Полный текст (545 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
وقولك وَالْأَئِمَّة معصومون كالأنبياء فَهَذِهِ خَاصَّة الرافضة الإمامية الَّتِي مَا شركهم فِيهَا أحد إِلَّا من هُوَ شَرّ مِنْهُم كالإسماعيلية الْقَائِلين بعصمة بني عبيد المنتسبين إِلَى مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل بن جَعْفَر قَالُوا بِأَن الْإِمَامَة بعد جَعْفَر فِي مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل دون مُوسَى بن جَعْفَر وهم ملاحدة زنادقة
وَأما قَوْلك لَا يجوز على الْأَنْبِيَاء سَهْو فَمَا علمت أحدا قَالَه
وَأما أَخذ المعصومين عَن جدهم فَيُقَال أَولا الْقَوْم إِنَّمَا تعلمُوا حَدِيث جدهم من الْعلمَاء وَهَذَا متواتر فعلي بن الْحُسَيْن يروي عَن أبان بن عُثْمَان عَن أُسَامَة بن زيد وَمُحَمّد ابْن عَليّ يروي عَن جَابر وَغَيره
وَثَانِيا فَمَا فيهم من أدْرك النَّبِي ﷺ إِلَّا عَليّ وولداه
وَهَذَا عَليّ يَقُول إِذا حدثتكم عَن رَسُول الله ﷺ فوَاللَّه لِأَن أخر من السَّمَاء إِلَى الأَرْض أحب إِلَيّ من أَن أكذب عَلَيْهِ
وَإِذا حدثتكم فِيمَا بيني وَبَيْنكُم فَإِن الْحَرْب خدعة وَلِهَذَا كَانَ يَقُول القَوْل وَيرجع عَنهُ
وَكتب الشِّيعَة مَمْلُوءَة بالروايات الْمُخْتَلفَة عَن الْأَئِمَّة
وقولك إِنَّكُم تتناقلون ذَلِك خلفا عَن سلف إِلَى أَن تتصل الرِّوَايَة بِأحد المعصومين فَإِن كَانَ مَا تَقول حَقًا فالنقل عَن الْمَعْصُوم الْوَاحِد كَاف فَأَي حَاجَة فِي كل زمَان إِلَى مَعْصُوم وَإِذا كَانَ النَّقْل كَافِيا مَوْجُودا فَأَي فَائِدَة فِي المنتظر الَّذِي لَا ينْقل عَنهُ كلمة وَإِن لم يكن النَّقْل كَافِيا فَأنْتم فِي نُقْصَان وَجَهل من أَرْبَعمِائَة وَسِتِّينَ سنة
ثمَّ الْكَذِب من الرافضة على هَؤُلَاءِ يتجاوزون بِهِ الْحَد لَا سِيمَا على جَعْفَر الصَّادِق حَتَّى كذبُوا عَلَيْهِ كتاب الجفر والبطاقة وَكتاب إختلاج الْأَعْضَاء وَأَحْكَام الرعود والبروق وَمَنَافع الْقُرْآن وَصَارَت هَذِه معايش للطرقية فَكيف يَثِق الْقلب بِنَقْل من كثر مِنْهُم الْكَذِب إِن لم يعلم صدق النَّاقِل وإتصال السَّنَد وَقد تعدى شرهم إِلَى غَيرهم من أهل الْكُوفَة وَأهل
стр. 72
الْعرَاق حَتَّى كَانَ أهل الْمَدِينَة يتوقون أَحَادِيثهم
وَكَانَ مَالك يَقُول نزلُوا أَحَادِيث أهل الْعرَاق منزلَة أَحَادِيث أهل الْكتاب لَا تُصَدِّقُوهُمْ وَلَا تكذبوهم
وَقَالَ لَهُ عبد الرَّحْمَن ابْن مهْدي يَا أَبَا عبد الله سمعنَا فِي بلدكم أَرْبَعمِائَة حَدِيث فِي أَرْبَعِينَ يَوْمًا وَنحن فِي يَوْم وَاحِد نسْمع هَذَا كُله
فَقَالَ لَهُ عبد الرَّحْمَن من أَيْن لنا دَار الضَّرْب الَّتِي عنْدكُمْ دَار الضَّرْب تضربون بِاللَّيْلِ وتنفقون بِالنَّهَارِ
وَمَعَ هَذَا إِنَّه كَانَ فِي الْكُوفَة وَغَيرهَا من الثِّقَات الأكابر كثير
وَمن كَثْرَة الْكَذِب الَّذِي كَانَ أَكْثَره فِي الشِّيعَة صَار الْأَمر يشْتَبه على من لَا يُمَيّز بَين هَذَا وَهَذَا بِمَنْزِلَة الرجل الْغَرِيب إِذا دخل إِلَى بلد نصف أَهله كذابون خوانون فَإِنَّهُ يحترس مِنْهُم حَتَّى يعرف الصدوق الثِّقَة وبمنزلة الدَّرَاهِم الَّتِي كثر فِيهَا الْغِشّ يحترس عَن الْمُعَامَلَة بهَا من لَا يكون نقادا
وَلِهَذَا كره لمن لَا يكون لَهُ نقد وتمييز النّظر فِي الْكتب الَّتِي يكثر فِيهَا الْكَذِب فِي الرِّوَايَة
والضلال فِي الآراء ككتب الْبدع
وَكره تلقي الْعلم من الْقصاص وأمثالهم الَّذين يكثر الْكَذِب فِي كَلَامهم وَإِن كَانُوا يَقُولُونَ صدقا كثيرا
فالرافضة أكذب من كل طَائِفَة بإتفاق أهل الْمعرفَة بأحوال الرِّجَال
وقولك فَلم يلتفتوا إِلَى القَوْل بِالرَّأْيِ والإجتهاد وحرموا الْقيَاس فالشيعة فِي ذَا كالسنة فيهم أهل رَأْي وَأهل قِيَاس وَفِي السّنة من لَا يرى ذَلِك
والمعتزلة البغداديون لَا يَقُولُونَ بِالْقِيَاسِ وَخلق من الْمُحدثين يذمون الْقيَاس
وَأَيْضًا فَالْقَوْل بِالرَّأْيِ وَالْقِيَاس خير من الْأَخْذ بِمَا يَنْقُلهُ من عرف بِالْكَذِبِ نقل غير مُصدق عَن قَائِل غير مَعْصُوم
وَلَا ريب أَن الإجتهاد فِي تَحْقِيق الْأَئِمَّة الْكِبَار لمناط الْأَحْكَام وتنقيحها وتخريجها خير من
стр. 73
التَّمَسُّك بِنَقْل الرافضة عَن العسكريين فَإِن مَالِكًا وَاللَّيْث وَالْأَوْزَاعِيّ وَالثَّوْري وَأَبا حنيفَة وَالشَّافِعِيّ وَأحمد وأمثالهم ﵃ أعلم من العسكريين بدين الله وَالْوَاجِب على مثل العسكريين أَن يتعلموا من الْوَاحِد من هَؤُلَاءِ
وَمن الْمَعْلُوم أَن عَليّ بن الْحُسَيْن وَأَبا جَعْفَر وجعفر بن مُحَمَّد كَانُوا هم الْعلمَاء الْفُضَلَاء وَأَن من بعدهمْ لم يعرف عَنهُ من الْعلم مَا عرف عَن هَؤُلَاءِ وَمَعَ هَذَا فَكَانُوا يتعلمون من عُلَمَاء زمانهم ويرجعون إِلَيْهِم
قَالَ أما بَاقِي الْمُسلمين فقد ذَهَبُوا كل مَذْهَب فَقَالَ بَعضهم وهم جمَاعَة من الأشاعرة إِن القدماء كَثِيرُونَ مَعَ الله وَهِي الْمعَانِي الَّتِي يثبتونها مَوْجُودَة فِي الْخَارِج كالقدرة وَالْعلم وَغير ذَلِك فجعلوه مفتقرا فِي كَونه عَالما إِلَى ثُبُوت معنى هُوَ الْعلم وَفِي كَونه قَادِرًا إِلَى ثُبُوت معنى هُوَ الْقُدْرَة وَغير ذَلِك
وَلم يَجْعَلُوهُ قَادِرًا لذاته وَلَا عَالما لذاته وَلَا حَيا لذاته بل لمعان قديمَة يفْتَقر فِي هَذِه الصِّفَات إِلَيْهَا
وَاعْترض شيخهم فَخر الدّين الرَّازِيّ عَلَيْهِم بِأَن قَالَ النَّصَارَى كفرُوا بِأَن قَالُوا القدماء ثَلَاثَة والأشاعرة أثبتوا قدماء تِسْعَة
فَيُقَال الْكَلَام على هَذَا من وُجُوه
أَحدهَا أَن هَذَا كذب على الأشعرية لَيْسَ فيهم من يَقُول إِن الله كَامِل بِغَيْرِهِ وَلَا قَالَ الرَّازِيّ مَا ذكرته بل ذكره الرَّازِيّ عَمَّن اعْترض بِهِ واستهجن الرَّازِيّ ذكره وَهُوَ إعتراض قديم من إعتراضات نفاة الصِّفَات الْجَهْمِية ذكره الإِمَام أَحْمد فِي الرَّد على الْجَهْمِية ثمَّ قَالَ لَا نقُول إِن الله لم يزل وَقدرته وَلم يزل ونوره
بل نقُول لم يزل الله بقدرته ونوره لَا مَتى قدر وَلَا كَيفَ قدر
فَقَالُوا لَا تَكُونُونَ مُوَحِّدين حَتَّى تَقولُوا كَانَ الله وَلَا شَيْء
فَقُلْنَا نَحن نقُول قد كَانَ الله وَلَا شَيْء وَلَكِن إِذا قُلْنَا إِن الله لم يزل بصفاته كلهَا أَلَيْسَ إِنَّمَا تصف إِلَهًا وَاحِدًا بِجَمِيعِ صِفَاته وضربنا لَهُم فِي ذَلِك مثلا فَقُلْنَا أخبرونا عَن هَذِه النَّخْلَة أَلَيْسَ لَهَا جذع وكرب
стр. 74
وليف وسعف وخوص وجمار وَاسْمهَا إسم وَاحِد وَسميت نَخْلَة بِجَمِيعِ صفاتها فَكَذَلِك الله وَله الْمثل الْأَعْلَى بِجَمِيعِ صِفَاته إِلَه وَاحِد لَا نقُول إِنَّه كَانَ فِي وَقت من الْأَوْقَات وَلَا يقدر حَتَّى خلق قدرَة وَلَا كَانَ وَلَا يعلم حَتَّى خلق لنَفسِهِ علما وَالَّذِي لَا يقدر وَلَا يعلم عَاجز جَاهِل وَلَكِن نقُول لم يزل الله عَالما قدارا مَالِكًا لَا مَتى وَلَا كَيفَ الثَّانِي أَن يُقَال هَذَا القَوْل الْمَذْكُور لَيْسَ قَول الأشعرية كلهم وَإِنَّمَا هُوَ قَول مثبتي الْحَال مِنْهُم الَّذين يَقُولُونَ إِن العالمية حَال معطلة بِالْعلمِ فيجعلون الْعلم يُوجب حَالا آخر لَيْسَ هُوَ الْعلم بل هُوَ كَونه عَالما وَهَذَا قَول الباقلاني وَالْقَاضِي أبي يعلى وَأول قولي أبي الْمَعَالِي
وَأما جُمْهُور مثبتة الصِّفَات فَيَقُولُونَ إِن الْعلم هُوَ كَونه عَالما وَيَقُولُونَ لَا يكون عَالما إِلَّا بِعلم وَلَا قَادِرًا إِلَّا بقدرة أَي يمْتَنع أَن يكون عَالما من لَا علم لَهُ أَو قَادِرًا من لَا قدرَة لَهُ أَو حَيا من لَا حَيَاة لَهُ فَإِن وجود اسْم الْفَاعِل بِدُونِ الْمصدر مُمْتَنع وَهَذَا كَمَا لَو قيل مصل بِلَا صَلَاة وصائم بِلَا صِيَام وناطق بِلَا نطق
فَإِذا قيل لَا يكون مصل إِلَّا بِصَلَاة لم يكن المُرَاد أَن هُنَا شَيْئَيْنِ أَحدهمَا الصَّلَاة وَالثَّانِي حَال مُعَلل بِالصَّلَاةِ بل الْمُصَلِّي لَا بُد أَن يكون لَهُ صَلَاة
وهم أَنْكَرُوا قَول نفاة الصِّفَات الَّذين يَقُولُونَ هُوَ حَيّ لَا حَيَاة لَهُ وعالم علم لَهُ وقادر لَا قدرَة لَهُ
فَمن قَالَ هُوَ حَيّ عليم قدير بِذَاتِهِ وَأَرَادَ بذلك أَن ذَاته مستلزمة لِحَيَاتِهِ وَعلمه وَقدرته لم يحْتَج فِي ذَلِك إِلَى غَيره
وَمن تدبر كَلَام هَؤُلَاءِ وجدهم مضطرين إِلَى إِثْبَات الصِّفَات وَأَنَّهُمْ لَا يُمكنهُم أَن يفرقُوا بَين قَوْلهم وَقَول المثبتة بفرق مُحَقّق لأَنهم أثبتوا كَونه تَعَالَى حَيا وَكَونه عَالما وَكَونه قَادِرًا وَلَا يجْعَلُونَ هَذَا هُوَ هَذَا وَلَا هَذَا هُوَ هَذَا وَلَا هَذِه الْأُمُور هَذِه الذَّات فقد أثبتوا مَعَاني زَائِدَة على الذَّات الْمُجَرَّدَة فقولك أثبتوا قدماء كَثِيرَة لفظ مُجمل يُوهم أَنهم أثبتوا آلِهَة غير الله فِي الْأَزَل وأثبتوا
стр. 75
مَعَ الله غَيره وَهَذَا بهتان عَلَيْهِم
وَإِنَّمَا أثبتوا صِفَات قَائِمَة بِهِ قديمَة بقدمه فَهَل يُنكر هَذَا إِلَّا مخذول مسفسط وَاسم الله يتَنَاوَل الذَّات المتصفة بِالصِّفَاتِ لَيْسَ هُوَ اسْما للذات الْمُجَرَّدَة
وقولك يجعلونه مفتقرا فِي كَونه عَالما إِلَى ثُبُوت معنى هُوَ الْعلم فَهَذَا يرد على مثبتة الْحَال وَأما الْجُمْهُور فعندهم كَونه عَالما هُوَ الْعلم
وَبِتَقْدِير أَن يُقَال كَونه عَالما مفتقر إِلَى الْعلم الَّذِي هُوَ لَازم لذاته لَيْسَ فِي هَذَا إِثْبَات فقر لَهُ إِلَى غير ذَاته فَإِن ذَاته مستلزمة للْعلم وَالْعلم مُسْتَلْزم لكَونه عَالما فذاته هِيَ الْمُوجبَة لهَذَا فالعلم كَمَال وَكَونه عَالما كَمَال فَإِذا أوجبت ذَاته هَذَا وَهَذَا كَانَ كَمَا لَو أوجبت الْحَيَاة وَالْقُدْرَة
وقولك لم يَجْعَلُوهُ عَالما لذاته قَادِرًا لذاته إِن أردْت أَنهم لم يَجْعَلُوهُ عَالما قَادِرًا لذات مُجَرّدَة عَن الْعلم وَالْقُدْرَة كَمَا يَقُول نفاة الصِّفَات إِنَّه ذَات مُجَرّدَة عَن الصِّفَات فَهَذَا حق لِأَن الذَّات الْمُجَرَّدَة عَن الْعلم وَالْقُدْرَة لَا حَقِيقَة لَهَا فِي الْخَارِج وَلَا هِيَ الله
وَإِن أردْت أَنهم لم يَجْعَلُوهُ عَالما قَادِرًا لذاته المستلزمة للْعلم وَالْقُدْرَة فَهَذَا غلط عَلَيْهِم بل نفس ذَاته الْمُوجبَة لعلمه وَقدرته هِيَ الَّتِي أوجبت كَونه عَالما قَادِرًا وأوجبت علمه وَقدرته فَإِن هَذِه الْأُمُور متلازمة
وقولك فجعلوه مُحْتَاجا نَاقِصا فِي ذَاته كَامِلا بِغَيْرِهِ كَلَام بَاطِل فَإِنَّهُ هُوَ الذَّات الموصوفة بِالصِّفَاتِ اللَّازِمَة لَهَا وَمَا فِي الْخَارِج ذَات مُجَرّدَة عَن صِفَات وَلَيْسَت صِفَات الله غير الله
وَقَول الْقَائِل إِن النَّصَارَى قد كفرُوا بِأَن قَالُوا القدماء ثَلَاثَة
والأشاعرة
стр. 76
أثبتوا قدماء تِسْعَة
وَالنَّصَارَى لم يكفرهم الله بقَوْلهمْ القدماء ثَلَاثَة بل بقَوْلهمْ ﴿إِن الله ثَالِث ثَلَاثَة وَمَا من إِلَه إِلَّا إِلَه وَاحِد﴾ فَبين تَعَالَى أَنهم كفرُوا بِأَن قَالُوا الله ثَالِث ثَلَاثَة آلِهَة وَلم يقل وَمَا من قديم إِلَّا قديم وَاحِد ثمَّ أتبع ذَلِك بكشف حَال الآخرين فَقَالَ ﴿مَا الْمَسِيح ابْن مَرْيَم إِلَّا رَسُول قد خلت من قبله الرُّسُل وَأمه صديقَة كَانَا يأكلان الطَّعَام﴾ والإله يطعم وَلَا يطعم
وَقَالَ ﴿يَا عِيسَى ابْن مَرْيَم أَأَنْت قلت للنَّاس اتخذوني وَأمي إِلَهَيْنِ من دون الله قَالَ سُبْحَانَكَ﴾ فَلَيْسَ فِي الْكتاب وَالسّنة ذكر لفظ الْقَدِيم فِي أَسمَاء الله وَإِن كَانَ الْمَعْنى صَحِيحا
ثمَّ النَّصَارَى معترفون بِأَن مَرْيَم وَعِيسَى ﵉ ولدا وحدثا فَكيف يَقُولُونَ قديمان
ثمَّ إِن الَّذين أثبتوا الصِّفَات لَا يَقُولُونَ ان الله تَاسِع تِسْعَة قدماء بل اسْم الله عِنْدهم يتَضَمَّن الذَّات وَالصِّفَات وَلَا أطْلقُوا على الصِّفَات أَنَّهَا غير الله وَقَالَ النَّبِي ﷺ من حلف بِغَيْر الله فقد أشرك وَثَبت فِي الصَّحِيح الْحلف بعزة الله وَعمر الله فالحلف بذلك لَيْسَ حلفا بِغَيْر الله
وَالصَّوَاب أَن الصِّفَات لَا تَنْحَصِر فِي ثَمَانِيَة كَمَا قَالَ بعض الأشعرية بل وَلَا تَنْحَصِر بِعَدَد
ثمَّ إِن النَّصَارَى أثبتوا ثَلَاثَة أقانيم إِنَّهَا ثَلَاثَة جَوَاهِر يجمعها جَوْهَر وَاحِد وَإِن كل وَاحِد مِنْهَا إِلَه يخلق ويرزق والمتحد بالمسيح هُوَ أقنوم الْكَلِمَة وَالْعلم وَهَذَا متناقض فَإِن المتحد إِن كَانَ صفة فالصفة لَا تخلق وَلَا ترزق وَلَا تفارق الْمَوْصُوف وَإِن كَانَ الصّفة هوالموصوف فَهُوَ الْجَوْهَر الْوَاحِد وَهُوَ الْأَب فَيكون الْمَسِيح هُوَ الْأَب وَلَيْسَ هَذَا قَوْلهم فَأَيْنَ هَذَا مِمَّن يَقُول الْإِلَه وَاحِد وَله الْأَسْمَاء الْحسنى الدَّالَّة على صِفَاته العلى وَلَا خَالق غَيره وَلَا معبود سواهُ
стр. 77
وَمِمَّا إفترته الْجَهْمِية على ابْن كلاب لما صنف كتابا فِي الرَّد عَلَيْهِم أَنهم وضعُوا على أُخْته حِكَايَة أَنَّهَا نَصْرَانِيَّة وَأَنه لما أسلم هجرته فَقَالَ لَهَا يَا أُخْتِي إِنِّي أُرِيد أفسد دين الْمُسلمين
فرضيت عَنهُ بذلك
ومقصود المفتري لهَذِهِ الْحِكَايَة أَن يَجْعَل قَوْله بِإِثْبَات الصِّفَات هُوَ قَول النَّصَارَى وَبَين الْقَوْلَيْنِ من الْفرق كَمَا بَين الْقدَم وَالْفرق
قَالَ الرافضي وَقَالَت الحشوية المشبهة إِن لله جسما لَهُ طول وَعرض وعمق وَيجوز عَلَيْهِ المصافحة وَأَن الصلحاء يعاينونه فِي الدُّنْيَا
وَحكي عَن دَاوُد أَنه قَالَ اعفوني
стр. 78
عَن الْفرج واللحية وسلوني عَمَّا وَرَاء ذَلِك
وَقَالَ معبودي جسم وَلحم وَدم وَله جوارح حَتَّى قَالُوا اشتكت عَيناهُ فعادته الْمَلَائِكَة وَبكى على الطوفان حَتَّى رمد
فَيُقَال هَذَا بِعَيْنِه قَول هِشَام بن الحكم الرافضي كَمَا قدمنَا نَقله الناقلون للمقالات عَنهُ مثل أبي عِيسَى الْوراق وزرقان وَابْن النوبختي والأشعري وَابْن حزم
стр. 79
والشهرستاني وَطَائِفَة وَقَالُوا أول من قَالَ إِنَّه جسم هِشَام بن الحكم
ونقلوا عَن بَيَان ابْن سمْعَان التَّمِيمِي أحد غلاة الشِّيعَة أَن الله على صُورَة الْإِنْسَان
وَأَنه يهْلك كُله إِلَّا
стр. 80
وَجهه
فَقتله خَالِد بن عبد الله الْقَسرِي
ونقلوا عَن الْمُغيرَة بن سعيد أَن معبوده رجل من نور على رَأسه تَاج من نور وَله أَعْضَاء كَالرّجلِ وَله جَوف وقلب وَأَن حُرُوف أبي جاد على عدد أَعْضَائِهِ وَزعم أَنه يحيي الْمَوْتَى وأراهم نيرنجيات ومخاريق فَادعوا نبوته فَقتله خَالِد بن عبد الله
وَذكروا عَن المنصورية أَصْحَاب أبي مَنْصُور أَنه قَالَ آل مُحَمَّد هم السَّمَاء والشيعة هم الأَرْض وَأَنه عرج بِهِ إِلَى السَّمَاء فَمسح معبوده رَأسه ثمَّ قَالَ إذهب فَبلغ عني
وَيَمِين أَصْحَابه إِذا حلفوا لَا والكلمة
وَزعم أَن عِيسَى أول من خلق الله ثمَّ عَليّ
وَأَن الرُّسُل لَا تَنْقَطِع
وَزعم أَن الْجنَّة اسْم رجل وَالنَّار كَذَلِك
стр. 81
واستحل الْمَحَارِم وَالدَّم وَالْميتَة وَالْخمر وَأَن هَذِه أَسمَاء أَقوام حرم الله وَلَا يتهم
وَأسْقط الْفَرَائِض وَقَالَ هِيَ أَسمَاء رجال تجب ولايتهم
قَتله يُوسُف بن عمر
والنصيرية
стр. 82
يشبهون المنصورية
وَذكروا عَن الخطابية أَصْحَاب أبي الْخطاب بن أبي
стр. 83
زَيْنَب أَنهم يَزْعمُونَ أَن الْأَئِمَّة أَنْبيَاء مرسلون لَا يزَال مِنْهُم رسولان وَاحِد نَاطِق وَآخر صَامت
فالناطق مُحَمَّد والصامت عَليّ وعبدوا أَبَا الْخطاب ثمَّ خرج أَبُو الْخطاب على الْمَنْصُور فَقتله عِيسَى بن مُوسَى بِأَرْض الْكُوفَة
وهم يدينون بِشَهَادَة الزُّور لمن وافقهم
стр. 84
وَذكروا عَن البزيعية أَنهم يَقُولُونَ إِن جَعْفَر بن مُحَمَّد هُوَ الله وَأَن كل مُؤمن يُوحى إِلَيْهِ
قَالَ الْأَشْعَرِيّ وَقد قَالَ قوم بإلهية سلمَان الْفَارِسِي
قَالَ وَفِي النساك من الصُّوفِيَّة من يَقُول بالحلول وَأَن الْبَارِي يحل فِي الْأَشْخَاص وَأَنَّهُمْ إِذا رَأَوْا مَا يعجبهم قَالُوا مَا نَدْرِي لَعَلَّ الله حل فِيهِ
ومالوا إِلَى إطراح الْفَرَائِض وَزَعَمُوا أَن العَبْد إِذا وصل إِلَى معبوده سَقَطت عَنهُ الْوَاجِبَات
قَالَ وَمن الغالية من يزْعم أَن روح الْقُدس هُوَ الله كَانَت فِي النَّبِي ثمَّ فِي عَليّ ثمَّ فِي الْحسن إِلَى أَن ذكر المنتظر
قَالَ وَهَؤُلَاء آلِهَة
стр. 85
عِنْدهم كل وَاحِد إِلَه على التناسخ
وَمِنْهُم صنف يَزْعمُونَ أَن عليا هُوَ الله ويشتمون النَّبِي ﷺ وَيَقُولُونَ إِن عليا وَجه بِهِ ليبين أمره فَادّعى الْأَمر لنَفسِهِ
وَمِنْهُم من يَقُول إِن الله حل فِي خَمْسَة فِي النَّبِي ﷺ وَعلي وَالْحسن وَالْحُسَيْن وَفَاطِمَة ﵃ أَجْمَعِينَ
وَلَهُم خَمْسَة أضداد أَبُو بكر وَعمر وَعُثْمَان وَمُعَاوِيَة وَعَمْرو
وَمِنْهُم السبئية أَصْحَاب عبد الله بن سبأ يَزْعمُونَ أَن عليا لم يمت وَأَنه يرجع إِلَى الدُّنْيَا فَيمْلَأ الأَرْض عدلا وَكَانَ السَّيِّد الْحِمْيَرِي يَقُول برجعة الْأَمْوَات وَهُوَ الْقَائِل
(إِلَى يَوْم يؤوب النَّاس فِيهِ ... إِلَى دنياهم قبل الْحساب)
وَمِنْهُم من يزْعم أَن الله وكل الْأُمُور إِلَى مُحَمَّد ﷺ فخلق الدُّنْيَا ودبرها ويزعمون أَن الْأَئِمَّة ينسخون الشَّرَائِع وتهبط عَلَيْهِم الْمَلَائِكَة بِالْوَحْي
وَمِنْهُم من يسلم على السَّحَاب وَيَقُول إِذا مرت سَحَابَة إِن عليا فِيهَا
وَذكر الْأَشْعَرِيّ أَشْيَاء سوى ذَلِك وَلم تكن حدثت النصيرية وَلَا الإسماعيلية بعد
وَمن قَول النصيرية
стр. 86
(أشهد أَلا إِلَه إِلَّا ... حيدرة الأنزع البطين)
(وَلَا حجاب عَلَيْهِ إِلَّا ... مُحَمَّد الصَّادِق الْأمين)
(وَلَا طَرِيق إِلَيْهِ إِلَّا ... سلمَان ذُو الْقُوَّة المتين)
وَيَقُولُونَ إِن رَمَضَان أَسمَاء ثَلَاثِينَ رجلا
وَهَذِه المصائب أَبُو جادها الرَّفْض
وَأما مَا نقلت فَلَا يعرف عَن إِمَام مَعْرُوف بِالسنةِ وَلَا من الْفُقَهَاء وَلَا حفاظ الحَدِيث وَلَا مَشَايِخ الطّرق فَمَا علمنَا من قَالَ فيهم بالجسم والطول والعمق
وَاتَّفَقُوا على أَن الله لَا يرى فِي الدُّنْيَا بل فِي الْآخِرَة كَمَا ثَبت فِي الصِّحَاح قَالَ النَّبِي ﷺ وَاعْلَمُوا أَن أحدا مِنْكُم لن يرى ربه حَتَّى يَمُوت
وَمن أَرَادَ أَن ينْقل مقَالَة عَن طَائِفَة فليسم الْقَائِل وَإِلَّا فَكل أحد يُمكنهُ الْكَذِب
وَأما لفظ الحشوية فَلَيْسَ فِيهِ مَا يدل على شخص معِين فَلَا يدْرِي من هم هَؤُلَاءِ وَإِن أردْت بالحشوية أهل الحَدِيث فاعتقادهم هُوَ السّنة الْمَحْضَة وَمَا ثَبت نَقله وَمَا فيهم من يعْتَقد وَله الْحَمد مَا قلت فَبَان كَذبك فِي هَذَا وَغَيره
وَأما لفظ المشبهة فَلَا ريب أَن أهل السّنة متفقون على تَنْزِيه الله عَن مماثلة الْخلق فالمشبهة هم الَّذين يمثلون صِفَاته بِصِفَات خلقه وَأهل السّنة يصفونَ الله بِمَا وصف بِهِ نَفسه
стр. 87
أَو رَسُوله من غير تَحْرِيف وَلَا تَعْطِيل وَلَا تكييف وَلَا تَمْثِيل
بل إِثْبَات بِلَا تَمْثِيل وتنزيه بِلَا تَعْطِيل
قَالَ الله تَعَالَى ﴿لَيْسَ كمثله شَيْء﴾ يرد على الممثلة ﴿وَهُوَ السَّمِيع الْبَصِير﴾ يرد على المعطلة
وينزهون الله عَن صِفَات النَّقْص مُطلقًا كالنوم وَالسّنة وَالنِّسْيَان وَالْعجز وَالْجهل وَنَحْو ذَلِك
ويصفونه بِصِفَات الْكَمَال الْوَارِدَة فِي الْكتاب وَالسّنة
وَلَكِن نفاة الصِّفَات يسمون كل من أثبت صفة مشبها حَتَّى إِن الباطنية يَقُولُونَ من سمى الله بأسمائه الْحسنى فَهُوَ مشبه وَيَقُولُونَ من قَالَ حَيّ عليم فقد شبهه بالأحياء الْعَالمين وَمن وَصفه بِأَنَّهُ سميع بَصِير فقد شبهه بالآدمي وَإِذا قَالَ هُوَ رؤوف رَحِيم فقد شبهه بِالنَّبِيِّ ﷺ حَتَّى قَالُوا لَا نقُول هُوَ مَوْجُود حَتَّى لَا نُشبههُ بِسَائِر الموجودات لاشتراكها فِي مُسَمّى الْوُجُود
وَقَالُوا لَا نقُول مَعْدُوم وَلَا حَيّ وَلَا ميت
فَقيل لَهُم فقد شبهوه بالممتنع بل جَعَلُوهُ فِي نَفسه مُمْتَنعا فَإِنَّهُ كَمَا يمْتَنع إجتماع النقيضين يمْتَنع إرتفاعهما فَرجع الْوَاجِب الْوُجُود إِلَى أَنه مُمْتَنع الْوُجُود
وَيُقَال للَّذين يَقُولُونَ لَا نقُول هَذَا وَلَا هَذَا عدم قَوْلكُم لَا يبطل الْحَقَائِق فِي أَنْفسهَا بل هَذَا نوع من السفسطة وَمن قَالَ لَا مَوْجُود وَلَا مَعْدُوم فقد جزم بعد الْجَزْم فالسفسطة أَنْوَاع ثَلَاثَة نفي الْحَقَائِق أَو الْوَقْف فِيهَا أَو جعلهَا تَابِعَة لظنون النَّاس
وَقد قيل بِنَوْع رَابِع وَهُوَ القَوْل بِأَن الْعَالم فِي سيلان فَلَا يثبت
وأصل ضلال هَؤُلَاءِ أَن لفظ التَّشْبِيه فِيهِ إِجْمَال فَمَا من شَيْئَيْنِ إِلَّا وَبَينهمَا قدر مُشْتَرك يتَّفق فِيهِ الشيئان فِي الذِّهْن وَلَا يجب تماثلهما فِيهِ بل الْغَالِب تفاضل الْأَشْيَاء فِي ذَلِك الْقدر الْمُشْتَرك فَإِذا قيل فِي الْمَخْلُوقَات حَيّ وَحي وَعَلِيم وَعَلِيم لم يلْزم تماثلهما فِي
стр. 88
الْحَيَاة وَالْعلم وَلَا أَن يكون نفس حَيَاة هَذَا وَعلمه حَيَاة الآخر وَعلمه وَلَا يَكُونَا مشتركين فِي مَوْجُود فِي الْخَارِج عَن الذِّهْن
وَكَانَ جهم لَا يُسَمِّي الله بإسم يتسمى بِهِ الْخلق إِلَّا بالقادر والخالق لِأَنَّهُ كَانَ جبريا يرى أَن العَبْد لَا قدرَة لَهُ
وَرُبمَا قَالُوا لَيْسَ بِشَيْء كالأشياء فقصدوا أَن حَقِيقَة التَّشْبِيه منتفية عَنهُ
وَتَحْقِيق هَذَا الْموضع بالْكلَام فِي معنى التَّشْبِيه والتمثيل والتمثيل قد نطق الْكتاب بنفيه فِي غير مَوضِع كَقَوْلِه ﴿لَيْسَ كمثله شَيْء﴾ ﴿هَل تعلم لَهُ سميا﴾ ﴿وَلم يكن لَهُ كفوا أحد﴾ ﴿فَلَا تجْعَلُوا لله أندادا﴾ ﴿فَلَا تضربوا لله الْأَمْثَال﴾
وَأما الْجِسْم والجوهر والتحيز والجهة فَلَا نطق بهَا كتاب وَلَا سنة نفيا وَلَا إِثْبَاتًا وَلَا الصَّحَابَة والتابعون
فَأول من تكلم بذلك نفيا وإثباتا الْجَهْمِية والمعتزلة ومجسمة الرافضة والمبتدعة
فالنفاة نفوا هَذِه الْأَسْمَاء وأدخلوا فِي النَّفْي مَا أثْبته الله وَرَسُوله من صِفَاته كعلمه وَقدرته ومشيئته ومحبته وَرضَاهُ وغضبه وعلوه وَقَالُوا إِنَّه لَا يرى
وَلَا يتَكَلَّم بِالْقُرْآنِ وَلَا غَيره
والمثبتة أدخلُوا فِي ذَاك مَا نَفَاهُ الله وَرَسُوله حَتَّى أثبتوا رُؤْيَته فِي الدُّنْيَا بالأبصار وَأَنه يُصَافح ويعانق وَينزل عَشِيَّة عَرَفَة على جمل وَقَالَ بَعضهم إِنَّه ينْدَم ويبكي ويحزن وَذَلِكَ وصف للرب بِصِفَات يخْتَص بهَا الآدميون فَكل مَا اخْتصَّ بِهِ الْمَخْلُوق فَهُوَ صفة نقص تَعَالَى الله عَن النَّقْص أحد صَمد فالأحد يتَضَمَّن نفي الْمثل والصمد يتَضَمَّن جَمِيع صِفَات الْكَمَال
فالجسم فِي اللُّغَة الْجَسَد كَمَا ذكره الْأَصْمَعِي وَأَبُو زيد وَغَيرهمَا وَهُوَ الْبدن
قَالَ الله تَعَالَى ﴿وَإِذا رَأَيْتهمْ تعجبك أجسامهم﴾ وَقَالَ ﴿وزاده بسطة فِي الْعلم والجسم﴾ وَقَالَ ﴿عجلا جسدا لَهُ خوار﴾
وَقد يُرَاد بِهِ الكثافة تَقول هَذَا أجسم من هَذَا
ثمَّ صَار الْجِسْم فِي إصطلاح أهل الْكَلَام أَعم من ذَلِك فسموا الْهَوَاء جسما وَإِن كَانَت الْعَرَب لَا تسمي
стр. 89
ذَلِك جسما
ثمَّ بَينهم نزاع فِيمَا يُسمى جسما وَهُوَ مركب من جَوَاهِر مُنْفَرِدَة متناهية كَمَا يَقُوله أَكثر الْقَائِلين بالجوهر الْفَرد وَإِمَّا متناهية كَمَا يَقُوله النظام وَالْتزم الطفرة الْمَعْرُوفَة بِهِ أَو هُوَ مركب من مَادَّة وَصُورَة كَقَوْل بعض المتفلسفة أَو لَيْسَ مركبا لَا من هَذَا وَلَا من هَذَا كَمَا يَقُوله الهشامية والكلابية والنجارية والضرارية وَكثير من الكرامية وَكثير من الْكتب لَيْسَ فِيهَا هَذَا القَوْل الثَّالِث
وَالصَّوَاب أَنه لَيْسَ مركبا من هَذَا وَلَا من هَذَا
وَيَنْبَنِي على هَذَا أَن مَا يحدثه الله من الْحَيَوَان والنبات والمعادن فَهِيَ أَعْيَان مخلوقة على قَول نفاة الْجَوْهَر الْفَرد فَأَما على قَول من يُثبتهُ فَإِنَّمَا يحدث أعراضا وصفات وَإِلَّا فالجواهر بَاقِيَة وَلَكِن اخْتلف تركيبها وَيَقُولُونَ لَا تستحيل حَقِيقَة إِلَى حَقِيقَة أُخْرَى وَلَا تنْقَلب الْأَجْنَاس بل الْجَوَاهِر يُغير الله تركيبها وَهِي بَاقِيَة
وَالْأَكْثَرُونَ يَقُولُونَ بإستحالة بعض الْأَجْسَام إِلَى بعض وإنقلاب جنس إِلَى جنس كَمَا تنْقَلب النُّطْفَة إِلَى علقَة والعلقة إِلَى مُضْغَة ثمَّ إِلَى عِظَام
وَهَذَا قَول الْفُقَهَاء والأطباء
فالنظار كلهم متفقون فِيمَا أعلم على أَن الْجِسْم يشار إِلَيْهِ وَإِن اخْتلفُوا فِي كَونه مركبا من الْأَجْزَاء المنفردة أَو من الْمَادَّة وَالصُّورَة أَو لَا من هَذَا وَلَا من هَذَا
وَقد تنَازع الْعُقَلَاء أَيْضا هَل يُمكن وجود مَوْجُود قَائِم بِنَفسِهِ لَا يشار إِلَيْهِ وَلَا يُمكن أَن يرى على ثَلَاثَة أَقْوَال فَقيل لَا يُمكن ذَلِك بل هُوَ مُمْتَنع
وَقيل هُوَ مُمْتَنع فِي المحدثات الممكنة الَّتِي تقبل الْوُجُود والعدم
وَقيل بل ذَلِك مُمكن فِي الْمُمكن وَالْوَاجِب وَهَذَا قَول بعض الفلاسفة مَا علمت قَالَه أحد من أهل الْملَل
ومثبتو ذَلِك يسمونها المجردات والمفارقات
وَأكْثر الْعُقَلَاء يَقُولُونَ وجود هَذِه فِي الأذهان لَا فِي الْأَعْيَان وَإِنَّمَا يثبت ذَلِك من وجود نفس الْإِنْسَان
стр. 90
الَّتِي تفارق بدنه
أما الْمَلَائِكَة فالمتفلسفة يَقُولُونَ هِيَ الْعُقُول والنفوس المجردات وَهِي الْجَوَاهِر الْعَقْلِيَّة
وَأما الْمُسلمُونَ وَغَيرهم من أهل الْملَل فيثبتون الْمَلَائِكَة وَأَنَّهُمْ مخلوقون من نور كَمَا صَحَّ عَن النَّبِي ﷺ فِي الحَدِيث وهم كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿وَقَالُوا اتخذ الرَّحْمَن ولدا سُبْحَانَهُ بل عباد مكرمون﴾ وَقد ذكر الْمَلَائِكَة فِي غير مَوضِع
وَهَؤُلَاء يَقُولُونَ إِن جِبْرِيل هُوَ الْعقل الفعال أَو هُوَ مَا يتخيل فِي نفس النَّبِي من الصُّور الخيالية وَكَلَام الله كَمَا يُوجد فِي نفس النَّائِم
وَمن عرف مَا جَاءَ بِهِ الرَّسُول علم ضلال هَؤُلَاءِ وَأَنَّهُمْ أبعد عَن الْإِيمَان من الْمُشْركين
فَإِذا عرف تنَازع النظام فِي حَقِيقَة الْجِسْم فَلَا ريب أَن الله سُبْحَانَهُ لَيْسَ مركبا من الْأَجْزَاء المنفردة وَلَا من الْمَادَّة وَالصُّورَة وَلَا يقبل الإنقسام وَلَا التَّفْرِيق وَلَا الإنفصال وَلَا كَانَ مفرقا فَاجْتمع بل هُوَ أحد صَمد
والمعاني المعقولة من التَّرْكِيب كلهَا منتفية عَن الله تَعَالَى
لَكِن المتفلسفة وَمن وافقهم يزِيدُونَ على ذَلِك وَيَقُولُونَ إِذا كَانَ مَوْصُوفا بِالصِّفَاتِ كَانَ مركبا وَإِذا كَانَت لَهُ حَقِيقَة لَيست هِيَ مُجَرّد الْوُجُود كَانَ مركبا فَقَالَ لَهُم الْمُسلمُونَ المثبتون للصفات النزاع لَيْسَ فِي لفظ الْمركب فَإِن هَذَا اللَّفْظ يَقْتَضِي أَن غَيره رَكبه وَلَا يَقُول عَاقل إِن الله مركب لهَذَا الإعتبار
أما كَونه ذاتا مستلزمة لصفات الْكَمَال من الْعلم وَالْقُدْرَة والحياة فَهَذَا لَا يُسمى مركبا فِيمَا نعلم وَلَا عرف ذَلِك فِي اللُّغَة
وَإِنَّمَا الْمركب مَا كَانَت أجزاؤه مُتَفَرِّقَة فَجمع جمع إمتزاج أَو غير جمع إمتزاج كتركيب الْأَطْعِمَة والأشربة والأدوية والأبنية واللباس والحلية
ثمَّ إِن جَمِيع الْعُقَلَاء مضطرون إِلَى إِثْبَات مَعَاني مُتعَدِّدَة لله فالمعتزلي يسلم أَنه حَيّ عَالم قَادر
فكونه حَيا غير كَونه قَادِرًا
والفلسفي يَقُول إِنَّه عَاقل ومعقول وعقل ولذيذ ومتلذذ وَلَذَّة
وَقَالَ الطوسي
стр. 91
فِي شرح الإشارات الْعلم هُوَ الْمَعْلُوم وَمَعْلُوم فَسَاد هَذَا بِصَرِيح الْعقل وبمجرد تصَوره التَّام
وَلَيْسَ فرارهم إِلَّا من معنى التَّرْكِيب وَلَيْسَ لَهُم قطّ حجَّة على نفي مُسَمّى التَّرْكِيب بِجَمِيعِ هَذِه الْمعَانِي بل عمدتهم أَن الْمركب يفْتَقر إِلَى أَجْزَائِهِ وأجزاؤه غَيره والمفتقر إِلَى غَيره لَا يكون وَاجِبا بِنَفسِهِ بل يكون معلولا
وَهَذِه الْحجَّة جَمِيع ألفاظها معلولة
فَلفظ الْوَاجِب بِنَفسِهِ يُرَاد بِهِ الَّذِي لَا فَاعل لَهُ وَلَا لَهُ عِلّة فاعلة وَيُرَاد بِهِ الَّذِي لَا يحْتَاج إِلَى شَيْء مباين لَهُ وَيُرَاد بِهِ الْقَائِم بِنَفسِهِ الَّذِي لَا يحْتَاج إِلَى مباين لَهُ
فعلى الأول وَالثَّانِي فالصفات وَاجِبَة الْوُجُود وعَلى الثَّالِث فالذات الموصوفة هِيَ الْوَاجِبَة وَالصّفة وَحدهَا لَا يُقَال إِنَّهَا وَاجِبَة الْوُجُود وَلَا تنفك عَن الذَّات
فَقَوْلهم إِذا كَانَ لَهُ ذَات وصفات كَانَ مركبا والمركب مفتقر إِلَى أَجْزَائِهِ وأجزاؤه غَيره فَلفظ الْغَيْر مُجمل يُرَاد بِهِ المباين
فالغيران مَا جَازَ مُفَارقَة أَحدهمَا الآخر بِزَمَان أَو مَكَان أَو وجود
وَيُرَاد بالغيرين مَا لَيْسَ أَحدهمَا الآخر أَو مَا جَازَ الْعلم بِأَحَدِهِمَا مَعَ الْجَهْل بِالْآخرِ
وَهَذَا إصطلاح أَكثر الْمُعْتَزلَة وَغَيرهم
وَأما السّلف كَالْإِمَامِ أَحْمد وَغَيره فَلفظ الْغَيْر عِنْدهم يُرَاد بِهِ هَذَا وَيُرَاد بِهِ هَذَا
وَلِهَذَا لم يطلقوا القَوْل بِأَن علم الله غَيره وَلَا أَنه لَيْسَ بِغَيْرِهِ فَلَا يَقُولُونَ هُوَ هُوَ وَلَا هُوَ غَيره لِأَن الْجَهْمِية يَقُولُونَ مَا سوى الله مَخْلُوق وَكَلَامه سواهُ فَيكون مخلوقا وَقد ثَبت فِي السّنة جَوَاز الْحلف بِالصِّفَاتِ كعزته وعظمته مَعَ قَول النَّبِي ﷺ من حلف بِغَيْر الله فقد أشرك فَعلم أَن الصِّفَات لَا تدخل فِي مُسَمّى الْغَيْر عِنْد الْإِطْلَاق
وَإِذا أُرِيد بِالْغَيْر أَنه لَيْسَ هُوَ إِيَّاه فَلَا ريب أَن الْعلم غير الْعَالم وَالْكَلَام غير الْمُتَكَلّم وَيُرَاد بالإفتقار التلازم بِمَعْنى أَنه لَا يُوجد أَحدهمَا إِلَّا مَعَ الآخر وَإِن لم يكن أَحدهمَا مؤثرا فِي الآخر مثل الْأُبُوَّة والبنوة
стр. 92
والمركب قد عرف مَا فِيهِ من الإشتراك فَإِذا قيل لَو كَانَ عَالما لَكَانَ مركبا من ذَات وَعلم فَلَيْسَ المُرَاد بِهِ أَن الذَّات وَالْعلم كَانَا مفترقين فاجتمعا وتركبا وَلَا أَنه يجوز مُفَارقَة أَحدهمَا الآخر
بل المُرَاد أَنه إِذا كَانَ عَالما فهناك ذَات وَعلم قَائِم بهَا
وَقَوله والمركب مفتقر إِلَى أَجْزَائِهِ فمعلوم أَن إفتقار الْمَجْمُوع إِلَى أَبْعَاضه لَيْسَ بِمَعْنى أَن أَبْعَاضه فعلته أَو وجدت دونه أَو أثرت فِيهِ
بل بِمَعْنى أَنه لَا يُوجد إِلَّا بِوُجُود الْمَجْمُوع فَإِذا قيل الشَّيْء مفتقر إِلَى نَفسه بِهَذَا الْمَعْنى لم يكن هَذَا مُمْتَنعا بل هَذَا هُوَ الْحق فَإِن نفس الْوَاجِب لَا يَسْتَغْنِي عَن نَفسه
وَإِذا قيل هُوَ وَاجِب بِنَفسِهِ فَلَيْسَ المُرَاد أَن نَفسه أبدعت وُجُوبه بل المُرَاد أَن نَفسه مَوْجُودَة بِنَفسِهَا لم تفْتَقر إِلَى غير
وَإِذا قيل الْعشْرَة مفتقرة إِلَى الْعشْرَة لم يكن فِي هَذَا إفتقار لَهَا إِلَى غَيرهَا
وَإِذا قيل هِيَ مفتقرة إِلَى الْوَاحِد الَّذِي هُوَ جزؤها لم يكن إفتقارها إِلَى بَعْضهَا بأعظم من إفتقارها إِلَى الْمَجْمُوع الَّذِي هُوَ هِيَ
فكون الْمُبْدع مستلزما لصفاته فَهَذَا لم ينف حجَّة أصلا وَلَا هَذَا التلازم يَنْبَغِي أَن يُسمى فقرا
وَأَيْضًا فتسمية الصِّفَات الْقَائِمَة بالموصوف جُزْءا لَيْسَ هُوَ من اللُّغَة الْمَعْرُوفَة إِنَّمَا ذَا إصطلاح لَهُم وَلَو تنزلنا وسميناه بإصطلاحهم لم يكن فِيهِ مَحْذُور فَلَا عِبْرَة بتهويل الفلاسفة وأتباعهم
فَالَّذِينَ نفوا علمه بالأشياء قَالُوا لِئَلَّا يلْزم التكثير
وَالَّذين نفوا علمه بالجزئيات قَالُوا لِئَلَّا يلْزم التَّغَيُّر
فيهولون بِلَفْظ التكثير والتغير وهما لفظان مجملان منكران يوهمان أَنه يتكثر الْآلهَة وَأَن الرب يتَغَيَّر كَمَا يتَغَيَّر الْإِنْسَان وكما تَتَغَيَّر الشَّمْس إِذا اصفر لَوْنهَا وَلَا يدْرِي السَّامع أَنه عِنْدهم إِذا أحدث مَا لم يكن مُحدثا سموهُ تغيرا وَإِذا سمع دُعَاء عباده سموهُ تغيرا وَإِذا رأى مَا خلقه سموهُ تغيرا وَإِذا كلم مُوسَى سموهُ تغيرا وَإِذا رَضِي عَن الطائع سموهُ تغيرا
ثمَّ إِنَّهُم ينفون ذَلِك بِغَيْر دَلِيل أصلا كَمَا اعْترف بِهِ غير وَاحِد والأدلة الشَّرْعِيَّة والعقلية توجب ثُبُوت ذَلِك
فدعوى الْمُدَّعِي على اللُّغَة أَن مَا يشار إِلَيْهِ جسم مركب غير صَحِيح
وَجُمْهُور الْمُسلمين الْقَائِلين لَيْسَ بجسم يَقُولُونَ من قَالَ إِنَّه جسم وَأَرَادَ بذلك أَنه مَوْجُود أَو قَائِم بِنَفسِهِ وَنَحْو
стр. 93
ذَلِك أَو قَالَ إِنَّه جَوْهَر وَأَرَادَ بذلك أَنه قَائِم بِنَفسِهِ فَهُوَ مخطيء فِي اللَّفْظ لَا الْمَعْنى
أما إِذا قَالَ إِنَّه مركب من جَوَاهِر مُنْفَرِدَة فَفِي كفره تردد
ثمَّ الْقَائِلُونَ بِأَن الْجِسْم مركب من جَوَاهِر قد تنازعوا فِي مُسَمَّاهُ فَقيل الْجَوْهَر الْوَاحِد بِشَرْط إنضمام غَيره إِلَيْهِ يكون جسما كَقَوْل ابْن الباقلاني وَأبي يعلى وَغَيرهمَا وَقيل بل الجوهران فَصَاعِدا وَقيل بل أَرْبَعَة فَصَاعِدا وَقيل بل سِتَّة فَصَاعِدا وَقيل بل ثَمَانِيَة فَصَاعِدا وَقيل سِتَّة عشر وَقيل بل إثنان وَثَلَاثُونَ
فقد تبين أَن فِي هَذَا اللَّفْظ من المنازعات اللُّغَوِيَّة والإصطلاحية والعقلية والشرعية مَا يبين أَن الْوَاجِب الإعتصام بِالْكتاب وَالسّنة قَالَ الله تَعَالَى ﴿واعتصموا بِحَبل الله جَمِيعًا وَلَا تفَرقُوا﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿اتبعُوا مَا أنزل إِلَيْكُم من ربكُم﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَإِذا قيل لَهُم تَعَالَوْا إِلَى مَا أنزل الله وَإِلَى الرَّسُول رَأَيْت الْمُنَافِقين يصدون عَنْك صدودا﴾
قَالَ ابْن عَبَّاس تكفل الله لمن قَرَأَ الْقُرْآن وَعمل بِهِ أَن لَا يضل فِي الدُّنْيَا وَلَا يشقى فِي الْآخِرَة ثمَّ قَرَأَ ﴿وَمن أعرض عَن ذكري فَإِن لَهُ معيشة ضنكا﴾ الْآيَات
فَمَا أثْبته الله وَرَسُوله أَثْبَتْنَاهُ وَمَا نَفَاهُ الله وَرَسُوله نفيناه
فالنصوص نعتصم بهَا فِي الْإِثْبَات وَالنَّفْي لفظا وَمعنى أما أَلْفَاظ تنَازع فِيهَا من ابتدعها كالجسم والجوهر والتحيز والجهة والتركيب والتعين فَلَا تطلق نفيا وَلَا إِثْبَاتًا حَتَّى ينظر فِي مَقْصُود قَائِلهَا فَإِن أَرَادَ بِالنَّفْيِ أَو الْإِثْبَات معنى صَحِيحا مُوَافقا للنصوص صوب الْمَعْنى الَّذِي قَصده بِلَفْظِهِ وزجر عَن اللَّفْظ المبتدع الْمُجْمل
إِلَّا عِنْد الْحَاجة فِي محاورة الْخصم مَعَ قَرَائِن تبين المُرَاد بهَا مثل أَن يكون الْخطاب مَعَ من لَا يتم الْمَقْصُود مَعَه إِن لم يُخَاطب بهَا
وَأما أَن يُرَاد بهَا معنى بَاطِل فَهَذَا ضلال وَإِن أُرِيد بهَا حق وباطل عرف الْخصم وَفسّر لَهُ هَذَا من هَذَا
وَإِن اتّفق شخصان على معنى وتنازعا فِي دلائله فأقربهما إِلَى الصَّوَاب من وَافق اللُّغَة المنقولة
стр. 94
وَأما المتحيز فَفِي اللُّغَة مَا تحيز إِلَى غَيره كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿أَو متحيزا إِلَى فِئَة﴾ وَهَذَا لَا بُد أَن يُحِيط بِهِ حيّز وجودي فالباري تَعَالَى لَا يُحِيط بِهِ شَيْء من مخلوقاته فَلَا يكون متحيزا فِي اللُّغَة
وَأما أهل الْكَلَام فإصطلاحهم فِي المتحيز أَعم من هَذَا يجْعَلُونَ كل جسم متحيزا والجسم عِنْدهم مَا يشار إِلَيْهِ فَتكون السَّمَاوَات وَالْأَرْض وَمَا فيهمَا متحيزا على إصطلاحهم لَا فِي اللُّغَة
ويريدون بالحيز أمرا مَعْدُوما وَالْمَكَان أمرا مَوْجُودا يُخَالف الحيز العدمي
فمجموع الْأَجْسَام لَيست فِي شَيْء مَوْجُود فَلَيْسَتْ فِي مَكَان وَالْفَخْر الرَّازِيّ يَجْعَل الحيز تَارَة مَوْجُودا وَتارَة مَعْدُوما وَقد علم بِالْعقلِ وَالنَّقْل أَن الله بَائِن من خلقه لِأَنَّهُ كَانَ قبل خلق السَّمَاوَات وَالْأَرْض فَلَمَّا خلقهَا إِمَّا أَن يكون قد دخل فِيهَا أَو دخلت فِيهِ وَكِلَاهُمَا مُمْتَنع فَتعين أَنه بَائِن عَنْهَا والنفاة يدعونَ أَنه لَيْسَ مباينا لخلقه وَلَا مداخلا لَهُ وَهَذَا مُمْتَنع فِي الْعُقُول لَكِن يدعونَ أَن القَوْل بإمتناع ذَلِك هُوَ من حكم الْوَهم لَا من حكم الْعقل
ثمَّ إِنَّهُم تناقضوا فَقَالُوا لَو كَانَ فَوق الْعَرْش لَكَانَ جسما لِأَنَّهُ لَا بُد أَن يتَمَيَّز مِمَّا يَلِي هَذَا الْجَانِب
فَقيل لَهُم مَعْلُوم بضرورة الْعقل أَن إِثْبَات مَوْجُود فَوق الْعَالم لَيْسَ بجسم أقرب إِلَى الْعقل من إِثْبَات قَائِم بِنَفسِهِ لَيْسَ بمباين للْعَالم وَلَا بمداخل لَهُ
وَكَذَلِكَ لفظ الْجِهَة يُرَاد بِهِ أَمر مَوْجُود كالفلك الْأَعْلَى وَيُرَاد بِهِ أَمر عدمي كَمَا وَرَاء الْعَالم فَإِذا أُرِيد بِهِ الثَّانِي أمكن أَن يُقَال كل جسم فِي جِهَة وَإِذا أُرِيد الأول إمتنع أَن يكون كل جسم فِي جسم آخر
فَمن قَالَ الْبَارِي فِي جِهَة وَأَرَادَ بهَا أمرا مَوْجُودا فَكل مَا سواهُ مَخْلُوق لَهُ فِي جِهَة بِهَذَا التَّفْسِير فَهَذَا مخطيء وَإِن أَرَادَ بالجهة أمرا عدميا وَهُوَ مَا فَوق الْعَالم وَقَالَ إِن الله فَوق الْعَالم فقد أصَاب وَلَيْسَ فَوق الْعَالم
стр. 95
مَوْجُود غَيره فَلَا يكون سُبْحَانَهُ فِي شَيْء من الموجودات
وَقد تنَازع المتكلمون فِي الْأَسْمَاء الَّتِي تسمى الله بهَا وَتسَمى بهَا عباده كالموجود والحي والعليم والقدير فَقَالَ بَعضهم هِيَ مقولة بالإشتراك اللَّفْظِيّ حذرا من إِثْبَات قدر مُشْتَرك بَينهمَا لِأَنَّهُمَا إِذا اشْتَركَا فِي مُسَمّى الْوُجُود لزم أَن يمتاز الْوَاجِب عَن الْمُمكن بِشَيْء آخر فَيكون مركبا وَهَذَا قَول بعض الْمُتَأَخِّرين كالشهرستاني والرازي فِي أحد قوليهما وكالآمدي مَعَ توقفه أَحْيَانًا وَنقل ذَلِك عَن الْأَشْعَرِيّ وَأبي الْحُسَيْن الْبَصْرِيّ وَهُوَ غلط عَلَيْهِمَا وَإِنَّمَا ذكرُوا ذَلِك عَنْهُمَا لِأَنَّهُمَا لَا يَقُولَانِ بالأحوال ويقولان وجود الشَّيْء عين حقيقتة فظنوا أَن من قَالَ ذَلِك يلْزمه أَن يَقُول إِن لفظ الْمُشْتَرك الْمَوْجُود يُقَال بالإشتراك اللَّفْظِيّ عَلَيْهِمَا لِأَنَّهُ لَو كَانَ متواطئا لَكَانَ بَينهمَا قدر مُشْتَرك فيمتاز أَحدهمَا عَن الآخر بِخُصُوص حَقِيقَته والمشترك لَيْسَ هُوَ الْمُمَيز فَلَا يكون الْوُجُود الْمُشْتَرك هُوَ الْحَقِيقَة المميزة
والرازي والآمدي وَنَحْوهمَا ظنُّوا أَنه لَيْسَ فِي الْمَسْأَلَة إِلَّا هَذَا القَوْل وَقَول من يَقُول بِأَن اللَّفْظ متواطيء وَيَقُول وجوده زَائِد على حَقِيقَته كَمَا هُوَ قَول أبي هَاشم وَأَتْبَاعه من الْمُعْتَزلَة والشيعة أَو قَول ابْن سينا بِأَنَّهُ متواطيء مَعَ أَنه الْوُجُود الْمُفِيد لسلب الْأُمُور الثبوتية
وَذهب بعض الباطنية وغلاة الْجَهْمِية إِلَى أَن هَذِه الْأَسْمَاء حَقِيقَة فِي العَبْد مجَاز فِي الرب
قَالُوا هَذَا فِي الْحَيّ وَنَحْوه
وَذهب أَبُو الْعَبَّاس الناشيء إِلَى ضد ذَلِك
وَزعم ابْن حزم أَن أَسمَاء الله لَا تدل على الْمعَانِي فَلَا يدل عليم على علم وَلَا قدير على قدرَة بل هِيَ أَعْلَام مَحْضَة وكل هَذَا غلو فِي نفي التَّشْبِيه لزم مِنْهُ نفي صِفَات الرب وظنوا أَن ثُبُوت الكليات الْمُشْتَركَة بني فِي الْخَارِج
كَمَا غلط الرَّازِيّ فَظن أَنه إِذا كَانَ
стр. 96
هَذَا مَوْجُودا وَهَذَا مَوْجُودا والوجود شَامِل لَهما كَانَ بَينهمَا مَوْجُود مُشْتَرك كلى فِي الْخَارِج فَلَا بُد من مُمَيّز يُمَيّز هَذَا عَن هَذَا والمميز إِنَّمَا هُوَ الْحَقِيقَة فَيجب أَن يكون هُنَاكَ وجود مُشْتَرك وَحَقِيقَة مُمَيزَة
ثمَّ إِن هَؤُلَاءِ يتناقضون فيجعلون الْوُجُود يَنْقَسِم إِلَى وَاجِب وممكن كَمَا تَنْقَسِم سَائِر الْأَسْمَاء الْعَامَّة الْكُلية لَا كَمَا تَنْقَسِم الْأَلْفَاظ الْمُشْتَركَة كَلَفْظِ سُهَيْل الْمَقُول على الْكَوْكَب وعَلى ابْن عَمْرو إِذْ لَا يُقَال فِيهَا تَنْقَسِم إِلَى كَذَا وَكَذَا لَكِن يُقَال إِن هَذَا اللَّفْظ يُطلق على هَذَا وَهَذَا على هَذَا
وَهَذَا أَمر لغَوِيّ لَا تَقْسِيم عَقْلِي
وَهُنَاكَ تَقْسِيم عَقْلِي تَقْسِيم الْمَعْنى الَّذِي هُوَ مَدْلُول اللَّفْظ الْعَام
وَظن بعض النَّاس أَنه يخلص من هَذَا بِأَن جعل لفظ الْوُجُود مشككا لكَون الْوُجُود الْوَاجِب أكمل كَمَا يُقَال فِي لفظ السوَاد وَالْبَيَاض الْمَقُول على سَواد القار وَسَوَاد الحدقة وَبَيَاض الثَّلج وَبَيَاض العاج وَلَا ريب أَن الْمعَانِي الْكُلية قد تكون متفاضلة فِي مواردها وَتَخْصِيص هَذَا الْقسم بِلَفْظ المشكك أَمر إصطلاحي وَلِهَذَا كَانَ من النَّاس من قَالَ هُوَ نوع من المتواطيء لِأَن وَاضع اللُّغَة لم يضع اللَّفْظ بِإِزَاءِ التَّفَاوُت الْحَاصِل لأَحَدهمَا بل بِإِزَاءِ الْقدر الْمُشْتَرك
وَبِالْجُمْلَةِ فالنزاع فِي هَذَا لَفْظِي فالمتواطئة الْعَامَّة تتَنَاوَل المشككة فَأَما المتواطئة الَّتِي تتساوى مَعَانِيهَا فَهِيَ قسيم المشككة
فالجمهور على أَن هَذِه الْأَسْمَاء عَامَّة كُلية سَوَاء سميت متواطئة ومشككة لَيست ألفاظا مُشْتَركَة إشتراكا لفظيا فَقَط وَهَذَا مَذْهَب أهل السّنة والمعتزلة والأشعرية والكرامية وَلَقَد طول شَيخنَا ابْن تَيْمِية هُنَا وَمَا أبقى مُمكنا إِلَى أَن قَالَ
وَإِذا تبين هَذَا فَقَوْل هَذَا المُصَنّف وأشباهه قَول المشبهة إِن أَرَادَ بالمشبهة
стр. 97
من أثبت من الْأَسْمَاء مَا يُسمى بِهِ الرب وَالْعَبْد فطائفتة وَجَمِيع النَّاس مشبهة وَإِن أَرَادَ بِهِ من جعل صِفَات الرب مثل صِفَات العَبْد فَهَؤُلَاءِ مبطلون ضالون وهم فيهم أَكثر مِنْهُم فِي غَيرهم وَأَنت تَتَكَلَّم بِأَلْفَاظ لَا تفهم مَعَانِيهَا وَلَا موارد إستعمالها وَإِنَّمَا تقوم بِنَفْسِك صُورَة تبنى عَلَيْهَا وكأنك وَالله أعلم عنيت بالحشوية المشبهة من بِبَغْدَاد وَالْعراق من الحنبلية دون غَيرهم وَهَذَا من جهلك فَإِنَّهُ لَيْسَ للحنبلية قَول إنفردوا بِهِ عَن غَيرهم من أهل السّنة وَالْجَمَاعَة بل كل مَا يَقُولُونَهُ قد قَالَه غَيرهم من طوائف أهل السّنة وَمذهب أهل السّنة وَالْجَمَاعَة مَذْهَب قديم مَعْرُوف قبل أَن يخلق الله أَبَا حنيفَة ومالكا وَالشَّافِعِيّ وَأحمد فَإِنَّهُ مَذْهَب الصَّحَابَة الَّذِي تلقوهُ عَن نَبِيّهم وَمن خَالف ذَلِك كَانَ مبتدعا عِنْد أهل السّنة وَالْجَمَاعَة فَإِنَّهُم متفقون على أَن إِجْمَاع الصَّحَابَة حجَّة ومتنازعون فِي إِجْمَاع من بعدهمْ
وَأحمد بن حَنْبَل إِن كَانَ قد إشتهر بإمامة السّنة وَالصَّبْر فِي المحنة فَلَيْسَ ذَلِك لِأَنَّهُ إنفرد بقول أَو ابتدع قولا بل لِأَن السّنة الَّتِي كَانَت مَوْجُودَة مَعْرُوفَة قبله علمهَا ودعا إِلَيْهَا وصبر على مَا امتحن بِهِ ليفارقها وَكَانَ الْأَئِمَّة قبل قد مَاتُوا قبل المحنة فَلَمَّا وَقعت محنة الْجَهْمِية نفاة الصِّفَات فِي أَوَائِل الْمِائَة الثَّالِثَة على عهد الْمَأْمُون وأخيه المعتصم ثمَّ الواثق ودعوا النَّاس إِلَى التجهم وَإِبْطَال صِفَات الله وَهُوَ الْمَذْهَب الَّذِي ذهب إِلَيْهِ متأخروا الرافضة وَكَانُوا قد أدخلُوا مَعَهم من أدخلوه من وُلَاة الْأَمر فَلم يوافقهم أهل السّنة وَالْجَمَاعَة حَتَّى هددوا بَعضهم بِالْقَتْلِ وقيدوا بَعضهم وعاقبوهم بالرهبة وَالرَّغْبَة وَثَبت أَحْمد بن حَنْبَل على ذَلِك الْأَمر حَتَّى حبسوه مُدَّة ثمَّ طلبُوا أَصْحَابهم لمناظرته فانقطعوا مَعَه فِي المناظرة يَوْمًا بعد يَوْم
وَلما لم يَأْتُوا بِمَا يُوجب مُوَافَقَته لَهُم وَبَين خطأهم فِيمَا ذكرُوا من الْأَدِلَّة وَكَانُوا قد طلبُوا أَئِمَّة الْكَلَام من أهل الْبَصْرَة وَغَيرهم مثل أبي عِيسَى مُحَمَّد بن عِيسَى برغوث صَاحب حُسَيْن النجار وَأَمْثَاله وَلم تكن المناظرة مَعَ الْمُعْتَزلَة فَقَط بل كَانَت مَعَ جنس الْجَهْمِية من
стр. 98
الْمُعْتَزلَة والنجارية والضرارية وأنواع المرجئة فَكل معتزلي جهمي وَلَيْسَ كل جهمي معتزليا لَكِن جهم أَشد تعطيلا لِأَنَّهُ يَنْفِي الْأَسْمَاء وَالصِّفَات والمعتزلة تَنْفِي الصِّفَات
وَبشر المريسي كَانَ من كبار الْجَهْمِية وَكَانَ مرجئا لم يكن معتزليا وبسبب محنة الإِمَام أَحْمد كثر الْكَلَام والتدقيق والبحث فِي هَذِه الْأَشْيَاء وَرفع الله قدر الإِمَام أَحْمد وَأَتْبَاعه
وَلَكِن الرافضي أَخذ ينكت على كل طَائِفَة بِمَا ظن أَنه يُخرجهَا بِهِ من الْأُصُول وَالْفُرُوع وَظن أَن طائفته هِيَ السليمة من الْقدح وَقد اتّفق عقلاء الْمُسلمين على أَنه لَيْسَ فِي طوائف أهل الْقبْلَة أَكثر جهلا وضلالا وكذبا وبدعا وَأقرب إِلَى كل شَرّ وَأبْعد من كل خير من طائفته
وَلِهَذَا لما صنف الْأَشْعَرِيّ كِتَابه فِي المقالات ذكر أَولا مقالتهم وَختم بمقالة أهل السّنة والْحَدِيث وَذكر أَنه بِكُل مَا ذكر من أَقْوَال أهل السّنة والْحَدِيث يَقُول وَإِلَيْهِ يذهب
فتسميته لأهل الْآثَار وَالْإِثْبَات مشبهة كتسميتهم لمن أثبت خلَافَة الثَّلَاثَة ناصبيا بِنَاء على إعتقادهم أَنه لَا ولَايَة لعَلي إِلَّا بِالْبَرَاءَةِ من الثَّلَاثَة وَإِنَّمَا النصب هُوَ بغض أهل الْبَيْت ومعاداتهم
والتشبيه هُوَ جعل صِفَات الرب مثل صِفَات العَبْد
стр. 99
وَمن أَرَادَ أَن يمدح أَو يذم فَعَلَيهِ أَن يبين دُخُول الممدوح والمذموم فِي تِلْكَ الْأَسْمَاء الَّتِي علق الله وَرَسُوله بهَا الْمَدْح والذم
أما إِذا كَانَ الإسم لَيْسَ لَهُ أصل فِي الشَّرْع وَدخُول الدَّاخِل فِيهِ مِمَّا يُنَازع فِيهِ الْمدْخل بطلت كل من المقدمتين
وَالْكتاب وَالسّنة لَيْسَ فيهمَا لَفْظَة ناصبة وَلَا مشبهة وَلَا حشوية بل وَلَا فيهمَا لفظ رَافِضِي
فَنحْن إِذا قُلْنَا رافضة نذكرهُ للتعريف لدُخُول أَنْوَاع مذمومة بِالنَّصِّ فِيهِ فَبَقيَ علما على هَؤُلَاءِ الجهلة الَّذين عدموا الصدْق والتوفيق
وقولك دَاوُد الطَّائِي فجهل وَإِنَّمَا هُوَ الجواربي فقد قَالَ الْأَشْعَرِيّ وَقَالَ دَاوُد الجواربي وَمُقَاتِل بن سُلَيْمَان أَن الله جسم وَأَنه جثة وأعضاء على صُورَة الْإِنْسَان لحم وَدم وَشعر وَعظم لَهُ جوارح وأعضاء وَهُوَ مَعَ هَذَا لَا يُشبههُ شَيْء
وَقَالَ هِشَام بن سَالم الجواليقي أَنه على صُورَة الْإِنْسَان
وَأنكر أَن يكون لَحْمًا ودما وَأَنه نور يتلألأ وَأَنه ذُو حواس خمس سَمعه غير بَصَره وَكَذَلِكَ سَائِر حواسه وَله يَد وَرجل وَعين وفم وأنف وَأَن لَهُ وفرة سَوْدَاء
قلت الْأَشْعَرِيّ ينْقل هَذِه المقالات من كتب الْمُعْتَزلَة وَفِيهِمْ إنحراف عَن مقَاتل
стр. 100
فلعلهم زادوا عَلَيْهِ وَإِلَّا فَمَا أَظُنهُ يصل إِلَى هَذَا الْحَد وَقد قَالَ الشَّافِعِي من أَرَادَ التَّفْسِير فَهُوَ عِيَال على مقَاتل وَمن أَرَادَ الْفِقْه فَهُوَ عِيَال على أبي حنيفَة
وَأما دَاوُد الطَّائِي فَكَانَ فَقِيها زاهد عابدا مَا قَالَ شَيْئا من هَذَا الْبَاطِل وَلَا دخل فِي هَذَا
قَالَ وَذهب بَعضهم إِلَى أَن الله ينزل كل لَيْلَة جُمُعَة بشكل أَمْرَد رَاكِبًا على حمَار حَتَّى أَن بَعضهم بِبَغْدَاد وضع على سطحه معلفا يضع فِيهِ شَعِيرًا كل لَيْلَة جُمُعَة الْجَوَاز أَن ينزل الله على سطحه فيشتغل الْحمار بِالْأَكْلِ ويشتغل الرب بالنداء هَل من تائب قُلْنَا هَذَا وَأَمْثَاله إِمَّا كذب أَو وَقع لجَاهِل مغمور لَيْسَ بقول عَالم وَلَا مَعْرُوف وَقد صان الله عُلَمَاء السّنة بل وعامتهم من قَول هَذَا الهذيان الَّذِي لَا ينطلي على الصّبيان
ثمَّ لم يرو فِي ذَلِك شَيْء لَا بِإِسْنَاد ضَعِيف وَلَا بِإِسْنَاد مَكْذُوب وَلَا قَالَ أحد إِنَّه تَعَالَى ينزل لَيْلَة الْجُمُعَة إِلَى الأَرْض وَلَا أَنه فِي شكل أَمْرَد
وَهَذَا مثل حَدِيث الْجمل الأورق وَأَنه تَعَالَى ينزل عَشِيَّة عَرَفَة فيعانق المشاة ويصافح الركْبَان قبح الله من وَضعه
وَمَا أَكثر الْكَذِب فِي الْعَالم وَلَكِن تِسْعَة أعشاره أَو أقل أَو أَكثر بأيدي الرافضة
وَأما أَحَادِيث النُّزُول إِلَى سَمَاء الدُّنْيَا فمتواترة وَحَدِيث دنوه عَشِيَّة عَرَفَة فَأخْرجهُ مُسلم وَلَا نعلم كَيفَ ينزل وَلَا كَيفَ اسْتَوَى
стр. 101
قَالَ وَقَالَت الكرامية إِن الله فِي جِهَة فَوق وَلم يعلمُوا أَن كل مَا هُوَ فِي جِهَة فَهُوَ مُحدث مُحْتَاج إِلَى تِلْكَ الْجِهَة فَيُقَال لَهُ نعم هَذَا مَذْهَبهم وَمذهب كبار الشِّيعَة الْمُتَقَدِّمين وَأَنت لم تذكر حجَّة على إِبْطَاله
وَجُمْهُور الْخلق على أَن الله فَوق الْعَالم وَإِن كَانَ أحدهم لَا يلفظ بِلَفْظ الْجِهَة فهم مفطورون مجبولون على أَن معبودهم فَوق كَمَا قَالَ أَبُو جَعْفَر الْهَمدَانِي لأبي الْمَعَالِي مَا مَعْنَاهُ إِن الإستواء علم بِالسَّمْعِ وَلَو لم يرد بِهِ
стр. 102
لم نعرفه وَأَنت قد تتأوله فَدَعْنَا من هَذَا وَأخْبرنَا عَن هَذِه الضَّرُورَة الَّتِي نجدها فِي قُلُوبنَا فَإِنَّهُ مَا قَالَ عَارِف قطّ يَا الله إِلَّا وَقبل أَن ينْطق لِسَانه يجد فِي قلبه معنى يطْلب الْعُلُوّ لَا يلْتَفت يمنة وَلَا يسرة فَهَل عنْدك من حِيلَة فِي دفع هَذِه الضَّرُورَة عَن قُلُوبنَا فلطم الْمُتَكَلّم رَأَيْته صَوَابه رَأسه وَقَالَ حيرني الْهَمدَانِي يَعْنِي أَن الدَّلِيل على نفي الْفَوْقِيَّة نَظَرِي فَكيف يُعَارض ضَرُورَة الْفطر بل وتواتر النُّصُوص فَإِن دفع الضروريات بالنظريات غير مُمكن وَلَو قدح فِي الضروريات لَكَانَ ذَلِك قدحا فِي أساس النظريات وَهُوَ من بَاب قدح الْفَرْع فِي أَصله فَتبْطل الضروريات والنظريات
وَأَيْضًا فَإِن هَؤُلَاءِ قرروا ذَلِك بأدلة عقلية كَقَوْلِهِم كل موجودين إِمَّا متباينان وَإِمَّا متداخلان وَقَالُوا إِن الْعلم بذلك بضروري
وَقَالُوا إِثْبَات مَوْجُود لَا يشار إِلَيْهِ مُكَابَرَة للحس وَالْعقل
وَهَذَا الْقُرْآن ينْطق بالعلو فِي مَوَاضِع كَثِيرَة جدا حَتَّى قيل
стр. 103
إِنَّهَا نَحْو ثَلَاثمِائَة مَوضِع
وَالسّنَن ملأى بذلك وَكَلَام السّلف يَقْتَضِي إتفاقهم على ذَلِك
فَمن يُرِيد التشنيع على النَّاس وَدفع الدَّلَائِل القاطعة لَا بُد أَن يذكر حجَّة
فقولك إِن كل مَا هُوَ فِي جِهَة فَهُوَ مُحدث ومحتاج إِلَيْهَا إِنَّمَا يَسْتَقِيم إِذا كَانَت الْجِهَة أمرا ثبوتيا وجوديا وَكَانَت لَازِمَة لَهُ
فَلَا ريب أَن من قَالَ إِن الْبَارِي لَا يقوم إِلَّا بِمحل يحل فِيهِ لَا يَسْتَغْنِي عَنهُ فقد جعله مُحْتَاجا
وَهَذَا لم يقلهُ أحد وَلَا علمنَا أحدا قَالَ إِنَّه مُحْتَاج إِلَى شَيْء من مخلوقاته لِأَنَّهُ خلق الْعَرْش فَدلَّ على أَنه غَنِي عَنهُ قبل وَبعد وَإِذا كَانَ فَوْقه لم يجب أَن يكون مُحْتَاجا إِلَيْهِ
بل الله قد خلق الْعَالم بعضه فَوق بعض وَلم يَجْعَل عاليه مُحْتَاجا إِلَى سافله فالأرض فَوْقهَا الْهَوَاء والسحاب ثمَّ السَّمَاوَات ثمَّ الْعَرْش
وَنحن نعلم أَنه لَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه وَأَن الْقُوَّة الَّتِي فِي حَملَة الْعَرْش هُوَ خَالِقهَا
وَلَو احْتج عَلَيْك سلفك مثل عَليّ بن يُونُس القمي الرافضي الْقَائِل بِأَن الْعَرْش يحملهُ لم يكن عنْدك حجَّة فَإِنَّهُم يَقُولُونَ لم نقل إِنَّه مُحْتَاج إِلَيْهِ وَلَكِن قُلْنَا إِنَّه على كل شَيْء قدير وَإِذا جَعَلْنَاهُ قَادِرًا على أَن خلق شَيْئا يحملهُ كَانَ ذَلِك وَصفا لَهُ بِكَمَال الإقتدار لَا بِالْحَاجةِ
وَقد قدمنَا أَن لفظ الْجِهَة يُرَاد بِهِ أَمر مَوْجُود مَخْلُوق وَأمر مَعْدُوم
فَمن قَالَ إِنَّه تَعَالَى فَوق الْعَالم جَمِيعه لم يقل إِنَّه فِي جِهَة مَوْجُودَة إِلَّا أَن يُرَاد بالجهة الْعَرْش وَيُرَاد بِكَوْنِهِ فِيهَا أَنه عَلَيْهَا كَمَا جَاءَ أَنه فِي السَّمَاء أَي على السَّمَاء
وَهَؤُلَاء أخذُوا لفظ الْجِهَة بالإشتراك وأوهموا أَنه إِذا كَانَ فِي جِهَة كَانَ فِي شَيْء غَيره كَمَا يكون الْإِنْسَان فِي بَيته ثمَّ رتبوا على ذَلِك أَن يكون مُحْتَاجا إِلَى غَيره وَهَذِه مُقَدمَات بَاطِلَة
وَقَالُوا إِنَّه لَو كَانَ فِي جِهَة لَكَانَ جسما وكل جسم مُحدث لِأَن الْجِسْم لَا يَخْلُو من الْحَوَادِث فَهُوَ حَادث
وكل هَذِه مُقَدمَات متنازع فِيهَا فَمن النَّاس من يَقُول قد يكون فِي الْجِهَة من لَيْسَ بجسم
فَإِذا قيل لَهُ هَذَا خلاف الْمَعْقُول قَالَ هَذَا أقرب إِلَى الْعُقُول من مَوْجُود لَا دَاخل الْعَالم وَلَا خَارجه
وَمن النَّاس من لَا يسلم أَن كل جسم مُحدث كالكرامية وقدماء الشِّيعَة وَلَا يسلمُونَ أَن الْجِسْم لَا يَخْلُو من الْحَوَادِث
وَكثير من أهل الحَدِيث وَالْكَلَام والفلسفة
стр. 104
ينازعون فِي قَوْلهم إِن مَا لَا يَخْلُو عَن الْحَوَادِث فَهُوَ حَادث
قَالَ وَذهب الْأَكْثَر مِنْهُم إِلَى أَن الرب يفعل القبائح وَالْكفْر وَأَن جَمِيع ذَلِك وَاقع بِقَضَاء الله وَقدره وَأَن العَبْد لَا تَأْثِير لَهُ فِي ذَلِك وَأَن الله يُرِيد الْمعاصِي من الْكَافِر وَلَا يُرِيد مِنْهُ طَاعَة
قُلْنَا قد تقدم أَن مسَائِل الْقدر وَالتَّعْدِيل والتجوير لَيست ملزومة لمسائل الْإِمَامَة وَلَا لَازِمَة لَهَا وَأَنت تعيدها وتبدئها
فَإِن خلقا مِمَّن يقر بإمامة أبي بكر وَعمر قدرية وخلقا من الرافضة بعكس ذَلِك فَلَيْسَ أحد الْبَابَيْنِ مرتبطا بِالْآخرِ أصلا
وَالْمَنْقُول عَن أهل الْبَيْت فِي إِثْبَات الْقدر وَالصِّفَات لَا ينْحَصر
وَلَكِن متأخرو الرافضة جمعُوا إِلَى رفضهم التجهم وَالْقدر كصاحب هَذَا الْكتاب
وقولك عَنْهُم إِن العَبْد لَا تَأْثِير لَهُ فِي الْكفْر والمعاصي فَنقل بَاطِل بل جُمْهُور من أثبت الْقدر يَقُول إِن العَبْد فَاعل لفعله حَقِيقَة وَإِن لَهُ قدرَة واستطاعة
وَلَا يُنكرُونَ تَأْثِير الْأَسْبَاب الطبيعية بل يقرونَ بِمَا دلّ عَلَيْهِ الشَّرْع وَالْعقل من أَن الله يخلق السَّحَاب بالرياح وَينزل المَاء بالسحاب وينبت النَّبَات بِالْمَاءِ وَالله خَالق السَّبَب والمسبب
وَمَعَ أَنه خَالق السَّبَب فَلَا بُد لَهُ من سَبَب آخر يُشَارِكهُ وَلَا بُد لَهُ من معَارض يمانعه فَلَا يتم أَثَره مَعَ خلق الله لَهُ إِلَّا بِأَن يخلق الله السَّبَب الآخر ويزيل الْمَوَانِع وَلَكِن مَا قلته هُوَ قَول الْأَشْعَرِيّ وَمن وَافقه لَا يثبتون فِي الْمَخْلُوقَات قوى وَلَا طبائع وَيَقُولُونَ إِن الله فعل عِنْدهَا لَا بهَا وَيَقُولُونَ قدرَة العَبْد لَا تَأْثِير لَهَا فِي الْفِعْل
وأبلغ من ذَلِك قَول الْأَشْعَرِيّ إِن الله فَاعل فعل العَبْد وَإِن فعل العَبْد لَيْسَ فعله بل كسب لَهُ
стр. 105
وَإِنَّمَا هُوَ فعل الله فَقَط
وَجُمْهُور النَّاس وَالسّنة على خلاف قَوْله وعَلى أَن العَبْد فَاعل لفعله حَقِيقَة
وقولك يُرِيد الْمعاصِي من الْكَافِر هُوَ قَول طَائِفَة وهم الَّذين يجْعَلُونَ الْإِرَادَة نوعا وَاحِدًا ويجعلون المحنة وَالرِّضَا وَالْغَضَب بِمَعْنى الْإِرَادَة وَهُوَ أشهر قولي الْأَشْعَرِيّ وَقَول أَكثر أَصْحَابه
وَأما جُمْهُور السّنة فيفرقون بَين الْإِرَادَة والمحبة وَالرِّضَا وَيَقُولُونَ إِنَّه وَإِن كَانَ يُرِيد الْمعاصِي فَهُوَ لَا يُحِبهَا وَلَا يرضاها بل يبغضها والمحققون يَقُولُونَ الْإِرَادَة فِي الْقُرْآن نَوْعَانِ
إِرَادَة قدرية كونية وَإِرَادَة شَرْعِيَّة دينية
فالشرعية هِيَ المتضمنة للمحبة وَالرِّضَا والقدرية هِيَ الشاملة لجَمِيع الْحَوَادِث فَمَا شَاءَ الله كَانَ وَمَا لم يَشَأْ لم يكن
قَالَ الله تَعَالَى ﴿فَمن يرد الله أَن يهديه يشْرَح صَدره لِلْإِسْلَامِ وَمن يرد أَن يضله يَجْعَل صَدره ضيقا حرجا﴾ وَقَالَ ﴿إِن كَانَ الله يُرِيد أَن يغويكم﴾ فَهَذِهِ الْإِرَادَة تعلّقت بالإضلال والإغواء
وَأما الشَّرْعِيَّة فكقوله ﴿يُرِيد الله ليبين لكم وَيهْدِيكُمْ سنَن الَّذين من قبلكُمْ﴾ وَقَوله ﴿مَا يُرِيد الله ليجعل عَلَيْكُم من حرج﴾ ﴿إِنَّمَا يُرِيد الله ليذْهب عَنْكُم الرجس أهل الْبَيْت﴾ فَهَذِهِ غير تيك
قَالَ وَهَذَا يسْتَلْزم أَشْيَاء شنيعة مِنْهَا أَن يكون الله أظلم من كل ظَالِم لِأَنَّهُ يُعَاقب الْكَافِر على كفره وَهُوَ قدره عَلَيْهِ وَلم يخلق فِيهِ قدرَة على الْإِيمَان فَكَمَا أَنه يلْزم الظُّلم لَو عذبه على كَونه طوله وقصره يلْزم أَن يكون ظَالِما لَو عذبه على الْمعْصِيَة الَّتِي جعلهَا فِيهِ
فَيُقَال قد مر أَن الْجُمْهُور فِي تَفْسِير الظُّلم على قَوْلَيْنِ أَحدهمَا أَن الظُّلم مُمْتَنع لذاته غير مَقْدُور كَمَا صرح بِهِ الْأَشْعَرِيّ وَالْقَاضِي أَبُو بكر وَأَبُو الْمَعَالِي وَالْقَاضِي أَبُو يعلى وَابْن الزَّاغُونِيّ وَيَقُولُونَ إِنَّه غير قَادر على الْكَذِب وَالظُّلم والقبيح وَلَا يَصح وَصفه
стр. 106
بِشَيْء من ذَلِك
ودلالتهم على إستحالة وُقُوع ذَلِك مِنْهُ أَن الظُّلم والقبيح مَا شرع الله وجوب ذمّ فَاعله وذم الْفَاعِل لما لَيْسَ لَهُ فعله وَلنْ يكون كَذَلِك حَتَّى يكون متصرفا فِيمَا غَيره أملك بِهِ وبالتصرف فِيهِ مِنْهُ فَوَجَبَ إستحالة ذَلِك فِي حَقه من حَيْثُ لم يكن أَمر النَّاس بذمه وَلَا كَانَ مِمَّن يجوز دُخُول أَفعاله تَحت تَكْلِيف من نَفسه لنَفسِهِ وَلَا يكون فعله تَصرفا فِي شَيْء غَيره أملك بِهِ فَثَبت بذلك اسْتِحَالَة تصَوره فِي حَقه
وَحَقِيقَة قَول هَؤُلَاءِ أَن الذَّم إِنَّمَا يكون لمن تصرف فِي ملك غَيره وَمن عصى الْأَمر وَالله يمْتَنع أَن يَأْمُرهُ أحد وَيمْتَنع أَن يتَصَرَّف فِي ملك غَيره فَإِن الْأَشْيَاء لَهُ
وَهَذَا القَوْل يرْوى عَن إِيَاس ابْن مُعَاوِيَة قَالَ مَا خَاصَمت بعقلي كُله إِلَّا الْقَدَرِيَّة قلت أخبروني مَا الظُّلم قَالُوا أَن يتَصَرَّف الْإِنْسَان فِيمَا لَيْسَ لَهُ
قلت فَللَّه كل شَيْء
ثمَّ هَؤُلَاءِ يجوزون التعذيب لَا لجرم فَلَا يرد عَلَيْهِ الْمُعَارضَة بتعذيب الْقصير لقصره وَلَا الْأسود للونه لأَنهم يجوزون ذَلِك لمحض الْمَشِيئَة
القَوْل الثَّانِي أَن الظُّلم مَقْدُور لله منزه عَنهُ كتعذيب الْإِنْسَان بذنب غَيره كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿وَمن يعْمل من الصَّالِحَات وَهُوَ مُؤمن فَلَا يخَاف ظلما وَلَا هضما﴾ وَهَؤُلَاء يَقُولُونَ الْفرق بَين تَعْذِيب الْإِنْسَان على فعله الإختياري وَغير فعله الإختياري مُسْتَقر فِي فطر الْعُقُول
وَيَقُولُونَ الإحتجاج بِالْقدرِ على الذُّنُوب مِمَّا يعلم بُطْلَانه بِالْعقلِ فَإِن الظَّالِم لغيره لَو احْتج بِالْقدرِ لاحتج ظالمه بِالْقدرِ أَيْضا
فالإحتجاج على فعل الْمعاصِي بِالْقدرِ بَاطِل بإتفاق الْملَل والعقلاء وَإِنَّمَا يحْتَج بِهِ من اتبع هَوَاهُ كَمَا قيل أَنْت عِنْد الطَّاعَة
стр. 107
قدري وَعند الْمعْصِيَة جبري أَي مَذْهَب وَافق هَوَاك تمذهبت بِهِ
وَلَو كَانَ الْقدر حجَّة لفاعل الْفَوَاحِش لم يحسن أَن يلوم أحد أحدا وَلَا أَن يُعَاقب أحد أحدا
وَقد يعرض ذَلِك لكثير من المدعين الْحَقِيقَة من الْفُقَرَاء والصوفية والعامة وَغَيرهم فَيَشْهَدُونَ الْقدر ويعرضون عَن الْأَمر وَالنَّهْي
فَلَا عذر لأحد فِي ترك مَأْمُور وَلَا فعل مَحْظُور بِكَوْن ذَلِك مُقَدرا عَلَيْهِ بل لله الْحجَّة الْبَالِغَة على خلقه
فالمحتجون بِالْقدرِ على الْمعاصِي شَرّ من الْقَدَرِيَّة المكذبين بِالْقدرِ
وَمن ثمَّ اتهمَ بِالْقدرِ جمَاعَة لم يَكُونُوا قدرية لَكِن كَانُوا لَا يقبلُونَ الإحتجاج على الْمعاصِي بِالْقدرِ كَمَا قيل للْإِمَام أَحْمد كَانَ ابْن أبي ذِئْب قدريا فَقَالَ النَّاس كل من شدد عَلَيْهِم الْمعاصِي قَالُوا هُوَ قدري
وَلِهَذَا تَجِد الَّذين يشْهدُونَ الْقدر يُنكرُونَ على من أنكر الْمُنكر وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ قدر عَلَيْهِم
فَيُقَال لهَذَا وإنكار الْمُنكر أَيْضا بِقدر الله فنقضت قَوْلك بِقَوْلِك
وَمن جهلة مشايخهم من يَقُول أَنا كَافِر بِرَبّ يعْصى وَلَو قتلت سبعين نَبيا مَا كنت مخطئا
وَيَقُول آخر
(أَصبَحت منفعلا لما يختاره ... مني ففعلي كُله طاعات)
وَمن النَّاس من يظنّ أَن إحتجاج آدم على مُوسَى بِالْقدرِ كَانَ من هَذَا الْبَاب وَهَذَا جهل فَإِن الْأَنْبِيَاء من أعظم النَّاس أمرا بِمَا أَمر الله بِهِ ونهيا عَمَّا نهى عَنهُ فَكيف يسوغ لأجد مِنْهُم أَن يَعْصِي الله بِالْقدرِ
وَأَيْضًا فَإِن آدم كَانَ قد تَابَ من الذَّنب وتيب عَلَيْهِ وَلَو كَانَ الْقدر حجَّة لَكَانَ حجَّة لإبليس وَفرْعَوْن وَغَيرهمَا وَلَكِن كَانَ ملام مُوسَى لآدَم لأجل الْمُصِيبَة الَّتِي لحقتهم بِسَبَب أكله وَلِهَذَا قَالَ لَهُ لماذا أخرجتنا وبنيك من
стр. 108
الْجنَّة وَالْعَبْد مَأْمُور أَن يرجع إِلَى الْقدر عِنْد المصائب
لَا عِنْد الذُّنُوب والمعايب فيصبر على المصائب وَيَتُوب من الذُّنُوب
قَالَ الله تَعَالَى ﴿فاصبر إِن وعد الله حق واستغفر لذنبك﴾ وَمَعْلُوم أَن الْأَفْعَال الإختيارية تكسب نفس الْإِنْسَان صِفَات محمودة وصفات مذمومة بِخِلَاف لَونه وقصره فَإِنَّهَا لَا تكسبه ذَلِك
قَالَ ابْن عَبَّاس إِن للحسنة نورا فِي الْقلب وضياء فِي الْوَجْه وسعة فِي الرزق وَقُوَّة فِي الْبدن ومحبة فِي قُلُوب الْخلق فَالله تَعَالَى جعل أَفعَال العَبْد سَببا لهَذَا وَهَذَا كَمَا جعل أكل السم سَببا للمرض وَالْمَوْت لَكِن قد يدْفع ذَلِك بالترياق كَمَا أَن السَّيِّئَات قد يدْفع مقتضاها بِالتَّوْبَةِ والأعمال الصَّالِحَة الماحية والمصائب المكفرة
وَإِذا قيل خلق الْفِعْل مَعَ حُصُول الْعقُوبَة عَلَيْهِ ظلم كَانَ بِمَنْزِلَة قَوْلك خلق السم ثمَّ حُصُول التّلف بِهِ ظلم
وَقد دلّت الدَّلَائِل اليقينية على أَن كل حَادث فَالله خالقه وَفعل العَبْد من جملَة الْحَوَادِث فَمَا شَاءَ الله كَانَ وَمَا لم يَشَأْ لم يكن
وَإِذا قيل حدث الْفِعْل بِإِرَادَة العَبْد
قُلْنَا الْإِرَادَة أَيْضا حَادِثَة فَلَا بُد لَهَا من سَبَب
وَإِن شِئْت قلت الْفِعْل مُمكن فَلَا تَرْجِيح لوُجُوده على عَدمه إِلَّا بمرجح
وَكَون العَبْد فَاعِلا لَهُ حَادث مُمكن
فَلَا بُد لَهُ من مُحدث مُرَجّح
وَلَا فرق فِي ذَلِك بَين حَادث وحادث
وَمن الْمَخْلُوقَات مَا قد يحصل بِهِ ضَرَر للْبَعْض كالأمراض والآلام
وَفِي ذَلِك حِكْمَة لله
فَإِذا كَانَ الْعقَاب على فعل العَبْد الإختياري لم يكن ظلما فالحادث بِالنِّسْبَةِ إِلَى الرب لَهُ فِيهِ حِكْمَة يحسن لأجل تِلْكَ الْحِكْمَة وَذَلِكَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى العَبْد عدل لِأَنَّهُ عُوقِبَ على فعله فَمَا ظلمه الله وَلَكِن هُوَ الظَّالِم
وَلَو عاقبه الْوَالِي وَقطع يَده ورد إِلَى رب المَال سَرقته لعد حَاكما بِالْعَدْلِ
وَلَو قَالَ لَهُ السَّارِق أَنا قدر على لم يكن هَذَا حجَّة لَهُ وَلَا مَانِعا لحكم الْوَالِي
فَإِذا اقْتصّ الله من الظَّالِم يَوْم الْقِيَامَة كَانَ عادلا وَلَا ينفع الظَّالِم قَوْله أَنْت
стр. 109
قدرت عَليّ وَلَيْسَ الْقدر بِعُذْر لَهُ
وَإِذا كَانَ الله هُوَ الْخَالِق لكل شَيْء فَذَاك لحكمة أُخْرَى لَهُ فِي الْفِعْل فخلقه حسن بِالنِّسْبَةِ لما فِيهِ من الْحِكْمَة
وَلَقَد أنكر الْأَئِمَّة على من قَالَ جبر الله الْعباد كالثوري وَالْأَوْزَاعِيّ والزبيدي وَأحمد بن حَنْبَل وَقَالُوا الْجَبْر لَا يكون إِلَّا من عَاجز كَمَا يجْبر الْأَب ابْنَته على خلاف مرادها وَالله تَعَالَى خَالق الْإِرَادَة وَالْمرَاد فَيُقَال جبل الله الْعباد كَمَا جَاءَت بِهِ السّنة وَلَا يُقَال جبر قَالَ النَّبِي ﷺ لأشج عبد الْقَيْس إِن فِيك لخلتين يحبهما الله الْحلم والأناة
فَقَالَ أخلقين تخلقت بهما أم جبلت عَلَيْهِمَا قَالَ بل جبلت عَلَيْهِمَا
فَقَالَ الْحَمد لله الَّذِي جبلني على خلتين يحبهما الله
فجهة خلق الله وَتَقْدِيره غير جِهَة أمره وتشريعه فَإِن أمره وتشريعه مَقْصُوده بَيَان مَا ينفع الْعباد إِذا فَعَلُوهُ وَمَا يضرهم
بِمَنْزِلَة أَمر الطَّبِيب الْمَرِيض بِمَا يَنْفَعهُ وحميته مِمَّا يضرّهُ
فَأخْبر الله على ألسن رسله بمصير السُّعَدَاء والأشقياء وَأمر بِمَا يُوصل إِلَى السَّعَادَة وَنهى عَمَّا يُوصل إِلَى الشقاوة
وَأما خلقه وَتَقْدِيره فَيتَعَلَّق بِهِ وبجملة الْمَخْلُوقَات فيفعل مَا لَهُ فِيهِ حِكْمَة مُتَعَلقَة بِعُمُوم خلقه وَإِن كَانَ فِي ضمن ذَلِك مضرَّة للْبَعْض
كَمَا أَنه ينزل الْغَيْث رَحْمَة وَحِكْمَة وَإِن كَانَ فِي ضمن ذَلِك ضَرَر للْبَعْض بِسُقُوط منزله أَو إنقطاعه عَن سَفَره أَو تَعْطِيل معيشته
وَيُرْسل الرُّسُل رَحْمَة وَحِكْمَة وَإِن كَانَ فِي ضمن ذَلِك أَذَى قوم وَسُقُوط رياستهم
فَإِذا قدر على الْكَافِر كفره قدره لما فِي ذَلِك من الْحِكْمَة والمصلحة الْعَامَّة وعاقبه لإستحقاقه ذَلِك بِفِعْلِهِ الإختياري وَلما فِي عُقُوبَته من الْحِكْمَة والمصلحة الْعَامَّة
стр. 110
وَقِيَاس أَفعاله تَعَالَى على أفعالنا خطأ ظَاهر لِأَن السَّيِّد يَأْمر عَبده بِأَمْر لِحَاجَتِهِ إِلَيْهِ ولغرضه فَإِذا أثابه على ذَلِك كَانَ من بَاب الْمُعَاوضَة وَلَيْسَ هُوَ الْخَالِق لفعل الْمَأْمُور
وَالله غَنِي عَن الْعباد إِنَّمَا أَمرهم بِمَا يَنْفَعهُمْ ونهاهم عَمَّا يضرهم أَمر إرشاد وَتَعْلِيم فَإِن أعانهم على فعل الْمَأْمُور فقد تمت نعْمَته وَإِن خذل وَلم يعن العَبْد حَتَّى فعل الذَّنب كَانَ لَهُ فِي ذَلِك حِكْمَة أُخْرَى وَإِن كَانَت مستلزمة تألم هَذَا فَإِنَّمَا يألم بأفعاله الَّتِي من شَأْنهَا أَن تورثه نعيما أَو عذَابا وَإِن ذَلِك الإيراث بِقَضَاء الله وَقدره فَلَا مُنَافَاة بَين هَذَا وَهَذَا
بَقِي الْكَلَام فِي نفس تِلْكَ الْحِكْمَة الْكُلية فَهَذِهِ لَيْسَ على النَّاس مَعْرفَتهَا ويكفيهم التَّسْلِيم لمن قد عرفُوا حكمته وَرَحمته وَقدرته
فَمن الْمَعْلُوم مَا لَو علمه كثير من النَّاس لضرهم علمه فحكمته أكبر من الْعُقُول قَالَ تَعَالَى ﴿لَا تسألوا عَن أَشْيَاء إِن تبد لكم تَسُؤْكُمْ﴾
وَهَذِه الْمَسْأَلَة مَسْأَلَة غايات أَفعَال الله تَعَالَى وَنِهَايَة حكمته ولعلها أجل الْمسَائِل الإلهية وَمَا ضلت الْقَدَرِيَّة إِلَّا من جِهَة قِيَاس الله بخلقه فِي عدلهم وظلمهم كَمَا ضلت الجبرية الَّذين لَا يجْعَلُونَ لأفعال الله حِكْمَة وَلَا ينزهونه عَن ظلم وَدين الله بَين الغالي فِيهِ والجافي عَنهُ
وقولك عَنْهُم وَلم يخلق فِيهِ قدرَة على الْإِيمَان فَهَذَا قَالَه من يَقُول
إِن الْقُدْرَة لَا تكون إِلَّا مَعَ الْفِعْل فَمن لم يفعل شَيْئا لم يكن قَادِرًا عَلَيْهِ وَلَكِن لَا يكون عَاجِزا عَنهُ
وَلَيْسَ ذَا قَول جُمْهُور السّنة بل يثبتون للْعَبد قدرَة هِيَ منَاط الْأَمر وَالنَّهْي غير الْقُدْرَة الْمُقَارنَة للْفِعْل وَتلك الْقُدْرَة تكون مُتَقَدّمَة على الْفِعْل بِحَيْثُ تكون لمن لم يطع كَمَا قَالَ الله تَعَالَى (وَللَّه على النَّاس حج الْبَيْت من إستطاع إِلَيْهِ سَبِيلا) فَأوجب الْحَج على المستطيع فَلَو لم يسْتَطع إِلَّا من حج لم يكن الْحَج إِلَّا على من
следующие страницы →