Полный текст (545 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
وَالثَّانيَِة أَنَّهَا ثبتَتْ بِالنَّصِّ الْخَفي وَالْإِشَارَة وَبِه قَالَ الْحسن الْبَصْرِيّ وَبكر ابْن أُخْت عبد الْوَاحِد وَبَعض الْخَوَارِج
قَالَ ابْن حَامِد الدَّلِيل على إِثْبَات خلَافَة الصّديق بِالنَّصِّ مَا أسْندهُ البُخَارِيّ عَن جُبَير بن مطعم قَالَ أَتَت امْرَأَة إِلَى النَّبِي ﷺ فَأمرهَا أَن ترجع إِلَيْهِ فَقَالَت أَرَأَيْت إِن جِئْت وَلم أجدك كَأَنَّهَا تُرِيدُ الْمَوْت قَالَ إِن لم تجديني فَأتى أَبَا بكر وَذكر أَحَادِيث وَقَالَ وَذَلِكَ نَص على إِمَامَته
قَالَ وَحَدِيث حُذَيْفَة اقتدوا بالذين من بعدِي أبي بكر وَعمر وروى عَليّ بن زيد بن جدعَان عَن عبد الرَّحْمَن بن أبي بكرَة عَن أَبِيه قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ يَوْمًا
أَيّكُم رأى رُؤْيا فَقلت أَنا يَا رَسُول الله رَأَيْت كَأَن ميزانا دُلي من السَّمَاء فوزنت بِأبي بكر فرجحت بِأبي بكر ثمَّ وزن أَبُو بكر بعمر فرجح أَبُو بكر ثمَّ وزن عمر بعثمان فرجح عمر ثمَّ رفع الْمِيزَان
فَقَالَ النَّبِي ﷺ خلَافَة نبوة ثمَّ يُؤْتِي الله الْملك من يَشَاء رَوَاهُ أَحْمد فِي مُسْنده
قَالَ وَأخرج أَبُو دَاوُد عَن جَابر قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ رأى اللَّيْلَة رجل صَالح أَن أَبَا بكر نيط برَسُول الله ﷺ ونيط عمر بِأبي بكر ونيط عُثْمَان بعمر قَالَ جَابر
فَلَمَّا قمنا من عِنْد رَسُول الله ﷺ قُلْنَا أما الصَّالح فَرَسُول الله ﷺ وَأما نوط بَعضهم بِبَعْض فهم وُلَاة هَذَا الْأَمر الَّذِي بعث الله بِهِ نبيه
قَالَ وَمن ذَلِك حَدِيث صَالح بن كيسَان عَن الزُّهْرِيّ عَن عُرْوَة عَن عَائِشَة ﵂ قَالَت دخلت على رَسُول الله ﷺ الْيَوْم الَّذِي بَدَأَ بِهِ وَجَعه فَقَالَ ادّعى لي أَبَاك واخاك حَتَّى أكتب لأبي بكر كتابا
ثمَّ قَالَ يأبي الله والمسلمون إِلَّا أَبَا بكر وَهَذَا وَفِي الصَّحِيحَيْنِ وَعَن ابْن أبي مليكَة عَن عَائِشَة ﵂ قَالَت لما ثقل برَسُول الله ﷺ قَالَ ادّعى لي عبد الرَّحْمَن بن أبي
стр. 37
بكر لأكتب لأبي بكر كتابا لَا يخْتَلف عَلَيْهِ ثمَّ قَالَ معَاذ الله أَن يخْتَلف الْمُؤْمِنُونَ فِي أبي بكر
ثمَّ أورد أَحَادِيث تَقْدِيمه فِي الصَّلَاة وَأَحَادِيث أُخْرَى لَا تصح
قَالَ ابْن حزم اخْتلفُوا فِي الْإِمَامَة فَقَالَت طَائِفَة إِن النَّبِي ﷺ لم يسْتَخْلف
وَقَالَت طَائِفَة لما اسْتخْلف أَبَا بكر على الصَّلَاة كَانَ دَلِيلا على أَنه أولاهم بِالْإِمَامَةِ والخلافة
وَقَالَ بَعضهم لَا وَلَكِن كَانَ أثبتهم فضلا فقدموه وَقَالَت طَائِفَة بل نَص الرَّسُول ﷺ على إستخلاف أبي بكر بعده نصا جليا وَبِه نقُول لبراهين أَحدهَا إطباق النَّاس كلهم الَّذين قَالَ الله تَعَالَى فيهم ﴿أُولَئِكَ هم الصادقون﴾ فقد اتّفق الْمَشْهُود لَهُم بِالصّدقِ على تَسْمِيَته خَليفَة رَسُول الله وَمعنى الْخَلِيفَة فِي اللُّغَة هُوَ الَّذِي اسْتَخْلَفَهُ الْمَرْء لَا الَّذِي يخلفه بِدُونِ إستخلاف لَا يجوز غير هَذَا الْبَتَّةَ فِي اللُّغَة
يُقَال إستخلف فلَان فلَانا فَهُوَ خَلِيفَته ومستخلفه فَإِن قَامَ مَكَانَهُ دون أَن يستخلفه لم يقل إِلَّا خلف فلَان فلَانا يخلفه فَهُوَ خَالف
ومحال أَن يعنوا بذلك الإستخلاف على الصَّلَاة لِأَن أَبَا بكر لم يسْتَحق هَذَا الإسم على الْإِطْلَاق فِي حَيَاة النَّبِي ﷺ فَتبين أَنَّهَا غير خلَافَة الصَّلَاة
الثَّانِي أَن كل من اسْتَخْلَفَهُ الرَّسُول ﷺ كعلي فِي غَزْوَة تَبُوك وَابْن أم مَكْتُوم فِي غَزْوَة الخَنْدَق وَعُثْمَان فِي غَزْوَة ذَات الرّقاع وَسَائِر من اسْتَخْلَفَهُ على الْيمن أَو الْبَحْرين وَغير ذَلِك لم يسْتَحق أحد مِنْهُم هَذَا الْإِطْلَاق فصح يَقِينا أَنَّهَا الْخلَافَة بعده على الْأمة وَمن الْمحَال أَن يجمعوا على ذَلِك وَهُوَ لم يستخلفه نصا
وَأَيْضًا فَإِن الرِّوَايَة صحت أَن امْرَأَة قَالَت يَا رَسُول الله إِن رجعت فَلم أجدك كَأَنَّهَا تَعْنِي الْمَوْت قَالَ
стр. 38
فَأتى أَبَا بكر
قَالَ ابْن حزم وَهَذَا نَص جلي على إستخلاف أبي بكر
وَثَبت أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ لعَائِشَة ﵂ فِي مَرضه لقد هَمَمْت أَن أبْعث إِلَى أَبِيك وأخيك وأكتب كتابا وأعهد عهدا لكيلا يَقُول قَائِل أَنا أَحَق أَو يتَمَنَّى متمن ويأبى الله والمؤمنون إِلَّا أَبَا بكر فَهَذَا نَص على إستخلاف أبي بكر على الْأمة بعده
قلت بل هُوَ نَص على عدم إستخلافه إِيَّاه وَإِنَّمَا يدل على أَنه رَضِي بِأَن يكون الْخَلِيفَة من بعده وَعلم أَن الْأمة تَجْتَمِع عَلَيْهِ من بعده فَسكت عَن النَّص الْجَلِيّ وَاكْتفى بِمَا يجمع الله عَلَيْهِ أمته
قَالَ وَحجَّة من قَالَ لم يستخلفه قَول عمر إِن أستخلف فقد إستخلف من هُوَ خير مني يَعْنِي أَبَا بكر وَإِن أترك فقد ترك من هُوَ خير مني يَعْنِي رَسُول الله ﷺ وَبِمَا روى عَن عَائِشَة ﵂ إِذا سُئِلت من كَانَ رَسُول الله ﷺ مستخلفا لَو إستخلف قَالَت أَبُو بكر
قَالَ ابْن حزم لَا يُعَارض قَول عمر وَعَائِشَة إِجْمَاع الصَّحَابَة والحديثين المسندين وَقد خَفِي على عمر وَعَائِشَة ذَلِك وأرادا إستخلافا بِعَهْد مَكْتُوب
إِلَى أَن قَالَ شَيخنَا ابْن تَيْمِية وَلَا حجَّة للشيعة فِي القَوْل بِالنَّصِّ فالرواندية تَقول بِالنَّصِّ على الْعَبَّاس كَمَا قَالَت الإمامية بِالنَّصِّ على عَليّ ﵁
قَالَ القَاضِي أَبُو يعلى ذهب حماعة من الرواندية إِلَى أَن النَّبِي ﷺ نَص على الْعَبَّاس بِعَيْنِه وأعلن ذَلِك وَأَن الْأمة كفرت بِهَذَا النَّص وارتدت وعاندت
وَمِنْهُم من قَالَ بِالنَّصِّ على الْعَبَّاس وَولده إِلَى أَن تقوم السَّاعَة
وروى ابْن بطة بِإِسْنَادِهِ عَن الْمُبَارك بن فضَالة قَالَ سَمِعت الْحسن يحلف بِاللَّه أَن رَسُول الله ﷺ إستخلف أَبَا بكر
وعمدة الْقَائِلين بِالنَّصِّ الْجَلِيّ على أبي بكر تَسْمِيَة الصَّحَابَة لَهُ خَليفَة رَسُول الله ﷺ قَالُوا إِنَّمَا يُقَال ذَلِك لمن إستخلفه غَيره
стр. 39
واعتقدوا أَن الفعيل بِمَعْنى الْمَفْعُول وَلَيْسَ كَذَلِك بل يُقَال لمن إستخلفه غَيره خَليفَة فلَان وَلمن خلف غَيره أَيْضا قَالَ رَسُول الله ﷺ من جهز غازيا فقد غزا وَمن خَلفه فِي أَهله بِخَير فقد غزا هَذَا صَحِيح وَصَحَّ قَوْله ﷺ اللَّهُمَّ أَنْت الصاحب فِي السّفر والخليفة فِي الْأَهْل وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَهُوَ الَّذِي جعلكُمْ خلائف الأَرْض﴾ وَقَالَ ﴿ثمَّ جَعَلْنَاكُمْ خلائف فِي الأَرْض من بعدهمْ﴾ وَقَالَ ﴿إِنِّي جَاعل فِي الأَرْض خَليفَة﴾ وَقَالَ ﴿يَا دَاوُد إِنَّا جعلناك خَليفَة فِي الأَرْض﴾ أَي خَليفَة عَمَّن قبلك لَا أَنه خَليفَة عَن الله كَمَا يَقُوله بعض الإتحادية وَأَنه من الله كإنسان الْعين من الْعين وَأَنه الْجَامِع لأسماء الله الْحسنى وَذكروا قَوْله تَعَالَى ﴿وَعلم آدم الْأَسْمَاء كلهَا﴾ وَأَنه مثل الله تَعَالَى الله عَن المثلية فَإِن الله لَا يخلفه غَيره فَإِن الْخلَافَة إِنَّمَا تكون عَن غَائِب وَهُوَ سُبْحَانَهُ شَهِيد مُدبر لخلقه وَهُوَ سُبْحَانَهُ يخلف عَبده إِذا غَابَ عَن أَهله
ويروى أَن أَبَا بكر قيل لَهُ يَا خَليفَة الله قَالَ بل أَنا خَليفَة رَسُول الله ﷺ وحسبي ذَلِك
وَمِمَّا احْتج بِهِ من قَالَ إِن خلَافَة أبي بكر بِنَصّ خَفِي قَول النَّبِي ﷺ الثَّابِت عَنهُ رَأَيْت كَأَنِّي على قليب أنزع مِنْهَا فَأَخذهَا ابْن أبي قُحَافَة فَنزع ذنوبا أَو ذنوبين
стр. 40
وَفِي نَزعه ضعف وَالله يغْفر لَهُ ثمَّ أَخذهَا ابْن الْخطاب فاستحالت غربا فَلم أر عبقريا من النَّاس يفري فِرْيَة حَتَّى صدر النَّاس بِعَطَن وَقَوله ﷺ مروا أَبَا بكر يُصَلِّي بِالنَّاسِ فصلى بِالنَّاسِ مُدَّة مَرضه إِنَّه ﷺ كشف ستر الْبَاب يَوْم مَاتَ وهم يصلونَ خلف أبي بكر فسر بذلك
وَقَالَ ﷺ لَو كنت متخذا من أهل الأَرْض خَلِيلًا لأتخذت أَبَا بكر خَلِيلًا
لَا يبْقين فِي الْمَسْجِد خوخة إِلَّا سدت إِلَّا خوخة أبي بكر وَفِي سنَن أبي دَاوُد من حَدِيث الْأَشْعَث عَن الْحسن عَن أبي بكرَة أَن النَّبِي ﷺ قَالَ ذَات يَوْم من رأى مِنْكُم رُؤْيا فَقَالَ رجل أَنا رَأَيْت كَأَن ميزانا نزل من السَّمَاء فوزنت أَنْت وَأَبُو بكر فرجحت ثمَّ وزن أَبُو بكر وَعمر فرجح أَبُو بكر الحَدِيث وَرَوَاهُ أَيْضا من حَدِيث حَمَّاد بن سَلمَة عَن ابْن جدعَان عَن عبد الرَّحْمَن ابْن أبي بكرَة عَن أَبِيه نَحوه وَفِيه فَقَالَ خلَافَة نبوة ثمَّ يُؤْتِي الله الْملك من يَشَاء وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد من حَدِيث الزُّهْرِيّ عَن عَمْرو بن أبان عَن جَابر أَنه كَانَ يحدث أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ أرى اللَّيْلَة رجل صَالح أَن أَبَا بكر نيط يَعْنِي علق برَسُول الله ﷺ ونيط عمر بِأبي بكر ونيط عُثْمَان بعمر قَالَ فَلَمَّا قمنا من عِنْد رَسُول الله ﷺ قُلْنَا أما الرجل الصَّالح فَرَسُول الله ﷺ وَأما نوط بَعضهم بِبَعْض فهم وُلَاة هَذَا الْأَمر الَّذِي بعث الله بِهِ نبيه
وَأخرج من حَدِيث حَمَّاد بن سلْعَة عَن الْأَشْعَث بن عبد الرَّحْمَن عَن أَبِيه عَن سَمُرَة أَن رجلا قَالَ يَا رَسُول الله رَأَيْت كَأَن دلوا دُلي من السَّمَاء فجَاء أَبُو بكر فَأخذ بعراقيها فَشرب شربا ضَعِيفا ثمَّ جَاءَ عمر فَأخذ بعراقيها حَتَّى تضلع ثمَّ
стр. 41
جَاءَ عُثْمَان فَأخذ بعراقيها فَشرب حَتَّى تضلع ثمَّ جَاءَ عَليّ فَأخذ بعراقيها فانتشطت فانتضح عَلَيْهِ مِنْهُ شَيْء
وَعَن سعيد بن جمْهَان عَن سفينة قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ خلَافَة النُّبُوَّة ثَلَاثُونَ سنة ثمَّ يُؤْتِي الله ملكه من يَشَاء أَو الْملك قلت لسفينة إِن هَؤُلَاءِ يَعْنِي بني مَرْوَان يَزْعمُونَ أَن عليا لم يكن بخليفة
فَقَالَ كذبت أسقاه بني الزَّرْقَاء
فَلَا ريب أَن قَول هَؤُلَاءِ من أهل السّنة أوجه من قَول من يَقُول إِن خلَافَة عَليّ أَو الْعَبَّاس ثبتَتْ بِالنَّصِّ فَإِن هَؤُلَاءِ لَيْسَ مَعَهم حجَّة إِلَّا مُجَرّد الْكَذِب الْمَعْلُوم بِالضَّرُورَةِ أَنه بَاطِل علم ذَلِك من عرف أَحْوَال الْإِسْلَام وَأَيَّام الرَّسُول ﷺ
أَو مَعَهم إستدلال بِأَلْفَاظ لَا تدل كَحَدِيث إستنابة عَليّ على الْمَدِينَة نوبَة تَبُوك
وَالتَّحْقِيق أَن النَّبِي ﷺ لم يسْتَخْلف وَإِنَّمَا دلّ الْمُسلمين وأرشدهم إِلَى أبي بكر بعدة أُمُور وَرَضي بِهِ وعزم أَن يكْتب لَهُ بالخلافة عهدا ثمَّ علم أَن الْمُسلمين يَجْتَمعُونَ عَلَيْهِ
فَلَو كَانَ الْيَقِين مِمَّا يشْتَبه على الْأمة لبينه بَيَانا قَاطعا للْعُذْر كَمَا قَالَ يأبي الله والمؤمنون إِلَّا أَبَا بكر
على أَن إتفاق الْأمة مَعَ رضَا رَسُول الله ﷺ أبلغ من الْعَهْد
وَأما قَوْلك يَقُولُونَ إِن الإِمَام بعده أَبُو بكر بمبايعة عمر برضى أَرْبَعَة قُلْنَا بل بمبايعة الْكل ورضاهم على رغم أَنْفك
وَلَا يرد علينا شذوذ سعد وَحده فَهَذِهِ بيعَة عَليّ
стр. 42
إمتنع مِنْهَا خلق من الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ مِمَّن لَا يحصيهم إِلَّا الله تَعَالَى أفذلك قَادِح فِي إِمَامَته وَمذهب أهل السّنة أَن الْإِمَامَة تَنْعَقِد عِنْدهم بموافقة أهل الشَّوْكَة الَّذين يحصل بهم مَقْصُود الْإِمَامَة وَهُوَ الْقُدْرَة والتمكين
وَلِهَذَا يَقُولُونَ من صَار لَهُ قدرَة وسلطان يفعل بِهِ مَقْصُود الْولَايَة فَهُوَ من أولى الْأَمر الْمَأْمُور بطاعتهم مَا لم يأمروا بِمَعْصِيَة الله
فالإمامة ملك وسلطان برة كَانَت أَو فاجرة وَالْملك لَا يصير ملكا بموافقة ثَلَاثَة وَلَا أَرْبَعَة وَلِهَذَا لما بُويِعَ عَليّ وَصَارَ مَعَه شَوْكَة صَار إِمَامًا
قَالَ أَحْمد بن حَنْبَل فِي رِسَالَة عَبدُوس الْعَطَّار وَمن ولي الْخلَافَة فأجمع عَلَيْهِ النَّاس وَرَضوا بِهِ وَمن غلبهم بِالسَّيْفِ حَتَّى صَار خَليفَة وَسمي أَمِير الْمُؤمنِينَ
فَدفع الصَّدقَات إِلَيْهِ جَائِز برا كَانَ أَو فَاجِرًا
وَقَالَ أَحْمد وَقد سُئِلَ عَن قَول النَّبِي ﷺ من مَاتَ وَلَيْسَ عَلَيْهِ إِمَام مَاتَ ميتَة جَاهِلِيَّة تَدْرِي مَا الإِمَام هُوَ الَّذِي يجمع عَلَيْهِ الْمُسلمُونَ كلهم
فالصديق مُسْتَحقّ الْإِمَامَة لإجماعهم عَلَيْهِ وإمامته مِمَّا رَضِي الله بهَا وَرَسُوله ثمَّ أَنه صَار إِمَامًا بمبايعة أهل الْقُدْرَة
وَكَذَلِكَ عمر صَار إِمَامًا لما بَايعُوهُ وأطاعوه
وَلَو قدر أَنهم لم ينفذوا عهد أبي بكر فِي عمر لم يصر إِمَامًا سَوَاء كَانَ ذَلِك جَائِزا أَو غير جَائِز فالحل وَالْحُرْمَة مُتَعَلق بالأفعال وَأما نفس الْولَايَة والسلطنة فعبارة عَن الْقُدْرَة الْحَاصِلَة فقد تحصل على وَجه يُحِبهُ الله وَرَسُوله كسلطان الْخُلَفَاء الرَّاشِدين وَقد تحصل على غير ذَلِك كسلطان الظَّالِمين
وَلَو قدر أَن أَبَا بكر بَايعه عمر وَطَائِفَة وَامْتنع سَائِر الصَّحَابَة من بيعَته لم يصر إِمَامًا بذلك وَإِنَّمَا صَار إِمَامًا بمبايعة جُمْهُور النَّاس وَلِهَذَا لم يضر تخلف سعد لِأَنَّهُ لم يقْدَح فِي مَقْصُود الْولَايَة
وَأما كَون عمر بَادر إِلَى بيعَته فَلَا بُد فِي كل بيعَة من سَابق وَلَو قدر أَن آحَاد النَّاس كَانَ كَارِهًا لِلْبيعَةِ لم يقْدَح ذَلِك فِيهَا إِذْ الإستحقاق لَهَا ثَابت بالأدلة الشَّرْعِيَّة
وَأما عَهده إِلَى عمر فتم بمبايعة الْمُسلمين لَهُ بعد موت أبي بكر فَصَارَ إِمَامًا
وقولك ثمَّ عُثْمَان فاختاره بَعضهم
قُلْنَا بل إجتمعوا على بيعَته وَمَا تخلف عَنْهَا أحد
قَالَ أَحْمد بن حَنْبَل فِي رِوَايَة حمدَان بن عَليّ مَا كَانَ فِي الْقَوْم أوكد بيعَة من عُثْمَان كَانَت بإجماعهم
وَصدق أَحْمد فَلَو قدر أَن عبد الرَّحْمَن بَايعه وَلم يبايعه عَليّ
стр. 43
وَطَلْحَة وَالزُّبَيْر وَأهل الشَّوْكَة لم يصر إِمَامًا وَقد جعل عمر الْأَمر شُورَى بَين سِتَّة ثمَّ إِنَّه خرج مِنْهُم ثَلَاثَة بإختيارهم طَلْحَة وَالزُّبَيْر وَسعد وَبَقِي عُثْمَان وَعلي وَعبد الرَّحْمَن بن عَوْف فاتفق هَؤُلَاءِ بإختيار مِنْهُم على أَن عبد الرَّحْمَن لَا يتَوَلَّى ويولي أحد الرجلَيْن فَأَقَامَ عبد الرَّحْمَن ثَلَاث يحلف إِنَّه لم يغتمض فِيهَا بنوم يشاور السَّابِقين الْأَوَّلين وَالْأَنْصَار فيشيرون عَلَيْهِ بعثمان ثمَّ بَايعُوهُ لَا عَن رَغْبَة أَعْطَاهُم إِيَّاهَا وَلَا عَن رهبة أَخَافهُم بهَا
وقولك ثمَّ عَليّ بمايعة الْخلق لَهُ فتخصيص بِلَا مُخَصص
فَكَذَلِك جرى للثَّلَاثَة قبله وَأعظم وأبلغ فَإِن عليا بُويِعَ عقيب قتل عُثْمَان والقلوب مضطربة مُخْتَلفَة وأحضر طَلْحَة إحضارا حَتَّى قيل إِنَّهُم جَاءُوا بِهِ مكْرها واضطهدوه لِلْبيعَةِ وَأهل الْفِتْنَة لَهُم بِالْمَدِينَةِ شَوْكَة ومنعة وَكثير من الصَّحَابَة لم يُبَايع كإبن عمر وَغَيره فَكيف تَقول فِي عَليّ بمبايعة الْخلق لَهُ وَلَا تَقول مثل ذَلِك فِيمَن قبله ثمَّ إِن عليا اضْطربَ عَلَيْهِ الَّذين بَايعُوهُ ونابذه طَائِفَة مِنْهُم وَامْتنع أهل الشَّام وَغَيرهَا من بيعَته حَتَّى ينصف من قتلة عُثْمَان حَتَّى قَالَت طَائِفَة بِصِحَّة إِمَامَة عَليّ وَمُعَاوِيَة مَعًا وَقَالَت طَائِفَة لم يكن للنَّاس إِذْ ذَاك إِمَام عَام بل كَانَ زمَان فتْنَة وَهُوَ قَول طَائِفَة من أهل الحَدِيث الْبَصرِيين وَقَالَت طَائِفَة ثَالِثَة بل عَليّ هُوَ الإِمَام وَهُوَ مُصِيب فِي قتال من قَاتله كطلحة وَالزُّبَيْر وهم مصيبون بِنَاء على أَن كل مُجْتَهد مُصِيب كَقَوْل أبي الْهُذيْل والجبائي وَابْنه وَابْن الباقلاني وَأحد قولي الْأَشْعَرِيّ وَهَؤُلَاء يجْعَلُونَ مُعَاوِيَة مُجْتَهدا مصيبا أَيْضا
وَطَائِفَة رَابِعَة تجْعَل عليا إِمَامًا وَأَنه الْمُصِيب
стр. 44
وَأَن من قَاتله مُجْتَهد مخطيء وَهَذَا قَول خلق من الْحَنَفِيَّة والمالكية وَالشَّافِعِيَّة والحنبلية
وَطَائِفَة خَامِسَة تَقول عَليّ الْخَلِيفَة وَهُوَ أقرب إِلَى الْحق من مُعَاوِيَة وَكَانَ ترك الْقِتَال مِنْهُمَا أولى لقَوْل النَّبِي ﷺ سَتَكُون فتْنَة الْقَاعِد فِيهَا خير من الْقَائِم وَلقَوْله فِي الْحسن إِن ابْني هَذَا سيد وسيصلح الله بِهِ بَين طائفتين عظيمتين من الْمُسلمين فَأثْنى عَلَيْهِ بالإصلاح فَلَو كَانَ الْقِتَال وَاجِبا أَو مُسْتَحبا لما مدح تَاركه
قَالُوا وقتال أهل الْبَغي لم يَأْمر الله بِهِ إبتداء وَلم يَأْمر بِقِتَال كل بَاغ قَالَ تَعَالَى (وَإِن طائفتين من الْمُؤمنِينَ اقْتَتَلُوا فأصلحوا بَينهمَا فَإِن بَغت إِحْدَاهمَا على الْأُخْرَى فَقَاتلُوا) فَأمر أَولا بالإصلاح فَإِن بَغت إِحْدَاهمَا قوتلت حَتَّى ترجع إِلَى أَمر الله وَلِهَذَا لم يَصح للطائفتين بِالْقِتَالِ مصلحَة وَمَا أَمر الله بِهِ لَا بُد أَن تكون مصْلحَته راجحة على الْمفْسدَة وَلِهَذَا قَالَ ابْن سِيرِين قَالَ حُذَيْفَة مَا أحد تُدْرِكهُ الْفِتْنَة إِلَّا وَأَنا أخافها عَلَيْهِ إِلَّا مُحَمَّد بن مسلمة فَإِنِّي سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول لَا تضره الْفِتْنَة وَقَالَ شُعْبَة عَن أَشْعَث بن سليم عَن أبي بردة عَن ثَعْلَبَة بن ضبيعة قَالَ دخلت على حُذَيْفَة فَقَالَ إِنِّي لأعرف رجلا لَا تضره الْفِتْنَة شَيْئا
فخرجنا فَإِذا قَالَ فسطاط مَضْرُوب فِيهِ مُحَمَّد بن مسلمة فَسَأَلْنَاهُ عَن ذَلِك فَقَالَ مَا أُرِيد أَن يشْتَمل عَليّ شَيْء من أمصارهم حَتَّى تنجلي عَمَّا انجلت
فإبن مسلمة اعتزل الْقِتَال جملَة فَمَا ضرته الْفِتْنَة كَمَا أخبر النَّبِي ﷺ وَلذَلِك اعتزل الْفَرِيقَيْنِ سعد بن أبي وَقاص وَأُسَامَة بن زيد وَابْن عمر وَأَبُو بكرَة وَعمْرَان بن حُصَيْن وَأكْثر من بَقِي من السَّابِقين وَهَذَا يدل على أَنه لَيْسَ هُنَاكَ قتال وَاجِب وَلَا مُسْتَحبّ وَهَذَا قَول جُمْهُور أهل السّنة والْحَدِيث وَمَالك وسُفْيَان الثَّوْريّ وَأحمد وَغَيرهم
ووراء هَذِه المقالات مقَالَة الْخَوَارِج الَّتِي تكفر عُثْمَان وعليا وذويهما ومقال الروافض الَّتِي تكفر جُمْهُور السَّابِقين الْأَوَّلين أَو تفسقهم ويكفرون كل من قَاتل عليا
ومقالة النواصب والأموية الَّتِي تفسق عليا وَذَوِيهِ وَيَقُولُونَ هُوَ ظَالِم مُعْتَد
وَطَائِفَة
стр. 45
من الْمُعْتَزلَة تفسق إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ من أهل وقْعَة الْجمل لَا بِعَينهَا
فَكيف تكون مبايعة الْخلق لَهُ أعظم من مُبَايَعَتهمْ لمن قبله
ثمَّ أَنْت تزْعم أَن إِمَامَته منعقدة بِالنَّصِّ والآن تَقول إنعقدت بمبايعة الْخلق لَهُ
وقولك ثمَّ اخْتلفُوا فَقَالَ بَعضهم إِن الإِمَام بعده الْحسن وَبَعْضهمْ قَالَ مُعَاوِيَة فَيُقَال أهل السّنة لم يتنازعوا فِي هَذَا بل يعلمُونَ أَن الْحسن بَايعه أهل الْعرَاق مَكَان أَبِيه ثمَّ إِن الْحسن سلمهَا طَوْعًا إِلَى مُعَاوِيَة
وقولك ثمَّ ساقوا الْإِمَامَة فِي بني أُميَّة فَيُقَال مَا قَالَ أهل السّنة إِن الْوَاحِد من هَؤُلَاءِ كَانَ هُوَ الَّذِي تجب تَوليته وطاعته فِي كل مَا أَمر بِهِ بل كَذَا وَقع
فَيَقُولُونَ تولى هَؤُلَاءِ وَكَانَ لَهُم سُلْطَان وقدرة فانتظم لَهُم الْأَمر وَأَقَامُوا مَقَاصِد الْإِمَامَة من الْجِهَاد وَإِقَامَة الْحَج وَالْجمع والأعياد وَأمن السبل
وَلَكِن لَا طَاعَة لَهُم فِي مَعْصِيّة الله بل يعاونون على الْبر وَالتَّقوى وَلَا يعاونون على الْإِثْم والعدوان
وَمن الْمَعْلُوم أَن النَّاس
стр. 46
لَا يصلحون إِلَّا بولاة وَأَن الإِمَام الظلوم خير من عَدمه
ويروى عَن عَليّ ﵁ أَنه قَالَ لَا بُد للنَّاس من إِمَارَة برة كَانَت أَو فاجرة قيل الْبرة قد عرفناها فَمَا بَال الْفَاجِرَة قَالَ تأمن بهَا السبل وتقام بهَا الْحُدُود ويجاهد بهَا الْعَدو وَيقسم بهَا الْفَيْء ذكره عَليّ بن معبد فِي كتاب الطَّاعَة وَالْمَعْصِيَة
فَكل من تولى كَانَ أَنْفَع من معدومكم المنتظر الَّذِي انطوت مَعَه السنون والأعمار وَأَنْتُم فِي الْأَمَانِي الكاذبة والإنتظار
وآباؤه سوى عَليّ فَمَا كَانَ لَهُم سُلْطَان وَلَا تَمْكِين وَلَا مَنْعَة بل كَانُوا عاجزين عَن الْإِمَامَة لَا لَهُم حل وَلَا عقد ﵃ وَلَا حصل بهم مَقْصُود الْإِمَامَة
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَن ابْن عَبَّاس عَن النَّبِي ﷺ قَالَ من رأى من أميرة شَيْئا يكرههُ فليصبر عَلَيْهِ فَإِنَّهُ من خرج عَن السُّلْطَان شبْرًا فَمَاتَ إِلَّا مَاتَ ميتَة جَاهِلِيَّة
وَلمُسلم عَن أبي هُرَيْرَة عَن النَّبِي ﷺ من خرج من الطَّاعَة وَفَارق الْجَمَاعَة ثمَّ مَاتَ مَاتَ ميتَة جَاهِلِيَّة
وَمن قتل تَحت راية عمية يغْضب للعصبية وَيُقَاتل للعصبية فَلَيْسَ مني
وَفِي الصَّحِيح عَن ابْن عمر عَن النَّبِي ﷺ من خلع يدا من طَاعَة لَقِي الله يَوْم الْقِيَامَة وَلَا حجَّة لَهُ
وَمن مَاتَ وَلَيْسَ فِي عُنُقه بيعَة مَاتَ ميتَة جَاهِلِيَّة
وَقَالَ ﷺ لَا طَاعَة لأحد فِي مَعْصِيّة الله إِنَّمَا الطَّاعَة فِي الْمَعْرُوف
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَن ابْن عمر مَرْفُوعا على الْمُسلم السّمع وَالطَّاعَة فِيمَا أحب وَكره إِلَّا أَن يُؤمر بِمَعْصِيَة فَلَا سمع وَلَا طَاعَة
стр. 47
الْفَصْل الثَّانِي فِي الْمَذْهَب الْوَاجِب الإتباع
قَالَ الْفَصْل الثَّانِي إِن مَذْهَب الإمامية وَاجِب الإتباع لِأَنَّهُ أَحَق الْمذَاهب وَأصْدقهَا وَلِأَنَّهُم باينوا جَمِيع الْفرق فِي أصُول العقائد وَلِأَنَّهُم جازمون بالنجاة أخذُوا دينهم عَن المعصومين
وَغَيرهم اخْتلفُوا وتعددت آراؤهم وأهواؤهم فَمنهمْ من طلب الْأَمر لنَفسِهِ بِغَيْر حق وَتَابعه أَكثر النَّاس طلبا للدنيا كَمَا اخْتَار عمر بن سعد بن مَالك الَّذِي لما خير بَينه وَبَين قتال الْحُسَيْن مَعَ علمه بِأَن قتلته فِي النَّار فَإِنَّهُ قَالَ
(فوَاللَّه مَا أَدْرِي وَإِنِّي لصَادِق ... أفكر فِي أَمْرِي على خطرين)
(أأترك ملك الرّيّ والري منيتي ... أَو أصبح مأثوما بقتل حُسَيْن)
(وَفِي قَتله النَّار الَّتِي لَيْسَ دونهَا ... حجاب ولي فِي الرّيّ قُرَّة عين)
وَبَعْضهمْ إشتبه عَلَيْهِ الْأَمر وَرَأى طَالب الدُّنْيَا فقلده وَقصر فِي النّظر فخفي عَلَيْهِ الْحق فَاسْتحقَّ الْمُؤَاخَذَة من الله تَعَالَى
وَبَعْضهمْ قلد لقُصُور فطنته وَرَأى الجم الْفَقِير فبايعهم وتوهم أَن الْكَثْرَة تَسْتَلْزِم الصَّوَاب وغفل عَن قَوْله تَعَالَى ﴿وَقَلِيل مَا هم﴾ وَبَعْضهمْ طلب الْأَمر لنَفسِهِ بِحَق وَبَايَعَهُ الأقلون الَّذين أَعرضُوا عَن زِينَة الدُّنْيَا وَأَخْلصُوا وَاتبعُوا مَا أمروا بِهِ من طَاعَة من يسْتَحق التَّقْدِيم فَوَجَبَ النّظر فِي الْحق واعتماد الْإِنْصَاف وَأَن يقر الْحق بمستقره فقد قَالَ تَعَالَى ﴿أَلا لعنة الله على الظَّالِمين﴾
فَجعل المُصَنّف النَّاس بعد نَبِيّهم أَرْبَعَة أَصْنَاف فكذب فَإِنَّهُ لم يكن فِي الصَّحَابَة المعروفين أحد من هَذِه الْأَصْنَاف
أما طَالب الْأَمر بِغَيْر حق كَأبي بكر فِي زَعمه وَأما
стр. 48
طَالب الْأَمر بِحَق عَليّ فِي زَعمه فَهَذَا كذب عَلَيْهِمَا فَلَا عَليّ طلب الْأَمر لنَفسِهِ وَلَا أَبُو بكر
وَجعل الْقسمَيْنِ الآخرين إِمَّا مُقَلدًا للدنيا وَإِمَّا مُقَلدًا لقصوره فِي النّظر
فالإنسان يجب عَلَيْهِ أَن يعرف الْحق ويتبعه فَإِن الْيَهُود عرفُوا الْحق وَمَا تبعوه فهم مغضوب عَلَيْهِم وَأما النَّصَارَى فجهلوا الْحق وَضَلُّوا
وَهَذِه الْأمة خير الْأُمَم فَقَالَ تَعَالَى ﴿كُنْتُم خير أمة﴾ فَخَيرهَا الْقرن الأول الَّذِي يَلِيهِ بقوله ﷺ خير النَّاس قَرْني ثمَّ الَّذين يَلُونَهُمْ وَهَؤُلَاء الرافضة يَقُولُونَ فيهم مَا قد علمْتُم ويجعلونهم أقل النَّاس علما وأتبعهم للهوى فَلَزِمَ من قَوْلهم أَن الْأمة ضلت بعد نبيها فَإِذا كَانَ فِي هَذَا حكايتك لما جرى عقيب نبيك فَكيف سَائِر مَا تنقله وتحتج بِهِ
وقولك تعدّدت آراؤهم بِعَدَد أهوائهم فحاشاهم من ذَلِك
أَتَدْرِي من تَعْنِي يَا جويهل عنيت الَّذين قَالَ الله فيهم ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَولونَ من الْمُهَاجِرين وَالْأَنْصَار وَالَّذين اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَان رَضِي الله عَنْهُم وَرَضوا عَنهُ﴾ وَقَالَ ﴿مُحَمَّد رَسُول الله وَالَّذين مَعَه أشداء على الْكفَّار رحماء بَينهم﴾ وَالثنَاء على الْمُهَاجِرين وَالْأَنْصَار فِي غير آيَة وعَلى الَّذين يجيئون من بعدهمْ فَيَقُولُونَ ﴿رَبنَا اغْفِر لنا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذين سبقُونَا بِالْإِيمَان﴾ ويسألونه أَن لَا يَجْعَل فِي قُلُوبهم غلالهم
والرافضة لم يَسْتَغْفِرُوا لَهُم وَفِي قُلُوبهم الغل لَهُم
وروى الْحسن بن عمَارَة عَن الحكم عَن مقسم عَن ابْن عَبَّاس
стр. 49
قَالَ أَمر الله بالإستغفار لأَصْحَاب مُحَمَّد ﷺ وَهُوَ يعلم أَنهم يقتتلون
وَقَالَ عُرْوَة عَن عَائِشَة أمروا أَن يَسْتَغْفِرُوا لأَصْحَاب مُحَمَّد ﷺ فسبوهم
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ من حَدِيث أبي سعيد قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ لَا تسبوا أَصْحَابِي فَلَو أَن أحدكُم أنْفق مثل أحد ذَهَبا مَا بلغ مد أحدهم وَلَا نصيفه
وَفِي مُسلم عَن أبي هُرَيْرَة نَحوه مَرْفُوعا
وَفِي مُسلم عَن جَابر قَالَ قيل لعَائِشَة ﵂ إِن نَاسا يتناولون أَصْحَاب رَسُول الله ﷺ حَتَّى أَبَا بكر وَعمر فَقَالَت وَمَا تعْجبُونَ من هَذَا إنقطع عَنْهُم الْعَمَل فَأحب الله أَن لَا يقطع عَنْهُم الْأجر
وروى الثَّوْريّ عَن نسير بن ذعلوق سَمِعت ابْن عمر يَقُول لَا تسبوا أَصْحَاب مُحَمَّد فلمقام أحدهم سَاعَة يَعْنِي مَعَ رَسُول الله ﷺ خير من عمل أحدكُم أَرْبَعِينَ سنة وَقَالَ تَعَالَى ﴿لقد رَضِي الله عَن الْمُؤمنِينَ إِذْ يُبَايعُونَك تَحت الشَّجَرَة فَعلم مَا فِي قُلُوبهم فَأنْزل السكينَة عَلَيْهِم وأثابهم فتحا قَرِيبا﴾
أخبر سُبْحَانَهُ بِرِضَاهُ عَنْهُم وَبِأَنَّهُ علم مَا فِي قُلُوبهم وَكَانُوا ألفا وَأَرْبَعمِائَة فهم أَعْيَان من بَايع أَبَا بكر وَقَالَ ﷺ فِيمَا
стр. 50
ثَبت عَنهُ فِي صَحِيح مُسلم من حَدِيث جَابر بن عبد الله لَا يدْخل أحد مِمَّن بَايع تَحت الشَّجَرَة النَّار وَقَالَ تَعَالَى ﴿لقد تَابَ الله على النَّبِي والمهاجرين وَالْأَنْصَار الَّذين اتَّبعُوهُ فِي سَاعَة الْعسرَة﴾ يَعْنِي غَزْوَة تَبُوك وَقَالَ ﴿إِنَّمَا وَلِيكُم الله وَرَسُوله وَالَّذين آمنُوا﴾ وَقَالَ ﴿والمؤمنون وَالْمُؤْمِنَات بَعضهم أَوْلِيَاء بعض﴾ فَأمر بِمُوَالَاتِهِمْ والرافضة تَبرأ مِنْهُم
وَقد قَالَ بعض الجهلة إِن قَوْله تَعَالَى ﴿الَّذين يُقِيمُونَ الصَّلَاة وَيُؤْتونَ الزَّكَاة وهم رَاكِعُونَ﴾ نزلت فِي عَليّ ﵁ وَذكر فِي ذَلِك خيرا مَوْضُوعا وَأَنه تصدق بِخَاتمِهِ فِي الصَّلَاة فَنزلت
قيل لَا لِأَن الْآيَة صِيغَة جمع وَعلي وَاحِد
وَمن ذَلِك أَن الْوَاو لَيست فِي ﴿وهم رَاكِعُونَ﴾ وَاو الْحَال إِذْ لَو كَانَ كَذَلِك لتعين بالبدء إِعْطَاء الزَّكَاة فِي الصَّلَاة حَال الرُّكُوع
وَمِنْهَا أَن الْمَدْح إِنَّمَا يكون بِعَمَل وَاجِب أَو مُسْتَحبّ وإيتاء الزَّكَاة فِي نفس الصَّلَاة لَيْسَ كَذَلِك بالإتفاق وَإِن فِي الصَّلَاة شغلا
وَمِنْهَا أَن عليا لم يكن عَلَيْهِ زَكَاة زمن النَّبِي ﷺ وَلَا
стр. 51
كَانَ لَهُ خَاتم أَو كَانَ لَهُ فالخاتم زَكَاة مَاذَا لِأَن أَكثر الْفُقَهَاء لَا يجوزون إِخْرَاج الْخَاتم فِي الزَّكَاة
وَفِي حَدِيثهمْ أَنه أعطَاهُ سَائِلًا والمدح فِي الزَّكَاة أَن يُخرجهَا إبتداء وعَلى الْفَوْر
وَمِنْهَا أَن الْكَلَام فِي سِيَاق النَّهْي عَن مُوالَاة الْكفَّار وَالْأَمر بموالاة الْمُؤمنِينَ والرافضة يعادون الْمُؤمنِينَ ويوالون الْمُنَافِقين مُشْركي التتار كَمَا شاهدنا وَقَالَ الله تَعَالَى لنَبيه ﴿هُوَ الَّذِي أيدك بنصره وَبِالْمُؤْمِنِينَ وَألف بَين قُلُوبهم﴾ والرافضة تُرِيدُ أَن تفرق بَين قُلُوب خِيَار الْأمة بالأكاذيب
وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصّدقِ وَصدق بِهِ أُولَئِكَ هم المتقون﴾ إِلَى قَوْله ﴿ليكفر الله عَنْهُم أَسْوَأ الَّذِي عمِلُوا﴾ فَهَذَا الصِّنْف هم أشرف الْأمة وَقد وعدهم بِأَنَّهُ يكفر عَنْهُم أَسْوَأ أَعْمَالهم وَعلي فعندهم مَعْصُوم فَقولُوا لم يدْخل فِي الْآيَة وَقَالَ ﴿وعد الله الَّذين آمنُوا مِنْكُم وَعمِلُوا الصَّالِحَات ليَستَخْلِفنهم فِي الأَرْض﴾ الْآيَة فَوَعَدَهُمْ الإستخلاف وَأخْبر بِرِضَاهُ عَنْهُم وبأنهم متقون وَبِأَنَّهُ أنزل السكينَة عَلَيْهِم وَهَذِه النعوت منطبقة على الصَّحَابَة الَّذين بَايعُوا أَبَا بكر وَعمر وَعُثْمَان فَإِنَّهُ إِذْ ذَاك الزَّمَان حصل لَهُم الإستخلاف وتمكين الدّين والأمن بعد الْخَوْف إِلَى أَن قهروا فَارس وَالروم وافتتحوا الشَّام وَالْعراق ومصر وَالْمغْرب وخراسان وأذربيجان وَغير ذَلِك
فَلَمَّا قتل عُثْمَان وحصلت الْفِتْنَة لم يفتحوا شَيْئا بل طمع فيهم الرّوم وَغَيرهم وَحدثت الْبدع من الْخَوَارِج وَالرَّوَافِض والنواصب وأريقت الدِّمَاء فَأَيْنَ مَا بعد قَتله مِمَّا قبله فَإِن قيل فالمنافقون كَانُوا مُسلمين فِي الظَّاهِر قُلْنَا مَا كَانُوا متصفين بِخَير وَلَا كَانُوا مَعَ الرَّسُول ﷺ وَلَا كَانُوا مَعَ الْمُؤمنِينَ قَالَ الله فيهم ﴿وَلَئِن جَاءَ نصر من رَبك ليَقُولن إِنَّا كُنَّا مَعكُمْ أَو لَيْسَ الله بِأَعْلَم بِمَا فِي صُدُور الْعَالمين وليعلمن الله الَّذين آمنُوا وليعلمن الْمُنَافِقين﴾ وَقَالَ ﴿ويحلفون بِاللَّه إِنَّهُم لمنكم وَمَا هم مِنْكُم وَلَكنهُمْ قوم يفرقون﴾ وَقَالَ ﴿إِن الْمُنَافِقين فِي الدَّرك الْأَسْفَل من النَّار﴾ أخبر تَعَالَى أَن الْمُنَافِقين لَيْسُوا من الْمُؤمنِينَ وَلَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَلَا إِلَى هَؤُلَاءِ بل مذبذبين وَكَذَا ترى الرافضة
وَقَالَ ﴿لَئِن لم ينْتَه المُنَافِقُونَ وَالَّذين فِي قُلُوبهم مرض والمرجفون فِي الْمَدِينَة لنغرينك بهم ثمَّ لَا يجاورونك فِيهَا إِلَّا قَلِيلا ملعونين﴾
стр. 52
) فَلَمَّا لم يغره الله بهم وَلم يقتلهُمْ تقتيلا دلّ على أَنهم انْتَهوا وَمَا كَانَ مَعَه يَوْم الشَّجَرَة مِنْهُم إِلَّا الْجد بن قيس فَإِنَّهُ إختبأ خلف بعيره
فبالجملة كَانَ المُنَافِقُونَ مغمورين مقهورين مَعَ الصَّحَابَة وَلَا سِيمَا فِي آخر أَيَّام النَّبِي ﷺ وَبعد تَبُوك لِأَن الله تَعَالَى قَالَ فيهم ﴿يَقُولُونَ لَئِن رَجعْنَا إِلَى الْمَدِينَة ليخرجن الْأَعَز مِنْهَا الْأَذَل﴾ ثمَّ قَالَ الله ﴿وَللَّه الْعِزَّة وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمنِينَ وَلَكِن الْمُنَافِقين لَا يعلمُونَ﴾
فَتبين أَن الْعِزَّة للْمُؤْمِنين لَا لِلْمُنَافِقين فَعلم أَن الْعِزَّة وَالْقُوَّة كَانَت لأَصْحَاب مُحَمَّد ﷺ وَأَن الْمُنَافِقين كَانُوا أَذِلَّة بَينهم
قَالَ تَعَالَى ﴿يحلفُونَ بِاللَّه لكم ليرضوكم﴾ ﴿يحلفُونَ لكم لترضوا عَنْهُم﴾ وَقَالَ ﴿وَلَكنهُمْ قوم يفرقون﴾
هَذِه صِفَات الذَّلِيل المقهور وَأما السَّابِقُونَ الْأَولونَ من الْمُهَاجِرُونَ وَالْأَنْصَار فَمَا زَالُوا أعز النَّاس بعد نَبِيّهم وَقبل مَوته فَلَا يجوز أَن يكون الأعزاء من خَاصَّة أَصْحَاب مُحَمَّد ﷺ منافقين وَلَا أدلاء
بل هَذِه صفة الرافضة فشعارهم الذل ودثارهم النِّفَاق والتقية وَرَأس مَالهم الْكَذِب وَالْإِيمَان الْفَاجِرَة إِن لم يقعوا فِي الغلو والزندقة يَقُولُونَ بألسنتهم مَا لَيْسَ فِي قُلُوبهم ويكذبون على جَعْفَر الصَّادِق أَنه قَالَ التقية ديني وَدين آبَائِي وَقد نزه الله أهل الْبَيْت عَن ذَلِك وَلم يحوجهم إِلَيْهِ فَكَانُوا من أصدق النَّاس وأعظمهم إِيمَانًا فدينهم التَّقْوَى لَا التقية
فَأَما قَوْله تَعَالَى ﴿لَا يتَّخذ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافرين أَوْلِيَاء من دون الْمُؤمنِينَ وَمن يفعل ذَلِك فَلَيْسَ من الله فِي شَيْء إِلَّا أَن تتقوا مِنْهُم تقاة﴾ (فَهَذَا أَمر بالإتقاء من الْكفَّار لَا أَمر بِالْكَذِبِ والتقية وَالله قد أَبَاحَ لمن أكره على الْكفْر التَّكَلُّم بِهِ فَأهل الْبَيْت مَا أكرههم أحد على شَيْء حَتَّى إِن أَبَا بكر لم يكره أحدا مِنْهُم على بيعَته بل بَايعُوهُ لما أَرَادوا طَوْعًا مِنْهُم وَلَا كَانَ عَليّ وَلَا غَيره يذكرُونَ فضل الصَّحَابَة وَالثنَاء عَلَيْهِم خوفًا من أحد وَلَا أكرههم أحد بإتفاق النَّاس
وَقد كَانَ فِي زمن بني أُميَّة وَبني الْعَبَّاس خلق كثير دون عَليّ فِي الْإِيمَان وَالتَّقوى يكْرهُونَ من
стр. 53
الْخُلَفَاء أَشْيَاء فَلَا يمدحونهم وَلَا يثنون عَلَيْهِم وَلَا يحبونهم وَلَا كَانَ أُولَئِكَ يكرهونهم
ثمَّ إِن الْخُلَفَاء الرَّاشِدين كَانُوا أبعد عَن قهر النَّاس وعقوبتهم على طاعتهم من سَائِر الْخُلَفَاء ثمَّ هَؤُلَاءِ أسرى الْمُسلمين ملْء أَيدي النَّصَارَى وسائرهم يظهرون دينهم فَكيف يظنّ بعلي وبنيه أَنهم كَانُوا أَضْعَف دينا من الأسرى وَمن رعية مُلُوك الْجور وَقد علمنَا بالتواتر أَن عليا وبنيه مَا أكرههم أحد على ذكر فضل الْخُلَفَاء الثَّلَاثَة وَقد كَانُوا يَقُولُونَ ذَلِك وَيَتَرَحَّمُونَ عَلَيْهِم ويتكلمون بذلك مَعَ خاصتهم
فقولك فبعضهم طلب الْأَمر لنَفسِهِ بِغَيْر حق وَبَايَعَهُ أَكثر النَّاس للدنيا يُشِير إِلَى أبي بكر وَمن الْمَعْلُوم أَن أَبَا بكر لم يطْلب الْأَمر لنَفسِهِ بل قَالَ قد رضيت لكم إِمَّا عمر وَإِمَّا عبد الرَّحْمَن وَإِمَّا أَبَا عُبَيْدَة قَالَ عمر فوَاللَّه لِأَن أقدم فَتضْرب عنقِي أحب إِلَيّ من أَن أتأمر على قوم فيهم أَبُو بكر وَإِنَّمَا اخْتَارَهُ عمر وَأَبُو عُبَيْدَة وَسَائِر الْمُسلمين وَبَايَعُوهُ لعلمهم بِأَنَّهُ خَيرهمْ وَقد قَالَ النَّبِي ﷺ يَأْبَى الله والمؤمنون إِلَّا أَبَا بكر
ثمَّ هَب أَنه طلبَهَا وَبَايَعُوهُ فزعمك أَنه طلبَهَا وَبَايَعُوهُ للدنيا كذب ظَاهر فَإِنَّهُ مَا أَعْطَاهُم دنيا وَقد كَانَ أنْفق فِي حَيَاة الرَّسُول ﷺ وَقل مَا بِيَدِهِ وَالَّذين بَايعُوهُ فأزهد النَّاس فِي الدُّنْيَا قد علم القاصي والداني زهد عمر وَأبي عُبَيْدَة وَأسيد بن حضير وأمثالهم
ثمَّ لم يكن عِنْد موت النَّبِي ﷺ بَيت مَال يبذله لَهُم
ثمَّ كَانَت سيرته ومذهبه التَّسْوِيَة فِي قسم الْفَيْء
وَكَذَلِكَ سيرة عَليّ فَلَو بَايعُوا عليا أَعْطَاهُم كعطاء أبي بكر مَعَ كَون قبيلته أشرف من بني تيم وَله عشيرة وَبَنُو عَم هم أشرف الصَّحَابَة من حَيْثُ النّسَب كالعباس وَأبي سُفْيَان وَالزُّبَيْر وَعُثْمَان ابْني عمته وأمثالهم
وَقد كلم أَبُو سُفْيَان عليا فِي ذَلِك ومت بشرفه فَلم يجبهُ عَليّ لعلمه وَدينه
فَأَي رياسة وَأي فَائِدَة دنيوية حصلت لجمهور الْأمة بمبايعة أبي بكر لَا سِيمَا وَهُوَ يُسَوِّي بَين كبار السَّابِقين وَبَين آحَاد الْمُسلمين فِي الْعَطاء وَبقول إِنَّمَا أَسْلمُوا لله وأجورهم على الله وَإِنَّمَا هَذَا الْمَتَاع بَلَاغ
فَأهل السّنة مَعَ الرافضة كالمسلمين مَعَ النَّصَارَى فَإِن الْمُسلمين يُؤمنُونَ بنبوة عِيسَى وَلَا
стр. 54
يغلون فِيهِ وَلَا ينالون مِنْهُ نيل الْيَهُود وَالنَّصَارَى تغلو فِيهِ حَتَّى تَجْعَلهُ إِلَهًا وتفضله على نَبينَا بل تفضل الحواريين على الْمُرْسلين
فَكَذَا الروافض تفضل من قَاتل مَعَ عَليّ كالأشتر وَمُحَمّد بن أبي بكر على أبي بكر وَعمر والسابقين
فالمسلم إِذا نَاظر النَّصْرَانِي لَا يُمكنهُ أَن يَقُول يَقُول فِي عِيسَى إِلَّا الْحق بِخِلَاف النَّصْرَانِي
فدع الْيَهُودِيّ يناظره فَإِنَّهُ لَا يقدر أَن يُجيب الْيَهُودِيّ عَن شبهته إِلَّا بِمَا يُجيب بِهِ الْمُسلم وَيَنْقَطِع فَإِنَّهُ إِذا أَمر بِالْإِيمَان بِمُحَمد ثمَّ قدح فِي نبوته بِأَمْر لم يُمكنهُ أَن يَقُول شَيْئا إِلَّا قَالَ لَهُ الْيَهُودِيّ فِي الْمَسِيح مَا هُوَ أعظم من ذَلِك فَإِن الْبَينَات لمُحَمد أعظم من الْبَينَات لعيسى وَبعده عَن الشُّبْهَة أعظم من بعد عِيسَى عَن الشُّبْهَة
وَمن هَذَا أَمر السّني مَعَ الرافضي فِي أبي بكر وَعلي فَإِن الرافضي لَا يُمكنهُ أَن يثبت إِيمَان عَليّ وعدالته ودخوله الْجنَّة إِن لم يثبت ذَلِك لأبي بكر وَعمر وَإِلَّا فَمَتَى أثبت ذَلِك لعَلي وَحده خذلته الْأَدِلَّة كَمَا أَن النَّصْرَانِي إِذا أَرَادَ إِثْبَات نبوة الْمَسِيح دون مُحَمَّد ﵉ لم تساعده الْأَدِلَّة
فَإِذا قَالَت لَهُ الْخَوَارِج الَّذين يكفرون عليا والنواصب الَّذين يفسقونه إِنَّه كَانَ ظَالِما طَالبا للدنيا والخلافة وَقَاتل بِالسَّيْفِ عَلَيْهَا وَقتل فِي ذَلِك ألوفا مؤلفة من الْمُسلمين حَتَّى عجز عَن إنفراده بالخلافة وتفرق عَلَيْهِ أَصْحَابه وَكَفرُوا بِهِ وقاتلوه يَوْم النهروان
فَهَذَا الْكَلَام إِن كَانَ فَاسِدا ففساد كَلَام الرافضي فِي أبي بكر أعظم فَسَادًا فَإِن كَانَ كلامكم فِي أبي بكر وَعمر مُتَوَجها فَهَذَا مثله وَأولى
وَلما ذهب أَبُو بكر بن الباقلاني فِي السفارة بِالْقُسْطَنْطِينِيَّةِ عرفُوا قدره وخافوا أَن يمْتَنع من السُّجُود للْملك فأدخلوه من بَاب صَغِير ليدْخل محنيا فقطن لَهَا فَدخل مستدبرا بعجزه
وَلما أَرَادَ بَعضهم الْقدح فِي الْمُسلمين فَقَالَ مَا قيل فِي امْرَأَة نَبِيكُم يُرِيد شَأْن الْإِفْك فَقَالَ نعم ثِنْتَانِ رميتا بِالزِّنَا إفكا وكذبا مَرْيَم وَعَائِشَة فَأَما مَرْيَم فَجَاءَت بِولد وَهِي عذراء واما عَائِشَة فَلم تأت
стр. 55
بِولد مَعَ أَنه كَانَ لَهَا زوج
فبهت النَّصْرَانِي وَظهر أَن بَرَاءَة عَائِشَة أظهر من بَرَاءَة مَرْيَم
فَإِذا قلت يَا رَافِضِي إِن أَبَا بكر ومبايعيه طلبُوا الدُّنْيَا والرياسة مَعَ كَونه بُويِعَ بإختيارهم بِلَا سيف وَلَا عَصا واستوسق لَهُ الْأَمر فَلم يول أحدا من أَقَاربه وَلَا خلف لوَرثَته مَالا وَأنْفق مَالا كثيرا فِي سَبِيل الله وَأوصى إِلَى بَيت مَالهم مَا كَانَ لَهُم عِنْده وَهُوَ جرد قطيفة وَأمه وَبكر وَنَحْو ذَلِك حَتَّى قيل يَرْحَمك الله أَبَا بكر لقد أَتعبت الْأُمَرَاء بعْدك
وَمَا قتل مُسلم على إمارته بل قَاتل بِالْمُسْلِمين الْمُرْتَدين وَالْكفَّار فَلَمَّا احْتضرَ إستخلف على الْأمة الْقوي الْأمين العبقري عمر لَا لقرابة وَلَا لنسابة وَلَا لدُنْيَا بل اجْتهد للْمُسلمين فحمدت فراسته وشكر نظره بِالَّذِي إفتتح الْأَمْصَار وَنصب الدِّيوَان وملأ بَيت المَال وَعم النَّاس بِالْعَدْلِ مَعَ ملازمته لهدي صَاحبه وخشونة عيشه وَعدم تَوليته أَقَاربه ثمَّ ختم الله لَهُ بِالشَّهَادَةِ
فَإِن سَاغَ للرافضي أَن يَقُول كل ذَا طلب للرياسة وَالدُّنْيَا سَاغَ للناصبي نَظِير قَوْله فِي عَليّ إِنَّه كَانَ طَالبا للرياسة وَالدُّنْيَا فقاتل على الإمرة وَلم يُقَاتل الْكفَّار
стр. 56
وَلَا افْتتح مَدِينَة
فَإِن قلت كَانَ مرِيدا لوجه الله غير مداهن فِي أَمر الله مُجْتَهدا مصيبا وَغَيره كَانَ مخطئا قُلْنَا وَكَذَلِكَ من قبله كَانَ أبلغ وَأبْعد عَن شُبْهَة طلب الرياسة
وَأَيْنَ شُبْهَة أبي مُوسَى الَّذِي وَافق عمرا على عزل عَليّ وَمُعَاوِيَة ورد الْأَمر شُورَى من شُبْهَة عبد الله بن سبأ وَأَمْثَاله الَّذين يدعونَ عصمته أَو ألوهيته أَو نبوته
وكل هَذَا مِمَّا يبين عجز الرافضي عَن إِثْبَات إِيمَان عَليّ وعدالته مَعَ نفي ذَلِك عَمَّن قبله
فَإِن إحتج بِمَا تَوَاتر من إِسْلَامه وهجرته وجهاده فقد تَوَاتر مثل ذَلِك عَن أبي بكر
وَإِن قلت كَانُوا منافقين فِي الْبَاطِن معادين مفسدين للدّين بِحَسب إمكانهم أمكن الْخَارِجِي أَن يَقُول فِي عَليّ ذَلِك وَيَقُول كَانَ يحْسد ابْن عَمه والعداوة فِي الْأَهْل وَأَنه كَانَ يُرِيد فَسَاد دينه فَلَمَّا تمكن أراق الدِّمَاء وسلك التقية والنفاق وَلِهَذَا قَالَت الباطنية من أَتْبَاعه عَنهُ أَشْيَاء قد أَعَاذَهُ الله مِنْهَا كَمَا أعاذ الشَّيْخَيْنِ
ثمَّ مَا من آيَة يدعونَ أَنَّهَا مُخْتَصَّة بعلي إِلَّا أمكن إختصاصها بصاحبيه فباب الدَّعْوَى مَفْتُوح
وَإِن ادعوا ثُبُوت فَضله بالآثار فثبوت فضلهما أَكثر وَأَصَح وَهَذَا كمن أَرَادَ أَن يثبت فقه ابْن عَبَّاس دون عَليّ أَو فقه عمر دون بن مَسْعُود فَمَا لَهُ طَرِيق إِلَّا بالظلم وَالْجهل كدأب الرافضة
ثمَّ تمثيلك ذَلِك بِقصَّة عمر بن سعد لما خَيره عبيد الله بن زِيَاد بَين حَرْب الْحُسَيْن وَبَين عَزله من أقبح الْقيَاس فَإِن عمر بن سعد كَانَ طَالبا للرياسة مقدما على الْمحرم
стр. 57
مَعْرُوفا بذلك
أفيلزم من تمثيلك بِهِ أَن يكون السَّابِقُونَ بمثابته
وَهَذَا أَبوهُ سعد بن أبي وَقاص كَانَ من أزهد النَّاس فِي الْإِمَارَة وَالْولَايَة بعد مَا فتح الله على يَدَيْهِ الْأَمْصَار وَلما وَقعت الْفِتْنَة اعتزل النَّاس بالعقيق فِي قصره وجاءه ابْنه هَذَا فلامه وَقَالَ لَهُ النَّاس يتنازعون الْملك وَأَنت هُنَا فَقَالَ اذْهَبْ فَإِنِّي سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول إِن الله يحب العَبْد التقي الْخَفي الْغَنِيّ
هَذَا وَلم يكن قد بَقِي أحد من أهل الشورى غَيره وَغير عَليّ ﵄ وَهُوَ الَّذِي فتح الْعرَاق وأذل جنود كسْرَى وَهُوَ أخر الْعشْرَة موتا
فَإِذا لم يحسن أَن يشبه بِابْنِهِ عمر أيشبه بِهِ أَبُو بكر وَعمر وَعُثْمَان هَذَا وهم لَا يجْعَلُونَ مُحَمَّد بن أبي بكر بِمَنْزِلَة أَبِيه بل يفضلون مُحَمَّدًا ويعظمونه ويتولونه لكَونه آذَى عُثْمَان وَكَانَ من خَواص أَصْحَاب عَليّ لِأَنَّهُ كَانَ ربيبه ويسبون أَبَاهُ أَبَا بكر ويلعنونه
فَلَو أَن النواصب فعلوا بعمر بن سعد مثل ذَلِك فمدحوه على قتل الْحُسَيْن لكَونه كَانَ من شيعَة عُثْمَان وَمن المنتصرين لَهُ وَسبوا أَبَاهُ سَعْدا لكَونه تخلف عَن الْقِتَال مَعَ مُعَاوِيَة والإنتصار لعُثْمَان هَل كَانَت النواصب لَو فعلت ذَلِك
стр. 58
إِلَّا من جنس الرافضة بل الرافضة شَرّ مِنْهُم فَإِن أَبَا بكر أفضل من سعد وَعُثْمَان كَانَ أبعد عَن إستحقاق الْقَتْل من الْحُسَيْن كِلَاهُمَا مظلوم شَهِيد رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا
وَلِهَذَا كَانَ الْفساد الَّذِي حصل فِي الْأمة بقتل عُثْمَان أعظم من الْفساد الَّذِي حصل فِي الْأمة بقتل الْحُسَيْن
وَعُثْمَان من السَّابِقين الْأَوَّلين وَهُوَ خَليفَة مظلوم طلب مِنْهُ أَن يعْزل بِغَيْر حق فَلم يَنْعَزِل وَلم يُقَاتل عَن نَفسه حَتَّى قتل
وَالْحُسَيْن ﵁ لم يكن مُتَوَلِّيًا وَإِنَّمَا كَانَ طَالبا للولاية حَتَّى رأى أَنَّهَا متعذرة وَطلب مِنْهُ أَن يستأسر ليحمل إِلَى يزِيد مأسورا فَلم يجب إِلَى ذَلِك وَقَاتل حَتَّى قتل مَظْلُوما شَهِيدا
فظلم عُثْمَان كَانَ أعظم وَصَبره وحلمه كَانَ أكمل وَكِلَاهُمَا مظلوم شَهِيد
وَلَو مثل ممثل طلب عَليّ وَالْحُسَيْن الْأَمر بِطَلَب الإسماعيلية كالحاكم وَأَمْثَاله وَقَالَ إِن عليا وَالْحُسَيْن كَانَا ظالمين طَالِبين للرياسة بِغَيْر حق بِمَنْزِلَة الْحَاكِم وَأَمْثَاله من مُلُوك بني عبيد أما كَانَ يكون كَاذِبًا مفتريا فِي ذَلِك لصِحَّة إِيمَان عَليّ وَالْحُسَيْن ودينهما ولنفاق هَؤُلَاءِ وإلحادهم
وَكَذَلِكَ من شبه عليا وَالْحُسَيْن بِبَعْض من قَامَ من الطالبيين أَو غَيرهم بالحجاز أَو الشرق أَو الغرب يطْلب الْولَايَة بِغَيْر حق وَيظْلم النَّاس فِي أَمْوَالهم وأنفسهم أما كَانَ يكون ظَالِما كَاذِبًا فالمشبه لأبي بكر وَعمر بعمر بن سعد أولى بِالْكَذِبِ وَالظُّلم ثمَّ إِن عمر بن سعد على بعده من الْخَيْر إعترف بكبير ذَنبه وباء بمعصيته وَهُوَ خير من الْمُخْتَار الْكذَّاب الَّذِي إدعى أَن جِبْرِيل يَأْتِيهِ بِالْوَحْي وَأظْهر الإنتصار للحسين وتتبع قاتليه فَهَذَا الشيعي شَرّ من عمر بن سعد وَمن الْحجَّاج الناصبي لِأَن الشيعي كذب على الله
стр. 59
وَرَسُوله وَقد ثَبت فِي صَحِيح مُسلم عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ سَيكون فِي ثَقِيف كَذَّاب ومبير فَكَانَ الْكذَّاب هُوَ الْمُخْتَار بن أبي عبيد وَكَانَ المبير هُوَ الْحجَّاج بن يُوسُف الثَّقَفِيّ
وَمن الْمَعْلُوم أَن عمر بن سعد أَمِير السّريَّة الَّتِي قتلت الْحُسَيْن مَعَ ظلمه وتقديمه الدُّنْيَا على الدّين لم يصل فِي الْمعْصِيَة إِلَى فعل الْمُخْتَار بن أبي عبيد الَّذِي أظهر الإنتصار للحسين وَقتل قَاتله بل كَانَ هَذَا أكذب وَأعظم ذَنبا من عمر بن سعد فَهَذَا الشيعي شَرّ من ذَلِك الناصبي بل وَالْحجاج بن يُوسُف خير من الْمُخْتَار بن أبي عبيد فَإِن الْحجَّاج كَانَ مبيرا كَمَا سَمَّاهُ النَّبِي ﷺ يسفك الدِّمَاء بِغَيْر حق وَالْمُخْتَار كَانَ كذابا يَدعِي الْوَحْي وإتيان جِبْرِيل إِلَيْهِ وَهَذَا الذَّنب أعظم من قتل النُّفُوس فَإِن هَذَا كفر وَإِن كَانَ لم يتب مِنْهُ كَانَ مُرْتَدا والفتنة أعظم من الْقَتْل
وَهَذَا بَاب مطرد لَا تَجِد احدا مِمَّن تذمه الشِّيعَة بِحَق أَو بَاطِل إِلَّا وَفِيهِمْ من هُوَ شَرّ مِنْهُ وَلَا تَجِد أحدا مِمَّن تمدحه الشِّيعَة إِلَّا وفيمن تمدحه الْخَوَارِج من هُوَ خير مِنْهُ
فَإِن الروافض شَرّ من النواصب وَالَّذين تكفرهم أَو تفسقهم الروافض هم أفضل من الَّذين تكفرهم أَو تفسقهم النواصب
وَأما أهل السّنة فيتولون جَمِيع الْمُؤمنِينَ ويتكلمون بِعلم وَعدل لَيْسُوا من أهل الْجَهْل وَلَا من أهل الْأَهْوَاء
ويتبرأون من طَرِيقه الروافض والنواصب جَمِيعًا ويتولون السَّابِقين الْأَوَّلين كلهم ويعرفون قدر الصَّحَابَة وفضلهم ومناقبهم ويرعون حُقُوق أهل الْبَيْت الَّتِي شرعها الله لَهُم وَلَا يرضون بِمَا فعله الْمُخْتَار وَنَحْوه من الْكَذَّابين وَلَا مَا فعل الْحجَّاج وَنَحْوه من الظَّالِمين ويعلمون مَعَ هَذَا مَرَاتِب السَّابِقين الْأَوَّلين فيعلمون أَن لأبي بكر وَعمر من التَّقَدُّم والفضائل مَا لم يشاركهما فِيهِ أحد من الصَّحَابَة لَا عُثْمَان وَلَا عَليّ وَلَا غَيرهمَا
وَهَذَا كَانَ مُتَّفقا عَلَيْهِ فِي الصَّدْر الأول إِلَّا أَن يكون خلاف شَاذ لَا يعبأ بِهِ حَتَّى إِن الشِّيعَة الأولى أَصْحَاب عَليّ لم يَكُونُوا يرتابون فِي تَقْدِيم أبي بكر وَعمر عَلَيْهِ كَيفَ وَقد ثَبت عَنهُ من وُجُوه متواترة أَنه كَانَ يَقُول خير هَذِه الْأمة بعد نبيها أَبُو بكر وَعمر
وَلَكِن كَانَت طَائِفَة من شيعَة عَليّ تقدمه على عُثْمَان وَهَذِه مَسْأَلَة أخْفى من تِلْكَ
وَلِهَذَا كَانَ أَئِمَّة أهل السّنة متفقين على تَقْدِيم أبي بكر وَعمر كَمَا هُوَ مَذْهَب أبي حنيفَة وَالشَّافِعِيّ وَمَالك وَأحمد بن حَنْبَل
стр. 60
وَالثَّوْري وَالْأَوْزَاعِيّ وَاللَّيْث بن سعد وَسَائِر أَئِمَّة الْمُسلمين من أهل الْفِقْه والْحَدِيث والزهد وَالتَّفْسِير من الْمُتَقَدِّمين والمتأخرين
وَأما عُثْمَان وَعلي فَكَانَ طَائِفَة من أهل الْمَدِينَة يتوقفون فيهمَا وَهِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَن مَالك
وَكَانَ طَائِفَة من الْكُوفِيّين يقدمُونَ عليا وَهِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَن سُفْيَان الثَّوْريّ ثمَّ قيل إِنَّه رَجَعَ عَن ذَلِك لما اجْتمع بِهِ أَيُّوب السّخْتِيَانِيّ وَقَالَ من قدم عليا على عُثْمَان فقد أزرى بالمهاجرين وَالْأَنْصَار
وَسَائِر أَئِمَّة السّنة على تَقْدِيم عُثْمَان وَهُوَ مَذْهَب جَمَاهِير أهل الحَدِيث وَعَلِيهِ يدل النَّص وَالْإِجْمَاع والإعتبار
وَأما مَا يحْكى عَن بعض الْمُتَقَدِّمين من تَقْدِيم جَعْفَر أَو تَقْدِيم طَلْحَة أَو نَحْو ذَلِك فَذَلِك فِي أُمُور مَخْصُوصَة لَا تَقْدِيمًا عَاما وَكَذَلِكَ مَا ينْقل عَن بَعضهم فِي عَليّ
وَأما قَوْله وَبَعْضهمْ إشتبه الْأَمر عَلَيْهِ وَرَأى لطَالب الدُّنْيَا مبايعا فقلده وَبَايَعَهُ وَقصر فِي نظره فخفي عَلَيْهِ الْحق فَاسْتحقَّ الْمُؤَاخَذَة من الله تَعَالَى بِإِعْطَاء الْحق لغير مُسْتَحقّه قَالَ وَبَعْضهمْ قلد لقُصُور فطنته وَرَأى الجم الْغَفِير فتابعهم وتوهم أَن الْكَثْرَة تَسْتَلْزِم الصَّوَاب وغفل عَن قَوْله تَعَالَى ﴿وَقَلِيل مَا هم﴾ ﴿وَقَلِيل من عبَادي الشكُور﴾
فَيُقَال لهَذَا المفتري الَّذِي جعل الصَّحَابَة الَّذين بَايعُوا أَبَا بكر ثَلَاثَة أَصْنَاف أَكْثَرهم طلبُوا الدُّنْيَا وصنف قصروا فِي النّظر وصنف عجزوا عَنهُ لِأَن الشَّرّ إِمَّا أَن يكون لفساد الْقَصْد وَإِمَّا أَن يكون للْجَهْل وَالْجهل إِمَّا أَن يكون لتفريط فِي النّظر وَإِمَّا أَن يكون لعجز عَنهُ
وَذكر أَنه كَانَ فِي الصَّحَابَة وَغَيرهم من قصر فِي النّظر حِين بَايع أَبَا بكر وَلَو نظر لعرف الْحق وَهَذَا يُؤَاخذ على تفريطه بترك النّظر الْوَاجِب
وَفِيهِمْ من عجز عَن النّظر فقلد الجم الْغَفِير يُشِير بذلك إِلَى سَبَب مبايعة أبي بكر
فَيُقَال لَهُ هَذَا من الْكَذِب الَّذِي لَا يعجز عَنهُ أحد
والرافضة قوم بهت
فَلَو طلب من هَذَا المفتري دَلِيل على ذَلِك لم يكن لَهُ ذَلِك دَلِيل
وَالله تَعَالَى قد حرم القَوْل بِغَيْر علم فَكيف إِذا
стр. 61
كَانَ الْمَعْرُوف ضد مَا قَالَه فَلَو لم نَكُنْ نَحن عَالمين بأحوال الصَّحَابَة لم يجز أَن نشْهد عَلَيْهِم بِمَا لَا نعلم من فَسَاد الْقَصْد وَالْجهل بالمستحق قَالَ تَعَالَى ﴿وَلَا تقف مَا لَيْسَ لَك بِهِ علم إِن السّمع وَالْبَصَر والفؤاد كل أُولَئِكَ كَانَ عَنهُ مسؤولا﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿هَا أَنْتُم هَؤُلَاءِ حاججتم فِيمَا لكم بِهِ علم فَلم تحاجون فِيمَا لَيْسَ لكم بِهِ علم﴾ فَكيف إِذا كُنَّا نعلم أَنهم كَانُوا أكمل هَذِه الْأمة عقلا وعلما ودينا وَقد قَالَ ابْن مَسْعُود إِن الله نظر فِي قُلُوب الْعباد فَوجدَ قلب مُحَمَّد ﷺ خير قُلُوب الْعباد فاصطفاه لنَفسِهِ
ثمَّ نظر فِي قُلُوب الْعباد فَوجدَ قُلُوب أَصْحَابه خير قُلُوب الْعباد فجعلهم وزراء نبيه يُقَاتلُون على دينه فَمَا رَآهُ الْمُسلمُونَ حسنا فَهُوَ عِنْد الله حسن وَمَا رَآهُ الْمُسلمُونَ سَيِّئًا فَهُوَ عِنْد الله سيء وَقد رأى أَصْحَاب مُحَمَّد أَن يستخلفوا أَبَا بكر
وَعَن ابْن مَسْعُود قَالَ من كَانَ مِنْكُم مستنا فَليَسْتَنَّ بِمن قد مَاتَ فَإِن الْحَيّ لَا تؤمن عَلَيْهِ الْفِتْنَة أُولَئِكَ أَصْحَاب مُحَمَّد ﷺ كَانُوا وَالله أفضل هَذِه الْأمة وأبرها قلوبا وأعمقها علما وأقلها تكلفا
قوم إختارهم الله لصحبة نبيه وَإِقَامَة دينه فاعرفوا لَهُم فَضلهمْ واتبعوهم فِي آثَارهم وتمسكوا بِمَا اسْتَطَعْتُم من أَخْلَاقهم وَدينهمْ فَإِنَّهُم كَانُوا على الْهدى الْمُسْتَقيم رَوَاهُ ابْن بطة بِإِسْنَاد عَن قَتَادَة
وروى هُوَ وَغَيره عَن زر بن حُبَيْش
فَهَذَا بضد مَا إدعاه هَذَا الْجَاهِل عَلَيْهِم من طلب الدُّنْيَا وَالْجهل وَالْعجز والتفريط بل لَهُم كَمَا الْعلم وَحسن الْقَصْد وهم خير الْقُرُون وَلَكِن ياما فعل الْجَهْل والرفض بأَهْله فنحمد الله على الْعَافِيَة فَإِن الرَّفْض مأوى شَرّ الطوائف كالنصيرية والإسماعيلية والملاحدة الطرقية وَأهل الْجَبَل والبوادي والقرامطة مَا بَينهم وَبَين الْعلم مُعَاملَة
قَالَ ابْن الْقَاسِم
стр. 62
سُئِلَ مَالك عَن أبي بكر وَعمر فَقَالَ مَا رَأَيْت أحدا مِمَّن أهتدي بِهِ يشك فِي تقديمهما
ثمَّ قلت وَبَعْضهمْ تَعْنِي عليا طلب الْأَمر لنَفسِهِ بِحَق وَبَايَعَهُ الأقلون فَهَذَا بَاطِل بِلَا ريب اتّفقت السّنة والشيعة على أَن عليا لم يدع إِلَى مبايعته إِلَّا بعد مقتل عُثْمَان وَلَا بَايعه أحد إِلَّا ذَلِك الْوَقْت أَكثر مَا يُقَال كَانَ فيهم من يخْتَار مبايعته
قَالَ وَإِنَّمَا كَانَ مَذْهَبنَا وَاجِب الإتباع لِأَنَّهُ أَحَق الْمذَاهب وَأصْدقهَا وأخلصها عَن شوائب الْبَاطِل وَأَعْظَمهَا تَنْزِيها لله وَلِرَسُولِهِ وأوصيائه إعتقدنا أَن الله هُوَ الْمَخْصُوص بالقدم وَأَنه لَيْسَ بجسم وَلَا فِي مَكَان وَإِلَّا لَكَانَ مُحدثا إِلَى أَن قَالَ وَأَنه غير مرئي بالحواس وَلَا فِي جِهَة وَأَن أمره وَنَهْيه حَادث لإستحالة أَمر الْمَعْدُوم وَنَهْيه وَأَن الْأَئِمَّة معصومون كالأنبياء من الصَّغَائِر والكبائر أخذُوا الْأَحْكَام عَن جدهم رَسُول الله ﷺ وَلم يلتفتوا إِلَى الرَّأْي وَالْقِيَاس والإستحسان
فَيُقَال مَا ذكرته لَا تعلق لَهُ بِالْإِمَامَةِ بل نقُول فِي مَذْهَب الإمامية من يُنكر هَذَا فَإِن هَذَا طَرِيقه الْعقل وَتعين الإِمَام طَرِيقه السّمع
ثمَّ مَا فِي هَذَا من حق فَأهل السّنة يَقُولُونَ بِهِ وَمَا فِيهِ من بَاطِل فمردود وغالبه قَوَاعِد الْجَهْمِية والمعتزلة ومضمونه أَن الله لَيْسَ لَهُ علم وَلَا قدرَة وَلَا حَيَاة وَأَنه لَا يتَكَلَّم وَلَا يرضى وَلَا يسْخط وَلَا يحب وَلَا يبغض
وَأما أهل السّنة فيثبتون لله مَا أثْبته لنَفسِهِ من الصِّفَات وينفون عَنهُ مماثلة الْمَخْلُوقَات إِثْبَات بِلَا تَشْبِيه وتنزيه بِلَا تَعْطِيل ﴿لَيْسَ كمثله شَيْء﴾ ردا
стр. 63
على المشبهة ﴿وَهُوَ السَّمِيع الْبَصِير﴾ ردا على المعطلة
وَالله منزه عَن مُشَاركَة العَبْد فِي خَصَائِصه وَإِذا اتفقَا فِي مُسَمّى الْوُجُود وَالْعلم وَالْقُدْرَة فَهَذَا الْمُشْتَرك مُطلق كلي فِي الذِّهْن لَا وجود لَهُ فِي الْخَارِج وَالْمَوْجُود فِي الْأَعْيَان مُخْتَصّ لَا إشتراك فِيهِ
وَهنا زل خلق حَيْثُ توهموا أَن الإتفاق فِي مُسَمّى هَذِه الْأَشْيَاء يُوجب أَن يكون الْوُجُود الَّذِي للرب هُوَ الْوُجُود الَّذِي للْعَبد فظنت طَائِفَة أَن لفظ الْوُجُود يُقَال للإشتراك اللَّفْظِيّ وكابروا عُقُولهمْ
فَإِن هَذِه الْأَسْمَاء عَامَّة قَابِلَة للتقسيم كَمَا يُقَال الْوُجُود يَنْقَسِم إِلَى وَاجِب وممكن وقديم وحادث
وَاللَّفْظ الْمُشْتَرك كَلَفْظِ المُشْتَرِي الْوَاقِع على الْكَوْكَب وعَلى الْمُبْتَاع لَا يَنْقَسِم مَعْنَاهُ وَلَكِن يُقَال لفظ المُشْتَرِي يُقَال على كَذَا وعَلى كَذَا
وَطَائِفَة ظنت أَنَّهَا إِذا سمت هَذَا اللَّفْظ وَنَحْوه مشككا لكَون الْوُجُود بِالْوَاجِبِ أولى مِنْهُ بالممكن نجت من هَذِه الشُّبْهَة
وَلَيْسَ كَذَلِك فَإِن تفاضل الْمَعْنى الْمُشْتَرك الْكُلِّي لَا يمْنَع أَن يكون مُشْتَركا بَين إثنين
وَطَائِفَة ظنت أَن من قَالَ الْوُجُود متواطيء عَام فَإِنَّهُ يَقُول وجود الْخَالِق زَائِد على حَقِيقَته وَمن قَالَ حَقِيقَته هِيَ وجوده
قَالَ إِنَّه مُشْتَرك إشتراكا لفظيا
فَأصل خطأ النَّاس توهمهم أَن هَذِه الْأَسْمَاء الْعَامَّة يكون مسماها الْمُطلق الْكُلِّي هُوَ بِعَيْنِه ثَابتا فِي هَذَا الْمعِين وَهَذَا الْمعِين وَلَيْسَ كَذَلِك فَإِن مَالا يُوجد فِي الْخَارِج لَا يُوجد مُطلقًا كليا وَلَا يُوجد إِلَّا معينا مُخْتَصًّا وَهَذِه الْأَسْمَاء إِذا سمي الله تَعَالَى بهَا كَانَ مسماها مُخْتَصًّا بِهِ وَإِذا سمي بهَا العَبْد كَانَ مسماها مُخْتَصًّا بِهِ
فَإِذا قيل قد إشتركا فِي مُسَمّى الْوُجُود فَلَا بُد أَن يتَمَيَّز أَحدهمَا عَن الآخر بِمَا يَخُصُّهُ وَهُوَ الْمَاهِيّة والحقيقة
قيل إشتراكا فِي الْوُجُود الْمُطلق الذهْنِي لَا إشتراكا فِي مُسَمّى الْمَاهِيّة والحقيقة والذات وَالنَّفس
فالغلط نَشأ من جِهَة أَخذ الْوُجُود مُطلقًا وَأخذ الْحَقِيقَة مُخْتَصَّة
стр. 64
وكل وَاحِد مِنْهُمَا يُمكن أَخذه مُطلقًا ومختصا فالمطلق مسَاوٍ للمطلق والمختص مسَاوٍ للمختص فالوجود الْمُطلق مُطَابق للْحَقِيقَة الْمُطلقَة والوجود الْمُخْتَص مُطَابق لحقيقتة المختصة والمسمى بِهَذَا وَهَذَا وَاحِد وَإِن تعدّدت جِهَة التَّسْمِيَة كَمَا يُقَال هَذَا هُوَ ذَاك فالمشار إِلَيْهِ وَاحِد لَكِن بِوَجْهَيْنِ مُخْتَلفين
وَالْمَقْصُود أَن إِثْبَات الصِّفَات والأسماء لله لَا يسْتَلْزم أَن يكون الْخَالِق مماثلا لخلقه وَلَا مشتبها لَهُم فَهُوَ تَعَالَى مَوْصُوف بِصِفَات الْكَمَال اللَّازِمَة لذاته وَهِي قديمَة أزلية وَاجِبَة بقدم الْمَوْصُوف ووجوبه
وَهَذَا حق لَا مَحْذُور فِيهِ فإثبات الْأَسْمَاء دون الصِّفَات سفسطة فِي العقليات وقرمطة فِي السمعيات
قَالَ الْجُمْهُور هَذَا خطأ وبدعة أَعنِي هَذَا التَّقْسِيم فَالَّذِي عَلَيْهِ أهل الْحق من السّنة أَنه تَعَالَى لَا يُوصف بالجسمية أصلا بل وَلَا فِي فطْرَة الْعَرَب العرباء جَاهِلِيَّتهَا وإسلاميتها أَن الله جسم أبدا تَعَالَى الله عَن ذَلِك
وقولك لَيْسَ بجسم فالجسم فِيهِ إِجْمَال قد يُرَاد بِهِ الْمركب الَّذِي كَانَت أجزاؤه مفرقة فَجمعت أَو مَا يقبل التَّفْرِيق والإنفصال أَو الْمركب من مَادَّة وَصُورَة
وَالله منزه عَن ذَلِك كُله
وَقد يُرَاد بالجسم مَا يشار إِلَيْهِ أَو مَا يرى أَو مَا تقوم بِهِ الصِّفَات فَالله يشار إِلَيْهِ فِي الدُّعَاء وبالقلوب والعيون وَيرى فِي الْآخِرَة عيَانًا وَتقوم بِهِ الصِّفَات
فَإِن أردْت لَيْسَ بجسم هَذَا الْمَعْنى قيل لَك هَذَا الْمَعْنى الَّذِي قصدت نَفْيه بِهَذَا اللَّفْظ
стр. 65
معنى ثَابت بِصَحِيح الْمَنْقُول وصريح الْمَعْقُول وَأَنت لم تقم دَلِيلا على نَفْيه
وَأما اللَّفْظ فبدعة نفيا وإثباتا فَمَا فِي النُّصُوص وَلَا فِي قَول السّلف إِطْلَاق لفظ الْجِسْم على الله وَلَا نَفْيه وَكَذَلِكَ لفظ الْجَوْهَر والمتحيز
وَكَذَلِكَ قَوْلك لَا فِي مَكَان قد يُرَاد بِالْمَكَانِ مَا يحوي الشَّيْء ويحيط بِهِ وَيحْتَاج إِلَيْهِ وَقد يُرَاد بِهِ مَا فَوق الْعَالم وَإِن يكن أمرا مَوْجُودا فَالْأول الله منزه عَنهُ وَالثَّانِي فَنعم الله فَوق خلقه
وَإِذا لم يكن إِلَّا خَالق أَو مَخْلُوق فالخالق بَائِن من الْمَخْلُوق
فَهُوَ الظَّاهِر لَيْسَ فَوْقه شَيْء وَهُوَ فَوق سماواته فَوق عَرْشه بَائِن من خلقه كَمَا دلّ عَلَيْهِ الْكتاب وَالسّنة واتفقت عَلَيْهِ الْأَئِمَّة
وقولك وَإِلَّا لَكَانَ مُحدثا أَي لَو كَانَ جسما أَو فِي مَكَان لَكَانَ مُحدثا فَمَا الدَّلِيل على مَا إدعيت فكأنك إكتفيت بِالدَّلِيلِ الْمَشْهُور لسلفك الْمُعْتَزلَة من أَنه لَو كَانَ جسما لم يخل عَن الْحَرَكَة والسكون وَمَا لم يخل عَن الْحَوَادِث فحادث لإمتناع حوادث لَا أول لَهَا
وَيَقُولُونَ لَو قَامَ بِهِ علم وحياة وقدرة وَكَلَام لَكَانَ جسما
وَالْجَوَاب إِنَّه
стр. 66
عنْدك حَيّ عليم قدير وَمَعَ هَذَا فَلَيْسَ بجسم مَعَ أَنَّك لَا تعقل حَيا عَالما قَادِرًا إِلَّا جسما
فَإِن كَانَ قَوْلك حَقًا أمكن لَهُ حَيَاة وَعلم وقدرة وَأَن يكون مباينا للْعَالم عَالِيا عَلَيْهِ وَلَيْسَ بجسم فَإِن قلت لَا أَعقل مباينا عَالِيا إِلَّا جسما قيل لَك وَلَا يعقل حَيّ عليم قدير إِلَّا جسم
وَأَيْضًا فَإِنَّهُ لَيْسَ إِذا كَانَ هَذَا الْحَادِث لَيْسَ بدائم وَهَذَا لَيْسَ بدائم بَاقٍ يجب أَن يكون نوع الْحَوَادِث لَيْسَ دائمة بَاقِيَة
وَأَيْضًا فَإِن ذَلِك يسْتَلْزم حُدُوث الْحَوَادِث بِلَا سَبَب وَذَلِكَ مُمْتَنع فِي صَرِيح الْعقل
وَلَكِن على النَّاس أَن يُؤمنُوا بِاللَّه وَرَسُوله ويصدقوه ويطيعوه فَهَذَا أصل السَّعَادَة كلهَا قَالَ الله تَعَالَى ﴿كتاب أَنزَلْنَاهُ إِلَيْك لتخرج النَّاس من الظُّلُمَات إِلَى النُّور بِإِذن رَبهم إِلَى صِرَاط الْعَزِيز الحميد﴾ فَالله سُبْحَانَهُ بعث الرُّسُل بِمَا يَقْتَضِي الْكَمَال من إِثْبَات أَسْمَائِهِ وَصِفَاته المقدسة على وَجه التَّفْصِيل وَالنَّفْي على طَرِيق الْإِجْمَال للنقص والتمثيل
فالرب تَعَالَى مَوْصُوف بنعوت الْكَمَال الَّتِي لَا غَايَة فَوْقهَا منزه عَن النَّقْص بِكُل وَجه مُمْتَنع أَن يكون لَهُ مثل فِي شَيْء من صِفَات الْكَمَال
وَقد أخبر النَّبِي ﷺ أَن فِي الْجنَّة مَا لم يخْطر على قلب بشر فَإِذا كَانَ هَذَا فِي الْمَخْلُوق فَمَا الظَّن بالخالق
وَقَالَ ابْن عَبَّاس لَيْسَ فِي الدُّنْيَا مِمَّا فِي الْجنَّة إِلَّا الْأَسْمَاء
فَإِذا كَانَ هَذَانِ المخلوقان متفقين فِي الإسم مَعَ أَن بَينهمَا فِي الْحَقِيقَة تباينا لَا يعرف قدره فِي الدُّنْيَا فَمن الْمَعْلُوم أَن مَا يَتَّصِف بِهِ الرب من صِفَات الْكَمَال أعظم مباينة لما يَتَّصِف بِهِ العَبْد
إِلَى أَن قَالَ شَيخنَا فَمَا ثَبت عَن الرَّسُول وَجب الْإِيمَان بِهِ وَمَا لم يثبت عَنهُ فَلَا يجب الحكم فِيهِ بِنَفْي وَلَا إِثْبَات حَتَّى يعلم مُرَاد الْمُتَكَلّم وَتعلم صِحَة نَفْيه وإثباته
فَالْكَلَام فِي
стр. 67
الْأَلْفَاظ المجملة بِالنَّفْيِ وَالْإِثْبَات دون الإستفصال يُوقع فِي الْجَهْل والضلاك والقيل والقال
وَقد قيل أَكثر إختلاف الْعُقَلَاء من جِهَة الإشتراك فِي الْأَسْمَاء
ومثبتو الْجِسْم ونفاته موجودون فِي الشِّيعَة وَفِي السّنة
وَأول مَا ظهر إِطْلَاق لفظ الْجِسْم من مُتَكَلم الرافضة هِشَام بن الحكم كَذَلِك نقل ابْن حزم وَغَيره
قَالَ الْأَشْعَرِيّ فِي مقالات الإسلاميين إختلف الروافض فِي التجسيم وهم سِتّ فرق فَالْأولى الهشامية أَصْحَاب هِشَام بن الحكم يَزْعمُونَ أَن معبودهم جسم وَله نِهَايَة وحد طوله كعرضه وعمقه وَأَنه نور سَاطِع كالسبيكة يتلألأ كاللؤلؤة المدروة ذُو لون وَطعم وريح ومجسه
الْفرْقَة الثَّانِيَة زَعَمُوا أَنه لَيْسَ بِصُورَة وَلَا كالأجسام وَإِنَّمَا يذهبون فِي قَوْلهم إِنَّه جسم إِلَى أَنه مَوْجُود وينفون عَنهُ الْأَجْزَاء والأبعاض ويزعمون أَنه على الْعَرْش بِلَا مماسة وَلَا كَيفَ
الْفرْقَة الثَّالِثَة من الرافضة يَزْعمُونَ أَنه على صُورَة الْإِنْسَان وَيمْنَعُونَ أَن يكون جسما
الْفرْقَة الرَّابِعَة أَصْحَاب هِشَام بن سَالم الجواليقي يَزْعمُونَ أَنه على صُورَة الْإِنْسَان وَيُنْكِرُونَ أَن يكون لَحْمًا ودما وَيَقُولُونَ هُوَ نور يتلألأ وَأَنه ذُو حواس خمس وَله يَد وَرجل وأنف وفم وَعين وَسَائِر حواسه مُتَغَايِرَة
وَحكى أَبُو عِيسَى الْوراق أَن
стр. 68
هِشَام بن سَالم كَانَ يزْعم أَن لرَبه وفرة سَوْدَاء وَأَن ذَلِك نور أسود
الْفرْقَة الْخَامِسَة يَزْعمُونَ أَن لَهُ ضِيَاء خَالِصا ونورا كالمصباح من حَيْثُ مَا جِئْته يلقاك بِأَمْر وَاحِد وَلَيْسَ بِذِي صُورَة وَلَا إختلاف فِي الْأَجْزَاء
الْفرْقَة السَّادِسَة من الرافضة يَزْعمُونَ أَنه لَيْسَ بجسم وَلَا صُورَة وَلَا يَتَحَرَّك وَلَا يسكن وَلَا يماس وَقَالُوا فِي التَّوْحِيد بقول الْمُعْتَزلَة
قَالَ الْأَشْعَرِيّ وَهَؤُلَاء قوم من متأخريهم فَأَما أوائلهم فَإِنَّهُم كَانُوا يَقُولُونَ بِمَا حكيناه عَنْهُم من التَّشْبِيه وَلَقَد طول شَيخنَا هُنَا إِلَى الْغَايَة وَأَطْنَبَ وأسهب وَاحْتج بِمَسْأَلَة الْقدر والرؤية وَالْكَلَام إِلَى أَن قَالَ
وَأما قَوْله إِن الْأَنْبِيَاء عَلَيْهِم الصَّلَاة وَالسَّلَام معصومون من الْخَطَأ والسهو والصغائر من أول الْعُمر إِلَى آخِره فَيُقَال الإمامية متنازعون فِي هَذَا
قَالَ الْأَشْعَرِيّ فِي المقالات اخْتلف الروافض فِي الرَّسُول هَل يجوز أَن يَعْصِي ففرقة قَالَت يجوز ذَلِك وَأَن النَّبِي ﷺ عصى فِي أَخذ الْفِدَاء يَوْم بدر
قَالُوا وَالْأَئِمَّة لَا يجوز عَلَيْهِم ذَلِك فَإِن الرَّسُول إِذا عصى جَاءَهُ الْوَحْي وَرجع وَالْأَئِمَّة لَا يُوحى إِلَيْهِم فَلَا يجوز عَلَيْهِم سَهْو وَلَا غلط قَالَ بِهَذَا هِشَام بن الحكم فَنَقُول إتفق الْمُسلمُونَ على أَنهم معصومون فِيمَا يبغلونه فَلَا
стр. 69
يقرونَ على سَهْو فِيهِ وَبِهَذَا يحصل الْمَقْصُود من الْبعْثَة
أما وجوب كَونه قبل النُّبُوَّة لَا يُذنب وَلَا يخطيء فَلَيْسَ فِي النُّبُوَّة مَا يسْتَلْزم هَذَا فَمن إعتقد أَن كل من لم يكفر وَلم يقتل وَلم يُذنب أفضل من كل من آمن بعد كفره واهتدى بعد ضلاله وَتَابَ بعد ذنُوبه فَهُوَ مُخَالف لما علم بالإضطرار من الدّين
فَمن الْمَعْلُوم أَن السَّابِقين أفضل من أَوْلَادهم الَّذين ولدُوا فِي الْإِسْلَام وَهل يشبه أَبنَاء الْمُهَاجِرين وَالْأَنْصَار بآبائهم عَاقل وَأَيْنَ الْمُنْتَقل بِنَفسِهِ من الْكفْر إِلَى الْإِيمَان وَمن السَّيِّئَات إِلَى الْحَسَنَات بنظره وإستدلاله وَصَبره وتوبته ومفارقته عاداته ومعاداته لرفاقه إِلَى من وجد أَبَوَيْهِ وأقاربه وَأهل بَلَده على دين الْإِسْلَام وَنَشَأ فِي الْعَافِيَة قَالَ عمر بن الْخطاب ﵁ إِنَّمَا ينْقض عرى الْإِسْلَام من لم يعرف الْجَاهِلِيَّة
وَقد وعد الله من تَابَ من الموبقات وآمن وَعمل صَالحا بِأَن يُبدل سيئاتهم حَسَنَات
وَجُمْهُور الْأمة مِمَّن يَقُول بِجَوَاز الصَّغَائِر على الْأَنْبِيَاء ﵈ يَقُولُونَ هم معصومون من الْإِقْرَار عَلَيْهَا فَمَا يزدادون بِالتَّوْبَةِ إِلَّا كمالا
فالنصوص والْآثَار وَإِجْمَاع السّلف مَعَ الْجُمْهُور
والمنكرون لذَلِك يَقُولُونَ فِي تَحْرِيف الْقُرْآن مَا هُوَ من جنس قَول أهل الْبُهْتَان كَقَوْلِهِم فِي ﴿ليغفر لَك الله مَا تقدم من ذَنْبك﴾ أَي ذَنْب آدم ﴿وَمَا تَأَخّر﴾ ذَنْب أمتك فَأَما آدم فنبي كريم فوقعوا فِيمَا فروا مِنْهُ فنفوا الذَّنب عَن نَبينَا وألصقوه بِآدَم
ثمَّ إِن آدم تَابَ الله عَلَيْهِ قبل أَن يهْبط إِلَى الأَرْض وَقبل أَن يُولد نوح وَإِبْرَاهِيم وَالله يَقُول ﴿وَلَا تزر وَازِرَة وزر أُخْرَى﴾ فَكيف يُضَاف ذَنْب هَذَا إِلَى ذَنْب هَذَا ثمَّ إِن هَذِه الْآيَة لما نزلت قَالَ أَصْحَابه يَا رَسُول الله هَذَا لَك فَمَا لنا فَأنْزل الله ﴿هُوَ الَّذِي أنزل السكينَة فِي قُلُوب الْمُؤمنِينَ ليزدادوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانهم﴾ ثمَّ كَيفَ يَقُول من لَهُ مسكة عقل إِن الله غفر ذنُوب أمته جَمِيعهَا
وَقد علم أَن مِنْهُم
стр. 70
من يدْخل النَّار بذنوبه
فَأَيْنَ الْمَغْفِرَة
وَأما قَوْلك إِن هَذَا يَنْفِي الوثوق بهم وَيُوجب التنفير فَلَيْسَ بِصَحِيح بل إِذا أعترف الْكَبِير بِمَا هُوَ عَلَيْهِ من الْحَاجة إِلَى تَوْبَته
ومغفرة الله وَرَحمته
دلّ ذَلِك على صدقه وتواضعه وَبعده من الْكبر وَالْكذب
بِخِلَاف من يَقُول مَالِي حَاجَة إِلَى شَيْء من هَذَا فَمَا صدر مني مَا يحوجني إِلَى مغْفرَة وَلَا تَوْبَة
فَإِن مثل هَذَا إِذا عرف من رجل نسبه النَّاس إِلَى الْكبر وَالْجهل وَالْكذب
وَثَبت أَن النَّبِي ﷺ قَالَ لن يدْخل أحد مِنْكُم الْجنَّة بِعَمَلِهِ قَالُوا وَلَا أَنْت يَا رَسُول الله قَالَ وَلَا أَنا إِلَّا أَن يتغمدني الله برحمة مِنْهُ وَفضل
وَثَبت عَنهُ ﷺ أَنه قَالَ اللَّهُمَّ إغفر لي خطيئتي وجهلي وإسرافي فِي أَمْرِي وَمَا أَنْت أعلم بِهِ مني اللَّهُمَّ أَغفر لي هزلي وجدي
وخطأي وعمدي
وكل ذَلِك عِنْدِي مُتَّفق عَلَيْهِ
وَقَالَ ﷺ كل بنى آدم خطاء
وَخير الْخَطَّائِينَ التوابون
وَمَا ذكرته من عدم الوثوق والتنفير يحصل مَعَ الْإِصْرَار والإكثار
لَا مَعَ ندور الذُّنُوب المتبوعة بِكَثْرَة الإستغفار وَالتَّوْبَة
أما من إدعي الْبَرَاءَة والسلامة
فَمَا أحوجه إِلَى الرُّجُوع إِلَى الله وَالتَّوْبَة والإنابة
وَمَا علمنَا أَن بني إِسْرَائِيل وَلَا غَيرهم قَدَحُوا فِي نَبِي من الْأَنْبِيَاء بتوبته فِي أَمر من الْأُمُور
إِلَى أَن قَالَ فَأَما مَا تَقوله الرافضة من أَن النَّبِي قبل النُّبُوَّة وَبعدهَا لَا يَقع مِنْهُ خطأ وَلَا ذَنْب صَغِير
وَكَذَلِكَ الإثني عشر فَهَذَا مِمَّا انفردوا بِهِ عَن الْأمة كلهَا وَقد كَانَ دَاوُد ﵇ بعد التَّوْبَة خيرا مِنْهُ قبل الْخَطِيئَة
وَقَالَ بعض الْمَشَايِخ لَو لم تكن التَّوْبَة أحب الْأَشْيَاء إِلَيْهِ مَا ابتلى بالذنب أكْرم الْخلق عَلَيْهِ
وَلِهَذَا تَجِد التائب الصَّادِق أثبت على الطَّاعَة وَأَشد حذرا من الذُّنُوب من كثير مِمَّن لم يبتل بذنب فَمن جعل التائب الَّذِي إجتباه الله وهداه منقوصا فَهُوَ جَاهِل
стр. 71
وقولك وَالْأَئِمَّة معصومون كالأنبياء فَهَذِهِ خَاصَّة الرافضة الإمامية الَّتِي مَا شركهم فِيهَا أحد إِلَّا من هُوَ شَرّ مِنْهُم كالإسماعيلية الْقَائِلين بعصمة بني عبيد المنتسبين إِلَى مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل بن جَعْفَر قَالُوا بِأَن الْإِمَامَة بعد جَعْفَر فِي مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل دون مُوسَى بن جَعْفَر وهم ملاحدة زنادقة
وَأما قَوْلك لَا يجوز على الْأَنْبِيَاء سَهْو فَمَا علمت أحدا قَالَه
وَأما أَخذ المعصومين عَن جدهم فَيُقَال أَولا الْقَوْم إِنَّمَا تعلمُوا حَدِيث جدهم من الْعلمَاء وَهَذَا متواتر فعلي بن الْحُسَيْن يروي عَن أبان بن عُثْمَان عَن أُسَامَة بن زيد وَمُحَمّد ابْن عَليّ يروي عَن جَابر وَغَيره
وَثَانِيا فَمَا فيهم من أدْرك النَّبِي ﷺ إِلَّا عَليّ وولداه
وَهَذَا عَليّ يَقُول إِذا حدثتكم عَن رَسُول الله ﷺ فوَاللَّه لِأَن أخر من السَّمَاء إِلَى الأَرْض أحب إِلَيّ من أَن أكذب عَلَيْهِ
وَإِذا حدثتكم فِيمَا بيني وَبَيْنكُم فَإِن الْحَرْب خدعة وَلِهَذَا كَانَ يَقُول القَوْل وَيرجع عَنهُ
وَكتب الشِّيعَة مَمْلُوءَة بالروايات الْمُخْتَلفَة عَن الْأَئِمَّة
وقولك إِنَّكُم تتناقلون ذَلِك خلفا عَن سلف إِلَى أَن تتصل الرِّوَايَة بِأحد المعصومين فَإِن كَانَ مَا تَقول حَقًا فالنقل عَن الْمَعْصُوم الْوَاحِد كَاف فَأَي حَاجَة فِي كل زمَان إِلَى مَعْصُوم وَإِذا كَانَ النَّقْل كَافِيا مَوْجُودا فَأَي فَائِدَة فِي المنتظر الَّذِي لَا ينْقل عَنهُ كلمة وَإِن لم يكن النَّقْل كَافِيا فَأنْتم فِي نُقْصَان وَجَهل من أَرْبَعمِائَة وَسِتِّينَ سنة
ثمَّ الْكَذِب من الرافضة على هَؤُلَاءِ يتجاوزون بِهِ الْحَد لَا سِيمَا على جَعْفَر الصَّادِق حَتَّى كذبُوا عَلَيْهِ كتاب الجفر والبطاقة وَكتاب إختلاج الْأَعْضَاء وَأَحْكَام الرعود والبروق وَمَنَافع الْقُرْآن وَصَارَت هَذِه معايش للطرقية فَكيف يَثِق الْقلب بِنَقْل من كثر مِنْهُم الْكَذِب إِن لم يعلم صدق النَّاقِل وإتصال السَّنَد وَقد تعدى شرهم إِلَى غَيرهم من أهل الْكُوفَة وَأهل
стр. 72
الْعرَاق حَتَّى كَانَ أهل الْمَدِينَة يتوقون أَحَادِيثهم
وَكَانَ مَالك يَقُول نزلُوا أَحَادِيث أهل الْعرَاق منزلَة أَحَادِيث أهل الْكتاب لَا تُصَدِّقُوهُمْ وَلَا تكذبوهم
وَقَالَ لَهُ عبد الرَّحْمَن ابْن مهْدي يَا أَبَا عبد الله سمعنَا فِي بلدكم أَرْبَعمِائَة حَدِيث فِي أَرْبَعِينَ يَوْمًا وَنحن فِي يَوْم وَاحِد نسْمع هَذَا كُله
فَقَالَ لَهُ عبد الرَّحْمَن من أَيْن لنا دَار الضَّرْب الَّتِي عنْدكُمْ دَار الضَّرْب تضربون بِاللَّيْلِ وتنفقون بِالنَّهَارِ
وَمَعَ هَذَا إِنَّه كَانَ فِي الْكُوفَة وَغَيرهَا من الثِّقَات الأكابر كثير
وَمن كَثْرَة الْكَذِب الَّذِي كَانَ أَكْثَره فِي الشِّيعَة صَار الْأَمر يشْتَبه على من لَا يُمَيّز بَين هَذَا وَهَذَا بِمَنْزِلَة الرجل الْغَرِيب إِذا دخل إِلَى بلد نصف أَهله كذابون خوانون فَإِنَّهُ يحترس مِنْهُم حَتَّى يعرف الصدوق الثِّقَة وبمنزلة الدَّرَاهِم الَّتِي كثر فِيهَا الْغِشّ يحترس عَن الْمُعَامَلَة بهَا من لَا يكون نقادا
وَلِهَذَا كره لمن لَا يكون لَهُ نقد وتمييز النّظر فِي الْكتب الَّتِي يكثر فِيهَا الْكَذِب فِي الرِّوَايَة
والضلال فِي الآراء ككتب الْبدع
وَكره تلقي الْعلم من الْقصاص وأمثالهم الَّذين يكثر الْكَذِب فِي كَلَامهم وَإِن كَانُوا يَقُولُونَ صدقا كثيرا
فالرافضة أكذب من كل طَائِفَة بإتفاق أهل الْمعرفَة بأحوال الرِّجَال
وقولك فَلم يلتفتوا إِلَى القَوْل بِالرَّأْيِ والإجتهاد وحرموا الْقيَاس فالشيعة فِي ذَا كالسنة فيهم أهل رَأْي وَأهل قِيَاس وَفِي السّنة من لَا يرى ذَلِك
والمعتزلة البغداديون لَا يَقُولُونَ بِالْقِيَاسِ وَخلق من الْمُحدثين يذمون الْقيَاس
وَأَيْضًا فَالْقَوْل بِالرَّأْيِ وَالْقِيَاس خير من الْأَخْذ بِمَا يَنْقُلهُ من عرف بِالْكَذِبِ نقل غير مُصدق عَن قَائِل غير مَعْصُوم
وَلَا ريب أَن الإجتهاد فِي تَحْقِيق الْأَئِمَّة الْكِبَار لمناط الْأَحْكَام وتنقيحها وتخريجها خير من
стр. 73
التَّمَسُّك بِنَقْل الرافضة عَن العسكريين فَإِن مَالِكًا وَاللَّيْث وَالْأَوْزَاعِيّ وَالثَّوْري وَأَبا حنيفَة وَالشَّافِعِيّ وَأحمد وأمثالهم ﵃ أعلم من العسكريين بدين الله وَالْوَاجِب على مثل العسكريين أَن يتعلموا من الْوَاحِد من هَؤُلَاءِ
وَمن الْمَعْلُوم أَن عَليّ بن الْحُسَيْن وَأَبا جَعْفَر وجعفر بن مُحَمَّد كَانُوا هم الْعلمَاء الْفُضَلَاء وَأَن من بعدهمْ لم يعرف عَنهُ من الْعلم مَا عرف عَن هَؤُلَاءِ وَمَعَ هَذَا فَكَانُوا يتعلمون من عُلَمَاء زمانهم ويرجعون إِلَيْهِم
قَالَ أما بَاقِي الْمُسلمين فقد ذَهَبُوا كل مَذْهَب فَقَالَ بَعضهم وهم جمَاعَة من الأشاعرة إِن القدماء كَثِيرُونَ مَعَ الله وَهِي الْمعَانِي الَّتِي يثبتونها مَوْجُودَة فِي الْخَارِج كالقدرة وَالْعلم وَغير ذَلِك فجعلوه مفتقرا فِي كَونه عَالما إِلَى ثُبُوت معنى هُوَ الْعلم وَفِي كَونه قَادِرًا إِلَى ثُبُوت معنى هُوَ الْقُدْرَة وَغير ذَلِك
وَلم يَجْعَلُوهُ قَادِرًا لذاته وَلَا عَالما لذاته وَلَا حَيا لذاته بل لمعان قديمَة يفْتَقر فِي هَذِه الصِّفَات إِلَيْهَا
وَاعْترض شيخهم فَخر الدّين الرَّازِيّ عَلَيْهِم بِأَن قَالَ النَّصَارَى كفرُوا بِأَن قَالُوا القدماء ثَلَاثَة والأشاعرة أثبتوا قدماء تِسْعَة
فَيُقَال الْكَلَام على هَذَا من وُجُوه
أَحدهَا أَن هَذَا كذب على الأشعرية لَيْسَ فيهم من يَقُول إِن الله كَامِل بِغَيْرِهِ وَلَا قَالَ الرَّازِيّ مَا ذكرته بل ذكره الرَّازِيّ عَمَّن اعْترض بِهِ واستهجن الرَّازِيّ ذكره وَهُوَ إعتراض قديم من إعتراضات نفاة الصِّفَات الْجَهْمِية ذكره الإِمَام أَحْمد فِي الرَّد على الْجَهْمِية ثمَّ قَالَ لَا نقُول إِن الله لم يزل وَقدرته وَلم يزل ونوره
بل نقُول لم يزل الله بقدرته ونوره لَا مَتى قدر وَلَا كَيفَ قدر
فَقَالُوا لَا تَكُونُونَ مُوَحِّدين حَتَّى تَقولُوا كَانَ الله وَلَا شَيْء
فَقُلْنَا نَحن نقُول قد كَانَ الله وَلَا شَيْء وَلَكِن إِذا قُلْنَا إِن الله لم يزل بصفاته كلهَا أَلَيْسَ إِنَّمَا تصف إِلَهًا وَاحِدًا بِجَمِيعِ صِفَاته وضربنا لَهُم فِي ذَلِك مثلا فَقُلْنَا أخبرونا عَن هَذِه النَّخْلَة أَلَيْسَ لَهَا جذع وكرب
стр. 74
وليف وسعف وخوص وجمار وَاسْمهَا إسم وَاحِد وَسميت نَخْلَة بِجَمِيعِ صفاتها فَكَذَلِك الله وَله الْمثل الْأَعْلَى بِجَمِيعِ صِفَاته إِلَه وَاحِد لَا نقُول إِنَّه كَانَ فِي وَقت من الْأَوْقَات وَلَا يقدر حَتَّى خلق قدرَة وَلَا كَانَ وَلَا يعلم حَتَّى خلق لنَفسِهِ علما وَالَّذِي لَا يقدر وَلَا يعلم عَاجز جَاهِل وَلَكِن نقُول لم يزل الله عَالما قدارا مَالِكًا لَا مَتى وَلَا كَيفَ الثَّانِي أَن يُقَال هَذَا القَوْل الْمَذْكُور لَيْسَ قَول الأشعرية كلهم وَإِنَّمَا هُوَ قَول مثبتي الْحَال مِنْهُم الَّذين يَقُولُونَ إِن العالمية حَال معطلة بِالْعلمِ فيجعلون الْعلم يُوجب حَالا آخر لَيْسَ هُوَ الْعلم بل هُوَ كَونه عَالما وَهَذَا قَول الباقلاني وَالْقَاضِي أبي يعلى وَأول قولي أبي الْمَعَالِي
وَأما جُمْهُور مثبتة الصِّفَات فَيَقُولُونَ إِن الْعلم هُوَ كَونه عَالما وَيَقُولُونَ لَا يكون عَالما إِلَّا بِعلم وَلَا قَادِرًا إِلَّا بقدرة أَي يمْتَنع أَن يكون عَالما من لَا علم لَهُ أَو قَادِرًا من لَا قدرَة لَهُ أَو حَيا من لَا حَيَاة لَهُ فَإِن وجود اسْم الْفَاعِل بِدُونِ الْمصدر مُمْتَنع وَهَذَا كَمَا لَو قيل مصل بِلَا صَلَاة وصائم بِلَا صِيَام وناطق بِلَا نطق
فَإِذا قيل لَا يكون مصل إِلَّا بِصَلَاة لم يكن المُرَاد أَن هُنَا شَيْئَيْنِ أَحدهمَا الصَّلَاة وَالثَّانِي حَال مُعَلل بِالصَّلَاةِ بل الْمُصَلِّي لَا بُد أَن يكون لَهُ صَلَاة
وهم أَنْكَرُوا قَول نفاة الصِّفَات الَّذين يَقُولُونَ هُوَ حَيّ لَا حَيَاة لَهُ وعالم علم لَهُ وقادر لَا قدرَة لَهُ
فَمن قَالَ هُوَ حَيّ عليم قدير بِذَاتِهِ وَأَرَادَ بذلك أَن ذَاته مستلزمة لِحَيَاتِهِ وَعلمه وَقدرته لم يحْتَج فِي ذَلِك إِلَى غَيره
وَمن تدبر كَلَام هَؤُلَاءِ وجدهم مضطرين إِلَى إِثْبَات الصِّفَات وَأَنَّهُمْ لَا يُمكنهُم أَن يفرقُوا بَين قَوْلهم وَقَول المثبتة بفرق مُحَقّق لأَنهم أثبتوا كَونه تَعَالَى حَيا وَكَونه عَالما وَكَونه قَادِرًا وَلَا يجْعَلُونَ هَذَا هُوَ هَذَا وَلَا هَذَا هُوَ هَذَا وَلَا هَذِه الْأُمُور هَذِه الذَّات فقد أثبتوا مَعَاني زَائِدَة على الذَّات الْمُجَرَّدَة فقولك أثبتوا قدماء كَثِيرَة لفظ مُجمل يُوهم أَنهم أثبتوا آلِهَة غير الله فِي الْأَزَل وأثبتوا
стр. 75
مَعَ الله غَيره وَهَذَا بهتان عَلَيْهِم
وَإِنَّمَا أثبتوا صِفَات قَائِمَة بِهِ قديمَة بقدمه فَهَل يُنكر هَذَا إِلَّا مخذول مسفسط وَاسم الله يتَنَاوَل الذَّات المتصفة بِالصِّفَاتِ لَيْسَ هُوَ اسْما للذات الْمُجَرَّدَة
وقولك يجعلونه مفتقرا فِي كَونه عَالما إِلَى ثُبُوت معنى هُوَ الْعلم فَهَذَا يرد على مثبتة الْحَال وَأما الْجُمْهُور فعندهم كَونه عَالما هُوَ الْعلم
وَبِتَقْدِير أَن يُقَال كَونه عَالما مفتقر إِلَى الْعلم الَّذِي هُوَ لَازم لذاته لَيْسَ فِي هَذَا إِثْبَات فقر لَهُ إِلَى غير ذَاته فَإِن ذَاته مستلزمة للْعلم وَالْعلم مُسْتَلْزم لكَونه عَالما فذاته هِيَ الْمُوجبَة لهَذَا فالعلم كَمَال وَكَونه عَالما كَمَال فَإِذا أوجبت ذَاته هَذَا وَهَذَا كَانَ كَمَا لَو أوجبت الْحَيَاة وَالْقُدْرَة
وقولك لم يَجْعَلُوهُ عَالما لذاته قَادِرًا لذاته إِن أردْت أَنهم لم يَجْعَلُوهُ عَالما قَادِرًا لذات مُجَرّدَة عَن الْعلم وَالْقُدْرَة كَمَا يَقُول نفاة الصِّفَات إِنَّه ذَات مُجَرّدَة عَن الصِّفَات فَهَذَا حق لِأَن الذَّات الْمُجَرَّدَة عَن الْعلم وَالْقُدْرَة لَا حَقِيقَة لَهَا فِي الْخَارِج وَلَا هِيَ الله
وَإِن أردْت أَنهم لم يَجْعَلُوهُ عَالما قَادِرًا لذاته المستلزمة للْعلم وَالْقُدْرَة فَهَذَا غلط عَلَيْهِم بل نفس ذَاته الْمُوجبَة لعلمه وَقدرته هِيَ الَّتِي أوجبت كَونه عَالما قَادِرًا وأوجبت علمه وَقدرته فَإِن هَذِه الْأُمُور متلازمة
وقولك فجعلوه مُحْتَاجا نَاقِصا فِي ذَاته كَامِلا بِغَيْرِهِ كَلَام بَاطِل فَإِنَّهُ هُوَ الذَّات الموصوفة بِالصِّفَاتِ اللَّازِمَة لَهَا وَمَا فِي الْخَارِج ذَات مُجَرّدَة عَن صِفَات وَلَيْسَت صِفَات الله غير الله
وَقَول الْقَائِل إِن النَّصَارَى قد كفرُوا بِأَن قَالُوا القدماء ثَلَاثَة
والأشاعرة
следующие страницы →