← Акыда

Акыда · id 6531

المنتقى من منهاج الاعتدال

شمس الدين الذهبي

Полный текст (545 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

وأئمة التَّفْسِير يَقُولُونَ هَذَا أَبُو بكر فَنَقُول الأتقى قد يكون نوعا فَتدخل فِيهِ جمَاعَة وَقد يكون شخصا معينا فإمَّا أَن يكون أَبَا بكر أَو عليا فَلَا يَصح أَن يكون عليا لِأَنَّهُ قَالَ (الَّذِي يُؤْتى مَاله يتزكى وَمَا لأحد عِنْده من نعْمَة تجزى) وَهَذَا وصف مُنْتَفٍ عَن عَليّ لِأَن السُّورَة مَكِّيَّة وَعلي كَانَ بِمَكَّة فَقِيرا فِي عِيَال النَّبِي ﷺ ضمه إِلَيْهِ لما أَصَابَت أهل مَكَّة سنة فَكَانَت للنَّبِي ﷺ عِنْده نعْمَة تجزى دنيوية ونعمة الدّين لَا تجزى بل أجرهَا على الله وَحده فالوصف ثَابت للصديق دون عَليّ وَعلي أتقى من غَيره لَكِن أَبُو بكر أكمل فِي الْوَصْف هُنَا مِنْهُ قَالَ النَّبِي ﷺ مَا نَفَعَنِي مَال مَا نَفَعَنِي مَال أبي بكر وَقَالَ إِن أَمن النَّاس علينا فِي صحبته وَذَات يَده أَبُو بكر وَاشْترى أَبُو بكر سَبْعَة من الْمُعَذَّبين فِي الله ابْتِغَاء وَجه الله فَإِن قُلْنَا الأتقى اسْم جنس فَأَبُو بكر أول دَاخل فِيهِ وسَادَة الصَّحَابَة وتابعوهم قَالَ التَّاسِع مَا رَوَاهُ الْجُمْهُور من أَنه أَمر الصَّحَابَة بِأَن يسلمُوا على عَليّ وَقَالَ إِنَّه سيد الْمُسلمين وَإِمَام الْمُتَّقِينَ وقائد الغر المحجلين وَقَالَ هَذَا أولى بِكُل مُؤمن من بعدِي فَيكون هُوَ الإِمَام وَالْجَوَاب الْمُطَالبَة بِإِسْنَاد هَذَا وَبَيَان صِحَّته فَمَا هُوَ فِي كتاب صَحِيح وَلَا فِي مُسْند مُعْتَبر بل رَوَاهُ آحَاد النَّاس بِإِسْنَادِهِ فِيهِ مُتَّهم بِالْكَذِبِ ومهو مَوْضُوع عِنْد من لَهُ أدنى معرفَة بِالْحَدِيثِ وَلَا تحل نسبته إِلَى الرَّسُول الْمَعْصُوم وَلَا نعلم أحدا هُوَ سيد الْمُسلمين وَإِمَام الْمُتَّقِينَ وقائد الغر المحجلين غير نَبينَا ﷺ وَاللَّفْظ مُطلق مَا قَالَ فِيهِ من بعدِي وَلَا فِي اللَّفْظ مَا يدل على ذَلِك وَلِأَن خير الْمُسلمين والمتقين والمحجلين هم الْقرن الأول وَالرَّسُول قائدهم بل وقائد من بعدهمْ فِي الْقِيَامَة فَلِمَنْ يَقُود عَليّ وعندكم جُمْهُور الْأمة المحجلين كفار وفساق فَكيف يقودهم وَقَالَ ﷺ يأْتونَ غرا محجلين يَوْم الْقِيَامَة من آثَار الْوضُوء وَأَنا فَرَطكُمْ

стр. 457

على الْحَوْض فَهَذَا يبين أَن كل من تَوَضَّأ وَغسل وَجهه وَيَديه وَرجلَيْهِ فَإِنَّهُ من المحجلين وَهَؤُلَاء جَمَاهِير أمة مُحَمَّد سواكم فَإِنَّكُم لَا تغسلون الأرجل فَلَا تَكُونُونَ من المحجلين فِي الأرجل فَلَا يقودكم الرَّسُول وَلَا عَليّ وَإِنَّمَا الحجلة فِي الرجل كهي فِي الْيَد قَالَ النَّبِي ﷺ ويل لِلْأَعْقَابِ وبطون الْأَقْدَام من النَّار وَمَعْلُوم أَن الْفرس لَو لم يكن لَهُ لمْعَة فِي يَده أَو فِي رجله لم يكن محجلا فَمن لم يغسل إِلَى الْكَعْبَيْنِ لم يكن من المحجلين وَمِمَّا يُوضح أَن الحَدِيث كذب مَا ثَبت من أَن الرَّسُول ﷺ كَانَ يفضل على عَليّ أَبَا بكر وَعمر تَفْضِيلًا ظَاهرا عرفه الْخَاص وَالْعَام حَتَّى الْمُشْركُونَ وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَن ابْن عَبَّاس قَالَ وضع عمر على سَرِيره فتكنفه النَّاس يدعونَ لَهُ ويثنون عَلَيْهِ وَيصلونَ عَلَيْهِ قبل أَن يرفع وَأَنا فيهم فَلم يرعني إِلَّا بِرَجُل قد أَخذ بمنكبي من ورائي فَالْتَفت فَإِذا هُوَ عَليّ فترحم على عمر وَقَالَ مَا خلفت أحدا أحب إِلَيّ أَن ألْقى الله بِمثل عمله مِنْك وأيم الله إِن كنت لأَظُن أَن يجعلك الله مَعَ صاحبيك وَذَلِكَ أَنِّي كثيرا مَا كنت أسمع النَّبِي ﷺ يَقُول جِئْت أَنا وَأَبُو بكر وَعمر وَدخلت أَنا وَأَبُو بكر وَعمر وَخرجت أَنا وَأَبُو بكر وَعمر فَإِن كنت لأرجو أَن يجعلك الله مَعَهُمَا فَلم يكن تفضيلهما عَلَيْهِ وعَلى أَمْثَاله مِمَّا يخفى على أحد وَلِهَذَا كَانَت الشِّيعَة الأول مَعَ فرط حبهم لعَلي يقدمُونَ أَبَا بكر وَعمر عَلَيْهِ وَإِنَّمَا يفضلونه على عُثْمَان كَمَا قَالَ عبد الرَّزَّاق كفى بِي أزرا أَن أحبه وأخالف قَوْله خير هَذِه الْأمة بعد نبيها أَبُو بكر وَعمر وَلَو شِئْت أَن أسمي الثَّالِث لَسَمَّيْته وَلما كَانَ يَوْم أحد وَاسْتظْهر أَبُو سُفْيَان أَمِير الْمُشْركين قَالَ أَفِي الْقَوْم مُحَمَّد أَفِي الْقَوْم مُحَمَّد فَقَالَ النَّبِي ﷺ لَا تجيبوه فَقَالَ أَفِي الْقَوْم ابْن أبي قُحَافَة فَقَالَ النَّبِي ﷺ لَا تجيبوه فَقَالَ أَفِي الْقَوْم ابْن الْخطاب فَقَالَ لَا تجيبوه فَقَالَ أَبُو سُفْيَان لأَصْحَابه أما هَؤُلَاءِ فقد كفيتموهم فَلم يملك عمر نَفسه أَن قَالَ كذبت يَا عَدو الله إِن الَّذين عددت لأحياء وَقد بَقِي لَك مَا يسؤوك الحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ فَهَذَا رَأس الْعَدو لَا يسْأَل إِلَّا عَن هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَة فَدلَّ على عظمهم عِنْد الْمُشْركين بِخِلَاف

стр. 458

غَيرهم وَكَذَلِكَ قَوْله هُوَ ولي كل مُؤمن بعدِي كذب على رَسُول الله ﷺ بل هُوَ فِي حَيَاته وَبعد مماته ولي كل مُؤمن وكل مُؤمن وليه فِي الْمحيا وَالْمَمَات فالولاية الَّتِي هِيَ ضد الْعَدَاوَة لَا تخْتَص بِزَمَان فَأَما الْولَايَة الَّتِي هِيَ الْإِمَارَة فَإِنَّمَا يُقَال فِيهَا وَإِلَى كل مُؤمن وَأما قَوْله لعَلي أَنْت مني وَأَنا مِنْك فَصَحِيح وَفِي الحَدِيث قَالَ لزيد أَنْت أخونا ومولانا وَقَالَ لجَعْفَر بن أبي طَالب أشبهت خلقي وَخلقِي وَفِي الصَّحِيحَيْنِ أَن النَّبِي ﷺ قَالَ إِن الْأَشْعَرِيين إِذا أرملوا فِي الْغَزْو وجمعوا مَا عِنْدهم فِي ثوب ثمَّ قسموه بِالسَّوِيَّةِ هم مني وَأَنا مِنْهُم فَعلمنَا أَن هَذَا اللَّفْظ مدح وَلَا يدل على الْإِمَامَة وَقَالَ فِي جليبيب هَذَا مني وَأَنا مِنْهُ قَالَ الْعَاشِر مَا رَوَاهُ الْجُمْهُور من قَوْله ﷺ إِنِّي تَارِك فِيكُم مَا إِن تمسكتم بِهِ لن تضلوا كتاب الله وعترتي وَلنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يردا على الْحَوْض وَقَالَ أهل بَيْتِي فِيكُم كسفينة نوح من ركبهَا نجا وَمن تخلف عَنْهَا غرق وَسيد أهل بَيته عَليّ فَيكون وَاجِب الطَّاعَة على الْكل فَيكون الإِمَام قُلْنَا إِنَّمَا لفظ الحَدِيث فِي مُسلم عَن زيد بن أَرقم قَالَ قَامَ فِينَا رَسُول الله ﷺ خَطِيبًا بخم فَقَالَ إِنِّي تَارِك فِيكُم مَا إِن تمسكتم بِهِ لن تضلوا كتاب الله وَأما قَوْله وعترتي فَهَذَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ تفرد بِهِ زيد بن الْحسن الْأنمَاطِي عَن جَعْفَر بن مُحَمَّد عَن أَبِيه عَن جَابر والأنماطي قَالَ فِيهِ أَبُو حَاتِم مُنكر الحَدِيث وَأخرجه التِّرْمِذِيّ من حَدِيث ابْن فُضَيْل حَدثنَا الْأَعْمَش عَن حبيب بن أبي ثَابت عَن زيد بن أَرقم عَن عَطِيَّة عَن أبي سعيد قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ إِنِّي تَارِك فِيكُم مَا إِن تمسكتم بِهِ لن تضلوا بعدِي أَحدهمَا أعظم من الآخر كتاب الله حَبل مَمْدُود من السَّمَاء إِلَى الأَرْض وعترتي أهل بَيْتِي وَلنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يردا عَليّ الْحَوْض

стр. 459

فانظروا كَيفَ تخلفوني فيهمَا حسنه التِّرْمِذِيّ وَأما حَدِيث سفينة نوح فَغير صَحِيح وَلَا هُوَ فِي شَيْء من الْكتب الْمُعْتَمدَة وَقَوله ﷺ لن يَتَفَرَّقَا يدل على أَن إِجْمَاع العترة حجَّة وَهُوَ قَول طَائِفَة من أَصْحَابنَا وَذكر القَاضِي فِي الْمُعْتَمد والعترة هم بَنو هَاشم كلهم ولد عَليّ وَولد الْعَبَّاس وَولد الْحَارِث بن عبد الْمطلب وَسيد العترة هُوَ رَسُول الله ﷺ وَكَانَ ابْن عَبَّاس أفقه العترة وَكَانَ يُخَالف عليا فِي مسَائِل وَعلي مَا كَانَ يُوجب على أحد طَاعَته فِيمَا يُفْتِي بِهِ ثمَّ العترة مَا اجْتَمعُوا على إِمَامَته وَلَا عَليّ أفضليته بل ابْن عَبَّاس بل هُوَ نَفسه يَقُولَانِ إِن أفضل الْأمة أَبُو بكر وَعمر وَإِن خِلَافَتهمَا حق وَكَذَلِكَ سَائِر العباسيين وَأكْثر العلويين وَالْحسن وَالْحُسَيْن وَعلي بن الْحُسَيْن وَابْنه وحفيده جَعْفَر الصَّادِق والنقول بذلك متواترة عَنْهُم وَقد صنف الدَّارَقُطْنِيّ كتاب ثَنَاء الصَّحَابَة على الْقَرَابَة وثناء الْقَرَابَة على الصَّحَابَة ثمَّ إِجْمَاع الْأمة والعترة بَعضهم حجَّة بِلَا نزاع وأفضلهم أَبُو بكر فَإِن كَانَت الطَّائِفَة الَّتِي إجماعها حجَّة يجب أَتبَاع أفضلهَا مُطلقًا فَهُوَ أَبُو بكر وَإِن لم يكن بَطل مَا ذكرْتُمْ فِي إِمَامَة عَليّ ﵁ قَالَ الْحَادِي عشر مَا رَوَاهُ الْجُمْهُور من وجوب محبته وموالاته روى أَحْمد فِي مُسْنده أَن رَسُول الله ﷺ أَخذ بيد حسن وحسين فَقَالَ من أَحبَّنِي وَأحب هذَيْن وَأحب أباهما وأمهما فَهُوَ معي فِي درجتي يَوْم الْقِيَامَة قُلْنَا مُجَرّد رِوَايَة أَحْمد لَهُ لَا توجب صِحَّته مَعَ أَنه مَا رَوَاهُ أبدا وَإِنَّمَا زَاده الْقطيعِي فِي كتاب الْفَضَائِل وَذكره ابْن الْجَوْزِيّ فِي الموضوعات من رِوَايَة عَليّ بن جَعْفَر عَن مُوسَى بن جَعْفَر وَله يَقُول رَسُول الله ﷺ هَذِه المجازفة أصلا من كَون الْمُسلم الخطاء يصير فِي دَرَجَة الْمُصْطَفى بِمُجَرَّد الْحبّ قَالَ وروى ابْن خالويه عَن حُذَيْفَة قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ من أحب أَن يتَمَسَّك بقضيب الْيَاقُوت الَّذِي خلقه الله بِيَدِهِ ثمَّ قَالَ لَهُ كن فَكَانَ فليتول عليا من

стр. 460

بعدِي فَهَذَا من كذب الطرقية فَمَا أرك لَفظه مَعَ عدم فَائِدَته فَكيف يُقَال خلقه بِيَدِهِ ثمَّ قَالَ لَهُ كن فَكَانَ بل قد جَاءَ فِي الْأَثر أَن الله لم يخلق بِيَدِهِ إِلَّا آدم والقلم وجنة عدن ثمَّ قَالَ لسَائِر الْخلق كن فَكَانَ قَالَ وَعَن أبي سعيد مَرْفُوعا أَنه قَالَ لعَلي حبك إِيمَان وبغضك نفاق وَأول من يدْخل الْجنَّة محبك وَأول من يدْخل النَّار مبغضك قُلْنَا وَهَذَا من المكذوبات فَهَل يَقُول مُسلم إِن الْخَوَارِج والنواصب يدْخلُونَ النَّار قبل فِرْعَوْن وَأبي جهل ورءوس الْكفْر أم يَقُول مُسلم إِن أول من يدْخل الْجنَّة قبل الْأَنْبِيَاء غلاة الإسماعيلية وكذبة الرافضة وفسقه الإمامية وَهَذَا من جنس قَول الناصبي أَن لَو قَالَ من أحب يزِيد وَالْحجاج أَو قَول الْخَارِجِي من أحب ابْن ملجم دخل الْجنَّة وَمن أبْغضهُم دخل النَّار بِهَذَا الْحبّ والبغض قَالَ وروى أَخطب خوارزم بِإِسْنَادِهِ عَن أبي ذَر قَالَ رَسُول الله ﷺ من ناصب عليا الْخلَافَة فَهُوَ كَافِر وَقد حَارب الله وَرَسُوله وَعَن أنس قَالَ كنت عِنْد النَّبِي ﷺ فَرَأى عليا مُقبلا فَقَالَ أَنا وَهَذَا حجَّة الله على أمتِي يَوْم الْقِيَامَة وَعَن مُعَاوِيَة بن حيدة الْقشيرِي قَالَ سَمِعت النَّبِي ﷺ يَقُول لعَلي لَا تبال من مَاتَ ببغضك أَن يَمُوت يَهُودِيّا أَو نَصْرَانِيّا فَإِذا رَأينَا الْمُخَالف يُورد مثل هَذِه الْأَحَادِيث ونقلنا نَحن أضعافها عَن رجالنا الثِّقَات وَجب علينا الْمصير إِلَيْهَا وَحرم الْعُدُول عَنْهَا وَالْجَوَاب أَنا نَتَنَزَّل وبطالب بِصِحَّة النَّقْل فَإِن مُجَرّد رِوَايَة الْمُوفق خطيب خوارزم لَا تدل على الثُّبُوت كَيفَ وَقد حَشا تأليفه بالموضوعات الَّتِي يتعجب مِنْهَا الْمُحدث الصادث وَيَقُول سُبْحَانَكَ هَذَا بهتان عَظِيم وَمن كَانَ خَبِيرا بِمَا جرى وَمهر فِي الْآثَار علم باضطرار أَن هَذَا وَأَمْثَاله مِمَّا وَلَده الكذابون بعد إنقراض عصر الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ وَتقول علمنَا بالتواتر أَن الْمُهَاجِرين وَالْأَنْصَار كَانُوا يحبونَ الله وَرَسُوله وَأَن الرَّسُول كَانَ يُحِبهُمْ ويتولاهم أعظم

стр. 461

من علمنَا بِهَذِهِ الْأَخْبَار الملفقة وَأَن الإِمَام بعده أَبُو بكر بإتفاق من أُولَئِكَ السَّادة فَكيف يجوز رد مَا علمناه يَقِينا بأخبار لَا نعلم صدقهَا كَيفَ وَقد علمنَا أَنَّهَا كذب وَأَنَّهَا لَا تُوجد فِي كتاب مُعْتَمد بِإِسْنَاد مقارب ثمَّ هَذَا كتاب الله يشْهد فِي غير مَوضِع بِأَن الله رَضِي عَن الْمُهَاجِرين وَالْأَنْصَار وَالَّذين اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَان وَرَضوا عَنهُ وَبِأَنَّهُ رَضِي (عَن الْمُؤمنِينَ إِذْ يُبَايعُونَك تَحت الشَّجَرَة) وَقَالَ تَعَالَى (للْفُقَرَاء الْمُهَاجِرين الَّذين أخرجُوا من دِيَارهمْ وَأَمْوَالهمْ يَبْتَغُونَ فضلا من الله ورضوانا) الْآيَة وَقَالَ (لقد تَابَ الله على النَّبِي والمهاجرين وَالْأَنْصَار) وأمثال ذَلِك فَكيف يجوز رد هَذِه النُّصُوص بأخبارك المفتراة ثمَّ مِنْهَا مَا يقْدَح بعلي وَيُوجب أَنه مكذب بِاللَّه وَرَسُوله أما الَّذين ناصبوه الْخلَافَة إِذا قلت هم كفار فَمَا عمل هُوَ بِمُوجب النَّص بل كَانَ يجعلهم هُوَ مُسلمين وَشر من قَاتلهم الْخَوَارِج وَمَعَ هَذَا فَمَا حكم فيهم بِحكم الْكفَّار بل حرم أَمْوَالهم وَسَبْيهمْ وَلما قَتله ابْن ملجم قَالَ إِن عِشْت فَأَنا ولي الدَّم وَلم يقْتله وَلَو كَانَ ارْتَدَّ لبادر إِلَى قَتله وتواتر عَنهُ أَنه نهى عَن اتِّبَاع مُدبر أهل الْجمل أَو أَن يُجهز على جريحهم أَو تغنم أَمْوَالهم فَإِن كَانُوا كفَّارًا بأحاديثك هَذِه فعلي أول من كذب بهَا وَلم يعْمل بمقتضاها وَكَذَلِكَ أهل صفّين كَانَ

стр. 462

يُصَلِّي على قتلاهم وَيَقُول فِيمَا بلغنَا عَنهُ إِخْوَاننَا بغوا علينا طهرهم السَّيْف ونعلم بالإضطرار أَن علينا مَا كفر الَّذين قَاتلُوهُ وَكَذَا لَو كَانُوا كفَّارًا عِنْد السَّيِّد الْحسن لما حل لَهُ أَن يسلم إِلَيْهِم الْخلَافَة طَوْعًا مِنْهُ فِي عزه ومنعته وَكَثْرَة جَيْشه وَلَكِن بِأَن سؤدده بقول جده فِيهِ إِن ابْني هَذَا سيد وسيصلح الله بِهِ بَين قبيلتين عظيمتين من الْمُسلمين أخرجه البُخَارِيّ وعندك أَنه إِنَّمَا أصلح الله بِهِ بَين الْمُؤمنِينَ والمرتدين ثمَّ إِنَّكُم تدعون أَن الإِمَام الْمَعْصُوم لطف من الله لِعِبَادِهِ فعلي مَا زعمت إِنَّمَا كَانَ نقمة لَا لطفا وَرَحْمَة فَإِن الَّذين خالفوه صَارُوا مرتدين وَالَّذين وافقوه مقهورين منافقين أذلاء فَأَي مصلحَة فِي ذَلِك وَأَنْتُم تَقولُونَ أَن الله يجب عَلَيْهِ أَن يفعل الْأَصْلَح للعباد وَهُوَ تَعَالَى يُمكن الْخَوَارِج حَتَّى كفروه وقاتلوه وَيجْعَل الْأَئِمَّة المعصومين تَحت الْقَهْر وَالْخَوْف والتقية بِمَنْزِلَة أهل الذِّمَّة بل أهل الذِّمَّة يظهرون دينهم فِي الْجُمْلَة فَأَيْنَ اللطف والمصلحة الَّتِي أوجبتها على الله تَعَالَى ثمَّ تزْعم أَنهم حجج الله على عباده وَأَن لَا هدى إِلَّا مِنْهُم وَلَا نجاة إِلَّا بمتابعتهم وخاتمهم قد غَابَ من دهور لم ينْتَفع بِهِ أحد فِي دينه وَلَا دُنْيَاهُ فصح أَن الرَّفْض مَا وَضعه إِلَّا زنديق وَلِهَذَا فَإِن صَاحب دَعْوَة الباطنية أول مَا يَدْعُو المستجيب إِلَى التَّشَيُّع فَإِذا طمع فِيهِ قَالَ عَليّ مثل غَيره فَدَعَاهُ إِلَى الْقدح فِيهِ فَإِذا استوثق مِنْهُ دَعَاهُ إِلَى الْقدح فِي الرَّسُول إِلَى إِنْكَار الصَّانِع وكل عَاقل يعلم أَن أهل الدّين وَالْجُمْهُور لَيْسَ لَهُم غَرَض وَالله لَا مَعَ عَليّ وَلَا مَعَ غَيره وَلَا غرضهم تَكْذِيب نَبِيّهم وَلَا رد مَا أَمر بِهِ وَلَو علمُوا أَن الرَّسُول نَص لَهُم على عَليّ لكانوا أسبق شَيْء إِلَى أمره وَإِلَى التَّصْدِيق بِهِ غَايَة مَا يقدر أَنه خَفِي عَلَيْهِم هَذَا الحكم فَكيف يكون من خَفِي عَلَيْهِ جُزْء من الدّين مثل الْيَهُود وَالنَّصَارَى بل يَكْفِي من وضع مَا جِئْت بِهِ قَول الْمُصْطَفى ﷺ من كذب عَليّ مُتَعَمدا فَليَتَبَوَّأ مَقْعَده من النَّار نعم وَمن كتم مَا نَص عَلَيْهِ الرَّسُول مراغمة لله وَرَسُوله فَهُوَ من أَصْحَاب النَّار

стр. 463

وقولك ونقلنا أضعافها عَن رجالنا الثِّقَات فَنَقُول نَحن ننقد رجالنا من أهل السّنة والْحَدِيث نَقْدا لَا مزِيد عَلَيْهِ وَلنَا مصنفات كَثِيرَة جدا فِي تعديلهم وضعفهم وَصدقهمْ وغلطهم وكذبهم ووهمهم لَا نحابيهم أصلا مَعَ صَلَاحهمْ وعبادتهم ونسقط الإحتجاج بِالرجلِ مِنْهُم لِكَثْرَة غلظه وَسُوء حفظه وَلَو كَانَ من أَوْلِيَاء الله وَأَنْتُم حد الثِّقَة عنْدكُمْ أَن يكون إماميا سَوَاء غلط أَو حفظ أَو كذب أَو صدق فغاية رجالكم أَن يَكُونُوا مثل رجالنا فيهم وَفِيهِمْ فَإِذا كَانَ من الْمَعْلُوم بالإضطرار أَن أهل السّنة فيهم كذابون وَأَنْتُم أكذب مِنْهُم بِكُل حَال حرم علينا الْعَمَل بالأحاديث حَتَّى نَنْظُر فِي أسانيدها فَمن أَيْن لَك يَا مغتر أَن توثق من لَا تعرفه وَلَا تعرف أَن تتهجى اسْمه بل وَلَا ذكر فِي الثِّقَات وغالب مَا فِي أَيْدِيكُم صحف وأخبار على أَلْسِنَتكُم مكذوبة أَو لم تعلم صِحَّتهَا كدأب أهل الْكِتَابَيْنِ سَوَاء وَكذب الرافضة مِمَّا يضْرب بِهِ الْمثل وَنحن نعلم أَن الْخَوَارِج شَرّ مِنْكُم وَمن هَذَا فَمَا نقدر أَن نرميهم بِالْكَذِبِ لأننا جربناهم فوجدناهم يتحرون الصدْق لَهُم وَعَلَيْهِم وَأَنْتُم فالصادق فِيكُم شامة قَالَ ابْن الْمُبَارك الدّين لأهل الحَدِيث وَالْكَلَام والحيل لأهل الرَّأْي وَالْكذب للرافضة فَأهل السّنة والْحَدِيث لَا يرضون بِالْكَذِبِ وَلَو وَافق أهواءهم فكم قد رُوِيَ لَهُم من فَضَائِل أبي بكر وَعمر وَعُثْمَان بل وَمُعَاوِيَة وَغَيرهم أَحَادِيث بِالْأَسَانِيدِ يَرْوِيهَا مثل النقاش والقطيعي والثعلبي والأهوازي وَأبي نعيم والخطيب وَابْن عَسَاكِر وأضعافهم وَلم يقبل مِنْهَا عُلَمَاء الحَدِيث شَيْئا ويبينون الْكَذِب مِنْهُ بل إِذا كَانَ فِي إِسْنَاد الحَدِيث وَاحِد مَجْهُول الْحَال توقفوا فِي الحَدِيث وَأَنْتُم شَرط الحَدِيث عنْدكُمْ أَن يُوَافق أهواءكم غثا كَانَ أَو سمينا وَإِن أتيتم بِنَصّ ثَابت فَلَا يدل على مَا قُلْتُمْ وَنحن عمدتنا نُصُوص الْقُرْآن وَمَا يثبت من السّنة أَو أجمع عَلَيْهِ الْمُسلمُونَ سواكم فَإِذا جَاءَنَا مَا يُنَاقض ذَلِك رددناه قَالَ أَبُو الْفرج بن الْجَوْزِيّ فَضَائِل عَليّ الصَّحِيحَة كَثِيرَة غير أَن الرافضة لَا تقنع فَوضعت لَهُ مَا يضع لَا مَا يرفع وحوشيت حَاشِيَته من الإحتياج إِلَى الْبَاطِل وَأَنت أَيهَا الرافضي لم تورد كل مَا قيل وَنحن نَعْرِف أَحَادِيث عَدو سَاقِطَة أدل على مقصودك فَمن أماثل الموضوعات مَا رَوَاهُ

стр. 464

النَّسَائِيّ فِي كتاب خَصَائِص عَليّ من حَدِيث الْعَلَاء بن صَالح عَن الْمنْهَال بن عَمْرو عَن عباد ابْن عبد الله الْأَسدي قَالَ قَالَ عَليّ انا عبد الله وأخو رَسُوله وانا الصّديق الْأَكْبَر لَا يَقُولهَا بعدِي إِلَّا كَاذِب صليت قبل النَّاس سبع سِنِين وَرَوَاهُ أَحْمد فِي الْفَضَائِل وَفِي رِوَايَة لَهُ وَلَقَد أسلمت قبل النَّاس بِسبع سِنِين قَالَ ابْن الْجَوْزِيّ هَذَا مَوْضُوع وَالْمُتَّهَم بِهِ عباد قَالَ ابْن الْمَدِينِيّ وَكَانَ ضَعِيف الحَدِيث والمنهال تَركه شُعْبَة وَقَالَ الْأَثْرَم سَأَلت أَبَا عبد الله عَن هَذَا الحَدِيث فَقَالَ اضْرِب عَلَيْهِ فَإِنَّهُ حَدِيث مُنكر ثمَّ نقُول عَليّ كَانَ أبر وأصدق من أَن يَقُول هَذَا فالناقل إِمَّا متعمد الْكَذِب اَوْ أَخطَأ سَمعه وَنَظِير هَذَا مَا رَوَاهُ عبد الله فِي المناقب حَدثنَا يحيى بن عبد الحميد حَدثنَا شريك عَن الْأَعْمَش عَن الْمنْهَال بن عَمْرو عَن عباد بن عبد الله وَأخْبرنَا أَبُو خَيْثَمَة حَدثنَا أسود بن عَامر حَدثنَا شريك عَن الْأَعْمَش عَن الْمنْهَال عَن عباد عَن عَليّ قَالَ لما نزلت (فَأَنْذر عشيرتك الْأَقْرَبين) دَعَا رَسُول الله ﷺ رجَالًا من أهل بَيته إِن كَانَ الرجل لآكلا جَذَعَة ولشاربا فرقا إِلَخ وَهَذَا كذب على عَليّ لم يروه قطّ وَكذبه ظَاهر من وُجُوه وَقد رَوَاهُ أَحْمد فِي الْفَضَائِل حَدثنَا عَفَّان حَدثنَا أَبُو عوَانَة عَن عُثْمَان بن الْمُغيرَة عَن أبي صَادِق عَن ربيعَة بن ناجد عَن عَليّ وسَاق ابْن الْجَوْزِيّ من طَرِيق أجلح عَن سَلمَة بن كهيل عَن حَبَّة بن جُوَيْن سمع عليا يَقُول أَنا عبدت الله مَعَ رَسُوله قبل أَن يعبده رجل من هَذِه الْأمة خمس سِنِين أَو سبع سِنِين قَالَ ابْن الْجَوْزِيّ وحبة لَا يُسَاوِي حَبَّة قَالَ يحيى لَيْسَ بِشَيْء وَقَالَ السَّعْدِيّ غير ثِقَة وَأما الْأَجْلَح فَقَالَ أَحْمد وَقد روى غير حَدِيث مُنكر قَالَ أَبُو الْفرج وَمِمَّا يبطل هَذِه

стр. 465

الْأَحَادِيث انه لَا خلاف فِي تقدم إِسْلَام خَدِيجَة وَأبي بكر وَزيد وَأَن عمر أسلم فِي سنة سِتّ من النُّبُوَّة بعد أَرْبَعِينَ رجلا فَكيف يَصح أَن عليا صلى قبل بِسبع سِنِين ثمَّ ذكر حَدِيثا مَرْفُوعا أَن عليا الصّديق الْأَكْبَر وَهُوَ من كذب أَحْمد بن نصر الذِّرَاع وحديثا يَقُول فِيهِ أَنا أقومهم بِأَمْر الله وأقسمهم بِالسَّوِيَّةِ قَالَ وَهُوَ مَوْضُوع الْمُتَّهم بِهِ بشر بن إِبْرَاهِيم رَمَاه بِالْوَضْعِ ابْن عدي وَابْن حبَان وحديثا يَقُول فِيهِ أَنْت أول من يصافحنى يَوْم الْقِيَامَة وَأَنت الصّديق الْأَكْبَر وَأَنت الْفَارُوق وَأَنت يعسوب الْمُؤمنِينَ وَقَالَ هَذَا مَوْضُوع وَفِيه عباد بن يَعْقُوب وَعلي بن هَاشم وَغَيرهمَا مِمَّن تكلم فِيهِ وَفِي طَرِيقه الآخر عبد الله بن داهر قَالَ ابْن معِين لَا يكْتب عَنهُ فصل وَهنا طَرِيق يكن سلوكها لمن لَهُ معرفَة بالأخبار فَإِن كثيرا من الْعلمَاء يتَعَذَّر عَلَيْهِم التَّمْيِيز بَين الصدْق وَالْكذب وَمن جِهَة الْإِسْنَاد وَإِنَّمَا ينْهض بذلك جهابذة الْحفاظ نقدر أَن الْأَخْبَار الْمُتَنَازع فِيهَا لم تكن فنرجع إِلَى مَا هُوَ مَعْلُوم بالتواتر أَو بِالْعقلِ والعادات أَو مَا دلّت عَلَيْهِ النُّصُوص الْمُتَّفق عَلَيْهَا فَنَقُول من الْمُتَوَاتر أَن أَبَا بكر لم يطْلب الْخلَافَة برغبة وَلَا برهبة فَلَا بذل فِيهَا مَالا وَلَا شهر عَلَيْهَا سَيْفا وَلَا كَانَت لَهُ عشيرة ضخمة وَلَا عدد من الموالى تقوم بنصره كَمَا جرت عَادَة طلاب الْملك بل وَلَا قَالَ

стр. 466

بايعوني وَإِنَّمَا أَشَارَ ببيعة عمر أَو بيعَة أبي عُبَيْدَة ثمَّ من تخلف عَن مبايعته لم يؤذه وَلَا أكرهه عَلَيْهَا كسعد بن عبَادَة ثمَّ الَّذين طائعين بَايعُوهُ هم الَّذين بَايعُوا رَسُول الله ﷺ تَحت الشَّجَرَة الَّذين ﵃ فقاتل بهم الْمُرْتَدين وَفَارِس وَالروم وَثَبت الْإِسْلَام وَأَهله وَلَا أكل مِنْهَا وَلَا لبس إِلَّا كعادته وعيشه فَلَمَّا جَاءَهُ الْيَقِين خرج مِنْهَا أزهد مِمَّا دخل فِيهَا لم يستأثر مِنْهَا بِشَيْء عَنْهُم وَلَا آثر بهَا قرَابَة بل نظر إِلَى أفضلهم فِي نَفسه فولاه عَلَيْهِم فأطاعوه كلهم فَفتح الْأَمْصَار وقهر الْكفَّار وأذل أهل النِّفَاق وَبسط الْعدْل وَوضع الدِّيوَان وَالعطَاء لَازِما لعيش من قبله فِي مأكله ومشربه وملبسه حَتَّى خرج مِنْهَا شَهِيدا لم يتلوث لَهُم بِمَال وَلَا ولي أحدا من أَقَاربه ولَايَة هَذَا أَمر يعرفهُ من يعرف وينصف ثمَّ بَايعُوا عُثْمَان كلهم طَوْعًا مِنْهُم فَسَار وَبني على أَمر قد اسْتَقر قلبه بسكينة وحلم وَهدى وَرَحْمَة وكرم ولين لَكِن لم تكن فِيهِ قُوَّة عمر وَلَا سياسته الَّتِي بهرت الْعُقُول وَلَا كَمَال عدله الَّذِي مَلأ الْوُجُود وَلَا فرط زهده الَّذِي مَا يُنكره إِلَّا جَاهِل فطمع فِيهِ النَّاس بعض الطمع وتوسعوا فِي الدُّنْيَا وَكَثُرت عَلَيْهِم الْأَمْوَال وَدخل بِسَبَب تَوليته أَقَاربه عَلَيْهِ الدَّاخِل وَأنْكرت مِنْهُم أُمُور مَا اعتادها النَّاس قبله وتولد من رَغْبَة بعض النَّاس فِي الدُّنْيَا وَضعف خوفهم من الله تَعَالَى وَمِنْه وَمن ضعفه هُوَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى كَمَال الَّذين قبله وَمِمَّا حصل من أَقَاربه فِي الْولَايَة وَالْمَال مَا استحكم بِهِ الشَّرّ وحرك الْفِتْنَة حَتَّى قتل مَظْلُوما وذبحوه صبرا فَتَوَلّى عَليّ ﵁ والفتنة قَائِمَة وأتهم بالتخلي عَن عُثْمَان حَتَّى قتل وَبَعْضهمْ اتهمه بدمه وَالله يعلم بَرَاءَته من دَمه

стр. 467

ثَبت عَنهُ أَنه لم يرض بقتْله وَلَا أعَان عَلَيْهِ فَلم تصف قُلُوب كثير مِنْهُم وَلَا أمكنه هُوَ قهرهم حَتَّى يطيعوه وَلَا اقْتضى رَأْيه الْكَفّ عَن الْقِتَال حَتَّى ينظر مَا يأول إِلَيْهِ أمره كَمَا أَشَارَ عَلَيْهِ وَلَده الْحسن فَظن أَن الطَّاعَة تحصل وَالْأمة تَجْتَمِع بِالْقِتَالِ فَمَا زَاد الْأَمر إِلَّا شدَّة وافتراقا حَتَّى خرج عَلَيْهِ من جنده أُلُوف ومرقوا وكفروه وقاتلوه قَاتلهم الله حَتَّى كَانَ فِي آخر أمره يطْلب هُوَ أَن يكف عَن قتال من لم يطعه فَكَانَ آخر الْخُلَفَاء الرَّاشِدين الَّذين ولايتهم خلَافَة النُّبُوَّة ثمَّ آل الْأَمر إِلَى مُعَاوِيَة أول الْمُلُوك كَمَا قَالَ ﷺ الْخلَافَة بعدِي ثَلَاثُونَ سنة ثمَّ تكون ملكا وسيرة مُعَاوِيَة من أَجود سير الْمُلُوك بِالنِّسْبَةِ فَإِذا جَاءَ القادح فَقَالَ فِي أبي بكر وَعمر كَانَا طَالِبين للرياسة مانعين للحقوق ظلما الْمَنْصُوص عَلَيْهِ ومنعا أهل الْبَيْت إرثهم أوشك أَن يَقُول قَادِح النواصب نَحوا من ذَلِك فِي عَليّ أَنه قَاتل على الرياسة وَسَفك الدِّمَاء وَلم ينل غَرَضه فَإِذا كُنَّا ندفع من يقْدَح فِي عَليّ بِهَذِهِ الشُّبْهَة فَلِأَن ندفع من يقْدَح فِي أبي بكر وَعمر بطرِيق الأولى لِأَنَّهُمَا أبعد عَن التُّهْمَة إِذْ لم يقاتلا على الْإِمَارَة وأطاعهما عَليّ والكبار وَإِذا كُنَّا نظن بعلي أَنه كَانَ قَاصِدا الْحق غير مُرِيد علوا وَلَا فَسَادًا فِي الأَرْض فَلِأَن نظن ذَلِك بهما بطرِيق الأولى فدع عَنْك المكابرة والهوى طَرِيق آخر وَهُوَ أَن يُقَال دواعي الْمُسلمين بعد موت نَبِيّهم كَانَت متوجهة إِلَى أَتبَاع الْحق قطعا وَلَيْسَ لَهُم مَا يصرفهم عَن الْحق وهم قادرون على ذَلِك وَإِذا حصل الدَّاعِي إِلَى الْحق وانتفى الصَّارِف مَعَ الْقُدْرَة وَجب الْفِعْل فَعلم أَن المسملين خير الْقُرُون اتبعُوا الْحق فِيمَا فَعَلُوهُ لأَنهم خير الْأُمَم أكمل الله لَهُم الدّين وَأتم عَلَيْهِم النِّعْمَة بَايعُوا أَبَا بكر تدينا لَا لرغبة وَلَا لرهبة فَلَو فعلوا بِمُوجب الطَّبْع لقدموا عليا أَو الْعَبَّاس لشرف بني هَاشم على بني تيم وَلما قيل لأبي قُحَافَة وَكَانَ بِمَكَّة شَيخا كَبِيرا إِن ابْنك ولي الْخلَافَة قَالَ ورضيت بَنو أُميَّة وَبَنُو هَاشم وَبَنُو مَخْزُوم قَالُوا نعم فَعجب وَقَالَ

стр. 468

ذَلِك فضل الله يؤتيه من يَشَاء لعلمه بِأَن بني تيم أَضْعَف الْقَبَائِل وَالْإِسْلَام إِنَّمَا يقدم بالتقوى لَا بِالنّسَبِ طَرِيق آخر تَوَاتر أَن الرَّسُول ﷺ قَالَ خير هَذِه الْأمة قَرْني ثمَّ الَّذين يَلُونَهُمْ ثمَّ الَّذين يَلُونَهُمْ فَخير الْأُمَم بِلَا نزاع الْقرن الأول وَمن تَأمل حَال الْمُسلمين فِي الْقرن الثَّانِي بِالنِّسْبَةِ إِلَى الأول علم تبَاين مَا بَينهمَا فَإِن كَانَ الْقرن الأول قد جحد حق الإِمَام الْمَنْصُوص عَلَيْهِ وَمنعُوا آل نَبِيّهم ميراثهم وَبَايَعُوا فَاسِقًا ظَالِما وَمنعُوا عادلا عَالما عنادا ودفعا للحق فَهَؤُلَاءِ شَرّ الْخلق وَهَذِه الْأمة شَرّ أمة أخرجت للنَّاس طَرِيق آخر عرف بالتواتر الَّذِي لَا يخفى أَن أَبَا بكر وَعمر وَعُثْمَان كَانَ لَهُم بِالنَّبِيِّ ﷺ اخْتِصَاص عَظِيم وخلطة وصحبة ومصاهرة لَهُم وَمَا عرف عَنهُ أَنه كَانَ يذمهم وَلَا يمقتهم بل يثني عَلَيْهِم ويحبهم فإمَّا أَن يَكُونُوا على الإستقامة ظَاهرا وَبَاطنا مَعَه وَبعده أَولا فَالْأول هُوَ الْمَطْلُوب وَالثَّانِي إِمَّا أَنه علم وداهنهم أَو لم يعلم وَأيهمَا قدر فَهُوَ من أعظم الْقدح فِي الرَّسُول ﷺ وَإِن كَانُوا انحرفوا بعد الإستقامة فَهَذَا خذلان من الله لنَبيه فِي خَواص أمته فَمن قد أخبر بِمَا سَيكون أَيْن كَانَ عَن علم ذَلِك فَأَيْنَ الإحتياط للْأمة حَتَّى لَا يُولى هَؤُلَاءِ وَمن وعد أَن يظْهر دينه على الْأَدْيَان كَيفَ يكون أكَابِر خواصه مرتدة هَذَا من أعظم الْقدح فِي الرَّسُول والطعن فِيهِ ليقول الباطني والزنديق رجل سوء كَانَ لَهُ أَصْحَاب سوء وَلَو كَانَ صَالحا لكانوا مثله وَلِهَذَا قَالَ أهل الْعلم إِن الرَّفْض دسيسة الزندقة

стр. 469

وَطَرِيق آخر أَن يُقَال الْأَسْبَاب الْمُوجبَة لولاية عَليّ إِن كَانَ هُوَ الأولى قَوِيَّة والصوارف منتفية وَالْقُدْرَة مَوْجُودَة وَمَعَ توفر الدَّوَاعِي وَالْقُدْرَة وَانْتِفَاء الصوارف يجب الْفِعْل وَذَلِكَ أَن عليا هُوَ ابْن عَم نَبِيّهم وأفضلهم نسبا وَله السَّبق وَالْجهَاد والصهر مَعَ إنتفاء عداوتهم لَهُ وَلم يقتل أحدا من بني تيم وَلَا من بني عدي بل الَّذِي قتل مِنْهُم بَنو عبد منَاف وَكَانُوا يوالونه ويختارون ولَايَته لقربهم مِنْهُ وَكَلمه فِي ذَلِك أَبُو سُفْيَان فَلَو كَانَ الرَّسُول ﷺ نَص على ولَايَته أَو كَانَ هُوَ الْأَفْضَل الأولى كَانَ ذَلِك مُوجبا لإنبعاث إرادتهم إِلَى ولَايَته وَالْحَالة هَذِه وَلَو قدر أَن الصَّارِف كَانَ فِي نفر قَلِيل فغالبهم لم يكن لَهُم صَارف يصرفهم عَنهُ بل هم قادرون على ولَايَته وَلَو قَالَت الْأَنْصَار عَليّ أَحَق بهَا من سعد وَمن أبي بكر مَا أمكن أُولَئِكَ النَّفر من الْمُهَاجِرين أَن يدافعوهم ولقام أَكثر النَّاس مَعَ عَليّ بل جُمْهُور الَّذين فِي قُلُوبهم مرض يبغضون عمر لِشِدَّتِهِ عَلَيْهِم فَالْقِيَاس أَن لَا ينقادوا لبيعته وَبعد هَذَا فَلَمَّا اسْتَخْلَفَهُ أَبُو بكر أطاعوه

стр. 470

كلهم حَتَّى إِن طَلْحَة قَالَ لأبي بكر مَاذَا تَقول لِرَبِّك وَقد وليت علينا فظا غليظا فَقَالَ أجلسوني أبالله تخوفوني أَقُول وليت عَلَيْهِم خَيرهمْ فَإِذا فَرضنَا أَن غَالب الْمُسلمين قَامُوا مَعَ عَليّ فَمن الَّذِي يغلبه هَب أَنهم لَو قَامُوا وَلم يغلبوا أما كَانَت الدَّوَاعِي الْمَعْرُوفَة فِي مثل ذَلِك توجب الْقيام أَو أَن يجْرِي فِي ذَلِك قيل وَقَالَ وَنَوع جِدَال اما ذَلِك أولى بالْكلَام مِنْهُ فِي تَوْلِيَة سعد وَإِذا كَانَ الْأَنْصَار بِشُبْهَة مَا طمعوا أَن يتأمر سعد فَمن يكون مَعَه الْحق وَفِيه النَّص من الرَّسُول كَيفَ لَا يكون أعوانه أطمع فِي تأميره فَإِذا لم يتَكَلَّم أحد وَلم يدع دَاع إِلَى عَليّ لَا هُوَ وَلَا غَيره وَاسْتمرّ الْأَمر إِلَى أَن وصلت النّوبَة إِلَيْهِ فَقَامَ هُوَ أوأعوانه وَقَاتل وَلم يسكت حَتَّى جرى مَا جرى علم بالإضطرار أَن سكوتهم أَولا كَانَ لعدم الْمُقْتَضى لَا لوُجُود الْمَانِع وَقد كَانَ أَبُو بكر أبعد من الممانعة بِكَثِير من مُعَاوِيَة لَو كَانَ لعَلي حق مَنْصُوص وَلَو قَامَ أَبُو بكر وَهُوَ ظَالِم يدافع عليا وَهُوَ محق لَكَانَ الشَّرْع وَالْعقل يقْضِي أَن يكون النَّاس مَعَ المحق الْمَعْصُوم الْمَنْصُوص عَلَيْهِ على أبي بكر المعتدي الظلوم لَو كَانَ الْأَمر كَذَلِك فاسلك التَّحْقِيق ودع بنيات الطَّرِيق فالسفسطة أَنْوَاع احدها النَّفْي والجحد والتكذيب إِمَّا بالوجود وَإِمَّا بِالْعلمِ بِهِ وَالثَّانِي الشَّك والريب وَقَول لَا نَدْرِي فَهَذِهِ طَريقَة اللاأدرية فَلَا ينفون وَلَا يثبتون فهم فِي الْحَقِيقَة قد نفوا مَا يعلم الثَّالِث قَول من يَجْعَل الْحَقَائِق تبعا للعقائد فَيَقُول من اعْتقد الْعَالم قَدِيما فَهُوَ قديم وَمن اعتقده مُحدثا فَهُوَ مُحدث وَإِذا كَانَ كَذَلِك فالقدح فِيمَا علم من أَحْوَال الرَّسُول وخلفائه الرَّاشِدين وسيرتهم بأخبار ترْوِيهَا الرافضة وتكذبهم فِيهَا جَمَاهِير الْأمة من أعظم السفسطة وَكَذَلِكَ من روى لمعاوية وَأَصْحَابه من الْفَضَائِل مَا يُوجب تَقْدِيمه على عَليّ وَأَصْحَابه كَانَ مسفسطا كَاذِبًا قَالَ الْمنْهَج الرَّابِع فِي الْأَدِلَّة الدَّالَّة على إِمَامَته من أَحْوَاله فَذكر أَنه كَانَ أزهد النَّاس وأعبدهم وأعلمهم وأشجعهم وَذكر أنواعا من خوارق الْعَادَات لَهُ فَيُقَال بل كَانَ أزهد النَّاس بعد رَسُول الله ﷺ أَبُو بكر فَإِنَّهُ كَانَ لَهُ مَال يتجر بِهِ

стр. 471

فأنفقه كُله فِي سَبِيل الله وَولى الْخلَافَة فَذهب إِلَى السُّوق على يَدَيْهِ برود يَبِيع ويتكسب فَأخْبر بذلك الْمُهَاجِرُونَ ففرضوا لَهُ شَيْئا فاستخلف عمر أَبَا عُبَيْدَة فخلف لَهُ أَنه يُبَاح لَهُ أَخذ دِرْهَمَيْنِ كل يَوْم قَالَ ابْن زَنْجوَيْه كَانَ عَليّ فَقِيرا فِي أول الْإِسْلَام ثمَّ اسْتَفَادَ الرباع والمزارع والنخيل وَاسْتشْهدَ ﵁ وَعِنْده تسع عشرَة سَرِيَّة وَأَرْبع نسْوَة وَقَالَ شريك عَن عَاصِم بن كُلَيْب عَن مُحَمَّد بن كَعْب الْقرظِيّ قَالَ قَالَ عَليّ لقد رَأَيْتنِي على عهد رَسُول الله ﷺ أربط الْحجر على بَطْني من شدَّة الْجُوع وَإِن صَدَقَة مَالِي لتبلغ الْيَوْم أَرْبَعِينَ ألفا وروى إِبْرَاهِيم بن سعيد الْجَوْهَرِي فَقَالَ لتبلغ أَرْبَعَة آلَاف دِينَار فَأَيْنَ هَذَا من هَذَا وَإِن كَانَا زاهدين وتلا عمر أَبَا بكر فِي زهده وَكَذَا أَبُو عُبَيْدَة وَأَبُو ذَر بِخِلَاف غَيرهم من الصَّحَابَة فَإِنَّهُم توسعوا فِي الدُّنْيَا وتمتعوا وَاتَّخذُوا الْأَمْوَال قَالَ ابْن حزم من جملَة عقار عَليّ يَنْبغ كَانَت تغل كل سنة ألف وسق تمر سوى زَرعهَا والزهد عزوف النَّفس عَن حب الصَّوْت وَعَن المَال وَاللَّذَّات وَعَن الْميل إِلَى الْوَلَد والحاشية فَلَا معنى للزهد إِلَّا هَذَا وَأَبُو بكر قد أنْفق مَاله قيل كَانَ أَرْبَعِينَ ألفا حَتَّى بَقِي فِي عباءة قد خللها بِعُود إِذا جلس افترشها وَغَيره اقتنى الرباع والضياع ثمَّ إِنَّه ولى الْخلَافَة فَمَا اتخذ جَارِيَة وَلَا توسع فِي مَال وَأما عَليّ فتوسع فِيمَا يحل لَهُ وَمَات عَن زَوْجَات وتسع عشرَة أم ولد وَعبيد وخدم وَتُوفِّي عَن أَرْبَعَة وَعشْرين ولدا من ذكر وَأُنْثَى وَترك لَهُم من الْعقار مَا أغناهم هَذَا أَمر مَشْهُور لَا يقدر أحد على إِنْكَاره ثمَّ قد كَانَ لأبي بكر من الْوَلَد مثل عبد الرَّحْمَن وَمن الْقَرَابَة مثل طَلْحَة أحد الْعشْرَة فَمَا

стр. 472

اسْتعْمل هَذَا وَلَا هَذَا فِي جهاته وَهِي مَكَّة وَالْمَدينَة واليمن وخيبر والبحرين وحضرموت وعمان والطائف واليمامة ثمَّ جرى عمر على مجْرَاه وَلم يسْتَعْمل من بني عدي أحدا على سَعَة عمله وَقد فتح الشَّام ومصر وَالْعراق إِلَى خُرَاسَان إِلَّا النُّعْمَان بن عدي الْعَدوي وَحده على ميسَان ثمَّ أسْرع عَزله وَكَانَ فيهم مثل سعيد بن زيد أحد الْعشْرَة وَأبي جهم بن حُذَيْفَة وخارجة بن حذافة وَمعمر بن عبد الله وَولد عبد الله بن عمر ثمَّ كل مِنْهُمَا لم يسْتَعْمل ابْنه من بعده على الْأمة وَقد رَضِي بإبن عمر ﵄ بعض النَّاس وَكَانَ أَهلا لذَلِك وَلَو اسْتَخْلَفَهُ لما اخْتلف عَلَيْهِ أحد وَوجدنَا عليا اسْتعْمل أَقَاربه ابْن عَبَّاس على الْبَصْرَة وَعبيد الله بن عَبَّاس على الْيمن وقثما ومعبدا ابْني عَبَّاس على الْحَرَمَيْنِ وَابْن أُخْته جعده بن هُبَيْرَة على خُرَاسَان وَابْن امْرَأَته وأخا وَلَده مُحَمَّد بن أبي بكر على مصر وَرَضي ببيعة الْمُسلمين لإبنه بعده ولسنا ننكر أَهْلِيَّته وزهده وعظمته وَلَا أَهْلِيَّة عبد الله ابْن عَبَّاس للخلافة وَلَكنَّا نقُول إِن أَبَا بكر وَعمر أتم زهدا وأعزف عَن الدُّنْيَا من زاهد يفعل الْمُبَاحَات قَالَ وَعلي ﵇ قد طلق الدُّنْيَا ثَلَاثًا وَكَانَ قوته جريش الشّعير ولبسه خشن الثِّيَاب ورقع مدرعته وَكَانَ حمائل سَيْفه ليفا وَكَذَا نَعله وروى أَخطب خوارزم عَن عمار قَالَ سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول يَا عَليّ إِن الله زينك بالزهد فِي الدُّنْيَا وبغضها إِلَيْك وحبب إِلَيْك الْفُقَرَاء فرضيت بهم أتباعا وَرَضوا بك إِمَامًا طُوبَى

стр. 473

لمن أحبك وَصدق عَلَيْك وَالْوَيْل لمن أبغضك وَكذب عَلَيْك الحَدِيث وَقَالَ سُوَيْد ابْن غَفلَة دخلت على عَليّ فَوجدت بَين يَدَيْهِ صفحة فِيهَا لبن أجد رِيحه من شدَّة حموضته وَفِي يَده رغيف أرى قشار الشّعير فِي وَجهه الحَدِيث بِطُولِهِ وَقَالَ ضرار دخلت على مُعَاوِيَة بعد قتل عَليّ فَقَالَ لي صف لي عليا فَقلت كَانَ بعيد المدى شَدِيد القوى يَقُول فضلا وَيحكم عدلا يتفجر الْعلم من جوانبه وتنطق الْحِكْمَة عَن نواحيه يستوحش من الدُّنْيَا وزهرتها ويأنس بِاللَّيْلِ ووحشته كَانَ غزير الْعبْرَة طَوِيل الفكرة يُعجبهُ من اللبَاس مَا خشن وَمن الطَّعَام مَا قشب وَكَانَ فِينَا كأحدنا وَذكر أَشْيَاء فَبكى مُعَاوِيَة وَقَالَ رحم الله أَبَا الْحسن لقد كَانَ وَالله كَذَلِك فَمَا حزنك عَلَيْهِ يَا ضرار قَالَ حزن من ذبح وَلَدهَا فِي حجرها فَلَا ترقأ عبرتها وَلَا يسكن حزنها وَالْجَوَاب لَا نزاع فِي زهد عَليّ لكنه لَا يبلغ زهد أبي بكر كَمَا ذكرنَا وَبَعض مَا أوردته كذب عَلَيْهِ وَلَا مدح فِيهِ أما كَونه قد طَلقهَا ثَلَاثًا فَمن الْمَشْهُور عَنهُ أَنه قَالَ يَا صفراء يَا بَيْضَاء قد طَلقتك ثَلَاثًا غري غَيْرِي لَا رَجْعَة لي فِيك فَهَذَا لَا يدل على أَنه أزهد مِمَّن لم يقل هَذَا فَإِن نَبينَا وَعِيسَى وَغَيرهمَا مِمَّن هُوَ أزهد الْأَنْبِيَاء لم يَقُولُوا هَذَا وَالسُّكُوت أجمل وَأقرب إِلَى الْإِخْلَاص وقولك كَانَ يقتات خبز الشّعير بِلَا أَدَم فكذب عَلَيْهِ ثمَّ لَا مدح فِيهِ فالرسول ﷺ إِمَام الزهاد وَكَانَ يَأْكُل مَا اتّفق أكل لحم الْغنم وَلحم الدَّجَاج والحلوى وَالْعَسَل وَكَانَ يحب ذَلِك وَإِذا حضر طَعَام فَإِن اشتهاه أكل وَإِلَّا تَركه فَلَا يرد مَوْجُودا وَلَا يُكَلف مفقودا وَرُبمَا ربط الحجرعلى بَطْنه من الْجُوع وَفِي الصَّحِيحَيْنِ إِن رجَالًا قَالَ أحدهم أما أَنا فأصوم وَلَا أفطر وَقَالَ آخر أما أَنا فأقوم وَلَا أَنَام وَقَالَ آخر أما أَنا فَلَا أَتزوّج وَقَالَ آخر أما أَنا فَلَا آكل اللَّحْم فَبلغ النَّبِي ﷺ فَقَالَ لكني أَصوم وَأفْطر وأنام وأتزوج النِّسَاء وآكل اللَّحْم فَمن رغب عَن سنتي فَلَيْسَ مني فَكيف تظن بعلي أَنه رغب عَن سنة ابْن عَمه بل النَّقْل عَنهُ بِخِلَاف مَا أوردت وقولك فِي حَدِيثك كَانَ حمائل سَيْفه وَنَعله ليفا

стр. 474

فكذب ثمَّ قد كَانَ نعل سيف النَّبِي ﷺ فضَّة وَالله قد يسر ووسع عَلَيْهِم فَأَي مدح فِي أَن يعدل عَن السيور مَعَ كثرتها بالحجاز وَإِنَّمَا يمدح هَذَا عِنْد الْعَدَم كَمَا قَالَ أَبُو أُمَامَة لقد فتح الْبِلَاد أَقوام كَانَت خطم خيلهم الحبال وركبهم العلابي رَوَاهُ البُخَارِيّ قَالَ وَبِالْجُمْلَةِ زهده لم يلْحقهُ أحد فِيهِ وَلَا سبق إِلَيْهِ وَإِذا كَانَ كَذَلِك كَانَ هُوَ الإِمَام قُلْنَا كلا المقدمتين بَاطِلَة لم يكن أزهد من أبي بكر وَلَا كل من كَانَ أزهد كَانَ أَحَق بِالْإِمَامَةِ قَالَ عبد الله بن أَحْمد بن حَنْبَل أخبرنَا عَليّ بن حَكِيم حَدثنَا شريك عَن عَاصِم بن كُلَيْب عَن مُحَمَّد بن كَعْب سَمِعت عليا يَقُول إِن صدقتي الْيَوْم لتبلغ أَرْبَعِينَ ألفا وَخلف عِنْد مَوته سراري وعبيدا وأملاكا ووقوفا لَكِن لم يتْرك من المَال إِلَّا سَبْعمِائة دِرْهَم وَهَذَا عمر قد وقف نصِيبه من خَيْبَر مَا علمنَا لَهُ عقارا غَيره وَمَات وَعَلِيهِ من الدُّيُون ثَمَانُون ألفا قَالَ وَكَانَ أعبد النَّاس يَصُوم النَّهَار وَيقوم اللَّيْل وَمِنْه تعلم النَّاس صَلَاة اللَّيْل ونوافل النَّهَار وَأكْثر الْعِبَادَات والأدعية المأثورة عَنهُ تستوعب الْوَقْت وَكَانَ يُصَلِّي فِي ليله ونهاره ألف رَكْعَة إِلَى أَن قَالَ وَجمع بَين الصَّلَاة وَالزَّكَاة فَتصدق وَهُوَ رَاكِع إِلَى أَن قَالَ وَأعْتق ألف عبد من كسب يَده وَكَانَ يُؤجر نَفسه

стр. 475

وَينْفق على رَسُول الله فِي الشّعب قُلْنَا فِي هَذَا من الأكاذيب مَا لَا يخفى على الْعَالم ثمَّ لَا مدح فِيهِ لمُخَالفَة أَكْثَره السّنة فَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَن عبد الله بن عَمْرو أَن النَّبِي ﷺ قَالَ لَهُ ألم أخْبرك أَنَّك تَقول لأصومن النَّهَار ولأقومن اللَّيْل مَا عِشْت قَالَ بلَى قَالَ فَلَا تفعل الحَدِيث وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَن عَليّ قَالَ طرقني رَسُول الله ﷺ وَفَاطِمَة فَقَالَ أَلا تقومان تصليان فَقلت يَا رَسُول الله إِنَّمَا أَنْفُسنَا بيد الله إِن شَاءَ أَن يبعثنا بعثنَا فولي وَهُوَ يضْرب فَخذه وَيَقُول (وَكَانَ الْإِنْسَان أَكثر شَيْء جدلا) فَهَذَا دَلِيل على نَومه بِاللَّيْلِ وَأَن الرَّسُول مَا أعجبه مجادلته لَهُ وقولك وَمِنْه تعلم النَّاس إِن أردْت بعض الْمُسلمين فَهَكَذَا الْكِبَار يعلمُونَ أتباعهم وَإِن أردْت الْكل مِنْهُ تعلمُوا فَهَذَا من أسمج الْكَذِب فإخوانه من الصَّحَابَة أخذُوا عَن نَبِيّهم وَأما التابعون فخلائق مِنْهُم لم يروه ثمَّ قلت والأدعية المأثورة عَنهُ تستوعب الْوَقْت قُلْنَا عامتها مَوْضُوع عَلَيْهِ هُوَ كَانَ أجل من أَن يَدْعُو بِهَذِهِ الْأَدْعِيَة الَّتِي لَا تلِيق بِحَالهِ وَأفضل الْأَدْعِيَة المأثورة مَا ثَبت عَن الرَّسُول وَهِي بِحَمْد الله كَثِيرَة فِيهَا غنى وَأما قَوْلك يُصَلِّي ألف رَكْعَة فَبَاطِل فَهَذَا نَبِي الله ﷺ كَانَ مَجْمُوع صلَاته

стр. 476

فِي الْيَوْم وَاللَّيْلَة أَرْبَعِينَ رَكْعَة وَالزَّمَان لَا يَتَّسِع لِأَلف رَكْعَة من أَمِير الْأمة مَعَ سياستهم وَمُصَالَحَة فِي أَهله وَنَفسه إِلَّا أَن تكون صلَاته صَلَاة نقر نزه الله عليا عَنْهَا وَأما قَوْلك جمع بَين الصَّلَاة وَالزَّكَاة فكذب كَمَا تقدم وَلَا مدح فِيهِ وَلَا يشرع لنا فعله وقولك أعتق ألف عبد من كسب يَده كذب لَا يروج إِلَّا على الجهلة بل وَلَا أعتق مائَة وَلم يكن لَهُ كسب بِيَدِهِ يقوم بِعشر هَذَا وَكَانَ مَشْغُولًا بِالْجِهَادِ وَبِغَيْرِهِ وَمَا علمناه يتجر وَلَا لَهُ صَنْعَة فَمن أَيْن هَذَا وقولك كَانَ يُؤجر نَفسه وَينْفق على رَسُول الله ﷺ وَقت الشّعب كذب بَين فَإِنَّهُم لم يَكُونُوا يخرجُون من الشّعب وَلَا ثمَّ من يستأجرهم وَكَانَ أَبوهُ أَبُو طَالب مَعَهم ينْفق عَلَيْهِ وَكَانَت خَدِيجَة موسرة تنْفق من مَالهَا وَكَانَ عَليّ زمن الشّعب لَهُ نَحْو من خمس عشرَة سنة أقل أَو أَكثر قَالَ وَكَانَ أعلم النَّاس قُلْنَا بل أَبُو بكر وَعمر فَإِنَّهُ لم يكن أحد يقْضِي ويخطب ويفتي بِحَضْرَة رَسُول الله ﷺ إِلَّا أَبُو بكر وَقد شكّ النَّاس فِي موت نَبِيّهم فبينه أَبُو بكر ثمَّ توقفوا فِي دَفنه فبينه أَبُو بكر ثمَّ شكوا فِي قتال مانعي الزَّكَاة فبينه بِالنَّصِّ وأوضح قَوْله (لتدخلن الْمَسْجِد الْحَرَام إِن شَاءَ الله

стр. 477

آمِنين لعمر وَبَين لَهُم قَول النَّبِي ﷺ إِن عبدا خَيره الله بَين الدُّنْيَا وَالْآخِرَة وَفسّر لَهُم الْكَلَالَة وَحمل عَليّ عَنهُ شَيْئا من الْعلم فَفِي السّنَن عَن عَليّ قَالَ كنت إِذا سَمِعت من النَّبِي ﷺ حَدِيثا يَنْفَعنِي الله بِمَا شَاءَ أَن يَنْفَعنِي مِنْهُ وَإِذا حَدثنِي غَيره اسْتَحْلَفته فَإِذا حلف لي صدقته وحَدثني أَبُو بكر وَصدق أَبُو بكر أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ مَا من مُسلم يُذنب ذَنبا ثمَّ يتَوَضَّأ وَيُصلي رَكْعَتَيْنِ ويستغفر الله إِلَّا غفر لَهُ ثمَّ قد نقل غير وَاحِد الْإِجْمَاع على أَن أَبَا بكر أعلمهم وَحَكَاهُ مَنْصُور بن السَّمْعَانِيّ وَقَالَ ﷺ اقتدوا باللذين من بعدِي أبي بكر وَعمر وَفِي صَحِيح مُسلم أَن الْمُسلمين كَانُوا مَعَ النَّبِي ﷺ فِي سفر فَقَالَ إِن يطع الْقَوْم أَبَا بكر وَعمر بن الْخطاب يرشدوا وروى عَنهُ ﷺ أَنه قَالَ لأبي بكر وَعمر إِذا اتفقتما على أَمر لم أخالفكما وَثَبت عَن ابْن عَبَّاس أَنه كَانَ إِذا لم يجد نصا أفتى بقول أبي بكر وَعمر وَثَبت فِي حق ابْن عَبَّاس أَن النَّبِي ﷺ دَعَا لَهُ اللَّهُمَّ فقهه فِي الدّين وَعلمه التَّأْوِيل وَعَن ابْن أبي شيبَة أخبرنَا أَبُو مُعَاوِيَة حَدثنَا الْأَعْمَش حَدثنَا إِبْرَاهِيم أخبرنَا عَلْقَمَة عَن عمر قَالَ كَانَ النَّبِي ﷺ يسمر عِنْد أبي بكر ﵁ فِي الْأَمر من أُمُور الْمُسلمين وَأَنا مَعَه وَفِي هِجْرَة الرَّسُول وخوفه لم يصحب غير أبي بكر وَلم يبْق مَعَه يَوْم بدر فِي الْعَريش غَيره وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَن أبي الدَّرْدَاء قَالَ كنت جَالِسا عِنْد النَّبِي ﷺ إِذْ أقبل أَبُو بكر آخِذا بِطرف ثَوْبه حَتَّى أبدى عَن رُكْبَتَيْهِ فَقَالَ النَّبِي ﷺ أما صَاحبكُم فقد غامر فَسلم وَقَالَ إِنَّه كَانَ بيني وَبَين ابْن الْخطاب شَيْء فأسرعت إِلَيْهِ ثمَّ نَدِمت فَسَأَلته أَن يغْفر لي فَأبى عَليّ وَإِنِّي أَتَيْتُك فَقَالَ يغْفر الله لَك يَا أَبَا بكر ثَلَاثًا ثمَّ إِن عمر نَدم فَأتى منزل أبي بكر فَلم يجده فَأتى النَّبِي ﷺ فَجعل وَجه النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم

стр. 478

يتمعر حَتَّى أشْفق أَبُو بكر وَقَالَ أَنا كنت أظلم يَا رَسُول الله مرَّتَيْنِ فَقَالَ النَّبِي ﷺ إِن الله بَعَثَنِي إِلَيْكُم فقلتم كذبت وَقَالَ أَبُو بكر صدقت وواساني بِنَفسِهِ وَمَاله فَهَل أَنْتُم تاركو لي صَاحِبي فَهَل أَنْتُم تاركو لي صَاحِبي فَمَا أوذي بعْدهَا قَالَ البُخَارِيّ غامر سبق بِالْخَيرِ وَقَالَ غَيره غامر خَاصم وَقد سَأَلَ الرشيد مَالك بن أنس عَن منزله أبي بكر وَعمر من النَّبِي ﷺ فَقَالَ منزلتهما مِنْهُ فِي حَيَاته كمنزلتهما مِنْهُ بعد مماته وَلم يحفظ لأبي بكر قَول يُخَالف نصا فَهَذَا يدل على غَايَة البراعة وَالْعلم وَأما غَيره فَلهُ أَقْوَال مُخَالفَة للنصوص لكَونهَا لم تبلغهم وَثَبت فِي الصَّحِيحَيْنِ قَوْله ﷺ قد كَانَ فِي الْأُمَم قبلكُمْ محدثون فَإِن يكن فِي هَذِه الْأمة أحد فعمر وَفِي الصَّحِيحَيْنِ رَأَيْت كَأَنِّي أتيت بقدح فِيهِ لبن فَشَرِبت حَتَّى أَنِّي لأرى الرّيّ يخرج من أظفاري ثمَّ ناولت فضلي عمر قَالُوا مَا أولته يَا رَسُول الله قَالَ الْعلم وَفِي التِّرْمِذِيّ من حَدِيث بكر بن عَمْرو عَن مشرح بن عاهان عَن عقبَة بن عَامر قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ لَو كَانَ بعدِي نَبِي لَكَانَ عمر حسنه التِّرْمِذِيّ وَفِي الصَّحِيحَيْنِ أَن أَبَا سعيد الْخُدْرِيّ قَالَ كَانَ أَبُو بكر أعلمنَا بِالنَّبِيِّ ﷺ وَقَالَ عَليّ لَا يبلغنِي أَن أحدا فضلني على أبي بكر وَعمر إِلَّا جلدته حد المفتري وَقد روى عَن عَليّ من نَحْو ثَمَانِينَ وَجها أَنه قَالَ على منبره خير هَذِه الْأمة بعد نبيها أَبُو بكر وَعمر وَقَالَ البُخَارِيّ حَدثنَا مُحَمَّد بن كثير حَدثنَا سُفْيَان

стр. 479

حَدثنَا جَامع بن شَدَّاد حَدثنَا مُنْذر الثَّوْريّ عَن مُحَمَّد بن الْحَنَفِيَّة قَالَ قلت لأبي يَا أَبَة من خير النَّاس بعد رَسُول الله ﷺ قَالَ يَا بني أَو مَا تعرف فَقلت لَا فَقَالَ أَبُو بكر قلت ثمَّ من قَالَ ثمَّ عمر قَالَ وَقَالَ النَّبِي ﷺ أقضاكم عَليّ وَالْقَضَاء مُسْتَلْزم للْعلم وَالدّين قُلْنَا لم يَصح لَهُ إِسْنَاد تقوم بِهِ الْحجَّة وَقَوله ﷺ أعلمكُم بالحلال وَالْحرَام معَاذ أصح مِنْهُ وَالْعلم بالحلال وَالْحرَام أعظم وحديثك لم يروه أحد فِي السّنَن الْمَشْهُورَة وَلَا المساند الْمَعْرُوفَة لَا بِإِسْنَاد صَحِيح وَلَا ضَعِيف وَإِنَّمَا جَاءَ من طَرِيق من هُوَ مُتَّهم وَقَول عمر عَليّ أقضانا وَالْقَضَاء إِنَّمَا هُوَ فصل الْخُصُومَات فِي الظَّاهِر مَعَ جَوَاز أَن يكون الحكم فِي الْبَاطِن بِخِلَافِهِ كَمَا صَحَّ أَن النَّبِي ﷺ قَالَ إِنَّكُم تختصمون إِلَيّ وَلَعَلَّ بَعْضكُم أَن يكون أَلحن بحجته من بعض فأقضي لَهُ على نَحْو مَا أسمع فَمن قضيت لَهُ من حق أَخِيه شَيْئا فَلَا يَأْخُذهُ فَإِنَّمَا أقطع لَهُ قِطْعَة من النَّار فقد أخبر سيد الْقُضَاة أَن حكمه لَا يحل حَرَامًا وَلَا يحرم حَلَالا وَحَدِيث أَنا مَدِينَة الْعلم وَعلي بَابهَا أَضْعَف وأوهى وَلِهَذَا إِنَّمَا يعد فِي الموضوعات وَإِن رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَذكره ابْن الْجَوْزِيّ وَبَين أَن سَائِر طرقه مَوْضُوعَة وَالْكذب يعرف من نفس مَتنه فَإِن النَّبِي ﷺ إِذا كَانَ مَدِينَة الْعلم وَلم يكن لَهَا إِلَّا بَاب وَاحِد وَلم يبلغ الْعلم عَنهُ إِلَّا وَاحِد فسد أَمر الْإِسْلَام وَلِهَذَا اتّفق الْمُسلمُونَ على أَنه لَا يجوز أَن يكون الْمبلغ عَنهُ الْعلم وَاحِدًا بل يجب أَن يكون المبلغون أهل التَّوَاتُر الَّذين يحصل الْعلم بخبرهم للْغَائِب وَخبر الْوَاحِد لَا يُفِيد الْعلم بِالْقُرْآنِ وَالسّنَن المتواترة وَإِذا قَالُوا ذَلِك الْوَاحِد الْمَعْصُوم يحصل الْعلم بِخَبَرِهِ قيل لَهُم فَلَا بُد من الْعلم بعصمته أَولا وعصمته لَا تثبت بِمُجَرَّد خَبره قبل أَن تعرف عصمته لِأَنَّهُ دور وَلَا نثبت بِالْإِجْمَاع فَإِنَّهُ

стр. 480

لَا إِجْمَاع فِيهَا ثمَّ علم الرَّسُول ﷺ من الْكتاب وَالسّنة قد طبق الأَرْض وَمَا انْفَرد بِهِ عَليّ عَن رَسُول الله ﷺ فيسير قَلِيل وَأجل التَّابِعين بِالْمَدِينَةِ هم الَّذين تعلمُوا فِي زمن عمر وَعُثْمَان وَتَعْلِيم معَاذ للتابعين وَلأَهل الْيمن أَكثر من تَعْلِيم عَليّ ﵁ وَقدم عَليّ على الْكُوفَة وَبهَا من أَئِمَّة التَّابِعين عدد كشريح وَعبيدَة وعلقمة ومسروق وأمثالهم قَالَ أَبُو مُحَمَّد بن حزم احْتج الرافضة بِأَن عليا ﵁ كَانَ أَكْثَرهم علما قَالَ وَهَذَا كذب وَإِنَّمَا يعرف علم الصَّحَابِيّ بِكَثْرَة رِوَايَته أَو بفتاويه وَكَثْرَة اسْتِعْمَال الرَّسُول ﷺ لَهُ فَنَظَرْنَا فوجدناه قد اسْتعْمل أَبَا بكر على الصَّلَاة أَيَّام مَرضه بِمحضر من عمر وَعلي وَابْن مَسْعُود وَأبي والكبار وَهَذَا خلاف استخلافه عليا إِذْ غزا لِأَن ذَلِك كَانَ على النِّسَاء وَذَوي الْأَعْذَار فَقَط فَوَجَبَ ضَرُورَة أَن نعلم أَن أَبَا بكر أعلم بِالصَّلَاةِ وَهِي عَمُود الْإِسْلَام وَأَيْضًا فَاسْتَعْملهُ على الصَّدقَات وعَلى الْحَج فصح أَنه أعلم من جَمِيع الصَّحَابَة بذلك وَهَذِه دعائم الْإِسْلَام ثمَّ وَجَدْنَاهُ اسْتَعْملهُ على الْبعُوث فصح أَن عِنْده من أَحْكَام الْجِهَاد مثل مَا عِنْد سَائِر من اسْتَعْملهُ النَّبِي ﷺ على الْبعُوث إِذْ لَا يسْتَعْمل إِلَّا عَالما بِالْعَمَلِ فَعِنْدَ أبي بكر من علم الْجِهَاد كَالَّذي عِنْد عَليّ وَسَائِر أُمَرَاء الْبعُوث لَا أقل وَإِذا صَحَّ التَّقَدُّم لأبي بكر على عَليّ وَغَيره فِي الْعلم وَالصَّلَاة وَالزَّكَاة وَالْحج وساواه فِي الْجِهَاد فَهَذِهِ عُمْدَة للْعلم وَكَانَ شَدِيد الْمُلَازمَة للرسول ﷺ فشاهد فَتَاوِيهِ وَأَحْكَامه أَكثر من مُشَاهدَة على لَهَا فصح ضَرُورَة أَنه أعلم بهَا فَهَل

стр. 481

بقيت من الْعلم بَقِيَّة إِلَّا وَأَبُو بكر الْمُقدم فِيهَا والمشارك وَأما الرِّوَايَة وَالْفَتْوَى فَتوفي أَبُو بكر بعد الرَّسُول ﷺ بِسنتَيْنِ وَنصف وَلم يحْتَج إِلَى مَا عِنْده لِأَن رَعيته صحبوا الرَّسُول ﷺ مثله وَقد روى عَنهُ مائَة وَأَرْبَعُونَ حَدِيثا وَجُمْلَة فَتَاوَى وَعلي روى لَهُ خَمْسمِائَة وَسِتَّة وَثَمَانُونَ حَدِيثا لكَونه عَاشَ بعد النَّبِي ﷺ ثَلَاثِينَ سنة وَكثر لِقَاء النَّاس لَهُ واحتاجوا إِلَى علمه لذهاب جُمْهُور الصَّحَابَة وسألوه بِالْمَدِينَةِ وَالْبَصْرَة والكوفة وبصفين فَإِذا نسبنا مُدَّة أبي بكر من حَيَاته وأضفنا تقري عَليّ الْبِلَاد بَلَدا بَلَدا وَكَثْرَة سَماع النَّاس مِنْهُ إِلَى لُزُوم أبي بكر موطنه وَأَنه لم تكْثر حَاجَة من حواليه إِلَى الرِّوَايَة عَنهُ ثمَّ نسبنا عدد حَدِيثه من عدد حَدِيثه وفتاويه من فَتَاوِيهِ علم كل ذِي حَظّ من علم أَن الَّذِي عِنْد أبي بكر من الْعلم أَضْعَاف مَا كَانَ عِنْد عَليّ مِنْهُ وبرهان ذَلِك أَن من عمر من الصَّحَابَة عمرا قَلِيلا قل النَّقْل عَنهُ وَمن طَال عمره مِنْهُم كثر النَّقْل عَنهُ وَعمر مَا برح بِالْمَدِينَةِ بل جَاءَ إِلَى الشَّام وَقد روى لَهُ عَن النَّبِي ﷺ خَمْسمِائَة وَسَبْعَة وَثَلَاثُونَ حَدِيثا وَذَلِكَ نَحْو مِمَّا روى عَليّ ﵁ وَلكنه مَاتَ قبل عَليّ بِسبع عشرَة سنة وَخلق من عُلَمَاء الصَّحَابَة أَحيَاء بعد فَكل مَا زَاد حَدِيث عَليّ على حَدِيث عمر تِسْعَة وَأَرْبَعُونَ حَدِيثا فِي هَذِه الْمدَّة وَلم يزدْ عَلَيْهِ فِي الصَّحِيح إِلَّا حَدِيث أَو حديثان وفتاوى عمر موازية لفتاوى عَليّ فِي أَبْوَاب الْفِقْه فَإِذا نسبنا مُدَّة من مُدَّة وضربنا فِي الْبِلَاد من ضرب فِيهَا وأضفنا حَدِيثا إِلَى حَدِيث وفتاوى إِلَى فَتَاوَى علم كل ذِي حس علما ضرويا أَن الَّذِي كَانَ عِنْد عمر من الْعلم أَضْعَاف مَا كَانَ عِنْد عَليّ ثمَّ نَظرنَا عَائِشَة ﵂ لتأخرها رَوَت أَكثر من ألفي حَدِيث وَكَذَلِكَ ابْن عمر وَأنس وَوجدنَا أَبَا هُرَيْرَة روى نَحْو خَمْسَة آلَاف مُسْند وثلاثمائة مُسْند ولإبن مَسْعُود ثَمَانمِائَة ونيف وَله ولعائشة ولإبن عمر من الْفَتَاوَى أَكثر مِمَّا لعَلي لتأخر حياتهم وَكَذَا لإبن عَبَّاس أَزِيد من ألف وَخَمْسمِائة حَدِيث وَلَا يُحْصى مَاله من الْفَتَاوَى وَالتَّفْسِير وَغير ذَلِك فَبَطل قَول

стр. 482

الرافضة نعم قد اسْتعْمل الرَّسُول ﷺ عليا أَيْضا وَلَا يسْتَعْمل إِلَّا عَالما وَاسْتعْمل معَاذًا وَأَبا مُوسَى على الْيمن قَالَ وَكَانَ فِي غَايَة الذكاء شَدِيد الْحِرْص على التَّعَلُّم ملازما للرسول ﷺ من الصغر إِلَى أَن مَاتَ فَيُقَال من أَيْن علم أَنه أذكى من أبي بكر وَعمر وأرغب فِي الْعلم مِنْهُمَا وَأَن استفادته من النَّبِي ﷺ أَكثر مِنْهُمَا وَفِي الصَّحِيحَيْنِ فِي علمهما أَحَادِيث وَمن ذَلِك قَوْله ﷺ عَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ رَأَيْت النَّاس يعرضون عَليّ وَعَلَيْهِم قمص مِنْهَا مَا يبلغ الثدي وَمِنْهَا مَا دون ذَلِك وَعرض عَليّ عمر وَعَلِيهِ قَمِيص يجره قَالُوا فَمَا أولته يَا رَسُول الله قَالَ الدّين وَقَالَ ابْن مَسْعُود لما مَاتَ عمر إِنِّي لأحسب أَن هَذَا بِتِسْعَة أعشار الْعلم وشارك النَّاس فِي الْعشْر الْبَاقِي قَالَ وَقَالَ ﷺ الْعلم فِي الصغر كالنقش فِي الْحجر فَتكون عُلُوم عَليّ أَكثر من غَيره لحُصُول الْقَابِل الْكُلِّي وَالْفَاعِل التَّام فَيُقَال هَذَا من فضول الحَدِيث فَإِن هَذَا مثل سَائِر مَا قَالَه لَيْسَ من كَلَام الرَّسُول ﷺ وَالصَّحَابَة قد تعلمُوا الْقُرْآن وَالسّنَن مَعَ الْكبر فيسر الله ذَلِك عَلَيْهِم وَكَذَلِكَ على فَمَا كمل الْوَحْي حَتَّى صَار لعَلي نَحْو من ثَلَاثِينَ سنة وَإِنَّمَا حفظ أَكثر ذَلِك فِي كبره وَقد اخْتلف فِي حفظه لجَمِيع الْقُرْآن وَهَذَا أَبُو هُرَيْرَة قد حفظ فِي أَكثر من ثَلَاث سِنِين مَا لم يحفظه غَيره قَالَ وَأما النَّحْو فَهُوَ وَاضعه قَالَ لأبي الْأسود الْكَلَام كُله ثَلَاثَة أَشْيَاء اسْم وَفعل وحرف وَعلمه وُجُوه الْإِعْرَاب قُلْنَا لَيْسَ هَذَا من عُلُوم النُّبُوَّة وَإِنَّمَا هُوَ

стр. 483

علم مستنبط وَلم يكن فِي زمن الْخُلَفَاء الثَّلَاثَة لحن فَلم يحْتَج إِلَيْهِ فَلَمَّا سكن عَليّ الْكُوفَة وَبهَا الأنباط رُوِيَ أَنه قَالَ لأبي الْأسود الدؤَلِي ذَلِك وَقَالَ لَهُ انح هَذَا النَّحْو كَمَا أَن غَيره استخرج لِلْخَطِّ الشكل والنقط وعلامة الْمَدّ والشد وَنَحْوه للْحَاجة وكما استخرج الْخَلِيل الْعرُوض قَالَ وَالْفُقَهَاء كلهم يرجعُونَ إِلَيْهِ قُلْنَا هَذَا كذب فَلَيْسَ فِي الْأَئِمَّة الْأَرْبَعَة وَلَا غَيرهم من يرجع إِلَى فقهه أما مَالك فَعلمه عَن أهل الْمَدِينَة وَأهل الْمَدِينَة لَا يكادون يَأْخُذُونَ بقول عَليّ بل مادتهم من عمر وَزيد وَابْن عمر وَغَيرهم وَأما الشَّافِعِي فَإِنَّهُ تفقه أَولا على المكيين أَصْحَاب ابْن جريج وَابْن جريج أَخذ عَن أَصْحَاب ابْن عَبَّاس ثمَّ قدم الشَّافِعِي الْمَدِينَة وَأخذ عَن مَالك ثمَّ كتب كتب أهل الْعرَاق وَاخْتَارَ لنَفسِهِ وَأما أَبُو حنيفَة فشيخه الَّذِي اخْتصَّ بِهِ حَمَّاد بن أبي سُلَيْمَان صَاحب إِبْرَاهِيم النَّخعِيّ وَإِبْرَاهِيم صَاحب عَلْقَمَة وعلقمة صَاحب ابْن مَسْعُود وَأخذ أَبُو حنيفَة عَن عَطاء بِمَكَّة وَعَن غَيره وَأما أَحْمد بن حَنْبَل فَكَانَ على مَذْهَب أَئِمَّة الحَدِيث أَخذ عَن هشيم وَابْن عُيَيْنَة ووكيع وَالشَّافِعِيّ وَغَيرهم وَاخْتَارَ لنَفسِهِ وَكَذَا فعل ابْن رَاهَوَيْه وَأَبُو عبيد وقولك إِن الْمَالِكِيَّة أخذُوا علمهمْ من عَليّ وَأَوْلَاده فكذب هَذَا الْمُوَطَّأ لَيْسَ فِيهِ عَن عَليّ وَأَوْلَاده إِلَّا الْيَسِير وَكَذَلِكَ الْكتب وَالسّنَن وَالْمَسَانِيد جُمْهُور مَا فِيهَا

стр. 484

عَن غير أهل الْبَيْت وقولك إِن أَبَا حنيفَة قَرَأَ على الصَّادِق كذب فَإِنَّهُ من أقرانه مَاتَ جَعْفَر قبله بِسنتَيْنِ وَلَكِن ولد أَبُو حنيفَة مَعَ جَعْفَر بن مُحَمَّد فِي عَام وَلَا نَعْرِف أَنه أَخذ عَن جَعْفَر وَلَا عَن أَبِيه مَسْأَلَة وَاحِدَة بل أَخذ عَمَّن كَانَ أسن مِنْهُمَا كعطاء بن أبي رَبَاح وَشَيْخه الْأَصْلِيّ حَمَّاد بن أبي سُلَيْمَان وجعفر بن مُحَمَّد كَانَ بِالْمَدِينَةِ وقولك إِن الشَّافِعِي أَخذ عَن مُحَمَّد بن الْحسن فَمَا جَاءَهُ الشَّافِعِي إِلَّا وَقد صَار إِمَامًا فجالسه وَعرف طَرِيقَته وناظره وَألف فِي الرَّد عَلَيْهِ وَفِي الْجُمْلَة فَهَؤُلَاءِ لم يَأْخُذُوا عَن جَعْفَر مسَائِل وَلَا أصولا وَلَكِن رووا عَنهُ أَحَادِيث يسيرَة رووا عَن غَيره أضعافها وَلم يكذب على أحد مَا كذب على جَعْفَر بن مُحَمَّد الصَّادِق مَعَ بَرَاءَته مِمَّا كذب عَلَيْهِ

стр. 485

فنسب إِلَيْهِ علم البطاقة والهفت والجدول واختلاج الْأَعْضَاء والجفر وَمَنَافع الْقُرْآن والرعود والبروق وَأَحْكَام النُّجُوم والقرعة والإستقسام بالأزلام والملاحم قَالَ وَعَن مَالك أَنه قَرَأَ على ربيعَة وَرَبِيعَة على عِكْرِمَة وَعِكْرِمَة على ابْن عَبَّاس وَابْن عَبَّاس تلميذ عَليّ قُلْنَا هَذِه كذبة مَا أَخذ ربيعَة عَن عِكْرِمَة شَيْئا بل عَن سعيد بن الْمسيب وَسَعِيد كَانَ يرجع فِي علمه إِلَى عمر وَزيد وَأبي هُرَيْرَة وقولك عَليّ تِلْمِيذه ابْن عَبَّاس بَاطِل فَإِن رِوَايَته عَن عَليّ يسيرَة وغالب أَخذه عَن عمر وَزيد وَكَانَ يُفْتِي فِي أَشْيَاء بقول أبي بكر وَعمر وينازع عليا فِي مسَائِل قَالَ وَأما علم الْكَلَام فَهُوَ أَصله وَمن خطبه تعلم النَّاس وَكَانَ النَّاس تلاميذه قُلْنَا هَذَا كذب وَلَا فَخر فِيهِ فَإِن الْكَلَام الْمُخَالف للْكتاب وَالسّنة قد نزه الله عليا عَنهُ فَمَا كَانَ فِي الصَّحَابَة وَلَا التَّابِعين أحد يسْتَدلّ على حُدُوث الْعَالم بحدوث الْأَجْسَام وَيثبت حُدُوث الْأَجْسَام بِدَلِيل الْأَعْرَاض وَالْحَرَكَة والسكون وَأَن الْأَجْسَام مستلزمة لذَلِك بل أول مَا ظهر هَذَا الْكَلَام من جِهَة جعد بن دِرْهَم والجهم بن صَفْوَان بعد الْمِائَة الأولى ثمَّ صَار إِلَى عَمْرو بن عبيد وواصل بن عَطاء وهما لما تكلما فِي إِنْفَاذ الْوَعيد وَفِي الْقدر صَار ذَلِك وَهَذَا إِلَى أبي الْهُذيْل العلاف والنظام وَبشر المريسي وَهَؤُلَاء المبتدعة وَلَيْسَ فِي الْخطب الثَّابِتَة عَن عَليّ شَيْء من أصُول الْمُعْتَزلَة الْخَمْسَة وقدماء الْمُعْتَزلَة لم يَكُونُوا يعظمون عليا بل كَانَ فيهم من يَشكونَ فِي عَدَالَته ويقفون وَيَقُولُونَ فِي أهل الْجمل فسق إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ لَا بِعَينهَا والشيعة القدماء يثبتون الصِّفَات ويقرون بِالْقدرِ حَتَّى

стр. 486

صرح مِنْهُم هِشَام بن الحكم بالتجسيم وَثَبت عَن جَعْفَر الصَّادِق أَنه سُئِلَ عَن الْقُرْآن فَقَالَ لَيْسَ بخالق وَلَا مَخْلُوق وَلكنه كَلَام الله وَلَا ريب أَنا أَبَا الْحسن الْأَشْعَرِيّ كَانَ تلميذا لأبي عَليّ الجبائي لكنه فَارقه وَرجع عَنهُ وَأخذ الحَدِيث وَالسّنة عَن زَكَرِيَّا ابْن يحيى السَّاجِي وَذكر فِي المقالات أَنه مُعْتَقد مَذْهَب السّلف لَا كَمَا فعلت أَنْت وَأَصْحَابك إِذْ جمعتم أخس الْمذَاهب مَذْهَب الْجَهْمِية فِي الصِّفَات وَمذهب الْقَدَرِيَّة فِي أَفعَال الْعباد وَمذهب الرافضة فِي الْإِمَامَة والتفضيل فَتبين أَن مَا نقل عَن عَليّ من الْكَلَام فَهُوَ كذب عَلَيْهِ وَلَا مدح فِيهِ وأبلغ مِمَّا افتريت على عَليّ أَن هَؤُلَاءِ القرامطة والإسماعيلية ينسبون قَوْلهم إِلَى عَليّ وَأَنه أعطي علما بَاطِنا مُخَالفا للظَّاهِر وَقد ثَبت عَنهُ أَنه قَالَ وَالَّذِي فلق الْحبَّة وبرأ النَّسمَة مَا عهد إِلَيّ النَّبِي ﷺ شَيْئا لم يعهده إِلَى النَّاس إِلَّا مَا فِي هَذِه الصَّحِيفَة إِلَّا فهما يؤتيه الله عبدا فِي كِتَابه وَلَا يُوصف مَا قد كذب على أهل الْبَيْت حَتَّى أَن اللُّصُوص العشرية يَزْعمُونَ أَن مَعَهم كتابا من عَليّ بِالْإِذْنِ لَهُم فِي السّرقَة كَمَا زعمت الْيَهُود الخيابرة أَن مَعَهم كتابا من عَليّ بِإِسْقَاط الْجِزْيَة أفبعد هَذَا ضلال وَمِمَّا يَقُوله الباطنية المنتمون إِلَى عَليّ يجْعَلُونَ مُنْتَهى الْإِسْلَام وغايته هُوَ الْإِقْرَار بربوبية الأفلاك وَأَنَّهَا مُدبرَة للْعَالم وَأَنه لَيْسَ وَرَاءَهَا صانع لَهَا ويجعلون هَذَا بَاطِن دين الْإِسْلَام الَّذِي بعث بِهِ مُحَمَّد وَأَنه أَلْقَاهُ على عَليّ وألقاه عَليّ إِلَى الْخَواص حَتَّى اتَّصل مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل بن جَعْفَر وَهُوَ عِنْدهم الْقَائِم

стр. 487

وَبَنُو عبيدهم مُلُوكهمْ الَّذين استولوا على الْمغرب ثمَّ على مصر أَكثر من مِائَتي سنة وصنف فيهم القَاضِي أَبُو بكر بن الطّيب وَالْقَاضِي عبد الْجَبَّار بن أَحْمد وَالْقَاضِي أَبُو يعلى وَالْغَزالِيّ وَابْن عقيل وَأَبُو عبد الله الشهرستاني وكشفوا أستارهم وَأَصْحَاب الألموت مِنْهُم وَسنَان من دعاتهم وشعارهم الظَّاهِر الرَّفْض وباطن أَمرهم الزندقة والإنحلال وَكَانَ من أعظم مَا بِهِ دخل هَؤُلَاءِ على المفسدين وأفسدوا الدّين هُوَ طَرِيق الشِّيعَة لفرط جهلهم وأهوائهم وبعدهم من دين الْإِسْلَام وَلِهَذَا وصوا دعاتهم أَن يدخلُوا

стр. 488

على الْمُسلمين من بَاب التَّشَيُّع وصاروا يستعينون بِمَا عِنْد الشِّيعَة من الأكاذيب والأهواء وَيزِيدُونَ هم على ذَلِك مَا ناسبهم من الإفتراء حَتَّى فعلوا فِي أهل الْإِيمَان مَا لم يَفْعَله عَبدة الْأَوْثَان والصلبان قَالَ وَعلم التَّفْسِير إِلَيْهِ يعزى لِأَن ابْن عَبَّاس كَانَ تِلْمِيذه فِيهِ قَالَ ابْن عَبَّاس حَدثنِي أَمِير الْمُؤمنِينَ فِي تَفْسِير الْبَاء من اسْم الله من أول اللَّيْل إِلَى آخِره قُلْنَا هَذَا كذب صراح وَهَذَا يرويهِ من يُؤمن بالمجهولات من جهلة الصُّوفِيَّة كَمَا يروون أَن عمر بن الْخطاب ﵁ قَالَ كَانَ النَّبِي ﷺ وَأَبُو بكر يتحدثان وَكنت كالزنجي بَينهمَا وينقلون عَن عمر أَنه تزوج بِامْرَأَة أبي بكر ليسألها عَن عمله فِي السِّرّ فَقَالَت كنت أَشمّ مِنْهُ رَائِحَة الكبد المشوية وَهَذَا من أبين الْكَذِب وَإِنَّمَا تزوج بِامْرَأَة أبي بكر أَسمَاء بنت عُمَيْس بعده عَليّ وَقد أَخذ ابْن عَبَّاس عَن عدد كَبِير من الصَّحَابَة وَأخذ التَّفْسِير عَن ابْن مَسْعُود وَعَن طَائِفَة من الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ وَمَا يعرف بأيدي الْأمة تَفْسِير ثَابت عَن عَليّ وَمَا ورد عَنهُ من التَّفْسِير فقليل وَأما مَا ينْقل أَبُو عبد الرَّحْمَن السّلمِيّ الصُّوفِي فِي حقائق التَّفْسِير عَن جَعْفَر الصَّادِق فكذب عَلَيْهِ قَالَ وَعلم الطَّرِيقَة إِلَيْهِ مَنْسُوب فَإِن الصُّوفِيَّة إِلَيْهِ يسندون الْخِرْقَة قُلْنَا الْخرق مُتعَدِّدَة أشهرها خرقتان خرقَة إِلَى عمر وخرقة إِلَى عَليّ فخرقة عمر لَهَا إِسْنَاد إِلَى أويس الْقَرنِي وَإِلَى أبي مُسلم الْخَولَانِيّ وَأما المنسوبة إِلَى عَليّ فإسنادها إِلَى الْحسن الْبَصْرِيّ والمتأخرون يصلونها إِلَى مَعْرُوف الْكَرْخِي وَمن بعده مُنْقَطع فَإِنَّهُم تَارَة يَقُولُونَ إِنَّه صحب عَليّ بن مُوسَى الرِّضَا وَهَذَا بَاطِل قطعا ومعروف كَانَ مُنْقَطِعًا بِبَغْدَاد وَعلي بن مُوسَى كَانَ فِي صُحْبَة الْمَأْمُون بخراسان ومعروف أسن من عَليّ وَلَا نقل ثِقَة أَنه اجْتمع بِهِ أَو أَخذ عَنهُ شَيْئا بل وَلَا يعرف أَنه رَآهُ وَلَا كَانَ وَالله مَعْرُوف بوابه وَلَا أسلم على يَدَيْهِ وَأما إسنادها الآخر فَيَقُولُونَ إِن مَعْرُوفا صحب دَاوُد الطَّائِي

стр. 489

وَهَذَا أَيْضا لَا أصل لَهُ وَلَا عرف أَنه رَآهُ وَفِي إِسْنَاد الْخِرْقَة أَيْضا أَن دَاوُد الطَّائِي صحب حبيبا العجمي وَهَذَا أَيْضا لم يعرف لَهُ حَقِيقَة وفيهَا أَن حبيبا العجمي صحب الْحسن الْبَصْرِيّ وَهَذَا صَحِيح فَإِن الْحسن كَانَ لَهُ أَصْحَاب كَثِيرُونَ مثل أَيُّوب السّخْتِيَانِيّ وَيُونُس بن عبيد وَعبد الله بن عَوْف وَمثل مُحَمَّد بن وَاسع وَمَالك بن دِينَار وحبِيب العجمي وفرقد السبخي وَغَيرهم من عباد الْبَصْرَة وفيهَا أَن الْحسن صحب عليا وَهَذَا بَاطِل مَا جالسه قطّ وَمَا روى أَن عليا دخل الْبَصْرَة فَأخْرج الْقصاص من جَامعهَا إِلَّا الْحسن كذب بَين بل مَا طلب الْحسن الْعلم إِلَّا بعد وَفَاة عَليّ مَعَ أَنه رَأْي عُثْمَان يخْطب وَقد أفرد ابْن الْجَوْزِيّ تأليفا فِي مناقبه وأوهى من هَذَا نِسْبَة لِبَاس الفتوة إِلَى عَليّ بِإِسْنَاد مظلم يعلم بُطْلَانه وَلَهُم إِسْنَاد آخر بالخرقة إِلَى جَابر مُنْقَطع سَاقِط وَقد علمنَا قطعا أَن الصَّحَابَة لم يَكُونُوا يلبسُونَ مريدهم خرقَة وَلَا يقصون شعروهم وَلَا فعله التابعون بل جالسوا الصَّحَابَة وتأدبوا بآدابهم كل طَائِفَة أخذُوا عَمَّن فِي بلدهم من الصَّحَابَة فَأخذ أهل الْمَدِينَة عَن عمر وَأبي وَزيد وَأبي هُرَيْرَة وَلما ذهب عَليّ إِلَى الْكُوفَة كَانَ أَهلهَا قد تخْرجُوا فِي دينهم بإبن مَسْعُود وَسعد وعمار وَحُذَيْفَة وَأخذ أهل الْبَصْرَة عَن عمرَان ابْن حُصَيْن وَأبي مُوسَى وَأبي بكرَة وَابْن مُغفل وَخلق وَأخذ أهل الشَّام دينهم عَن معَاذ وَأبي عُبَيْدَة وَأبي الدَّرْدَاء وَعبادَة بن الصَّامِت وبلال فَكيف تَقول إِن طَرِيق أهل الزّهْد والتصوف مُتَّصِل بِهِ دون غَيره وَكتب الزّهْد كَثِيرَة جدا مثل الزّهْد للْإِمَام أَحْمد والزهد لإبن الْمُبَارك ولوكيع بن الْجراح ولهناد بن السّري وَمثل كتب أَخْبَار الزهاد كحلية الْأَوْلِيَاء وَصفَة الصفوة فِيهَا خبر كثير عَن الْمُهَاجِرين وَالْأَنْصَار وتابعيهم بِإِحْسَان وَلَيْسَ الَّذِي فِيهَا لعَلي أَكثر مِمَّا فِيهَا لأبي بكر وَعمر ومعاذ وَابْن مَسْعُود وَأبي بن كَعْب وَأبي ذَر وَأبي أُمَامَة وأمثالهم من الصَّحَابَة ﵃ أَجْمَعِينَ

стр. 490

قَالَ وَأما علم الفصاحة فَهُوَ منبعه حَتَّى قيل كَلَامه فَوق كَلَام الْمَخْلُوق وَدون كَلَام الْخَالِق قُلْنَا لَا ريب أَنه كَانَ من أَخطب الصَّحَابَة وَكَانَ أَبُو بكر خَطِيبًا وَكَانَ عمر خَطِيبًا وَكَانَ ثَابت بن قيس خَطِيبًا بليغا وَلَكِن كَانَ أَبُو بكر يخْطب عَن النَّبِي ﷺ فِي حُضُوره وغيبته وَنَبِي الله سَاكِت يقره على مَا يَقُول وَقد خطب أَبُو بكر يَوْم السَّقِيفَة فأبلغ حَتَّى قَالَ عمر كنت قد هيأت مقَالَة أعجبتني فَلَمَّا أردْت أَن أَتكَلّم قَالَ أَبُو بكر على رسلك فَكرِهت أَن أغضبهُ وَكنت أداري مِنْهُ بعض الحدة فَتكلم فَكَانَ هُوَ أحلم مني وأوقر وَالله مَا ترك من كلمة أعجبتني فِي تزويري إِلَّا قَالَ فِي بديهته مثلهَا أَو أفضل مِنْهَا وَقَالَ أنس بن مَالك خَطَبنَا أَبُو بكر وَنحن كالثعالب فَمَا زَالَ يثبتنا حَتَّى صرنا كالأسد وَكَانَ ثَابت بن قيس يُسمى خطيب رَسُول الله ﷺ كَمَا أَن حسان بن ثَابت شَاعِر رَسُول الله ﷺ وَكَانَ زِيَاد بن أَبِيه من أَخطب الْعَرَب وأبلغهم حَتَّى قَالَ الشّعبِيّ مَا تكلم أحد فَأحْسن إِلَّا تمنيت أَن يسكت خشيَة أَن يسيء إِلَّا زيادا كَانَ كلما أَطَالَ أَجَاد أَو كَمَا قَالَ الشّعبِيّ وَكَانَت عَائِشَة من أَخطب النَّاس وأفصحهم حَتَّى كَانَ الْأَحْنَف بن قيس يتعجب من بلاغتها وَقَالَ مَا سَمِعت الْكَلَام من مَخْلُوق أفحم وَلَا أفْصح مِنْهُ من عَائِشَة وَكَانَ ابْن عَبَّاس من أَخطب النَّاس والبلغاء فِي الْعَرَب جمَاعَة قبل الْإِسْلَام وَبعده وَعَامة هَؤُلَاءِ لم يَأْخُذُوا من عَليّ شَيْئا وَإِنَّمَا الفصاحة موهبة من الله وَلَا كَانَ عَليّ وَلَا هَؤُلَاءِ يتكلفون الأسجاع وَلَا التَّجْنِيس الَّذِي يُسمى علم البديع بل يخطبون بطباعهم وَلَا يقصدون سجعا وَإِنَّمَا حدث هَذَا فِي

стр. 491

الْمُتَأَخِّرين وتكلفوا لَهُ وتتبعوه فقولك إِنَّه منبع الفصاحة مُجَرّد دَعْوَى بل أنصح النَّاس رَسُول الله ﷺ وَلَيْسَت الفصاحة التشدق فِي الْكَلَام والتقعير وَلَا البلاغة التَّجْنِيس والسجع بل البلاغة بُلُوغ الْمَطْلُوب بأتم عبارَة فَيجمع صَاحبهَا بَين تَكْمِيل الْمعَانِي الْمَقْصُودَة وَبَين تبيينها بِأَحْسَن وَجه ثمَّ غَالب الْخطب الَّتِي يَأْتِي بهَا صَاحب نهج البلاغة كذب على عَليّ وَعلي أَعلَى قدرا من أَن يتَكَلَّم بذلك الْكَلَام وَلَكِن هَؤُلَاءِ وضعُوا أكاذيب وظنوا أَنَّهَا مدح فَلَا هِيَ صدق وَلَا هِيَ لَهُ مدح وقولك إِن كَلَامه فَوق كَلَام الْمَخْلُوق كَلَام مَلْعُون فِيهِ إساءة أدب على الرَّسُول وَهَذَا مثل مَا قَالَ ابْن سبعين هَذَا كَلَام يشبه بِوَجْه مَا كَلَام الْبشر وَهَذَا ينْزع إِلَى أَن يَجْعَل كَلَام الله مَا فِي نفوس الْبشر وَلَيْسَ هَذَا من كَلَام الْمُسلمين وَأَيْضًا فالمعاني الصَّحِيحَة الَّتِي تُوجد فِي كَلَام عَليّ مَوْجُودَة فِي كَلَام غَيره لَكِن صَاحب نهج البلاغة وَأَمْثَاله أخذُوا كثيرا من كَلَام النَّاس فجعلوه من كَلَام عَليّ وَمِنْه مَا يحْكى عَن عَليّ أَنه تكلم بِهِ وَمِنْه مَا هُوَ كَلَام حق يَلِيق بِهِ أَن يتَكَلَّم بِهِ وَلَكِن هُوَ فِي نفس الْأَمر من كَلَام غَيره وَفِي كتاب الْبَيَان والتبيين للجاحظ كَلَام كثير مَنْقُول عَن غير عَليّ وَصَحب نهج البلاغة يَأْخُذهُ ويلصقه بعلي وَهَذِه الْخطب المنقولة فِي كتاب نهج البلاغة لَو كَانَت كلهَا عَن عَليّ من كَلَامه لكَانَتْ مَوْجُودَة قبل هَذَا المُصَنّف منقولة عَن عَليّ بِالْأَسَانِيدِ وبغيرها فَإِذا عرف من لَهُ خبْرَة بالمنقولات أَن كثيرا مِنْهَا بل أَكْثَرهَا لَا يعرف قبل هَذَا علم أَن هَذَا كذب وَإِلَّا فليبين النَّاقِل لَهَا فِي أَي كتاب ذكر ذَلِك وَمن

стр. 492

الَّذِي نَقله عَن عَليّ وَمَا إِسْنَاده وَإِلَّا فالدعوى الْمُجَرَّدَة لَا يعجز عَنْهَا أجد وَمن كَانَت لَهُ خبْرَة بِمَعْرِِفَة طَريقَة أهل الحَدِيث وَمَعْرِفَة الْآثَار وَالْمَنْقُول بِالْأَسَانِيدِ وَتبين صدقهَا من كذبهَا علم أَن هَؤُلَاءِ الَّذين ينقلون مثل هَذَا عَن عَليّ من أبعد النَّاس عَن المنقولات والتمييز بَين صدقهَا وكذبها قَالَ وَقَالَ سلوني قبل أَن تفقدوني سلوني عَن طرق السَّمَاء فَإِنِّي أعلم بهَا من طرق الأَرْض فَنَقُول لَا ريب أَن عليا لم يكن يَقُول هَذَا بِالْمَدِينَةِ بَين سادة الصَّحَابَة الَّذين يعلمُونَ كَمَا يعلم وَإِنَّمَا قَالَ هَذَا لما صَار إِلَى الْعرَاق بَين قوم لَا يعْرفُونَ كثيرا من الدّين وَهُوَ الإِمَام الَّذِي يجب عَلَيْهِ أَن يعلمهُمْ ويفقههم وَقَوله أَنا أعلم بطرق السَّمَاء إِن كَانَ قَالَه فَمَعْنَاه أعلم بِمَا يَتَقَرَّبُون بِهِ من الْأَمر وَالنَّهْي وَالْعِبَادَة وَالْجنَّة وَالْمَلَائِكَة مَا لَا أعلمهُ فِي الأَرْض لَيْسَ مُرَاده أَنه صعد بِبدنِهِ إِلَى السَّمَاء هَذَا لَا يَقُوله مُسلم وَهَذَا كَأَنَّهُ مَوْضُوع وَلَا يعرف لَهُ إِسْنَاد وَقد تضل بِهِ الغلاة الَّذين يَعْتَقِدُونَ نبوته فيحتجون بِهَذَا بل وَكثير من الْعَوام والنساك يَعْتَقِدُونَ فِي بعض الشُّيُوخ نَحْو هَذَا قَالَ وَإِلَيْهِ رَجَعَ الصَّحَابَة فِي مشكلاتهم ورد عمر فِي قضايا كَثِيرَة قَالَ فِيهَا لَوْلَا عَليّ لهلك عمر فَيُقَال مَا رَجَعَ الصَّحَابَة إِلَيْهِ فِي شَيْء من دينهم بل كَانَت النَّازِلَة تنزل فيشاور عمر عليا وَعُثْمَان وَابْن عَوْف وَابْن مَسْعُود وَزيد بن ثَابت وَأَبا مُوسَى وَجَمَاعَة حَتَّى كَانَ يدْخل ابْن عَبَّاس مَعَهم مَعَ صغر سنه وَهَذَا مِمَّا أَمر الله بِهِ الْمُؤمنِينَ ومدحهم عَلَيْهِ بقوله (وَأمرهمْ شُورَى بَينهم) وَلِهَذَا كَانَ رَأْي عمر وَحكمه وسياسته من أَسد الْأُمُور وَقد أجَاب ابْن عَبَّاس عَن مشكلات أَكثر مِمَّا أجَاب عَليّ بِكَثِير لطول مدَّته وَاحْتَاجَ النَّاس إِلَى علمه وَكَانَ عمر يشاورهم مَعَ أَنه أعلم مِنْهُم وَكَثِيرًا مَا كَانُوا يرجعُونَ إِلَى قَوْله كالعمريتين والعول وَغَيرهمَا فَإِن عمر وَهُوَ أول من أجَاب فِي زوج وأبوين اَوْ امْرَأَة وأبوين بِأَن للْأُم ثلث الْبَاقِي وَاتبعهُ أكَابِر الصَّحَابَة

стр. 493

وأكابر الْفُقَهَاء كعثمان وَابْن مَسْعُود وَعلي وَزيد وَالْأَئِمَّة الْأَرْبَعَة وخفي قَوْله على ابْن عَبَّاس فَأعْطى الْأُم الثُّلُث وَوَافَقَهُ طَائِفَة وَقَول عمر أصوب وقولك رد عمر فِي قضايا كَثِيرَة قَالَ فِيهَا لَوْلَا على لهلك عمر فَهَذَا لَا يعرف أَن عمر قَالَه إِلَّا فِي مَسْأَلَة وَاحِدَة إِن صَحَّ ذَلِك وَقد كَانَ عمر يَقُول نَحْو هَذَا كثيرا لمن هُوَ دون عَليّ قَالَ للْمَرْأَة الَّتِي عارضته فِي الصَدَاق رجل أَخطَأ وأصابت امْرَأَة وَأما قَوْلك معرفَة القضايا بالإلهام بِمَعْنى أَنه من ألهم أَنه صَادِق حكم بذلك بِمُجَرَّد الإلهام فَلَا يحل الحكم بِهَذَا فِي دين الْإِسْلَام وَلَو كَانَ الإلهام طَرِيقا كَانَ الرَّسُول أَحَق من قضى بِهِ وَكَانَ الله يُوحى إِلَيْهِ من هُوَ صَاحب الْحق فَلَا يحْتَاج إِلَى بَيِّنَة فَإِن قلت مَعْنَاهُ أَنه يلهم الحكم الشَّرْعِيّ فَهَذَا أَيْضا لَا بُد فِيهِ من دَلِيل شَرْعِي وَقد ثَبت أَن النَّبِي ﷺ قَالَ قد كَانَ قبلكُمْ فِي الْأُمَم محدثون فَإِن يكن فِي أمتِي أحد فعمر وَمَعَ هَذَا فَلم يكن يجوز لعمر أَن يحكم بالإلهام وَلَا يعْمل بِمُجَرَّد مَا يلقِي فِي قلبه حَتَّى يعرض ذَلِك على الْكتاب وَالسّنة فَإِن وَافقه قبله وَإِن خَالفه رده وَأما مَا ذكره من الْحُكُومَة فِي الْبَقَرَة الَّتِي قتلت حمارا فَلم يذكر لَهُ إِسْنَادًا وَلَا نعلم صِحَّته بل الْأَدِلَّة الْمَعْلُومَة تدل على إنتفائه قَالَ النَّبِي ﷺ جرح العجماء جَبَّار فالحيوان من بقرة أَو شَاة أَو حمَار إِذا كَانَ يرْعَى فِي المراعي الْمُعْتَادَة فأفلتت نَهَارا من غير تَفْرِيط حَتَّى دخلت على زرع فأفسدته لم يكن على صَاحبهَا ضَمَان بِالْإِجْمَاع فَإِنَّهَا عجماء ومالكها لم يفرط وَإِن خرجت لَيْلًا ضمن عِنْد مَالك وَالشَّافِعِيّ وَأحمد وَذهب أَبُو حنيفَة وَابْن حزم إِلَى أَنه لَا يضمن قَالَ وَكَانَ أَشْجَع النَّاس وبسيفه ثبتَتْ قَوَاعِد الْإِسْلَام وتشيدت أَرْكَان الْإِيمَان كشف الكروب عَن وَجه رَسُول الله ﷺ وَلم يفر كَمَا فر غَيره إِلَخ وَالْجَوَاب لَا ريب فِي شجاعته وَنَصره لِلْإِسْلَامِ وَقَتله جمَاعَة لَكِن مَا هَذَا من خَصَائِصه بل شَاركهُ

стр. 494

فِيهِ عدَّة وَأَشْجَع النَّاس رَسُول الله ﷺ كَمَا ثَبت من حَدِيث أنس وَفِيه وَلَقَد فزع أهل الْمَدِينَة يَوْمًا فَانْطَلق نَاس قبل الصَّوْت فَتَلقاهُمْ رَسُول الله ﷺ رَاجعا وَقد سبقهمْ إِلَى الصَّوْت وَهُوَ على فرس لأبي طَلْحَة عرى فِي عُنُقه السَّيْف وَهُوَ يَقُول لم تراعوا وَفِي الْمسند عَن عَليّ قَالَ كُنَّا إِذا اشْتَدَّ الْبَأْس اتقينا برَسُول الله فَيكون أقربنا إِلَى الْعَدو والشجاعة قُوَّة الْقلب والثبات عِنْد المخاوف أَو شدَّة الْبَطْش وإحكام صناعَة الْحَرْب وَمَعَ هَذَا فَمَا قتل النَّبِي ﷺ غير أبي بن خلف وَمن فرط شجاعته أَن أَصْحَابه انْهَزمُوا يَوْم حنين وَهُوَ رَاكب بغلة لَا تكر وَلَا تَفِر وَيقدم عَلَيْهَا إِلَى نَاحيَة الْعَدو ويسمي نَفسه وَيَقُول (أَنا النَّبِي لَا كذب ... أَنا ابْن عبد الْمطلب) وَإِذا كَانَت الشجَاعَة الْمَطْلُوبَة من الإِمَام شجاعة الْقلب فَلَا ريب أَن أَشْجَع الصَّحَابَة أَبُو بكر فَإِنَّهُ بَاشر الْأَهْوَال الَّتِي كَانَ الرَّسُول يُبَاشِرهَا من أول الْإِسْلَام وَلم يجبن وَلَا جزع بل يقدم على المخاوف ويقي الرَّسُول بِنَفسِهِ ويجاهد بِلِسَانِهِ وَبِيَدِهِ وبماله وَلما كَانَ مَعَ الرَّسُول فِي الْعَريش يَوْم بدر قَامَ نَبِي الله يَدْعُو ويستغيث بربه وَيَقُول اللَّهُمَّ أنْجز لي مَا وَعَدتنِي اللَّهُمَّ إِن تهْلك هَذِه الْعِصَابَة لَا تعبد فِي الأَرْض وَجعل أَبُو بكر يَقُول لَهُ يَا رَسُول الله كَفاك مُنَاشَدَتك رَبك إِنَّه سَيُنْجِزُ لَك مَا وَعدك وَهَذَا يدل على كَمَال يقينه وثباته وَلَا نقص على الرَّسُول فِي إستغاثته بربه بل ذَلِك كَمَال لَهُ فالإلتفات إِلَى الْأَسْبَاب صَحَّ فِي التَّوْحِيد ومحو الْأَسْبَاب أَن تكون أسبابا تقدح فِي الْعقل والإعراض عَن الْأَسْبَاب بِالْكُلِّيَّةِ قدح فِي الشَّرْع فعلى الرَّسُول أَن يُجَاهد وَيُقِيم الدّين بِكُل مُمكن بِنَفسِهِ وَمَاله ودعائه وتحريضه الْمُؤمنِينَ والإستنصار بِاللَّه والإستعانة بِهِ أعظم الْجِهَاد وَأعظم أَسبَاب النَّصْر وَهُوَ مَأْمُور بذلك وَالْقلب إِذا غَشيته الهيبة والمخافة والتضرع قد يغيب عَن شُهُود مَا يُعلمهُ ومقام أبي بكر دون هَذَا وَهُوَ معاونة الرَّسُول والذب عَنهُ وإخباره بِأَنا واثقون بنصر الله وَالنَّظَر إِلَى جِهَة الْعَدو

стр. 495

هَل قَاتلُوا بعد وَلما مَاتَ النَّبِي ﷺ عظمت النَّازِلَة واضطربوا إضطراب الأرشية فِي الطوى الْبَعِيدَة القعر وطاشت الْعُقُول ووقعوا فِي نُسْخَة الْقِيَامَة وَكَأَنَّهَا قِيَامَة صغرى مَأْخُوذَة من الْقِيَامَة الْكُبْرَى وارتدت الْأَعْرَاب وذلت الحماه فَقَامَ الصّديق بقلب ثَابت الجأش قد جمع لَهُ الصَّبْر وَالْيَقِين وَأخْبرهمْ بِأَن الله اخْتَار لنَبيه مَا عِنْده وَقَالَ لَهُم من كَانَ يعبد مُحَمَّدًا فَإِن مُحَمَّد قد مَاتَ وَمن كَانَ يعبد الله فَإِن الله حَيّ لَا يَمُوت ثمَّ تَلا (وَمَا مُحَمَّد إِلَّا رَسُول قد خلت من قبله الرُّسُل أَفَإِن مَاتَ أَو قتل انقلبتم على أعقابكم وَمن يَنْقَلِب على عَقِبَيْهِ فَلَنْ يضر الله شَيْئا وسيجزي الله الشَّاكِرِينَ) فَكَأَن النَّاس لم يسمعوها ثمَّ خطبهم فثبتهم وشجعهم وبادر إِلَى تَنْفِيذ جَيش أُسَامَة وَأخذ فِي قتال الْمُرْتَدين مَعَ إشارتهم عَلَيْهِ بالتربص حَتَّى كَانَ عمر مَعَ فرط شجاعته يَقُول لَهُ يَا خَليفَة رَسُول الله تألف النَّاس وَهَذَا بَاب وَاسع وَأما الْقَتْل فَلَا ريب أَن غير عَليّ من الصَّحَابَة قتل أَكثر مِنْهُ من الْكفَّار فَإِن من نظر الْمَغَازِي والسيرة وأمعن النّظر عرف ذَلِك فالبراء بن مَالك أَخُو أنس قتل مائَة رجل مبارزة سوى من شرك فِي دَمه وَأما خَالِد بن الْوَلِيد فَلَا يُحْصى عدد من قَتله وَقد انْكَسَرَ فِي يَده يَوْم مُؤْتَة تِسْعَة أسياف وَقَالَ النَّبِي ﷺ إِن لكل نَبِي حواريا وحواري الزبير وَقَالَ ﷺ صَوت أبي طَلْحَة فِي الْجَيْش خير من فِئَة وَقَالَ ابْن حزم وجدناهم يحتجون بِأَن عليا كَانَ أَكثر الصَّحَابَة جهادا وقتلا وَالْجهَاد ثَلَاثَة أَقسَام أَعْلَاهَا الدُّعَاء إِلَى الله بِاللِّسَانِ وَثَانِيها الْجِهَاد عِنْد الْيَأْس بِالرَّأْيِ وَالتَّدْبِير الثَّالِث الْجِهَاد بِالْيَدِ فَوَجَدنَا الْجِهَاد الأول لَا يلْحق فِيهِ أحد بعد
следующие страницы →