← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 653

حديث إنما الأعمال بالنيات - من البدر المنير الساري في الكلام على صحيح البخاري

القطب الحلبي

Полный текст (23 стр.). Показаны 14–36 · переход к 1.

стр. 14

(٢/ ظ) بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم. قال أبو عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري ﵀: كيف كان بدء الوحي إلى رسول الله ﷺ ؟ هكذا وقع في بعض نسخ البخاري بغير باب، وذلك في النسخة التي هي سماعُنا على أبي العز عبد العزيز الحراني. وفي بعض النسخ باب: كيف كان، إلى آخره، بإثبات باب. ويجوز في إعراب باب وجهان أحدها: تنوينه بالرفع. والثاني: بغير تنوين على الإضافة، ويجمع أبوابًا، ويقال: أَبْوِبَة. وبدء يجوز فيه وجهان: الهمز، وتركه. الأول: من الابتداء، والثاني: من الظهور، فيكون بُدُوًّا كقُعُودٍ. والوحيُ أصلُه الإعلام في خفاء وسرعة، وكلُّ ما دللتَ به من كلام خفي أو إلهامٍ أو كنايةٍ أو رسالة أو إشارة، فهو وحيٌ. يُقال: أوحى، ووحى لغتان: الأول: أفصح. وبها جاء (٢/ و) القرآن. (١) ثمّ الوحي في حق الأنبياء ﵈ على ضروبٍ أحدها: أن يرى في المنام كالحديث الآتي قريبًا أول ما بُدئ به رسول الله ﷺ الرؤيا الصادقة. (٢)

стр. 15

وقال إبراهيم ﵇ (إني أرى في المنام أني أذبحك) (الصافات: ١٠٢). والثاني: أن ينفث في رُوعِه أي في نفْسِه وخَلَدِه. والنفث: شبيه بالنفخ. قال ﵇: "إنَّ روح القدس نَفَثَ في رُوعي أنَّ نَفْسًا لن تموت حتى تستكمل رزقها وأجلها، فاتقوا الله وأجملوا في الطلب" (١). وقيل: إنَّ هذا كان وَحْيَ داود ﵇. وعن مجاهد وبعض المفسرين في قوله تعالى: (وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحياً) (الشورى: ٥١). قال: هو أن ينفث في روعه بالوحي. والثالث: أن يأتيه الوحيُ في مثل صلصلة الجرس؛ ليستجمع قلبه، فيكون أوعى لما يسمع. وهذا يأتي قريبًا، إن شاء الله تعالى. والرابع: أن يتمثل له الملك وهو جبريل ﷺ (٣/ ظ) رجلا، وهو في الحديث، ويأتي قريبًا أيضًا، إن شاء الله تعالى (٢). وقد رآه بعضُ الصحابة كما في حديث: "هذا جبريلُ جاءكم يُعَلِّمُكُمْ أمرَ دينِكُم" وفي صورة دحية الكلبي. وقال أبو سعد أحمد بن محمد البغدادي: أكثر ما في الشريعة ممَّا أوحي إلى رسول الله ﷺ على لسان جبريل ﵇. والخامس: أن يأتيَه جبريلُ ﵇ في صورته التي خلقه الله عليها له ست مئة جناح. والسادس: أنْ يُكلِّمَه الله من وراء حجاب، إمَّا في اليقظة، ككلامه تعالى لنبينا محمد ﷺ ليلة الإسراء، ولموسى ﵇. قال تعالى: (وكلَّم الله موسى تكليماً) (النساء: ١٦٤). وإمَّا في النَّوم، كما في حديث معاذٍ الذي خرَّجه الترمذيُّ أنه قال ﵇:

стр. 16

"أتاني ربي في أحسن صورة فقال: فيم يختصم الملأ الأعلى؟ .. الحديث" (١). والسابع: نزول إسرافيل عليه وعليهما السلام. ذكر (٣/ و) أبو عمر ابن عبد البر من طُرُقٍ. منها: ما أورده (٢) من جهة الإمام أحمد بن حنبل، قال: حدثنا ابن أبي عدي، عن داود بن أبي هند، عن عامر الشعبي قال: "أُنزلتْ عليه النبوة وهو ابن أربعين سنة، فقرن بنبوته إسرافيل ﵇ ثلاث سنين، وكان يُكلِّمه الكلمة والشيء، ولم ينزل عليه القرآنُ على لسانه، فلما مضت ثلاث سنين قرن بنبوته جبريل ﵇، فنزل القرآن على لسانه". (٣) وهذه الضروب السبعة ذكرها أبو القاسم عبد الرحمن بن عبد الله بن أحمد السهيلي. (٤) وقال أبو زكريا يحيى بن شرف بن مري النواوي: ومن الوحي الرؤيا والإلهام (٥)، فقرن الإلهام (٦) بالرؤيا. وفهم بعضُ النَّاس أنَّ الإلهام أيضًا يقع من جملة الوحي المنسوب للأنبياء. وذكر أبو إسحاق إبراهيم بن يوسف المعروف بابن قُرْقُول: أنَّ الإلهام وحيٌ لغير الأنبياء، كالوحي إلى النحل، وإنَّ من الوحي ما يكونُ بمعنى الإشارة. قال الله تعالى: (٤/ ظ) (فأوحى إليهم أن سبحوا بكرة وعشياً) (مريم: ١١). وبمعنى الأمر، كقوله تعالى: (وإذ أوحيت إلى الحواريين) (المائدة: ١١١). قيل: أمرهم (٧).

стр. 17

قال البخاري ﵀: "وقول الله تعالى: (إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده) (النساء: ١٦٣) "يجوز في قول البخاري، وقول الله: رفع اللام وجرُّها، معطوف على: كيف كان؟ كما تقدَّم في إثبات باب وحذفه. ثمَّ قيل في إيراد البخاري لهذه الآية الكريمة في أول صحيحه هذا وجهان: أحدهما: أنه أراد أن يبدأ كتابه بشيءٍ من القرآن العزيز، فابتدأ بهذه الآية؛ لأنَّ فيها مناسبةً للترجمة. فأمر الله نبيَّه محمدًا ﷺ ، كما أمر النبيين قبله، يُوحي إليه كما أوحَى إليهم، وحيَ رسالةٍ لا وحيَ إلهامٍ. وقيل: إن البخاري لم يذكر لكتابه خُطبة، وأراد أن يبتدئ كتابه بذكر الله؛ للرواية التي في مسند الإمام أحمد بن حنبل، عن يحيى بن (٤/ و) آدم، حدثنا ابن المبارك، عن الأوزاعيِّ، عن قرَّة بن عبد الرحمن، عن الزهري، عن أبي سَلَمَة، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : "كلُّ أمرٍ ذي بالٍ لا يُفتح بذِكْر الله فهو أبتر- أو قال: أقطع" (١). فابتدأ بالآية الكريمة؛ لأنَّ القرآن ذِكْرُ الله. قال الله تعالى: (إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون) (الحجر: ٩). قال البخاريُّ ﵀: حدثنا الحميدي، عبد الله بن الزبير، حدثنا سفيان، ثنا يحيى بن سعيد الأنصاري، أخبرني: محمد بن إبراهيم التيمي، أنه سمع علقمة بن وقاص الليثي يقول: سمعتُ عمر بن الخطاب على المنبر يقول: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "إنَّما الأعمالُ بالنيَّات، وإنَّما لكلِّ امرئٍ ما نوى، فمن كانت هجرتُه إلى دُنيا يُصيبها، أو امرأةٍ ينكِحُها (٢)، فهجرتُه إلى ما هاجرَ إليه" (٣). هكذا وقع هذا الحديثُ في صحيح البخاري هنا ناقصًا لم يذكر "فمن كانت

стр. 18

هجرته (٥/ ظ) إلى الله ورسوله، فهجرتُه إلى الله ورسوله". وذكر البخاريُّ، ﵀، هذا الحديثَ في كتابه الصحيح في ستة مواضع غير هذا الموضع (١)، فأخرجه أيضًا في آخر كتاب الإيمان (٢)، وأول العتق (٣)، وأول الهجرة (٤)، وأول النكاح (٥)، وآخر الأيمان والنُّذُور (٦)، وأول ترك الحيل (٧). وفي جميعها ذكر هذه الزيادة. قال الخطابيُّ ﵀: "ولستُ أدري كيف وقع هذا الإغفالُ، ومِنْ جهة مَنْ عرض من رواته؟! ولستُ أَشُكُّ في أنَّ ذلك لم يقع من جهة الحميدي، فقد رواه لنا الأثباتُ من طريق الحميدي تامًّا غير ناقصٍ، وأورده، فقال: حدثنا ابن الأعرابي، حدثنا أبو يحيى بن أبي مسرَّة قال: وحدثنا أحمد بن إبراهيم بن مالك الرازي (٨)، ثنا بشر بن موسى، ثنا الحميدي .. فذكر الحديث تامًّا غير ناقصٍ، ثمَّ قال: فهذا رواية الحميدي، عن سفيان تامَّة غير ناقصة. (٩) وذكر شيخنا أبو العباس أحمد بن محمد بن منصور بن المنيِّر: أنَّ البخاري لم يذكر هنا -يعني: هذه الزيادة- قال: وهي هنا أمسُّ بالمقصود (٥/ و) وذكرها في كتاب الإيمان، فأفهم (١٠) أنَّ كلَّ من هاجر إلى شيءٍ، فهجرته إليه، فدخل في عمومه الهجرةُ إلى الله. قال: ومن عادته -يعني: البخاري- أنْ يترك الاستدلالَ بالظاهر الجليِّ، ويعدل إلى الرمز الخفيِّ. (١١)

стр. 19

وهذا الحديث صحيحٌ متفقٌ على صحته وثبوته، وقد تقدَّم أنَّ البخاري أخرجه في سبعة مواضع، وأخرجه مسلمٌ في كتاب الجهاد من ثمانية طُرُقٍ في موضعٍ واحدٍ منه. (١) وأخرجه أبو داود في الطلاق. (٢) والترمذي في الجهاد. (٣) والنسائي في الطهارة (٤)، والإيمان (٥)، والطلاق. (٦) وابن ماجه في الزهد. (٧) وكتب إليَّ المحدِّث (٨) أبو محمد إدريس بن محمد بن مُزَيزٍ من حَمَاة يقول: رأيتُ عمر بن الخطاب في المنام، فقلتُ له: حدِّثْني حديثًا ترويه عن رسول الله ﷺ ، فحدَّثَني حديثًا نَسِيتُه (٩)، فقلتُ له: أنتَ سمعتَ رسولَ الله ﷺ يقول: "إنَّما الأعمالُ بالنيَّات ... الحديث"؟ قال: نعم! فقلتُ: أُحدِّثُ عنكَ به؟ قال: نعم. ثمَّ قيل: (٦/ ظ) إنَّ هذا الحديثَ رواه عن النبيِّ ﷺ جماعةٌ منهم: عمر بن الخطاب، وابنه عبد الله، وأبو سعيد الخدري، وابن عباس، وأبو هريرة، ومعاوية. قال الخطابي: ولا أعلم خلافًا بين أهل الحديث في أنَّ الخبر لم يصح مُسندًا عن النبيِّ ﷺ إلا من رواية عمر بن الخطاب. وقد غلط بعضُ الرواة، فرواه من طريق أبي سعيد، ثمَّ قال: حدَّثَناه إبراهيم بن فراسٍ، قال: حدثنا موسى بن هارون، حدثنا نوح بن حبيبٍ، حدثنا عبد المجيد بن عبد العزيز بن أبي روَّاد، ثنا مالك بن أنسٍ، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري، قال: قال رسول الله ﷺ : "إنَّما الأعمالُ بالنيَّة" فذكر نَحْوًا من حديث عمر. قال: وهذا

стр. 20

عند أهل المعرفة بالحديث مقلوبٌ، وإنَّما هو إسناد حديث آخر أُلصق به هذا المتن. قال الخطابي: ويُقال: إنَّ الغلط إنَّما جاء من قِبل نوح بن حبيبٍ. (١) هكذا قال الخطابي: إنَّ نوح بن حبيب (٢) (٦/ و) نُسب الغلطُ إليه. وليس كذلك، والله أعلم؛ فإنَّ الحافظ أبا القاسم ابن عساكر رواه في كتابه "غرائب مالك" بسنده إلى علي بن الحسن الذهلي، قال: ثنا عبد المجيد بن عبد العزيز، عن مالك .. الحديث. فانتفى أن يكون الغلط من نوحٍ؛ لأنَّ نوحًا، وعلي بن الحسن الذهلي روياه عن عبد المجيد. فكيف يُحكم بالغلط على نوحٍ؟! والظاهر أنَّ الغلط من شيخهما عبد المجيد؟! فإنَّ ابن عساكر قال: وعبد المجيد الذي تفرد به، والمحفوظ في هذا حديث مالك، عن يحيى بن سعيد، عن محمد بن إبراهيم التيمي، عن علقمة بن وقاص، عن عمر. وذكر الدارقطني أيضًا أنَّ عبد المجيد تفرَّد بهذه الرواية دُون أصحاب مالك. (٣) وقال أبو القاسم ابن بشكوال: سمعتُ أبا محمد عبد الرحمن بن أبي عبد الله محمد بن عتَّابٍ يقول: سمعتُ أبي يقول في حديث عمر هذا: لم يروه عن النبيِّ ﷺ غيرُ (٧/ ظ) عمر، ولا عن عمر غيرُ علقمة، ولا عن علقمة غيرُ محمد بن إبراهيم. وقال حمزة بن محمد الكناني في "الأول من تخريج أبي نصر الوائلي، عن أبي الحسن أحمد بن القاسم بن مرزوق": "لا أعلم روى هذا الحديث عن رسول الله ﷺ غير عمر، ولا عن عمر غير علقمة، ولا عن علقمة غير محمد بن إبراهيم، ولا رواه عن محمد بن إبراهيم غير يحيى بن سعيد". وقال النووي: مدارُهُ -يعني: هذا الحديث- على يحيى بن سعيد. وقال: قال

стр. 21

الحفاظ: لا تصحُّ روايته عن النبيِّ ﷺ إلا من جهة عمر، ولا عن عمر إلا من جهة علقمة، ولا عن علقمة إلا من جهة محمد بن إبراهيم، ولا عن محمدٍ إلا من جهة يحيى بن سعيد، وعن يحيى انتشر. (١) وقال الدارقطني: ورواه حجاج بن أرطاة، عن محمد بن إبراهيم، عن علقمة. (٢) وذكر الحاكم أبو أحمد: أنَّ موسى بن عقبة (٧/ و) رواه عن نافع، وعلقمة بن وقاص. وقال الدارقطني: وحدَّث بهذا الحديث شيخٌ من (٣) أهل الجزيرة يُقال له: سهل بن صقير، عن الدراوردي، وابن عيينة، وأنس بن عياض، عن محمد بن عمرو بن علقمة، عن محمد بن إبراهيم، عن علقمة، ووهم على هؤلاء الثلاثة فيه، وإنَّما رواه هؤلاء الثلاثة وغيرهم، عن يحيى بن سعيد، لا عن محمد بن عمرو، وإنَّما رواه عن محمد بن عمرو بن علقمة، الربيع بن زياد الهمداني وحده، ولم يُتابَعْ عليه إلا من رواية سهل بن صقير على هؤلاء الثلاثة. (٤) ورواه أبو القاسم ابن عساكر بسنده إلى أبي هبيرة محمد بن الوليد الدمشقي، ثنا أبو مُسهِرٍ، ثنا يزيد بن السِّمط، ثنا الأوزاعي، عن يحيى بن سعيد، عن محمد بن إبراهيم، عن أنس بن مالك أنَّ النبيَّ ﷺ قال: "إنَّما الأعمال بالنيَّات ... الحديث". قال أبو القاسم ابن عساكر: (٨/ ظ) المحفوظ حديث محمد بن إبراهيم، عن علقمة بن وقاصٍ، عن عمر قال: وهذا غريبٌ جدًّا (٥). قال النووي: رواه عن يحيى بن سعيد أكثر من مئتي إنسانٍ أكثرهم أئمةٌ، فهو حديثٌ مشهورٌ بالنسبة إلى آخره غريبٌ بالنسبة إلى أوله، وليس متواترًا؛ لفقد شرط

стр. 22

التواتر في أوله، ولكنه مُجمعٌ على صحته، وعِظَم موقعِهِ وجلالتِهِ. قال: وقيل: رواه عن يحيى بن سعيد ما يُنيِّفُ عن مئتين وخمسين إمامًا، ومنهم سفيان بن عيينة المذكور في سند البخاري هنا. (١) وأخبرنا أبو حامد محمد بن علي بن محمود بن الصابوني في كتابه إليَّ من دمشق قال: ذكر الحافظ أبو موسى المديني في بعض مصنفاته أنَّه رواه عن يحيى بن سعيد الأنصاري سبع مئة رجلٍ. وفي سند هذا الحديث لطيفة: وهي أنَّ فيه ثلاثة تابعيين يروي بعضُهم عن بعض: علقمة (٨/ و) ومحمد بن إبراهيم، ويحيى بن سعيد الأنصاري، وهو رأى سعد بن أبي وقاص، وعبد الله بن عمر. (٢) وقال شيخنا قاضي القضاة، أبو الفتح، محمد بن علي بن وهب القشيري: شرع بعض المتأخرين من أهل الحديث في تصنيفٍ في أسباب الحديث كما صُنِّف في أسباب النُّزُول للكتاب العزيز، فوقفتُ من ذلك على شيءٍ يسيرٍ منه. قال: وهذا الحديث سببه مُهاجِرُ أُمِّ قيس. (٣) وذكر ابن الجوزي: أنَّ سببه ذلك. (٤) وذكر أبو الخطاب ابن دحية أنَّ النبيَّ ﷺ خطب بهذا الحديث حين أوصله اللهُ إلى دار الهجرة. وذكره أيضًا السفاقسي، وابنُ بطَّال، كما يأتي. وذَكَر البخاري، ﵀، هذا الحديث في أول كتابه لمَعَانٍ، أحدُها: ما ذكره أبو محمد عبد الواحد بن محمد السفاقسي.

стр. 23

وذكره أيضًا أبو الحسن علي بن خلف بن عبد الملك بن بطَّال: أنَّه قصد في تأليفه وجه الله تعالى. (١) (٩/ ظ) وفائدة هذا المعنى أن يكون تنبيهًا لكلِّ مَنْ قرأ كتابه أن يقصد به وجه الله تعالى كما قصده البخاريُّ في تأليفه، وجعل هذا الحديث في أول كتابه عِوَضًا عن الخطبة التي يبدأ بها المؤلفون، ونعم العِوَض، وبه خطب النبيُّ ﷺ حين وصل إلى دار الهجرة. وقال أبو عبد الله ابن الفخار: إنما ذكر هذا الحديث في هذا الباب؛ لأنه متعلقٌ بالآية التي في الترجمة، والمعنى الجامع بينهما: أن الله تعالى أوحى إلى محمد، وإلى الأنبياء: أن الأعمال بالنيات بدليل قوله تعالى: (وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين) (البينة: ٥)، وقال تعالى: (شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا) (الشورى: ١٣). وقال شيخُنا أبو العباس أحمد بن محمد بن منصور الجُدامي المعروف بابن المنير: إنْ قُلتَ ما موقع حديث عمر من الترجمة؟ وأين هو من بدء الوحي؟ فقال: أُشكِل هذا قديمًا على الناس، فحمله بعضُهم على قصد الخُطبة، والمقدمة للكتاب (٩/ و) لا على مطابقة الترجمة. وقيل: غير هذا. قال شيخُنا: والذي وقع لي أنه قصده -والله أعلم- أنَّ (٢) الحديث اشتمل على أنَّ من هاجر إلى الله وحده، والنبيُّ ﷺ كان مقدِّمةُ النُّبُوَّة في حقِّه هجرتَه إلى الله، وإلى الخلوة بمناجاته، والتقرُّب إليه بعباداته في غار حِرَاء، فلما ألهمه اللهُ صدق الهجرة إليه، وطلب وجدَّ وجد، فهجرتُه إليه كانت بدء فضله عليه باصطفائه، وإنزال الوحي عليه مُضافًا إلى التأييد الإلهي، والتوفيق الرباني الذي هو الأصل، والمرجع، والمبدأ، والموئل. (٣)

стр. 24

وذكر أبو القاسم المهلب بن أبي صفرة: زعموا أنَّ حديث الأعمال ليس فيه شيء ممَّا تضمنت الترجمة حتى بلغني أنَّ بعض المتقدِّمين وضع في هذا الباب وشِبْهِه وَضْعًا يُشنِّع به على البخاري، وهذا الحديث -والله أعلم- نَفْسُ ما ترجم به، وأولى الأحاديث به، ووَجْهُه أنَّ الله لمَّا اصطفى (١٠/ ظ) محمدًا ﷺ من أطيب الأصلاب، وفطره على الإيمان، وزيَّنه في قلبه، وكرَّه إليه الكفر، والفسوق، والعصيان، وعبادة الأوثان، ولم يجد في جاهلية قومه شرعًا يَعبُدُ اللهَ عليه، ولا حُكمًا يلجأُ عند الإشكال إليه لجأ إلى دعاء ربِّه تعالى، وتضرَّع إليه، فوهب له ﵎ أول أسباب النبُوَّة، وهو الرؤيا الصالحة التي هي جزء من أجزاء النبُوَّة، فكان ذلك ترشيحًا له من الله للنبُوَّة، فلمَّا رأى ما وهب اللهُ له من ذلك، فأطلعه به على كثير من الغيوب والإنذارات تحقَّق طمعه في الإجابة، فأخلص النيَّة لله في العمل، والانقطاع إليه، وحُبِّبَ إليه الخلاءُ، فقبل اللهُ توبتَه بصحة نيَّته، ووهب له ما نوى كما أمَّل ورَجَا إجابةً لخالص دعواته. وقال: وأيُّ معنًى أولى بهذه الترجمة من هذا الحديث. وهذه (١٠/ و) الأقاويل تأويلات، والذي يظهر -والله أعلم- أن البخاري إنَّما قدَّمه تبعًا لما قاله شيخُه عبد الرحمن بن مَهْدِي شيخُ هذه الصناعة قال: لو صَنَّفْتُ الأبوابَ لجعلتُ حديث عمر -يعني: هذا- في أول كلِّ باب. (١) وذكر الإمامان أبوا عبد الله (٢)، محمد بن إدريس الشافعي، وأحمد بن محمد بن حنبل: أنَّ هذا الحديث ثلث العلم. (٣)

стр. 25

قال أبو بكر البيهقي: لأنَّ كسب العبد بقلبه ولسانه وجوارحه، فالنية أحد الأقسام الثلاثة، وهي أرجَحُها؛ لأنها تكون عبادةً بانفرادها بخلاف القسمين الآخرين، ولذلك كانت نيَّةُ المؤمن خيرًا من عمله، ولأنَّ القول والعمل يدخُلُهما الفسادُ بالرياء بخلاف النيَّة. (١) وعن الشافعي أيضًا: أنَّه يدخل في سبعين بابًا من الفقه (٢). وعن الإمام أحمد: أصولُ الإسلام على ثلاثة أحاديث: الأعمال بالنية، وحديث عائشة: "من أحدث في أمرنا ما ليس فيه فهو رَدٌّ"، وحديث النعمان بن بشير: "حلالٌ بيِّن وحرامٌ بيِّن" (٣). وروى أبو سعيد ابن الأعرابي، (١١/ ظ) حدثنا أبو داود قال: أقمتُ بطرسوس عشرين سنة، فاجتهدتُ في المسند، فإذا هو أربعة آلاف حديث، ثمَّ نظرتُ فإذا مدارُ الأربعة آلاف على أربعة أحاديث: حديث "حلال بيِّن وحرام بيِّن" فهذا ربع العلم. وحديث ... (٤)، (٥) (١١/ و) عبد الواحد المقدسي، فجاء مجلدةً كبيرةً تكلَّمتُ فيه على نسب سيدنا محمد ﷺ منه إلى آدم، واشتقاق الأسماء العربية فيه، ومعنى العبرانية والسريانية فيه، وعلى مولده، ووفاته، وغزواته، وكُتَّابه، وأزواجه، وخُدَّامه، ومواليه، وصفاته، وأخلاقه، ومعجزاته، فهو سيِّدُنا ونبيُّنا (٦) محمد ﷺ ، وأحمد، وله أسماء مشهورة. (٧)

стр. 26

وذكر القاضي أبو بكر ابن العربي منها: أربعة وستين اسمًا (١)، وذكر بعضها ابن الجوزي (٢)، وزاد خمسةً غير ما ذكر ابن العربي، وكُنيته: أبو القاسم. قال أبو نعيم: القاسم ابن رسول الله ﷺ بِكْرُ وَلَدِه، وبه كان يُكنى (٣)، وكنَّاه جبريلُ ﵇ أبا إبراهيم. وفي كتاب الذخائر والأعلاق: أنَّ كُنيته في التوراة: أبو الأرامل، وعبد الله والده، كنيته: أبو قُثَم، وقيل: أبو محمد، وقيل: أبو أحمد. ولم يكن له وَلَدٌ ذَكَرٌ ولا أنثى غير النبي ﷺ . (٤) ابن عبد المطلب. (١٢/ ظ) قيل: اسمه شيبة. وقيل: عامر. وكنيته: أبو الحارث بأكبر بنيه. وقيل: أبو البطحاء. ابن هاشم، واسمه: عمرو. وكنيته: أبو نضلة. بن أبي عبد شمس عبد مناف، واسمه: المغيرة بن أبي المغيرة. قُصي، واسمه زيد بن أبي زُهرة. كلاب، واسمه: حكيم بن أبي يقظة. مرة بن أبي هُصَيص، كعب بن أبي كعب، لؤي بن أبي تميم، غالب بن أبي غالب، فهر وهو جماع قريش في قول هشام بن الكلبي. بن أبي الحارث، مالك بن أبي يخلد النضر. وأمُّه: بَرَّةُ بنتُ مُرِّ بنِ أُدِّ بنِ طابِخَةَ. ذكر الزبير بن بكار في كتاب النسب له، وتبعه أبو القاسم السهيلي، وتبعه أبو الربيع بن سالم: أنَّ النضر بن (٥) كنانة بن خزيمة بن مرّة، أمُّه برَّة بنت مرّ، خلف عليها كنانة (٦) بعد أبيه خزيمة، على ما كانت الجاهلية تفعله إذا مات الرجل خلف على زوجته بعده أكبرُ بنيه من غيرها، وذكروا أنَّ الله تعالى نهى عن ذلك بقوله تعالى: (ولا

стр. 27

تنكحوا ما نكح ءاباؤكم من النساء إلا ما قد سلف) (النساء: ٢٢). (١٢/ و) أي: إلا ما قد (١) سلف من تحليل ذلك قبل الإسلام. قال السهيليُّ: وفائدة الاستثناء في قوله تعالى: (إلا ما قد سلف). أن لا يُعاب نسبُ النبيِّ، ﷺ (٢).) ولما وقفتُ على مثل هذا القول تعَجَّبتُ من كون أنَّ مثل هذا وقع في نسب سيدنا محمد ﷺ من أنَّ النَّضر وُلِدَ لكنانة من زوج أبيه خزيمة. وقد روى المدائني، عن أبي الحويرث، عن ابن عباس، ﵄، قال: قال رسول الله ﷺ : "ما ولدني شيءٌ (٣) من سفاح أهل الجاهلية إلا نكاح كنكاح الإسلام". (٤) ثمَّ إنَّني رأيتُ أبا عثمان عمرو بن بحر الجاحظ أزال هذا الإشكالَ، وبيَّنه في كتاب سمَّاه "الأصنام"، ذكر فيه أديان العرب، ومعتقداتها، ومعاملاتها. قال فيه: "وخلف كنانة بن خزيمة على زوجة أبيه بعد وفاته، وهي برَّة بنت أُدٍّ بن طابخة بن إلياس بن مُضر فلم تلد لكنانة ذكرًا ولا أنثى، ولكن (١٣/ ظ) كانت ابنة أخيها، وهي برَّة بنت مرٍّ بن أُدٍّ بن طابخة عند كنانة بن خزيمة ولدت له النضر بن كنانة. وإنما غلط كثير من الناس لما سمعوا أن كنانة خلف على زوجة أبيه، ولاتفاقِ اسمهما، وتقاربِ نسبِهما. قال: وهذا الذي عليه مشايخنا وأهل العلم والنسب. ومعاذ الله أن يكون أصاب

стр. 28

رسول الله ﷺ مقت نكاحٍ، والحمد لله الذي طهَّره وطهَّر به". (١) ولم أجد هذا لغير الجاحظ، ولم يكن في نسب رسول الله ﷺ مَنْ قِيل فيه مثل ذلك. وكنانة يُكنى: أبا النضر بن أبي أسد، خزيمة بن أبي الهُذيل، مدركة بن أبي عمرو، إلياس بن أبي ربيعة، نزار بن أبي قُضاعة، مَعَدّ بن عدنان بن أُدٍّ بتشديد الدال المهملة، بن أدد وهو مصروف، بن مُقوَّم بتشديد الواو وفتحها. وقيل: فيها الكسر، بن ناحور بالنون والحاء المهملة، بن تيرح بفتح التاء المثناة من فوق (١٣/ و) والراء، بن يَشجُب بضمِّ الجيم، بن يَعرُب بضمِّ الراء، بن نابت بالنون (٢)، بن إسماعيل، بن إبراهيم خليل الرحمن، بن تارح بالمثناة من فوق وبعد الألف راء ثمَّ حاء مهملة. وقيل: آزر، بن ناحور بالنون والحاء والراء المهملتين، بن ساروح بالمهملات، بن راعو بضم العين المهملة، وقيل: بالمعجمة، وقيل: أرغو بالغين المعجمة، بن فالخ بالفاء وفتح اللام ثم خاء معجمة، وقيل: فالغ بالغين المعجمة، بن عيبر بعين مهملة ثمَّ ياء مثناة من تحت ساكنة ثم باء موحدة وراء، ويقال: عابر بالألف، بن شالخ بالمعجمتين بينهما ألف ولام مفتوحة، بن أرفخشذ بالراء الساكنة ثم فاء مفتوحة (٣)، ثم خاء معجمة ساكنة ثم شين معجمة مفتوحة وذال معجمة، بن سام، بن نوح، بن لامك بفتح الميم وكسرها ثم كاف، بن متوشلخ بميم مفتوحة وتاء ثاني الحروف مضمومة، وقيل: مفتوحة مشددة وواو ساكنة ثم شين معجمة ولام مفتوحتان، وقيَّد بعضُهم اللام بالكسر وخاء معجمة، ويقال: بضمِّ (١٤/ ظ) الميم وفتح التاء والواو وسين ساكنة، بن خنوخ بخاء معجمة، وقيل: حاء مهملة وبعد الواو خاء معجمة، بن يرد بياءٍ بِاثنينِ من تحتها وراء ساكنة ودال مهملة، بن مهيل بميم مفتوحة، ويقال: مهلاييل، بن قينن بالقاف، ويقال: قينان، بن يانش بألف بعد ياء مثناة من تحت ثم نون مضمومة وشين معجمة، ويقال: آنش، ويقال: آنوش بضمِّ النون والشين المعجمة، بن شيث، بن آدم ﵇.

стр. 29

وأمَّا معنى جميع هذه الأسماء واشتقاقها، فقد ذكرتُه، وذكرتُ ما وقع لي من أمهاتهم وأحوالهم وما جرى لكلِّ واحدٍ منهم في ترجمته في كتابي: "شرح السيرة" المذكورة (١)، ويرِدُ بعضُه في هذا الكتاب، إن شاء الله تعالى. الكلام على متن الحديث قوله ﷺ : "إنما الأعمال بالنيَّات" وفي رواية: "إنما الأعمال بالنيَّة" وفي رواية: "إنما العمل بالنيَّة"، وفي كتاب "يا أيها الناس": "إنما الأعمال بالنيَّة" (١٤/ و) وهذا كلُّه هو الصحيح. والذي في أول كتاب الشهاب للقضاعي "الأعمال بالنيَّات"، بحذف إنما. رواه كذلك القضاعي في مسند كتابه الشهاب، عن عبد الرحمن بن عمر التجيبي، قال: أبنا أحمد بن محمد بن زياد، أبنا محمد بن عبد الملك الدَّقيقي، ثنا يزيد بن هارون، أنا يحيى بن سعيد. (٢) فوقع نقص "إنما" من واحدٍ من الرواة دون يزيد بن هارون؛ فإنَّه رُوي من طريق صحيحة إليه بإثبات "إنما". وقال الحافظ أبو موسى المديني وغيره: لا يصح إسناده، يعني: بدون (٣) "إنما". (٤)

стр. 30

و"إنَّما" كلمة تدلُّ على الحصر، وتأتي أيضًا للتأكيد نحو: إنما الرجل زيدٌ. ومعناها: إثبات الحكم في المذكور، ونفيه عمَّا عداه. ثمَّ تارة تقتضي الحصر المطلق، وتارة تقتضي حصرًا مخصوصًا، ويُفهم ذلك بالقرائن. وهي ملفقة من نفي وإثبات؛ لأنَّ "إنَّ" للتحقيق، و"ما" للنفي، فيُعمل بركنيها نفيًا وإثباتًا. وقوله: "إنما الأعمال بالنيات" بكسر النون وتشديد الياء وهذا هو المشهور، (١٥/ ظ) وحكى النووي تخفيفَها. وأصلُ النية الطلب، وقيل: القصدُ للشيء بالقلب، وقيل: عزيمة القلب. قال الخطابي: لم يُرِدْ أعيان الأعمال؛ لأنها حاصلة حِسًّا وعيانًا بغير نيَّة، وإنما معناه أن صحة أحكام الأعمال في حقِّ الدِّين إنما يقع بالنيَّة، وأنَّ النيَّات هي الفاصلة بين ما يصح من الأفعال وما لا يصح. (١) وذكر شيخُنا أبو الفتح القشيري: أنه لا بد من حذفٍ في قوله: "إنما الأعمال بالنية"، فاختلف العلماءُ في تقديره، فالذين اشترطوا النيَّة قدَّرُوهُ: صحة الأعمال بالنيات، والذين لم يشرطوها قدَّرُوهُ: كمال الأعمال بالنيات. قال: ورُجِّح الأول (٢) بأنَّ الصحة أكثر لزومًا للحقيقة من الكمال، فالحملُ عليه أولى؛ لأنَّ كلَّ ما كان ألزمَ للشيء كان أقربَ إلى خُطُورِهِ بالبال عند إطلاق اللفظ، ويقدرونه أيضًا: إنما اعتبار الأعمال بالنيات. (٣) وذكر القاضي أبو بكر ابن العربي فقال: وقال علماؤنا إنَّ المراد بهذا الحديث يعني الحديث الذي خرَّجَه (١٥/ و) الترمذيُّ وابنُ ماجه عن سعيد بن زيد قال: قال رسول الله ﷺ : "لا وضوء لمن لم يذكر اسمَ الله عليه"، هو النيَّة؛ لأنَّ الذكر

стр. 31

يُضَادُّ النسيانَ، والنسيان والذكر إنما يتضادان بالمحلِّ الواحد، ومحلُّ النسيان القلب، فمحلُّ الذكر إذًا القلب، وذِكْرُ القلب: هو النيَّة. وذَكَر أنَّ هذا الحديث ضعيفٌ. قال أحمد بن حنبل: لا أعلم في هذا الباب حديثًا صحيحًا. (١) وقال شيخُنا أبو العباس أحمد بن إبراهيم بن عبد الغني السَّروجي الحنفي قاضي قضاة الحنفية بالديار المصرية: التقدير ثوابها لا صحتُها؛ لأنَّه الذي يطَّرِدُ، فإنَّ كثيرًا من الأعمال تُوجد وتُعتبر شرعًا بدونها؛ ولأنَّ إضمار الثواب متفقٌ على إرادته؛ ولأنَّه يلزم منِ انتفاء الصحة انتفاءُ الثواب دون العكس، فكان ما ذهبنا إليه أقلَّ إضمارًا، فهو أولى؛ ولأنَّ إضمار الجواز والصحة يُؤدِّي إلى نسخ الكتاب بخبر الواحد (١٦/ ظ) وهو ممتنع؛ ولأنَّ العامل في قوله بالنيَّة مُقدَّرٌ بإجماع النُّحَاة، ولا يجوزُ أن يتعلق بالأعمال؛ لأنَّها رفع بالابتداء، فيبقى بلا خبر، فلا يجوز، فالمقدَّر إمَّا مجزئة أو صحيحة أو مثيبة، فمثيبة أولى بالتقدير لوجهين: أحدهما: أنَّ عند عدم النيَّة لا يبطل أصلُ العمل، وعلى إضمار الصحة والإجزاء يبطُل، فلا يبطل بالشكِّ. الثاني: قوله: "ولكل امرئ ما نوى"، يدلُّ على الثواب والأجر؛ لأنَّ الذي له إنما هو الثواب، وأما العمل فعليه. (٢) قال بعضُ علماء الحنفية: إنَّ الصحة والكمال مقدَّران غير منطوقٍ بهما، والتقدير: إضمار، والإضمار على خلاف القياس، فكلُّ ما أدَّى إلى تقليله كان أولى في تقدير كمال الأعمال أقلّ؛ لأنه يلزم من نفي الكمال الصحة، ويلزم من نفي الصحة نفي الكمال، فمن قدَّر نفي الصحة يلزم منه نفيُ الجواز، فيصير المنفيُّ شيئين: الصحة والكمال، وإذا نُفي الكمالُ لا يلزم منه نفيُ الصحة (١٦/ و) فتعيَّن أنَّ نفي شيءٍ واحدٍ أولى من نفي شيئين، وهذا تقدَّم إلا أنَّه أبْيَنُ.

стр. 32

وذكر النووي: الأعمالُ ضربانِ: ضربٌ يُشترَط النيةُ لصحته، ويحصُلُ الثوابُ فيه. كالأركان الأربعة وغير ذلك ممَّا أجمع العلماءُ على أنَّه لا يصحُّ إلا بنيَّةٍ، وكالوضوء، والغسل، والتيمم، وطواف الحجِّ والعمرة، والوقوف ممَّا اشترط النيَّة فيه بعض العلماء. وضربٌ لا تُشترَط النيَّةُ لصحته، لكنْ يُشترَط حُصُول الثواب. كسترِ العورة، والأذانِ، والإقامةِ، وابتداءِ السلام وردِّه، وتشميتِ العاطس وردِّه، وعيادةِ المريض، واتباعِ الجنائز، وإماطةِ الأذى، وبناءِ المدارسِ والرُّبُط، والأوقاف، والهبات، والوصايا، والصدقات، وردِّ الأماناتِ ونحوِها. وأمَّا إزالةُ النجاسة، فالمشهورُ عندنا أنَّه لا يفتقر إلى نيَّة؛ لأنها من باب التُّرُوك، والتركُ لا يحتاجُ إلى نيَّة، وقد نُقِل الإجماعُ فيها. (١٧/ ظ) قال: وشذَّ بعضُ أصحابِنا فأوجَبَها. (١) وقال الإمام أبو الوليد محمد بن أحمد بن رُشد المالكي في كتابه "بداية المجتهد": "اختلف علماءُ الأمصار هل النيَّةُ شرطٌ في صحة الوضوء أم لا؟ بعد اتفاقهم على اشتراط النيَّة في العبادات. فذهب فريقٌ منهم إلى أنَّه شرط، وهو مذهب مالك، والشافعي، وأحمد، وأبي ثور، وداود، وبه قال إسحاق. وذهب فريق آخر إلى أنَّها ليست بشرطٍ، وهو مذهب أبي حنيفة، والثوري. (٢). ورُوي عن الحسن بن صالح بن حييٍّ. وعن مالك رواية شاذَّة: أنَّ الوضوء يُجزئ بغير نيَّة. وعن الأوزاعي: أنَّ الطهارة والتيمم لا يفتقرانِ إلى نيَّة. ذكر ذلك السفاقسي. وسبب اختلافهم: تردُّد الوضوء بين أن يكون عبادةً محضةً غير معقولة المعنى. كغسل النجاسة؛ فإنَّهم لا يختلفون أنَّ العبادة المحضة مفتقرة إلى النيَّة، والعبادة

стр. 33

المفهومة المعنى غير مفتقرة إلى النيَّة (١٧/ و)، والوضوء فيه شبه؛ فلذلك وقع الاختلاف فيه؛ لأنَّه يجمع عبادةً ونظافةً. (١) واستدلَّ أيضًا لمن يقول: بعدم وجوب النيَّة في الوضوء بقوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم) (المائدة: ٦) الآية. قالوا: إنما أُمر بغسل هذه الأعضاء الأربعة في الوضوء، وقد فعل ما أُمر به. وبالحديث الذي علَّم النبيُّ ﷺ الأعرابيَّ الوضوءَ فيه (٢)، ولم يذكر النيَّة؛ لأنَّه علَّمه المجْزِئَ، والأعرابيُّ كان جاهلًا بأحكام الوضوء، ولو كانت النيَّة شرطًا في الوضوء لبيَّنها ﵇ للأعرابيِّ؛ لأنَّ تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز. واستدلَّ أيضًا بحديث أمِّ سلمة في صحيح مسلم: أنَّ النبي ﵇ علَّمها فقال: "إنما يكفيكِ أنْ تحثي على رأسكِ ثلاثَ حثيات" (٣). فعلَّمها الغسلَ الكامل بقوله: "ثلاث حثيات"، وإلا فالحثية الواحدة المستوعبَة كافيةٌ بحصول الطهارة، ولم يذكر لها النيَّة. (١٨/ ظ) و قوله: "وإنَّما لكلِّ امرئٍ ما نوى "، قال السفاقسي: رُوِّيناه بكسر الراء. وكذلك لغة القرآن، وأنَّه معرب في حرفين من آخره. وفيه ثلاث لغات: إذا جئتَ بألف الوصل تعرب من مكانين، كما تقدَّم. واللغة الثانية: فتح الراء على كلِّ حالٍ، وإعرابها على كلِّ حالٍ. ولا جمع له من لفظه. قال النوويُّ: قالوا فائدة ذكر الثاني بعد الأول: بيان اشتراط تعيين المنوي، فإنْ

стр. 34

كان على الإنسان صلاةٌ مَقْضِيَّة لا يكفيه أن ينويَ الصلاة الفائتة، بل يُشترط أن ينويَ كونَها ظهرًا أو عصرًا أو غيرهما. ولولا اللفظ لاقتضى الأول صحة النيَّة بلا تعيين. (١) وذكر الإمام تاج الدين السمعاني: أنَّ في قوله: "وإنَّما لامرئٍ ما نوى"، دلالة على أن الأعمال الخارجة عن العبادة قد تُفيد الثواب إذا نوى فاعلُها بها القُربة، كالأكل والشرب إذا نوى بهما القوَّة على الطاعة، والنَّوم إذا قصد به ترويح البدن للعبادة، والوطء إذا أراد به (١٨/ و) التعفف عن الفاحشة. (٢) قال ﵇: "وفي بُضع أحدكم صدقة. قالوا: يا رسول الله، يأتي أحدُنا شهوتَه ويكونُ له فيها أجرٌ؟ قال: أرأيتَ لو وَضَعَها في الحرام، يكون عليه وِزْرٌ؟ قالوا: بلى. قال: فكذلك إذا وضعها في الحلال يكون له أجرٌ". (٣) و قوله: "فمن كانت هجرتُه "، الهجرة: أصلُها التركُ. وهنا: تركُ الوطن. والهجرة إلى الله ورسوله تقع على أمورٍ أحدها: الهجرة الأولى إلى الحبشة عندما آذى الكفارُ الصحابةَ. الثانية: هجرةٌ من مكَّة إلى المدينة. الثالثة: هجرة القبائل إلى رسول الله ﷺ ؛ لتعلم الشرائع، ثم يرجعون إلى المواطن، فيعلِّمون قومهم. الرابعة: هجرةُ مَنْ أسلم من أهل مكة؛ ليأتيَ إلى رسول الله ﷺ ، ثم يرجع إلى مكَّة. الخامسة: هجرةُ ما نهى الله عنه. قال شيخُنا أبو الفتح: ومعنى الحديث، وحكمه: يتناول الجميع غير أنَّ السبب يقتضي أنَّ المراد بالحديث (١٩/ ظ) الهجرة من مكة إلى المدينة؛ لأنَّ مُهاجِر أُمِّ قيس هاجر من مكة إلى المدينة لا يريد بذلك فضيلة الهجرة، وإنَّما هاجر؛ ليتزوج أمَّ قيس،

стр. 35

ولهذا خُصَّ في الحديث ذِكْرُ المرأة دون سائر الأعراض الدنيوية، ثمَّ أُتبِع بالدنيا. (١) وذكر النوويُّ سؤالًا: وهو كيف ذُكرت المرأةُ مع الدنيا مع أنها داخلةٌ فيها؟ فأجاب: أنَّه لا يلزم دخولها في هذه الصيغة؛ لأنَّ لفظة دنيا نكرة وهي لا تعمُّ في الإثبات، فلا يلزم دخول المرأة فيها. الثاني: أنَّه جاء أنَّ سبب هذا الحديث مهاجر أمِّ قيس. الثالث: أنَّه للتنبيه على زيادة التحذير. (٢) ثمَّ في رواية: "فمن كانت هجرتُه إلى الله ورسوله، فهجرتُه إلى الله ورسوله"، المقرَّر عند أهل العربية أنَّ الشرط والجزاء والمبتدأ والخبر يتغايرانِ، وهنا وقعَ الاتحادُ؟ وجوابه: أنَّ التقدير: فمن كانت هجرتُه إلى الله ورسوله نيَّةً (٣) وقصدًا، فهجرتُه إلى الله ورسوله حُكْمًا وشرعًا. (٤) وفائدة التكرار، ولم (١٩/ و) يقل: فهجرتُه إليهما أدبٌ من النّبيِّ ﷺ ؛ لئلَّا يجمع بين ذِكْر الله ورسوله. فقد ورد الإنكارُ على الخطيب الذي قال: "من يُطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يَعصهما فقد غوى"، فقال له ﵇: "بئس الخطيب أنت". (٥) وقوله: "ومن كانت هجرتُه إلى دُنيا " هي بضمِّ الدال على المشهور. وحكى ابن قتيبة وغيرُه كسرَها، وهي من دنوتُ لدُنُوِّها وسبقها لدار الآخرة. (٦) وفي حقيقتها قولانِ للمتكلِّمين: أحدها: ما على الأرض من الهواء والجوِّ.

стр. 36

والثاني: كلُّ المخلوقات من الجواهر والأعراض. ودُنيا مقصورٌ غير منون على المشهور. وبه جاءت الرواية. ويجوز في لغة غريبة تنوينُها، رواها أبو الهيثم الكشميهني في أصله من صحيح البخاري. وأُنكر عليه ذلك حتي قيل: لم يكن من أهل العلم. ومهاجر أمِّ قيس لم نعلم أنَّ أحدًا ذكَر اسمَه، وخفيَ اسمُه لُطْفًا من الله تعالى به. (٢٠/ ظ) وأمَّا أمُّ قيسٍ فذكَرها ابنُ الأثير في المهاجرات. وقال: روى الأعمش، عن أبي وائل، عن ابن مسعود قال: كان فينا رجلٌ خطب امرأةً يُقال لها: أمُّ قيسٍ، فأبتْ أن تتزوَّجَه حتى يُهاجر، فهاجر، فتزوَّجَها، فكنَّا نُسمِّيه: مهاجر أمِّ قيس. (١) وذكر ابن دحية أنَّ اسمها: قَتيلة. (٢) وقوله: "فهجرتُه إلى ما هاجر إليه "، يُريد أنَّ ذلك حظُّه، وليس له عند الله أجر.