يكون فَسَاد أعظم من نهب الْمَدِينَة وَسبي أَهلهَا وَقتل سَبْعمِائة من قُرَيْش وَالْأَنْصَار وَقتل عشرَة آلَاف مِمَّن لم يعرف من عبد أَو حر حَتَّى وصلت الدِّمَاء إِلَى قبر

стр. 274

رَسُول الله ﷺ وامتلأت الرَّوْضَة ثمَّ ضرب الْكَعْبَة بالمنجنيق وهدمها وأحرقها وَقَالَ رَسُول الله ﷺ إِن قَاتل الْحُسَيْن فِي تَابُوت من نَار عَلَيْهِ نصف عَذَاب أهل النَّار وَقد قَالَ ﷺ إشتد غضب الله وغضبي على من أراق دم أَهلِي وَآذَانِي فِي عِتْرَتِي فَيُقَال القَوْل فِي لعنة يزِيد كالقول فِي لعنة أَمْثَاله من الْمُلُوك وَالْخُلَفَاء وَغَيرهم وَيزِيد خير من غَيره كالمختار الَّذِي انتقم من قتلة الْحُسَيْن فَإِنَّهُ ادّعى أَن جِبْرِيل ينزل عَلَيْهِ وَخير من الْحجَّاج وَمَعَ هَذَا فَيُقَال غَايَة يزِيد وَأَمْثَاله من الْمُلُوك أَن يَكُونُوا فساقا فلعنة الْفَاسِق الْمعِين لَيست مَأْمُورا بهَا إِنَّمَا جَاءَت السّنة بلعنة الْأَنْوَاع مثل لعن الله السَّارِق يسرق الْبَيْضَة فتقطع يَده لعن الله آكل الرِّبَا وموكله لعن الله الْمُحَلّل والمحلل لَهُ لعن الله الْخمر وعاصرها وَغير ذَلِك وَذهب طَائِفَة من الْفُقَهَاء إِلَى جَوَاز لعنة الْمعِين وَقيل إِنَّه لَا يجوز كَمَا قَالَ ذَلِك طَائِفَة أُخْرَى وَالْمَعْرُوف عَن أَحْمد كَرَاهِيَة لعن الْمعِين وَأَنه يَقُول كَمَا قَالَ الله تَعَالَى (أَلا لعنة الله على الظَّالِمين) وَفِي البُخَارِيّ أَن رجلا كَانَ يَدعِي خمارا وَكَانَ يشرب الْخمر وَكَانَ يُؤْتِي بِهِ النَّبِي ﷺ فيضربه فَقَالَ رجل لَعنه الله مَا أَكثر مَا يُؤْتى بِهِ فَقَالَ النَّبِي ﷺ لَا تلعنه فَإِنَّهُ يحب الله وَرَسُوله فَنهى ﷺ عَن لعنة هَذَا الْمعِين مَعَ كَونه لعن شَارِب الْخمر مُطلقًا وَمن الْمَعْلُوم أَن كل مُسلم لَا بُد أَن يحب الله وَرَسُوله إِلَّا أَن يكون منافقا فَذَاك مَلْعُون وَمن جوز لعنة الْمعِين لفسقه يَقُول ألعنه وأصلي عَلَيْهِ فَإِنَّهُ مُسْتَحقّ للعقاب فيلعن ومستحق للثَّواب من وَجه الْإِسْلَام فَيصَلي عَلَيْهِ وَهَذَا مَذْهَب الصَّحَابَة وَسَائِر أهل السّنة والكرامية والمرجئة وَمذهب كثير من الشِّيعَة الَّذين يَقُولُونَ إِن الْفَاسِق لَا يخلد فِي النَّار وَقَالَت الْخَوَارِج والمعتزلة وَبَعض الشِّيعَة يخلد وَأَجْمعُوا على أَنه إِذا تَابَ لم يخلد وَالَّذِي يلعن يزِيد وَنَحْوه يحْتَاج إِلَى ثُبُوت أَنه فَاسق ظَالِم وَأَن لعنة الْفَاسِق الظَّالِم الْمعِين جَائِزَة وَإِلَى أَن يزِيد مَاتَ وَلم يتب مِمَّا اجترم ثمَّ الْعَذَاب قد يرْتَفع مُوجبه لمعارض رَاجِح كحسنات

стр. 275

ماحية ومصائب مكفرة وَقد قَالَ تَعَالَى (إِن الله لَا يغْفر أَن يُشْرك بِهِ وَيغْفر مَا دون ذَلِك لمن يَشَاء) وَقد صَحَّ أَن أول جَيش يَغْزُو الْقُسْطَنْطِينِيَّة مغْفُور لَهُم وَأول جَيش غَزَاهَا كَانَ أَمِيرهمْ يزِيد وَنحن نعلم أَن أَكثر الْمُسلمين لَا بُد لَهُم من ظلم فَإِن فتح هَذَا الْبَاب سَاغَ أَن يلعن أَكثر موتى الْمُسلمين وَالله تَعَالَى أَمر بِالصَّلَاةِ على موتى الْمُسلمين لم يَأْمر بلعنتهم ثمَّ الْكَلَام فِي لعنة الْأَمْوَات أعظم من لعنة الْحَيّ وَقد صَحَّ عَنهُ ﷺ أَنه قَالَ لَا تسبوا الْأَمْوَات فَإِنَّهُم قد أفضوا إِلَى مَا قدمُوا وَأما نقلك عَن أَحْمد فالثابت عَنهُ من رِوَايَة ابْنه صَالح أَنه قَالَ وَمَتى رَأَيْت أَبَاك يلعن أحدا وَنقل عَنهُ لعنته من رِوَايَة مُنْقَطِعَة لَيست ثَابِتَة عَنهُ وَقَوله تَعَالَى (أُولَئِكَ الَّذين لعنهم الله) لَا يدل على لعن معِين وَلَو كَانَ كل ذَنْب لعن فَاعله يلعن الْمعِين الَّذِي فعله للعن جُمْهُور النَّاس وَهَذَا بِمَنْزِلَة الْوَعيد الْمُطلق لَا يسْتَلْزم ثُبُوته فِي حق الْمعِين إِلَّا إِذا وجدت شُرُوطه وانتفت موانعه وَهَكَذَا اللَّعْن هَذَا بِتَقْدِير أَن يكون يزِيد فعل مَا يقطع بِهِ الرَّحِم ثمَّ إِن هَذَا تحقق فِي كثير من بني هَاشم الَّذين تقاتلوا من العباسيين والطالبيين فَهَل يلعن هَؤُلَاءِ كلهم وَكَذَلِكَ من ظلم قرَابَة لَهُ لَا سِيمَا وَبَينه وَبَينه عدَّة آبَاء أيلعنه بِعَيْنِه ثمَّ إِذا لعن هَؤُلَاءِ لعن كل من شَمله أَلْفَاظه وَحِينَئِذٍ فيلعن جُمْهُور الْمُسلمين وَقَوله تَعَالَى (فَهَل عسيتم إِن توليتم أَن تفسدوا فِي الأَرْض وتقطعوا أَرْحَامكُم أُولَئِكَ الَّذين لعنهم الله فأصمهم وأعمى أَبْصَارهم) وَعِيد عَام فِي كل من فعل ذَلِك فقد فعل بَنو هَاشم بَعضهم بِبَعْض أعظم مِمَّا فعل يزِيد فَإِن قلت بِمُوجبِه لعنت مَا شَاءَ الله من العباسيين والعلويين وَغَيرهم

стр. 276

من الْمُؤمنِينَ ولإبن الْجَوْزِيّ كتاب فِي إِبَاحَة لعن يزِيد يرد فِيهِ على عبد المغيث الْحَرْبِيّ فَإِنَّهُ كَانَ ينْهَى عَن ذَلِك وَقيل إِن الْخَلِيفَة النَّاصِر لما بلغه نهي الشَّيْخ عبد المغيث عَن ذَلِك قَصده وَسَأَلَهُ عَن ذَلِك وَعرف عبد المغيث أَنه الْخَلِيفَة وَلم يظْهر أَنه يُعلمهُ فَقَالَ أَنا قصدي كف الْأَلْسِنَة عَن لعن خلفاء الْمُسلمين وولاتهم وَإِلَّا لَو فتحنا هَذَا الْبَاب لَكَانَ خليفتنا أَحَق باللعن لفعله العظائم وَجعل يعدد مظالم الْخَلِيفَة حَتَّى قَالَ لَهُ ادْع لي يَا شيخ وَذهب وَأما فعله بِأَهْل الْحرَّة فَإِنَّهُم لما خلعوه وأخرجوا نوابه وحاصروا

стр. 277

عشيرته أرسل إِلَيْهِم مرّة بعد مرّة يطْلب الطَّاعَة فامتنعوا وصمموا فَجهز

стр. 278

إِلَيْهِم مُسلم بن عقبَة المري وَأمره أَن ينذرهم ويهددهم فَإِن أَبَوا قَاتلهم فَإِذا ظهر عَلَيْهِم

стр. 279

أنهب الْمَدِينَة ثَلَاثًا وَهَذِه من كبائره وَلِهَذَا قيل لِأَحْمَد أنكتب الحَدِيث عَن يزِيد فَقَالَ لَا وَلَا كَرَامَة أَو لَيْسَ هُوَ الَّذِي فعل بِأَهْل الْمَدِينَة مَا فعل لَكِن لم يقتل جَمِيع الْأَشْرَاف وَلَا بلغ الْقَتْلَى عشرَة آلَاف وَلَا وصلت الدِّمَاء إِلَى الْمَسْجِد بل وَلَا كَانَ الْقَتْل فِي الْمَسْجِد بل بِظَاهِر الْمَدِينَة وَلَكِن ديدنكم أَنكُمْ لَا تنقلون صدقا وَإِن كَانَ صدقا طرزتموه بكذب وَأما الْكَعْبَة فَلم تقصد بإهانة وَإِنَّمَا قصدُوا ابْن الزبير وَلم يهدم يزِيد الْكَعْبَة وَلَا أحرقها بإتفاق الْمُسلمين وَلَكِن طارت إِلَى الأستار شرارة من نَار من امْرَأَة فاحترقت الْكَعْبَة

стр. 280

فَهَدمهَا ابْن الزبير وأعادها أحسن مِمَّا كَانَت على الْوَجْه الَّذِي وَصفه النَّبِي ﷺ وَأما خبر قَاتل الْحُسَيْن فِي تَابُوت من نَار فَهُوَ من كذب من لَا يستحي من المجازفة فَهَل يكون على وَاحِد نصف عَذَاب أهل النَّار مَا بَقِي لإبليس ولفرعون ولقتلة الْأَنْبِيَاء وَلأبي جهل فقاتل عمر وَعُثْمَان وَعلي أعظم جرما من قَاتل الْحُسَيْن بل هَذَا الغلو الزَّائِد يُقَابل بغلو الناصبة الَّذين يَزْعمُونَ أَن الْحُسَيْن من الْخَوَارِج الَّذين شَقوا الْعَصَا وَأَنه يجوز قَتله لقَوْله ﷺ من أَتَاكُم وأمركم على رجل وَاحِد يُرِيد أَن يفرق جماعتكم فاضربوا عُنُقه كَائِنا من كَانَ أخرجه مُسلم وَأهل السّنة يَقُولُونَ قتل مَظْلُوما شَهِيدا وقاتلوه ظلمَة معتدون وَأَحَادِيث قتل الْخَارِج لم تتناوله فَإِنَّهُ لم يفرق الْجَمَاعَة وَلم يقتل إِلَّا وَهُوَ طَالب للرُّجُوع أم الْمُضِيّ إِلَى يزِيد دَاخِلا فِيمَا دخل فِيهِ سَائِر النَّاس معرضًا عَن تَفْرِيق الْكَلِمَة وَكَذَلِكَ الحَدِيث لم يَصح وَلَا ينْسبهُ إِلَى النَّبِي ﷺ إِلَّا جَاهِل فَإِن العاصم لدم الْحُسَيْن من الْإِيمَان وَالتَّقوى أعظم من مُجَرّد الْقَرَابَة فقد قَالَ ﷺ لَو أَن فَاطِمَة سرقت لَقطعت يَدهَا فقد أخبر عَن أعز أَهله عَلَيْهِ بِحكم الله الَّذِي لَا فرق فِيهِ بَين الشريف والدني فَلَو زنا الْعلوِي الْمُحصن رجم وَلَو قتل قتل قَالَ النَّبِي ﷺ الْمُسلمُونَ تتكفأ دِمَاؤُهُمْ وَكَذَلِكَ إِيذَاء الرَّسُول فِي عترته وصحابته وسنته من العظائم

стр. 281

قَالَ فَلْينْظر الْعَاقِل أَي الْفَرِيقَيْنِ احق بالأمن الَّذِي نزه الله وَمَلَائِكَته وأنبياءه وأئمته ونزه الشَّرْع عَن الْمسَائِل الرَّديئَة وَمن يبطل الصَّلَاة بإهمال الصَّلَاة على أئمتهم وَيذكر أَئِمَّة غَيرهم أم الَّذِي فعل ضد ذَلِك فَنَقُول مَا ذكرته من التَّنْزِيه إِنَّمَا هُوَ تَعْطِيل وتنقيص لله وَلِرَسُولِهِ وَذَلِكَ قَول نفاة الصِّفَات يتَضَمَّن وَصفه تَعَالَى بسلب صِفَات الْكَمَال الَّتِي يشابه فِيهَا الجمادات والمعدومات فَإِذا قَالُوا لَا تقوم بِهِ حَيَاة وَلَا علم وَلَا قدرَة وَلَا كَلَام وَلَا مَشِيئَة وَلَا حب وَلَا بغض وَلَا رضَا وَلَا سخط وَلَا يرى وَلَا يفعل بِنَفسِهِ فعلا وَلَا يقدر أَن يتَصَرَّف بِنَفسِهِ كَانُوا قد شبهوه بالجمادات المنقوصات فَكَانَ تنقصيا وتعطيلا وَإِنَّمَا التَّنْزِيه أَن ينزه عَن النقائص المنافية للكمال فينزه عَن الْمَوْت وَالنَّوْم وَالسّنة وَالْعجز وَالْجهل وَالْحَاجة كَمَا نزه نَفسه فِي كِتَابه وتنزه عَن أَن يكون لَهُ فِيهَا مثل وَأما الْأَنْبِيَاء فَإِنَّكُم سلبتم مَا لَهُم من الْكَمَال وعلو الدَّرَجَات بِحَقِيقَة التَّوْبَة والإستغفار والإنتقال من كَمَال إِلَى مَا هُوَ أكمل مِنْهُ وكذبتم بِمَا أخبر الله بِهِ من ذَلِك وحرفتم الْآيَات وظننتم أَن إنتقال الْآدَمِيّ من الْجَهْل إِلَى الْعلم وَمن الضلال إِلَى الْهدى وَمن الغي إِلَى الرشد نقص وَلم تعلمُوا أَن الَّذِي يَذُوق الْخَيْر وَالشَّر ويعرفهما يكون حبه للخير وبغضه للشر أعظم مِمَّن لَا يعرف إِلَّا الْخَيْر كَمَا قَالَ عمر إِنَّمَا تنقض عرى

стр. 282

الْإِسْلَام عُرْوَة عُرْوَة إِذا نَشأ فِي الْإِسْلَام من لَا يعرف الْجَاهِلِيَّة وَأما تَنْزِيه الْأَئِمَّة فَمن الفضائح الَّتِي يستحي من ذكرهَا لَا سِيمَا إِمَام لَا ينْتَفع بِهِ فِي دين وَلَا دنيا أَو هُوَ شَيْء مَعْدُوم فَأَما تَنْزِيه الشَّرْع فقد مر أَن أهل السّنة مَا اتَّفقُوا على مَسْأَلَة رَدِيئَة بِخِلَاف الرافضة ثمَّ بِالضَّرُورَةِ يعلم أَن النَّبِي ﷺ لم يَأْمر بِالصَّلَاةِ على عَليّ وَلَا على الإثني عشر لَا فِي صَلَاة وَلَا فِي خَارِجهَا معينا وَأَن الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ مَا فعلوا ذَلِك فِي صَلَاة قطّ فَمن أوجب الصَّلَاة على الإثني عشر فِي صلَاته أَو أبطل الصَّلَاة بإهمال الصَّلَاة عَلَيْهِم فقد بدل الدّين فَإِن قيل المُرَاد أَن يُصَلِّي على آل مُحَمَّد قيل فَيدْخل فيهم بَنو هَاشم وَأُمَّهَات الْمُؤمنِينَ والإمامية يذمون بني الْعَبَّاس وَالْعجب من هَؤُلَاءِ الرافضة يدعونَ تعيظم آل مُحَمَّد وهم سعوا فِي مَجِيء التتار حَتَّى قتلوا خلقا من آل مُحَمَّد ﷺ من بني على وَبني الْعَبَّاس وَسبوا نِسَاءَهُمْ وَأَوْلَادهمْ وَقتلُوا ألف ألف وَثَمَانمِائَة ألف وَفِي الصَّحِيح

стр. 283

قَالُوا يَا رَسُول الله كَيفَ نصلي عَلَيْك قَالَ قُولُوا اللَّهُمَّ صلي على مُحَمَّد وعَلى آل مُحَمَّد وأزواجه وَذريته الحَدِيث وَاتفقَ الْمُسلمُونَ على أَن آل الْعَبَّاس من ذَوي القربي وَكَذَا بني الْحَارِث بن عبد الْمطلب وَأَنَّهُمْ من آل مُحَمَّد الَّذين تحرم عَلَيْهِم الصَّدَقَة وَعند بعض الْمَالِكِيَّة والحنبلية آل مُحَمَّد أمته وَعند طَائِفَة من الصُّوفِيَّة هم الأتقياء من أمته ثمَّ جُمْهُور الْفُقَهَاء لَا يوجبون الصَّلَاة على النَّبِي ﷺ وَآله فِي الصَّلَاة وَمن أوجب الصَّلَاة على آل عُمُوما لم يجوز الإقتصار على بعض الْآل وَكَذَلِكَ إبطا الصَّلَاة بِالصَّلَاةِ على خَليفَة من الْخُلَفَاء معِين قَول بَاطِل فَلَو دَعَا لمُعين أَو عَلَيْهِ لم تبطل صلَاته عِنْد أَكثر الْعلمَاء فقد قنت النَّبِي ﷺ يَدْعُو لقوم ويلعن آخَرين بِأَسْمَائِهِمْ

стр. 284

الْفَصْل الثَّالِث فِي إِمَامَة عَليّ ﵁ قَالَ الرافضي إِن الإمامية لما رَأَوْا فَضَائِل أَمِير الْمُؤمنِينَ وكمالاته لَا تحصى قد رَوَاهَا الْمُوَافق والمخالف وَرَأَوا الْجُمْهُور قد نقلوا عَن غَيره مطاعن وَلم ينقلوا فِي عَليّ طَعنا اتَّبعُوهُ وجعلوه إِمَامًا لَهُم وَتركُوا غَيره فَنَذْكُر مِنْهَا شَيْئا يَسِيرا مِمَّا هُوَ صَحِيح عِنْدهم ليَكُون حجَّة عَلَيْهِم يَوْم الْقِيَامَة فَمن ذَلِك مَا رَوَاهُ أَبُو الْحسن الأندلسي فِي الْجمع بَين الصِّحَاح السِّتَّة عَن أم سَلمَة أَن قَوْله تَعَالَى (إِنَّمَا يُرِيد الله ليذْهب عَنْكُم الرجس أهل الْبَيْت) نزلت فِي بَيتهَا وَهِي جالسة عِنْد الْبَاب فَقلت يَا رَسُول الله أَلَسْت من أهل الْبَيْت فَقَالَ إِنَّك إِلَى خير إِنَّك من أَزوَاج النَّبِي ﷺ قَالَت وَفِي الْبَيْت عَليّ وَفَاطِمَة وَالْحسن وَالْحُسَيْن فجللهم بكساء وَقَالَ اللَّهُمَّ هَؤُلَاءِ أهل بَيْتِي فَأذْهب عَنْهُم الرجس وطهرهم تَطْهِيرا فَنَقُول الْأَحَادِيث الثَّابِتَة فِي الْفَضَائِل لأبي بكر وَعمر أَكثر وَأعظم من الْفَضَائِل الثَّابِتَة لعَلي ثمَّ أَكثر الْأَحَادِيث الَّتِي أوردهَا وَذكر أَنَّهَا فِي مُعْتَمد قَول الْجُمْهُور من أبين الْكَذِب على عُلَمَاء الْجُمْهُور وَمَا صَحَّ مِنْهَا لَيْسَ فِيهِ مَا يدل على فضل عَليّ على أبي بكر وَغير عَليّ فِيهَا مشارك وَأما فَضَائِل الشَّيْخَيْنِ فخصائص لَهما وَلَا سِيمَا فَضَائِل أبي بكر فَإِن عامتها خَصَائِص لم يشركهُ فِيهَا غَيره وَأما مَا ذكره من المطاعن فَلَا يُمكنهُ أَن يُوَجه على الثَّلَاثَة من مطْعن إِلَّا وَجه الناصبي على عَليّ مثله وَأما قَوْله إِنَّهُم جَعَلُوهُ إِمَامًا لَهُم حَيْثُ نزهه الْمُخَالف والموافق وَتركُوا غَيره حَيْثُ يرْوى فِيهِ من يعْتَقد إِمَامَته من المطاعن مَا يطعن فِي إِمَامَته فَيُقَال هَذَا كذب بَين فَإِن عليا ﵁ لم ينزهه المخالفون بل القادحون فِي عَليّ طوائف مُتعَدِّدَة وهم أفضل

стр. 285

من القادحين فِي أبي بكر وَعمر وَعُثْمَان والقادحون فِيهِ أفضل من الغلاة فِيهِ فَإِن الْخَوَارِج متفقون على كفره وهم عِنْد الْمُسلمين كلهم خير من الغلاة الَّذين يَعْتَقِدُونَ إلهيته أَو نبوته بل هم وَالَّذين قَاتلُوهُ من الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ خير عِنْد جَمَاهِير الْمُسلمين من الرافضة الإثني عشرِيَّة الَّذين اعتقدوه إِمَامًا مَعْصُوما وَأَبُو بكر وَعمر ﵄ لَيْسَ فِي الْأمة من يقْدَح فيهمَا إِلَّا الرافضة والخوارج المكفرون لعَلي يوالون أَبَا بكر وَعمر ويترضون عَنْهُمَا والمروانية الَّذين ينسبون عليا إِلَى الظُّلم وَيَقُولُونَ إِنَّه لم يكن خَليفَة يوالون أَبَا بكر وَعمر مَعَ أَنَّهُمَا ليسَا من أقاربهما فَكيف يُقَال مَعَ هَذَا إِن عليا نزهه الْمُوَافق والمخالف بِخِلَاف الْخُلَفَاء الثَّلَاثَة وَمن الْمَعْلُوم أَن المنزهين لهَؤُلَاء أعظم وَأكْثر وَأفضل وَأَن القادحين فِي عَليّ حَتَّى بالْكفْر والفسوق والعصيان طوائف مَعْرُوفَة وهم أعلم من الرافضة وأدين والرافضة عاجزون مَعَهم علما ويدا فَلَا يُمكن الرافضة أَن تقيم عَلَيْهِم حجَّة تقطعهم بهَا وَلَا كَانُوا مَعَهم فِي الْقِتَال منصورين عَلَيْهِم وَالَّذين قَدَحُوا فِي عَليّ ﵁ جَعَلُوهُ كَافِرًا وظالما لَيْسَ فيهم طَائِفَة مَعْرُوفَة بِالرّدَّةِ عَن الْإِسْلَام بِخِلَاف الَّذين يمدحونه ويقدحون فِي الثَّلَاثَة كالغالية الَّذين يدعونَ إلهيته من النصيرية
следующие страницы →