الصندوق الخيري لنشر البحوث والرسائل العلمية (١٢)
الدراسات الفقهية (٩)
المِنَحُ الشَّافِيات
بِشَرْحِ مُفْردَاتِ الإمَامِ أحْمَد
تأليف العلامة
منصور بن يونس بن صلاح الدين البهوتي
تحقيق ودراسة
فضيلة أ. د. عبد الله بن محمد المُطلَق
عضو هيئة كبار العلماء
بالمملكة العربية السعودية
الجزء الأول
كنوز إشبيليا
للنشر والتوزيع
стр. 2
دار كنوز إشبيليا للنشر والتوزيع، ١٤٢٧هـ
فهرسه مكتبة الملك فهد الوطنية أثناء النشر
المطلق، عبد الله بن محمَّد
المنح الشافيات بشرح مفردات الإمام أحمد/ عبد الله بن محمَّد المطلق
- الرياض ١٤٢٧ هـ
٤٤٤ ص: ١٧×٢٤ سم
ردمك: ١ - ١٣ - ٧٠١ - ٩٩٦٠ (مجموعة)
×-١٤٠ - ٧٠١ - ٩٩٦٠ (ج١)
١ - الفقه الحنبلي
أ- العنوان
ديوى ٢٥٨،٤
٢٩٩٧/ ١٤٢٦
رقم الإيداع: ٢٩٩٧/ ١٤٢٦
ردمك: ١ - ١٣ - ٧٠١ - ٩٩٦٠ (مجموعة)
×- ١٤ - ٧٠١ - ٩٩٦٠ (ج١)
ساعد على نشره ليباع بسعر التكلفة
مؤسسة سليمان بن عبد العزيز الراجحي الخيرية
- جزاهم الله خيرًا-
جميع حقوق الطبع والنشر محفوظة
الطبعة الأولى
١٤٢٧هـ - ٢٠٠٦م
دار كنوز إشبيليا للنشر والتوزيع
المملكة العربية السعودية ص. ب ٢٧٢٦١ الرياض ١١٤١٧
هاتف: ٤٧٤٢٤٥٨ - ٤٧٧٣٩٥٩ - ٤٧٩٤٣٥٤ فاكس: ٤٧٨٧١٤٠
﵊-mail: eshbelia@hotmail.com
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
مقدمة
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا أما بعد ..
فسأتحدث في هذه المقدمة عن الأمور التالية:
١ - أهمية البحث .
٢ - أسباب اختياري لهذا الموضوع.
٣ - خطة البحث.
أما أهمية البحث:
فإن الفقه من أهم العلوم وأشرفها، وحاجة الناس إليه متجددة متكررة، وقد بين ﷺ أن من أراد الله به خيرًا فقهه في الدين، ذلك أن من أوتي الفقه في الدين فقد أوتي القرآن وتفسيره، وأوتي العلم بسنة النبي ﷺ -
стр. 6
وإجماع الأمة ووسائل الاستنباط، فتلك مصادر الفقه وموارد الفقيه التي يستقي منها الفتوى في كل مسألة عويصة وحادثة جديدة.
وقد ضرب فقهاء السلف في ذلك بسهم وافر، وكانوا سببًا في الثراء الكبير، الذي افتخرت به المكتبة الإِسلامية، بما ألفوا من الكتب وقعّدوا من القواعد، وبما خرّجوا من التلاميذ الذين حملوا المشعل بأمانة إلى من بعدهم، وساروا بالأمة على النهج الواضح القويم.
كان من أبرز هؤلاء الأئمةُ الأربعةُ الذين انتشرت مذاهبهم وكثر أتباعهم، وقد تتابع أتباع كل مذهب من هذه المذاهب على التأليف فيه وتدريسه ونشره، ولن ينقطع هذا الاهتمام ما دامت الأمة معتزة بتشريعها وتراثها، متصلة بماضيها الخالد النفيس.
وكان الإمام أحمد بن حنبل أحد هؤلاء الأئمة، واحد أئمة الحديث الكبار الذين حفظوا الأحاديث وأتقنوا الآثار وأجادوا تلك الصناعة حتى كان من أحذق صيارفة الحديث، ولقد كان مصدر شهرة الإمام أحمد في الحديث ما امتاز به من حفظ منقطع النظير، وما تركه من آثار كبيرة في هذا المجال. فلقد كان من آثاره ﵀:
١ - كتاب المسند، المشهور وفيه ما يقرب من أربعين ألف حديث -بالمكرر- مطبوع.
٢ - كتاب التفسير، وعدد أحاديثه مائة وعشرون ألفًا (١).
стр. 7
٣ - كتاب الزهد، وهو في مجلد، وهو مملوء بالأحاديث والآثار- مطبوع.
٤ - كتاب الصلاة- مطبوع.
٥ - كتاب المناسك الكبير، وكتاب المناسك الصغير.
٦ - حديث شعبة.
٧ - كتاب السنة.
٨ - كتاب الفتن.
٩ - كتاب الورع.
١٠ - كتاب الترجل.
وغيرها من الكتب، وكلها مملوءة بالأحاديث والآثار الكثيرة التي تدل على ما يتصف به الإمام من تضلع متين في الحديث وحفظ كبير للآثار.
ولقد أثر هذا الرصيد الضخم من الأحاديث والآثار على منهج الإمام الفقهي، فلقد استطاع ﵀ أن يستل فتاواه الفقهية مما حازه من تلك الذخيرة الفائقة، وذلك المخزون العميق من الحديث والأثر، فبدت فتاواه وكأنها آثار بحتة، حيث اصطبغت بصبغتها واندمجت في ثناياها.
ولقد كان هذا الرصيد الضخم سببًا قويًا وظاهرًا من أسباب انفراد الإمام أحمد بمسائل فقهية عن بقية الأئمة الأربعة، فقد تتوفر عنده طرق الحديث حتى يشاهد صحتها، أو تتضح عنده الرؤية حولها فيجزم بأحكامها وعدم نسخها، وقد تصل إليه فتاوى الصحابة في الموضوع فلا يبغي بها بديلًا ولا يرضى بغيرها من الأقيسة دليلًا.
ومن عرف أحمد فقيهًا محدثًا متشبعًا بآثار الصحابة والتابعين، لا بدّ أن يحسب لمفرداته ألف حساب، مما يجعله يتتبع مستنده فيها، فيبحث ويدقق. فلعل حافظة الإمام وَعَتْ شيئًا فات من قبله، أو أدرك آثارًا لم تصل سابقيه. رحم الله الجميع، فقد كان قصدهم حسنًا وهدفهم واحدًا.
وكلهم من رسول الله مقتبس ... غَرْفًا من البحر أو رشفًا من الديمِ
стр. 8
أسباب اختياري للموضوع:
لقد كان من أبرز أسباب اختياري للموضوع، ما كان يستوقفني كثيرًا عند قراءتي في كتاب الإنصاف، حين يسوق روايات المذهب الحنبلي، بأن هذه الرواية أو هذا القول أو الوجه من مفردات المذهب.
ولما كنت أعرف انتماء أحمد إلى مدرسة أهل الحديث، وتتلمذه على الشافعي الذي درس على الإمامين مالك ومحمَّد بن الحسن تلميذ أبي حنيفة، فقد كنت استكثر هذه المفردات وأفكر في ثبوتها عن الإمام.
ولقد نشأ في نفسي محبة الاطلاع على المفردات ومعرفة مستند أحمد في كل مسألة، وهل مذهبه فيها راجح أو مرجوح، وما موقف محققي مذهبه الذين جمعوا -كإمامهم- بين الفقه والحديث، وسلكوا نهجه في تحري السنة الثابتة عن الرسول ﷺ .
ولقد علمت أن الشيخ محمَّد بن علي بن عبد الرحمن المقدسي المتوفى سنة ٨٢٠ هـ قد جمع ما انفرد به أحمد في صحيح مذهبه المشهور عن الأئمة الثلاثة في كتاب سماه "النظم المفيد الأحمد في مفردات الإمام أحمد"، وشرحه شيخ المذهب في عصره، العلامة منصور بن يونس البهوتي سنة ١٠٥١ هـ ولقد رأيت هذا الشرح مطبوعًا سنة ١٣٤٤ هـ طباعة سيئة فيها بياض كثير وتصحيف وتحريف. كما وجدت مسائل كثيرة مما عده الناظم من المفردات -وسلم له الشارح ذلك- قد نص عليها أئمة المذاهب الأخرى، وهي موجودة في كتب مذاهبهم المتداولة الآن بين أيدي طلبة العلم في المكتبات العامة.
لذلك رأيت أن أسهم في هذا المجال بخدمة هذا الكتاب الذي احتوى على الخرائد الفريدة في الفقه الحنبلي، وذلك بتحقيق عبارته وإلقاء الأضواء على حياة مؤلفه، وآثاره العلمية، ومنهجه في الكتاب، وتتبع المسائل المفردة في الكتاب في مظانها من كتب الفقه في المذاهب الأخرى، وأسجل ما أجده مما وافق فيه أحد الأئمة الثلاثة أحمد، مما يدلّ على عدم الانفراد.
ورأيت تتميمًا للفائدة أن أسجل رأي شيخ الإِسلام ابن تيمية وتلميذه ابن
стр. 9
القيم إذا رجحا المفردة واستحسناها، كما أسجل رأي المحققين من غير الحنابلة إذا أيدوا ما انفرد به أحمد، وذلك كابن حزم الظاهري والنووي والكمال ابن الهمام وعلاء الدين الكاساني والشوكاني والصنعاني.
خطة البحث:
لقد سرت في دراسة هذا الكتاب وتحقيقه على الخطة التالية:
أولًا: الدراسة وهي قسمان:
القسم الأوّل ويشمل:
أ- التعريف بمفردات الأمام أحمد ويشمل:
١ - تعريف المفردات.
٢ - لكل إمام مفردات.
٣ - التأليف في مفردات أحمد.
٤ - منهج الإمام أحمد في الفقه.
٥ - أصول مذهب الإمام أحمد.
٦ - نظرة في المفردات.
٧ - أسباب الانفراد.
ب- التعريف بمؤلف الكتاب، ويشمل:
١ - عصره.
٢ - نسبه ومولده.
٣ - نشأته وتعلمه.
٤ - خلقه.
٥ - صلاته بعلماء نجد.
стр. 10
٦ - شيوخه.
٧ - تلاميذه.
٨ - مؤلفاته.
٩ - وفاته.
جـ- التعريف بالكتاب، ويشمل:
١ - العنوان.
٢ - نسبته إلى المؤلف.
٣ - منهج المؤلف فيه.
٤ - قيمة الكتاب.
٥ - المآخذ على الكتاب.
٦ - مصادر الكتاب.
أما القسم الثاني من الدراسة:
وهو الخاص بالمسائل الفقهية المذكورة في الكتاب، والذي يتطلب البحث والتنقيب عن كل مسألة مفردة في كتب المذاهب الأخرى، لنرى هل سلم للمؤلف ومن قبله الناظم ما ذكراه من انفراد أحمد بها، أم أن أحدًا من الأئمة شارك أحمد في القول بها؟ -فلقد وزعت حاصل هذه الدراسة على المسائل الفقهية في الكتاب، فحيث وجدت في مسألة من المسائل أن أحد الأئمة قد شارك أحمد في المسألة، أذكر ذلك تعليقًا في الحاشية، وأنقل ما رأيته من كتب المذاهب بنصه، ذاكرًا اسم الكتاب الذي نقلت منه ورقم الجزء والصفحة التي فيها هذا الكلام.
وربما نقلت من وافق أحمد من غير الأئمة الثلاثة من علماء السلف أو محققي المذاهب الأخرى.
ولقد حرصت على نقل اختيارات شيخ الإِسلام ابن تيمية وتلميذه ابن
стр. 11
القيم لما انفرد به أحمد من المسائل؛ لأنّ اختيار هذين العالمين المحققين يمنح المفردة مزيد القوة عند طلبة العلم، الذين يبحثون عن الراجح بالدليل.
ثانيًا: التحقيق ويشمل:
١ - عرض لنسخ الكتاب المخطوطة، يشتمل على بيان عدد النسخ، ومكان كل نسخة ورقمها في المكتبة، واسم ناسخها وسنة الفراغ من نسخها وعدد أوراقها وعدد الأسطر بكل ورقة ووصف حالة المخطوط الراهنة.
٢ - عرض موجز، يبين المنهج الذي سلكته في التحقيق، ويوضح أهم ملامحه، وتتمثل في الخطوات التالية:
أ- المقابلة بين النسخ لتصحيح عبارة الكتاب وإثبات ما يغلب على الظن أنه عبارة المؤلف.
ب- أشرت إلى رقم الآيات القرآنية الموجودة في الكتاب وسورها.
جـ- خرجت الأحاديث والآثار الموجودة في الكتاب مشيرًا إلى مواضعها من كتب الحديث والأثر.
د- بذلت جهدي في مقابلة النصوص المنقولة في الكتاب بمصادرها الأصلية، وبيان مكانها في الكتب المطبوعة منها.
ولم ألتزم الإشارة إلى مرجع المؤلف حين يعبر بقوله:
اختاره، أو قدمه، أو قطع به أو جزم به؛ لأمرين:
١ - أن المؤلف نقل هذه العبارات من الإنصاف، وقد أشار إلى ذلك في مقدمة كتابه.
٢ - أنه لم يكن في هذه العبارة نص منقول يتحقق من صحة عبارته، خوف تحريف النساخ، أو سبق قلم المؤلف أو الناسخ.
هـ -عرّفت بالمواضع الموجودة في الكتاب.
стр. 12
و- عزوت الشواهد اللغوية في الكتاب إلى قائليها، ونسبتها إلى مواضعها من دواوين الشعراء وكتب اللغة.
ز- ترجمت للأعلام العلماء الموجودين في هذا الكتاب، وجعلت ذلك في آخر الكتاب مرتبًا على حروف الهجاء.
ثالثًا: وضعت الفهارس الآتية لخدمة الكتاب:
١ - فهرس الآيات القرآنية.
٢ - فهرس الأحاديث النبوية والآثار.
٣ - فهرس الشواهد اللغوية والنحوية.
٤ - فهرس مراجع التحقيق والدراسة.
٥ - فهرس مواضيع الكتاب.
والله أسال أن يجعل عملنا كله صالحًا ولوجهه خالصًا وأن لا يجعل لأحد فيه شركا وصلى الله على نبينا محمَّد وآله وصحبه وسلم.
стр. 13
لمحة عن مفردات الإمام أحمد
ويشمل:
١ - تعريف المفردات.
٢ - لكل إمام مفردات.
٣ - التأليف في مفردات أحمد.
٤ - منهج الإمام أحمد.
٥ - أصول مذهب الإمام أحمد.
٦ - نظرة في المفردات.
٧ - أسباب الانفراد.
стр. 14
المفردات
المفردات: جمع مفردة. ومادة فَرَدَ تأتي لمعان تدل في مجموعها على الوحدة والانفراد.
فالفرد: الوتر، وجمعه أفراد وفرادى على غير قياس كأنه جمع فَرْدان، وثور فَرْد وفَارِد وفَرِدٌ وفَردٌ وفَرِيد كله بمعنى منفرد، وظبية فَارِد انقطعت عن القطيع وكذلك السدرة الفاردة التي انفردت عن سائر السدر.
والفَرِيد: الدر إذا نظم وفصل بغيره، وأفْرَاد النجوم: الدراري في آفاق السماء، لانفرادها بقوة الإضاءة والنور (١).
فالمفردات هنا إذن:
المسائل الفقهية التي انفرد فيها أحد الأئمة الأربعة بقول مشهور في مذهبه، لم يوافقه فيه أحد من الأئمة الثلاثة الباقين (٢).
وبهذا التعريف يظهر أنه ليس من لوازم المفردات أن ينفرد بها القائل من علماء الأمة جميعًا، ولو كان ذلك لازمًا، لندر أن يكون هناك مفردة، إذ يندر أن ينفرد أحد من علماء المسلمين، بقول في مسألة لم يوافقه فيه أحد من العلماء قبله، ولو وُجِدَ فغالبًا ما يكون هذا من أخطاء ذلك العالم.
стр. 15
لكل إمام مفردات:
إن دارس الفقه الإِسلامي المفتش عن ذخائره في الكتب الكثيرة، التي زخرت بها المكتبات الإِسلامية، يجد أمامه واضحًا أن لكل مجتهد مسائل انفرد بها عن علماء عصره، وقد يكون له فيها مستند قوي فهمه من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، وقد يكون فيها مخطئًا معتمدًا على فهم غير سديد لأحد الأدلة الشرعية.
ويستطيع دارس الفقه الإِسلامي المقارن أن يطلع على مسائل كثيرة انفرد بها أحد الأئمة الأربعة أصحاب المذاهب المنتشرة، قد يكون قوله فيها راجحًا وقد يكون مرجوحًا.
وقد ذكر ابن منقور في مجموعه -عن الوزير ابن هبيرة في الإفصاح- مسائل متعددة مما انفرد به كل واحد من الأئمة الثلاثة (١).
وقد رأيت أن بعضًا منها لا يسلم فيها القول بالانفراد، وبعضًا منها قول مرجوح لذلك الإمام يرده كثير من أصحابه، وقد حاولت جاهدًا أن أمثل لما انفرد به كل إمام، راجعًا في ذلك إلى الكتب المعتمدة في مذهبه، مجتهدًا في تحقيق انفراده بالبحث في فقه المذاهب الأخرى وقد توصلت إلى ما يأتي:
أولًا: أمثلة لما انفرد به الإمام أبي حنيفة ﵀:
١ - نقض الوضوء بالقهقهة في الصلاة ذات الركوع والسجود (٢).
٢ - الإقامة كالأذان وزيادة: قد قامت الصلاة مرتين (٣).
٣ - استحباب تكبير الإمام ومن معه عند قول المقيم: قد قامت الصلاة.
стр. 16
٤ - وجوب صلاة الوتر، وقد روي عنه أنها فرض (١).
٥ - وجوب صلاة العيدين (٢).
٦ - تخصيص جواز الجمع، بجمع الظهر والعصر يوم عرفة، مع الإمام للحاج، والمغرب والعشاء للحاج بمزدلفة (٣).
٧ - إذا ماتت المرأة فليس لزوجها أن يغسلها؛ لانتهاء النكاح، وإن مات هو غسلته لأنها في العدة (٤).
٨ - عدم وجوب الزكاة في مال الصبي والمجنون؛ لأنها عبادة محضة، والصبي والمجنون لا يخاطبان بها، ولا يطالب الوليّ بإخراجها من مالهما إلا في زكاة الحبوب والثمار لوجوبها عليهما (٥).
٩ - تفضيل القِرَان في الحج مطلقًا؛ لأنه نسك النبي ﷺ (٦).
١٠ - ثبوت خيار الرؤية للمشتري دون البائع. وهذا رأيه الأخير (٧).
ثانيًا: أمثلة لما انفرد به الإمام مالك:
١ - عدم التوقيت في المسح على الخفين (٨).
٢ - طهارة الكلب (٩).
٣ - إفراد قول: (قد قامت الصلاة) في الإقامة (١٠)
стр. 17
٤ - استحباب صلاة التراويح ستًا وثلاثين ركعة والوتر (١).
٥ - وجوب تبييت النية في صوم التطوع، وأنه لا يصح إلا بها (٢)
٦ - لا عقيقة بعد اليوم السابع. هذا هو المشهور عنه (٣).
٧ - تفضيل المدينة على مكة (٤).
٨ - إباحة أكل سباع الطير الجارحة (٥).
٩ - أن ما مات حتف أنفه من الجراد لا يؤكل (٦).
ثالثًا: أمثلة لما انفرد به الشافعي:
١ - وجوب قراءة الفاتحة على المأموم مطلقًا (٧).
٢ - استحباب التورك في جلسة التشهد الأخير واستحباب الافتراش في الأوّل (٨).
٣ - أن صلاة الجماعة فرض كفاية (٩).
٤ - أن سجود السهو كله قبل السلام (١٠).
٥ - أن من أقام ببلد بنية أن يرحل منه إذا حصلت حاجة له يتوقعها كل وقت قصر ثمانية عشر يومًا (١١).
стр. 18
٦ - جواز تعجيل زكاة الفطر من أول رمضان (١).
٧ - أن العمرة فرض (٢).
٨ - ابتداء وقت ذبح هدي التمتع بعد الفراغ من عمرة التمتع (٣)
٩ - صحة وجواز زواج البنت من الزنا (٤).
١٠ - وجوب ختان المرأة (٥).
التآليف في مفردات الإمام أحمد:
ألف الشيخ أبو الحسن علي بن محمَّد الطبري الهراسي الشافعي -المعروف بإلكيا، المتوفى سنة ٥٠٤ هـ - كتابًا في مفردات أحمد. وتصدى للرد عليه فيها وبيان ضعف مأخذه في الاستدلال عليها. ولم يعتبر ﵀ القول المشهور لأحمد، ولا ما وافق فيه مالكًا، فجازف بِعَدِّ مسائل ليست من "المفردات". وقد تصدى له فقهاء الحنابلة في وقته وبيَّنوا زيف ادعاءاته وتتبعوا ألفاظه وكلماته.
١ - فألف معاصره أبو الوفاء علي بن محمَّد بن عقيل البغدادي، المتوفى سنة ٥١٣ هـ كتابه "المفردات" في الرد عليه.
٢ - وألف أبو الحسن علي بن عبد الله بن نصر بن السري الزاغوني المتوفى سنة ٥٢٧ هـ كتابه "المفردات" في مجلدين، وهي مائة مسألة.
٣ - ثم ألف عبد الوهاب بن عبد الواحد بن محمَّد الشيرازي المتوفى سنة ٥٣٦ هـ كتابه "المفردات".
стр. 19
٤ - ثم ألف أبو يعلى المغير محمَّد بن محمَّد بن محمَّد عماد الدين ابن أبي يعلى المتوفى سنة ٥٦٠ هـ كتابه "المفردات".
٥ - ثم ألف فيها أبو الفرج عبد الرحمن بن علي بن محمَّد بن علي جمال الدين بن الجوزي المتوفى سنة ٥٩٧ هـ.
٦ - ثم ألف إسماعيل بن علي بن حسين البغدادي المعروف بغلام ابن المني المتوفى سنة ٦١٠هـ كتابه "المفردات".
٧ - ثم ألف أحمد بن الحسين بن عبد الله بن الشيخ أبي عمر المقدسي المشهور بابن قاضي الجبل المتوفى سنة ٧٧١هـ "كتاب الرد على إلكيا الهراسي"، كتب منه مجلدين ولم يتمه.
٨ - وألف محمَّد بن أحمد بن عبد الهادي المتوفى سنة ٧٤٤ هـ كتابه "الرد على إلكيا الهراسي" في جزء كبير.
٩ - ثم ألف محمَّد بن علي بن عبد الرحمن العمري المتوفى سنة ٨٢٠ منظومته التي شرحها الشيخ منصور البهوتي بهذا الكتاب وسماها "النظم المفيد الأحمد في مفردات الإمام أحمد".
وقد اتجه كثير من العلماء الذين وهبهم الله ملكة شعرية إلى نظم العلوم، حيث وجدوه وسيلة سهلة لحفظ قواعدها، والإبقاء على شواردها في الذهن، يتغنون بها في خلواتهم، فيكون ذلك وسيلة لتذكرها. وليس ذلك قاصرًا على الفقه فقط، بل نظمت أكثر العلوم، فالعروض والنحو والصرف والبلاغة والمنطق والعقيدة وأصول الفقه والفرائض كلها قد حظيت بنصيب وافر من النظم. بل نظمت كثير من حوادث التاريخ وقواعد الحساب والفلك، واتجه بعض النظامين إلى كتب معينة فنظمها، ولعل نصيب الفقه كان وافرًا من ذلك، فمختصر الخرقي مثلًا قد نظمه عالمان جليلان:
أحدهما: فخر الدين ابن هبيرة، أخو الوزير ابن هبيرة المتوفى سنة ٥٦٧هـ.
والثاني: يحيى بن يوسف الصرصري المتوفى سنة ٦٥٦ هـ.
стр. 20
وكتاب زاد المستقنع للحجاوي، قد نظمه كثير من علماء الحنابلة، منهم:
١ - الشيخ محمَّد بن قاسم آل غنيم المتوفى سنة ١٣٣٥ هـ، وقد بلغ عدد أبيات منظومته ٤٨٩٢ بيتًا.
٢ - الشيخ سليمان بن عطية المزيني المتوفى سنة ١٣٦٣ هـ.
٣ - الشيخ سعد بن حمد بن عتيق. وسماه: "نيل المراد بنظم متن الزاد". وقد وصل فيه إلى كتاب الشهادات، وأتمه بعد وفاته فضيلة الشيخ عبد الرحمن بن عبد العزيز آل سحمان، القاضي بمحكمة التمييز بالرياض.
وقبل أن ألقي الأضواء على مفردات أحمد من خلال هذا الكتاب، أرى أنه من الأحسن الإشارة بإيجاز إلى طبيعة منهج أحمد الفقهي، والأصول التي اعتمد عليها أحمد وتلاميذه في تكوين المذهب الحنبلي فأقول:
منهج الإمام أحمد في الفقه:
إن الإمام أحمد ﵀ إمام أهل الحديث في زمنه بلا منازع، شهد له بذلك شيوخه وأقرانه وتلاميذه.
قال عبد الرزاق الصنعاني: رحل إلينا من العراق أربعة من رؤساء أهل الحديث، الشاذكوني: وكان أحفظهم للحديث، وابن المديني: وكان أعرفهم باختلافه، ويحيى بن معين: وكان أعلمهم بالرجال، وأحمدُ بن حنبل: وكان أجمعهم لذلك كله (١).
وقال وكيع بن الجراح: ما قدم الكوفة مثل هذا الفتى، يعني أحمد بن حنبل (٢).
стр. 21
وقال أحمد بن سعيد الرازي: ما رأيت أسود الرأس، أحفظ لحديث رسول الله ﷺ ولا أعلم بفقهه ومعانيه من أبي عبد الله أحمد بن حنبل (١).
وكان ﵀ إماما في الفقه.
قال عبد الرزاق الصنعاني: ما رأيت أفقه منه ولا أورع (٢).
وقال الشافعي: خرجت من بغداد وما خلفت بها أحدًا أتقى ولا أورع ولا أفقه -أظنه قال-: ولا أعلم من أحمد بن حنبل (٣).
وقال أبو عبيد القاسم بن سلام: انتهى العلم إلى أربعة: إلى أحمد بن حنبل، وهو أفقههم فيه. وإلى ابن أبي شيبة، وهو أحفظهم له، وإلى علي بن المديني، وهو أعلمهم به، وإلى يحيى بن معين، وهو أكتبهم له (٤).
وقال أبو زرعة: ما أعلم في أصحابنا أسود الرأس أفقه من أحمد بن حنبل (٥).
وقد جمع ﵀ بين الحديث والفقه، وبلغ فيهما منزلة فاق بها أقرانه. وقد استطاع أن يسخر الفقه -لما حازه من ذخيرة فائقة- في الحديث، فظهرت فتاواه وكأنها آثار بحتة لهيمنتها على ديباجة فقهه، فاصطبغت بصبغتها، واندمجت في ثناياها.
ولعل من الأسباب التي ساعدت على تكوين هذا النمط الفريد من الفقه شيوع تدوين الحديث والأثر في بلدان المسلمين، حتى قلّ أن يوجد أهل للرواية إلا ولديه تدوين أو صحيفة أو نسخة، وذلك أنه كم من حديث صحيح لا يرويه -قبل التدوين- إلا أهل بلد خاصة، كأفراد الشاميين
стр. 22
والعراقيين والمصريين، أو لم يروه إلا أهل بيت خاص، كنسخة بُرَيْد عن أبي بردة عن أبي موسى، ونسخة عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده. وربما كان الصحابي مقلًا غير مشهور لم يحمل عنه إلا عدد قليل، فمثل هذه الأحاديث قد لا تصل إلى عامة أهل الفتوى قبل التدوين.
وقد طاف جهابذة الحديث أقطار البلاد الإِسلامية، فجمعوا الكتب ودونوا السنن، وتتبعوا ما جمعه طلبة العلم في نسخهم، فبينوا صحيح الأخبار من سقيمها، ونفوا ما فيها من الموضوعات، وأوضحوا ما فيها من الشاذ والمنكر.
وقد اجتمع باهتمام أولئك الأعلام من الحديث والآثار ما لم يكن مجموعًا من قبل، ويسروا للأئمة الاطلاع على هدي النبي ﷺ وصحابته، مما لم يكن ميسورًا من قبل لكل أحد، وخلص إليهم من طرق الأحاديث شيء كثير، حتى كان بعض الأحاديث عندهم له مائة طريق فما فوق، فكشف بعض الطرق ما استتر في بعضها الآخر، وعرف على كل حديث من الغرابة والاستفاضة وأمكن لهم النظر في المتابعات والشواهد، واجتمعت عندهم آثار فقهاء كل بلد من الصحابة والتابعين.
وكان كثير من أهل الفتوى قبلهم لا يتمكن إلا من جمع حديث بلده وأصحابه ومن يلتقي به.
وقد ظهر على الطبقة التي عاصرها أحمد أحاديث صحيحة كثيرة، وآثار عن صحابة النبي ﷺ كثيرة لم تظهر على أهل الفتوى من قبل، ويؤيد ذلك أن الشافعي قال لأحمد: أنتم أعلم بالأخبار الصحيحة منا، فإذا كان خبر صحيح فأعلموني حتى أذهب إليه كوفيًا كان أو بصريًا أو شاميًا (١).
فلم تكن مسألة من مسائل الفقه ترد على من تضلع بالحديث وتشبع بالآثار وتسنم ذروة الاستنباط والاجتهاد، إلا وجد لها حلًا في حديث صحيح أو حسن أو صالح للاعتبار، أو وجد أثرًا من آثار الشيخين أو سائر
стр. 23
الخلفاء أو الصحابة أو العلماء التابعين، أو قضاة الأمصار أو فقهاء البلدان، أو وجد استنباطًا من عموم أو إيماء أو اقتضاء، فيسر الله لهم العمل بالسنة على هذا الوجه.
ويبين لنا الإمام أحمد أنه لا يجوز للرجل أن يتولى الفتوى للناس إلا إذا كان صاحب رصيد ضخم من الأحاديث والآثار، فقد سئل ﵀: يكفي الرجل مائة ألف حديث حتى يفتي؟ قال: لا. حتى قيل: خمسمائة ألف حديث؟. قال: أرجو (١). وكان ﵀ مع فقهه ودرايته بصناعة الحديث من أحفظ العلماء لحديث النبي ﷺ وآثار الصحابة والتابعين. يقول العلامة ولي الله الدهلوي: وكان أعظمهم -أي أهل الحديث- شأنًا، وأوسعهم رواية، وأعرفهم للحديث مرتبة، وأعمقهم فقهًا، أحمد بن حنبل ثم إسحاق بن راهويه (٢).
ويحسن هنا أن نبين الأصول التي اعتمد عليها الإمام أحمد في فتاواه، وبنى عليها منهجه الفقهي، وسيكون ذلك بإيجاز، فنقول:
أصول مذهب الإمام أحمد بن حنبل
الأصل الأوّل: النصوص من الكتاب والسنة:
كان ﵀ إذا وجد النص لم يلتفت إلى غيره، ولم يعبأ بما خالفه، ولا بمن خالفه كائنًا من كان، ويدل على ذلك أنه لم يلتفت إلى خلاف عمر في أنه لا يجب للمبتوتة سكنى ولا نفقة، حيث ثبت عنده حديث فاطمة بنت قيس في ذلك (٣)، ولم يلتفت إلى خلافه في جواز التيمم للجنب، حيث ثبت عنده حديث عمار بن ياسر في ذلك (٤). ولم يلتفت إلى خلاف علي وعثمان
стр. 24
وطلحة وأبي بن كعب في وجوب الغسل من الإكسال، بعد أن ثبت لديه حديث عائشة أنها فعلته هي ورسول الله ﷺ واغتسلا (١)(٢).
الأصل الثاني: الإجماع:
فإذا أجمعت الأمة على حكم، أو قال الصحابي قولًا واشتهر ولم يخالفه أحد، فإن أحمد يأخذ به أصلًا من أصول مذهبه (٣).
ومثاله: ما اشتهر عن عمر من جلد الثلاثة الذين شهدوا على المغيرة ابن شعبة بالزنا حدّ القذف (٤). وقتل السبعة الذين قتلوا المرأة الصنعانية. وقال: لو تمالأ عليها أهل صنعاء لقتلتهم جميعًا (٥).
وقد أنكر أحمد ما يسميه بعض الفقهاء إجماعًا، وهو عدم العلم بالمخالف، وقد كَذَّبَ الإمام من ادعى هذا الإجماع، روى عنه ابنه عبد الله: سمعت أبي يقول: ما يدعي فيه الرجل الإجماع فهو كذب، من ادعى الإجماع فهو كاذب؛ لعل الناس اختلفوا. ما يدريه؟ .. ولم ينته إليه فليقل: لا نعلم الناس اختلفوا هذه دعوى بشر المريسي والأصم، ولكنه يقول: لا نعلم الناس اختلفوا، أو لم يبلغني ذلك (٦).
الأصل الثالث: قول الصحابي:
وكان ﵀ في أصح الروايتين عنه يرى أنه حجة، فقد روى عنه أبو داود قوله: ما أجبت في مسألة إلا بحديث عن رسول الله ﷺ إذا وجدت في ذلك السبيل إليه، أو عن الصحابة أو عن التابعين. فإذا وجدت
стр. 25
عن رسول الله ﷺ لم أعدل إلى غيره، فإذا لم أجد عن رسول الله ﷺ فعن الخلفاء الأربعة الراشدين المهديين، فإذا لم أجد عن الخلفاء فعن أصحاب رسول الله ﷺ الأكابر فالأكابر، وإذا لم أجد فعن التابعين وعن تابعي التابعين. وما بلغني عن رسول الله ﷺ حديث له ثواب إلا عملت به رجاء ذلك الثواب ولو مرة واحدة (١).
وهذا اختيار شيخ الإِسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم.
قال ابن القيم: الأصل الثاني من أصول فتاوى الإمام أحمد ما أفتى به الصحابة، فإذا وجد لبعضهم فتوى لا يُعْرَفُ له مخالف منهم فيها لم يعْدُها إلى غيرها، ولم يقل: إن ذلك إجماع، بل من ورعه في العبارة يقول: لا أعلم شيئًا يدفعه، أو نحو هذا (٢).
فإذا اختلف الصحابة تخير من أقوالهم ما كان أقربها إلى الكتاب والسنة، ولم يخرج عن أقوالهم. فإن لم يتبين له موافقة أحد الأقوال، حكى الخلاف فيها ولم يجزم بقول (٣).
ويرى الإمام مالك والشافعيُّ -في أحد قوليه- وبعض الحنفية أن قول الصحابي -فيما للرأي فيه مجال إذا لم ينتشر- حُجّة مقدمة على القياس، فإن انتشر في الصحابة ولم يظهر له مخالف فهو الإجماع السكوتي، وهو حجة عند الأكثرين وإن كان فيما لا مجال للرأي فيه، فله حكم المرفوع إذا لم يعرف عن الصحابي الأخذ بالإسرائيليات (٤).
الأصل الرابع: الأخذ بالمرسل والحديث الضعيف:
يرى أحمد ﵀ الأخذ بالمرسل -وهو ما سقط منه الصحابي-
стр. 26
والحديث الضعيف إذا لم يكن في الباب شيء يدفعه ويرجحه على القياس. وليس المراد بالضعيف عنده الباطل ولا المُنْكَر ولا ما في رواته متهم بحيث لا يسوغ الذهاب إليه ولا العمل به، بل الحديث الضعيف عنده قسيم الصحيح وقسم من أقسام الحسن، ولم يكن يقسم الحديث إلى صحيح وحسن وضعيف. وللضعيف عنده مراتب، فإذا لم يجد في الباب أثرًا يدفعه ولا قول صحابي ولا إجماعًا على خلافه، كان العمل به عنده أولى من
القياس (١).
ويرى أبو حنيفة ومالك: العمل بالمرسل، أما الشافعي فيرى قبوله في الحالات التالية:
١ - أن يُعْضَدَ المرسل بحديث متصل السند في معناه، وحينئذ تكون الحجة في المتصل لا في المرسل.
٢ - أن يقوى بمرسل آخر قَبِلَهُ أهل العلم.
٣ - أن يوافقه قول صحابي.
٤ - أن يتلقاه أهل العلم بالقبول (٢).
الأصل الخامس: القياس:
وذلك أن الإمام أحمد ﵀ إذا لم يكن عنده في المسألة نص ولا إجماع ولا قول صحابي ولا أثر مرسل أو ضعيف، عدل إلى القياس فاستعمله للضرورة. وقد قال في كتاب الخلال: سألت الشافعي عن القياس فقال: إنما يصار إليه عند الضرورة، وذكر القاضي في كتاب العدة: أن القياس العقلي حجة؛ يجب القول به والعمل عليه (٣).
стр. 27
الأصل السادس: استصحاب الحال:
الاستصحاب لغة: طلب الصحبة.
واصطلاحًا: الحكم بثبوت حكم في الزمان الحاضر بناءً على أنه كان ثابتًا في الزمن الماضي إلى أن يوجد الدليل المغيّر (١)، وهو أربعة أقسام:
الأوّل: استصحاب العدم الأصلي عند الدليل الشرعي؛ كاستصحاب عدم وجوب صلاة سادسة. وهذا متفق على أنه حجة.
الثاني: استصحاب الحكم السابق، كاستصحاب حكم الطهارة أو حكم الحدث حتى يثبت خلافهما.
الثالث: استصحاب الحال السابقة، ومثاله: استصحاب حياة المفقود؛ فيرث من مورثه استصحابًا لحياته عند من يرى حجيته.
الرابع: استصحاب حكم الإجماع في محلّ النزاع، وهو حجة عند ابن القيم والمزني والصيرفي وابن شاقلا وابن حامد والرازي، ويرى الموفق ابن قدامة أنه لا يحتج به، وهو قول أبي حامد وأبي الطيب الطبري والقاضي أبي يعلى وابن عقيل وأبي الخطاب والحلواني وابن الزاغوني.
ومثاله: الإجماع على بطلان صلاة المتيمم إذا رأى الماء قبل الصلاة، فإذا رآه أثناءها فهل تبطل استصحابًا للإجماع أو تصح ويستمر فيها ولا يستصحب ذلك الإجماع؟ قولان للعلماء (٢).
ويرى أكثر الحنفية وبعض الشافعية أن الاستصحاب ليس بحجة.
ويرى المتأخرون من الحنفية أن الاستصحاب حجة دافعة لا مثبتة،
стр. 28
على معنى أنه يصلح حجة لدفع ما يخالف الأمر الذي ثبت بالاستصحاب، ولا يصلح حجة على إثبات أمر جديد لم يقم دليل على ثبوته (١).
الأصل السابع: المصالح المرسلة:
المصلحة: هي الوصف الذي يكون في ترتيب الحكم عليه جلب منفعة أو درء مفسدة.
وقد قسم علماء الأصول المصالح ثلاثة أقسام:
١ - ما شهد الشرع باعتبارها، وهذه معتبرة باتفاق.
٢ - ما شهد الشرع بإلغائها، وهذه ملغاة بالاتفاق.
٣ - ما لم يشهد لها الشرع باعتبار ولا بإلغاء بدليل معين، وكانت في الأمور التي يدرك العقل معناها، وهذا القسم هو الذي يسمى (بالمصالح المرسلة) وهو الذي اختلف العلماء في صلاحيته لترتيب الأحكام عليه (٢).
وقد اتخذها بعض علماء الأصول من الحنابلة حجة يعتمد عليها في ترتيب الأحكام الشرعية في أبواب المعاملات التي لا نص فيها ولا إجماع ولم يسبق لها نظير تلحق به. وذلك كما فعل الطوفي ومن تأثر به كابن بدران (٣).
ويرى الإمام مالك إن الاستصلاح حجة في الحاجيات والضروريّات.
ويرى الظاهرية وبعض الشافعية كالآمدي وابن الحاجب من المالكية أنه لا يصح الاحتجاج بالمصالح المرسلة ولا بناء الأحكام عليها (٤).
стр. 29
الأصل الثامن: الاستحسان:
الاستحسان لغة: عَدُّ الشيء حسنًا.
وشرعًا: هو العدول عن موجب القياس إلى دليل هو أقوى منه (١).
وقال به علماء الأصول من الحنابلة. وذكر الطوفي: أن القول به هو مذهب أحمد. وذكر القاضي أبو يعلى: أن أحمد قد نص على الاستحسان في مسائل منها:
١ - قوله في رواية صالح في المُضَاربِ: إذا خالف المضَارِبُ فاشترى غير ما أمره به صاحب المال أن الربح لصاحب المال وللمضارب أجرة مثله ما لم يُحِط الربح بأجرة مثله، وقال: كنت أذهب إلى أن الربح لصاحب المال ثم استحسنت.
٢ - وقال في رواية الميموني: أستحسن أن يتيمم لكل صلاة، ولكن القياس أنه بمنزلة الماء حتى يحدث أو يجد الماء.
٣ - وقال في رواية المروذي: يجوز شراء أرض السواد ولا يجوز بيعها. فقيل له: كيف نشتري ممّن لا يملك؟ فقال: القياس كما تقول ولكن هو استحسان (٢).
ويروى عن أحمد وغيره ذم الاستحسان. وحمله العلماء على القول بالهوى والتشهي.
ويرى المحققون من الحنابلة وغيرهم أن الاستحسان ليس دليلًا مستقلًا ولكنه من باب ترجيح الأدلة بعضها على بعض، فإنه لا يجوز الاستحسان من غير دليل، وإذا كان مستندًا إلى دليل فالحجة في سنده (٣).
стр. 30
الأصل التاسع: شرع من قبلنا:
المقصود به الأحكام الشرعية التي ثبتت على من قبلنا وذكرت في شرعنا، ولم يرد في شرعنا نسخها ولا مطالبتنا بها.
وللإمام أحمد فيها روايتان:
الأولى: أنه شرع لنا. وعليها جمهور الحنابلة واختارها أبو يعلى، وأبو الحسن التميمي، وقال عنها أبو البركات: إنها أصح الروايتين، وكذلك صححها الفتوحي في شرح الكوكب المنير. ويمثل الأصحاب لهذه الرواية بما ذُكِرَ عن أحمد أنه سُئِلَ عن امرأة حلفت أن تنحر ولدها فقال: عليها كبش تذبحه وتتصدق بلحمه.
واستدل بقوله تعالى: ﴿وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾ (١)(٢).
وقد ذهب إلى هذا أكثر الحنفية، وهو المشهور في مذهب مالك.
الثانية: أنه ليس بشرع لنا. واختارها أبو الخطاب وهو المشهور في مذهب الشافعي وقول لبعض الحنفية (٣).
الأصل العاشر: سد الذرائع وإبطال الحيل:
الذريعة: الوسيلة إلى الشيء.
واصطلاحًا: الوسيلة المفضية إلى فعل محرم. يقول شيخ الإِسلام ابن تيمية: الذريعة ما كان وسيلة وطريقًا إلى الشيء، لكن صارت في عرف الفقهاء عبارة عما أفضت إلى فعل محرم، ولو تجردت عن ذلك الإفضاء لم يكن لها مفسدة.
стр. 31
ولهذا قيل: الذريعة الفعل الذي ظاهره مباح، وهو وسيلة إلى فعل محرم (١).
والحيل: جمع حيلة وهي هنا: ما يكون من الطرق الخفية موصلًا إلى استحلال المحرم بحيث لا يفطن له إلا بنوع ذكاء.
والمراد بإبطالها: إلغاؤها وعدم الاعتداد بها.
وتنقسم الذرائع باعتبار إفضائها إلى المفسدة إلى ثلاثة أقسام:
١ - ذريعة تفضي إلى المفسدة قطعًا، وقد أجمع العلماء على سدها، وذلك كحفر بئر خلف باب الدار في طريق مظلم بحيث يقع فيه كل من يدخل أو يخرج من الدار.
٢ - ذريعة تفضي إلى المفسدة غالبًا، كبيوع الآجال التي تتخذ ذريعة إلى الربا وقد اعتبرها مالك وأحمدُ، فحرَّما هذه الأنواع من البيوع، ولم يعتبرها أبو حنيفة والشافعيُّ فقالا: بالجواز في بيوع الآجال.
٣ - ذريعة تفضي إلى المفسدة نادرًا، وإفضاؤها إلى المصلحة أرجح، وذلك كزراعة العنب؛ لأنّ اتخاذ الخمر منه نادر واتخاذه للأكل أكثر، وهذا القسم لا اعتبار للذريعة فيه بلا خلاف بين العلماء.
وقد شدّدَ شيخ الإِسلام في وجوب سد الذرائع وإبطال الحيل إلى المحرمات. واقتفاه تلميذه ابن القيم في إعلام الموقعين بما لا مزيد عليه (٢)، بل جعل ﵀ سد الذرائع أحد أرباع الدين. قال: وباب سد الذرائع أحد أرباع التكليف فإنه أمر ونهي، والأمر نوعان:
أحدهما: مقصود لنفسه.
والثاني: وسيلة إلى المقصود.
والنهي نوعان:
أحدهما: ما يكون المنهي عنه مفسدة في نفسه.
стр. 32
والثاني: ما يكون وسيلة للمفسدة.
فصار سد الذرائع المفضية إلى الحرام أحد أرباع الدين (١)
الأصل الحادي عشر: العرف:
العرف لغة: المعروف وهو ضد المنكر. وسمي بذلك لأنّ النفوس تسكن إليه.
وشرعًا: ما تعارف عليه الناس وصار عندهم شائعًا، سواء كان في جميع البلدان أو بعضها، قولًا كان أو فعلًا (٢)، وهو قسمان:
١ - عرف صحيح: وهو ما شهد له الشرع بالاعتبار في الجملة، أو لم يعارض نصوص الشارع.
٢ - عرف فاسد: وهو ما تعارف عليه الناس مما يخالف نصوص الشارع ويصادم قواعده (٣). ولم ينازع أحد من الفقهاء في اعتبار العرف مصدرًا ودليلًا تُبْنَى عليه الأحكام، بل لقد اشتهرت بين الفقهاء قواعد فقهية تبيّن قيمة الأعراف الصحيحة في المجتمع، كقول الفقهاء: المشروط عرفًا كالمشروط شرطًا والثابت بالعرف كالثابت بالنص (٤) وكقولهم العادة محكمة.
وقد لاحظ ذلك فقهاء الحنابلة في كثير من فتاواهم وأحكامهم -وخاصة في باب المعاملات- لأنهم يتوسعون فيها، ويعتبرون المعاني والمقاصد، ولا يقفون عند الألفاظ فقط.
وقد مثل ابن القيم لجريان العرف مجرى النطق بمسائل كثيرة منها:
١ - لزوم نقد البلد في المعاملات وإن لم يشترطه.
٢ - ضرب الدابة المستأجرة إذا حَرَنَتْ في الطريق.
стр. 33
٣ - لَوْ جَذَّ ثماره أو حصد زرعه ثم بقي من ذلك ما يرغب عنه عادة، جاز لغيره التقاطه وأخذه وإن لم يأذن فيه لفظًا (١).
نظرة في "المفردات":
ذكر ناظم "المفردات" أنه لم يذكر في منظومته إلا الصحيح الأشهر عند أكثر علماء الحنابلة من أهل النظر والتحقيق حيث قال:
بنيتها على الصحيح الأشهر ... عند أكثر الأصحاب أهل النظر
ومن درس المسائل التي ذكرها الناظم في هذه المنظومة، يجد أن ناظمها ﵀ لم يلتزم هذا الشرط كما نبه عليه علاء الدين المرداوي في مقدمة كتابه الإنصاف حيث قال: وكذلك، ناظم "المفردات" فإنه بناها على الصحيح الأشهر وفيها مسائل ليست كذلك (٢)، ونبه عليها الشيخ منصور في أول هذا الكتاب.
ونريد هنا أن نسوق أمثلة من المسائل التي ذكرها الناظم، وكانت مما ضعفه المحققون من علماء الحنابلة، كما ذكره الشيخ منصور في الشرح، أو ذكرته في التعليق ومنها:
١ - كراهية الوضوء من ماء زمزم.
٢ - إذا خلت المرأة بالماء للشرب فلا يَرفَعُ باقيه -إذا كان دون القلتين- حدث الرجل.
٣ - إمامة المرأة بالرجال في صلاة التراويح.
٤ - أن من ملك خمسين درهمًا فهو غني لا تحل له الزكاة.
٥ - إيجاب الزكاة في بقر الوحش السائمة إذا بلغت نصابًا.
٦ - العبد المشترك على كل واحد من مالكيه صاع في زكاة الفطر.
стр. 34
٧ - الإسهام للبعير في الجهاد إذا كان صاحبه لا يقدر على فرس.
٨ - إرث بنت المولى بالولاء.
٩ - إذا تزوج الحر أمة زواجًا صحيحًا مكتمل الشروط، ثم تزوج حرة، بطل زواج الأمة، وكان زواج الحرة طلاقًا لها.
١٠ - تحريم الكتابية على المسلم إذا كانت أمها حربية.
١١ - أن الكفاءة في النكاح شرط لصحته.
١٢ - حصول الرجعة بالخلوة.
١٣ - إذا جنى المرء على نفسه ضمنت العاقلة ديته لورثته، إذا كان القتل خطأ أو شبه عمد.
١٤ - إذا أُكْرِهَ الرجلُ على الزنا فَيُحَدُّ؛ لأنه لا يتصور منه الزنا مع الإكراه.
١٥ - نصب القاضي سنّة وليس فرض كفاية.
١٦ - انعقاد اليمين بالرسول.
١٧ - إذا أثخن الصائد الصيد وأدركه وفيه حياة مستقرة، ولم يكن معه آلة يذكيه بها، أرسل عليه الجارح، فإذا قتله حل.
وقد استقصى المرداوي في كتاب الإنصاف الروايات في مذهب الإمام أحمد، ونَبَّهَ على كثير مما انفرد به، ومنها روايات ضعيفة نبه عليها محققو المذهب، وأهملها الناظم لضعفها، منها:
١ - ابتداء مدة المسح على الخفين من المسح بعد الحدث (١).
٢ - إذا لبس الخف ثم أحدث ثم سافر قبل المسح أتم مسح مقيم (٢).
стр. 35
٣ - إذا لبس الخف ثم أحدث ومضى وقت صلاة ثم سافر أتم مسح مقيم (١).
٤ - إباحة التنفل بركعتين قبل صلاة المغرب (٢).
وإذا راجعنا ما كتبه فقهاء الحنابلة حول هذه المسائل الفقهية، وجدنا أن محققي المذهب قد أوضحوا ضعفها، وبينوا ما صح عن الإمام أحمد منها، وما يعضده الدليل، وما هو المذهب عند كبار أصحاب أحمد الذين تأثروا بمنهجه، وجمعوا بين الرصيد الضخم من الأحاديث والآثار، وبين العلم بالفقه وطرق الاستنباط التي عَوَّلَ عليها أحمد في فتاواه.
ولا يعني هذا أن جملة ما انفرد به أحمد ضعيف، فإن أكثر مفرداته التي لم يختلف فيها مذهبه يكون قوله فيها راجحًا، وما انفرد به مما هو ضعيف يكون له في الغالب رواية توافق القول الراجح فيه، قال شيخ الإِسلام ابن تيمية:
وأكثر مفاريد أحمد -التي لم يختلف فيها مذهبه- يكون قوله فيها راجحًا. كقوله بجواز فسخ الإفراد والقران إلى التمتع.
وقبوله شهادة أهل الذمة على المسلمين عند الحاجة، كالوصية في السفر.
وقوله: بتحريم نكاح الزانية حتى تتوب.
وقوله: بجواز شهادة العبد.
وقوله: بأن السنة للمتيمم أن يمسح الكوعين بضربة واحدة.
وقوله: في المستحاضة بأنها تارة ترجع إلى العادة وتارة ترجع إلى التمييز، وتارة ترجع إلى غالب عادات النساء .. فإنه روي عن النبي ﷺ ثلاث سنن، عمل بالثلاث أحمد دون غيره.
стр. 36
وقوله: بجواز المساقاة والمزارعة على الأرض البيضاء والتي فيها شجر، وسواء كان البذر منهما أو من أحدهما، وجواز ما يشبه ذلك وإن كان من باب المشاركة ليس من باب الإجارة، ولا هو على خلاف القياس ونظير هذا كثير. أهـ (١).
وسترى في هذا الكتاب -في غالب أبواب الفقه- مسائل انفرد بها الإمام أحمد وكان الدليل في جنبته، ووافقه عليها أئمة كبار من أتباع المذاهب الأربعة وغيرهم.
أسباب الانفراد:
إن من يستقرئ المسائل التي انفرد بها أحمد، والتي دَوَّن غالبها لنا هذا الكتاب لا بد أن يلمس أن وراء هذا الانفراد أسبابًا سوغت للإمام أحمد أن يخالف ما سمعه من مشايخه -كالشافعي وغيره- وما نقل إليه من بعض علماء السلف قبله. وقد تكون هذه الأسباب التي نشير إلى بعضها يشترك مع الإمام فيها أئمة المذاهب الأخرى أو بعضهم. لكن الاختلاف في تطبيق القاعدة على المسائل الفرعية هو السبب الكامن وراء هذا. الانفراد، ولا نستطيع أن نحصر جميع الأسباب التي نشأ عنها الخلاف في جميع هذه المفردات ولكنا هنا نذكر أهمها بإيجاز فنقول:
الأوّل: كثرة الأحاديث النبوية الصحيحة:
كثر تدوين الأحاديث في عصر الإمام أحمد فألفت الصحاح وجمعت السنن والمسانيد والمصنفات، وتوفر بين يدي طلبة العلم ما اجتمع من أحاديث الآفاق.
وكان أحمد حافظة عصره؛ طاف في طلب الحديث كثيرًا من البلاد الإِسلامية، والتقى بحفظة العصر وأئمة الحديث في العراق والشام والحرمين واليمن، فاجتمع له ثروة عظيمة لم تكن لأحد من معاصريه أو سابقيه. ولقد
стр. 37
قيل: إن أحمد يحفظ ألف ألف حديث. وهو مع ذلك من صيارفة الحديث وعلماء الرجال الذين يفحصون أسانيد الأحاديث، فيعرفون صحيحها وضعيفها، ويفرقون بين جيدها ورديئها. وقد كان لذلك أثره الواضح في فقه الإمام، ويستطيع القارئ لهذا الكتاب أن يلمس أثره واضحًا في مسائل منها:
١ - روى إبراهيم الحربي قال: قال سلمة بن شبيب لأحمد بن حنبل: يا أبا عبد الله، كل شيء منك حسن جميل إلا خصلة واحدة، فقال: وما هي؟. قال: تقول بفسخ الحج. فقال أحمد: قد كنت أرى أن لك عقلًا، عندي ثمانية عشر حديثًا صحاحًا جيادًا كلها في فسخ الحج أتركها لقولك؟ (١).
٢ - نقض الوضوء بأكل لحم الجزور، وقد روى فيه أحمد حديثين أحدهما عن البراء بن عازب والثاني عن جابر بن سمرة. قال أحمد: فيه حديثان صحيحان حديث البراء (٢) وحديث جابر بن سمرة (٣).
٣ - الأخذ بجميع صور الوتر الثابتة عن النبي ﷺ . وقد ذكر في هذا الكتاب ما انفرد به أحمد منها وهي:
أ- الإيتار بخمس سردًا، لا يجلس إلا في آخرها (٤).
ب- الإيتار بسبع سردًا؛ لا يجلس إلا في آخرها (٥).
جـ- الإيتار بتسع ركعات؛ يجلس بعد الثامنة فيتشهد ثم يقوم فيصلي التاسعة فيتشهد التشهد الثاني ويسلم (٦).
٤ - سلب الجاني في حرم المدينة، وقد روى فيه حديث سعد بن أبي وقاص الذي في مسلم (٧).
стр. 38
٥ - كراهية المشي بالنعلين في المقابر. فقد روى فيه أحمد حديث بشر بن الخصاصية وقال: إسناده جيد (١).
٦ - إرث الجدة أم الأب مع ابنها الذي أَدْلَتْ به، لحديث ابن مسعود الذي رواه الترمذيُّ وسعيد بن منصور (٢).
الثاني: كثرة آثار الصحابة:
كثر تدوين آثار الصحابة في هذا العصر، فظهر رجال من المحدثين جعلوا أكبر همهم -بعد تدوين الحديث- تتبع أفعال الصحابة وفتاواهم وتجميعها وترتيبها على أبواب الفقه أو أسماء رواتها. وكان من أقدم من اشتهر بذلك -وكان له فيه باع كبير- شيخ الإمام أحمد عبد الرزاق الصنعاني المتوفى ٢١١هـ، الذي ألف كتاب المصنف. وهو كتاب ضخم فريد. ثم كان الإمام الحافظ الحجة أبو بكر ابن أبي شيبة المتوفى ٢٣٥ هـ، الذي ألف كتاب (المصنف) وهو مملوء بالآثار عن الصحابة رضوان الله عليهم. وكان للإمام أبي محمَّد الدارمي المتوفى ٢٥٥ هـ باع كبير في ذلك، فقد جمع في كتابه السنن كثيرًا من آثار الصحابة وفتواهم.
وكان لآثار الصحابة منزلة كبيرة في دليل الفقه الحنبلي، حتى قل أن تجد مسألة لم يستدل لها بأثر عن الصحابة. ويستطيع القارئ أن يلمس ذلك واضحًا في كتب الفقه التي اهتمت بذكر الدليل، كالمغني والشرح الكبير وغيرهما.
وقد كان أحمد ﵀ إذا لم يكن عنده نص ولا إجماع، ووجد في المسألة قولًا لأحد الصحابة، ولم يعرف له مخالفًا أخذ به، ولا يكون عنده بمنزلة الإجماع. ولكنه يقول: لا أجد شيئًا يدفعه، أو نحو ذلك (٣).
وإليك بعض الأمثلة التي ذكرها الأصحاب عن الإمام مما يوضح ذلك، وهي موجودة في هذا الكتاب.
стр. 39
١ - يرى الإمام أحمد أن بيع العربون جائز، وهو أن يشتري السلعة فيدفع إلى البائع درهمًا أو غيره؛ على أنه إن أخذ السلعة احتسب به من الثمن وإن لم يأخذها فذلك للبائع.
ويرى الأئمة الثلاثة أنه لا يجوز (١)، ويستدلون بحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي ﷺ نهى عن بيع العربون، رواه ابن ماجة (٢) وقد ضعف أحمد هذا الحديث، وأخذ بما صح عن عمر ﵁؛ فإن نافع بن عبد الحارث اشترى له دار السجن من صفوان بن أمية، فإن رضي عمر وإلا فله كذا وكذا (٣).
وقد روى الأثرم قال: قلت لأحمد: تذهب إليه؟ قال: أي شيء أقول؟ هذا عمر ﵁، وضعف الحديث المروي (٤).
٢ - إذا ضرب رجل رجلًا حتى أحدث، فهل يجب للمضروب دية؟
يرى الأئمة الثلاثة أنه لا دية له؛ لأنّ الدية إنما تجب لإتلاف منفعة أو عضو أو إزالة جمال. وهو القياس (٥).
стр. 40
ويرى أحمد أن له ثلث الدية، ويستدل بما روي أن عثمان قضى فيمن ضرب إنسانًا حتى أحدث بثلث الدية (١). وقد قال أحمد: لا أعرف شيئًا يدفعه، فقدم قول الصحابي على القياس (٢).
الثالث: تقديم خبر الواحد على القياس:
إذا تعارض خبر الواحد مع القياس؛ فمذهب الشافعي وأحمدُ والمشهور من مذهب أبي حنيفة ومالك تقديم الخبر (٣)؛ وقد قبل الإمام أحمد أخبارًا كثيرة رجحها على القياس منها:
١ - قدم حديث الحكم بن عمرو الغفاري في النهي عن وضوء الرجل بفضل وضوء المرأة (٤) على القياس؛ وهو عدم الفرق بين المرأة والرجل.
٢ - أخذ بحديث أبي هريرة في الأمر بغسل اليدين من نوم الليل (٥) وترك القياس فيه؛ وهو عدم الفرق بين نوم الليل والنهار.
٣ - أخذ بحديث أبي هريرة في انتفاع المرتهن بالرهن مقابل النفقة (٦) مع مخالفته للقياس من وجهين:
أحدهما: أنه يجيز لغير المالك أن ينتفع بالحيوان، المرهون بغير إذن المالك.
والثاني: تضمينه الانتفاع بالنفقة لا بالقيمة (٧).