Полный текст (145 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.
стр. 106
جمَاعَة مُخْتَلفَة إِذا اجْتَمعُوا فِي محفل فالعالم يظْهر مِنْهُ آثَار علمه والكريم يظْهر مِنْهُ آثَار كرمه وَالْحسن الْخلق يتَبَيَّن عَنهُ أنوار حلمه فالذاكر لَا يذكر إِلَّا مذكوره وموصوفه والعارف لَا يعرف إِلَّا معروفه وَهَكَذَا بَقِيَّة أَرْبَاب الْفَضَائِل وَأَصْحَاب الشَّمَائِل وطالب الدُّنْيَا يتَكَلَّم بِأُمُور دُنْيَاهُ وَالْفَاسِق بِمَا فِي خاطره من مهواه ﴿كل حزب بِمَا لديهم فَرِحُونَ﴾ عارفون طريقهم ومذهبهم ﴿قد علم كل أنَاس مشربهم﴾
التَّاسِع عشر قَوْله فِي فص شُعَيْب ﵇ أَيْضا إِن الْعَالم مَجْمُوعَة أَعْرَاض وَفِي كل آن يصير مَعْدُوما وموجودا كَمَا قَالَ الأشاعرة وَغَيرهم فِي الْأَعْرَاض لَا فِي الْأَجْسَام أَقُول وَهَذَا الْمِقْدَار لَيْسَ لَهُ مطْعن فِي الْكَلَام إِذْ لَا يَتَرَتَّب عَلَيْهِ حكم من الْأَحْكَام إِلَّا أَنه فرع عَلَيْهِ مَا يَتَرَتَّب كفره لَدَيْهِ حَيْثُ قَالَ فالمكلف فِي كل آن يكون غَيره ويحشر فِي العقبى غير مَا كَانَ مَوْجُودا فِي الدُّنْيَا فالعقاب وَالثَّوَاب لَا يكون فِي الطائع والعاصي انْتهى وكفره لَا يخفى والمؤول مَا الْتفت إِلَى دفع الِاعْتِرَاض بل أظهر توضيح أَن الْأَجْسَام كالأعراض بقوله إِن الله سُبْحَانَهُ هُوَ الَّذِي قَائِم بِذَاتِهِ فِي قِيَامه لَا يحْتَاج إِلَى شَيْء من مَوْضُوعَاته أما مَا يُسَمِّيه أهل الرسوم بالجوهر ويجعلونه قَائِما بِنَفسِهِ غير مَوْجُود عِنْد هَذِه الطَّائِفَة بل إِنَّه أَمر موهوم وَشَيْء مَعْدُوم فالعالم من أَوله إِلَى آخِره أَعْرَاض غير قَائِمَة بِنَفسِهَا فِي أمره أَقُول
стр. 107
مَا ذهب إِلَيْهِ الْعلمَاء والحكماء والمشايخ الكبراء بِالِاعْتِبَارِ أولى حَيْثُ فرقوا بَين الْجَوَاهِر والأعراض على وَجه لَا يتَوَجَّه عَلَيْهِم الِاعْتِرَاض فَإِنَّهُم مُجْمِعِينَ على أَن الْحق هُوَ الْقَائِم بِذَاتِهِ وَهُوَ لَا يُنَافِي أَن يُقيم الْجَوْهَر قَائِما بِنَفسِهِ بِمَعْنى أَنه ثَابت فِي مقره وَلذَا قَالُوا فِي معنى القيوم هُوَ الْقَائِم بِنَفسِهِ الْمُقِيم لغيره وعَلى تَقْدِير صِحَة كَونه يصير مَعْدُوما فِي كل آن كَمَا يُشِير إِلَيْهِ قَوْله تَعَالَى ﴿كل يَوْم هُوَ فِي شَأْن﴾ أَي يحيي وَيُمِيت بِمَعْنى يُوجد الشَّيْء ويفنيه فَنَقُول يصير مَعْدُوما وينقلب مَوْجُودا وَهَكَذَا فِي كل زمَان من الْأَحْوَال كَمَا يَقْتَضِيهِ ظُهُور صِفَات الْجلَال ونعوت الْجمال إِلَى أَبَد الآباد على وَجه الْكَمَال وعَلى هَذَا الْمَعْنى لَا يَتَرَتَّب الْفساد فِي المبنى كَمَا حقق فِي إِعَادَة أَعْضَاء الأشباح فَلْيَكُن كَذَلِك فِي أَجزَاء الْأَرْوَاح وَقد قَالَ تَعَالَى ﴿كلما نَضِجَتْ جُلُودهمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيرهَا ليذوقوا الْعَذَاب﴾ فَمَا اخْتلف العَاصِي والمطيع فِي مقَام الْعقَاب وَالثَّوَاب وَهَذَا فصل الْخطاب وَالله أعلم بِالصَّوَابِ
الْعشْرُونَ قَوْله فِي الفص العزيري إِن ولَايَة الرَّسُول أفضل من نبوته انْتهى وَلَا يَتَرَتَّب عَلَيْهِ كفر وَلَا فسق وَلَا بِدعَة كَمَا لَا يخفى لِأَن هَذِه مَسْأَلَة اخْتلف فِيهَا الصُّوفِيَّة وأصل وَضعهَا أَنه يُقَال ولَايَة الرَّسُول أفضل من
стр. 108
رسَالَته لِأَن ولَايَته الْمُخْتَلف فِيهَا هِيَ فِي زمَان نبوته وَأما ولَايَته الكائنة قبل نبوته فَلَا يَصح أَن يُقَال أفضل من نبوته فَإِنَّهُ كفر بِلَا خلاف إِذْ لَا يكون الْوَلِيّ أفضل من النَّبِي كَمَا حقق فِي مَحَله أَن من قَالَ الْوَلِيّ أفضل من النَّبِي يكفر وَإِنَّمَا بَقِي الْكَلَام فِي نبوته الْمعبر عَنْهَا بولايته ورسالته وَاخْتِلَاف لأفضليته فِي أَي نِسْبَة فَقَالَ بَعضهم إِن ولَايَته أفضل لكَون توجهه حِينَئِذٍ إِلَى الْحق بِخِلَاف رسَالَته فَإِنَّهُ مُتَوَجّه فِي حَالَته إِلَى الْخلق وَهَذَا التَّفْصِيل من هَذِه الْحَيْثِيَّة فِي التَّفْضِيل لَا بَأْس بِهِ عِنْد أهل التَّحْصِيل إِلَّا أَنه يلْزم مِنْهُ أَن يكون النَّبِي الَّذِي لم يُؤمر بتبليغ الْوَحْي إِلَى الْخلق يكون أفضل وأكمل مِمَّن أُوحِي إِلَيْهِ وَأمر بتبليغ مَا لَدَيْهِ وَهُوَ خلاف الْإِجْمَاع اللَّهُمَّ إِلَّا أَن يُقَال المُرَاد بَيَان أَفضَلِيَّة النسبتين المجموعتين فِي الرَّسُول بطرِيق الِانْفِرَاد فَإِن مرتبَة جمع الْجمع أكمل عِنْد جَمِيع الْعباد وَلذَا قَالَ بعض الْعلمَاء إِن مقَام رِسَالَة نَبينَا أفضل من مقَام ولَايَته وَإِنَّمَا أدرجه المؤول وَجعله من قبيل القَوْل الْمُشكل ليوهم الْعَوام أَن سَائِر الاعتراضات مثله فِي قبُول التَّأْوِيل الْمُحْتَمل نعم ذكر بَعضهم أَن نِهَايَة النَّبِي بداية الْوَلِيّ وَظَاهره الْكفْر إِلَّا أَنه لَهُ تَأْوِيلا حسنا وتوجيها مستحسنا وَهُوَ أَن الْوَلِيّ لَا يصير وليا باهرا إِلَّا إِذا عمل بِجَمِيعِ مَا أَتَى بِهِ النَّبِي أَولا وآخرا وظاهرا وَبَاطنا
الْحَادِي وَالْعشْرُونَ قَوْله فِي فص عِيسَى ﵇ إِنَّه لما كَانَ يحيي
стр. 109
الْمَوْتَى قَالَ بَعضهم بحلول الْحق فِيهِ وَقَالَ بَعضهم هُوَ الله وَكَفرُوا فَقَالَ تَعَالَى ﴿لقد كفر الَّذين قَالُوا إِن الله هُوَ الْمَسِيح ابْن مَرْيَم﴾ فَجمعُوا بَين الْكفْر وَالْخَطَأ فِي تَمام الْكَلَام فَإِن كفرهم لَيْسَ بقَوْلهمْ إِن الله فَقَط لِأَن هَذَا الْكَلَام بِانْفِرَادِهِ حق وَلَيْسَ بِكفْر وَلَا بقَوْلهمْ الْمَسِيح ابْن مَرْيَم فَقَط لِأَنَّهُ ابْن مَرْيَم بِلَا شكّ بل بِمَجْمُوع الْكَلَامَيْنِ كفرُوا انْتهى وَلَا يخفى انحلال مثل هَذَا الْكَلَام على أدنى الْعَوام لِأَن أحدا لَا يَقُول من قَالَ إِن زيدا هُوَ الْإِلَه يكفر بِأحد جزئي كَلَامه بل بتركيبهما وفْق مرامه مَعَ إِن كل جُزْء يُسمى قولا لَا كلَاما كَمَا حقق فِي مَحَله وَمَعَ هَذَا لَا يتَعَلَّق الِاعْتِرَاض بالْكفْر على قَوْله إِلَّا أَن المؤول ذكر أَن شرَّاح الفصوص كالقيصري والجندي والجامي اتَّفقُوا أَن مُرَاد الشَّيْخ بِهَذَا القَوْل أَنهم إِنَّمَا كفرُوا بحصر الْحق فِي عِيسَى لِأَنَّهُ تَعَالَى لَيْسَ محصورا بل إِنَّه سُبْحَانَهُ فِي جَمِيع الْعَالم متجليا انْتهى وَلَا يخفى أَنه مُعَارضَة صَرِيحَة لكَلَامه سُبْحَانَهُ ومناقضة قبيحة لمرامه عز شَأْنه وَأما بحث التجلي فِي أَفْرَاد الْعَالم فَهَذَا أَمر ظَاهر لَا يخفى على أحد من بني آدم بل لَيْسَ لَهُ ارتباط بِمَا تقدم فالكفر رَاجع إِلَيْهِم حَيْثُ مَا فَهموا كَلَام شيخهم وَحَمَلُوهُ على محمل بَاطِل زعموه حَقًا عِنْدهم وَهَؤُلَاء وَإِن كَانُوا بِحَسب الظَّاهِر من الْعلمَاء لكِنهمْ وَقَعُوا فِيمَا وَقَعُوا فِيهِ لفساد أساسهم فِي الْبناء فقد ورد (حبك
стр. 110
الشَّيْء يعمي ويصم) وَقد قيل كل إِنَاء يترشح بِمَا فِيهِ وَفِيه تَنْبِيه على أَنه سُبْحَانَهُ يضل من يَشَاء وَيهْدِي من يَشَاء وَقد صَارَت ضلالتهم سَببا لضلالة جمَاعَة من السُّفَهَاء وَإِنَّمَا قُلْنَا هَذَا بِنَاء على نقل هَذَا المؤول وَلَعَلَّه حذفه من كَلَام شَيْخه من صَرِيح الْبَاطِل كَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ بقوله وَفِي الْوَاقِع عبارَة إِن الله هُوَ الْمَسِيح ابْن مَرْيَم مُفِيد للحصر وَأَن قَول الشَّيْخ يُشِير إِلَيْهِ حَيْثُ بَين أَن مَجْمُوع الْكَلَام هُوَ الْكفْر انْتهى وَلَا يخفى أَن هَذَا المبنى الْمُفْسد للمعنى لَيْسَ فِي كَلَامه على مَا نَقله من بَيَان مرامه ثمَّ مِمَّا يدل صَرِيحًا على بطلَان هَذَا المبدأ الكاسد والمنشأ الْفَاسِد أَنه لَو قَالَ أحد إِن مُحَمَّدًا هُوَ الله فَلَا شكّ أَنه يكفر بِالْإِجْمَاع خلافًا لمَذْهَب ابْن عَرَبِيّ وشراح كَلَامه وَسَائِر الأتباع حَيْثُ لم يعرفوا الْحِكْمَة فِي فصل ضمير الْفَصْل الْمشَار إِلَيْهِ إِلَى كَمَال الْعدْل تَنْبِيها على اخْتِلَاف طوائف النَّصَارَى حَيْثُ قَالَ بَعضهم إِن الله ثَالِث ثَلَاثَة وَقَالَ آخَرُونَ إِن الله هُوَ الْمَسِيح ابْن مَرْيَم وَحده أَي
стр. 111
من غير اندراجه فِي الثَّلَاثَة فَبين الله سُبْحَانَهُ أَن الْحصْر كفر كالزيادة فِي عدد الْآلهَة وَقيد الثَّلَاثَة بَيَان الْوَاقِع من تِلْكَ الطَّائِفَة وَأما قَول من قَالَ إِن الله ثَالِث ثَلَاثَة كفر وَقَوله تَعَالَى سُبْحَانَهُ ﴿مَا يكون من نجوى ثَلَاثَة إِلَّا هُوَ رابعهم﴾ إِيمَان فمردود إِذْ لَا مُنَاسبَة بَين الْآيَتَيْنِ لَا فِي العبارتين وَلَا فِي الإشارتين فَإِن الْمَعِيَّة الإلهية حَال النَّجْوَى وَغَيرهَا ثَابِتَة بِالْإِجْمَاع من غير النزاع حَيْثُ قَالَ تَعَالَى ﴿وَهُوَ مَعكُمْ أَيْن مَا كُنْتُم﴾ وخصوص الْعدَد لَا مَفْهُوم لَهُ مَعَ أَنه سُبْحَانَهُ عمم هَذَا الْمَعْنى بِحَيْثُ دخل ثالثهم أَيْضا فِي هَذَا الْمَعْنى بقوله ﴿وَلَا أدنى من ذَلِك وَلَا أَكثر إِلَّا هُوَ مَعَهم أَيْن مَا كَانُوا﴾ فالمعية مُطلقًا إِيمَان والمشاركة فِي الألوهية كفر وكفران سوءا فِيهَا الْكَثْرَة والقلة الشاملة للأثنينية قَالَ تَعَالَى ﴿لَا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ﴾ وَالْحَاصِل أَن المُرَاد هُوَ تَعْرِيف المريد بِالتَّوْحِيدِ ليحصل مقَام المريد وَالله يفعل مَا يَشَاء وَيحكم مَا يُرِيد وَأما قَول المؤول أَنه سُبْحَانَهُ مبدأ جَمِيع الْآثَار وَله من هَذِه الْحَيْثِيَّة مَعَ جَمِيع الْأَشْيَاء نِسْبَة الْمُقَارنَة والمعية فَهُوَ من حيثية الْمَعِيَّة عين جَمِيع الْأَشْيَاء فحصره فِي عِيسَى مُوجب للتَّقْيِيد لِأَنَّهُ كذب فَظَاهر الْبطلَان فَإِن الْمَعِيَّة الثَّابِتَة فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَهُوَ مَعكُمْ أَيْن مَا كُنْتُم﴾ لَيست بِمَعْنى الْمُقَارنَة والمقاربة الحسية بل مَحْمُولَة على الْمَعِيَّة بِالْعلمِ والنصرة وَنَحْو ذَلِك من الْأُمُور المعنوية وَمَعَ هَذَا لَا يلْزم من الْمَعِيَّة النِّسْبَة العينية لِأَن وجود زيد مَعَ عَمْرو لَا يَقْتَضِي أَن أَحدهمَا عين الآخر بل العينية توجب الْحُلُول والاتحاد والجسمية فَيجب أَن ينزه عَن أَمْثَال ذَلِك الْبَارِي المتعال فَإِن كَون الْوَاجِب
стр. 112
الْوُجُود عين الْمُمكن الْوُجُود من الْمحَال فنرجو من الله أَن يحسن الْأَحْوَال ويحفظنا من الخطل والخلل فِي الْأَفْعَال والأقوال
الثَّانِي وَالْعشْرُونَ قَوْله فِي فص هَارُون ﵇ إِنَّمَا يُسَلط الله سُبْحَانَهُ هَارُون على عَبدة الْعجل كَمَا سلط مُوسَى عَلَيْهِم حَتَّى يعبد الله فِي جَمِيع الصُّور وَلِهَذَا مَا بَقِي نوع من أَنْوَاع الْعَالم إِلَّا وَقد عبد إِمَّا عبَادَة تأليهية كعبدة الْأَجْسَام وَالْكَوَاكِب وَإِمَّا عبَادَة تسخيرية كعبدة الجاه وَالْمَال والمناصب والهوى أَكثر مَا عبد من دون الله قَالَ تَعَالَى ﴿أَفَرَأَيْت من اتخذ إلهه هَوَاهُ﴾ انْتهى وَلَيْسَ فِي ظَاهر كَلَامه كفر كَمَا لَا يخفى إِلَّا أَنه يفهم من بَاطِن مرامه كَمَا يتَبَيَّن مرّة بعد أُخْرَى فِي مقَامه أَن مُرَاده بِهَذَا كُله أَنه سُبْحَانَهُ عين جَمِيع الْأَشْيَاء فَيَقْتَضِي أَن يكون معبودا فِي صور جَمِيع مظَاهر الْأَسْمَاء وبطلانه ظَاهر على الْعلمَاء وَإِن أُخْفِي على بعض السُّفَهَاء وَلَو زعم الجهلة أَنهم من الكبراء على أَن دَعْوَى عُمُوم الِاقْتِضَاء بَاطِلَة لعدم صِحَة عبودية جَمِيع الْأَشْيَاء هَذَا وَقد خلط المؤول هُنَا فِي ذكره من حل الْمُشكل بَين الْحق مِمَّا لَيْسَ تَحْتَهُ طائل فأعرضنا عَن كَلَامه لعدم تَحْقِيق مرامه
الثَّالِث وَالْعشْرُونَ قَوْله فِي فص مُوسَى ﵇ إِنَّه لما جعل الله
стр. 113
سُبْحَانَهُ عين الْعَالم حِين أجَاب فِرْعَوْن حَال الْخطاب وَالْعِقَاب فخاطبه فِرْعَوْن بذلك اللِّسَان وَبنى عَلَيْهِ أساس الْبَيَان فَقَالَ ﴿لَئِن اتَّخذت إِلَهًا غَيْرِي لأجعلنك من المسجونين﴾ لِأَنَّك أجبْت بِجَوَاب يُوَافق أمثالي من المدعين إِلَى آخر مَا ذكره من كَلَام المبطلين وَهَذِه مِنْهُ مَسْأَلَة جزئية مَبْنِيَّة على قَاعِدَة كليه لَهُ فِي العينية الَّتِي هِيَ مَذْهَب الوجودية والدهرية والحلولية والاتحادية الَّذين وَقع الْإِجْمَاع على كفرهم من الطوائف الإسلامية كَمَا دلّ عَلَيْهِ الْآيَات القرآنية وَالْأَحَادِيث النَّبَوِيَّة وعقائد السَّادة الصُّوفِيَّة المرضية من الْجَمَاعَة السّنيَّة البهية قَالَ المؤول إِن مُوسَى ﵇ لما قَالَ رب الْمشرق وَالْمغْرب وَهُوَ بِلِسَان الْإِشَارَة أَنه سُبْحَانَهُ عين الْعَالم لِأَن الرب عبارَة عَن المربي والموجد والمنشيء وَهُوَ مبدأ الْآثَار وَالْأَحْكَام والمبدأ الْمُقَارن عين كَمَا تقدم فَقَالَ فِرْعَوْن إِنَّك جعلت الرب عين الْعَالم وَأَنا من الْعَالم وَلَو كنت من بني آدم فَأَكُون فِي دَعْوَى الألوهية صَادِقا وَفِي ادِّعَاء الربوبية مَعَك مُوَافقا وَأَنت وَلَو كنت معي فِي هَذَا الْأَمر شَرِيكا إِلَّا أَن مرتبتي مرتبَة التحكم بِحَسب الظَّاهِر فعارضه بِأَن لي أَيْضا تحكم بِالْأَمر الباهر كَمَا بَينه بقوله أَو لَو جئْتُك بِشَيْء مُبين قَالَ فِرْعَوْن فأت بِهِ إِن كنت من الصَّادِقين وَبِالْجُمْلَةِ هَذِه المكالمة بِلِسَان الْفطْرَة لَا بِلِسَان الفكرة انْتهى وَلَا يخفى أَن هَذَا لَيْسَ جَوَابا عَن فَسَاد كَلَامه وَإِنَّمَا توضيح لتحقيق مرامه
стр. 114
الرَّابِع وَالْعشْرُونَ قَوْله فِي هَذَا الفص إِن فِرْعَوْن كَانَ فِي منصب التحكم وَصَاحب السَّيْف وَلذَا قَالَ ﴿أَنا ربكُم الْأَعْلَى﴾ يَعْنِي وَإِن كَانَ كلهم أَرْبَابًا بِنِسْبَة الْبَعْض إِلَى الْبَعْض لَكِن أَنا الرب الْأَعْلَى لِأَنِّي صَاحب الحكم الباهر الظَّاهِر وَلما عرف السَّحَرَة صدقه فِي تِلْكَ الدَّعْوَى لم ينكروا عَلَيْهِ هَذَا الْمَعْنى بل أقرُّوا حَيْثُ قَالُوا ﴿إِنَّمَا تقضي هَذِه الْحَيَاة الدُّنْيَا﴾ فصح قَوْله ﴿أَنا ربكُم الْأَعْلَى﴾ فَإِن غَيره وَإِن كَانَ عين الْحق فَأَما فِي الصُّورَة فَهُوَ عين الْحق مِمَّا بَين الْخلق فَقطع أَيْديهم وأرجلهم فِي عين الْحق بِصُورَة الْبَاطِل فَانْظُر إِلَى هَذَا الْكَلَام العاطل الَّذِي لَيْسَ تَحْتَهُ طائل وَإِنَّمَا صَار سَببا لضلالة الْجَاهِل والغافل وَإِن كَانَ فِي صُورَة الْعَاقِل والفاضل الْكَامِل فَإِن الْعبْرَة فِي الِاعْتِقَاد فِيمَا بَين الْعباد وَإِلَّا فقد سبق الْكَفَرَة من الْحُكَمَاء من عجز عَن فهم كَلَامهم جملَة من ظهر بعدهمْ من الْفُضَلَاء وَسَائِر الْعُقَلَاء لتعلم أَن الله يضل من يَشَاء وَيهْدِي من يَشَاء والمؤول لما عجز عَن حل الْمُشكل انْتقل إِلَى توضيح كَلَامه وَتَصْحِيح مرامه بِحَيْثُ شَاركهُ فِي بطلَان مقَامه وَاسْتحق مَا اسْتحق من كفره وملامه وَهَذَا آخر الاعتراضات الْوَارِدَة على كَلِمَاته الْمُشْتَملَة على أَنْوَاع من الكفريات أعظمها دَعْوَى العينية ثمَّ دَعْوَى أَنَّهَا لَا غير وَلَا عين ثمَّ الطعْن فِي الْأَنْبِيَاء ثمَّ دَعْوَى أَنهم يستفيضون من خَاتم الْأَوْلِيَاء ثمَّ إِنْكَار النَّار للْكفَّار مُؤَبَّدًا فِي
стр. 115
دَار الْبَوَار بل كتبه مشحونة بِمثل هَذِه الأوزار إِلَّا أَنَّهَا مخلوطة بِكَلَام الْأَبْرَار ليلبس الْحق بِالْبَاطِلِ ويزين الردي بالعاطل مِنْهَا مَا نَقله عَنهُ الآق شمس الدّين فِي رسَالَته على طَرِيقَته أَنه قَالَ فِي الفصوص إِن من ادّعى الألوهية فَهُوَ صَادِق وَأنكر على قَول الْعلمَاء إِن وجود الفاني لَا يضمحل وَلَا يمحو عِنْد فنائه بِالذَّاتِ حَقِيقَة بل حسا وخيالا وَأَن الموجودات مُسْتَقلَّة مستندة إِلَى ذواتها وَلَيْسَت للحق سُبْحَانَهُ ظلالا انْتهى وَهَذَا كَمَا ترى عين مَا قَالَ شَيْخه من دَعْوَى العينية سَوَاء يُوَافق الحلولية أَو يُطَابق الاتحادية فعلى كل حَال هُوَ من الطَّائِفَة الإلحادية لمُخَالفَته لما هُوَ مُقَرر فِي العقائد الشَّرْعِيَّة الَّتِي بَينهَا الْعلمَاء الإسلامية وَقد أغرب حَيْثُ اسْتدلَّ على صِحَة كَلَام ابْن عَرَبِيّ بِكَلَام أَتْبَاعه كشراح كَلَامه ووضاع مرامه ثمَّ خلط وخبط بإيراد كَلَام الوجودية الْمُوَحدَة والوجودية الْمَلَاحِدَة فِي الشَّاهِد على طبق الْوَاحِد وَأما قَول المؤول الْمَشْهُور بالشيخ الْمَكِّيّ من أَنه مُدَّة سبع وَثَلَاثِينَ سنة خدم كَلَام ابْن عَرَبِيّ فَدلَّ على أَنه جَاهِل غبي حَيْثُ ضيع عمره وعطل أمره فِيمَا لَا يَنْفَعهُ بل يضرّهُ فَلَو اشْتغل بِالْكتاب وَالسّنة لرَأى خَيره وَاتَّقَى شَره وضره وضلاله وكفره وَانْظُر إِلَى قَول حجَّة الْإِسْلَام ضيعت قِطْعَة من الْعُمر
стр. 116
الْعَزِيز فِي تصنيف الْبَسِيط والوسيط وَالْوَجِيز مَعَ أَن الْأَخير هُوَ مدَار مَذْهَب الشَّافِعِي من طَرِيق النَّوَوِيّ والرافعي ثمَّ انْتِقَاله من حَاله ومقامه فِي طَرِيق الْفُقَهَاء إِلَى تصنيف الْإِحْيَاء وَقد مَاتَ وصحيح البُخَارِيّ فَوق صَدره رَجَاء حسن الخاتمة فِي أمره وَأما قَوْله إِن شَيْخه خَاتم الْولَايَة الْخَاصَّة المحمدية وَأَنه لم يُوجد أحد بعده على قلب مُحَمَّد فِي الْحَالة الظَّاهِرِيَّة والباطنية فمجرد دَعْوَى لَيْسَ تحتهَا طائل أَو معنى إِذْ لَا دَلِيل على مرامه بل وجود كثير من أكَابِر الْأَوْلِيَاء بعده حجَّة بَينه على بطلَان كَلَامه وعَلى تَقْدِير صِحَة هَذِه الْوَاقِعَة فِي مَنَامه فَيكون تَأْوِيلهَا أَنه متلبس بالْكفْر وَالْإِيمَان وَأَنه الْتبس عَلَيْهِ الْحق والبطلان وَأَن الْفضة الْبَيْضَاء عبارَة عَن الْملَّة الْحَنَفِيَّة النوراء كَمَا يُشِير إِلَيْهِ قَوْله ﵇ فِي تَعْبِيره عَنْهَا بِاللَّبنِ لِأَنَّهُ أَبيض كاللبن وَأَن الذَّهَب الْأَحْمَر المشتبه بِنَار سقر عبارَة عَمَّا ذهب إِلَيْهِ من أَنْوَاع الْكفْر حَيْثُ ذهب بِهِ عَن الْإِيمَان وَحَقِيقَة الْأَمر فَهُوَ بِهَذَا الْمَعْنى خَاتم الْأَوْلِيَاء من الشَّيَاطِين الأغبياء وصدقت رُؤْيَاهُ فَإِن مثله مَا ظهر بعده وَلَا يظْهر إِن شَاءَ الله مثله فَإِن مضرَّة مذْهبه وشرارة مشربه أضرّ من الدَّجَّال وَنَحْوه وأشر من تصانيف النَّصَارَى لِأَن كل أحد من أهل
стр. 117
الْإِسْلَام يظْهر لَهُم بطلَان كَلَام الدَّجَّال وأقوال النَّصَارَى فِي الْحَال وَكَلَام ابْن عَرَبِيّ فِي قلب الغبي الْجَاهِل بعلوم النَّبِي مثل السم فِي المسام
وَأما قَوْله إِن لشيخه مصنفات قاربت الْألف وَمِنْهَا الفتوحات المكية الَّتِي أَبْوَابهَا قريبَة من الْألف وَأَن لَهُ تَفْسِير الْقُرْآن قدر الفتوحات مرَّتَيْنِ الْمُسَمّى بِالْجمعِ وَالتَّفْصِيل فِي أسرار التَّنْزِيل فَغير مُفِيد فِي مقَام التَّأْوِيل لِأَن زبدة تصانيفه الفصوص والفتوحات وعمدة مَا فيهمَا من الْحَقَائِق المختصة بِهِ هَذِه الكفريات والهذيانات وَالْعبْرَة بتحقيق قُوَّة الدِّرَايَة لَا بتدقيق كَثْرَة الرِّوَايَة ثمَّ قس على هَذَا مَا ذكره المؤول فِي تَعْظِيم شَأْنه وتضخيم برهانه بِمَا يَظُنّهُ أَنه من الكرامات وَقد احْتمل على تَقْدِير صِحَّتهَا أَن يكون من الاستدراج بِإِظْهَار خوارق الْعَادَات كَمَا وَقع لفرعون وَأَمْثَاله من أَرْبَاب الضلالات
وَأما مَا ذكره من ملاقاة شَيْخه مَعَ شيخ الْإِسْلَام شهَاب الدّين السهروردي من غير مكالمة ومخاطبة وَأَنه سَأَلَ كل عَن حَال الآخر وَأَنه قَالَ شيخ الْإِسْلَام رَأَيْته بحرا لَا سَاحل لَهُ وَأَنه قَالَ فِي حق السهروردي رَأَيْت رجلا مملوءا من السّنة من قرنه إِلَى قدمه فَمَحْمُول على مَا عرف كل من أَحْوَال الآخر وتخيل ذَلِك الْوَقْت وتصور من غير اطلَاع لشيخ الْإِسْلَام
стр. 118
على مَا وَقع لَهُ من الْكَلَام المذموم عِنْد الْأَعْلَام مَعَ احْتِمَال أَنه كَانَ قبل ظُهُور مَا اسْتحق من الملام على أَن فِي عِبَارَته نوعا من إِشَارَته إِلَى أَنه بَحر لَيْسَ لَهُ مقرّ وَقد قَالَ تَعَالَى ﴿وَمَا يَسْتَوِي البحران﴾ فَإِن بَحر الشَّرِيعَة عذب فرات سَائِغ شرابه لِأَنَّهُ ممزوج بِالْحَقِيقَةِ بِخِلَاف بَحر الْحَقِيقَة فَإِنَّهُ قد يكون ملحا أجاجا إِذا لم يكن على طَرِيق الشَّرِيعَة والطريقة بل قَالُوا إِن الشَّرِيعَة كسفينة الطَّرِيقَة الْمَارَّة على بَحر الْحَقِيقَة فَمن ركب السَّفِينَة قد نجا وَمن أعرض عَنْهَا فقد غرق وَقَالَ النجا النجا وَلَا حصل لَهُ الملجأ وَلَا المنجا فَعَلَيْك الالتجاء لسفينة نوح وَأَمْثَاله من أَرْبَاب الْفتُوح إِن أردْت أَن يحصل لَك روح فِي الرّوح ثمَّ من رَاح فِي هَذِه السَّفِينَة من الصَّباح إِلَى الرواح أدْرك النجاح الْفَلاح فِي الدُّنْيَا حَيْثُ ثَبت على الدّين القويم والصراط الْمُسْتَقيم وَكَذَا يمر فِي العقبى على الصِّرَاط الَّذِي على متن الْجَحِيم ويستقر فِي دَار النَّعيم بالعيش الْمُقِيم والتشرف باللقاء الْعَظِيم وَالثنَاء الْكَرِيم كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿سَلام قولا من رب رَحِيم﴾ وَأما مَا نَقله من أَن الشَّيْخ ابْن عبد السَّلَام قَالَ فِي حق ابْن عَرَبِيّ إِنَّه صديق فمنقوض بِمَا تقدم
نقل الجرزي // بِسَنَدِهِ الصَّحِيح // إِلَيْهِ أَنه قَالَ فِي حَقه إِنَّه زنديق وعَلى تَقْدِير صِحَة الأول أَنه كَانَ قبل مَا يظْهر مِنْهُ مَا وَجب الْكفْر فَتَأمل وَأما مَا أسْندهُ إِلَيْهِ من لبس الْخِرْقَة منتهيا إِلَى مَعْرُوف الْكَرْخِي آخِذا من الإِمَام عَليّ
стр. 119
ابْن مُوسَى الرِّضَا وآبائه الْكِرَام إِلَى النَّبِي ﷺ فَلَيْسَ لَهُ صِحَة عِنْد الْعلمَاء الْكِرَام وَأَصْحَاب السّير من الْمُحدثين الفخام ثمَّ قَوْله وَأخذ الْحُسَيْن أَيْضا عَن جده عَن جِبْرِيل عَن الله ﷻ وَعم نواله ظَاهر الْبطلَان عديم الْبُرْهَان وَكَانَ طَرِيق خدمته من طَرِيق الْمَشَايِخ إِلَى أويس وَأَنه أَخذ عَن عمر وَعلي ﵄ فَغير مَعْرُوف بل الْمَشْهُور أَنَّهُمَا لبسا خرقَة النَّبِي ﷺ لَا أويس وَإِن كَانَ هُوَ أَيْضا غير صَحِيح مَعَ أَن الِاعْتِبَار بالحرفة لَا بالخرقة فقد قَالَ أَبُو يزِيد طلب مِنْهُ خرقته ليُفِيد لَهُ فِي مقَام الْمَزِيد فَقَالَ لَهُ لَو لبست جلد أبي يزِيد لَا ينفعك إِلَّا بِالْعلمِ النافع وَالْعلم الصَّالح وَيفْعل الله مَا يَشَاء وَيحكم مَا يُرِيد وَيُؤَيِّدهُ أَنه جعل قَمِيصًا لَهُ كفنا لرئيس الْمُنَافِقين للإشعار بِأَن لِبَاس الظَّاهِر وتزيين الْمظَاهر لَا ينفع إِذا لم يكن صَاحبه من الموافقين
ثمَّ اعْلَم أَن صَاحب الشِّفَاء ذكر أَن أَمِير الْمُؤمنِينَ عَليّ بن أبي طَالب كرم الله وَجهه أحرق عبد الله بن سبأ لِأَنَّهُ قَالَ لَهُ أَنْت الْإِلَه حَقًا وَقتل عبد الْملك بن مَرْوَان المتنبي وصلبه وَفعل غير وَاحِد من الْخُلَفَاء والملوك وأشباههم وَأجْمع عُلَمَاء وقتهم على تصويب فعلهم وَأجْمع فُقَهَاء بَغْدَاد أَيَّام المقتدر بِاللَّه
стр. 120
على قتل الحلاج لدعواه الألوهية وَالْقَوْل بالحلول وَقَوله أَنا الْحق وَمَا فِي الْجُبَّة إِلَّا الله مَعَ تمسكه فِي الظَّاهِر من حَاله بالشريعة وَلم يقبلُوا تَوْبَته حَيْثُ عدوه زنديقا وَإِن كَانَ فِي الصُّورَة صديقا وَالْحَاصِل أَنه كَانَ كَغَيْرِهِ من جهلة المتصوفة المنتمين إِلَى الْإِسْلَام والمعرفة حَيْثُ قَالُوا إِن السالك إِذا وصل فَرُبمَا حل الله فِيهِ كَالْمَاءِ فِي الْعود الْأَخْضَر بِحَيْثُ لَا تمايز وَلَا تغاير وَلَا اثنينية وَصَحَّ أَن يَقُول هُوَ أَنا وَأَنا هُوَ مَعَ امْتِنَاعه حَقِيقَة كصيرورة أحد الشَّيْئَيْنِ بِعَيْنِه الآخر وَالْآخر بِعَيْنِه هُوَ بِحكم الْعقل وَشَهَادَة ضَرُورَة الْمُشَاهدَة أَنه من الْمحَال بِدُونِ احْتِيَاج إِلَى اسْتِدْلَال وَلَا يمْتَنع مجَازًا بِأَن يكون بطرِيق وحدة إِمَّا إتصالية كجمع ماءين فِي إِنَاء وَاحِد أَو اجتماعية كامتزاج مَاء وتراب حَتَّى صَار طينا وَأما بطرِيق كَون وَفَسَاد كصيرورة مَاء وهواء بالغليان هواءا وَاحِدًا أَو اسْتِحَالَة أَي تغير كصيرورة جسم بعد كَونه سوادا بَيَاضًا وَعَكسه وَهَذَا كُله فِي الحادثات الْقَابِلَة للتغيرات بِخِلَاف ذَات الله تَعَالَى وَمَاله من الصِّفَات فَإِنَّهُ من الْمحَال أَن يحل فِي شَيْء من الممكنات أَو يتحد مَعَ الْمَخْلُوقَات إِذْ لَا مُنَاسبَة بَين الْقَدِيم وَرب الأرباب والحادث لَا سِيمَا من التُّرَاب ثمَّ اعْلَم أَن الله سُبْحَانَهُ قد حكى مقالات المفترين عَلَيْهِ وعَلى رسله فِي كِتَابه على وَجه الْإِنْكَار لقَولهم والتحذير من ضلالهم والوعيد على وبالهم فِي مآلهم وَكَذَلِكَ وَقع فِي أَمْثَاله من أَحَادِيث النَّبِي ﷺ وعَلى آله وَأجْمع السّلف وَالْخلف
стр. 121
من أَئِمَّة الدّين على ذكر حكايات الْكَفَرَة والملحدين فِي كتبهمْ وَفِي مجَالِسهمْ ليبينوها للنَّاس وينقضوا شبههم الْمُوجبَة للالتباس وَإِن كَانَ ورد لِأَحْمَد بن حَنْبَل إِنْكَار لبَعض هَذَا على الْحَارِث بن أَسد المحاسبي بِمَا حَكَاهُ فِي الرِّعَايَة فقد صنع أَحْمد بن حَنْبَل مثله فِي رده على الْجَهْمِية وعَلى الْقَائِلين بِأَن الْقُرْآن مَخْلُوق من الْمُعْتَزلَة وَلَعَلَّ الْفرق أَن كَلَام الأول حِكَايَة عقائد بَاطِلَة ثَابِتَة بِالْكتاب وَالسّنة مستغنية عَن الْبَيَان فِي ميدان العيان أَو كَأَنَّهُ أورد أَدِلَّة الْخصم وأوضحها ثمَّ ذكر بَيِّنَة نَفسه وحجته ورجحها بِخِلَاف كَلَام الثَّانِي حَيْثُ ذكر وَاقعَة حَال محتاجة إِلَى جَوَاب سُؤال كَمَا وَقعت لنا فِي هَذَا الْكتاب وَالله أعلم بِالصَّوَابِ هَذَا وَقد صرح الْعلمَاء بِأَن رد مَذْهَب الْقَدَرِيَّة والجبرية وأمثالها فرض كِفَايَة حفظا للشريعة والصيانة والحماية وَلَا شكّ أَن كفر الطَّائِفَة الوجودية أظهر وضررهم على الطوائف الإسلامية أَكثر حَيْثُ صنفوا الْكتب والرسائل وأوردوا فِيهَا مَا يشْتَبه على الْعَامَّة حَيْثُ استدلوا بِالْكتاب وَالسّنة مَا يتَوَهَّم فِيهِ الْمُوَافقَة والمطابقة لتَكون وَسَائِل لضلالة كل طَالب وَسَائِل بِخِلَاف
стр. 122
كَلَام الْمَنْصُور أَنا الْحق وَأبي يزِيد لَيْسَ فِي جبتي سوى الله وَنَحْو ذَلِك فَإِنَّهُ أخف من وَجْهَيْن أَحدهمَا أَنه أقرب إِلَى قبُول التَّأْوِيل وَثَانِيهمَا عدم ثُبُوت مَا قيل فَلَا عِبْرَة بِمَا نقلته هَذِه الطَّائِفَة عَن أبي يزِيد من أَن أدنى منزلَة الْعَارِف أَن يجْرِي فِيهِ الْحق ويجرى فِيهِ حَال الربوبية مَعَ أَن هَذَا لَو صَحَّ عَنهُ فَهُوَ قَابل أَن يؤول بِأَن هَذِه مزلة قدم السالك فِي هَذَا الْمقَام وَلَا يلْزم عَنهُ تَحْسِين الْكَلَام وتزيين المرام وَأما مَا نقل عَنهُ أَن الصُّوفِي قديم الذَّات أزلي الصِّفَات فَلَا يَصح عَنهُ قطعا لِأَنَّهُ إِن أَرَادَ مَعْنَاهُ الظَّاهِر فَهُوَ الْكفْر الباهر وَإِن أَرَادَ أَنه قديم الذَّات وَالصِّفَات بِاعْتِبَار كَونه مَعْلُوما عِنْد الْقَدِيم الْحَقِيقِيّ فتخصيصه بالصوفي لَا وَجه لَهُ اللَّهُمَّ إِلَّا أَن يُقَال إِن هَذَا الْمَعْنى يظْهر للصوفي دون غَيره من أهل الْعلم الْعرفِيّ وَقس على ذَلِك مَا ذكرُوا هُنَالك فَإِنَّهُ لَا يحل لمُسلم أَن يتْرك الِاعْتِقَاد الْمَفْهُوم من الْكتاب وَالسّنة والمعلوم عِنْد عُلَمَاء الْأمة ويميل إِلَى كَلَام هَذِه الطَّائِفَة وَلقَوْل هَذِه الْجَمَاعَة فَإِنَّهَا مُجَرّد رِوَايَة من غير دراية يجب أَن يحكم بِأَنَّهَا لَا أصل لَهَا بل مصنوعة مَوْضُوعَة من
стр. 123
أَهلهَا إِلَّا إِذا كَانَت ثَابِتَة صَحِيحَة أَو حَسَنَة أَو يكون ناقلها مَعْرُوفا بِأَنَّهُ ثِقَة كالقشيري فَإِنَّهُ نقل عَن الْجُنَيْد من لم يحفظ الْقُرْآن وَلم يكْتب الحَدِيث لَا يقْتَدى بِهِ فِي هَذَا الْأَمر لِأَن علمنَا مُقَيّد بِالْكتاب وَالسّنة ثمَّ رَأَيْت مَنْقُولًا فِي بعض التواريخ أَن ابْن عَرَبِيّ انْتقل من بِلَاد الأندلس بعد التسعين وَخَمْسمِائة وجاور بِمَكَّة وَسمع بهَا الحَدِيث وصنف الفتوحات المكية بهَا وَكَانَ لَهُ لِسَان فِي التصوف وَمَعْرِفَة لما انتحاه من هَذِه المقالات وصنف بهَا كتبا كَثِيرَة بِمَا مقاصده الَّتِي اعتقدها ونهج فِي كثير مِنْهَا مناهج تِلْكَ الطَّائِفَة ونظم فِيهَا أشعارا كَثِيرَة وَأقَام بِدِمَشْق مُدَّة ثمَّ انْتقل إِلَى الرّوم وَحصل لَهُ فِيهَا قبُول وأحوال جزيلة ثمَّ عَاد إِلَى دمشق وَبهَا توفّي انْتهى ثمَّ قَالَ صَاحبه ونقلت ذَلِك من خطّ أبي حَيَّان وَذكره الذَّهَبِيّ فِي العبر فَقَالَ صَاحب التصانيف وقدوة الْقَائِلين بوحدة الْوُجُود ثمَّ قَالَ وَقد اتهمَ بِأَمْر عَظِيم وَقد وصف شيخ الْإِسْلَام تَقِيّ الدّين عَليّ بن عبد الْكَافِي السُّبْكِيّ ابْن عَرَبِيّ هَذَا وَأَتْبَاعه بِأَنَّهُم ضلال وجهال خارجون عَن طَريقَة الْإِسْلَام لِأَنَّهُ قَالَ فِيمَا أنبأني الحافظان زين الدّين الْعِرَاقِيّ وَنور الدّين الهيثمي فِي شَرحه على الْمِنْهَاج للنووي فِي بَاب الْوَصِيَّة بعد ذكره طوائف الْمُتَكَلِّمين وَهَكَذَا الصُّوفِيَّة ينقسمون كانقسام الْمُتَكَلِّمين فَإِنَّهُمَا من وَاد وَاحِد فَمن كَانَ
стр. 124
مَقْصُوده معرفَة الرب سُبْحَانَهُ وَصِفَاته وأسمائه والتخلق بِمَا يجوز التخلق بِهِ مِنْهَا والتحلي بأحوالها وإشراق أنوار المعارف الإلهية وأسرار الْأَحْوَال السّنيَّة لَدَيْهِ فَذَلِك من أعلم الْعلمَاء وَيصرف إِلَيْهِ فِي الْوَصِيَّة للْعُلَمَاء وَالْوَقْف عَلَيْهِم وَمن كَانَ من هَؤُلَاءِ الصُّوفِيَّة الْمُتَأَخِّرين كَابْن عَرَبِيّ وَأَتْبَاعه فهم ضلال وجهال خارجون عَن طَرِيق الْإِسْلَام فضلا عَن الْعلمَاء الْكِرَام انْتهى وَذكره الذَّهَبِيّ فِي الْمِيزَان فَقَالَ صنف التصانيف فِي تصوف الفلاسفة وَأهل الْوحدَة وَقَالَ أَشْيَاء مُنكرَة عدهَا طَائِفَة من الْعلمَاء مروقا وزندقة وعدها طَائِفَة من الْعلمَاء من إرشادات العارفين ورموز السالكين وعدها طَائِفَة من متشابه القَوْل وَأَن ظَاهرهَا كفر وضلال وباطنها حق وعرفان وَأَنه صَحِيح فِي نَفسه كَبِير الْقدر وَآخَرُونَ يَقُولُونَ قد قَالَ هَذَا الْكفْر والضلال فَمن الَّذِي قَالَ أَنه مَاتَ عَلَيْهِ فَالظَّاهِر عِنْدهم من حَاله أَنه رَجَعَ وأناب إِلَى الله فَإِنَّهُ كَانَ عَالما بالآثار وَالسّنَن قوي الْمُشَاركَة فِي الْعُلُوم قَالَ وَقَوْلِي أَنا فِيهِ أَنه يجوز أَن يكون من أَوْلِيَاء الله الَّذين اجتذبهم الْحق إِلَى جنابه عِنْد الْمَوْت وَختم لَهُ بِالْحُسْنَى وَأما كَلَامه فَمن فهمه وعرفه على قَوَاعِد الاتحادية وَعلم محط الْقَوْم وَجمع بَين أَطْرَاف عباراتهم تبين لَهُ الْحق فِي خلاف قَوْلهم وَكَذَلِكَ من أمعن النّظر فِي فصوص الحكم وأنعم التَّأَمُّل لَاحَ لَهُ الْعجب فَإِن الزكي إِذا تَأمل فِي ذَلِك الْأَقْوَال والنظائر فَهُوَ أحد رجلَيْنِ إِمَّا من الاتحادية فِي الْبَاطِن وَإِمَّا من الْمُؤمنِينَ
стр. 125
بِاللَّه الَّذين يعدون أهل هَذِه النحلة من أكفر الْكَفَرَة انْتهى وَقَالَ فِي تَارِيخ الْإِسْلَام على مَا أَخْبرنِي بِهِ ابْن الْمُحب الْحَافِظ إِذْنا عَنهُ وسماعا هَذَا الرجل كَانَ قد تصوف وانعزل وجاع وسهر وَفتح عَلَيْهِ بأَشْيَاء امتزجت بعالم الخيال والخطرات والفكرة واستحكم ذَلِك حَتَّى شَاهد بِقُوَّة الخيال أَشْيَاء ظَنّهَا مَوْجُودَة فِي الْخَارِج وَسمع من طيش دماغه خطابا اعتقده من الله تَعَالَى وَلَا وجود بذلك أبدا فِي الْخَارِج حَتَّى أَنه قَالَ لم يكن الْحق أوقفني على مَا سطره لي فِي توقيع ولايتي أُمُور الْعَالم حَتَّى أعلمني بِأَنِّي خَاتم أوليائه المحمدية بِمَدِينَة فاس سنة خمس وَتِسْعين فَلَمَّا كَانَ لَيْلَة الْخَمِيس فِي سنة ثَلَاثِينَ وسِتمِائَة أوقفني الْحق على التوقيع بِوَرَقَة بَيْضَاء فرسمته بنصه هَذَا توقيع إلهي كريم من رؤوف رَحِيم إِلَى فلَان وَقد أجزلنا رفده وَمَا خيبنا قَصده فلينهض إِلَى مَا فوض إِلَيْهِ وَلَا تشغله الْولَايَة عَن المثول بَين أَيْدِينَا شهرا بِشَهْر إِلَى انْقِضَاء الْعُمر انْتهى وَهَذَا الْكَلَام فِيهِ مُؤَاخذَة على ابْن عَرَبِيّ فَإِنَّهُ إِن كَانَ المُرَاد بِمَا ذكر من أَنه خَاتم الْولَايَة المحمدية وَأَنه خَاتم الْأَوْلِيَاء كَمَا أَن نَبينَا مُحَمَّد ﷺ خَاتم الْأَنْبِيَاء فَلَيْسَ بِصَحِيح بل كذب صَرِيح لوُجُود جمع كثير من أوليائه تَعَالَى من الْعلمَاء العاملين فِي عصر ابْن عَرَبِيّ وَفِيمَا بعده على سَبِيل الْقطع وَإِن كَانَ المُرَاد أَنه خَاتم الْأَوْلِيَاء بِمَدِينَة فاس فَهُوَ غير صَحِيح أَيْضا لوُجُود الْأَوْلِيَاء الأخيار بهَا بعد ابْن عَرَبِيّ وَهَذَا من الْأَمر الْمَشْهُور قلت
стр. 126
وَيَا ليته اكْتفى بِهَذَا الْكَذِب والزور وَلم يتفوه بِمَا هُوَ صَرِيح فِي الْكفْر من أَن خَاتم الْأَنْبِيَاء يَأْخُذ الْفَيْض من خَاتم الْأَوْلِيَاء كَمَا سبق بَيَانه فِي أثْنَاء الأنباء ثمَّ قَالَ وَقد أَنْشدني شَيخنَا الْمُحدث شمس الدّين مُحَمَّد بن الْمُحدث ظهير الدّين إِبْرَاهِيم الْجَزرِي سَمَاعا من لَفظه فِي الرحلة الأولى بِظَاهِر دمشق أَن الْحَافِظ الزَّاهِد شمس الدّين مُحَمَّد بن الْمُحب عبد الله بن أَحْمد الْمَقْدِسِي الصَّالِحِي أنْشدهُ لنَفسِهِ وأنشدني ذَلِك إجَازَة شَيخنَا ابْن الْمُحب الْمَذْكُور شعر
(دَعَا ابْن عَرَبِيّ الْأَنَام ليقتدوا ... بأعوره الدَّجَّال فِي بعض كتبه)
(وَفرْعَوْن أسماه لكل مُحَقّق ... إِمَامًا أَلا تَبًّا لَهُ ولحزبه)
وَسُئِلَ عَنهُ شَيخنَا الْعَلامَة الْمُحَقق الْحَافِظ الْمُفْتِي المُصَنّف أَبُو زرْعَة أَحْمد ابْن شَيخنَا الْحَافِظ الْعِرَاقِيّ الشَّافِعِي فَقَالَ لَا شكّ فِي اشْتِمَال الفصوص الْمَشْهُورَة على الْكفْر الصَّرِيح الَّذِي لَا يشك فِيهِ وَكَذَلِكَ فتوحاته المكية فَإِن صَحَّ صُدُور ذَلِك عَنهُ وَاسْتمرّ عَلَيْهِ إِلَى وَفَاته فَهُوَ كَافِر مخلد فِي النَّار بِلَا شكّ وَقد صَحَّ عِنْدِي عَن الْحَافِظ جمال الدّين الْمزي أَنه نقل من خطه فِي تَفْسِير قَوْله تَعَالَى ﴿إِن الَّذين كفرُوا سَوَاء عَلَيْهِم أأنذرتهم أم لم﴾
стр. 127
تنذرهم) كلَاما ينبوا عَنهُ السّمع وَيَقْتَضِي الْكفْر فِي الشَّرْع وَبَعض كَلِمَاته لَا يُمكن تَأْوِيلهَا وَالَّذِي يُمكن تَأْوِيله فِيهَا كَيفَ يُصَار إِلَيْهِ مرجوحية التَّأْوِيل وَالْحكم إِنَّمَا يَتَرَتَّب على الظَّاهِر وَقد بَلغنِي عَن الشَّيْخ الإِمَام عَلَاء الدّين القونوي وَأدْركت أَصْحَابه أَنه قَالَ فِي مثل ذَلِك إِنَّمَا يؤول كَلَام المعصومين وَهُوَ كَمَا قَالَ وَيَنْبَغِي أَن لَا يحكم على ابْن عَرَبِيّ نَفسه بِشَيْء فَإِنِّي لست على يَقِين من صُدُور هَذَا الْكَلَام مِنْهُ وَلَا من استمراره عَلَيْهِ إِلَى وَفَاته وَلَكنَّا نحكم على مثل هَذَا الْكَلَام بِأَنَّهُ كفر انْتهى وَمَا ذكره شَيخنَا من أَنه لَا يحكم على ابْن عَرَبِيّ نَفسه بِشَيْء خَالفه فِيهِ شَيخنَا شيخ الْإِسْلَام سراج الدّين البُلْقِينِيّ لتصريحه بِكفْر ابْن عَرَبِيّ كَمَا سبق عَنهُ وَقد صرح بِكفْر ابْن عَرَبِيّ واشتمال كتبه على الْكفْر الصَّرِيح الإِمَام رَضِي الدّين أَبُو بكر مُحَمَّد بن صَالح الْمَعْرُوف بِابْن الْخياط وَالْقَاضِي شهَاب الدّين أَحْمد بن أبي بكر على النَّاشِرِيّ الشافعيان وهما مِمَّا يقْتَدى بِهِ من عُلَمَاء الْيمن
стр. 128
فِي عصرنا وَيُؤَيّد ذَلِك فَتْوَى من ذكرنَا من الْعلمَاء وَإِن كَانُوا لم يصرحوا باسمه إِلَّا ابْن تَيْمِية فَإِنَّهُ صرح باسمه حَيْثُ قَالَ لأَنهم كفرُوا قَائِل المقولات الْمَذْكُورَة فِي السُّؤَال وَابْن عَرَبِيّ هُوَ قَائِلهَا لِأَنَّهَا مَوْجُودَة فِي كتبه الَّتِي صنفها واشتهرت عَنهُ شهرة تَقْتَضِي الْقطع بنسبتها إِلَيْهِ وَالله اعْلَم انْتهى والقونوي الْمشَار إِلَيْهِ فِي كَلَام شَيخنَا أبي زرْعَة هُوَ شَارِح الْحَاوِي الصَّغِير فِي الْفِقْه وَوجدت ذَلِك عَنهُ فِي ذيل تَارِيخ الْإِسْلَام للذهبي فَإِنَّهُ قَالَ فِي تَرْجَمَة القونوي وحَدثني ابْن كثير يَعْنِي الشَّيْخ عماد الدّين صَاحب التَّارِيخ وَالتَّفْسِير أَنه حضر مَعَ الْمزي عِنْده يَعْنِي القونوي فَجرى ذكر الفصوص لِابْنِ عَرَبِيّ فَقَالَ لَا ريب أَن هَذَا الْكَلَام الَّذِي قَالَ فِيهِ كفر وضلال فَقَالَ صَاحبه الْجمال الْمَالِكِي أَفلا يتأوله مَوْلَانَا فَقَالَ لَا إِنَّمَا يتَأَوَّل كَلَام الْمَعْصُوم انْتهى والمزي هُوَ الْحَافِظ جمال الدّين صَاحب تَهْذِيب الْكَمَال والأطراف وَفِي سُكُوته إِشْعَار بِرِضَاهُ بِكَلَام القونوي وَالله أعلم أما
стр. 129
الْكَلَام الَّذِي لِابْنِ عَرَبِيّ على تَفْسِير قَوْله تَعَالَى ﴿إِن الَّذين كفرُوا﴾ الْآيَة الَّتِي أَشَارَ إِلَيْهَا شَيخنَا الْحَافِظ أَبُو زرْعَة بعد مَا كتبه لي بِخَطِّهِ من حفظه بِالْمَعْنَى على مَا ذكر وَرُبمَا فَاتَهُ بعض الْمَعْنى فِي كَلَامه فَهُوَ مَا حَدثنِي أَبُو زرْعَة فَذكره بِالْفَظِّ قَالَ سَمِعت وَالِدي ﵀ غير مرّة يَقُول سَمِعت القَاضِي برهَان الدّين بن جمَاعَة يَقُول نقلت من خطّ ابْن عَرَبِيّ فِي الْكَلَام على قَوْله تَعَالَى ﴿إِن الَّذين كفرُوا﴾ ستروا محبتهم سَوَاء عَلَيْهِم أأنذرتهم أم لم تنذرهم اسْتَوَى عِنْدهم إنذارك وَعدم إنذارك عِنْدهم لَا يُؤمنُونَ بك وَلَا يَأْخُذُونَ عَنْك إِنَّمَا يَأْخُذُونَ عَنَّا ختم الله على قُلُوبهم فَلَا يعْقلُونَ إِلَّا عَنهُ وعَلى سمعهم فَلَا يسمعُونَ إِلَّا مِنْهُ وعَلى أَبْصَارهم غشاوة فَلَا يبصرون إِلَّا إِلَيْهِ وَلَا يلتفتون إِلَيْك وَإِلَى مَا عنْدك بِمَا جَعَلْنَاهُ عِنْدهم وألقيناه إِلَيْهِم وَلَهُم عَذَاب من العذوبة عَظِيم انْتهى وَقد بَين شَيخنَا قَاضِي الْيمن شرف الدّين إِسْمَاعِيل بن أبي بكر الْمَعْرُوف بِابْن الْمقري الشَّافِعِي من حَال ابْن عَرَبِيّ مَا لم يُبينهُ غَيره لِأَن جمَاعَة من الصُّوفِيَّة بزبيد أوهموا من لَيْسَ لَهُ كثير نباهة علو مرتبَة ابْن عَرَبِيّ وَنفي الْعَيْب عَن كَلَامه فَذكر ذَلِك شَيخنَا ابْن الْمقري مَعَ شَيْء من حَال الصُّوفِيَّة الْمشَار إِلَيْهِم فِي قصيدة طَوِيلَة من نظمه فَقَالَ فِيمَا أنشدنيه إجَازَة
стр. 130
(أَلا يَا رَسُول الله غَارة ثَائِر ... غيور على حرماته والشعائر)
(يحاط بهَا الْإِسْلَام مِمَّن يكيده ... ويرميه من تلبيسه بالبواتر)
(فقد حدثت فِي الْمُسلمين حوادث ... كبار الْمعاصِي عِنْدهَا كالصغائر)
(حوتهن كتب حَارب الله رَبهَا ... وغربها من غربين الحواضر)
(تجاسر فِيهَا ابْن عَرَبِيّ واجترى ... على الله فِيمَا قَالَ كل التجاسر)
(فَقَالَ بِأَن الرب وَالْعَبْد وَاحِد ... فربي مربوب بِغَيْر تغاير)
стр. 131
(وَأنكر تكليفا إِذْ العَبْد عِنْده ... إِلَه وَعبد فَهُوَ إِنْكَار حائر)
(وَخطأ إِلَّا من يرى الْخلق صُورَة ... وهوية لله عِنْد التناظر)
(وَقَالَ يحل الْحق فِي كل صُورَة ... تجلى عَلَيْهَا وَهُوَ إِحْدَى الْمظَاهر)
(وَأنكر أَن الله يُغني عَن الورى ... ويغنون عَن لَا ستواء المقادر)
(كماضل فِي التهليل جَهرا بنفيه ... وإثباته مستجهلا للمغاير)
(وَقَالَ الَّذِي يَنْفِيه عين الَّذِي أَتَى ... بِهِ مثبتا لَا غير عِنْد التحاور)
(فأفسد معنى مَا بِهِ النَّاس أَسْلمُوا ... وألغاه إلغا بَيِّنَات التهاتر)
стр. 132
(فسبحان رب الْعَرْش عَمَّا يَقُوله ... أعاديه من أَمْثَال هذي الْكَبَائِر)
(فَقَالَ عَذَاب الله عذب وربنا ... ينعم فِي نيرانه كل فَاجر)
(وَقَالَ بِأَن الله لم يعْص فِي الورى ... فَمَا ثمَّ مُحْتَاج لعاف وغافر)
(وَقَالَ مُرَاد الله وفْق لأَمره ... فَمَا كَافِر إِلَّا مُطِيع الْأَوَامِر)
(وكل امريء عِنْد الْمُهَيْمِن مرتضى ... سعيد فَمَا عَاص لَدَيْهِ بخاسر)
(وَقَالَ يَمُوت الْكَافِرُونَ جَمِيعهم ... وَقد آمنُوا غير المفاجا المبادر)
(وَمَا خص بِالْإِيمَان فِرْعَوْن وَحده ... لَدَى مَوته بل عَم كل الكوافر)
стр. 133
(فكذبه يَا هَذَا تكن خير مُؤمن ... وَإِلَّا فَصدقهُ تكن شَرّ كَافِر)
(وَأثْنى على من لم يجب نوح إِذْ دَعَا ... إِلَى ترك ود أَو سواع وناسر)
(وسمى جهولا من يطاوع أمره ... على تَركهَا قَول الكفور المجاهر)
(وَلم ير بالطوفان إغراق قومه ... ورد على من قَالَ رد المناكر)
(وَقَالَ بلَى قد أغرقوا فِي معارف ... من الْعلم والباري لَهُم خير نَاصِر)
(كَمَا قَالَ فازت عَاد بِالْقربِ واللقا ... من الله فِي الدُّنْيَا وَفِي الْيَوْم الآخر)
(وَقد أخبر الْبَارِي بلعنته لَهُم ... وإبعادهم فاعجب لَهُ من مكابر)
стр. 134
(وَصدق فِرْعَوْن وَصحح قَوْله ... أَنا الرب الْأَعْلَى وارتضى كل سامر)
(وَأثْنى على فِرْعَوْن بِالْعلمِ والذكا ... وَقَالَ بمُوسَى عجلة الْمُتَبَادر)
(وَقَالَ خَلِيل الله فِي الذّبْح واهم ... ورؤيا ابْنه يحْتَاج تَعْبِير عَابِر)
(يعظم أهل الْكفْر والأنبياء لَا ... يعاملهم إِلَّا بحط المقادر)
(ويثني على الْأَصْنَام خيرا وَلَا يرى ... لَهَا عابدا مِمَّن عصى أَمر آمُر)
(وَكم من جراءات على الله قَالَهَا ... وتحريف آيَات بِسوء تفاسر)
(وَلم يبْق كفر لم يلابسه عَامِدًا ... وَلم يتورط فِيهِ غير محاذر)
стр. 135
(وَقَالَ سيأتينا من الصين خَاتم ... من الْأَوْلِيَاء للأولياء الأكابر)
(لَهُ رُتْبَة فَوق النَّبِي ورتبة ... لَهُ دونه فاعجب لهَذَا التنافر)
(فرتبته الْعليا يَقُول لأَخذه ... عَن الله وَحيا لَا بتوسيط آخر)
(ورتبته الدُّنْيَا يَقُول لِأَنَّهُ ... من التَّابِعين للأمور الظَّوَاهِر)
(وَقَالَ اتِّبَاع الْمُصْطَفى لَيْسَ وَاضِعا ... لمقداره الْأَعْلَى وَلَيْسَ بحاقر)
(فَإِن يدن مِنْهُ لاتباع فَإِنَّهُ ... يرى مِنْهُ أَعلَى من وُجُوه أَوَاخِر)
(يرى حَال نُقْصَان لَهُ فِي اتِّبَاعه ... لِأَحْمَد حَتَّى جا بهذي المعاذر)
стр. 136
(فَلَا قدس الرَّحْمَن شخصا يُحِبهُ ... على مَا يرى من قبح هذي المخابر)
(وَقَالَ بِأَن الْأَنْبِيَاء جَمِيعهم ... بمشكاة هَذَا تستضيء فِي الدياجر)
(وَقَالَ فَقَالَ الله لي بعد مُدَّة ... بأنك أَنْت الْخَتْم رب المفاخر)
(أَتَانِي ابتدا بَيْضَاء وسطر رَبنَا ... بإنفاذه فِي الْعَالمين أوامري)
(وَقَالَ فَلَا تشغلك عني ولَايَة ... وَكن كل شهر طول عمرك زائري)
(فرفدك أجزلنا وقصدك لم يخب ... لدينا فَهَل أَبْصرت يَا ابْن الأخاير)
стр. 137
(بأكذب من هَذَا وأكفر فِي الورى ... وَأَجرا على غشيان هذي الفواطر)
(فَلَا يَدعِي من صدقوه ولَايَة ... وَقد ختمت فليأخذونا بالأقادر)
(فيا لعباد الله مَا ثمَّ ذُو حجا ... لَهُ بعض تَمْيِيز بقلب وناظر)
(إِذا كَانَ ذُو كفر مُطيعًا كمؤمن ... فَلَا فرق فِينَا بَين بر وَفَاجِر)
(كَمَا قَالَ هَذَا إِن كل أوَامِر ... من الله جَاءَت فَهِيَ وفْق المقادر)
(فَلم بعثت رسل وسنت شرائع ... وَأنزل قُرْآن بهذي الزواجر)
(أيخلع مِنْكُم ربقة الدّين عَاقل ... بقول غريق فِي الضَّلَالَة حائر)
стр. 138
(وَيتْرك ماجاءت بِهِ الرُّسُل من هدى ... لأقوال هَذَا الفيلسوف المغادر)
(فيا محسني ظنا بِمَا فِي فصوصه ... وَمَا فِي فتوحات الشرور الدَّوَائِر)
(عَلَيْكُم بدين الله لَا تصحبوا غَدا ... مساعر نَار قبحت من مساعر)
(فَلَيْسَ عَذَاب الله عذبا كَمثل مَا ... يمنيكم بعض الشُّيُوخ المدابر)
(وَلَكِن أَلِيم مثل مَا قَالَ رَبنَا ... بِهِ الْجلد إِن ينضج يُبدل بآخر)
(غَدا تعلمُونَ الصَّادِق القَوْل مِنْهُمَا ... إِذا لم تتوبوا الْيَوْم علم مبَاشر)
(ويبدوا لكم غير الَّذِي يعدونكم ... بِأَن عَذَاب الله لَيْسَ بضائر)
стр. 139
(وَيحكم رب الْعَرْش بَين مُحَمَّد ... وَمن سنّ علم الْبَاطِل المتهاتر)
(وَمن جا بدين مفترى غير دينه ... فَأهْلك أَغْمَارًا بِهِ كالأباقر)
(فَلَا يخدعن الْمُسلمين عَن الْهدى ... وَمَا للنَّبِي الْمُصْطَفى من مآثر)
(وَلَا يؤثروا غير النَّبِي على النَّبِي ... فَلَيْسَ كنور الصُّبْح ظلما الدياجر)
(دعوا كل ذِي قَول لقَوْل مُحَمَّد ... فَمَا آمن فِي دينه كمخاطر)
(وَأما رجالات الفصوص فَإِنَّهُم ... يقومُونَ فِي بَحر من الْكفْر ظَاهر)
стр. 140
(إِذا رَاح بِالرِّبْحِ المتابع أحمدا ... على هَدِيَّة راحوا بصفقة خاسر)
(سيحكي لَهُم فِرْعَوْن فِي دَار خلده ... بِإِسْلَامِهِ المقبول عِنْد التجاور)
(وَيَا أَيهَا الصُّوفِي خف من فصوصه ... خَوَاتِم سوء غَيرهَا فِي الخناصر)
(وَخذ نهج سهل والجنيد وَصَالح ... وَقوم مضوا مثل النُّجُوم الزواهر)
(على الشَّرْع كَانُوا لَيْسَ فيهم لوحدة ... وَلَا لحلول الْحق ذكر لذاكر)
(رجال رَأَوْا مَا الدَّار دَار إِقَامَة ... لقوم وَلَكِن بلغَة للْمُسَافِر)
(فأحيوا لياليهم صَلَاة وبيتوا ... بهَا خوف رب الْعَرْش صَوْم البواكر)
(مَخَافَة يَوْم مستطير بشره ... عبوس الْمحيا قمطرير الظَّاهِر)
(وَقد نحلت أَجْسَادهم وأذا بهَا ... قيام لياليهم وَصَوْم الهواجر)
(أُولَئِكَ أهل الله فَالْزَمْ طريقهم ... وعد عَن دواعي الابتداع الكوافر)
стр. 141
انْتهى بِاخْتِصَار وَهُوَ مُجمل مَا قدمنَا فِيمَا قَرَّرْنَاهُ وتفصيله يعلم مِمَّا شرحناه فِيمَا حررناه وَقد سبق عَن هَذِه الْمُنْكَرَات فِي كَلَام ابْن عَرَبِيّ لَا سَبِيل إِلَى صِحَّته تَأْوِيلهَا فَلَا يَسْتَقِيم اعْتِقَاد أَنه من أَوْلِيَاء الله مَعَ اعْتِقَاد صُدُور هَذِه الْكَلِمَات مِنْهُ إِلَّا باعتقاد أَنَّهَا خلاف مَا صدر عَنهُ مِمَّا تقدم هُنَالك أَو رُجُوعه إِلَى مَا يَعْتَقِدهُ أهل الْإِسْلَام فِي ذَلِك وَلم يَجِيء بذلك عَنهُ خبر وَلَا رُوِيَ عَنهُ أثر فذمه جمَاعَة من أَعْيَان الْعلمَاء وأكابر الْأَوْلِيَاء لأجل كَلَامه الْمُنكر وَأما من أثنى عَلَيْهِ فلظاهر فَضله وزهده وإيثاره واجتهاده فِي الْعِبَادَة واشتهر عَنهُ ذَلِك حَتَّى عرفه جمَاعَة من الصَّالِحين عصرا بعد عصر فَأَثْنوا عَلَيْهِ بِهَذَا الِاعْتِبَار ثناءا إجماليا لَا مدحا تفصيليا يَشْمَل كَلَامه ويحوي مرامه وَسبب ذَلِك أَنهم لم يعرفوا مَا فِي كَلَامه من الْمُنْكَرَات لاشتغالهم عَنْهَا بالعبادات وَالنَّظَر فِي غير ذَلِك من كتب الْقَوْم لكَونهَا أقرب لفهمهم مَعَ مَا وفقهم الله سُبْحَانَهُ لَهُم من حسن الظَّن بِالْمُسْلِمين وظنوا أَنه وَأَصْحَابه التَّابِعين لَهُ من الْمُؤمنِينَ وَأما مَا يحْكى فِي الْمَنَام من نهي ابْن عَرَبِيّ عَن ذمه وَكَذَا مَا يرْوى من صُورَة عَذَاب لمنكره فَهُوَ من تخييل النُّفُوس أَو تخويف الشَّيَاطِين هَذَا وَقد عَابَ تصوف ابْن عَرَبِيّ بعض الصُّوفِيَّة الموافقين لَهُ فِي الطَّرِيقَة الوجودية كَعبد الْحق بن سبعين وَغَيره وَيَا وَيْح من بَالَتْ عَلَيْهِ الثعالب وَقد روى عَن
стр. 142
الْحَافِظ الْحجَّة القَاضِي شهَاب الدّين أَحْمد بن عَليّ بن حجر الشَّافِعِي الْعَسْقَلَانِي أَنه قَالَ جرى بيني وَبَين بعض المحبين لِابْنِ عَرَبِيّ مُنَازعَة كَبِيرَة فِي أَمر ابْن عَرَبِيّ حَتَّى قلت مِنْهُ بِسوء مقَالَته فَلم يسهل ذَلِك بِالرجلِ المنازع لي فِي أمره وهددني بالشكوى إِلَى السُّلْطَان بِمصْر بِأَمْر غير الَّذِي تنازعنا فِيهِ ليتعب خاطري فَقلت لَهُ مَا للسُّلْطَان فِي هَذَا مدْخل تعال بِنَا نتباهل فَقل أَن يتباهل اثْنَان فَكَانَ أَحدهمَا كَاذِبًا إِلَّا وَأُصِيب قَالَ فَقَالَ لي بِسم الله فَقلت لَهُ قل اللَّهُمَّ إِن كَانَ ابْن عَرَبِيّ على ضلال فالعني بلعنتك فَقَالَ ذَلِك قلت أَنا اللَّهُمَّ إِن كَانَ ابْن عَرَبِيّ على هدى فالعني بلعنتك قَالَ وافترقنا قَالَ ثمَّ اجْتَمَعنَا فِي بعض مستنزهات مصر فِي لَيْلَة مُقْمِرَة فَقَالَ لنا مر على رجْلي شَيْء ناعم فانظروا فَنَظَرْنَا فَقُلْنَا مَا رَأينَا شَيْئا قَالَ ثمَّ التمس بَصَره فَلم ير شَيْئا انْتهى وَالْمعْنَى أَنه ثَبت كَونه من الْكَاذِبين وَيتَفَرَّع عَلَيْهِ أَنه من الملعونين وَشَيْخه من الضَّالّين المضلين ثمَّ اعْلَم أَن من اعْتقد حَقِيقَة عقيدة ابْن عَرَبِيّ فكافر بِالْإِجْمَاع من غير النزاع وَإِنَّمَا الْكَلَام فِيمَا
стр. 143
إِذا أول كَلَامه بِمَا يَقْتَضِي حسن مرامه وَقد عرفت من تأويلات من تصدى بتحقيق هَذَا الْمقَام أَنه لَيْسَ هُنَاكَ مَا يَصح أَو يصلح عَنهُ دفع الملام بَقِي من شكّ وتوهم أَن هُنَاكَ بعض التَّأْوِيل إِلَّا أَنه عَاجز عَن ذَلِك القيل فقد نَص الْعَلامَة ابْن الْمقري كَمَا سبق أَن من شكّ فِي كفر الْيَهُود وَالنَّصَارَى وَطَائِفَة ابْن عَرَبِيّ فَهُوَ كَافِر وَهُوَ أَمر ظَاهر وَحكم باهر وَأما من توقف فَلَيْسَ بمعذور فِي أمره بل توقفه سَبَب كفره فقد نَص الإِمَام الْأَعْظَم والهمام الأقدم فِي الْفِقْه الْأَكْبَر أَنه إِذا أشكل على الْإِنْسَان شَيْء من دقائق علم التَّوْحِيد فَيَنْبَغِي لَهُ أَن يعْتَقد مَا هُوَ الصَّوَاب عِنْد الله تَعَالَى إِلَى أَن يجد عَالما فيسأله وَلَا يَسعهُ تَأْخِير الطّلب وَلَا يعْذر بِالْوَقْفِ فِيهِ وَيكفر إِن وقف انْتهى وَقد ثَبت عَن أبي يُوسُف أَنه حكم بِكفْر من قَالَ لَا أحب الدُّبَّاء بعد مَا قيل لَهُ إِنَّه كَانَ يُحِبهُ سيد الْأَنْبِيَاء فَكيف بِمن طعن فِي جَمِيع الْأَنْبِيَاء وَادّعى أَن خَاتم الْأَوْلِيَاء أفضل من سيد الأصفياء فَإِن كنت مُؤمنا حَقًا مُسلما صدقا فَلَا تشك فِي كفر جمَاعَة ابْن عَرَبِيّ وَلَا تتَوَقَّف فِي ضَلَالَة هَذَا الْقَوْم الغوي وَالْجمع الغبي فَإِن قلت هَل
стр. 144
يجوز السَّلَام عَلَيْهِم ابْتِدَاء قلت لَا وَلَا رد السَّلَام عَلَيْهِم بل لَا يُقَال لَهُم عَلَيْكُم أَيْضا فَإِنَّهُم شَرّ من الْيَهُود وَالنَّصَارَى وَإِن حكمهم حكم الْمُرْتَدين عَن الدّين فَعلم بِهِ أَنه إِذا عطس أحد مِنْهُم فَقَالَ الْحَمد لله لَا يُقَال لَهُ يَرْحَمك الله وَهل يُجَاب بيهديك الله مَحل بحث وَكَذَا إِذا مَاتَ أحد مِنْهُم لَا يجوز الصَّلَاة عَلَيْهِ وَأَن عباداتهم السَّابِقَة على اعتقاداتهم بَاطِلَة كطاعاتهم اللاحقة فِي بَقِيَّة أوقاتهم فَالْوَاجِب على الْحُكَّام فِي دَار الْإِسْلَام أَن يحرقوا من كَانَ على هَذِه المعتقدات الْفَاسِدَة والتأويلات الكاسدة فَإِنَّهُم أنجس وأنجس مِمَّن ادّعى أَن عليا هُوَ الله وَقد أحرقه عَليّ ﵁ وَيجب إحراق كتبهمْ الْمُؤَلّفَة وَيتَعَيَّن على كل أحد أَن يبين فَسَاد شقاقهم وكساد نفاقهم فَإِن سكُوت الْعلمَاء وَاخْتِلَاف بعض الآراء صَار سَببا لهَذِهِ الْفِتْنَة وَسَائِر أَنْوَاع الْبلَاء فنسأل الله تَعَالَى حسن
стр. 145
الخاتمة واللاحقة الْمُطَابقَة للسعادة السَّابِقَة على وفْق مُتَابعَة خَاتم أَرْبَاب الرسَالَة وَأَصْحَاب الْعِصْمَة وَالْجَلالَة
وَسُبْحَان رَبك رب الْعِزَّة عَمَّا يصفونَ وَسَلام على الْمُرْسلين وَالْحَمْد لله رب الْعَالمين قَالَ مُؤَلفه ﵀ برحمته الواسعة
تمت
وَكتب عَليّ رضَا بن عبد الله بن عَليّ رضَا
فِي ٢٥ / ١١ / ١٤١٣ هـ