← Акыда

Акыда · id 6531

المنتقى من منهاج الاعتدال

شمس الدين الذهبي

Полный текст (545 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

الْمُتَأَخِّرين وتكلفوا لَهُ وتتبعوه فقولك إِنَّه منبع الفصاحة مُجَرّد دَعْوَى بل أنصح النَّاس رَسُول الله ﷺ وَلَيْسَت الفصاحة التشدق فِي الْكَلَام والتقعير وَلَا البلاغة التَّجْنِيس والسجع بل البلاغة بُلُوغ الْمَطْلُوب بأتم عبارَة فَيجمع صَاحبهَا بَين تَكْمِيل الْمعَانِي الْمَقْصُودَة وَبَين تبيينها بِأَحْسَن وَجه ثمَّ غَالب الْخطب الَّتِي يَأْتِي بهَا صَاحب نهج البلاغة كذب على عَليّ وَعلي أَعلَى قدرا من أَن يتَكَلَّم بذلك الْكَلَام وَلَكِن هَؤُلَاءِ وضعُوا أكاذيب وظنوا أَنَّهَا مدح فَلَا هِيَ صدق وَلَا هِيَ لَهُ مدح وقولك إِن كَلَامه فَوق كَلَام الْمَخْلُوق كَلَام مَلْعُون فِيهِ إساءة أدب على الرَّسُول وَهَذَا مثل مَا قَالَ ابْن سبعين هَذَا كَلَام يشبه بِوَجْه مَا كَلَام الْبشر وَهَذَا ينْزع إِلَى أَن يَجْعَل كَلَام الله مَا فِي نفوس الْبشر وَلَيْسَ هَذَا من كَلَام الْمُسلمين وَأَيْضًا فالمعاني الصَّحِيحَة الَّتِي تُوجد فِي كَلَام عَليّ مَوْجُودَة فِي كَلَام غَيره لَكِن صَاحب نهج البلاغة وَأَمْثَاله أخذُوا كثيرا من كَلَام النَّاس فجعلوه من كَلَام عَليّ وَمِنْه مَا يحْكى عَن عَليّ أَنه تكلم بِهِ وَمِنْه مَا هُوَ كَلَام حق يَلِيق بِهِ أَن يتَكَلَّم بِهِ وَلَكِن هُوَ فِي نفس الْأَمر من كَلَام غَيره وَفِي كتاب الْبَيَان والتبيين للجاحظ كَلَام كثير مَنْقُول عَن غير عَليّ وَصَحب نهج البلاغة يَأْخُذهُ ويلصقه بعلي وَهَذِه الْخطب المنقولة فِي كتاب نهج البلاغة لَو كَانَت كلهَا عَن عَليّ من كَلَامه لكَانَتْ مَوْجُودَة قبل هَذَا المُصَنّف منقولة عَن عَليّ بِالْأَسَانِيدِ وبغيرها فَإِذا عرف من لَهُ خبْرَة بالمنقولات أَن كثيرا مِنْهَا بل أَكْثَرهَا لَا يعرف قبل هَذَا علم أَن هَذَا كذب وَإِلَّا فليبين النَّاقِل لَهَا فِي أَي كتاب ذكر ذَلِك وَمن

стр. 492

الَّذِي نَقله عَن عَليّ وَمَا إِسْنَاده وَإِلَّا فالدعوى الْمُجَرَّدَة لَا يعجز عَنْهَا أجد وَمن كَانَت لَهُ خبْرَة بِمَعْرِِفَة طَريقَة أهل الحَدِيث وَمَعْرِفَة الْآثَار وَالْمَنْقُول بِالْأَسَانِيدِ وَتبين صدقهَا من كذبهَا علم أَن هَؤُلَاءِ الَّذين ينقلون مثل هَذَا عَن عَليّ من أبعد النَّاس عَن المنقولات والتمييز بَين صدقهَا وكذبها قَالَ وَقَالَ سلوني قبل أَن تفقدوني سلوني عَن طرق السَّمَاء فَإِنِّي أعلم بهَا من طرق الأَرْض فَنَقُول لَا ريب أَن عليا لم يكن يَقُول هَذَا بِالْمَدِينَةِ بَين سادة الصَّحَابَة الَّذين يعلمُونَ كَمَا يعلم وَإِنَّمَا قَالَ هَذَا لما صَار إِلَى الْعرَاق بَين قوم لَا يعْرفُونَ كثيرا من الدّين وَهُوَ الإِمَام الَّذِي يجب عَلَيْهِ أَن يعلمهُمْ ويفقههم وَقَوله أَنا أعلم بطرق السَّمَاء إِن كَانَ قَالَه فَمَعْنَاه أعلم بِمَا يَتَقَرَّبُون بِهِ من الْأَمر وَالنَّهْي وَالْعِبَادَة وَالْجنَّة وَالْمَلَائِكَة مَا لَا أعلمهُ فِي الأَرْض لَيْسَ مُرَاده أَنه صعد بِبدنِهِ إِلَى السَّمَاء هَذَا لَا يَقُوله مُسلم وَهَذَا كَأَنَّهُ مَوْضُوع وَلَا يعرف لَهُ إِسْنَاد وَقد تضل بِهِ الغلاة الَّذين يَعْتَقِدُونَ نبوته فيحتجون بِهَذَا بل وَكثير من الْعَوام والنساك يَعْتَقِدُونَ فِي بعض الشُّيُوخ نَحْو هَذَا قَالَ وَإِلَيْهِ رَجَعَ الصَّحَابَة فِي مشكلاتهم ورد عمر فِي قضايا كَثِيرَة قَالَ فِيهَا لَوْلَا عَليّ لهلك عمر فَيُقَال مَا رَجَعَ الصَّحَابَة إِلَيْهِ فِي شَيْء من دينهم بل كَانَت النَّازِلَة تنزل فيشاور عمر عليا وَعُثْمَان وَابْن عَوْف وَابْن مَسْعُود وَزيد بن ثَابت وَأَبا مُوسَى وَجَمَاعَة حَتَّى كَانَ يدْخل ابْن عَبَّاس مَعَهم مَعَ صغر سنه وَهَذَا مِمَّا أَمر الله بِهِ الْمُؤمنِينَ ومدحهم عَلَيْهِ بقوله (وَأمرهمْ شُورَى بَينهم) وَلِهَذَا كَانَ رَأْي عمر وَحكمه وسياسته من أَسد الْأُمُور وَقد أجَاب ابْن عَبَّاس عَن مشكلات أَكثر مِمَّا أجَاب عَليّ بِكَثِير لطول مدَّته وَاحْتَاجَ النَّاس إِلَى علمه وَكَانَ عمر يشاورهم مَعَ أَنه أعلم مِنْهُم وَكَثِيرًا مَا كَانُوا يرجعُونَ إِلَى قَوْله كالعمريتين والعول وَغَيرهمَا فَإِن عمر وَهُوَ أول من أجَاب فِي زوج وأبوين اَوْ امْرَأَة وأبوين بِأَن للْأُم ثلث الْبَاقِي وَاتبعهُ أكَابِر الصَّحَابَة

стр. 493

وأكابر الْفُقَهَاء كعثمان وَابْن مَسْعُود وَعلي وَزيد وَالْأَئِمَّة الْأَرْبَعَة وخفي قَوْله على ابْن عَبَّاس فَأعْطى الْأُم الثُّلُث وَوَافَقَهُ طَائِفَة وَقَول عمر أصوب وقولك رد عمر فِي قضايا كَثِيرَة قَالَ فِيهَا لَوْلَا على لهلك عمر فَهَذَا لَا يعرف أَن عمر قَالَه إِلَّا فِي مَسْأَلَة وَاحِدَة إِن صَحَّ ذَلِك وَقد كَانَ عمر يَقُول نَحْو هَذَا كثيرا لمن هُوَ دون عَليّ قَالَ للْمَرْأَة الَّتِي عارضته فِي الصَدَاق رجل أَخطَأ وأصابت امْرَأَة وَأما قَوْلك معرفَة القضايا بالإلهام بِمَعْنى أَنه من ألهم أَنه صَادِق حكم بذلك بِمُجَرَّد الإلهام فَلَا يحل الحكم بِهَذَا فِي دين الْإِسْلَام وَلَو كَانَ الإلهام طَرِيقا كَانَ الرَّسُول أَحَق من قضى بِهِ وَكَانَ الله يُوحى إِلَيْهِ من هُوَ صَاحب الْحق فَلَا يحْتَاج إِلَى بَيِّنَة فَإِن قلت مَعْنَاهُ أَنه يلهم الحكم الشَّرْعِيّ فَهَذَا أَيْضا لَا بُد فِيهِ من دَلِيل شَرْعِي وَقد ثَبت أَن النَّبِي ﷺ قَالَ قد كَانَ قبلكُمْ فِي الْأُمَم محدثون فَإِن يكن فِي أمتِي أحد فعمر وَمَعَ هَذَا فَلم يكن يجوز لعمر أَن يحكم بالإلهام وَلَا يعْمل بِمُجَرَّد مَا يلقِي فِي قلبه حَتَّى يعرض ذَلِك على الْكتاب وَالسّنة فَإِن وَافقه قبله وَإِن خَالفه رده وَأما مَا ذكره من الْحُكُومَة فِي الْبَقَرَة الَّتِي قتلت حمارا فَلم يذكر لَهُ إِسْنَادًا وَلَا نعلم صِحَّته بل الْأَدِلَّة الْمَعْلُومَة تدل على إنتفائه قَالَ النَّبِي ﷺ جرح العجماء جَبَّار فالحيوان من بقرة أَو شَاة أَو حمَار إِذا كَانَ يرْعَى فِي المراعي الْمُعْتَادَة فأفلتت نَهَارا من غير تَفْرِيط حَتَّى دخلت على زرع فأفسدته لم يكن على صَاحبهَا ضَمَان بِالْإِجْمَاع فَإِنَّهَا عجماء ومالكها لم يفرط وَإِن خرجت لَيْلًا ضمن عِنْد مَالك وَالشَّافِعِيّ وَأحمد وَذهب أَبُو حنيفَة وَابْن حزم إِلَى أَنه لَا يضمن قَالَ وَكَانَ أَشْجَع النَّاس وبسيفه ثبتَتْ قَوَاعِد الْإِسْلَام وتشيدت أَرْكَان الْإِيمَان كشف الكروب عَن وَجه رَسُول الله ﷺ وَلم يفر كَمَا فر غَيره إِلَخ وَالْجَوَاب لَا ريب فِي شجاعته وَنَصره لِلْإِسْلَامِ وَقَتله جمَاعَة لَكِن مَا هَذَا من خَصَائِصه بل شَاركهُ

стр. 494

فِيهِ عدَّة وَأَشْجَع النَّاس رَسُول الله ﷺ كَمَا ثَبت من حَدِيث أنس وَفِيه وَلَقَد فزع أهل الْمَدِينَة يَوْمًا فَانْطَلق نَاس قبل الصَّوْت فَتَلقاهُمْ رَسُول الله ﷺ رَاجعا وَقد سبقهمْ إِلَى الصَّوْت وَهُوَ على فرس لأبي طَلْحَة عرى فِي عُنُقه السَّيْف وَهُوَ يَقُول لم تراعوا وَفِي الْمسند عَن عَليّ قَالَ كُنَّا إِذا اشْتَدَّ الْبَأْس اتقينا برَسُول الله فَيكون أقربنا إِلَى الْعَدو والشجاعة قُوَّة الْقلب والثبات عِنْد المخاوف أَو شدَّة الْبَطْش وإحكام صناعَة الْحَرْب وَمَعَ هَذَا فَمَا قتل النَّبِي ﷺ غير أبي بن خلف وَمن فرط شجاعته أَن أَصْحَابه انْهَزمُوا يَوْم حنين وَهُوَ رَاكب بغلة لَا تكر وَلَا تَفِر وَيقدم عَلَيْهَا إِلَى نَاحيَة الْعَدو ويسمي نَفسه وَيَقُول (أَنا النَّبِي لَا كذب ... أَنا ابْن عبد الْمطلب) وَإِذا كَانَت الشجَاعَة الْمَطْلُوبَة من الإِمَام شجاعة الْقلب فَلَا ريب أَن أَشْجَع الصَّحَابَة أَبُو بكر فَإِنَّهُ بَاشر الْأَهْوَال الَّتِي كَانَ الرَّسُول يُبَاشِرهَا من أول الْإِسْلَام وَلم يجبن وَلَا جزع بل يقدم على المخاوف ويقي الرَّسُول بِنَفسِهِ ويجاهد بِلِسَانِهِ وَبِيَدِهِ وبماله وَلما كَانَ مَعَ الرَّسُول فِي الْعَريش يَوْم بدر قَامَ نَبِي الله يَدْعُو ويستغيث بربه وَيَقُول اللَّهُمَّ أنْجز لي مَا وَعَدتنِي اللَّهُمَّ إِن تهْلك هَذِه الْعِصَابَة لَا تعبد فِي الأَرْض وَجعل أَبُو بكر يَقُول لَهُ يَا رَسُول الله كَفاك مُنَاشَدَتك رَبك إِنَّه سَيُنْجِزُ لَك مَا وَعدك وَهَذَا يدل على كَمَال يقينه وثباته وَلَا نقص على الرَّسُول فِي إستغاثته بربه بل ذَلِك كَمَال لَهُ فالإلتفات إِلَى الْأَسْبَاب صَحَّ فِي التَّوْحِيد ومحو الْأَسْبَاب أَن تكون أسبابا تقدح فِي الْعقل والإعراض عَن الْأَسْبَاب بِالْكُلِّيَّةِ قدح فِي الشَّرْع فعلى الرَّسُول أَن يُجَاهد وَيُقِيم الدّين بِكُل مُمكن بِنَفسِهِ وَمَاله ودعائه وتحريضه الْمُؤمنِينَ والإستنصار بِاللَّه والإستعانة بِهِ أعظم الْجِهَاد وَأعظم أَسبَاب النَّصْر وَهُوَ مَأْمُور بذلك وَالْقلب إِذا غَشيته الهيبة والمخافة والتضرع قد يغيب عَن شُهُود مَا يُعلمهُ ومقام أبي بكر دون هَذَا وَهُوَ معاونة الرَّسُول والذب عَنهُ وإخباره بِأَنا واثقون بنصر الله وَالنَّظَر إِلَى جِهَة الْعَدو

стр. 495

هَل قَاتلُوا بعد وَلما مَاتَ النَّبِي ﷺ عظمت النَّازِلَة واضطربوا إضطراب الأرشية فِي الطوى الْبَعِيدَة القعر وطاشت الْعُقُول ووقعوا فِي نُسْخَة الْقِيَامَة وَكَأَنَّهَا قِيَامَة صغرى مَأْخُوذَة من الْقِيَامَة الْكُبْرَى وارتدت الْأَعْرَاب وذلت الحماه فَقَامَ الصّديق بقلب ثَابت الجأش قد جمع لَهُ الصَّبْر وَالْيَقِين وَأخْبرهمْ بِأَن الله اخْتَار لنَبيه مَا عِنْده وَقَالَ لَهُم من كَانَ يعبد مُحَمَّدًا فَإِن مُحَمَّد قد مَاتَ وَمن كَانَ يعبد الله فَإِن الله حَيّ لَا يَمُوت ثمَّ تَلا (وَمَا مُحَمَّد إِلَّا رَسُول قد خلت من قبله الرُّسُل أَفَإِن مَاتَ أَو قتل انقلبتم على أعقابكم وَمن يَنْقَلِب على عَقِبَيْهِ فَلَنْ يضر الله شَيْئا وسيجزي الله الشَّاكِرِينَ) فَكَأَن النَّاس لم يسمعوها ثمَّ خطبهم فثبتهم وشجعهم وبادر إِلَى تَنْفِيذ جَيش أُسَامَة وَأخذ فِي قتال الْمُرْتَدين مَعَ إشارتهم عَلَيْهِ بالتربص حَتَّى كَانَ عمر مَعَ فرط شجاعته يَقُول لَهُ يَا خَليفَة رَسُول الله تألف النَّاس وَهَذَا بَاب وَاسع وَأما الْقَتْل فَلَا ريب أَن غير عَليّ من الصَّحَابَة قتل أَكثر مِنْهُ من الْكفَّار فَإِن من نظر الْمَغَازِي والسيرة وأمعن النّظر عرف ذَلِك فالبراء بن مَالك أَخُو أنس قتل مائَة رجل مبارزة سوى من شرك فِي دَمه وَأما خَالِد بن الْوَلِيد فَلَا يُحْصى عدد من قَتله وَقد انْكَسَرَ فِي يَده يَوْم مُؤْتَة تِسْعَة أسياف وَقَالَ النَّبِي ﷺ إِن لكل نَبِي حواريا وحواري الزبير وَقَالَ ﷺ صَوت أبي طَلْحَة فِي الْجَيْش خير من فِئَة وَقَالَ ابْن حزم وجدناهم يحتجون بِأَن عليا كَانَ أَكثر الصَّحَابَة جهادا وقتلا وَالْجهَاد ثَلَاثَة أَقسَام أَعْلَاهَا الدُّعَاء إِلَى الله بِاللِّسَانِ وَثَانِيها الْجِهَاد عِنْد الْيَأْس بِالرَّأْيِ وَالتَّدْبِير الثَّالِث الْجِهَاد بِالْيَدِ فَوَجَدنَا الْجِهَاد الأول لَا يلْحق فِيهِ أحد بعد

стр. 496

النَّبِي ﷺ أَبَا بكر فَإِن أكَابِر الصَّحَابَة أَسْلمُوا على يَد أبي بكر وَأما عمر فَإِنَّهُ حِين أسلم عز الْإِسْلَام قَالَ ابْن مَسْعُود مَا زلنا أعزة مُنْذُ أسلم عمر فقد انْفَرد الشَّيْخَانِ بالجهادين اللَّذين لَا نَظِير لَهما وَلَا حَظّ لعَلي فِي هَذَا أصلا وَأما الرَّأْي والمشورة فخالص لأبي بكر وَعمر بَقِي الثَّالِث فَكَانَ أقل عمل الرَّسُول لَا عَن جبن وَوجدنَا عليا لم ينْفَرد بِالسَّبقِ فِيهِ بل شَاركهُ فِيهِ غَيره شركَة الْعَنَان كطلحة وَالزُّبَيْر وَسعد وَحَمْزَة وَعبيدَة بن الْحَارِث بن عبد الْمطلب وَمصْعَب بن عُمَيْر وَسعد بن معَاذ وَسماك أبي دُجَانَة وَوجدنَا أَبَا بكر وَعمر قد شركاه فِي ذَلِك بحظ وَإِن لم يلحقا بحظوظ هَؤُلَاءِ وَإِنَّمَا ذَلِك لشغلهما بالأفضل من مُلَازمَة الرَّسُول ومؤازرته وَقد بعثهما على الْبعُوث أَكثر مِمَّا بعث عليا وَمَا نعلم لعَلي بعثا إِلَّا إِلَى بعض حصون خَيْبَر ففتحه فصل وقولك إِنَّه بِسَيْفِهِ ثَبت قَوَاعِد الْإِسْلَام وتشيدت أَرْكَان الْإِيمَان فكذب بَين لكل من عرف أَيَّام الْإِسْلَام بل سَيْفه جُزْء من أَجزَاء كَثِيرَة جدا من أَسبَاب تثبيت قَوَاعِد الْإِسْلَام وَكثير من الوقائع الَّتِي ثَبت الله بهَا الْإِسْلَام لم يكن لسيفه فِيهَا أثر وَكَانَ سَيْفه يَوْم بدر سَيْفا من سيوف كَثِيرَة وغزوات الْقِتَال كلهَا تسع وَبعد الرَّسُول لم يشْهد حَرْب فَارس وَلَا الرّوم وَلَا شَيْئا من تِلْكَ الْمَلَاحِم المهولة وَكَانَ نَصره فِي مغازيه تبعا لنصر رَسُول الله ﷺ وحروبه الْكِبَار فِي خِلَافَته الْجمل وصفين والنهروان فَكَانَ منصورا لِأَن جَيْشه كَانَ أَكثر عددا من المقاتلين لَهُ وَمَعَ ذَلِك فَمَا استظهر على أهل الشَّام بل كَانَ وهم كفرسى رهان

стр. 497

وقولك مَا انهزم قطّ فَهُوَ فِي ذَلِك كَأبي بكر وَعمر وَجَمَاعَة لم يعرف لوَاحِد مِنْهُم هزيمَة وَإِن كَانَ قد وَقع شَيْء خَفِيف خَفِي وَلم ينْقل فَيمكن أَن عليا وَقع مِنْهُ مَا لم ينْقل يَوْم حنين وَيَوْم أحد وقولك وطالما كشف الكروب عَن وَجه رَسُول الله ﷺ دَعْوَى كَاذِبَة من عِبَارَات الطرقية بل مَا علمنَا كشف كربَة وَاحِدَة بل وَلَا أَبُو بكر وَلَا عمر نعم دفع أَبُو بكر عَنهُ لما أَرَادَ الْمُشْركُونَ أَن يضربوه ويقتلوه بِمَكَّة فحال بَينهم وَبَينه وَجعل يَقُول ﴿أَتقْتلونَ رجلا أَن يَقُول رَبِّي الله﴾ حَتَّى ضربوا أَبَا بكر ووقاه طَلْحَة يَوْم أحد بِيَدِهِ حَتَّى شلت وَكَانَ يَقُول نحرى دون نحرك يَا رَسُول الله أما أَن يكون الْمُشْركُونَ أحاطوا برَسُول الله ﷺ حَتَّى خلصه مِنْهُم عَليّ بِسَيْفِهِ أَو أَبُو بكر فَهَذَا لم يَقع وَلَكِنَّك طالعت فِيمَا أَحسب الْغَزَوَات الَّتِي للْقصَاص أَو تنقلات الْأَنْوَار للبكري مِمَّا هُوَ من جنس سيرة البطال وعنترة وَأحمد الدنف وَهَذِه الأخلوقات الَّتِي يكتريها صبيان الْكتاب ليتمرنوا فِي الْقِرَاءَة ويطير النّوم عَنْهُم لفرط مَا فِيهَا من السخف والإفك قَالَ وَفِي غَزْوَة بدر كَانَ لعَلي سبع وَعِشْرُونَ سنة فَقتل من الْمُشْركين سِتَّة وَثَلَاثِينَ رجلا وَحده وهم أَكثر من نصف المقتولين وشرك فِي البَاقِينَ فَيُقَال هَذَا من الْكَذِب الْبَين بل قد ثَبت فِي الصَّحِيح قتل جمَاعَة لم يُشْرك على فِي قَتلهمْ مِنْهُم أَبُو جهل وَعقبَة بن أبي معيط وَعتبَة بن ربيعَة وَأبي بن خلف ونقلوا أَن عليا قتل يؤمئذ نَحْو الْعشْرَة قَالَ يَوْم أحد انهزم النَّاس كلهم عَن النَّبِي ﷺ إِلَّا عليا وَرجع إِلَى رَسُول الله ﷺ نفر أَوَّلهمْ عَاصِم بن ثَابت وَأَبُو دُجَانَة وَسَهل بن حنيف وَجَاء عُثْمَان

стр. 498

بعد ثَلَاثَة أَيَّام فَقَالَ لَهُ رَسُول الله ﷺ لقد ذهبت فِيهَا عريضة وتعجبت الْمَلَائِكَة من ثبات على فَقَالَ جِبْرِيل لَا سيف إِلَّا ذُو الفقار وَلَا فَتى إِلَّا على وَقتل على أَكثر الْمُشْركين فِي هَذِه الْغُزَاة وَكَانَ الْفَتْح على يَدَيْهِ وروى قيس بن سعد عَن عَليّ قَالَ أصابني يَوْم بدر سِتّ عشرَة ضَرْبَة وَسَقَطت إِلَى الأَرْض فَجَاءَنِي رجل فأقامني وَذكر الحَدِيث وَأَن الرجل جِبْرِيل فَيُقَال هَذَا الرجل مَا يستحي من الله وَلَا يراقبه فِي نقل هَذِه الأكاذيب الَّتِي لَا تنْفق إِلَّا على الْبَقر كَقَوْلِه وَقتل عَليّ أَكثر الْمُشْركين وَكَانَ الْفَتْح فَأَيْنَ قتل الْمُشْركين وَأَيْنَ الْفَتْح بل كَانَت غَزْوَة أحد على الْمُسلمين لَا لَهُم كَمَا قَالَ تَعَالَى (أَو لما أَصَابَتْكُم مُصِيبَة قد أصبْتُم مثليها قُلْتُمْ أَنى هَذَا قل هُوَ من عِنْد أَنفسكُم) هزم الْمُسلمُونَ الْعَدو أَولا وَكَانَ نَبِي الله قد وكل بثغر الْجَبَل الرُّمَاة وَأمرهمْ أَن لَا يبرحوا فَلَمَّا إنهزم الْمُشْركُونَ طلبت الرُّمَاة الْغَنِيمَة فنهاهم أَمِيرهمْ عبد الله بن جُبَير فَلم يطيعوه وكر الْعَدو عَلَيْهِم من ظُهُورهمْ وَصَاح الشَّيْطَان قتل مُحَمَّد فاستشهد يَوْمئِذٍ نَحْو السّبْعين وشج النَّبِي ﷺ وَكسرت رباعيته وهشمت الْبَيْضَة على رَأسه وَدخلت حلقتا المغفر فِي وجنته حَتَّى قَالَ كَيفَ يفلح قوم فعلوا هَذَا بِنَبِيِّهِمْ وَهُوَ يَدعُوهُم إِلَى الله فَنزلت (لَيْسَ لَك من الْأَمر شَيْء أَو يَتُوب عَلَيْهِم) وَلم يبْق مَعَه يؤمئذ غير إثني عشر رجلا مِنْهُم أَبُو بكر وَعمر وَطَلْحَة وَسعد وَقتل حوله جمَاعَة وَقَالَ رَئِيس الْمُشْركين اعْل هُبل اعْل هُبل يَوْم بِيَوْم بدر يَعْنِي أَخذنَا بالثأر وَلم يقتل يؤمئذ من الْمُشْركين إِلَّا بضعَة عشر رجلا وَلم يجرح عَليّ يؤمئذ وَلَا أَقَامَهُ جِبْرِيل فَأَيْنَ الْإِسْنَاد بِهَذَا وَفِي أَي كتب الموضوعات هُوَ وقولك إِن عُثْمَان جَاءَ بعد ثَلَاث كذب آخر وقولك إِن جِبْرِيل قَالَ لَا سيف إِلَّا ذُو الفقار كذب آخر فَإِن ذَا الفقار لم يكن لعَلي بل كَانَ لأبي جهل غنمه الْمُسلمُونَ يَوْم بدر فَعَن ابْن عَبَّاس قَالَ تنفل رَسُول الله ﷺ سَيْفه ذَا الفقار يَوْم بدر وَهُوَ الَّذِي رأى فِيهِ الرُّؤْيَا يَوْم أحد قَالَ رَأَيْت فِي سَيفي ذِي الفقار فَلَا فَأَوَّلْته فَلَا

стр. 499

يكون فِيكُم وَرَأَيْت أَنِّي مردف كَبْشًا فَأَوَّلْته كَبْش الكتيبة وَرَأَيْت أَنِّي فِي درع حَصِينَة فَأَوَّلْته الْمَدِينَة وَرَأَيْت بقرًا تذبح فبقر وَالله خير وَالله خير أخرجه التِّرْمِذِيّ وَابْن مَاجَه وَأحمد فِي مُسْنده قَالَ وَفِي غزَاة الْأَحْزَاب أَقبلت قُرَيْش وَمن مَعهَا فِي عشرَة آلَاف ونزلوا من فَوق الْمُسلمين وَمن تَحْتهم فَخرج ﷺ بِالْمُسْلِمين وهم ثَلَاثَة آلَاف وَعمِلُوا الخَنْدَق وَركب عَمْرو بن عبد ود وَعِكْرِمَة بن أبي جهل ودخلا من مضيق فِي الخَنْدَق وطلبا المبارزة فَقَامَ عَليّ فَقَالَ لَهُ النَّبِي ﷺ إِنَّه عَمْرو فَسكت ثمَّ طلب المبارزة ثَانِيًا وثالثا وَيقوم عَليّ فَأذن لَهُ النَّبِي ﷺ فَقَالَ يَا عَمْرو كنت عَاهَدت الله تَعَالَى أَن لَا يَدْعُوك قرشي إِلَى إِحْدَى خلتين إِلَّا أجبْت إِلَى وَاحِدَة مِنْهُمَا وَأَنا أَدْعُوك إِلَى الْإِسْلَام قَالَ لَا حَاجَة لي بِهِ قَالَ فأدعوك إِلَى النزال قَالَ مَا أحب أَن أَقْتلك ثمَّ نزل وتجاولا فَقتله عَليّ وَانْهَزَمَ عِكْرِمَة ثمَّ انهزم الْمُشْركُونَ فَقَالَ ﷺ قتل عَليّ عمرا أفضل من عبَادَة الثقلَيْن يُقَال قد طرزت الْقِصَّة بعدة أكاذيب مِنْهَا أَنه لما قتل عمرا انْهَزمُوا وَهَذَا كذب بَارِد فَإِنَّهُم مَا انْهَزمُوا بل بقوا محاصرين الْمُسلمين حَتَّى خبب بَينهم نعيم بن مَسْعُود الْغَطَفَانِي وَأرْسل الله عَلَيْهِم الرّيح وَالْمَلَائِكَة فترحلوا (ورد الله الَّذين كفرُوا بغيظهم لم ينالوا خيرا وَكفى الله الْمُؤمنِينَ الْقِتَال) فَتبين أَن الْمُشْركين مَا ردهم الله بِقِتَال وَلَا هَزَمَهُمْ الْمُسلمُونَ والْحَدِيث الَّذِي روات بِهِ كذب بِيَقِين وحاشا الرَّسُول من هَذِه المجازفة أَيكُون قتل وَاحِد أفضل من عبَادَة الْإِنْس وَالْجِنّ فَمَا بَقِي لمن قتل أَبَا جهل وصناديد قُرَيْش الَّذين فعلوا بِنَبِي الله الأفاعيل

стр. 500

وَعَمْرو مَا عرف لَهُ شَرّ ينْفَرد فِي عَدَاوَة الرَّسُول قَالَ وَفِي غزَاة بني النَّضِير قتل عَليّ رامي قبَّة النَّبِي ﷺ بِسَهْم وَقتل بعده عشرَة وَانْهَزَمَ الْبَاقُونَ قُلْنَا وَهَذَا من الْكَذِب الْوَاضِح فَإِن بني النَّضِير هم الْيَهُود الَّذين نزلت فيهم سُورَة الْحَشْر بِالْإِجْمَاع وقصتهم قبل أحد وَكَانَ الْمُسلمُونَ قد حاصروهم وَقَطعُوا نَخْلهمْ وَلم يخرجُوا من حصونهم حَتَّى يُقَال انْهَزمُوا ثمَّ صَالحُوا على الْجلاء فأجلاهم الرَّسُول أفما تقْرَأ السُّورَة وتتدبرها وحملوا من أَمْوَالهم مَا اسْتَقَلت بِهِ إبلهم إِلَّا السِّلَاح وَكَانَ الرجل مِنْهُم يخرب بَيته عَن نجاف بَابه فيضعه على بعيره فَخَرجُوا إِلَى خَيْبَر وَالشَّام قَالَ وَفِي غَزْوَة السلسلة جَاءَ أَعْرَابِي فَأخْبر النَّبِي ﷺ أَن جمَاعَة قصدُوا أَن يكبسوا عَلَيْهِ الْمَدِينَة فَقَالَ من للوادي فَقَالَ أَبُو بكر أَنا فَدفع إِلَيْهِ اللِّوَاء وَضم إِلَيْهِ سَبْعمِائة فَلَمَّا وصل إِلَيْهِم قَالُوا ارْجع إِلَى صَاحبك فَإنَّا فِي جمع كثير فَرجع فَقَالَ ﷺ من للوادي فَقَالَ عمر أَنا فَبَعثه فَفعل كَالْأولِ فَقَالَ فِي الْيَوْم الثَّالِث أَيْن عَليّ فَدفع إِلَيْهِ الرَّايَة فَمضى فَلَقِيَهُمْ فَقتل مِنْهُم سِتَّة أَو سَبْعَة وَانْهَزَمَ الْبَاقُونَ وَأقسم الله بِفعل أَمِير الْمُؤمنِينَ فَقَالَ (وَالْعَادِيات ضَبْحًا) قُلْنَا وَهَذَا أَيْضا من الْبَاطِل فَلَا وجود لهَذِهِ الْغَزْوَة أصلا بل هِيَ من جنس غزاوت الطرقية الَّذين يحكون الأكاذيب الْكَثِيرَة كسيرة عنترة والبطال وَقد إعتنى بأيام الرَّسُول ﷺ عُرْوَة وَالزهْرِيّ وَابْن إِسْحَاق ومُوسَى بن عقبَة وَأَبُو معشر السندي وَاللَّيْث بن سعد وَأَبُو إِسْحَاق

стр. 501

الْفَزارِيّ والوليد بن مُسلم والواقدي وَيُونُس بن بكير وَابْن عَائِذ وأمثالهم وَمَا أَبقوا دقا وَلَا جلا وَلَا غثا وَلَا ثمينا وَمَا ذكرُوا هَذِه الْغَزْوَة وَلَا نزلت فِيهَا (وَالْعَادِيات) بل نزلت بِالْإِجْمَاع بِمَكَّة بل الْمَشْهُور عَن عَليّ فِي التفاسير أَنه قَالَ العاديات إبل الْحجَّاج وعدوها من مُزْدَلِفَة إِلَى منى وَكَانَ ابْن عَبَّاس وَالْأَكْثَرُونَ يفسرونها بِالْخَيْلِ الَّتِي تغزو فِي سَبِيل الله قَالَ وَقتل من بني المصطلق مَالِكًا وَابْنه وسبى كثيرا من جُمْلَتهمْ جوَيْرِية قُلْنَا هَذَا من أَخْبَار الرافضة الَّتِي لَا إِسْنَاد لَهَا وَلَو وجد للشَّيْء من أخبارهم إِسْنَاد فإمَّا أَن تكون ظلمات ومجاهيل أَو عَن كَذَّاب أومتهم فَإِنَّهُ لم ينْقل أحد أَن عليا فعل هَذَا فِي غَزْوَة بني المصطلق وَلَا سبي جوَيْرِية بنت الْحَارِث وَهِي لما سبيت كاتبت على نَفسهَا فَأدى عَنْهَا النَّبِي ﷺ وعتقت من الْكِتَابَة وَأعْتق النَّاس السَّبي لأَجلهَا وَقَالُوا أَصْهَار رَسُول الله ﷺ قَالَ وغزاة خَيْبَر كَانَ الْفَتْح فِيهَا على يَده دفعت إِلَى أبي بكر فَانْهَزَمَ ثمَّ إِلَى عمر فَانْهَزَمَ وعالج عَليّ بَاب الْحصن فاقتلعه وَجعله جِسْرًا على الخَنْدَق وَكَانَ الْبَاب يغلقه عشرُون رجلا وَقَالَ ﷺ مَا اقتلعه بِقُوَّة جسمانية بل بِقُوَّة ربانية وَكَانَ فتح مَكَّة على يَدَيْهِ بواسطته قُلْنَا لم تفتح خَيْبَر كلهَا فِي يَوْم بل كَانَت حصونا مفرقة بَعْضهَا فتح عنْوَة وَبَعضهَا صلحا ثمَّ كتموا مَا صَالحهمْ عَلَيْهِ النَّبِي ﷺ فصاروا محاربين وَلم ينهزم أَبُو بكر وَلَا عمر وَقد روى أَن عليا اقتلع الْبَاب أما كَونه يغلقه عشرُون رجلا وَأَنه جعل جِسْرًا فَلَا أصل لَهُ وَأما فتح مَكَّة فَلَا أثر لعَلي فِيهِ أصلا إِلَّا كباقي

стр. 502

الصَّحَابَة وَالْأَحَادِيث المتوافرة فِي غَزْوَة الْفَتْح تبين هَذَا قَالَ أَبُو هُرَيْرَة فَجعل النَّبِي ﷺ خَالِد بن الْوَلِيد يؤمئذ على الميمنة وَالزُّبَيْر على الميسرة وَأَبا عُبَيْدَة على السَّاقَة وبطن الْوَادي فَقَالَ يَا أَبَا هُرَيْرَة ادْع لي الْأَنْصَار فَدَعَاهُمْ فَجَاءُوا يهرولون فَقَالَ هَل ترَوْنَ أوباش قُرَيْش قَالُوا نعم قَالَ انْظُرُوا إِذا لقيتموهم غَدا أَن تحصدوهم حصدا وأكفأ بِيَدِهِ وَوضع يَمِينه على شِمَاله وَقَالَ مَوْعدكُمْ الصَّفَا قَالَ فَمَا أشرف لَهُم يَوْمئِذٍ أحد إِلَّا أناموه قَالَ فَصَعدَ رَسُول الله ﷺ الصَّفَا وَجَاءَت الْأَنْصَار فأطافوا بالصفا فجَاء أَبُو سُفْيَان فَقَالَ يَا رَسُول الله أبيدت خضراء قُرَيْش لَا قُرَيْش بعد الْيَوْم فَقَالَ من دخل دَار أبي سُفْيَان فَهُوَ آمن وَمن ألْقى السِّلَاح فَهُوَ آمن وَمن أغلق عَلَيْهِ بَابه فَهُوَ آمن مُتَّفق عَلَيْهِ قَالَ وَيَوْم حنين خرج رَسُول الله ﷺ فِي عشرَة آلَاف فعانهم أَبُو بكر وَقَالَ لن نغلب الْيَوْم من كَثْرَة فَانْهَزَمُوا وَلم يبْق مَعَ النَّبِي ﷺ إِلَّا تِسْعَة من بني هَاشم وَابْن أم أَيمن وَكَانَ عَليّ بَين يَدَيْهِ فَقتل من الْمُشْركين أَرْبَعِينَ وانهزموا قُلْنَا هَذَا كذب مفترى فَهَذِهِ المسانيد وَالسير والتفاسير مَا ذكر فِيهَا أَن أَبَا بكر عانهم وَاللَّفْظ الَّذِي قَالَه بعض الْمُسلمين لن نغلب بعد الْيَوْم من قلَّة لم يقل من كَثْرَة وقولك بَقِي مَعَه تِسْعَة بَاطِل بل قَالَ ابْن إِسْحَاق بَقِي مَعَه نفر من الْمُهَاجِرين وَالْأَنْصَار وَأهل بَيته فَثَبت مَعَه أَبُو بكر وَعمر وَعلي وَالْعَبَّاس وَأَبُو سُفْيَان وَرَبِيعَة ابْنا الْحَارِث وَأُسَامَة وأيمن وقولك إِن عليا قتل بَين يَدَيْهِ أَرْبَعِينَ كذب مَا قَالَ هَذَا أحد يعْتد بِهِ وَفِي الصَّحِيحَيْنِ من حَدِيث الْبَراء أَن النَّبِي ﷺ نزل يَوْمئِذٍ عَن بغلته ودعا واستنصر وَهُوَ يَقُول (أَنا النَّبِي لَا كذب ... أَنا أبن عبد الْمطلب)

стр. 503

اللَّهُمَّ أنزل نصرك قَالَ الْبَراء وَكُنَّا إِذا احمر الْبَأْس نتقي بِهِ وَكَانَ الشجاع منا الَّذِي يحاذيه يَعْنِي النَّبِي ﷺ وَلمُسلم من حَدِيث سَلمَة بن الْأَكْوَع قَالَ لما غشوا النَّبِي ﷺ نزل ثمَّ قبض قَبْضَة من التُّرَاب واستقبل بِهِ وُجُوههم فَقَالَ شَاهَت الْوُجُوه فَمَا خلق الله مِنْهُم إنْسَانا إِلَّا مَلأ عَيْنَيْهِ تُرَابا بِتِلْكَ القبضة فَوَلوا مُدبرين فصل قَالَ الْخَامِس إخْبَاره بِالْغَيْبِ والكائن قبل كَونه أخبر أَن طَلْحَة وَالزُّبَيْر لما استأذنا فِي الإعتمار قَالَ مَا تريدان الْعمرَة وَإِنَّمَا تريدان الْبَصْرَة وَكَانَ كَمَا قَالَ وَأخْبر وَهُوَ جَالس بِذِي قار يُبَايع يأتيكم من قبل الْكُوفَة ألف رجل لَا يزِيدُونَ وَلَا ينقصُونَ يبايعونني على الْمَوْت فَكَانَ كَذَلِك آخِرهم أويس الْقَرنِي وَأخْبر بقتل ذِي الثدية وَأخْبر بقتل نَفسه الشَّرِيفَة وَأخْبر ابْن شهريار اللعين بِقطع أربعته وصلبه فَفعل بِهِ مُعَاوِيَة ذَلِك وَأخْبر ميئم التمار بِأَنَّهُ يصلب عَاشر عشرَة وَأرَاهُ النَّخْلَة الَّتِي يصلب عَلَيْهَا فَوَقع كَذَلِك وَأخْبر رشيدا الهجري بصلبه فصلب وَأَن الْحجَّاج يقتل كميل بن زِيَاد وَأَن قنبرا يذبحه الْحجَّاج فَوَقع فَقَالَ للبراء

стр. 504

ابْن عَازِب إِن ابْني الْحُسَيْن يقتل وَلَا تنصره فَكَانَ كَذَلِك وَأخْبر بِملك بني الْعَبَّاس يسر لَا عسر فِيهِ لَو اجْتمع عَلَيْهِم التّرْك والديلم والسند والهند على أَن يزيلوا ملكهم لما قدرُوا حَتَّى يشذ عَنْهُم مواليهم وأرباب دولتهم ويسلط عَلَيْهِم ملك من التّرْك يَأْتِي عَلَيْهِم من حَيْثُ بَدَأَ ملكهم لَا يمر بِمَدِينَة إِلَّا فتحهَا وَلَا ترفع لحربه راية إِلَّا نكسها الويل ثمَّ الويل لمن ناوأه فَلَا يزَال كَذَلِك حَتَّى يظفر ثمَّ يدْفع ظفره إِلَى رجل من عِتْرَتِي يَقُول بِالْحَقِّ وَيعْمل بِهِ وَكَانَ الْأَمر كَذَلِك حَيْثُ ظهر هلاكو من نَاحيَة خُرَاسَان فَيُقَال أما الْإِخْبَار بِبَعْض المغيبات فَيَقَع مِمَّن هُوَ دون عَليّ من الصلحاء وَغَيرهم مِمَّن لَا يصلح للْإِمَامَة وَأَبُو هُرَيْرَة وَحُذَيْفَة وَغَيرهمَا كَانُوا يحدثُونَ بأضعاف ذَلِك وَأَبُو هُرَيْرَة بِسَنَدِهِ وَحُذَيْفَة يسْندهُ مرّة وَتارَة لَا يسْندهُ فَمَا أخبر بِهِ هُوَ أَو غَيره قد يكون مِمَّا سَمعه من الرَّسُول ﷺ قد يكون مِمَّا كوشف بِهِ عَليّ وَعمر وَفِي الزّهْد لِأَحْمَد بن حَنْبَل والحلية لأبي نعيم وكرامات الْأَوْلِيَاء لإبن أبي الدُّنْيَا والخلال واللالكائي جملَة من ذَلِك عَن الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ وَمن بعدهمْ وَمَا أوردهُ عَن

стр. 505

عَليّ فَلَا نسلم صِحَّته وَمِنْه مَا يعرف كذبه فَإِن هلاكو مَا دفع ظفره إِلَى علوي وَمِمَّا يبين أَن عليا مَا كَانَ يعلم المستقبلات أَنه كَانَ فِي خِلَافَته وحروبه يظنّ أَشْيَاء فيتبين لَهُ الْأَمر بِخِلَاف ظَنّه فَلَو عرف أَنه يجْرِي مَا جرى من قتل النَّاس وَلم يحصل الْمَقْصُود لما قَاتل فَإِنَّهُ كَانَ لَو لم يُقَاتل أعز وأنصر وَلَو علم أَنه إِذا حكم الْحكمَيْنِ يحكمان بِمَا حكما بِهِ لم يحكمهما فَأَيْنَ علمه بالكوائن بعده وَأَيْنَ كشفه الكرب عَن وَجه الرَّسُول ﷺ بِسَيْفِهِ حَتَّى ثَبت قَوَاعِد الدّين وَهُوَ مَعَ جَيْشه الَّذين هم تسعون ألفا لم يظفر بِمُعَاوِيَة بل الرافصة تَدعِي فِيهِ الشَّيْء ونقيضه فتغلو فِيهِ حَتَّى يَقُولُوا بعصمته وَأَنه لَا يَقع مِنْهُ سَهْو وَأَنه يعلم المغيبات وَمَا يقنعون لَهُ بِمَا أعطَاهُ الله من الشجَاعَة حَتَّى يحملوه مَا لَا يطيقه بشر وَلَا يقبله عقل عَاقل بإفتراء الطرقية ثمَّ يذكرُونَ عَجزه عَن مقاومة أبي بكر مَعَ عدم مَال أبي بكر وَقلة رِجَاله وَكَذَلِكَ فَلْيَكُن التَّنَاقُض وَإِنَّمَا قَالَ تَعَالَى (هُوَ الَّذِي أيدك بنصره وَبِالْمُؤْمِنِينَ وَألف بَين قُلُوبهم) فأيده الله بِالْمُؤْمِنِينَ كلهم عَليّ وَغَيره وَمِمَّا يبين أَنه لم يكن يعلم المستقبلات قَوْله (لقد عجزت عجزة لَا أعْتَذر ... سَوف أَكيس بعْدهَا وأستمر) (وَأجْمع الرَّأْي الشتيت الْمُنْتَشِر ... ) وَكَانَ يَقُول ليَالِي صفّين يَا حسن مَا ظن أَبوك أَن الْأَمر يبلغ هَذَا لله در مقَام قامه سعد بن مَالك وَعبد الله بن عمر إِن كَانَ برا إِن أجره لعَظيم وَإِن كَانَ إِثْمًا إِن خطره ليسير وتواتر عَنهُ أَنه كَانَ يتململ من إختلاف أَصْحَابه ورعيته عَلَيْهِ وَقد دلّ الْوَاقِع على أَن رَأْي وَلَده حسن من ترك الْقِتَال كَانَ أَجود وأنفع للْأمة وَقد قعد عَن الْقِتَال

стр. 506

مثل سعد وَسَعِيد وَابْن عمر وَمُحَمّد بن مسلمة وَزيد بن ثَابت وَعمْرَان بن حُصَيْن وَجَمَاعَة ودلتهم النُّصُوص على الْقعُود ثَبت أَن النَّبِي ﷺ قَالَ سَتَكُون فتْنَة الْقَاعِد فِيهَا خير من الْقَائِم وَلَكِن ليقضي الله أمرا كَانَ مَفْعُولا مَعَ أَن عليا لم يكفر أحدا مِمَّن قَاتله حَتَّى الْخَوَارِج الَّذين كفروه وَلَا سبى لَهُم ذُرِّيَّة وَكَانَ يترضى عَن طَلْحَة وَالزُّبَيْر وَيَدْعُو على مُعَاوِيَة وَعَمْرو من غير أَن يكفرهما فصل قَالَ السَّادِس أَنه كَانَ مستجاب الدُّعَاء دَعَا على بشر بن أَرْطَأَة أَن يسلبه الله عقله فخولط ودعا على الْعيزَار بالعمى فَعمى ودعا على أنس لما كتم شَهَادَته بالبرص فبرص وعَلى زيد بن أَرقم بالعمى فَعمى قُلْنَا هَذَا مَوْجُود فِي الصَّحَابَة وَالصَّالِحِينَ فَلَا يُنكر لعَلي وَكَانَ سعد بن أبي وَقاص لَا تخطيء لَهُ دَعْوَة لِأَن النَّبِي ﷺ دَعَا لَهُ اللَّهُمَّ سدد رميته وَاجِب دَعوته والبراء بن مَالك كَانَ يقسم على الله فيبر قسمه كَمَا فِي الصَّحِيح إِن من عباد الله من لَو أقسم على الله لَأَبَره مِنْهُم الْبَراء بن مَالك وَقد بارز مائَة مبارزة والْعَلَاء بن الْحَضْرَمِيّ نَائِب رَسُول الله ثمَّ نَائِب أبي بكر على الْبَحْرين مَشْهُور بإجابة الدُّعَاء قَالَ وروى الْجُمْهُور أَن النَّبِي ﷺ لما خرج إِلَى بني المصطلق فَنزل بِقرب وَاد وعر وَهَبَطَ جِبْرِيل وَأخْبرهُ أَن طَائِفَة من كفار الْجِنّ قد إستنبطوا الْوَادي يُرِيدُونَ كَيده فَدَعَا بعلي وَأمره بنزول الْوَادي فَقَتلهُمْ فَيُقَال عَليّ أعظم من هَذَا وإهلاك الْجِنّ لمن هُوَ دونه لَكِن هَذَا من الأكاذيب الْمَعْلُومَة بِالضَّرُورَةِ وَلم يُقَاتل أحد من الْإِنْس الْجِنّ وَهُوَ من جنس قِتَاله للجن ببئر ذَات الْعلم وَهَذِه الموضوعات لَا تروج علينا

стр. 507

نعم تروج عَليّ إخوانك أهل الجرد وجزين وَعلي أرفع قدرا من أَن تثبت لَهُ الْجِنّ وَقد سَأَلَ شيعي الْمُحدث أَبَا الْبَقَاء خَالِد بن يُوسُف النابلسي عَن قتال عَليّ الْجِنّ فَقَالَ أَنْتُم معشر الشِّيعَة أما لكم عقل أَيّمَا أفضل عنْدكُمْ عمر أَو عَليّ قَالَ بل عَليّ فَقَالَ إِذا كَانَ النَّبِي ﷺ يَقُول لعمر مَا رآك الشَّيْطَان سالكا فجا إِلَّا سلك فجا غير فجك فَإِذا كَانَ الشَّيْطَان يهرب من عمر فَكيف يُقَاتل بنوه عليا وَقد روى ابْن الْجَوْزِيّ فِي الموضوعات حَدِيثا طَويلا فِي محاربته الْجِنّ وَأَنه كَانَ عَام الْحُدَيْبِيَة وَأَنه حاربهم ببئر ذَات الْعلم من طَرِيق مُحَمَّد بن أَحْمد الْمُفِيد أخبرنَا مُحَمَّد بن جَعْفَر السامر حَدثنَا عبد الله بن مُحَمَّد السكونِي حَدثنَا عمَارَة بن يزِيد حَدثنَا إِبْرَاهِيم بن سعد عَن مُحَمَّد بن إِسْحَاق حَدثنِي يحيى بن عبيد الله بن الْحَارِث عَن أَبِيه عَن ابْن عَبَّاس قَالَ لما توجه رَسُول الله ﷺ إِلَى مَكَّة عَام الْحُدَيْبِيَة أصَاب النَّاس عَطش وحر فَنزل الْجحْفَة فَقَالَ من يمْضِي فِي نفر بِالْقربِ فيردون بِئْر ذَات الْعلم وأضمن لَهُم الْجنَّة فَذكر حَدِيثا طَويلا فِيهِ أَنه بعث رجلا فَفَزعَ من الْجِنّ وَرجع ثمَّ آخر فَرجع ثمَّ أرسل عليا فَنزل الْبِئْر وملأ الْقرب بعد هول شَدِيد وَأَن النَّبِي ﷺ قَالَ الَّذِي هتف بك من الْجِنّ هُوَ سَمَّاعَة بن غراب الَّذِي قتل عَدو الله مسعرا شَيْطَان أصنام قُرَيْش قَالَ ابْن الْجَوْزِيّ وَهَذَا مَوْضُوع والمفيد وَمُحَمّد بن جَعْفَر والسكوني مجروحون قَالَ أَبُو الْفَتْح الْأَزْدِيّ وَعمارَة يضع الحَدِيث فصل قَالَ وَرُجُوع الشَّمْس لَهُ مرَّتَيْنِ إِحْدَاهمَا فِي زمن النَّبِي ﷺ روى جَابر

стр. 508

وَأَبُو سعيد أَن رَسُول الله ﷺ نزل عَلَيْهِ جِبْرِيل يناجيه وتوسد فَخذ عَليّ فَلم يرفع رَأسه حَتَّى غَابَتْ الشَّمْس فصلى عَليّ الْعَصْر إِيمَاء فَلَمَّا اسْتَيْقَظَ نَبِي الله قَالَ لَهُ سل الله يرد عَلَيْك الشَّمْس لتصلي الْعَصْر قَائِما فَدَعَا فَردَّتْ الشَّمْس وَصلى وَأما الثَّانِيَة فَلَمَّا أَرَادَ أَن يعبر الْفُرَات بِبَابِل إشتغل كثير من أَصْحَابه بِبَعْض دوابهم وَصلى لنَفسِهِ فِي طَائِفَة من أَصْحَابه الْعَصْر وَفَاتَ كثيرا مِنْهُم فتكلموا فِي ذَلِك فَسَأَلَ الله رد الشَّمْس فَردَّتْ ونظمه السَّيِّد الْحِمْيَرِي فَقَالَ (ردَّتْ عَلَيْهِ الشَّمْس لما فَاتَهُ ... وَقت الصَّلَاة وَقد دنت للمغرب) (حَتَّى تبلج نورها فِي وَقتهَا ... للعصر ثمَّ هوت هوى الْكَوْكَب) (وَعَلِيهِ قد ردَّتْ بِبَابِل مرّة ... أُخْرَى وَمَا ردَّتْ لخلق مغرب) قُلْنَا علمنَا اليقيني بِفضل عَليّ لَا يحْتَاج مَعَه إِلَى هَذَا الْكَذِب فَأَما رد الشَّمْس لَهُ فِي زمن النَّبِي ﷺ فقد ذكره طَائِفَة بِلَفْظ آخر كالطحاوي وَالْقَاضِي عِيَاض وَغَيرهمَا وعدوا ذَلِك من معجزات الرَّسُول ﷺ لَكِن الحذاق يعلمُونَ أَن هَذَا لم يكن والْحَدِيث فِي ذَلِك ذكره ابْن الْجَوْزِيّ فِي الموضوعات من طَرِيق عبيد الله بن مُوسَى عَن فُضَيْل ابْن مَرْزُوق عَن إِبْرَاهِيم بن الْحسن عَن فَاطِمَة بنت الْحُسَيْن عَن أَسمَاء بنت عُمَيْس قَالَت كَانَ رَسُول الله ﷺ يُوحى إِلَيْهِ وَرَأسه فِي حجر عَليّ فَلم يصل الْعَصْر حَتَّى غربت الشَّمْس فَقَالَ النَّبِي ﷺ اللَّهُمَّ إِنَّه كَانَ فِي طَاعَتك وَطَاعَة رَسُولك فاردد عَلَيْهِ الشَّمْس قَالَت أَسمَاء فرأيتها غربت ثمَّ رَأَيْتهَا طلعت بعد مَا غربت قَالَ أَبُو الْفرج بن الْجَوْزِيّ وَهَذَا مَوْضُوع بِلَا شكّ وَقد إضطربوا فِيهِ فَرَوَاهُ سعيد بن مَسْعُود الْمروزِي عَن عبيد الله ابْن مُوسَى عَن فُضَيْل عَن عبد الرَّحْمَن بن عبد الله بن دِينَار عَن عَليّ بن الْحُسَيْن عَن فَاطِمَة بنت الْحُسَيْن عَن أَسمَاء نَحوه وفضيل بن مَرْزُوق ضعفه يحيى وَقَالَ أَبُو حَاتِم بن حبَان يروي الموضوعات ويخطيء على الثِّقَات قَالَ أَبُو الْفرج وَهَذَا الحَدِيث مَدَاره على عبيد الله بن مُوسَى عَنهُ وَعَن ابْن عقدَة أخبرنَا أَحْمد بن يحيى الصُّوفِي حَدثنَا عبد الرَّحْمَن

стр. 509

ابْن شريك حَدثنِي أبي عَن عُرْوَة بن عبد الله بن قُشَيْر قَالَ دخلت على فَاطِمَة بنت عَليّ بن أبي طَالب فَحَدثني أَن عليا وَذكر حَدِيث رُجُوع الشَّمْس قَالَ أَبُو الْفرج وَهَذَا بَاطِل أما ابْن شريك فَقَالَ أَبُو حَاتِم واهي الحَدِيث وَأَنا لَا أتهم بِهَذَا الإ ابْن عقدَة فَإِنَّهُ كَانَ رَافِضِيًّا يحدث بمثالب الصَّحَابَة قَالَ ابْن عدي سَمِعت أَبَا بكر بن أبي غَالب يَقُول ابْن عقدَة لَا يتدين بِالْحَدِيثِ كَانَ يحمل شُيُوخًا بِالْكُوفَةِ على الْكَذِب يُسَوِّي لَهُم نسخا وَيَأْمُرهُمْ أَن يرووها وَسُئِلَ الدَّارَقُطْنِيّ عَنهُ فَقَالَ رجل سوء وَقد روى دَاوُد بن فَرَاهِيجَ عَن أبي هُرَيْرَة وَدَاوُد ضعفه شُعْبَة قلت لم يَصح أَن دَاوُد حدث بِهِ رَوَاهُ يزِيد النَّوْفَلِي عَنهُ وَهُوَ واه وَعَن يزِيد ابْنه يحيى وَهُوَ ضَعِيف فَإِن قيل فِي الصَّحِيحَيْنِ رد الشَّمْس لبَعض الْأَنْبِيَاء قُلْنَا مَا ردَّتْ لَهُ وَلَكِن

стр. 510

تَأَخّر غُرُوبهَا وبورك لَهُ فِي النَّهَار وَطول النَّهَار وقصره قد يختفي وَإِنَّمَا علمنَا وقوفها ليوشع ﷺ بِالنَّصِّ فَإِن ثَبت نَص قُلْنَا بِهِ فَلَا مَانع من ذَلِك لَكِن الشَّأْن هَل وَقع الْحَادِث الْعَظِيم أَن الشَّمْس غربت ثمَّ طلعت وَمَا نَقله أهل التَّوَاتُر كَمَا نقلوا إنشقاق الْقَمَر ونطق بِهِ الْقُرْآن ثمَّ إِن يُوشَع كَانَ مُحْتَاجا إِلَى ذَلِك لِأَن الْقِتَال كَانَ محرما عَلَيْهِ بعد الْغُرُوب لأجل مَا حرم الله عَلَيْهِم من الْعَمَل لَيْلَة السبت وَأما أمتنَا فَلَا حَاجَة بهم إِلَى ذَلِك فَإِن الَّذِي فَاتَتْهُ الْعَصْر إِن كَانَ مفرطا لم يسْقط ذَنبه إِلَّا بِالتَّوْبَةِ وَمَعَهَا يَسْتَغْنِي عَن رد الشَّمْس وَإِن لم يكن مفرطا كالنائم وَالنَّاسِي فَلَا ملام عَلَيْهِ فِي صلَاتهَا بعد الْغُرُوب ثمَّ نفس غرُوب الشَّمْس يخرج الْوَقْت الْمَضْرُوب للصَّلَاة فالمصلى بعد ذَلِك لَا يكون مُصَليا فِي الْوَقْت وَلَو عَادَتْ وطلعت بعد غُرُوبهَا حصل بغروبها إفطار الصَّائِم وَصَلَاة الْمُسلمين الْمغرب فَبعد طُلُوعهَا أيبطل صَوْم الصَّائِم وَصلَاته وَهَذَا تَقْدِير مَا لم يُوجد وَهَذَا رَسُول الله ﷺ وَقد فَاتَتْهُ الْعَصْر يَوْم الخَنْدَق وصلاها قَضَاء هُوَ وَكثير من أَصْحَابه وَمَا سَأَلَ الله أَن يرد لَهُ الشَّمْس وَقد دَعَا على من شغله عَنْهَا وتألم لذَلِك فَإِن كَانَت الشَّمْس احْتَجَبت قبيل الْغُرُوب بغيم ثمَّ انكشفت فَيمكن فلعلهم ظنُّوا أَنَّهَا غربت ثمَّ كشفت الْغَمَام عَنْهَا وَلِهَذَا الْخَبَر إِسْنَاد آخر رَوَاهُ جمَاعَة عَن مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل بن أبي فديك أخبرنَا مُحَمَّد بن مُوسَى القطري عَن عون بن مُحَمَّد عَن أمه أم جَعْفَر عَن جدَّتهَا أَسمَاء بنت عُمَيْس أَن رَسُول الله ﷺ وضع رَأسه فِي حجر عَليّ فَلم يحركه حَتَّى غَابَتْ الشَّمْس فَقَالَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم

стр. 511

اللَّهُمَّ إِن عَبدك عليا احتسب نَفسه على نبيه فَرد عَلَيْهِ شرقها قَالَت أَسمَاء فطلعت حَتَّى وقفت على الْجبَال وَالْأَرْض فَقَامَ عَليّ فَتَوَضَّأ وَصلى الْعَصْر ثمَّ غَابَتْ الشَّمْس وَذَلِكَ بالصهباء فِي غَزْوَة خَيْبَر عون بن مُحَمَّد هُوَ ابْن الحنيفة وَأمه هِيَ ابْنة مُحَمَّد بن جَعْفَر بن أبي طَالب والخبرمنكر وَعون وَأمه ليسَا مِمَّن يعرف حفظهم وعدالتهم وَلَا من المعروفين بِنَقْل الْعلم وَلَا يحْتَج بِحَدِيثِهِمْ فِي أَهْون الْأَشْيَاء فَكيف فِي مثل هَذَا وَلَا فِيهِ سَماع الْمَرْأَة من أَسمَاء بنت عُمَيْس فلعلها سَمِعت من يحكيه عَن أَسمَاء فَذَكرته وَهَذَا المُصَنّف ذكر عَن ابْن أبي فديك أَنه ثِقَة وَعَن القطري أَنه ثِقَة وَلم يُمكنهُ أَن يذكر عَمَّن بعدهمَا أَنه ثِقَة وَإِنَّمَا ذكر أنسابهم وَمُجَرَّد الْمعرفَة بِنسَب الرجل لَا توجب أَن يكون حَافِظًا ثِقَة قلت وَلَفظ ابْن المطهر من أَن عليا صلاهَا للْوَقْت مَا علمت أحدا رَوَاهُ وَأما رد الشَّمْس لعَلي بِبَابِل فَهَذَا من أباطيل الرافضة قَالَ وَزَاد المَاء بِالْكُوفَةِ وخافوا الْغَرق فَركب عَليّ بغلة رَسُول الله ﷺ وَالنَّاس مَعَه فَنزل عَليّ على شاطيء الْفُرَات فصلى ودعا وَضرب صفحة المَاء بقضيب فغاض المَاء وَسلم عَلَيْهِ كثير من الْحيتَان وَلم ينْطق الجزي فَسئلَ عَن ذَلِك فَقَالَ أنطق الله لي مَا طهر من السّمك وأصمت مَا أخرسه وأنجسه وأبعده قُلْنَا أَيْن إِسْنَاد هَذَا وَإِلَّا فمجرد الحكايات يقدر عَلَيْهِ كل أحد وَلَا يَعْنِي شَيْئا ثمَّ هُوَ بَاطِل وَلَو وَقع لتوفرت الدَّوَاعِي والهمم على نَقله ثمَّ السّمك كُله طَاهِر مُبَاح اجْمَعُوا على حلّه فَكيف يُقَال إِن

стр. 512

الله أنجسه أفنحرم مَا احل الله بِمثل هَذِه الخرافة ونقول نطق السّمك لَيْسَ هُوَ مَقْدُورًا لَهُ عَادَة بل من الخوارق فَالله أنطق مَا أنطق مِنْهُ بقدرته وَمَا بَقِي فعلى الأَصْل أَن لَو كَانَ ذَلِك وَقع فَأَي ذَنْب للسمك وَقد قُلْنَا إِن عليا أجل قدرا من أَن يحْتَاج إِلَى هَذِه الموضوعات قَالَ وروى جمَاعَة أَن عليا كَانَ يخْطب على مِنْبَر الْكُوفَة فَظهر ثعبان فرقي الْمِنْبَر وَخَافَ النَّاس وَأَرَادُوا قَتله فَمَنعهُمْ عَليّ فخاطبه ثمَّ نزل فَسَأَلَ النَّاس عَنهُ عليا فَقَالَ هُوَ حَاكم الْجِنّ التبست عَلَيْهِ مَسْأَلَة فأوضحتها لَهُ وَكَانَ أهل الْكُوفَة يسمون الْبَاب الَّذِي دخل مِنْهُ بَاب الثعبان فَأَرَادَ بَنو أُميَّة إطفاء هَذِه الْفَضِيلَة فنصبوا على ذَلِك الْبَاب قَتْلَى كَثِيرَة مُدَّة طَوِيلَة حَتَّى سمي بَاب الْقَتْلَى فَيُقَال من هُوَ دون عَليّ تحْتَاج الْجِنّ إِلَيْهِ وتستفتيه وَهَذَا مَعْلُوم قَدِيما وحديثا فَإِن كَانَ هَذَا وَقع فقدره أجل من ذَلِك وَإِن لم يكن وَقع لم ينقص فَضله بذلك وَلَكِن أئمتك الْمُعْتَزلَة تنكر كرامات الْأَوْلِيَاء وَمن جحد وُقُوعهَا من صالحي الْأمة فقد كَابر وَلَكِن أكْرم النَّاس عِنْد الله أَتْقَاهُم وَإِن لم تقع لَهُ كَرَامَة قَالَ والفضائل إِمَّا نفسانية أَو بدنية أَو خارجية وأمير الْمُؤمنِينَ جمع الْكل فَجمع الزّهْد وَالْعلم وَالْحكمَة فَهَذِهِ النفسانية وَجمع الْعِبَادَة والشجاعة وَالصَّدَََقَة فَهَذِهِ الْبَدَنِيَّة وَأما الخارجية كالنسب فَلم يلْحق فِيهِ وَتزَوج بابنة سيد الْبشر سيدة نسَاء الْعَالمين وَقد روى أَخطب خوارزم بِإِسْنَادِهِ على جَابر قَالَ لما تزوج عَليّ فَاطِمَة زوجه الله إِيَّاهَا من فَوق سبع سماوات وَكَانَ الْخَاطِب جِبْرِيل وَالشُّهُود مِيكَائِيل وإسرافيل فِي سبعين ألفا فَأوحى إِلَى شَجَرَة طوبي انثري مَا فِيك من الدّرّ والجوهر فَفعلت والتقطه الْحور الْعين قُلْنَا الْأُمُور الْخَارِجَة عَن نفس الْإِيمَان وَالتَّقوى لَا يحصل بهَا فضل عِنْد

стр. 513

الله بمجردها قَالَ النَّبِي ﷺ أَلا لَا فضل لعربي على عجمي إِلَّا بالتقوى وَسُئِلَ رَسُول الله ﷺ عَن أكْرم النَّاس قَالَ أَتْقَاهُم قيل لَيْسَ عَن هَذَا نَسْأَلك فَقَالَ يُوسُف نَبِي الله ابْن نَبِي الله ابْن نَبِي الله خَلِيل الله فإبراهيم أكْرم على الله من يُوسُف وَأَيْنَ مَا بَين أبويهما فَلَيْسَ فِي بني آدم من حَيْثُ النّسَب مثل يُوسُف وَإِذا فَرضنَا إثنين أَحدهمَا أَبوهُ نَبِي وَالْآخر أَبوهُ كَافِر وتساويا فِي التَّقْوَى وَالطَّاعَة من كل وَجه كَانَت درجتهما فِي الْجنَّة سَوَاء وَلَكِن أَحْكَام الدُّنْيَا بِخِلَاف ذَلِك فِي الْإِمَامَة والزوجية والشرف وَتَحْرِيم الصَّدَقَة وَنَحْو ذَلِك وَالْخَيْر فِي الْأَشْرَاف أَكثر مِنْهُ فِي الْأَطْرَاف قَالَ الله تَعَالَى (إِن الله اصْطفى آدم ونوحا وَآل إِبْرَاهِيم وَآل عمرَان على الْعَالمين) وَقد قَالَ أَيْضا (وَلَقَد أرسلنَا نوحًا وَإِبْرَاهِيم وَجَعَلنَا فِي ذريتهما النُّبُوَّة وَالْكتاب فَمنهمْ مهتد وَكثير مِنْهُم فَاسِقُونَ) وَقَالَ (إِنَّه لَيْسَ من أهلك إِنَّه عمل غير صَالح) كَمَا أَنْت رَاء فِي العلوية العَبْد الصَّالح والمسرف على نَفسه دَعْنَا من ذَا أما هَؤُلَاءِ الْيَهُود المغضوب عَلَيْهِم من أَوْلَاد الْأَنْبِيَاء قَالَ الله تَعَالَى (واخشوا يَوْمًا لَا يَجْزِي وَالِد عَن وَلَده وَلَا مَوْلُود هُوَ جَازَ عَن وَالِده شَيْئا إِن وعد الله حق) وَنحن إِذا قُلْنَا الْعَرَب أفضل من الْعَجم فلكثرة مَا فِي الصِّنْف من الْخَيْر وَالتَّقوى والمحاسن الَّتِي هِيَ فيهم أَكثر مِنْهَا فِي غَيرهم وَعَن النَّبِي ﷺ فِيمَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَغَيره قَالَ لَا فضل لعربي على عجمي وَلَا لعجمي على عَرَبِيّ وَلَا لأبيض على أسود وَلَا لأسود على أَبيض إِلَّا بالتقوى النَّاس من آدم وآدَم من تُرَاب وَقَالَ ﷺ إِن الله قد أذهب عَنْكُم عبِّيَّة الْجَاهِلِيَّة وَفَخْرهَا بِالْآبَاءِ النَّاس رجلَانِ مُؤمن تَقِيّ وَفَاجِر شقي وَنحن لَا ننازع أَن عليا فِي الدرجَة الْعليا من الْكَمَال وَإِنَّمَا النزاع فِي أَنه أكمل من الثَّلَاثَة وأحق بِالْإِمَامَةِ مِنْهُم وَلَيْسَ فِيمَا ذكره مَا يدل على ذَلِك وَهَذَا

стр. 514

الْبَاب للنَّاس فِي طَرِيقَانِ مِنْهُم من يَقُول إِن تَفْضِيل بعض الْأَشْخَاص على بعض عِنْد الله لَا يعلم إِلَّا بالتوقيف فَإِن حقائق مَا فِي الْقُلُوب ومراتبها عِنْد الله مِمَّا اسْتَأْثر الله بِهِ فَلَا يعلم ذَلِك إِلَّا بِخَبَر الصَّادِق وَمِنْهُم من يَقُول قد يعلم ذَلِك بالإستدلال وَأهل السّنة يَقُولُونَ إِن كلا من الطَّرِيقَيْنِ إِذا أعطي حَقه من السلوك دلّ على أَن كلا من الثَّلَاثَة أكمل من عَليّ أما الطَّرِيق التوقيفي فالنص وَالْإِجْمَاع وَالْإِجْمَاع على أَفضَلِيَّة أبي بكر وَعمر اتّفقت عَلَيْهِ الْأمة سواكم والتوقيف فقد مر عدَّة نُصُوص بذلك وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَن ابْن عمر الَّذِي هُوَ أصدق من برأَ الله فِي زَمَانه أَنه قَالَ كُنَّا نقُول وَرَسُول الله ﷺ حَيّ أفضل الْأمة بعد النَّبِي ﷺ أَبُو بكر ثمَّ وَعمر وَفِي لفظ ثمَّ يبلغ ذَلِك النَّبِي ﷺ فَلَا يُنكره وَأما عُثْمَان فَقَالَ جمَاعَة من الْعلمَاء كَانَ عُثْمَان أعلم بِالْقُرْآنِ من عَليّ وَعلي أعلم بِالسنةِ وَعُثْمَان أعظم جهادا بِمَالِه وَعلي اعظم جهادا بِنَفسِهِ وَعُثْمَان أزهد فِي الرياسة وَعلي أزهد فِي المَال وسيرة عُثْمَان أرجح وَهُوَ أسن من عَليّ ببضع وَعشْرين سنة وأجمت الصَّحَابَة على تَقْدِيمه على عَليّ فَثَبت أَنه أفضل قَالُوا عَليّ أفضل لِقَرَابَتِهِ قُلْنَا حَمْزَة من أكبر السَّابِقين وَهُوَ أقرب نسبا وروى أَنه سيد الشُّهَدَاء فَيكون أفضل قَالُوا فِي عُثْمَان فعل وَفعل وَولي أَقَاربه وأسرف فِي الْعَطاء قُلْنَا إجتهاد عُثْمَان فِي ذَلِك أقرب إِلَى الْمصلحَة فَإِن الْأَمْوَال أخف خطرا من الدِّمَاء فَلهَذَا كَانَت خِلَافَته هادئة سَاكِنة كَثِيرَة الْجِهَاد والفتوحات الْكِبَار كَثِيرَة الْفَيْء وَلكنهَا لَا تقَارب خلَافَة من قبله وَالَّذين خَرجُوا عَلَيْهِ فسقوه وَالَّذين خَرجُوا على عَليّ كفروه وَلَا خير فِي الطَّائِفَتَيْنِ

стр. 515

الْفَصْل الرَّابِع فِي إِمَامَة بَاقِي الإثني عشر قَالَ لنا فِي ذَلِك طرق أَحدهَا النَّص وَقد توارثته الشِّيعَة فِي الْبِلَاد خلفا عَن سلف عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ للحسين هَذَا إِمَام ابْن إِمَام أَخُو إِمَام أَبُو أَئِمَّة تِسْعَة قائمهم اسْمه كإسمي وكنيته كنيتي يمْلَأ الأَرْض عدلا وقسطا كَمَا ملئت جورا وظلما وَالْجَوَاب هَذَا أَولا كذب على الشِّيعَة فَإِن هَذَا لم تقله إِلَّا شرذمة من الشِّيعَة وَأَكْثَرهم يكذب بِهِ مثلنَا والزيدية بأسرها تكذب هَذَا وهم أَعقل الشِّيعَة وأعلمهم وخيارهم والإسماعيلية يكذبُون بِهِ والشيعة نَحْو من سبعين فرقة وَإِنَّمَا هَذَا من إختلاق الْمُتَأَخِّرين وضع لما مَاتَ الْحسن بن عَليّ العسكري وَتكلم بغيبة ابْنه مُحَمَّد بعد موت الرَّسُول ﷺ بمائتين وَخمسين سنة وعلماء السّنة ونقلة الْآثَار الَّذين هم أَضْعَاف أَضْعَاف الشِّيعَة يعلمُونَ أَن هَذَا كذب على الرَّسُول قطعا ويباهلون على ذَلِك ثمَّ من شَرط التَّوَاتُر حُصُول من يَقع بِهِ الْعلم من الطَّرفَيْنِ وَالْوسط وَقبل موت الْحسن العسكري لم يكن أحد يَقُول بإمامة المنتظر وَإِنَّمَا كَانَ المدعون يدعونَ النَّص على عَليّ أَو على نَاس بعده أما دَعْوَى النَّص على الإثني عشر وَهَذَا الْخلف فِي الْحجَّة الْمَعْدُوم آخِرهم فَهَذَا لَا نَعْرِف أحدا قَالَه مُتَقَدما وَلَا نَقله ناقل فَأَيْنَ دعواك التَّوَاتُر بل الْمُتَوَاتر مَا جَاءَ فِي فَضَائِل أبي بكر وَعمر وَعُثْمَان وَعلي وَقيل إِن أول مَا ظَهرت الشِّيعَة الإمامية المدعية النَّص

стр. 516

فِي أَوَاخِر أَيَّام الْخُلَفَاء الرَّاشِدين إفترى ذَلِك عبد الله بن سبأ وطائفته وَالَّذِي علمناه من حَال أهل الْبَيْت علما لَا ريب فِيهِ أَنهم لم يَكُونُوا يدعونَ أَنهم مَنْصُوص عَلَيْهِم كجعفر الصَّادِق وَأَبِيهِ وجده زين العابدين على بن الْحُسَيْن وَأَبِيهِ وَأَخْرَجَا فِي الصَّحِيحَيْنِ عَن جَابر ابْن سَمُرَة سمع النَّبِي ﷺ يَقُول لَا يزَال أَمر النَّاس مَاضِيا عَزِيزًا مَا وليهم إثنا عشر رجلا ثمَّ تكلم بِكَلِمَة خفيت عَليّ فَسَأَلت أبي عَنْهَا فَقَالَ كلهم من قُرَيْش فَلَا يجوز أَن يُرَاد إثنا عشر الرافضة فَإِن عِنْد الرافضة أَنه لم يقم أَمر الْأمة فِي مُدَّة أحد من هَؤُلَاءِ بل مَا زَالَ أَمر الْأمة فَاسِدا يتغلب عَلَيْهِ الظَّالِمُونَ بل الْكَافِرُونَ وَأهل الْحق أذلّ من الْيَهُود وَأَيْضًا فعندهم أَن ولَايَة المنتظر دائمة إِلَى آخر الدَّهْر قَالَ وَعَن ابْن عمر أَن النَّبِي ﷺ قَالَ يخرج فِي آخر الزَّمَان رجل من وَلَدي اسْمه كإسمي كنيته كنيتي يمْلَأ الأَرْض عدلا كَمَا ملئت جوارا فَذَلِك هُوَ الْمهْدي فَنَقُول

стр. 517

الْأَحَادِيث الَّتِي تحتج بهَا على خُرُوج الْمهْدي صَحِيحَة رَوَاهَا أَحْمد وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ مِنْهَا حَدِيث ابْن مَسْعُود مَرْفُوعا لَو لم يبْق من الدُّنْيَا إِلَّا يَوْم لطول الله ذَلِك الْيَوْم حَتَّى يخرج رجل من أهل بَيْتِي يواطيء اسْمه إسمي وَاسم أَبِيه اسْم أبي يمْلَأ الأَرْض قسطا وعدلا كَمَا ملئت جورا وظلما وَأخرجه أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ من حَدِيث أم سَلمَة وَفِيه الْمهْدي من عِتْرَتِي من ولد فَاطِمَة وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد من طَرِيق أبي سعيد وَفِيه يملك الأَرْض سبع سِنِين وَعَن عَليّ أَنه نظر إِلَى الْحسن فَقَالَ سيخرج من صلبه رجل يُسمى بإسم نَبِيكُم يُشبههُ فِي الْخلق وَلَا يُشبههُ فِي الْخلق يمْلَأ الأَرْض قسطا فاما حَدِيث لَا مهْدي إِلَّا عِيسَى ابْن مَرْيَم فضعيف فَلَا يُعَارض هَذِه الْأَحَادِيث وفيهَا كَمَا ترى أَن اسْمه مُحَمَّد ابْن عبد الله فَهُوَ ر على من يزْعم أَنه المنتظر مُحَمَّد بن الْحسن ثمَّ هُوَ من ولد الْحسن لَا من ولد الْحُسَيْن وَادعت الباطنية أَنه هُوَ الَّذِي بنى المهدية وَإِنَّمَا هُوَ دعِي وَهُوَ من ولد مَيْمُون القداح فَادعوا أَن ميمونا هَذَا هُوَ ابْن مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل بن جَعْفَر الَّذِي تنتمي إِلَيْهِ الإسماعيلية وهم كفار ركبُوا مَذْهَبهم من مَجُوسِيَّة وفلسفة وصابئة صنف جمَاعَة فِي مخازيهم كإبن الباقلاني وَالْقَاضِي عبد الْجَبَّار وَالْغَزالِيّ وَهَذَا مُحَمَّد بن عبد الله بن تومرت الْبَرْبَرِي عمل لَهُ نسبا إِلَى الْحسن بن عَليّ وتلقب بالمهدي وَادّعى الْعِصْمَة وَابْن الْمَنْصُور مُحَمَّد بن عبد الله لقب بالمهدي للْحَدِيث قَالَ قد بَينا أَنه يجب فِي كل زمَان إِمَام مَعْصُوم وَلَا مَعْصُوم غير هَؤُلَاءِ إِجْمَاعًا الْجَواب منع الْمُقدمَة الأولى كَمَا مر ثمَّ لَا إِجْمَاع فِي غَيرهم ثمَّ نقُول بِالْمُوجبِ فَهَذَا الْمَعْصُوم الَّذِي تَدعُونَهُ فِي وقتنا هَذَا وَله من أَرْبَعمِائَة وَسِتِّينَ سنة وَمَا ظهر لَهُ أثر بل آحَاد الْوُلَاة وقضاة الْبر أَكثر تَأْثِيرا مِنْهُ فَأَي مَنْفَعَة للوجود بِمثل هَذَا لَو كَانَ مَوْجُودا كَيفَ وَهُوَ مَعْدُوم فَأَي لطف حصل لكم بِهِ وَأي مصلحَة نَالَتْ الْأُمَم قَدِيما وحديثا بِهِ فَمَا زَالَ مفقودا عنْدكُمْ ومعدوما عندنَا وَلَا حصل بِهِ نفع أصلا

стр. 518

الْفَصْل الْخَامِس تخرصات الشِّيعَة فِي إِمَامَة الصّديق والفاروق وَذي النورين قَالَ إِن من تقدمه لم يكن إِمَامًا لوجوه قُلْنَا بل كَانُوا أَئِمَّة صالحين للْإِمَامَة فتح الله بهم الْبِلَاد والأقاليم وَكَانُوا خلفاء راشدين وَمَا خَالف فِي هَذَا مُسلم سواكم معشر الرافضة وَكَانُوا أَحَق بهَا وَأَهْلهَا نقطع بذلك وَلَا يُمكن أَن يُعَارض لَا بِدَلِيل ظَنِّي وَلَا قَطْعِيّ أما القطعيات فَلَا يتناقض مُوجبهَا ومقتضاها وَأما الظنيات فَلَا تعَارض قَطْعِيا وَجُمْلَة ذَلِك أَن كل مَا يُورِدهُ القادح فَلَا يَخْلُو عَن أَمريْن إِمَّا نقل لَا نعلم صِحَّته أَو لَا نعلم دلَالَته على بطلَان إمامتهم وَأي المقدمتين لم يكن مَعْلُوما لم يصلح لمعارضة مَا علم قطعا وَإِذا نَفينَا الإعتراض على إمامتهم بِالْقطعِ لم يلْزمنَا الْجَواب على الشُّبْهَة المفصلة فَإِن بَينا وَجه فَسَاد الشُّبْهَة كَانَ زِيَادَة علم وتأييدا للحق فِي النّظر والمناظرة قَالَ فَمِنْهَا قَول أبي بكر إِن لي شَيْطَانا يَعْتَرِينِي فَإِن اسْتَقَمْت فَأَعِينُونِي وَإِن زِغْت فقوموني وَمن شَأْن الإِمَام تَكْمِيل الرّعية فَكيف يطْلب مِنْهُم الْكَمَال قُلْنَا الْمَأْثُور أَنه قَالَ إِن لي شَيْطَانا يَعْتَرِينِي يَعْنِي الْغَضَب فَإِذا إعتراني فاجتنبوني لَا أوثر فِي أبشاركم وَقَالَ أَطِيعُونِي مَا أَطَعْت الله فَإِذا عصيت فَلَا طَاعَة لي عَلَيْكُم وَهَذَا القَوْل من أفضل مَا مدح بِهِ يخَاف عِنْد الْغَضَب أَن يعتدي على أحد وَفِي الصَّحِيح أَن النَّبِي ﷺ قَالَ لَا يقْضِي القَاضِي بَين اثْنَيْنِ وَهُوَ غَضْبَان فَأمر الْحَاكِم باجتناب الحكم حَال الْغَضَب وَالْغَضَب يعتري بني آدم كلهم حَتَّى قَالَ سيد ولد آدم إِنَّمَا أَنا بشر أغضب كَمَا يغْضب الْبشر مُتَّفق عَلَيْهِ وَلمُسلم أَن رجلَيْنِ دخلا على رَسُول الله ﷺ فأغضباه فلعنهما وسبهما وَذكر الحَدِيث فَمن عصى أَبَا بكر وأحرجه جَازَ لَهُ تأديبه

стр. 519

كَمَا أَن من عصى عليا فأغضبه جَازَ لَهُ تأديبه وَفِي الصَّحِيح عَن ابْن مَسْعُود عَن النَّبِي ﷺ قَالَ مَا مِنْكُم من أحد إِلَّا وَقد وكل بِهِ قرينه من الْجِنّ قَالُوا وَأَنت يَا رَسُول الله قَالَ وَأَنا إِلَّا أَلا أَن الله أعانني عَلَيْهِ فَأسلم فَلَا يَأْمُرنِي إِلَّا بِخَير وَفِي الصَّحِيح عَن عَائِشَة ﵂ عَن النَّبِي ﷺ بِنَحْوِهِ وَقَوله فَإِن زِغْت فقوموني من كَمَال عدله وتقواه وإنصافه وقولك وَمن شَأْن الإِمَام تَكْمِيل الرّعية فَكيف يطْلب مِنْهُم التَّكْمِيل قُلْنَا لَا نسلم لَا يكملهم وَلَا يكملونه بل يتعاونون على الْبر وَالتَّقوى وَإِنَّمَا التَّكْمِيل من الله الْغَنِيّ بِنَفسِهِ الَّذِي لَا يحْتَاج إِلَى أحد وَقد كَانَ الرَّسُول يشاور أَصْحَابه وَيعْمل برأيهم وَقَالَ وَمِنْهَا قَول عمر كَانَت بيعَة أبي بكر فلتة وقِي الله شَرها فَمن عَاد إِلَى مثلهَا فَاقْتُلُوهُ وَهَذَا يُوجب الطعْن قُلْنَا إِنَّمَا لفظ عمر الَّذِي فِي الصَّحِيحَيْنِ بَلغنِي أَن قَائِلا مِنْكُم يَقُول لَو قد مَاتَ عمر بَايَعت فلَانا فَلَا يغترن امْرُؤ أَن يَقُول إِنَّمَا كَانَت بيعَة أبي بكر فلتة فتمت أَلا وَإِنَّهَا كَانَت كَذَلِك وَلَكِن وقى الله شَرها وَلَيْسَ مِنْكُم من تقطع إِلَيْهِ الْأَعْنَاق مثل أبي بكر فصل قَالَ وَقَوله تَعَالَى (لَا ينَال عهدي الظَّالِمين) أخبر تَعَالَى أَن عهد الْإِمَامَة لَا يصل إِلَى الظَّالِم والظالم كَافِر لقَوْله تَعَالَى (والكافرون هم الظَّالِمُونَ) وَلَا شكّ أَن الثَّلَاثَة كَانُوا كفَّارًا يعْبدُونَ الْأَصْنَام إِلَى أَن ظهر النَّبِي ﷺ وَالْجَوَاب أَيهَا الرويفضي المغتر من وُجُوه أَحدهَا أَن الْكفْر الَّذِي يعقبه الْإِيمَان لم يبْق على صَاحبه مِنْهُ ذمّ فَإِن الْإِسْلَام يجب مَا قبله وَهَذَا مَعْلُوم

стр. 520

بالإضطرار من الدّين وَلَيْسَ كل من ولد على الْإِسْلَام بِأَفْضَل مِمَّن أسلم بِنَفسِهِ وَإِلَّا لزم أَن يكون أفضل من الصَّحَابَة وَقد ثَبت أَن خير النَّاس الْقرن الأول الَّذين بعث فيهم الرَّسُول وسائرهم أَسْلمُوا بعد الْكفْر وهم أفضل بِلَا شكّ مِمَّن ولد على الْإِسْلَام وَلِهَذَا قَالَ الْأَكْثَرُونَ يجوز على الله أَن يبْعَث نَبيا مِمَّن آمن بالأنبياء قَالَ تَعَالَى (فَآمن لَهُ لوط) وَقد قَالَ شُعَيْب (قد افترينا على الله كذبا إِن عدنا فِي ملتكم بعد إِذْ نجانا الله مِنْهَا) ثمَّ إِنَّه إِذْ نبيء رَسُول الله ﷺ لم يكن أحد من قُرَيْش مُؤمنا لَا كثير وَلَا صَغِير وَإِذا قيل عَن رِجَالهمْ إِنَّهُم يعْبدُونَ الْأَصْنَام فصبيانهم كَذَلِك عَليّ وَغَيره فَإِن قيل كفر الصَّبِي لَا يضرّهُ قيل وَلَا إِيمَان الصَّبِي مثل إِيمَان الرجل فالرجل يثبت لَهُ حكم الْإِيمَان بعد الْكفْر وَهُوَ بَالغ وَالصَّبِيّ يثبت لَهُ حكم الْكفْر وَالْإِيمَان وَهُوَ دون الْبلُوغ والطفل بَين أَبَوَيْهِ الْكَافرين يجْرِي عَلَيْهِ حكم الْكفْر فِي الدُّنْيَا بِالْإِجْمَاع فَإِذا أسلم قبل الْبلُوغ فَهَل يجْرِي عَلَيْهِ حكم الْإِسْلَام قبل الْبلُوغ على قَوْلَيْنِ للْعُلَمَاء بِخِلَاف الْبَالِغ فَإِنَّهُ يصير مُسلما إِذا أسلم بِالْإِجْمَاع ثمَّ لَا يُمكن الْجَزْم بِأَن عليا مَا سجد لصنم وَكَذَا الزبير فَإِنَّهُ أسلم وَهُوَ مراهق فَمن أسلم بعد كفره واتقي وآمن لم يجز أَن يُسمى ظَالِما فَقَوله تَعَالَى (لَا ينَال عهدي الظَّالِمين) أَي ينَال الْعَادِل دون الظَّالِم فَإِذا قدر أَن شخصا كَانَ ظَالِما ثمَّ تَابَ وَصَارَ عادلا تنَاوله الْعَهْد وَصَارَ ممدوحا بآيَات الْمَدْح لقَوْله (إِن الْأَبْرَار لفي نعيم) (إِن الْمُتَّقِينَ فِي مقَام أَمِين) فَمن قَالَ الْمُسلم بعد إيمَانه كَافِر فَهُوَ كَافِر بِإِجْمَاع الْأمة قَالَ وَمن ذَلِك قَول أبي بكر أقيلوني فلست بِخَيْرِكُمْ وَلَو كَانَ إِمَامًا لم يجز لَهُ طلب الْإِقَالَة قُلْنَا أَيْن صِحَة هَذَا وَإِلَّا فَمَا كل مَنْقُول صَحِيح فَإِن صَحَّ هَذَا عَنهُ لم يجز معارضته بِقَوْلِك لَا يجوز لَهُ طلب الْإِقَالَة إِذْ ذَلِك مُجَرّد دَعْوَى

стр. 521

قَالَ وَقَالَ عِنْد مَوته لَيْتَني كنت سَأَلت رَسُول الله ﷺ هَل للْأَنْصَار فِي هَذَا الْأَمر حق وَهَذَا يدل على شكه فِي صِحَة بيعَة نَفسه مَعَ أَنه الَّذِي دفع الْأَنْصَار يَوْم السَّقِيفَة قُلْنَا أما قَول النَّبِي ﷺ الْأَئِمَّة من قُرَيْش فَهُوَ حق وَمن الَّذِي يَقُول إِن الصّديق شكّ فِي هَذَا وَفِي صِحَة إِمَامَته وَلَكِن مَا نقلته كذب عَلَيْهِ فَإِن الْمَسْأَلَة عِنْده وَعند الصَّحَابَة وَاضِحَة ظَاهِرَة وَإِن قدر أَنه قَالَه فَفِيهِ فَضِيلَة لَهُ لِأَنَّهُ لم يكن يعرف أَن الْأَئِمَّة من قُرَيْش فاجتهد فَوَافَقَ إجتهاده النَّص وَفِيه أَنه لَيْسَ عِنْده نَص من الرَّسُول ﷺ بعلي قَالَ وَقَالَ عِنْد مَوته لَيْتَني كنت تركت بَيت فَاطِمَة لم أكشفه وليتني فِي سَقِيفَة بني سَاعِدَة كنت ضربت على يَد أحد الرجلَيْن فَكَانَ هُوَ الْأَمِير وَكنت الْوَزير وَهَذَا يدل على إقدامه على بَيت فَاطِمَة عِنْد إجتماع عَليّ وَالزُّبَيْر وَغَيرهمَا وَيدل على أَنه كَانَ يرى الْفضل لغيره قُلْنَا لَا يقبل الْقدح إِلَّا إِذا ثَبت النَّقْل وَنحن نعلم يَقِينا أَن أَبَا بكر لم يقدم على عَليّ وَالزُّبَيْر بِشَيْء من الْأَذَى بلَى وَلَا على سعد بن عبَادَة الَّذِي مَاتَ وَلم يبايعه وَغَايَة مَا يُقَال إِنَّه كبس الْبَيْت لينْظر هَل فِيهِ شَيْء من مَال الله الَّذِي أَمر بقسمته ثمَّ رأى أَنه لَو تَركه لَهُم جَازَ والجهلة يَقُولُونَ إِن الصَّحَابَة هدموا بَيت فَاطِمَة وضربوا بَطنهَا حَتَّى طرحت أفيسوغ فِي عقل عَاقل أَن صفوة الْأمة يَفْعَلُونَ هَذَا بإبنة نَبِيّهم لَا لأمر فلعن الله من وضع هَذَا وَمن إفتعل الرَّفْض قَالَ وَقَالَ ﷺ جهزوا جَيش أُسَامَة وَكرر ذَلِك وَكَانَ فيهم أَبُو بكر وَعمر وَلم ينقذ عليا لِأَنَّهُ أَرَادَ مَنعهم من التوثب على الْخلَافَة بعده فَلم يقبلُوا مِنْهُ قُلْنَا أَيْن صِحَة هَذَا فَمن احْتج بالمنقول لَا يسوغ لَهُ إِلَّا بعد الْعلم بِصِحَّتِهِ كَيفَ

стр. 522

وَهَذَا كذب لم يكن أَبُو بكر فِي جَيش أُسَامَة أصلا بل قيل إِنَّه كَانَ فيهم عمر ﵁ وَقد تَوَاتر عَن النَّبِي ﷺ أَنه اسْتخْلف أَبَا بكر على الصَّلَاة حَتَّى مَاتَ وَصلى أَبُو بكر بهم الصُّبْح يَوْم توفّي وَقد كشف ﷺ سجف الْحُجْرَة فَرَآهُمْ خلف أبي بكر فسر بذلك فَكيف يُمكن مَعَ هَذَا أَن يكون من جَيش أُسَامَة الَّذين شرعوا فِي الرحيل وَلَو أَرَادَ النَّبِي ﷺ تَوْلِيَة عَليّ لَكَانَ هَؤُلَاءِ أعجز من أَن يدفعوا أمره ولكان جَمَاهِير الْأمة أطوع لله وَلِرَسُولِهِ من أَن يدعوا أحدا يتوثب على من نَص الرَّسُول لَهُم عَلَيْهِ ثمَّ لَو كَانَ أَرَادَ تَوليته لَكَانَ أمره بِالصَّلَاةِ بِالْمُسْلِمين أَيَّام مَرضه وَلما كَانَ يدع أَبَا بكر يُصَلِّي بِهِ قَالَ وَلم يول أَبَا بكر عملا وَولي عَلَيْهِ قُلْنَا وَأي ولَايَة فَوق ولَايَة الصَّلَاة وَالْحج وَالزَّكَاة وَقد ولي جمَاعَة دون أبي بكر بِكَثِير مثل عَمْرو بن الْعَاصِ والوليد ابْن عقبَة وَأبي سُفْيَان بن حَرْب وَعدم ولَايَته لَا يدل على نَقصه وَلِأَنَّهُ كَانَ وزيره وَكَانَ لَا يَسْتَغْنِي عَنهُ فِي مهمات الْأُمُور ويليه عمر قَالَ وأنفذه رَسُول الله ﷺ لأَدَاء سُورَة بَرَاءَة ثمَّ أنفذ عليا وَأمره برده وَأَن يتَوَلَّى هُوَ ذَلِك وَمن لَا يصلح لأَدَاء سُورَة كَيفَ يصلح للخلافة الْجَواب إِن هَذَا إفتراء مَحْض ورد للتواتر فَإِن الرَّسُول اسْتعْمل أَبَا بكر على الْحَج سنة تسع فَمَا ردة وَلَا رَجَعَ بل هُوَ الَّذِي حج بِالنَّاسِ فَكَانَ على من جملَة رَعيته إِذْ ذَاك يُصَلِّي خَلفه ويسير بسيره فالعلم بِهَذَا لم يخْتَلف فِيهِ إثنان فَكيف تَقول إِنَّه أَمر برده وَلَكِن أردفه بعلي لينبذ إِلَى الْمُشْركين عَهدهم لِأَن عَادَتهم كَانَت جَارِيَة أَن لَا يعْقد العهود وَلَا يحلهَا إِلَّا المطاع أَو رجل من أهل بَيته فَبعث عليا

стр. 523

بِبَرَاءَة فيالله إِذا كنت تجْهَل مثل هَذَا من أَحْوَال الرَّسُول وأيامه وَسيرَته فإيش عنْدك من الْعلم وَكَانَ السّكُون أولى بك وبأشباهك أفأملك أَن أعمى الله قَلْبك إِذْ خبثت سريرتك فَلَا تبرز بفائدة وَلَا تَأتي بِخَير وَلَكِنَّك معرق فِي الرَّفْض فَللَّه الْحَمد على الْعَافِيَة ثمَّ تَقول والإمامة متضمنة لأَدَاء جَمِيع الْأَحْكَام إِلَى الْأمة سبل الْأَحْكَام كلهَا تلقتها الْأمة عَن نبيها لَا تحْتَاج فِيهَا إِلَى الإِمَام وَإِنَّمَا الإِمَام منفذ لما شَرعه الرَّسُول وَالصديق كَانَ عَالما بعامة ذَلِك وَإِذا خَفِي عَلَيْهِ الشَّيْء الْيَسِير سَأَلَ الصَّحَابَة عَنهُ كَمَا سَأَلَ عَن مِيرَاث الْجدّة فَأخْبر أَن نَبِي الله أَعْطَاهَا السُّدس وَمَا عرف لَهُ قَول خَالف نصا وَقد عرف لعمر وَعُثْمَان من ذَلِك أَشْيَاء وَعرف لعَلي أَكثر مِمَّا عرف لَهما كَقَوْلِه إِن الْحَامِل الْمُتَوفَّى عَنْهَا تَعْتَد أبعد الْأَجَليْنِ وَحَدِيث سبيعة فِي الصَّحِيحَيْنِ بِأَنَّهَا تحل إِذا وضعت

стр. 524

وَقد جمع الشَّافِعِي رَحمَه الله تَعَالَى كتابا فِي خلاف على وَابْن مَسْعُود وَجمع بعده مُحَمَّد بن نصر الْمروزِي أَكثر من ذَلِك فَإِنَّهُ كَانَ إِذا ناظره الْكُوفِيُّونَ يحْتَج بالنصوص فَيَقُولُونَ نَحن أَخذنَا بقول عَليّ وَابْن مَسْعُود فَجمع لَهُم أَشْيَاء كَثِيرَة من قَول عَليّ وَابْن مَسْعُود تَرَكُوهُ أَو تَركه النَّاس يَقُول إِذا جَازَ لكم خلافهما فِي تِلْكَ الْمسَائِل لقِيَام الْحجَّة على خلافهما فَكَذَلِك فِي سَائِر الْمسَائِل وَلَا يعرف لأبي بكر مثل هَذَا ثمَّ الْقُرْآن بلغه كل أحد عَن الرَّسُول ﷺ فَيمْتَنع أَن يُقَال لم يصلح أَبُو بكر لتبليغه وَلَا يجوز أَن يُقَال إِن تَبْلِيغ الْقُرْآن يخْتَص بعلي فَإِن الْقُرْآن لَا يثبت بِخَبَر الْوَاحِد قَالَ وَمن ذَلِك قَول عمر إِن مُحَمَّدًا لم يمت وَهُوَ يدل على قلَّة علمه وَأمر برجم حَامِل فَنَهَاهُ عَليّ فَقَالَ لَوْلَا عَليّ لهلك عمر قُلْنَا قد أوردنا لَك نصوصا عدَّة فِي مكانة عمر من الْعلم فَكَانَ أعلم النَّاس بعد الصّديق وَأما كَونه ظن أَن الرَّسُول لم يمت فَهَذَا كَانَ سَاعَة ثمَّ تبين لَهُ مَوته وَعلي قد ظن أَشْيَاء ثمَّ ظَهرت لَهُ بِخِلَاف ذَلِك وَلم يقْدَح بِمثل هَذَا فِي إمامتهما وَأما الْحَامِل فَلم يدر أَنَّهَا حاملة فَنَبَّهَهُ عَليّ وَقد نزل الْكتاب بموافقة عمر فِي مَوَاضِع وَقَالَ ﷺ لَو كَانَ بعدِي نَبِي لَكَانَ عمر وَلما وضع عَليّ سَرِيره أثنى عَلَيْهِ واحب أَن يلقى الله بِمثل صحيفَة عمر وَقَالَ وابتدع التَّرَاوِيح مَعَ أَن النَّبِي ﷺ قَالَ يَا أَيهَا النَّاس إِن الصَّلَاة بِاللَّيْلِ فِي رَمَضَان جمَاعَة بِدعَة وَصَلَاة الضُّحَى بِدعَة فَلَا تجمعُوا فِي رَمَضَان لَيْلًا وَلَا تصلوا الضُّحَى وَخرج عمر لَيْلًا فَرَأى المصابيح فِي الْمَسَاجِد فَقَالَ مَا هَذَا فَقيل إِنَّهُم اجْتَمعُوا لصَلَاة التَّطَوُّع فَقَالَ بِدعَة ونعمت الْبِدْعَة هِيَ فَيُقَال مَا رؤى فِي الطوائف أجرأ من هَذِه الطَّائِفَة على الْكَذِب حَتَّى على نبيها بوقاحة مفرطة مَعَ فرط الْجَهْل فَأَيْنَ إِسْنَاد هَذَا وَأَيْنَ صِحَّته وأنى لَهُ صِحَة وَهُوَ للكذب إِلَّا كسير الَّذِي يعْمل مِنْهُ الْكَذِب لم يروه عَالم وَأدنى الْعلمَاء يعلمُونَ أَنه مَوْضُوع وَلَا لَهُ إِسْنَاد فقد ثَبت أَن النَّاس كَانُوا

стр. 525

يصلونَ جمَاعَة بِاللَّيْلِ فِي رَمَضَان على عهد نَبِيّهم وَثَبت أَنه صلى بِالْمُسْلِمين لَيْلَتَيْنِ اَوْ ثَلَاثًا فَلَمَّا كَانَت اللَّيْلَة الرَّابِعَة عجز الْمَسْجِد عَن أَهله فَلم يخرج إِلَيْهِم خشيَة أَن تفرض عَلَيْهِم فيعجزوا مُتَّفق عَلَيْهِ من حَدِيث عَائِشَة وَخرج البُخَارِيّ من حَدِيث عبد الرَّحْمَن بن عبد القاريء قَالَ خرجت مَعَ عمر لَيْلَة رَمَضَان إِلَى الْمَسْجِد فَإِذا النَّاس أوزاع متفرقون يُصَلِّي الرجل لنَفسِهِ وَيُصلي الرجل فَيصَلي بِصَلَاتِهِ رَهْط فَقَالَ عمر إِنِّي لأرى لَو جمعت هَؤُلَاءِ على قاريء وَاحِد لَكَانَ أمثل ثمَّ عزم فَجَمعهُمْ على أبي بن كَعْب ثمَّ خرجت مَعَه لَيْلَة أُخْرَى وَالنَّاس يصلونَ بِصَلَاة قارئهم فَقَالَ نعمت الْبِدْعَة هَذِه وَالَّتِي تنامون عَنْهَا أفضل من الَّتِي تقومون يُرِيد بذلك آخر اللَّيْل وَهَذَا الإجتماع لم يكن فَسَماهُ بِدعَة وَمَا هُوَ بالبدعة الشَّرْعِيَّة الَّتِي هِيَ ضَلَالَة إِذْ هِيَ مَا فعل بِلَا دَلِيل شَرْعِي وَلَو كَانَ قيام رَمَضَان جمَاعَة قبيحا لأبطله أَمِير الْمُؤمنِينَ على وَهُوَ بِالْكُوفَةِ بل روى عَنهُ أَنه قَالَ نور الله على عمر قَبره كَمَا نور علينا مَسَاجِدنَا وَعَن أبي عبد الرَّحْمَن السّلمِيّ أَن عليا دَعَا الْقُرَّاء فِي رَمَضَان فَأمر مِنْهُم رجلا يُصَلِّي بِالنَّاسِ عشْرين رَكْعَة قَالَ وَكَانَ عَليّ يُوتر بهم وَعَن عرْفجَة الثَّقَفِيّ قَالَ كَانَ عَليّ بن أبي طَالب يَأْمر بِقِيَام رَمَضَان وَيجْعَل للرِّجَال إِمَامًا وللنساء إِمَامًا فَكنت أَنا إِمَام النِّسَاء رَوَاهُمَا الْبَيْهَقِيّ فِي سنَنه وَأما الضُّحَى فَرغب فِيهَا الرَّسُول ﷺ كَمَا صَحَّ عَنهُ فِي أَحَادِيث قَالَ وَفعل عُثْمَان أمورا لَا تجوز حَتَّى أنكر عَلَيْهِ الْمُسلمُونَ كَافَّة واجتمعوا على قَتله قُلْنَا وَهَذَا من جهلك وإفترائك فَإِن النَّاس بَايعُوا عُثْمَان وَمَا اخْتلف فِي

стр. 526

بيعَته إثنان وَلَا تخلف عَنْهَا أحد كَمَا تخلف شطر النَّاس عَن بيعَة غَيره فَمن الَّذِي اجْتمع على قتل عُثْمَان هَل هم إِلَّا طَائِفَة من أولي الشَّرّ وَالظُّلم وَلَا دخل فِي قَتله أحد من السَّابِقين بل الَّذين قَاتلُوا عليا وأنكروا عَلَيْهِ أَضْعَاف أُولَئِكَ وكفرة أُلُوف من عسكره وَخَرجُوا عَلَيْهِ وَقتل فِي الآخر كَمَا قتل ابْن عمته عُثْمَان قَاتل الله من قَتلهمَا الْفَصْل السَّادِس فِي الْحجَج عَليّ إِمَامَة أبي بكر قَالَ احْتَجُّوا بِالْإِجْمَاع وَالْجَوَاب مَنعه فَإِن جمَاعَة من بني هَاشم لم يوافقوا على ذَلِك وَجَمَاعَة كسلمان وَأبي ذَر والمقداد وعمار وَحُذَيْفَة وَسعد بن عبَادَة وَزيد بن أَرقم وَأُسَامَة وخَالِد بن سعيد بن الْعَاصِ حَتَّى أَن أَبَاهُ أنكر ذَلِك وَقَالَ من اسْتخْلف النَّاس قَالُوا ابْنك قَالَ وَمَا فعل المستضعفان إشاره إِلَى عَليّ وَالْعَبَّاس قَالُوا اشتغلوا بتجهيز رَسُول الله ﷺ وَرَأَوا أَن ابْنك أكبر مِنْهُ وَبَنُو حنيفَة كَافَّة وَلم يحملوا الزَّكَاة إِلَيْهِ حَتَّى سماهم أهل الرِّدَّة وقتلهم وسباهم فَأنْكر عَلَيْهِ عمر ورد السبايا أَيَّام خِلَافَته قُلْنَا من لَهُ أدنى خبْرَة وَسمع هَذَا جزم بِأَن قَائِله أَجْهَل النَّاس أَو من أجرأ النَّاس على الْبُهْتَان فالرافضة ذَوُو جهل وَعمي فَمن حَدثهمْ بِمَا يُوَافق أهواءهم صدقوه وَلَو كَانَ الدَّجَّال وَمن أورد عَلَيْهِم بمخالفة أهوائهم كذبوه وَلَو كَانَ صديقا وَإِن إعتقدوا صدقه قَالُوا نعم وَقَالُوا لإخوانهم إِنَّمَا نقُول هَذَا الَّذِي نقُوله مداراة وتقية للنواصب فَكيف يُرْجَى فلاح من هَذَا حَاله أم كَيفَ نؤمل عَافِيَة من هَذَا مَرضه فَلهم أوفر نصيب من قَوْله تَعَالَى (وَمن أظلم مِمَّن افترى على الله كذبا اَوْ كذب بِالْحَقِّ لما جَاءَهُ)

стр. 527

وَلنَا إِن شَاءَ الله أوفى حَظّ من التمثل بقوله (وَالَّذِي جَاءَ بِالصّدقِ وَصدق بِهِ اولئك هم المتقون) أفسمع قطّ بِمثل هَذَا فقد علم كل عَالم كفر بني حنيفَة أَتبَاع مُسَيْلمَة وإرتدادهم وَهَذَا يعدهم من اهل الْإِجْمَاع وَإِنَّمَا قَتلهمْ وسباهم لإمتناعهم عَن بيعَته وَلِأَنَّهُم لم يحملوا الزَّكَاة إِلَيْهِ فنعوذ بِاللَّه من الْبُهْتَان وَنقل الهذيان وتضييع الزَّمَان فِي الرَّد على هَذَا الَّذِي هُوَ غير إِنْسَان (إِذا محاسني اللائي أدل بهَا ... كَانَت ذنوبا فَقل لي كَيفَ أعْتَذر) وَمن أعظم مَنَاقِب الصّديق قتل هَؤُلَاءِ الأرجاس وَسَبْيهمْ وَمَا قَاتلهم على منع زَكَاة بل على إِيمَانهم بمسيلمة وَكَانُوا نَحْو مائَة ألف وَالْحَنَفِيَّة سَرِيَّة عَليّ أم مُحَمَّد بن الْحَنَفِيَّة من سَبْيهمْ فَأَما الَّذين قَاتلهم على منع الزَّكَاة فطوائف من الْعَرَب غير بني حنيفَة إستباحوا ترك الزَّكَاة بِالْكُلِّيَّةِ فَقَاتلهُمْ وَقَالَ أَبُو حنيفَة وَأحمد بن حَنْبَل وَغَيرهمَا إِذا قَالَ قوم نَحن نزكي وَلَا ندفعها إِلَى الإِمَام لم يجز قِتَالهمْ فَهَلا عددت يَا فِي المتخلفين عَن بيعَة أبي بكراليهود والبربر وكسرى وَقَيْصَر فَأمر بني حنيفَة قد خلص إِلَى العذارى فِي الْخُدُور وَأَنت لَا تعي وَكتاب الرِّدَّة لسيف بن عمر مَشْهُور وَالرِّدَّة لِلْوَاقِدِي ثمَّ قَوْلك إِن عمر أنكر قتال اهل الرِّدَّة ورد عَلَيْهِم من الْبُهْتَان وَإِنَّمَا توقف مَعَ الصّديق فِي قتال مانعي الزَّكَاة فناظرة فَرجع عمر إِلَى قَوْله وَأما الَّذين سميتهم وَأَنَّهُمْ تخلفوا عَن بيعَة الصّديق فكذب عَلَيْهِم مَا تخلف إِلَّا سعد بن عبَادَة ومبايعة هَؤُلَاءِ لأبي بكر ثمَّ عمر أشهر من أَن تنكر وَأُسَامَة مَا سَار بذلك الْجَيْش حَتَّى بَايع الصّديق

стр. 528

وَكَانَ خَالِد بن سعيد نَائِبا للنَّبِي ﷺ فَلَمَّا مَاتَ قَالَ لَا أنوب لغيره ووقد علم بالتواتر أَنه مَا تخلف عَن بيعَة الصّديق سوى سعد وَأما عَليّ وَبَنُو هَاشم فَلم يمت أحد مِنْهُم إِلَّا وَهُوَ مبايع لَهُ لَكِن قيل تَأَخَّرت بيعتهم سِتَّة أشهر وَقيل بَايعُوهُ ثَانِي يَوْم طَوْعًا مِنْهُم ثمَّ الْجَمِيع أَيْضا بَايعُوا عمر سوى سعد وَمَات سعد فِي خلَافَة عمر وَكَانَ قد رامها يَوْم السَّقِيفَة وَلم يدر أَن الْخلَافَة فِي قُرَيْش وَمَا ذكره عَن أبي قُحَافَة فَبَاطِل وَلم يكن ابْنه أسن الصَّحَابَة كَانَ أَصْغَر من النَّبِي ﷺ بِقَلِيل وَالْعَبَّاس أكبر من النَّبِي ﷺ بِثَلَاث سِنِين لَكِن الْمَأْثُور عَن أبي قُحَافَة أَنه لما قبض نَبِي الله ارتجت مَكَّة فَسمع أَبُو قُحَافَة فَقَالَ مَا للنَّاس قَالُوا قبض رَسُول الله ﷺ قَالَ أَمر جلل فَمن ولي بعده قَالُوا ابْنك قَالَ وَهل رضيت بذلك بَنو عبد منَاف وَبَنُو الْمُغيرَة قَالُوا نعم قَالَ لَا مَانع لما أعْطى الله وَلَا معطي لما منع وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَن عَائِشَة ﵂ قَالَت أرْسلت فَاطِمَة إِلَى أبي بكر تسْأَل مِيرَاثهَا من أَبِيهَا رَسُول الله ﷺ مِمَّا أَفَاء الله عَلَيْهِ بِالْمَدِينَةِ وفدك وَمَا بَقِي من خمس خَيْبَر فَقَالَ إِن رَسُول الله ﷺ قَالَ لَا نورث مَا تركنَا صَدَقَة وَإِنَّمَا يَأْكُل آل مُحَمَّد من هَذَا المَال وَإِنِّي وَالله لَا أغير شَيْئا من صَدَقَة رَسُول الله ﷺ عَن حَالهَا الَّتِي كَانَت عَلَيْهِ فِي عَهده وَلست تَارِكًا شَيْئا كَانَ يعْمل بِهِ إِلَّا عملت بِهِ إِنِّي أخْشَى إِن تركت شَيْئا من أمره أَن أزيغ فَوجدت فَاطِمَة على أبي بكر فَلم تكَلمه حَتَّى توفيت وَعَاشَتْ بعد رَسُول الله ﷺ سِتَّة أشهر فَلَمَّا توفيت دَفنهَا عَليّ لَيْلًا وَلم يُؤذن بهَا أَبَا بكر وَكَانَ لعَلي من النَّاس وَجه حَيَاة فَاطِمَة فَلَمَّا مَاتَت إستنكر عَليّ وُجُوه النَّاس فالتمس مصالحة أبي بكر ومبايعته وَلم يكن بَايع تِلْكَ الْأَشْهر فَأرْسل إِلَى أبي بكر أَن ائتنا وَلَا تأتنا ومعك أحد كَرَاهِيَة عمر فَقَالَ عمر لأبي بكر وَالله لَا تدخل عَلَيْهِم وَحدك فَقَالَ أَبُو بكر مَا عساهم أَن يَفْعَلُوا بِي

стр. 529

وَالله لآتينهم فَدخل عَلَيْهِم أَبُو بكر فَتشهد عَليّ ثمَّ قَالَ إِنَّا قد عرفنَا يَا أَبَا بكر فضلك وَمَا أَعْطَاك الله وَلم ننفس عَلَيْك خيرا سَاقه الله إِلَيْك وَلَكِنَّك استبددت بِالْأَمر علينا وَكُنَّا نرى أَن لنا فِيهِ حَقًا لقرابتنا من رَسُول الله ﷺ فَلم يزل يكلم أَبَا بكر حَتَّى فاضت عينا أبي بكر فَلَمَّا تكلم أَبُو بكر قَالَ وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ لقرابة رَسُول الله ﷺ أحب إِلَيّ أَن أصل من قَرَابَتي وَأما الَّذِي شجر بيني وَبَيْنكُم من هَذِه الْأَمْوَال فَإِنِّي لم آل فِيهَا عَن الْحق وَلم أترك أمرا رَأَيْت رَسُول الله ﷺ يصنعه فِيهَا إِلَّا صَنعته فَقَالَ عَليّ موعدك العشية لِلْبيعَةِ فَلَمَّا صلى أَبُو بكر الظّهْر قَامَ قَائِما على الْمِنْبَر فَتشهد وَذكر شَأْن عَليّ وتخلفه عَن الْبيعَة وعذره الَّذِي اعتذر بِهِ ثمَّ اسْتغْفر وَتشهد عَليّ فَعظم حق أبي بكر وَأَن لم يحملهُ على الَّذِي صنع نفاسة على أبي بكر وَلَا إِنْكَار عَلَيْهِ للَّذي فَضله الله بِهِ وَلَكنَّا كُنَّا نرى أَن لنا فِي الْأَمر نَصِيبا فاستبد علينا بِهِ فَوَجَدنَا فِي أَنْفُسنَا فسر بذلك الْمُسلمُونَ وَقَالُوا أصبت وَكَانَ الْمُسلمُونَ إِلَى عَليّ قَرِيبا حِين رَاجع الْأَمر بِالْمَعْرُوفِ وَلَا ريب أَن الْإِجْمَاع الْمُعْتَبر فِي الْإِمَامَة لَا يضر فِيهِ تخلف الْوَاحِد والإثنين وَلَو اعْتبر ذَلِك لم تكن تَنْعَقِد إِمَامَة بِخِلَاف الْإِجْمَاع على الْأَحْكَام الْعَامَّة فَهَل يعْتد بِخِلَاف الْوَاحِد أَو الْإِثْنَيْنِ فَعَن أَحْمد رِوَايَتَانِ إِحْدَاهمَا لَا يعْتد بخلافهما فِيهِ وَهُوَ قَول مُحَمَّد بن جرير الطَّبَرِيّ وَغَيره الثَّانِي يعْتد بِخِلَاف الْوَاحِد والإثنين فِي الْأَحْكَام ثمَّ الْوَاحِد

стр. 530

إِذا خَالف النَّص كَانَ خِلَافه شاذا كخلافة سعيد بن الْمسيب فِي أَن الْمُطلقَة ثَلَاثًا إِذا نكحت زوجا غَيره أبيحت للْأولِ بِمُجَرَّد العقد وَأَيْضًا فَلَا يشْتَرط فِي صِحَة الْخلَافَة إِلَّا إتفاق أهل الشَّوْكَة وَالْجُمْهُور قَالَ ﷺ عَلَيْكُم بِالْجَمَاعَة فَإِن يَد الله على الْجَمَاعَة وَقَالَ عَلَيْكُم بِالسَّوَادِ الْأَعْظَم وَمن شَذَّ شَذَّ فِي النَّار ثمَّ إجتماع الْأمة على بيعَة أبي بكر أعظم من إجتماعهم على بيعَة عَليّ فَإِن ثلث النَّاس أَو أرجح لم يبايعوه وقاتلوه وَخلق من الْكِبَار لم يقاتلوا مَعَه واعتزلوا فَإِن جَازَ الْقدح فِي الْإِمَامَة بتخلف بعض الْأمة عَن الْبيعَة كَانَ الْقدح فِي إِمَامَة عَليّ أولى بِكَثِير فَإِن قلت إِمَامَته ثبتَتْ بِالنَّصِّ فَلَا يحْتَاج إِلَى الْإِجْمَاع قُلْنَا قد مرت النُّصُوص الدَّالَّة على تَقْدِيم أبي بكر تَلْوِيحًا أَو تَصْرِيحًا مَعَ أولويته وإجماعهم على بيعَته وعَلى تَسْمِيَته خَليفَة رَسُول الله ﷺ وَالْكَلَام فِي إِمَامَة الصّديق إِمَّا أَن يكون فِي وجودهَا وَإِمَّا أَن يكون فِي إستحقاقه لَهَا أما الأول فَهُوَ مَعْلُوم بالتواتر وإتفاق النَّاس بِأَنَّهُ تولى الْأَمر وَقَامَ مقَام رَسُول الله ﷺ وَخَلفه فِي أمته وَأقَام الْحُدُود وَاسْتوْفى الْحُقُوق وَقَاتل الْكفَّار والمرتدين وَولى الْأَعْمَال وَقسم الْأَمْوَال وَفعل جَمِيع مَا يفعل الإِمَام بل هُوَ أول من بَاشر الْإِمَامَة فِي الْأمة وَأما إِن أُرِيد بإمامته كَونه مُسْتَحقّا لذَلِك فَهَذَا عَلَيْهِ أَدِلَّة كَثِيرَة غير الْإِجْمَاع فَلَا طَرِيق يثبت بهَا كَونه عَليّ مُسْتَحقّا للْإِمَامَة إِلَّا وَتلك الطَّرِيق يثبت بهَا أَن أَبَا بكر مُسْتَحقّ للْإِمَامَة وَأَنه أَحَق بِالْإِمَامَةِ من عَليّ وَغَيره وَحِينَئِذٍ فالإجماع لَا يحْتَاج إِلَيْهِ لَا فِي الأولى وَلَا فِي الثَّانِيَة وَإِن كَانَ الْإِجْمَاع حَاصِلا قَالَ وَأَيْضًا الْإِجْمَاع لَيْسَ أصلا فِي الدّلَالَة بل لَا بُد لَهُ من مُسْتَند إِمَّا عَقْلِي وَمَا فِي الْعقل مَا يدل على إِمَامَته وَإِمَّا نقلي وَعِنْدهم أَن رَسُول الله ﷺ مَاتَ عَن غير وَصِيَّة وَلَا نَص على إِمَام فَلَو كَانَ الْإِجْمَاع متحققا لَكِن خطأ فتنتفي دلَالَته
следующие страницы →