← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 6538

المنح الشافيات بشرح مفردات الإمام أحمد

البهوتي

Полный текст (858 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.

стр. 771

ومن كتاب القضاء (١) والدعاوى القضاء في الأصل: إحكام الشيء والفراغ منه، ويكون بمعنى إمضاء الحكم وسمي الحاكم قاضيًا، لأنّه يحكم الأشياء ويفصلها. والدعاوى: جمع دعوى وهي إضافة الإنسان إلى نفسه استحقاق شيء في يد غيره أو ذمته. وأجمع المسلمون على مشروعية (٢) نصب القضاة والحكم بين النَّاس لقوله تعالى: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ الله﴾ [المائدة: ٤٩]، وقوله: ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ﴾ [هـ: ٢٦]، وللأخبار (٣) ويأتي بعضها. ونصب قاض عندنا ما فرضا ... وعكس الشيخان ذا ونقضا أي: نصب القاضي سنة (٤) نصر القاضي وأصحابه (٥)، وقال الشيخان: فرض كفاية وهو المذهب وعليه جمهور الأصحاب وقطع به في التنقيح والإقناع والمنتهى وغيرها؛ لأنّ (٦) أمر النَّاس لا يستقيم (٧) بدونه فكان واجبًا

стр. 772

عليهم كالجهاد والإمامة قال أحمد: لا بد للناس من حاكم: أتذهب (١) حقوق النَّاس (٢)؟. يقبل بعد العزل قول القاضي ... كنت حكمت مطلقًا في الماضي أي: يقبل قول القاضي بعد عزله إذا كان عدلًا لا يتهم كنت حكمت لفلان على فلان بكذا حيث كان ممّن (٣) يسوغ حكمه له به قال إسحاق. وقال أكثر الفقهاء: لا يقبل قوله، لأن (٤) من لا يملك الحكم لا من يملك الإقرار به كمن أقر بعتق عبده بعد بيعه (٥). ولنا: أنَّه لو كتب إلى غيره ثمّ عزل ووصل الكتاب بعد عزله لزم المكتوب إليه قبوله بعد عزل كاتبه فكذلك هذا، ولأنّه أخبر بما حكم به وهو غير متهم فيجب قبوله كحال ولايته، وسواء ذكر سنده (٦) أو لا ولو أن العادة تسجيل (٧) أحكامه وضبطها بشهود قال القاضي مجد الدين: ما لم يشتمل على إبطال حكم حاكم (٨) وحسنه القاضي مجد الدين (٩) بن نصر الله.

стр. 773

ومثبت الحق على الغياب ... أو طفل أو غير ذوي الألباب فحقه يعطى بلا استحلاف ... مع الشهود ذا من الإنصاف يعني: إذا أدعى على غائب مسافة قصر أو على طفل أو مجنون أو ميت وأقام (١) بينة تامة أعطي حقه ولم يحلف مع بينته (٢) يمين الاستظهار (٣) على الصّحيح من المذهب. وقال الشّافعيّ وغيره: يحلف، لأنّه يجوز أن يكون استوفى ما قامت به البينة أو ملكه العين الّتي قامت بها البينة، ولأن الحاكم مأمور بالاحتياط (٤). ولنا: قول النبي ﷺ : "البينة على المدعي واليمين على المدعى عليه" (٥)، ولأنّها بينة عادلة فلم يجب اليمين معها كما لو كانت على حاضر مكلف. عين بيد الغير مذ تداعيا (٦) ... أقر لكن قال: لست واعيًا من منهما؟ بلا شهود يقرع ... وحلف القارع أيضًا يشرع يعني: إذا ادعى اثنان عينا بيد غيرهما فقال: لا أعرف صاحبها، أو قال: هي لأحدهما ولا أعرف عينه، ولا بينة أقرع بينهما، فمن خرجت له

стр. 774

القرعة حلف أن العين له وأخذها، لما روى أبو هريرة: "أن رجلين تداعيا عينا لم يكن لواحد منهما بيِّنة فأمرهما النبي ﷺ أن يستهما (١) على اليمين أحبا أو كرها" (٢)، رواه أبو داود (٣)، ولأنّهما تساويا في الدعوى ولا بينة لواحد منهما ولا يد، والقرعة يتميز (٤) عند التساوي، كما لو أعتق عبيدًا لا مال له (٥) غيرهم في مرض موته (٦). وإن يكونا قد أقاما بينة ... تعارضا والقرعة المبينة يعني: إذا ادعيا عينا ليس (٧) بيديهما وهي بيد غيرهما كما تقدّم (٨) وأقام كلّ منهما بينة (٩) بها تعارضت بينتاهما وتساقطتا وأقرع بينهما فمن خرجت له القرعة حلف وأخذها روي (١٠) عن ابن (١١) عمر وابن الزبير، وبه قال إسحاق وأبو عبيد، وهو (١٢) رواية عن مالك وقديم قول (١٣) الشّافعيّ لما روى ابن المسيّب أن رجلين اختصما إلى رسول الله ﷺ في أمر وجاء كلّ منهما بشهود عدول على عدة واحدة فأسهم النبي ﷺ بينهما رواه الشّافعيّ في مسنده (١٤)، ولعدم المرجح.

стр. 775

وقال أبو حنيفة: تقسم العين بينهما، وهو قول الشّافعيّ: (لما روى أبو موسى: "أن رجلين اختصما إلى رسول الله ﷺ في بعير فأقام كلّ واحد منهما شاهدين فقضى رسول الله ﷺ بالبعير بينهما (١) " (٢) وله قول آخر: تقدّم إحدى البينتين بقرعة (٣)، وله قول آخر: يوقف الأمر حتّى يتبين وهو قول أبي (٤) ثور (٥). ولنا: خبر أبي موسى (٦) وابن المسيّب، ولأن تعارض الحجتين لا يوجب التوقف كالخبرين، بل إذا تعذر الترجيح أسقطناهما ورجعنا إلى دليل غيرهما فتُسْقَط (٧) البينتين ويقرع (٨) بينهما فمن خرجت له القرعة حلف وأخذها كما لو لم يكن (٩) لهما (١٠) بينة.

стр. 776

بينة الخارج قدمها على ... بينة الداخل والغ الجدلا حتّى (١) ولو تشهد بالنتاج ... بينة الداخل والنساج أيضًا ولو كانت بسبق الملك ... تشهد عن إمامنا ذا محكي يعني: إذا كان العين بيد إنسان فادعاها آخر وأقام كلّ منهما بينة (٢) بدعواه قدمت بينة المدعي، وتسمى (بينة المدعي) (٣) بينة الخارج، وتسمى بينة المدعى عليه بينة الداخل، وهو قول إسحاق، وسواء شهدت بينة الداخل بالملك فقط أو بالنتاج بأن تشهد (٤) بأنّها نتجت في ملكه أو بالنساج بأن تشهد أنَّه نسجها (٥) أو بسبق الملك (٦) بأن تشهد أنّها في ملكه منذ سنتين (٧) وبينة الخارج منذ سنة أولًا فتقدم بينة الخارج بكل حال. وقال أكثر أهل العلم: تقدّم بينة المدعى عليه (٨) بكل حال؛ لأنّ جنبته أقوى، لأنّ الأصل معه ويمينه تقدّم على يمين المدعي (٩). وقال بعضهم: إنَّ شهدت بالنتاج أو النسج فيما لا يتكرر نسجه قدمت، لأنّها إذا شهدت بالسبب فقد أفادت ما لا تفيده اليد (١٠).

стр. 777

ولنا: قول النبي ﷺ : "البيِّنة على المدعي واليمين على المدعى عليه" فجعل جنس البينة في جنبة المدعي فلا يبقى في جنبة المدعى عليه بينة، ولأن بينة المدعي أكثر فائدة فوجب تقديمها كتقديم (١) بينة الجرح على (بينة) (٢) التعديل، ودليل كثرة فائدتها أنّها تثبت شيئًا (لم يكن، وبينة المنكر إنّما تثبت) (٣) شيئًا ظاهرًا تدل اليد عليه فلم تكن مفيدة، لأنّ الشّهادة بالملك يجوز أن يكون مستندها (٤) رؤية اليد والتصرف، فإن ذلك (٥) جائز عند كثير من أهل العلم (٦) فصارت البينة بمنزلة اليد المفردة فتقدم عليها بينة المدعي (٧) كما تقدّم على اليد، وحيث قلنا تقدّم بينة الخارج فلا فرق بين الرجلين والرجل والمرأتين والرجل (٨) واليمين فيما يكفي فيه ذلك، ولا ترجيح بكثرة عدد، أو (٩) اشتهار عدالة. عن ولدين كافر ومسلمٌ ... مات أب بأصل دين مبهم فالقول للكافر مع يمينه ... أن أباه مات وفق (١٠) دينه وعنه بل يقتسما (١١) ما ورثا ... والقاضيان فبذاك اكترثا يعني: إذا مات من لا يعرف دينه وخلف تركة وابنين يعترفان أنَّه أبوهما أحدهما مسلم والآخر كافر وادعى كلّ منهما أنَّه مات على دينه فإن

стр. 778

عرف أصل دينه فالقول قول من يدعيه، لأنّ الأصل بقاؤه عليه، وإن لم يعرف أصل دينه فالميراث للكافر (١). وقال أبو حنيفة: هو للمسلم منهما، لأنّ الدَّار دار إسلام (٢) يحكم بإسلام لقيطها ولذلك يغسل ويكفن ويصلّى عليه ويدفن في مقابر المسلمين، وقال الشّافعيّ: يقف (٣) الأمر حتّى يعرف أصل دينه أو يصطلحا (٤). ولنا: أن دعوى المسلم لا تخلو من أن يدعي كون الميِّت مسلمًا أصلِّيًا فيجب كون أولاده مسلمين (٥)، فيكون أخوه الكافر مرتدًا وهذا خلاف الظّاهر، فإن المرتد لا يقر على ردته في دار الإسلام، أو (٦) يقول إنَّ أباه كان كافرًا وأسلم قبل موته فهو معترف بأن الأصل ما قاله أخوه مدع زواله وانتقاله والأصل بقاء ما كان على ما كان عليه (٧) حتّى يثبت زواله. وعن أحمد رواية أخرى ذكرها ابن أبي موسى وغيره: أنّهما يقتسمان

стр. 779

التركة بينهما نصفين؛ لأنهما في الدعوى سواء كما لو تنازعا عينا في يديهما (١) والقاضيان هما أبو يعلى ويعقوب بن إبراهيم (٢). ومع جحود الدِّين لا بالظفر ... يؤخذ (٣) لو (٤) من جنسه في الأشهر يعني: إذا كان لرجل عند غيره حق وجحده ولا بينة له به أو لم يجبه إلى المحاكمة (٥)، ولم يمكنه إجباره عليها ونحو هذا فالمشهور في المذهب أنَّه ليس له أخذ قدر حقه (٦)، ولو من جنس دينه (٧). وقال الشّافعيّ: إنَّ لم يقدر على استخلاص حقه ببينة فله أخذ قدر حقه من جنسه أو غير جنسه، فإن كان (٨) له بينة وقدر على استخلاصه ففيه وجهان (٩). والمشهور من مذهب مالك: إنَّ لم (١٠) يكن لغيره عليه دين فله أن يأخذ بقدر حقه وإن كان عليه دين لم يجز لأنّهما يتحاصان (١١). وإن كان المال عرضًا لم يجز، لأنّه اعتياض (١٢)، واحتج من أجاز

стр. 780

الأخذ بقوله ﷺ لهند: "خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف" متفق عليه. ولنا: قول النبي ﷺ : "أد الأمانة إلى من ائتمنك ولا تخن من خانك" رواه التّرمذيّ وحسنه (١)، ومتى أخذ من ماله قدر حقه بغير إذنه فقد خانه، وقال ﵇: "لا يحل مال امرئ مسلم إِلَّا عن (٢) طيب نفس منه" (٣). ولأنّه إن أخذ من غير جنسه كان معاوضة بغير تراض، وإن أخذ من جنس حقه فليس له تعيين الحق بغير رضا صاحبه، فأمَّا حديث هند فإن أحمد اعتذر عنه بأن حقها واجب عليه في كلّ وقت، وهذا إشارة منه إلى الفرق بالمشقة في المحاكمة في كلّ وقت والمخاصمة كلّ يوم تجب فيه النفقة بخلاف الدِّين، وبينهما فروق أخر ذكرها في الشرح (٤) وغيره.

стр. 781

ومن كتاب الشهادات جمع شهادة وهي حجة شرعية تظهر الحق ولا توجبه مأخوذة من المشاهدة، لأنّ الشّاهد لا يشهد إِلَّا بما يعلمه كأنّه معاين له والأصل فيها قوله تعالى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢]، وقوله ﵇: "شاهداك أو يمينه" (١)، والسُّنَّة شهيرة بذلك. مقبولة شهادة العبيد ... في كلّ شيء ما خلا الحدود قولان في الحدّ كذا الأعراب ... لو في الجراح شهدوا ما ارتابوا على أهل مصر أو قرى (٢) لا تقبل (٣) ... والشيخ في القبول (٤) قال: أجمل أي: تقبل شهادة العبيد فيما عدا الحدود والقصاص وكذا شهادة الأُمَّة فيما تقبل فيه (شهادة) (٥) الحرة وبه. قال عروة وشريح وإياس وابن سيرين والبتي (٦) وأبو ثور وداود وابن المنذر (٧).

стр. 782

وقال مجاهد والحسن وعطاء والثوري وأبو حنيفة ومالك (١) والأوزاعي والشّافعيّ وأبو عبيد لا تقبل، لأنّهم غير ذوي (٢) مروءة ولأنّها مبنية (٣) على الكمال لا تتبعض فلم يدخل فيها العبد كالميراث (٤). ولنا: عموم آيات الشّهادة وهو داخل فيها فإنّه من رجالنا وهو عدل تقبل روايته (٥) وفتياه وأخباره الدينية. وقولهم: ليس له مروءة ممنوع بل هو كالحر ينقسم إلى من له مروءة ومن لا مروءة له. وقد يكون منهم العلماء والأمراء والصالحون والأتقياء، ولا يصح قياس الشّهادة على الميراث؛ لأنّه خلافة (٦) للموروث (٧) في ماله وحقوقه والعبد ما يصير إليه يملكه سيده فلا يمكن أن يخلف (٨) فيه (٩).

стр. 783

وأمّا شهادة العبيد في الحدود والقصاص ففيها روايتان والصّحيح قبولها أيضًا كما قطع به في التنقيح والإقناع والمنتهى وغيرها لما ذكرنا، ولأنّهم رجال (١) عدول فقبلت شهادتهم فيها كالحر (٢). وقوله كذا الأعراب إلى آخره أي: لا تقبل شهادة البدوي على القروي (٣) عند جماعة من أصحابنا وهو مذهب أبي (٤) عبيد (٥). وقال ابن سيرين وأبو حنيفة والشّافعيّ وأبو ثور: تقبل واختاره أبو الخطّاب والموفق وغيرهما وهو المذهب؛ لأنّ من قبلت شهادته على أهل البدو قبلت على أهل القرى ويحمل حديث أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: "لا تجوز (٦) شهادة بدوي على صاحب قرية" رواه أبو داود (٧) على من لم (٨) تعرف عدالته من أهل البدو؛ لأنّ الغالب عليهم الجفاء لحقوق الله والجفاء في الدِّين، وقال مالك: تقبل فيما عدا الجراح احتياطًا للدماء. موحد مع رفقة كفار ... وعدم المسلم في الأسفار إنَّ شهدوا وحلفوا ما بدلوا ... تقبل (٩) في الإيصاء نصًا نقلوا

стр. 784

أي: إذا كان مسلم مع رفقة كفار مسافرين ولم يوجد غيرهم من المسلمين فوصى وشهد بوصيته اثنان منهم قبلت شهادتهما ويستحلفان بعد العصر لا نشتري به ثمنًا ولو كان ذا قربى ولا نكتم شهادة الله وإنّها لوصية الرَّجل بعينه، فإن عثر على أنّهما استحقا إثما قام آخران من أولياء الموصي فحلفا (١) بالله لشهادتنا أحق من شهادتهما ولقد خانا وكتما ويقضى لهم (٢)، قال ابن المنذر: وبهذا (٣) قال أكابر الماضين (٤)، وممن قاله شريح والنخعي والأوزاعي ويحيى بن حمزة وقضى بذلك عبد الله بن مسعود في زمن عثمان رواه أبو عبيد (٥)، وقضى به أبو موسى الأشعري رواه أبو داود والخلال (٦). وقال أبو حنيفة ومالك والشّافعيّ: لا تقبل؛ لأنّ من لا تقبل شهادته على غير الوصيَّة لا تقبل في الوصيَّة كالفاسق وأولى: واختلفوا في تأويل الآية على أنحاء لا تليق بهذا المختصر (٧). ولنا: قول الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ (٨) حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾ [المائدة: ١٠٦] الآية، وهذا نصّ الكتاب، وقد قضى به رسول الله ﷺ كما في حديث ابن عبّاس رواه أبو داود (٩)، وقضى به بعده أبو موسى وابن مسعود كما تقدّم، وحمل الآية على أنَّه أراد من غير عشيرتكم لا يصح؛ لأنّ الآية نزلت في

стр. 785

قصة عدي وتميم بلا خلاف بين المفسرين (١)، ودلت عليه الأحاديث، ولأنّه لو صح ما ذكروه لم تجب الأيمان؛ لأنّ الشّاهدين من المسلمين لا قسامة عليهما، وكذا حملها (٢) على التحمل (٣). واحدة النسا (٤) بالاستهلال ... مذ (٥) شهدت مقبولة المقال كذاك (٦) في منصوصه (٧) الرضاع ... وعنه في استحلافها نزاع أي: تقبل شهادة امرأة واحدة فيما لا يطلع عليه الرجال غالبًا كعيوب النِّساء تحت الثِّياب والرضاع والاستهلال والبكارة والثيوبة والحيض ونحوه (٨)، وكذا جراحة ونحوها بحمام أو عرس. وعن أبي حنيفة لا تقبل شهادتهن منفردات في الرضاع؛ لأنّه يجوز أن يطلع عليه محارم المرأة من الرجال فلم يثبت بالنساء منفردات كالرجال

стр. 786

وحكي عن ذلك (١) أيضًا في الاستهلال وخالفه صاحباه (٢) وأكثر أهل العلم (٣). وقال الحاكم وابن أبي ليلى وابن شبرمة ومالك والثوري لا يقبل فيه إِلَّا امرأتان (٤). وقال أبو حنيفة: تقبل شهادة الواحدة (٥) في ولادة الزوجات لا (٦) المطلقات وقال عطاء والشعبي وقتادة والشّافعيّ: لا يقبل فيه إِلَّا أربع (٧) لقوله ﵇: "شهادة امرأتين بشهادة رجل" (٨). ولنا: ما روى عقبة بن الحارث قال: تزوجت أم يحيى بنت أبي إهاب فأتت أمة سوداء فقالت: قد (٩) أرضعتكما فأتيت النبي ﷺ فذكرت ذلك له فأعرض عني، ثمّ أتيته فقلت: يا رسول الله إنها كاذبة، فقال (١٠): "كيف وقد زعمت ذلك" متفق عليه (١١) وروى حذيفة أن النبي ﷺ أجاز شهادة القابلة (١٢)، ذكره الفقهاء في كتبهم، وروى أبو الخطّاب عن ابن عمر عن

стр. 787

النبي ﷺ قال: "يجزئ في الرضاع شهادة امرأة واحدة" (١)، ولأنّه معنى يثبت بقول النِّساء المنفردات فلا يشترط فيه العدد كالرواية وأخبار الديانات (٢)، وقوله ﵇: "شهادة امرأتين بشهادة رجل" أي: في الموضع الّذي تشهد فيه مع الرَّجل (٣) بدليل الآية وجمعًا بين الأخبار. وقوله: وعنه في استحلافها (٤) نزل الصّحيح من المذهب لا تحلف لظاهر الأخبار وكسائر الشهود. من ادعى حقًا وقال مالي ... بينة تظهر شرح حالي ثمّ أقام بعد ذا لا تسمع ... ليس كنفي العلم إذ قد أجمعوا أي: لو (٥) ادعى حقًا وقال: ما لي بينة أو لا بينة لي ثمّ أقام بينة بعد ذلك لا (٦) تسمع بينته (٧).

стр. 788

وقال الأكثر: تسمع، لأنّه يجوز أن ينسى أو يكون الشّاهدان سمعا (١) منه وصاحب الحق لا يعلم فلا يثبت بذلك أنَّه كذب نفسه (٢). ولنا: أنَّه كذَّب (٣) بينته؛ لأنّه أقر أنَّه لا يشهد له أحد فإذا شهد له إنسان كان تكذيبا له بخلاف قوله: لا (٤) أعلم لي (٥) بينة فإنّه إذا جاء ببينة (٦) تقبل لأنّه يجوز أن تكون (٧) له بينة لم يعلمها ثمّ علمها، وهذا معنى قوله: ليس كنفي العلم أي: ليس قوله لا بينة (٨) لي كقوله: لا أعلم لي بينة في عدم القبول؛ لأنّهم أجمعوا على القبول في قوله: لا أعلم لما تقدّم (٩). من الشهود ثالث إن رجعا (١٠) ... بعد القضا يضمن ثلثًا سمعًا أي: إذا شهد ثلاثة رجال بمال ثمّ رجع واحد منهم بعد القضاء على المشهود عليه (١١) بما شهدوا به عليه ضمن الراجع ثلث المشهود به، لأنّه أحد من حصل الإتلاف بشهادتهم فلزمه (١٢) من الضمان بقسطه كما لو رجع الجميع (١٣).

стр. 789

ونحو ذاك (١) في الزِّنا من خمسة ... واحد المضمون (٢) خمس الدية يعني: إذا شهد (٣) خمسة رجال بالزنا ثمّ رجع واحد فعليه القصاص أو خمس الدية. وقال أبو حنيفة: لا شيء عليه (٤)، لأن بينة الزِّنا قائمة فدمه غير محقون (٥). ولنا: أن الإتلاف حصل بشهادتهم فالراجع مقر بالمشاركة فيه عمدًا عدوانًا لمن هو مثله في ذلك فلزمه (٦) القصاص أو حصته (٧) من الدية كما لو أقر بمشاركتهم في مباشرة قتله، ولأنّه أحد من قتل المشهود عليه بشهادته فأشبه الثّاني من شهود القصاص والرّابع من شهود الزِّنا. وقولهم: إنَّ دمه غير محقون غير صحيح فإن الكلام فيما إذا قتل (٨) ولم يبق له دم يوصف بحقن ولا عدمه، وقيام الشّهادة لا يمنع وجوب القصاص كما لو شهدت لرجل باستحقاق القصاص فاستوفاه ثمّ أقر أنَّه قتله ظلمًا. وفي رجوع شاهد اليمين ... يضمن كلّ المال عن يقين يعني: إذا شهد شاهد بمال وحلف معه المدعي وحكم القاضي ثمّ رجع الشّاهد بعد الغرم غرم كلّ المال (٩).

стр. 790

وقال مالك والشّافعيّ: يضمن النّصف؛ لأنّه أحد حجتي الدعوى (فكان عليه النّصف كما لو كانا شاهدين) (١). ولنا: أن الشّاهد حجة الدعوى (٢) فكان الضمان عليه كالشّاهدين (٣) يحققه أن اليمين قول الخصم وقول الخصم (٤) ليس بحجة على خصمه وإنّما هو شرط الحكم (٥) فجرى مجرى مطالبته للحاكم (٦) بالحكم وبهذا ينفصل (٧) عما ذكروه وإن سلمنا أنّها حجة، فإنّما جعلها حجة شهادة الشّاهد ولهذا لم يجز تقديمها على شهادته. شاهد الفرع على ما أصلًا ... فواحد لواحد ذا قبلا أي: تثبت (٨) شهادة شاهدي الأصل بشهادة شاهدين يشهدان (٩) عليهما حيث تجوز الشّهادة على الشّهادة سواء شهدا على كلّ واحد منهما أو شهد على كلّ واحد منهما شاهد من شهود الفرع. قال القاضي: لا يختلف كلام أحمد في هذا، وهو قول الزّهريّ (١٠) وشريح والشعبي والحسن وابن شبرمة وابن أبي ليلى والثوري وإسحاق والبتي (١١) والعنبري، قال إسحاق: لم يزل أهل العلم على هذا حتّى جاء هؤلاء. وقال أبو حنيفة ومالك والشّافعيّ: لا يقبل على كلّ شاهد أصل إِلَّا

стр. 791

شاهدا فرع، لأنّ شاهدي الفرع يثبتان شهادة شاهدي الأصل، فلا تثبت شهادة كلّ واحد منهما بأقل من شاهدين (١) (٢). ولنا: أن هذا يثبت بشهادة اثنين وقد شهد اثنان بما يثبته فثبت (٣) كما لو شهدا بنفس (٤) الحق، ولأن شاهدي الفرع بدل من شهود الأصل فيكفي (٥) في عددهما ما يكفي في شهادة الأصل، ولأن شاهدي الفرع لا ينقلان عن شاهدي الأصل حقًا عليهما فوجب أن يقبل فيه قول كلّ (٦) واحد كأخبار الديانات (٧). وفي شهود الأصل أو في الفرع ... لا تدخل (٨) النِّساء قل بالمنع وعنه نصّ يقبلوا في الأصل ... حققه الشّيخ بجزم النقل أي: لا مدخل للنساء في الشّهادة على الشّهادة فلا يكن أصولًا ولا فروعًا، لأنّ في (٩) الشّهادة على الشّهادة ضعفًا فيزداد بشهادتهن ضعفًا فاعتبر تقويتها باعتبار المذكورة (١٠) فيها، وهذه رواية ذكرها أبو الخطّاب (١١).

стр. 792

وعنه: لهن مدخل فيها (١) كالشهادة بنفس الحق قال حرب: قيل لأحمد: فشهادة امرأتين على شهادة امرأتين تجوز؟ قال: نعم أي: إذا كان معهما رجل، وذكر الأوزاعي قال: سمعت نمير بن (٢) أوس يجيز شهادة المرأة على شهادة المرأة، وهذا قول أكثر أهل العلم (٣)، وهو الصّحيح من المذهب، وجزم به في الإقناع والمنتهى (٤) وغيرهما. ووجهه (٥): أن المقصود بشهادتهن (٦) إثبات الحق الذي يشهد به شهود الأصل فيدخل النِّساء فيه، فيجوز أن يشهد رجلان على رجل وامرأتين (٧) في كلّ حق يثبت بشهادتهن مع الرجال، وأن يشهد رجل (٨) وامرأتان (٩) على رجل وامرأتين، وأن تشهد (١٠) امرأة على شهادة امرأة في (١١) نحو (ما يخفي على الرجال غالبًا كالرضاع) (١٢) (١٣).

стр. 793

ومن باب الإقرار وهو الاعتراف: مأخوذ من المقر (١) كأن المقر باعترافه جعل الحق في محله ومكانه. والأصل فيه: الإجماع لقوله تعالى: ﴿وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ﴾ [التوبة: ١٠٢]، ولأنّه ﵇ رجم ماعزًا حين (٢) أقر بالزنا (٣) وكذا الغامدية (٤) والأخبار به شهيرة. لا يقبل إقرار (٥) بفتل العمد (٦) ... كخطأ إن كان ذا من عبد ما دام قنا جاريًا في الرق ... بعمده يتبع بعد العتق أي: لا يقبل إقرار العبد بأنّه قتل عمدًا (٧) عدوانًا ما دام قنًا ويتبع به بعد العتق نصّ عليه وبه قال زفر والمزني وداود وابن (٨) جرير الطّبريّ.

стр. 794

وقال أبو حنيفة ومالك والشّافعيّ: يصح إقراره (١)؛ لأنّه أحد نوعي القصاص فصح إقراره به (٢) كما دون النفس (٣). ولنا: أن إقراره يسقط (٤) حق سيده فأشبه الإقرار بقتل الخطأ، ولأنّه متهم في أن (٥) يقر لرجل ليعفو عنه ويستحق أخذه فيتخلص بذلك من سيده. ولا يقبل إقرار العبد بجناية خطأ أو شبه عمد أو ما يوجب مالًا كالجائفة (٦) والمأمومة (٧)؛ لأنّه إيجاب مال في رقبته يفوت حق سيده. لا يمض الاستثناء في الإقرار ... أكثر من نصف فلا تمار أي: لا يصح استثناء كثر من النّصف ويحكى ذلك عن ابن درستويه (٨) النحوي (٩)، وقال أبو حنيفة ومالك والشّافعيّ (١٠) وأصحابهم: يصح ما لم يستثن الكل، فلو (١١) قال له علي مائة إِلَّا تسعة وتسعين لم يلزمه إِلَّا واحدًا (١٢)، بدليل (١٣) قوله تعالى: ﴿فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٨٢) إِلَّا

стр. 795

عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ (٨٣)﴾ [ص:٨٢ - ٨٣]، وقوله: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ (٤٢)﴾ [الحجر: ٤٢]، (١) وأيهما (٢) كان الأكثر فقد دل على استثناء الأكثر، ولأنّه استثناء البعض فجاز كاستثناء (٣) الأقل. ولنا: أنَّه لم يرد في لسان العرب الاستثناء إِلَّا في الأقل وقد أنكروا استثناء الأكثر فقال (٤) أبو إسحاق الزجاج: لم يأت الاستثناء إِلَّا في القليل من الكثير، ولو قال قائل: مائة إِلَّا تسعة وتسعين لم يكن متكلمًا بالعربيّة وكان عيّا من الكلام ولكنة، وقال القتيبي (٥). يقال: صمت الشهر إِلَّا يومًا، ولا يقال صمت الشهر إِلَّا تسعة وعشرين (٦) يومًا، ويقال لقيت القوم جميعهم إِلَّا واحد أو اثنين ولا يجوز أن يقال لقيت القوم (٧) إِلَّا أكثرهم، وإذا لم يكن صحيحًا في الكلام لم يرتفع به (٨) ما أقر به كاستثناء الكل. وأمّا ما احتجوا به من التنزيل (٩) ففي الآية الأولى استثنى المخلصين من بني آدم وهم الأقل لقوله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَا هُمْ﴾ [ص: ٢٤]، وفي الآية (١٠) الأخرى استثنى (١١) الغاوين من العباد وهم الأقل فإن الملائكة من العباد وهم غير غاوين قال تعالى: ﴿بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٦].

стр. 796

ويصح استثناء النّصف فأقل، ويصح أيضًا قوله له الدَّار ثلثاها (١) ونحوه، لأنّ بدل البعض مخصص (٢) ويجوز في أكثر من النّصف. من غير جنس ما أقر استثنى ... أيضًا فلا يصح هذا المعنى لا فرق إنَّ كان الّذي استثناه ... في ذمة يثبت أو يأباه (٣) كذاك في استثنائه للذهب ... من فضة وعكسه في المطلب (٤) عبد العزيز ليس بالمفرق (٥) ... وإنّما يصح قول الخرقي يعني: إذا أقر بشيء واستثنى منه (٦) غير جنسه لم يصح الاستثناء سواء كان ما استثناه يثبت في الذِّمَّة كالمستثنى (٧) أوَّلًا، وسواء كان المستثنى (٨) ذهبًا من فضة أو بالعكس (٩) عند أبي بكر عبد العزيز، وهو المذهب خلافًا للخرقي حيث صحح استثناء الذهب من الفضة وعكسه (١٠)، وبالأول قال (١١) زفر ومحمَّد بن الحسن. وقال أبو حنيفة: إذا استثنى مكيلًا أو موزونًا جاز وإن استثنى عبدًا أو ثوبًا من مكيل أو موزون لم يجز (١٢). وقال مالك والشّافعيّ: يصح الاستثناء من غير الجنس مطلقًا (١٣)، لأنّه

стр. 797

ورد في الكتاب العزيز ولغة العرب قال تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ﴾ [الكهف: ٥٠]، وقال تعالى: ﴿لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْ وَا إِلَّا سَلَامًا﴾ [مريم: ٦٢]. قال الشاعر: وبلدة ليس بها (١) أنيس ... إِلَّا اليعافير وإلا العيس (٢) وقال آخر: أعيت جوابًا وما بالربع [من أحد ... إِلَّا أوارى لأيا (٣) ما (٤) أبينها (٥)] (٦) ولنا: أن الاستثناء صرف اللّفظ بحرف الاستثناء عما كان يقتضيه لولاه، وقيل: إخراج بعض ما تناوله المستثنى منه مشتق من قولك ثنيت فلانًا عن رأية إذا صرفته عن رأي: كان عازمًا عليه وثنيت عنان دابتي إذا صرفتها به عن وجهتها (٧) الّتي كانت تذهب إليها، وغير الجنس المذكور

стр. 798

ليس بداخل في الكلام فإذا ذكره فما صرف (١) الكلام عن صورته ولا ثناه (٢) عن وجهة (٣) استرساله فلا يكون استثناءً وإنّما هو استدراك حقيقة وتسميته استثناءً تجوزًا، وإلا هاهنا بمعنى لكن، هكذا قال أهل العربيّة منهم ابن قتيبة وحكاه عن سيبويه، والاستدراك لا يأتي إِلَّا بعد الجحد، ولذلك لم يأت [الاستثناء في الكتاب العزيز من غير الجنس إِلَّا بعد النفي، ولم يأت (٤) بعد الإثبات إِلَّا أن يكون بعده (٥) جملة. إذا تقرر هذا فلا مدخل للاستدراك في الإقرار؛ لأنّه إثبات للمقر له (٦) فإذا ذكر الاستدراك بعد كان باطلًا وإن ذكر بعده جملة كأن قال له عندي مائة درهم إِلَّا ثوبًا لي (٧) عليه، كان مقرًا بشيء مدعيًا (بشيء) (٨) سواه فيصح إقراره وتبطل دعواه كما لو (٩) صرح بذلك بغير الاستثناء. وأمّا إبليس فإما أن يكون من الملائكة لدخوله في الأمر بالسجود ولم يؤمر بالسجود غيرهم، أو لا يكون منهم لكن تناوله الأمر لكونه كان معهم فقد دخل في المستثنى [منه على كلّ حال فسقط الاستدلال (١٠) به للاستثناء] (١١) من غير الجنس. أيضًا ولا يصح ما استثناه ... بقول (١٢) إِلَّا أن يشاء الله

стр. 799

أي: إذا قال: له علي ألف دينار إن شاء الله [تعالى كان] (١) مقرًا بها نص عليه ولم يصح الاستثناء (٢). وقال أصحاب الشافعي وغيرهم: ليس بإقرار؛ لأنه علق إقراره على شرط فلم يصح كما لو علقه على مشيئة زيد، ولأن ما علقه على مشيئة الله لا سبيل إلى معرفته (٣). ولنا: أنه وصل بإقراره ما يرفعه كله ويصرفه إلى غير الإقرار فلزمه ما أقر به وبطل ما وصل به، كما لو قال له علي ألف إلا ألفًا، ولأنه عقب الإقرار بما لا يفيد حكما آخر ولا يقتضي رفع الحكم أشبه (٤) ما لو قال له علي ألف في مشيئة الله، وإن قال له علي ألف إلا أن يشاء الله صح الإقرار، لأنه (٥) أقر ثم علق رفعه على أمر (٦) لا يعلم فلم يرتفع، وإن قال له علي ألف إن شئت أو شاء فلان لم يصح (٧) عند القاضي ومن تابعه خلافًا للموفق ومن تبعه. لزيد الإقرار بل لحاتم ... بالعبد أو بالدار أو بالخاتم فهو لزيد يغرم المقر ... قيمته لحاتم تقر (٨) يعني: إذا قال: هذا العبد أو الخاتم أو هذه الدار لزيد لا بل لحاتم فالمقر به (٩) لزيد ويغرم المقر قيمته لحاتم وهذا ظاهر (١٠) أحد قولي

стр. 800

الشافعي، وقال في الآخر: لا يغرم لحاتم (١) شيئًا (٢)، وهو قول أبي حنيفة، لأنه أقر له بما عليه الإقرار به وإنما منعه الحاكم (٣) من قبوله وذلك لا يوجب الضمان (٤). ولنا: أنه حال بين حاتم وبين ملكه الذي أقر له به بإقراره لغيره (٥) فلزمه غرمه كما لو شهد رجلان على آخر أنه أعتق عبده ثم رجعا (٦) بعد الحكم أو (٧) كما لو رمى به في البحر ثم أقر به له وسواء كان إقراره بكلام متصل أو منفصل، وإن قال: غصبت هذه الدار من زيد وملكها لعمر لزمه دفعها لزيد (٨) لإقراره (٩) له باليد، وهو يقتضي كونها بيده بحق، وملكها لعمرو لا ينافي ذلك لجواز (١٠) أن تكون بيد (١١) زيد بإجارة أو وصية أو عارية، ولا يغرم لعمرو شيئًا، لأنه لم يكن (١٢) منه تفريط، بخلاف التي قبلها، لأنه أقر للثاني بما أقر به للأول فكان الثاني (١٣) رجوعًا عن الأول لتعارضهما، وفي البيت الجناس التام الخطي (١٤).

стр. 801

وحيث إقرار أتى (١) بألف ... ودرهم ونحوه (٢) هذا الوصف فالألف (٣) كالمعطوف في الإطلاق ... في كل إقرار على الإطلاق يعني: إذا قال له ألف ودرهم أو ألف وثوب (٤) أو وقفير (٥) حنطة ونحوه فالمجمل (٦) من جنس المفسر، وكذلك إن قال له ألف درهم وعشرة أو ألف ثوب وعشرون وهذا قول أبي ثور، كما لو قال: له مائة وخمسون درهمًا أو ثلاثمائة وثلاثة عشر غلامًا أو تسعة وتسعون درهمًا. ووافق النعمان في المكيل ... يعطف والموزون في التمثيل وقال في المعدود: ذا (٧) لا يقبل ... كالعبد والدار بهذا فصلوا أي: وافق أبو حنيفة النعمان في المكيل والموزون يعطف على المجمل في أنه يكون تفسيرًا له كأن يقول له ألف وقفيز بر أو ألف ورطل حديد ونحوه وقال في المعدود والمذروع (٨) كالعبد والدار والثوب (٩): إذا عطف على المجمل لا يكون تفسيرًا له، لأنّ على للإيجاب (١٠) في الذمة فإذا عطف عليه ما يثبت في الذمة بنفسه كان تفسيرًا له كقوله له مائة وخمسون درهمًا بخلاف المعدود والمذروع (١١) فإنهما لا يثبتان في الذمة بأنفسهما (١٢).

стр. 802

وقيل بل مرد (١) ذا عليه ... يرجع في تفسيره إليه وذاك قول الشافعي ومالك ... فاختر وخذ بأحسن المسالك يعني: وقال (٢) التميمي وأبو (٣) الخطاب في نحو له ألف ودرهم: إن الألف مجمل يرجع في تفسيره إلى المُقر وهذا قول مالك والشافعيُّ؛ لأنّ الشيء يعطف على غير جنسه قال تعالى: ﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة: ٢٣٤]، ولأن الألف مبهم فرجع في تفسيره إلى المقر كما لو لم يعطف عليه (٤). ولنا: أن العرب تكتفي بتفسير إحدى (٥) الجملتين عن (٦) الأخرى قال تعالى: ﴿وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلَاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا﴾ [الكهف: ٢٥]. وقال: ﴿عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ﴾ [ق: ١٧]، ولأنه ذكر مبهمًا مع مفسر ولم (٧) يقم الدليل على أنه من غير جنسه فكان المبهم من (٨) جنس المفسر (٩) كما لو قال: مائة وخمسون درهمًا يحققه أن المبهم يحتاج إلى التفسير، وذكر التفسير في الجملة المقارنة له يصلح (١٠) أن تفسره (١١) فوجب حمل الأمر على ذلك. (و) (١٢) أما قوله: أربعة أشهر وعشرا فامتناع (١٣) كون العشر أشهرًا

стр. 803

للقرينة (١)، إذا لو كانت أشهرًا لأنث الشعرة ولقال أربعة عشر شهرًا بالتركيب (٢) لا بالعطف كما لو (٣) قال تسعة عشر. وقولهم: إن الألف مبهم، قلنا: قد قرن به (٤) ما يدل على تفسيره، فأشبه ما لو قال: مائة وخمسون درهمًا أو مائة درهم عند أبي حنيفة. (تنبيه) في قوله فاختر (٥) وخذ بأحسن المسالك إشارة إلى أنه لا يلزم التمذهب (٦) بمذهب ويمتنع الانتقال إلى غيره، قال الشيخ تقي الدين (٧): العامي هل عليه أن يلتزم (٨) مذهبًا معينًا يأخذ بعزائمه ورخصه؟ فيه وجهان لأصحاب أحمد (٩)، وهما وجهان لأصحاب الشافعي، والجمهور من هؤلاء وهؤلاء (١٠) لا يوجبون ذلك، والذين يوجبون يقولون: إذا التزمه لم يكن له أن يخرج عنه ما دام ملتزمًا له أو ما لم (١١) يتبين له أن غيره أولى بالالتزام منه، ولا ريب أن التزام المذاهب والخروج عنها إن كان لغير أمر ديني (١٢)، مثل أن يلتمس مذهبًا لحصول غرض دنيوي من مال أو جاه (١٣) أو نحو ذلك فهذا مما (١٤) لا يحمد عليه بل يذم عليه في نفس الأمر، ولو كان ما انتقل إليه خيرًا مما انتقل عنه، وهو بمنزلة من يسلم لا يسلم إلا لغرض

стр. 804

دنيوي أو يهاجر من مكة إلى المدينة لامرأة يتزوجها أو دنيا يصيبها. قال: وأما إن كان انتقاله من مذهب إلى مذهب لأمر ديني فهو مثاب على ذلك بل واجب على كل أحد إذا تبيّن له حكم الله ورسوله في أمر أن لا (١) يعدل عنه ولا يتبع أحدًا في مخالفة (٢) الله ورسوله، فإن الله فرض (طاعته (٣) و) طاعة رسوله على كل أحد في كل (٤) حال) أ. هـ. وقال في الرعاية: من التزم مذهبًا أنكر عليه مخالفته بلا دليل ولا تقليد سائغ (٥) ولا عذر. وقال في موضع آخر: (و) (٦) يلزم كل مقلد أن يلتزم بمذهب معين في الأشهر، ولا يقلد غيره (٧)، وقيل (٨) بلى (٩)، وقيل ضرورة. هذا تمام الرجز الوجيز ... يحكي ابتهاج الذهب الإبريز الرجز: بفتحتين ضرب من الشعر وقد رجز الشاعر من باب نصر (١٠) وارتجز أيضًا. والوجيز: المختصر يقال أوجز الكلام قصره، وكلام موجز بفتح الجيم وكسرها، ووجز بوزن فلس ووجيز. والابتهاج: السرور والبهجة الحسن، والإبريز الفائق غيره.

стр. 805

والمعنى هذا تمام النظم من بحر الرجز القصير يشبه (١) الذهب (٢) الخالص الفائق (٣) في معدنه وأنواعه (٤) غيره. كم قد حوى من درة يتيمة ... في حسنها فما لها من قيمة الدرة: اللؤلؤة، والدرة اليتيمة التي لا نظير لها، وكم للتكثير أي: قد حوى هذا الرجز مسائل كثيرة تشابه الواحدة منها الدرة اليتيمة في حسنها فلا تعادل بقيمة لعظمها (٥). فجاء عقدًا (٦) نظمه اللآلي ... والجوهر الفرد بلا مثال العقد بكسر (٧) العين: القلادة، واللآلي: جمع لؤلؤة، والجوهر: معرب واحدته (٨) جوهرة، والفرد (٩): الوتر. أي: جاء هذا النظم كالعقد (١٠) المنظم باللآلي والجواهر المفردة التي لا مثال لها لبلوغه الغاية في الحسن. مستخرجًا من كنز بحر العلم ... ملتقطًا بغوص فكر القبح الغوص: النزول تحت الماء والغواص: الذي يغوص في البحر على اللؤلؤ. والفكر: التفكر والتأمل، والفهم: الإدراك، والكنز من المال: المدفون.

стр. 806

يقول: إنه استخرج هذا النظم من مدفون البحر العلمي والتقطه (١) بغوص فكره وفهمه غير مسبوق به. يكون تقليدًا لذي التقليد ... يسمو بذاك حلية في الجيد التقليد الأوّل: جعل القلادة في العنق، والثانى: الأخذ بقول المجتهد من غير نظر في دليله، والسمو: العلو، والحلية: ما يتحلى به، والجيد: العنق وجمعه أجياد. يقول: إن هذا النظم يكون (٢) كجعل القلادة في عنق المقلد يعلو (٣) به كالحلية في العنق. لا سيما إن كان لابن حنبل ... متبعًا لقوله المبجل فهو به أليق إذ لا يحسن ... جهلًا بقول عنه فردًا (٤) عنعنوا المبجل: المعظم، والجهل: خلاف العلم، والعنعنة: نقل الخبر بعن مع اتصال سنده. والمعنى لا سيما إن كان المقلد للإمام أحمد بن محمَّد بن حنبل متبعًا لقوله المعظم فإن هذا العقد أليق به من غيره، إذ لا يحسن جهله (٥) بقول انفرد به إمامه، ونقله (٦) عنه أصحابه فالجهل كله قبيح وهذا من أقبحه. ومبلغ العلم لما قد ذكروا ... هذا وما (٧) فات لعل أكثر

стр. 807

أي: هذا ما وصل إلى (١) الناظم علمه مما (٢) ذكره الأصحاب ولعل ما فاته أكثر منه إذ العلم بحر لا قرار له خصوصًا الفقه وهذا من حسن (٣) كماله اعترافًا بالعجز قال تعالى: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٨٥]. والحمد للكريم ذي الإنعام (٤) ... والمن بالإلهام والإتمام أي: الوصف بالجميل ثابت للكريم صاحب الإنعام المان بالإلهام لهذه الفوائد (٥) وإتمام هذا الرجز على الوجه المحكم البليغ (٦) وتقدم (٧) في أول (٨) الخطبة شرح الحمد وما يتعلق به. وأفضل الصلاة والتسليم .... على النبي الرؤوف الرحيم (٩) محمَّد الداعي إلى الرشاد ... والساعي في النصح وفي (١٠) الإرشاد الصلاة من الله الرحمة المقرونة بالتعظيم، والتسليم من السلام بمعنى التحية أو الأمان (١١) أو السلامة من النقائص. والنبي: إنسان أوحي إليه بشرع وإن لم يؤمر (١٢) بتبليغه، فإن أمر به فرسول أيضًا، والرأفة: شدة الرحمة، والرحمة: رقة (١٣) القلب وميله وانعطافه.

стр. 808

ومحمَّد: اسم من أسمائه ﵇، والرشاد: ضد الغي، والإرشاد، الهداية الدلالة للطريق الأرشد، والنصح: بضم النون مصدر نصح كالنصاحة بفتحها، وختم كتابه بالحمد لله والصلاة والسلام (١) على رسوله (٢) محمَّد ﷺ كما ابتدأه بذلك رجاء قبول ما (٣) بينهما. ما طابت الأذكار في الأسحار ... أو غردت ورق على الأشجار (٤) ما: مصدرية ظرفية، والأسحار: جمع سحر وهو آخر الليل، والتغريد: التطريب بالصوت والغناء يقال غرد الطائر من باب طرب فهو غرد وغرّد تغريدًا وتغرد (٥) تغردًا، والورق: بضم الواو جمع ورقاء وهي الحمامة في لونها بياض إلى سواد. والأشجار: جمع شجرة (٦)، وهو معلوم، وفي البيت الجناس المصحف (٧). والمراد إطالة (٨) الصلاة والتسليم على محمَّد ﷺ وعلى آله وأصحابه بمعنى أنه يطلب من الله تعالى أن (٩) يصلي ويسلم عليه صلاة وسلامًا لا نهاية لهما أو دوام ثمرتهما (١٠) وأجرهم (١١) وثوابهما. ناظمها (١٢) محمد بن علي ... المقدسي الصالحي الحنبلي أي: ناظم هذه المفردات الإمام الأمجد الفاضل الأوحد العلامة قال

стр. 809

ابن عبد الهادي في ذيل طبقات ابن رجب: محمَّد بن علي بن عبد الرحمن بن محمَّد بن سليمان بن حمزة بن أحمد (١) بن عمر بن الشيخ أبي عمر الشيخ الإمام العلامة شيخ الإِسلام وعلم الأعلام قاضي القضاة عز الدين المقدسي الأصل الصالحي الحنبلي كان فقيها عالمًا صالحًا زاهدًا ورعًا، أخذ (٢) عن ابن رجب وابن المحب وغيرهما، وتفقه بابن رجب وغيره، له يد في الفقه والنحو والأصول والحديث وغير ذلك، وولي قضاء دمشق ووجدت غالب كتب ابن رجب (٣) بخطه، ونظم مفردات الإمام أحمد بن حنبل، ودرس ورأس ومُدِحَ بالعلم، توفي سنة عشرين وثمانمائة بالصالحية، ودفن بمقبرة شيخ الإسلام أبي عمر، ورثاه شعبان ناظم الألفية بقصيدة طويلة مذكورة في الطبقات المذكورة. يسأل من (٤) مولاه غفر الزلل ... وأن يوفقه لأرجى العمل السؤال: الطلب، والمولى: السيد، ويطلق أيضًا على الناصر وغيره. والغفر: الستر، والزلل: الخطأ، والتوفيق: خلق قدرة الطاعة في العبد والداعية إليها، وأرجى: أفعل تفضيل من (٥) الرجاء. أي: يطلب من الله غفر زلله وتوفيقه لأرجى عمل تكون به (٦) نجاته لديه وفوزه بجنات النعيم المقيم. وهذا آخر ما تيسر به شرح هذا الرجز والله أسأل أن ينفع به وأن يجعله (٧) خالصًا لوجهه الكريم وسببًا للفوز لديه (٨) في جنات النعيم.

стр. 810

والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، والصلاة والسلام على سيدنا محمَّد وعلى آله وصحبه وسلم ما دامت الأرض والسموات، قال ذلك وكتبه (١) جامعه ومؤلفه فقير رحمة ربه العلي. منصور بن يونس بن صلاح الدين ابن حسن بن أحمد بن علي بن إدريس البهوتي الحنبلي، غفر الله له ولوالديه ومشايخه وإخوانه وأحبابه ولجميع المسلمين إنه سميع عليم جواد كريم، [وكان الفراغ من تأليفه في (٢) يوم الأربعاء غرة جمادى الآخرة من شهور سنة سبع وأربعين بعد الألف، وصلى الله على سيدنا محمَّد وآله وصحبه (٣) وسلم] (٤).
следующие страницы →