стр. 736
← Фикх ханбали следующие страницы →
Фикх ханбали · id 6538
المنح الشافيات بشرح مفردات الإمام أحمد
البهوتي
Полный текст (858 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.
стр. 737
من باب الأشربة والأطعمة
الأشربه: جمع شراب واشتهر إطلاقه على ما يحرم منه والأطعمة: جمع طعام وهو ما يؤكل ويشرب، والأصل فيها الحل لقوله تعالى: ﴿خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة: ٢٩] وقوله تعالى (١): ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ﴾ [الأعراف: ١٥٧].
على العصير إن مضت أيام ... ثلاثة فشربه (٢) حرام
لو لم يكن يسكر أو لم يغل ... كذا النبيذ مثله في النقل
إذا غلى العصير كغليان القدر وقذف (٣) بزبده (٤) فلا خلاف في تحريمه وإن لم تأت (٥) عليه ثلاثة أيام، وإن لم يغل وأتت عليه ثلاثة أيام بلياليهن (٦) فهو حرام، قال أحمد: اشربه ثلاثة (٧) ما لم يغل فإذا (٨) أتت عليه أكثر من ثلاثة أيام فلا تشربه.
стр. 738
وأكثر أهل العلم يقولون: إنه مباح ما لم يغل ويسكر لقول رسول الله ﷺ :"اشربوا في كل وعاء ولا تشربوا مسكرًا" رواه أبو داود (١)، ولأن علة تحريمه الشدة المطربة وإنما هي في المسكر (٢) خاصة.
ولنا: ما روى الشالنجي (٣) بإسناده عن النبي ﷺ أنه قال: "اشربوا العصير ثلاثًا ما لم يغل" (٤) وقال ابن عمر: اشربه ما لم يأخذه شيطانه قيل: وفي كم يأخذه شيطانه؟ قال في ثلاث: (٥) ولأن الشدة تحصل في الثلاث (٦) غالبًا وهي خفية (٧) تحتاج إلى ضابط فجاز جعل الثلاث ضابطًا لها.
والنبيذ:- ماء يلقى فيه تمر أو زبيب أو نحوهما ليحلو به الماء وتذهب ملوحته كالعصير فلا بأس به ما لم يغل أو (٨) تأت عليه ثلاثة أيام لما روي عن ابن عباس: "أن النبي ﷺ كان ينبذ الزبيب فيشربه اليوم والغد وبعد الغد إلى مساء الثالثة ثم يأمر به فيسقى الخدم أو يهراق"، رواه أبو داود (٩)
стр. 739
فإن غلا أو أتى عليه ثلاثة أيام بلياليهن (١) حرم لما تقدم.
وشرب خمر مطلقًا محرم ... لا لدوا أو عطش (٢) ما سلموا
أي: لا يجوز شرب الخمر للذة ولا لتداو ولا لعطش (٣) ولا لغيره إلا أن يضطر إليه لدفع لقمة غص بها فيجوز إن لم يجد غيره (٤).
وقال أبو حنيفة: يباح شربها للتداوي والعطش (٥).
وللشافعي فيه (٦) وجهان كالمذهبين، وله وجه ثالث تباح (٧) للتداوي دون العطش (٨) , لأنها حال ضرورة فأبيح فيها كدفع الغصة (٩).
ولنا: ما روى أحمد بإسناده عن طارق بن سويد أنه سأل النبي ﷺ وقال: إنما أصنعها (١٠) للدواء (١١)، فقال: "إنه ليس بدواء ولكنه داء" (١٢)، وبإسناده إلى أم سلمة أنه ﵇ قال: "إن الله لم يجعل فيما حرم عليكم شفاء" (١٣)، ولأنه
стр. 740
محرم لعينه فلم يبح للتداوي كلحم (١) الخنزير، والعطش لا يندفع به فلم يبح بخلاف ماء نجس (٢) فإن فيه رطوبة تدفعه.
جلالة من سائر الأجناس (٣) ... تنجس أو تصد (٤) بالأحباس
ولحمها يحرم شرب (٥) اللبن ... كذاك والبيض فأيضًا قد عني
أي: تحرم الجلالة وهي التي أكثر علفها النجاسة وكذا لبنها وبيضها ما لم تحبس ثلاثًا وتطعم الطاهر وتمنع من النجاسة طائرًا كانت أو بهيمة (٦) (٧).
وقال الشافعي: هي مكروهة غير محرمة.
وكره أبو حنيفة لحومها والعمل (٨) عليها حتى تحبس (٩).
ورخص الحسن في لحومها وألبانها, لأن الحيوان لا ينجس بأكل النجاسات بدليل أن شارب الخمر لا نحكم (١٠) بتنجس (١١) أعضائه، والكافر
стр. 741
الذي يأكل الخنزير والمحرمات لا يكون ظاهره نجسًا.
ولنا: ما روي أن عمر قال: (نهى رسول الله ﷺ عن أكل الجلالة وألبانها) رواه أبو داود (١)، وروى عبد الله بن عمرو بن العاص (٢) قال (٣): (نهى رسول الله ﷺ عن الإبل الجلالة أن يؤكل لحمها ولا يحمل عليها إلا الأدم (٤)، ولا يركبها الناس حتى تعلف (٥) أربعين ليلة) رواه الخلال بإسناده (٦)، ولأن لحمها متولد من النجاسة فيكون نجسًا كرماد النجاسة، وأما شارب الخمر فليس ذلك أكثر غذائه، وإنما (٧) يتغذى الطاهرات (٨)، وكذا الكافر في الغالب، وكان ابن عمر إذا أراد أكلها حبسها ثلاثًا (٩)، ويكره ركوب الجلالة أيضًا وهو قول عمر وابنه وأصحاب الرأي: لحديث عبد الله بن عمرو ولأنها ربما عرقت فتلوث بعرقها.
وهكذا (١٠) فالزرع والثمار ... بنجس (١١) إن تسق لا تماروا
أي: مثل الجلالة في التحريم والنجاسة ما سقي النجس (١٢) من زرع
стр. 742
وثمر لما روى ابن عباس قال: (كنا نكري أراضي رسول الله ﷺ ونشترط (١) عليهم أن لا يدملوهما بعذرة: الناس) (٢) فلولا أن ما فيها يحرم بذلك لم يكن في اشتراط ذلك فائدة، ولأنه يتربى (٣) بالنجاسة أجزاؤه، والاستحالة لا تطهر عندنا، فإن سقي الثمر أو الزرع بعد ذلك طاهرًا (٤) يستهلك عين النجاسة به طهر وحل (٥) , لأن الماء الطهور يطهر النجاسات، كالجلالة إذا حبست وأطعمت الطاهرات.
(تنبيه) قال في القاموس (٦): ودمل الأرض دَمْلًا وَدَمْلانًا أصلحها (٧) أو سرقنها (٨) فَتَدَّمَلت (٩) صلحت به.
وإن يمر المرء بالبستان ... خال من الناطور والحيطان
يجوز أكل الرطب من ثماره ... حتى بلا إذن ولا اضطراره
من غير تضمين كذا في الزرع ... في أشهر كذاك حلب الضرع
يعني: أنه يجوز لمن مرّ بثمر (١٠) على شجر أو ساقط (١١) تحته ولا حائط عليه ولا ناطور أي: حافظ أن يأكل منه ولو من غصونه من غير رميه بشيء ولا ضربه ولا صعود على (١٢) شجره، ولو غير مسافر ولا مضطر، ولا ضمان عليه فيما يأكله كذلك، وهو قول عمر وابن عباس وأبي برزه
стр. 743
وأنس بن مالك وعبد الرحمن بن سمرة (١).
وقال أكثر الفقهاء: لا يباح إلا في الضرورة (٢) لحديث: "إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا ... "إلخ (٣) متفق عليه (٤).
ولنا: ما روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي ﷺ أنه سئل عن الثمر المعلق فقال: "من (٥) أصاب منه من ذي (٦) حاجة غير متخذ خبنة فلا شيء عليه، ومن أخرج منه شيئًا فعليه كرامة مثليه والعقوبة". قال الترمذيُّ: حديثٌ حسنٌ (٧)، وروى أبو سعيد الخدري عن النبي ﷺ أنه قال: "إذا أتيت على حائط بستان فناد: يا صاحب البستان ثلاثًا فإن أجابك وإلا فكل من غير أن تفسد" (٨). وروى سعيد بإسناده عن الحسن عن سمرة (٩) عن النبي ﷺ مثله، ولأنه قول من سمينا من الصحابة من غير مخالف فكان إجماعًا.
وأحاديث المخالف مخصوصة بما روينا، وكذلك (١٠) حكم الزرع
стр. 744
فيجوز أن يأكل من الفريك (١) , لأن العادة جارية بأكله رطبًا أشبه الثمر، وكذلك في الباقلاء والحمص وشبهه مما جرت العادة بأكله رطبًا دون الشعير ونحوه، وكذا لبن الماشية يجوز أن يحلب ويشرب ولا يحمل، لما روى الحسن (٢) عن سمره أن النبي ﷺ قال: "إذا أتى أحدكم على (٣) ماشية فإن كان فيها صاحبها فليستأذنه وإن لم يجد أحدًا (٤) فليحلب وليشرب (٥) ولا يحمل" رواه الترمذيُّ وقال: حسنٌ صحيحٌ، والعمل عليه عند بعض أهل العلم، هذا قول إسحاق" (٦) والأولى في ذلك كله أن لا يفعله (٧) إلا بإذن المالك خروجًا من الخلاف والأخبار الدالة على التحريم (٨).
وإن يمر مسلم مسافر ... بمسلم آخر وهو حاضر
فليلة الضيف فحق (٩) واجب ... وإن أبى بدينها يطالب
يعني: إذا مر مسلم بمسلم آخر في قرية لا مصر وجبت عليه ضيافته يومًا وليلة فإن أبى ضيافته فللضيف مطالبته (١٠) بها عند الحاكم (١١).
وقال الأكثرون: هي سنة كصدقة التطوع.
стр. 745
ولنا: حديث المقداد بن أبي كريمة (١) أن النبي ﷺ قال: "ليلة الضيف واجبة (٢) على كل مسلم، فإن أصبح بفنائه (٣) محرومًا كان دينًا عليه إن شاء اقتضاه وإن شاء تركه" رواه سعيد وأبو داود، وإسناده ثقات (٤) وصححه في الشرح (٥)، وروى أحمد وأبو داود (٦): (وإن لم يقروه فله أن يعقبهم بمثل قراه) (٧). وفي حديث عقبة: "فإن (٨) لم يفعلوا فخذوا منهم (٩) حق الضيف الذي ينبغي لهم" متفق عليه (١٠).
ولم تجب في الأمصار, لأن فيها السوق والمساجد فلا يحتاج مع ذلك إلى الضيافة بخلاف القرى، فإن تعذر على الضيف محاكمة المضيف جاز له الأخذ من ماله بقدر ضيافته بغير إذنه.
وتمام الضيافة ثلاث أيام، وما زاد فصدقة للخبر (١١) ولا يجب عليه إنزاله في بيته إلا أن لا يجد مسجدًا أو نحوه.
стр. 746
وبذل فضل الماء جا في الشرع ... لزومه حتى لسقي الزرع
هذا ولو منبعه مملوك ... غني الطالب أو صعلوك
أي (١): يجب بذل ما فضل من الماء عن الحاجة ولو كان منبعه مملوكًا لبهائم غيره وزرعه غنيًا كان الطالب أو فقيرًا (٢) لحديث أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "من منع فضل الماء [ليمنع به فضل الكلأ] (٣) منعه الله فضل رحمته" (٤). وعن إياس بن عبد (٥) "أن النبي ﷺ نهى عن بيع فضل الماء" (٦). وعن مهيسة (٧) عن أبيها أنه قال: يا نبي الله، ما الشيء الذي لا يحل (٨) منعه (٩)؟ قال: "الماء" رواه أبو داود (١٠).
стр. 747
ومن باب الصيد والذبائح (١)
الصيد: مصدر صاد يصيد فهو صائد وهو: اقتناص حيوان حلال متوحش طبعًا غير مملوك ولا مقدور عليه ويطلق (على المصيد (٢)) بمعنى المفعول.
والأصل في حله الإجماع لقوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ﴾ [المائدة: ٩٦] (٣)، وقوله: ﴿وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ﴾ [المائدة: ٤] الآية، والسنة شهيرة به (٤) فمنها حديث أبي ثعلبة وعدي بن حاتم متفق عليهما (٥).
стр. 748
والذبائح جمع ذبيحة بمعنى مذبوحة والأصل فيها قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ [المائدة: ٣].
بآلة غصب فمن يصيد ... فالصيد للمالك إذ يريد
يعني: لو غصب آلة صيد كشبكة وفخ وشرك ونحوها وصاد بها فالصيد لربها, لأنه حصل بها فأشبه نماء ملكه وكسب عبده، ولا أجرة له في مدة اصطياده وكذا لو غصب قوسًا فصاد به أو غنم، أو عبدًا فصاد أو اكتسب.
كلب بهيم (١) صيده قد نقلوا ... محرم قتيله لا يؤكل (٢)
أي: يحرم صيد الكلب الأسود البهيم ولا يباح أكله، ويحرم اقتناؤه وتعليمه (٣)، وقال الجمهور: هو كغيره لعموم الأخبار (٤).
ولنا: أنه ﵊ أمر بقتله وقال: "إنه شيطان" رواه مسلم (٥)، وصيد الشيطان لا يحل وأنه حصل بسبب (٦) محرم.
والبهيم: كل لون لم يخالطه لون آخر، قاله ثعلب وإبراهيم
стр. 749
الحربيّ قيل لهما: من كلّ لون؟ قالا: نعم، وفي حديث جابر يرفعه: "عليكم بالأسود البهيم ذي الطفيتين (١) فإنّه شيطان" رواه مسلم والطفية: خوص (٢) المقل شبه الخطين الأبيضين يكونان (٣) بين عينيه (٤) بالخوصتين (٥).
ويجب قتل كلب عقور ولو معلمًا ويحرم اقتناؤه ويباح قتل الأسود البهيم ويحرم قتل ما عداهما من الكلاب.
وآلة الصَّيد فمن أرسلها ... ولم يسم قل ولو أغفلها
فصيده محرم لا يؤكل ... والذبح ليس هكذا قد جعلوا
أي: يشترط التّسمية عند إرسال آلة الصَّيد من سهم أو جارح أو (٦) (شرك (٧)) (أو) (٨) منجل ونحوه، فلو ترك التّسمية ولو سهوًا فصيده محرم لا يباح أكله بخلاف التّسمية في الذّكاة فتسقط سهوًا (٩) وبهذا قال الشّعبيّ وأبو ثور وداود.
وقال أبو حنيفة ومالك: يباح متروك التّسمية سهوًا لا عمدًا (١٠)
стр. 750
لحديث عفي لأمتي عن الخطأ والنِّسيان (١)
وقال الشّافعيّ: يباح متروك التّسمية عمدًا وسهوًا (٢)؛ لأنّ البراء روى أن (٣) النبي ﷺ قال: "المسلم يذبح على اسم الله سمى (٤) أو لم يسم" (٥). وعن أبي هريرة أن النبي ﷺ سئل فقال: "أرأيت الرَّجل منا يذبح وينسى أن يسمي الله فقال اسم الله في قلب كلّ مسلم" (٦) وقد روي عن أحمد مثل ذلك.
ولنا: قول الله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١٢١] وقال النبي ﷺ : "إذا أرسلت كلبك وسميت فكل"، قلت (٧): أرسل كلبي فأجد (٨) معه كلبًا آخر؟ " قال: "لا تأكل فإنّما سميت على كلبك ولم تسم على الآخر" متفق عليه.
وفي لفط: "إذا خالط (٩) كلابًا لم يذكر اسم الله عليها فأمسكن وقتلن (١٠) فلا تأكل"، وفي حديث أبي ثعلبة: (وما صدت بقوسك
стр. 751
وذكرت (١) اسم الله عليه فكل" وهذه نصوص صحيحة لا يعرج على ما خالفها وحديث (٢): "عفي لأمتي عن الخطأ والنِّسيان" يقتضي نفي الإثم (٣) لا جعل (٤) الشرط المعدوم كالموجود بدليل ما لو نسي شرط الصّلاة والفرق بين الصَّيد والذبيحة أن الذَّبح وقع في محله فجاز أن يتسامح فيه بخلاف الصَّيد، وأحاديث أصحاب الشّافعيّ لم يذكرها أصحاب السنن المشهورة، وإن صحت فهي في الذبيحة وقد علم الفرق بينهما فلا يصح قياسه عليها.
والصَّيد إن أثخن بالجراحة ... مع فاقد لآلة (٥) الذباحة
أشلى عليه الكلب حتَّى يقتل ... وحله فالخرقي ينقل
أي: إذا أثخن الصائد الصَّيد وأدركه وفيه حياة مستقرة ولم يكن معه آلة يذكيه بها أرسل عليه (٦) الجارح فإذا قتله حل فيما نقله (٧) الخرقي وهو قول الحسن وإبراهيم؛ لأنَّه صيد قتله الجارح من غير إمكان ذكاته فأبيح كما لو أدركه ميتًا، ولأنَّها حال يتعذر فيه الذَّكاة في الحلق واللبة (٨) غالبًا فجاز أن تكون (٩) ذكاته على حسب الإمكان كالمتردي في بئر.
والمذهب أنَّه لا يباح إِلَّا بالذَّكاة وهو قول أكثر أهل العلم؛ لأنّه مقدور عليه فلم يبح بقتل الجارح كالأنعام وكما لو أدركه سليمًا (١٠).
стр. 752
دواب (١) بحر شرطها في الحل ... فالذبح إِلَّا ما أن في النقل
أي: شرط الحل في دواب البحر الذَّبح فلا تحل (٢) ميتتها إِلَّا ما أتى فيه النقل وهو السمك هذا (٣) رواية (٤)، والمذهب حله من غير ذكاة لحديث "هو الطّهور ماؤه الحل ميتته" (٥) لكن يحرم الضفدع والتمساح والحية، وكذا ما يعيش في البرّ والبحر (٦) كالسرطان (٧) والسلحفاة (٨) لا يحل إِلَّا بالذَّكاة كطير الماء.
إذا تردى صيد (٩) أو مذبوح ... فمات أو في الماء لا تبيحوا
كذاك دوس (١٠) صيد أو مذبوح ... وطئا يكون مخرجًا للروح
أي: إذا تردى الصَّيد أو المذبوح من علو فمات أو وقع في ماء يقتله
стр. 753
مثله فمات أو وطئ عليه شيء (١) يقتله مثله لم يبح أكله ويكون ميتة (٢).
وقال أكثر الفقهاء: لا يحرم لأنّه إذا ذبح صار في حكم الميِّت كما لو قطع رأسه (٣).
ولنا: قول النبي ﷺ في حديث عدي بن حاتم في الصَّيد (٤): "وإن وقعت في الماء فلا تأكل" (٥): وقال ابن مسعود (٦): من رمى طائرًا فوقع في ماء فغرق فيه فلا يأكله (٧)، ولأن ذلك سبب يقتل فإذا اجتمع مع الذَّبح فقد اجتمع ما يبيح ويحرم فيغلب الحظر، ولأنّه لا يؤمن أن يعين (٨) على خروج الرُّوح فيغلب التّحريم (٩).
أم أب من كان للكتابي ... من غير أهل الذَّبح في الأحزاب (١٠)
стр. 754
فصيده وذبحه حرام ... آكله يلحقه (١) الآثام
يعني: لا تحل ذبيحة من أحد أبويه غير كتابي كولد كتابي من مجوسية وعكسه (٢).
وقال أبو حنيفة: تباح مطلقًا لعموم النص، ولأنّه كتابي يقر على دينه فتحل ذبيحته كما لو كان ابن كتابيين (٣).
وقال مالك: تباح إن كان أبوه كتابيًا (٤).
ولنا: أنَّه وجد ما يقتضي الإباحة والتحريم فغلب التّحريم وبيان وجود ما يقتضي التّحريم أن كونه ولد مجوسي أو وثني ونحوه يقتضي تحريم ذبيحته.
ذبيحة الأخرس بالإجماع ... تباح قد قالوا بلا نزاع
وإنّما أصحابنا يشيروا ... بأنّه إلى السما يشير
قال ابن المنذر: أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على إباحة ذبيحة الأخرس (٥) منهم اللَّيث والشّافعيّ (٦)، وإسحاق وأبو ثور وهو قول الشّعبيّ وقتادة والحسن بن صالح.
قال أصحابنا: ويشير الأخرس إلى السَّماء بالتسمية؛ لأنّ إشارته تقوم مقام نطق الناطق، وإشارته إلى السَّماء تدل على تسميته (٧)، ونحو هذا قال
стр. 755
الشّعبيّ، وقد دل عليه حديث أبي هريرة: أن رجلًا أن النبي ﷺ بجارية أعجمية فقال: يا رسول الله، إنَّ عليَّ رقبة مؤمنة أفأعتق (١) هذه؟ فقال لها رسول الله ﷺ : "أين الله؟ " فأشارت إلى السَّماء، فقال: "من أنا؟ " فأشارت بأصبعها إلى رسول الله ﷺ وإلى السَّماء أي: أنت رسول الله، فقال رسول الله ﷺ : "أعتقها فإنها مؤمنة" رواه أحمد (٢) والقاضي (٣) في مسنديهما.
стр. 756
стр. 757
تنعقد (١) اليمين بالرسول ... ......................
أي: بمحمد رسول الله ﷺ فتجب الكفارة إذا حنث فيها، روى (٢) عن أحمد أنَّه قال (٣): إذا حلف بحق رسول الله ﷺ فحنث فعليه الكفارة وقاله (٤) أكثر الأصحاب؛ لأنّه أحد شرطي الشّهادة فالحلف به كالحلف بالله تعالى. والصّحيح من المذهب لا تنعقد اليمين بغير الله تعالى قدمه في التنقيح والإقناع والمنتهى وغيرها وهو قول جمهور الفقهاء (٥) لقوله ﷺ : "من كان حالفًا فليحلف بالله أو ليصمت" (٦)، ولأنّه حلف بغير الله فلم تجب الكفارة بالحنث فيه كسائر الأنبياء ﵈ (٧).
...................... ... وباليمين مانع الدخول
بيتًا فبالمسجد والحمام ... يحنث والكعبة عن إمامي
يعني: من حلف لا يدخل بيتًا ولا نيّة ولا سبب حنث بدخول المسجد والحمام والكعبة وكذا بيت شعر وأدم (٨) وكذا من حلف لا يركب فركب سفينة حنث (٩). وقال أكثر الفقهاء: لا يحنث، لأنّه لا يسمى بيتًا في
стр. 758
العرف (١).
ولنا: أنّها بيوت حقيقة أمّا المساجد فقال الله تعالى: ﴿في بُيُوتٍ أَذِنَ الله أَنْ تُرْفَعَ﴾ [النور: ٣٦]، (٢)، وأمّا الكعبة فقال الله تعالى: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا﴾ [آل عمران: ٩٦]، (٣)، وأمّا الحمام فلقوله ﵇: "بئس البيت الحمام" (٤) وإذا كان البيت (٥) في (٦) الحقيقة بيتًا وفي عرف الشّرع بيتًا حنث بدخوله كبيت الإنسان. واسم البيت أيضًا يقع على بيت الشعر والأدم قال تعالى: ﴿وَاللهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَنًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الْأَنْعَامِ بُيُوتًا تَسْتَخِفُّونَهَا يَوْمَ ظَعْنِكُمْ﴾ [النحل: ٨٠]، وهذا بخلاف الخيمة فإنها في العرف لا تسمى بيتًا فلا يحنث بدخولها، وكذا ركوب
стр. 759
السفينة يسمى ركوبًا لقوله تعالى: ﴿وَقَالَ ارْكَبُوا فِيهَا بِسْمِ اللهِ﴾ الآية (١) (و) ﴿فَإِذَا رَكِبُوا في الْفُلْكِ﴾ [العنكبوت: ٦٥] (٢).
وحالف عبدي لأضربنه ... غدًا وذا (٣) الشيء لآكلنه
فمات أو قد تلف المأكول ... في يومه بحنثه نقول (٤)
أي: إذا حلف ليضربنّ عبده ونحوه غدًا أو ليأكلن كذا غدًا (٥) ونحوه فمات العبد أو تلف المحلوف عليه قبل الغد أو قبل التمكن من فعله حنث حال تلفه وهو أحد قولي الشّافعيّ (٦).
وقال أبو حنيفة ومالك والشّافعيّ في قوله الآخر: لا يحنث، لأنّ فوات المحلوف عليه بغير اختياره فأشبه المكره والناسي (٧).
ولنا: أنَّه لم يفعل ما حلف عليه في وقته من غير إكراه ولا نسيان وهو من أهل الحنث فحنث كما لو أتلفه باختياره وكما لو حلف ليحجن العام فعجز عنه لمرض أو فقد نفقة.
وفارق الإكراه والنِّسيان فإن الامتناع لمعنى في الحالف وها هنا الامتناع لمعنى في المحل فأشبه ما لو ترك ضربه أو أكله لصعوبته.
ومانع الكلام من فلان ... يحنث بالإرسال في الأيمان
стр. 760
أي: لو حلف لا يكلم فلانًا فراسله حنث إِلَّا أن يريد عدم مشافهته (١).
وقال أبو حنيفة والثوري وابن المنذر والشّافعيّ في الجديد: لا يحنث؛ لأنّه ليس بتكليم في الحقيقة، ولهذا يصح نفيه فيقال ما كلمته وإنّما راسلته (٢) (٣).
ولنا: قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ الله إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ﴾ [الشورى: ٥١]، (٤) فاستثنى الرسول من التكلم (٥) والأصل أن يكون المستثنى من جنس المستثنى منه، ولأنّه وضع لإفهام الآدميين أشبه الخطاب، لكن لو حلف لا يكلم زيدًا
فأرسل رسولًا لأهل العلم يسأل (٦) عن حكم فسأله الرسول (٧) لم يحنث المرسل؛ لأنّه لم يقصده بالمراسلة.
وهكذا يحنث إنَّ أشارا ... إليه كالكتب فلا يماري
أي: وكذا يحنث من حلف لا يكلم إنسانًا إن (٨) أشار إليه أو كاتبة كما يحنث بمراسلته لما تقدّم وهذا في الإشارة اختيار القاضي واقتصر عليه في الإقناع في الأيمان (٩)، ولكن جزم هو وصاحب المنتهى في الطّلاق بقول
стр. 761
أبي الخطاب أنَّه لا يحنث بالإشارة إليه؛ لأنّها ليست بكلام (١)، قال (٢) الله تعالى: خطابًا لمريم ﵍: ﴿فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا﴾ (٣) إلى قوله تعالى ﴿فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ﴾ [مريم: ٢٦ - ٢٩] وأمّا قوله تعالى: ﴿آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا﴾ [آل عمران: ٤١] فهو استثناء منقطع.
بلفظة اليمين من (٤) كررها ... حتّى لأفعال بذا حررها
كفارة واحدة في الأشهر ... لحنثه كاف فلا تكرر
أي: إذا حلف أيمانًا ولو على أفعال مختلفة كإن حلف لا يأكل وحلف (٥) لا يشرب وحلف لا يذهب لموضع كذا وكذا وحنث في الجميع قبل أن يكفر كفته كفارة واحدة عن الجميع على الأشهر الصّحيح من المذهب وهو قول إسحاق.
وقال أكثر أهل العلم: عليه لكل (٦) يمين كفارة، لأنّها (٧) أيمان لا يحنث في إحداهن بالحنث (٨) في الأخرى فلا (٩) تتكفر إحداهن (١٠) بكفارة الأخرى كالإيمان المختلفة الكفارة (١١).
стр. 762
ولنا: أنّها كفارات (١) من جنس واحد فتداخلت كالحدود من جنس وإن اختلفت محالها كالسرقات من جماعة (٢) والزنا بنساء.
وعندنا الحقب ثمانون سنة ... والقاضي فاختار (٣) أقل الأزمنة
الحقب (٤): ثمانون سنة، وقال مالك: أربعون، لأنّه يروى عن ابن عبّاس (٥)، وقال القاضي وأصحاب الشّافعيّ: هو أدنى زمان لأنّه لم ينقل فيه عن أهل اللُّغة تقدير (٦).
ولنا: ما روي عن ابن عبّاس في تفسير قوله تعالى: ﴿لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا (٢٣)﴾ [النبأ: ٢٣]، الحقب ثمانون سنة (٧)، وما ذكره القاضي وأصحاب الشّافعيّ لا يصح؛ لأنّ قول ابن عبّاس حجة ولأن ما ذكروه (٨) يفضي إلى حمل كلام الله تعالى في قوله: ﴿لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا (٢٣)﴾، وقول موسى: ﴿أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا﴾ [الكهف: ٦٠]، إلى اللكنة (٩)؛ لأنّه أخرج ذلك مخرج الكثير، فهذا صار معنى ذلك لابثين فيها ساعات أو لحظات أو أمضى (١٠) ساعات ولحظات كان (١١) معناه التقليل وهو ضد المفهوم منه، ولم يذكره أحد من المفسرين فيما نعلم فلا يجوز تفسير الحقب به قاله في الشرح (١٢).
стр. 763
ومن باب النذور
النَّذْر لغة: الإيجاب يقال نذر دم فلان بمعنى أوجبه (١).
وشرعًا: إلزام مكلف مختار ولو كافرًا بعبادة (٢) نفسه لله تعالى (٣) شيئًا غير لازم بأصل الشّرع ولا محال.
وينعقد بكل قول يدلُّ عليه، وأجمع المسلمون على صحة النَّذْر في الجملة ووجوب الوفاء به، قال تعالى: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ﴾ [الإنسان: ٧]، وقال (٤): ﴿وَلْيُوفُوا (٥) نُذُورَهُمْ﴾ [الحجِّ: ٢٩].
وعن عائشة ﵂ (٦)) قالت: قال رسول الله ﷺ : (من نذر أن يطيع (٧) الله فليطعه، ومن نذر أن يعصي (٨) الله فلا يعصه" رواه الجماعة إِلَّا مسلمًا (٩)، والنذر مكروه لا يأتي بخير ولا يردّ قضاء وإنّما يستخرج (١٠) به من البخيل.
стр. 764
وناذر العصيان في التقدير ... فعقده يحل بالتكفير
أي: ينعقد نذر المعصية ويحرم الوفاء به لما تقدّم من حديث عائشة ويكفر كفارة يمين ولو أنَّه نذر ذبح ولده.
وقال أبو حنيفة: فيما إذا نذر ذبح ولده كفارته (١) ذبح كبش ويطعمه المساكين (٢).
وقال الشّافعيّ: لا يجب به شيء (٣) لقوله ﵇: "لا نذر في معصية ولا فيما لا يملك (٤) ابن آدم" (٥).
ولنا: قوله ﷺ : "لا نذر في معصية وكفارته كفارة يمين" رواه سعيد (٦) ولأن النَّذْر حكمه حكم اليمين بدليل قوله ﵇: "النَّذْر حلفة وكفارت كفارة يمين" (٧) فيكون بمنزلة من حلف ليذبحن ولده، وإذا (٨) نذر صوم يوم عيد أو حيض أو أيّام تشرين لم يف به وعليه كفارة يمين وقضاء يوم غير حيض؛ لأنّه مناف للصوم لمعنى فيه كمن (٩) نذر صوم يوم أكل فيه فإنّه لا ينعقد بخلاف يوم العيد؛ لأنّه (١٠) لمعنى في غيره وهو كونه في
стр. 765
ضيافة الله ، أشار إلى الفرق في القواعد الأصولية (١).
وفي المباح ناذر يخير ... إنَّ لم يف يلزمه يكفر
أي: من نذر مباحًا كلّله عليّ أن ألبس ثوبي ونحوه (٢) خير بين فعله ولا شيء عليه أو تركه (٣) وعليه كفارة يمين (٤).
وقال مالك والشّافعيّ: لا ينعقد نذره لقول النبي ﷺ : "لا نذر إِلَّا فيما ابتغي به (٥) وجه الله تعالى" (٦)، ولحديث ابن عبّاس قال: بينما (٧) النبي يخطب إذا (٨) هو برجل قائم، فسأل عنه، فقالوا: أبو إسرائيل نذر أن يقوم في الشّمس ولا يستظل ولا يتكلم ويصوم، فقال النبي ﷺ : "مروه فليجلس (٩) وليستظل (١٠) وليتكلم وليتم صومه" رواه البخاريّ (١١)، ولم يأمره بكفارة (١٢).
ولنا: ما تقدّم من قوله ﵇: "النَّذْر حلفة وكفارته كفارة يمين" وروى عقبة ابن عامر أن أخته نذرت المشي إلى بيت الله الحرام فسئل رسول الله ﷺ عن ذلك فقال: "مروها فلتركب ولتكفر عن يمينها" رواه أبو
стр. 766
داود (١)، وهذه زيادة يجب الأخذ بها، ويجوز أن يكون الراوي للحديث ذكر البعض وترك البعض.
من نذر الطّواف بالبيت (٢) على ... أربع منهي بأن (٣) لا يفعلا
لكن طوافان عليه عندنا ... والنص من (٤) دقيق فقه انبنا (٥)
يعني (٦) لو نذر أن يطوف على رجليه ويديه لم يف (٧) به ويطوف أسبوعين (٨)، وكذا لو نذر أن يسعى على أربع إقامة (٩) للطواف الثّاني مقام طوافه على يديه، وذلك لما روى معاوية بن خديج الكندي أنَّه قدم على رسول الله ﷺ ومعه أمه (١٠) كبشة بنت معدي كرب عمة الأشعث بن قيس (١١) فقالت: يا رسول الله إنِّي آليت أن أطوف بالبيت حبوًا، فقال لها رسول الله ﷺ "طوفي على رجليك سبعَيْن سبعًا عن يديك وسبعًا عن رجليك" رواه الدارقطني (١٢)، وقال ابن عبّاس في امرأة نذرت أن تطوف بالبيت على أربع قال: (تطوف عن يديها سبعًا وعن رجليها سبعًا) رواه (١٣) سعيد.
стр. 767
لمكة ناذر مشي ركبًا (١) ... مع عجزه التكفير أيضًا وجبا (٢)
يعني: إذا نذر المشي لمكة المشرفة أو بيت الله الحرام أو موضع من الحرم لزمه المشي في حج أو عمرة، لأنّه هو المشي إليه في الشّرع فإن عجز عن المشي فركب فعليه كفارة يمين.
وقال أبو حنيفة: هدي، وأقله شاة سواء عجز عن المشي أو قدر عليه (٣) وقال الشّافعيّ: يلزمه دم (٤)، وأفتى به عطاء لما روى ابن عبّاس أن أخت عقبة بن عامر نذرت المشي إلى بيت الله الحرام فأمر النبي ﷺ : "أن تركب وتهدي هديًا" رواه أبو داود وفيه ضعف (٥).
وقال مالك: يحج من قابل ويركب ما مشى ويمشي ما ركب ويهدي (٦).
ولنا: قول النبي ﷺ : "كفارة النَّذْر كفارة اليمين (٧) " (٨)، ولأن المشي ممّا لا يوجبه (٩) الإحرام فلم يجب الهدي بتركه (١٠) كما لو نذر صلاة ركعتين فتركهما وحديث الهدي ضعيف (١١) (١٢).
стр. 768
من نذر الصِّيام يوم العيد ... أفطره حتمًا (١) بلا ترديد
لكنما (٢) كفارة اليمين ... مع القضا تلزم باليقين
أي: إذا نذر أن يصوم يوم عيد فطر أو أضحى (٣) أفطره وجوبًا لتحريم صومه، وعليه كفارة يمين لعدم وفائه بنذره، وعليه أيضًا قضاؤه (٤)، وهذا مبني على انعقاد نذر المعصية، وتقدم بيان الخلاف فيه.
واختار القاضي وغيره يلزمه كفارة يمين فقط، وتقدمت الإشارة إلى الفرق بينه وبين نذر صوم يوم حيض (٥).
يوم قدوم الحب من قد نذرا ... صومًا وكان قافلًا قد هجرا
وافقه في الطالع السعيد (٦) ... يوم الوصال كان يوم عيد (٧)
فعنه لا يصوم يقضي وطرًا (٨) ... وعينوه قاضيًا مكفرًا
الحب: بكسر الحاء: المحبوب، والقافل: الراجع من سفر، والمعنى أنَّه إذا نذر صوم يوم يقدم فلان فقدم يوم العيد فعن أحمد لا يصومه بل يقضي ويكفر كفارة يمين وهو قول أكثر أصحابنا والحاكم وحماد.
وعنه: يقضي ولا كفارة، وهو قول الحسن والأوزاعي وأبي عبيد وأحد قولي الشّافعيّ؛ لأنّه فاته (٩) الصوم الواجب بالنذر فلزمه قضاؤه كما لو
стр. 769
تركه نسيانًا، ولم تلزمه كفارة؛ لأنّ الشّرع منعه من صومه فهو كالمكره (١).
وعنه: إنَّ صامه صح؛ لأنّه وفى بنذره وهو مذهب أبي حنيفة (٢).
وقال مالك والشّافعيّ في أحد قوليه: لا يلزمه قضاء ولا كفارة (٣)، بناء على أن نذر المعصية غير منعقد، وتقدم جوابه.
لصوم شهر ناذر إذ (٤) يطلق (٥) ... تتابع يلزم (٦) لا يفرق
أي: إذا نذر صوم شهر وأطلق لزمه صومه متتابعًا فلا يفرقه (٧) وهذا قول أبي ثور؛ لأنّ إطلاق الشهر يقتضي التتابع.
وقال الشّافعيّ ومحمَّد بن الحسن: لا يلزمه التتابع، لأنّ الشهر يقع على ما بين الهلالين وعلى الثلاثين يومًا، ولا خلاف في أنَّه يجزيه ثلاثون يومًا فلم يلزمه التتابع كما لو نذر ثلاثين يومًا (٨)، والفرق ظاهر (٩).
مع قدرة أفطر صومًا (١٠) عينًا ... تكفيره مع القضا تبينًا
أي: لو نذر صوم زمن معين كشهر رجب فأفطر منه يوم مثلًا مع
стр. 770
القدرة لزمه استئنافه ولزمته أيضًا كفارة يمين (١) لفوات محل المنذور.
وقال الشّافعيّ: لا يلزمه الاستئناف إِلَّا أن يكون قد شرط التتابع؛ لأنّ وجوب التتابع ضرورة التعيين (٢) إِلَّا (٣) بالشرط فلم يبطله الفطر في أثنائه كشهر رمضان (٤).
ولنا: أنَّه صوم يجب متتابعًا بالنذر فأبطله الفطر لغير عذر كما لو شرط التتابع، ويفارق رمضان فإن تتابعه بالشرع لا بالنذر، وإن كان الفطر لعذر بني (٥) على ما مضى من صيامه و (٦) قضى وكفر.
وقال مالك (٧) والشّافعيّ وأبو ثور وابن المنذر: لا كفارة؛ لأنّ النَّذْر محمول على المشروع، ولو أفطر رمضان لعذر ما يلزمه شيء (٨).
ولنا: أنَّه فاته ما نذره فلزمته الكفارة لما تقدّم في حديث (٩) أخت عقبة بن عامر، وفارق رمضان فإنّه لو أفطر لغير عذر لم يلزمه كفارة إِلَّا في الجماع بخلاف هذا.
стр. 771
ومن كتاب القضاء (١) والدعاوى
القضاء في الأصل: إحكام الشيء والفراغ منه، ويكون بمعنى إمضاء الحكم وسمي الحاكم قاضيًا، لأنّه يحكم الأشياء ويفصلها.
والدعاوى: جمع دعوى وهي إضافة الإنسان إلى نفسه استحقاق شيء في يد غيره أو ذمته.
وأجمع المسلمون على مشروعية (٢) نصب القضاة والحكم بين النَّاس لقوله تعالى: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ الله﴾ [المائدة: ٤٩]، وقوله: ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ﴾ [هـ: ٢٦]، وللأخبار (٣) ويأتي بعضها.
ونصب قاض عندنا ما فرضا ... وعكس الشيخان ذا ونقضا
أي: نصب القاضي سنة (٤) نصر القاضي وأصحابه (٥)، وقال الشيخان: فرض كفاية وهو المذهب وعليه جمهور الأصحاب وقطع به في التنقيح والإقناع والمنتهى وغيرها؛ لأنّ (٦) أمر النَّاس لا يستقيم (٧) بدونه فكان واجبًا
стр. 772
عليهم كالجهاد والإمامة قال أحمد: لا بد للناس من حاكم: أتذهب (١) حقوق النَّاس (٢)؟.
يقبل بعد العزل قول القاضي ... كنت حكمت مطلقًا في الماضي
أي: يقبل قول القاضي بعد عزله إذا كان عدلًا لا يتهم كنت حكمت لفلان على فلان بكذا حيث كان ممّن (٣) يسوغ حكمه له به قال إسحاق.
وقال أكثر الفقهاء: لا يقبل قوله، لأن (٤) من لا يملك الحكم لا من يملك الإقرار به كمن أقر بعتق عبده بعد بيعه (٥).
ولنا: أنَّه لو كتب إلى غيره ثمّ عزل ووصل الكتاب بعد عزله لزم المكتوب إليه قبوله بعد عزل كاتبه فكذلك هذا، ولأنّه أخبر بما حكم به وهو غير متهم فيجب قبوله كحال ولايته، وسواء ذكر سنده (٦) أو لا ولو أن العادة تسجيل (٧) أحكامه وضبطها بشهود قال القاضي مجد الدين: ما لم يشتمل على إبطال حكم حاكم (٨) وحسنه القاضي مجد الدين (٩) بن نصر الله.
стр. 773
ومثبت الحق على الغياب ... أو طفل أو غير ذوي الألباب
فحقه يعطى بلا استحلاف ... مع الشهود ذا من الإنصاف
يعني: إذا أدعى على غائب مسافة قصر أو على طفل أو مجنون أو ميت وأقام (١) بينة تامة أعطي حقه ولم يحلف مع بينته (٢) يمين الاستظهار (٣) على الصّحيح من المذهب.
وقال الشّافعيّ وغيره: يحلف، لأنّه يجوز أن يكون استوفى ما قامت به البينة أو ملكه العين الّتي قامت بها البينة، ولأن الحاكم مأمور بالاحتياط (٤).
ولنا: قول النبي ﷺ : "البينة على المدعي واليمين على المدعى عليه" (٥)، ولأنّها بينة عادلة فلم يجب اليمين معها كما لو كانت على حاضر مكلف.
عين بيد الغير مذ تداعيا (٦) ... أقر لكن قال: لست واعيًا
من منهما؟ بلا شهود يقرع ... وحلف القارع أيضًا يشرع
يعني: إذا ادعى اثنان عينا بيد غيرهما فقال: لا أعرف صاحبها، أو قال: هي لأحدهما ولا أعرف عينه، ولا بينة أقرع بينهما، فمن خرجت له
стр. 774
القرعة حلف أن العين له وأخذها، لما روى أبو هريرة: "أن رجلين تداعيا عينا لم يكن لواحد منهما بيِّنة فأمرهما النبي ﷺ أن يستهما (١) على اليمين أحبا أو كرها" (٢)، رواه أبو داود (٣)، ولأنّهما تساويا في الدعوى ولا بينة لواحد منهما ولا يد، والقرعة يتميز (٤) عند التساوي، كما لو أعتق عبيدًا لا مال له (٥) غيرهم في مرض موته (٦).
وإن يكونا قد أقاما بينة ... تعارضا والقرعة المبينة
يعني: إذا ادعيا عينا ليس (٧) بيديهما وهي بيد غيرهما كما تقدّم (٨) وأقام كلّ منهما بينة (٩) بها تعارضت بينتاهما وتساقطتا وأقرع بينهما فمن خرجت له القرعة حلف وأخذها روي (١٠) عن ابن (١١) عمر وابن الزبير، وبه قال إسحاق وأبو عبيد، وهو (١٢) رواية عن مالك وقديم قول (١٣) الشّافعيّ لما روى ابن المسيّب أن رجلين اختصما إلى رسول الله ﷺ في أمر وجاء كلّ منهما بشهود عدول على عدة واحدة فأسهم النبي ﷺ بينهما رواه الشّافعيّ في مسنده (١٤)، ولعدم المرجح.
стр. 775
وقال أبو حنيفة: تقسم العين بينهما، وهو قول الشّافعيّ: (لما روى أبو موسى: "أن رجلين اختصما إلى رسول الله ﷺ في بعير فأقام كلّ واحد منهما شاهدين فقضى رسول الله ﷺ بالبعير بينهما (١) " (٢) وله قول آخر: تقدّم إحدى البينتين بقرعة (٣)، وله قول آخر: يوقف الأمر حتّى يتبين وهو قول أبي (٤) ثور (٥).
ولنا: خبر أبي موسى (٦) وابن المسيّب، ولأن تعارض الحجتين لا يوجب التوقف كالخبرين، بل إذا تعذر الترجيح أسقطناهما ورجعنا إلى دليل غيرهما فتُسْقَط (٧) البينتين ويقرع (٨) بينهما فمن خرجت له القرعة حلف وأخذها كما لو لم يكن (٩) لهما (١٠) بينة.