Полный текст (145 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.
стр. 1
بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم
الْحَمد لله الَّذِي أوجد الْأَشْيَاء شَرها وَخَيرهَا وَهُوَ فِي عين أهل الْحق يكون غَيرهَا وَصلى الله عَلَيْهِ وَسلم على من بَين نَفعهَا وضرها وعَلى آله وَأَصْحَابه وَأَتْبَاعه وأحزابه السائرين فِي السلوك سَيرهَا أما بعد فَيَقُول الملتجئ إِلَى حرم ربه الْبَارِي عَليّ بن سُلْطَان مُحَمَّد الْقَارِي إِنَّه ورد سُؤال من صَاحب حَال مضمونه أَنه قَالَ بعض المتصوفة للمريد عِنْد تلقينه كلمة التَّوْحِيد اعْتقد أَن جَمِيع الْأَشْيَاء بِاعْتِبَار بَاطِنهَا مُتحد مَعَ الله تَعَالَى وَبِاعْتِبَار ظَاهرهَا مُغَاير لَهُ وسواه فَقلت هَذَا كَلَام ظَاهر الْفساد مائل إِلَى وحدة الْوُجُود أَو الإتحاد كَمَا هُوَ مَذْهَب أهل الْإِلْحَاد فالتمس مني بعض الإخوان أَن أوضح هَذَا الْأَمر وفْق الْإِمْكَان من الْبَيَان فَأَقُول وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق وَبِيَدِهِ أزمة التَّحْقِيق إِن الله كَانَ وَلم يكن قبله وَلَا مَعَه شَيْء عِنْد أهل السّنة وَالْجَمَاعَة بِإِجْمَاع الْعلمَاء خلافًا للفلاسفة وَبَعض الْحُكَمَاء مِمَّن يَقُول بقدم الْعَالم وَوُجُود بعض الْأَشْيَاء وَهُوَ مَرْدُود لقَوْله تَعَالَى ﴿الله خَالق كل شَيْء﴾ أَي مَوْجُود مُمكن فِي عَالم مشهود وَمن الْمحَال
стр. 2
أَن يكون الْحَادِث بباطنه متحدا بالقديم الموجد مَعَ أَنه مُخَالف لمَذْهَب الموحد فَإِن الإثنينية تنَافِي الْوحدَة اليقينية قَالَ الله تَعَالَى ﴿لَا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ﴾ فَكيف بالآلهة المتعددة وَالَّذِي يعرف من السَّادة الصُّوفِيَّة أَنهم يَقُولُونَ يَنْبَغِي للسالك أَن ينظر حَال تكَلمه كلمة التَّوْحِيد عِنْد لَا إِلَه بِنَظَر النَّفْي والفناء إِلَى السوى وَعند إِلَّا الله الثُّبُوت والبقاء إِلَى الْمولى وَقد تقرر فِي علم العقائد أَن الله لَيْسَ محلا للحوادث فَإِن الْحُدُوث عبارَة عَن وجود لَاحق لعدم سَابق فَيكون مَعَ الْقَدِيم غير لَائِق ثمَّ الْمَقْصُود من كلمة التَّوْحِيد نفي كَون الشَّيْء يسْتَحق الْعُبُودِيَّة وَإِثْبَات الربوبية لمن لَهُ اسْتِحْقَاق الألوهية وَإِلَّا فالكفار كَانُوا عارفين للوجود ومغايرته لما سواهُ كَمَا أخبر بِهِ عَنْهُم بقوله ﴿وَلَئِن سَأَلتهمْ من خلق السَّمَاوَات وَالْأَرْض﴾ أَي أوجد العلويات والسفليات من حيّز الْعَدَم إِلَى صفحة الْوُجُود ليَقُولن الله أَي الذَّات الْوَاجِب الْوُجُود
стр. 3
المستجمع لصفات الْجلَال والكمال من الْكَرم والجود ثمَّ اعْلَم أَن حقائق الْأَشْيَاء ثَابِتَة كَمَا قَالَ أهل الْحق لِأَن فِي نَفيهَا ثُبُوتهَا حَاصِلَة خلافًا للسوفسطائية حَيْثُ حملوها على الْأُمُور الخيالية وَيلْحق بهم الطَّائِفَة الوجودية حَيْثُ رتبوها مِمَّا عدا خَالِقهَا على الفضولات الاعتبارية نظرا إِلَى جهاتها الباطنية والظاهرية فتبعوا طَائِفَة من السوفسطائية حَيْثُ يَزْعمُونَ أَن حقائق الْأَشْيَاء تَابِعَة لاعتقاد المعتقدين فِي الْقَضِيَّة فهم بِحكم هَذِه الْمسَائِل خَرجُوا عَن الطوائف الإسلامية حَيْثُ أَنْكَرُوا الْأُمُور الحسية والأدلة الشَّرْعِيَّة الإنسية ثمَّ الْإِجْمَاع على حُدُوث الْعَالم وَهُوَ مَا سوى الله ذاتا وَصفَة فَإِن الصِّفَات لَا عين الذَّات وَلَا غَيرهَا عِنْد أهل السّنة وَقد نفت الْمُعْتَزلَة أصل الصِّفَات والأسماء تَحَرُّزًا من تعدد القدماء فَتبين أَن مقَال هَذَا الْجَاهِل مَعَ أَنه لَيْسَ تَحْتَهُ طائل مُخَالف لإِجْمَاع أهل الْإِيمَان إِذْ يلْزم من قَوْله
стр. 4
قدم بَاطِن الْأَشْيَاء وَهُوَ وَاضح الْبطلَان وَكَلَامه هَذَا قَول بعض الفلاسفة إِن الْأَشْيَاء قديمَة بذواتها محدثة بصفاتها شَبيه بِشُبْهَة الدهرية المدفوعة بِلُزُوم دوَام الممكنات بدوام بارئ الْمَخْلُوقَات وَوُجُوب أَن لَا يحصل شَيْء فِي الْعَالم من التغيرات فسبحان من يُغير وَلَا يتَغَيَّر لَا فِي الذَّات وَلَا فِي الصِّفَات ثمَّ التَّوْحِيد فِي اللُّغَة الحكم أَو الْعلم بِأَن الشَّيْء وَاحِد وَفِي الِاصْطِلَاح هُوَ تَجْرِيد الذَّات الإلهية عَن كل مَا يتَصَوَّر فِي الأفهام ويخيل فِي الأذهان والأوهام وَهَذَا معنى قَول عَليّ كرم الله وَجهه لما سُئِلَ عَن التَّوْحِيد مَا مَعْنَاهُ فَقَالَ التَّوْحِيد أَن تعلم أَن مَا خطر ببالك أَو توهمته فِي خيالك أَو تصورته فِي حَال من أحوالك فَالله تَعَالَى وَرَاء ذَلِك وَيرجع إِلَيْهِ قَول الْجُنَيْد قدس الله سره التَّوْحِيد إِفْرَاد الْقدَم من الْحُدُوث إِذْ لَا يخْطر ببالك إِلَّا حَادث فإفراد الْقدَم أَن لَا يحكم على الله بمشابهة شَيْء من الموجودات لَا فِي الذَّات وَلَا فِي الصِّفَات فَإِن ذَاته لَا تشبه الذوات وَلَا صِفَاته قَالَ تَعَالَى ﴿لَيْسَ كمثله شَيْء وَهُوَ السَّمِيع الْبَصِير﴾ وَلذَا قيل وَمعنى كَون الله وَاحِدًا نفي الانقسام فِي ذَاته وَنفي التَّشْبِيه وَالشَّرِيك عَن ذَاته وَصِفَاته وَأما مَا نقل عَن بعض العارفين من أَن التَّوْحِيد إِسْقَاط الإضافات فَهُوَ بَيَان تَوْحِيد الْأَفْعَال حَيْثُ يتَعَيَّن فِيهِ أَن يسْقط عَن نظره مُلَاحظَة الْأَسْبَاب والآلات ليتضح لَهُ أَن الْخلق جَمِيعًا لَا يملكُونَ لأَنْفُسِهِمْ ضرا وَلَا نفعا وَلَا يملكُونَ موتا وَلَا حَيَاة
стр. 5
وَلَا نشورا ثمَّ اعْلَم أَن مَذْهَب أهل الْإِسْلَام أَن معرفَة الله تَعَالَى وَاجِبَة على جَمِيع الْأَنَام لَكِن اخْتلفُوا فِي طريقها فمذهب الصُّوفِيَّة أَن طريقها الرياضة والتخلية والتحلية وتصفية الطوية لقبُول التحلية وليستفيد الواردات وشواهد تكثيرها الَّتِي عجز الْعقل عَن تَفْسِيرهَا وَذهب جُمْهُور الْمُتَكَلِّمين إِلَى أَن طريقها إِنَّمَا هُوَ النّظر وَالِاسْتِدْلَال بالأدلة النقلية من الْكتاب وَالسّنة الْمُطَابقَة للأدلة الْعَقْلِيَّة وَقَالَ بَعضهم يعرف بِالْعقلِ الْمُجَرّد الْبَاقِي على الْفطْرَة الْأَصْلِيَّة وَقَالَ بَعضهم يعرف الله بِاللَّه لَا بِغَيْرِهِ وَهَذَا أشبه بِمذهب الصُّوفِيَّة
وَعَن هَذَا قَالُوا إِن أحدا لَا يعرف الله حق مَعْرفَته وَإِن كَانَ نَبيا مُرْسلا أَو ملكا مقربا لقَوْله تَعَالَى ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ من الْعلم إِلَّا قَلِيلا﴾ وَكَقَوْلِه ﴿وَلَا يحيطون بِهِ علما﴾ وَقَوله ﴿لَا تُدْرِكهُ الْأَبْصَار﴾ وَمن هُنَا قَالَ ﷺ (لَا أحصي ثَنَاء عَلَيْك أَنْت كَمَا أثنيت على نَفسك) وَقَالَ (لَا تَتَفَكَّرُوا فِي ذَات الله) وَقَالَ (كل النَّاس فِي ذَات
стр. 6
الله حمقى) وَمن ثمَّ قَالَ الصّديق الْأَكْبَر الْعَجز عَن دَرك الْإِدْرَاك إِدْرَاك وَورد (عَلَيْكُم بدين الْعَجَائِز) فسبحان من لَا يعرفهُ إِلَّا هُوَ وَهَذَا لَا يُنَافِي قَول أبي حنيفَة نَعْرِف الله حق مَعْرفَته لِأَنَّهُ أَرَادَ بِهِ مَا أوجب عَلَيْهِ من معرفَة ذَاته وَصِفَاته لَا كنه مَعْرفَته وإحاطة كمالاته وَأما قَوْله وَلَا نعبده حق عِبَادَته أَي لَا يمكننا أَن نعْبد حق طَاعَته لأَنا ضعفاء عاجزون عَن كَمَال هَذِه الْحَالة وَلَو بالإرادة حَيْثُ لَا ننفك عَن التَّقْصِير وإيقاع الْخلَل فِي الْعِبَادَة ثمَّ اعْلَم أَن الْوَاحِد والأحد من الْأَسْمَاء الْحسنى وَفرق بَينهمَا بِأَن الْأَحَد فِي الذَّات وَالْوَاحد فِي الصِّفَات فَعَن الزُّهْرِيّ أَنه لَا يُوصف شَيْء بالأحدية غير الله وَيُؤَيِّدهُ قَوْله ﴿قل هُوَ الله أحد﴾ بالعبارة الحصرية فالأحدية تخَالف مَا قَالَه الوجودية من تصور الْكَثْرَة الباطنية والظاهرية مَعَ أَن العارفين بِاللَّه يبطلون الإثنينية بِالْكُلِّيَّةِ وَيَقُولُونَ فِي التَّوْحِيد الصّرْف كَمَا ورد عَن بعض
стр. 7
الْأَحْرَار لَيْسَ فِي الدَّار غَيره ديار وَجَاء عَن بعض أَرْبَاب الشُّهُود سوى الله وَالله مَا فِي الْوُجُود كَمَا ورد فِي حزب بعض مَشَايِخنَا من قَوْله اسْتغْفر الله مِمَّا سوى الله وَهَذَا الْمَعْنى وَأَمْثَاله مُسْتَفَاد من قَوْله تَعَالَى ﴿كل شَيْء هَالك إِلَّا وَجهه﴾ و ﴿كل من عَلَيْهَا فان وَيبقى وَجه رَبك ذُو الْجلَال وَالْإِكْرَام﴾ ﴿فأينما توَلّوا فثم وَجه الله﴾ و ﴿هُوَ الأول وَالْآخر وَالظَّاهِر وَالْبَاطِن﴾ أَي الأول الأزلي وَالْآخر الأبدي الظَّاهِر بصفاته الْبَاطِن فِي ذَاته ومستنبط من حَدِيث (أصدق كلمة قَالَهَا الشَّاعِر أَلا كل شَيْء مَا خلا الله بَاطِل) ومأخوذ من قَول عَليّ كرم الله وَجهه هُوَ مَعَ كل شَيْء لَا بمقارنة وَغير كل شَيْء لَا بمزايلة مُشِيرا إِلَى قَوْله وَهُوَ مَعكُمْ أَيْنَمَا كُنْتُم وَقَوله ﴿وَنحن أقرب إِلَيْهِ من حَبل الوريد﴾ وَأما أَرْبَاب الْكَمَال المتجلي عَلَيْهِم بنعت الْجلَال وَوصف الْجمال فهم جامعون بَين الْأَحْوَال لَا يحجبهم الْكَثْرَة عَن الْوحدَة والوحدة عَن الْكَثْرَة وَهَذَا معنى قَوْله ﷺ (الْمُؤمن مرْآة الْمُؤمن) فَإِن هَذِه الطَّائِفَة
стр. 8
يرَوْنَ الْخلق مرْآة الْحق أَو الْحق مرْآة الْخلق وَالْأول أظهر لِأَن الْخلق هُوَ الْمظهر فَإِنَّهُ قَالَ (كنت كنزا مخفيا) فَتدبر وَيُشِير إِلَى الْجمع بَين المرتبتين قَوْله ﴿إياك نعْبد وَإِيَّاك نستعين﴾ فَإِن الْعِبَادَة إِشَارَة إِلَى التَّفْرِقَة كَمَا أَن الِاسْتِعَانَة عبارَة عَن الجمعية وَكَذَا قَوْله لَا إِلَه تَفْرِقَة وَإِلَّا الله جمعية لِأَن فِي الأول مُلَاحظَة الْكَثْرَة وَفِي الثَّانِي مُشَاهدَة الْوحدَة وَقد قَالَت الصُّوفِيَّة الجمعية بِدُونِ التَّفْرِقَة زندقة والتفرقة بِدُونِ الجمعية كفر ومفسقة وَقَالُوا إِن المريد فِي مقَام الْمَزِيد يَنْبَغِي أَن يَقُول فِي بَاطِنه عِنْد كلمة التَّوْحِيد أَولا لَا معبود إِلَّا الله وَهَذِه شَرِيعَة ثمَّ يَقُول لَا مَوْجُود إِلَّا الله وَهَذِه طَريقَة ثمَّ لَا مشهود إِلَّا الله وَهَذِه حَقِيقَة وَلَا يلْزم مِنْهُ الِاسْتِهْلَاك من عين الأحدية مَا توهمه الوجودية من عكس الْقَضِيَّة فَإِذا عرفت ذَلِك
стр. 9
مَا يعْتد الوجودية على مَا هُنَالك من نِسْبَة القَوْل الْبَاطِل الَّذِي صدر من الْقلب الغبي إِلَى الشَّيْخ مُحي الدّين بن عَرَبِيّ الله أعلم بِصِحَّة النِّسْبَة فِي الرِّوَايَة ليحكم بِكفْر قَائِله بِنَاء على مَا تَقْتَضِيه الدِّرَايَة وَهُوَ أَنه ذكر فِي الفتوحات المكية بالعبارة الردية وَهِي قَوْله سُبْحَانَ من أظهر الْأَشْيَاء وَهُوَ عينهَا وَهَذَا كَمَا ترى مُخَالف لجَمِيع أَرْبَاب النَّحْل والملل الإسلامية وموافق لما عَلَيْهِ الطبيعية والدهرية وَلذَا كتب الْعَارِف الرباني الشَّيْخ عَلَاء الدولة السمناني فِي حَاشِيَة هَذِه الْعبارَة الدنية أَيهَا الشَّيْخ لَو سَمِعت من أحد أَنه يَقُول فضلَة الشَّيْخ عينه لَا تسامحه بل تغْضب عَلَيْهِ فَكيف يسوغ الْعَاقِل أَن ينْسب إِلَى الله تَعَالَى هَذَا الهذيان تب إِلَى الله تَعَالَى تَوْبَة نصُوحًا لتنجو من هَذِه الورطة الوعرة الَّتِي يستنكف مِنْهَا الدهريون والطبيعيون واليونانيون والشكمانيون ثمَّ قَالَ وَمن لم يُؤمن بِوُجُوب وجوده فَهُوَ كَافِر حَقِيقِيّ وَمن لم يُؤمن بوحدانيته فَهُوَ مُشْرك حَقِيقِيّ وَمن لم يُؤمن بنزاهته من جَمِيع مَا يخْتَص بالممكن فَهُوَ ظَالِم حَقِيقِيّ لِأَنَّهُ ينْسب إِلَيْهِ مَا لَا يَلِيق بِكَمَال قدسه وَالظُّلم وضع الشَّيْء فِي غير مَوْضِعه وَلذَلِك قَالَ تَعَالَى فِي مُحكم كِتَابه ﴿أَلا لعنة الله على الظَّالِمين﴾ وسبحانه وَتَعَالَى عَن وصف
стр. 10
الْجَاهِلين ثمَّ نقل عَن بداية أمره فِي مقَام التَّوْحِيد إِلَى الْفرق حَيْثُ كَانَ يظْهر أَن الْحُلُول كفر والاتحاد تَوْحِيد أَنه أنْشد يَعْنِي على وَجه التَّضْمِين
(أَنا من أَهْوى وَمن أَهْوى أَنا ... لَيْسَ فِي الْمرْآة شَيْء غَيرنَا)
(قد سَهَا المنشد إِذْ أنْشدهُ ... نَحن روحان حللنا بدنا)
(أثبت الشّركَة شركا وَاضحا ... كل من فرق فرقا بَيْننَا)
(لَا أناديه وَلَا أذكرهُ ... إِن ذكري وندائي يَا أَنا)
ثمَّ قَالَ فَلَمَّا وصلت إِلَى نِهَايَة مقَام التَّوْحِيد ظهر أَنه غلط مَحْض فَرَجَعت إِلَى الْحق انْتهى كَمَا نَقله مَوْلَانَا عبد الرَّحْمَن الجامي فِي كِتَابه النفحات وَهُوَ فِي نَقله من جملَة الثِّقَات وَالْحَاصِل أَنه مقَام نَاقص ابْتُلِيَ بِهِ الْمَنْصُور حَيْثُ قَالَ أَنا الْحق وَلَعَلَّ البسطامي فِي هَذَا الْحَال قَالَ لَيْسَ فِي جبتي سوى الله نعم فرق بَين قَول مَنْصُور وَقَول فِرْعَوْن أَن الْمَنْصُور غلب عَلَيْهِ
стр. 11
مُشَاهدَة الْحق حَتَّى باين عَن مُلَاحظَة الْخلق فَقَالَ مَا قَالَ وَأما فِرْعَوْن فَقَوله نَشأ من غَلَبَة رُؤْيَة نَفسه وجسمه ومطالعة كَثْرَة حشمه وخدمه وَذهل عَن مُشَاهدَة خالقه ومنعمه وكبريائه وعظمته وبهائه وَلِهَذَا اخْتلف الْعلمَاء فِي حق الْمَنْصُور وَاتَّفَقُوا على كفر فِرْعَوْن المهجور هَذَا وَقد قَالَ الإِمَام الرَّازِيّ إِن المجسم مَا عبد الله قطّ لِأَنَّهُ يعبد مَا تصَوره فِي وهمه من الصُّورَة تَعَالَى منزه عَن ذَلِك قلت فالوجودي كَذَلِك فَإِن تصَوره على وَجه تنزه سُبْحَانَهُ عَمَّا هُنَالك وَمِمَّا يدل على بطلَان مذْهبه أَنه سُئِلَ أَبُو حنيفَة عَمَّا لَو قيل أَيْن الله تَعَالَى فَقَالَ لَهُ كَانَ الله قبل أَن يخلق الْخلق وَيُقَال كَانَ الله وَلم يكن أَيْن وَلَا خلق وَلَا شَيْء وَهُوَ خَالق كل شَيْء وَأما حكم النَّبِي ﷺ عِنْد إِشَارَة الْأمة إِلَى السَّمَاء بِكَوْنِهَا مُؤمنَة فباعتبار أَنَّهَا يظنّ بهَا أَنَّهَا من عَبدة الْأَوْثَان فبإشارتها إِلَى السَّمَاء علم أَن معبودها لَيْسَ من الْأَصْنَام وَأما قَوْله تَعَالَى ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاء إِلَه وَفِي الأَرْض إِلَه﴾ أَي معبود فيهمَا ومتصرف فِي نفسهما وأهلهما وَأما مَا نقل عَن بعض العارفين كَانَ الله وَلم يكن مَعَه شَيْء والآن على مَا كَانَ عَلَيْهِ فَمَحْمُول على مُشَاهدَة
стр. 12
حَقِيقَة التَّوْحِيد وملاحظة حَال التفريد إِذْ لَيْسَ شَيْء مُسْتَقل فِي وجوده ومقام شُهُوده فِي نظر العرفاء كالهباء وكالسراب فِي الصَّحرَاء فَتبين الْفرق بَين الوجودية الْمَوْجُودين وَبَين الوجودية الْمُلْحِدِينَ حَيْثُ قَالَ الْأَولونَ الْوُجُود الْمُطلق هُوَ الْحق نظرا أَنه الْفَرد الْكَامِل وَقَالَ الْآخرُونَ الْوُجُود الْمُطلق لتَضَمّنه الْخلق الشَّامِل كَمَا يُشِير إِلَيْهِ قَول بَعضهم الله هُوَ الْكل وَأَنت الْجُزْء فَإِذا وصلت إِلَى مقَام الْحُضُور وَنفي الشُّعُور صرت الْكل فِي عَالم الظُّهُور وَقد تقرر فِي علم العقائد من المواقف والمقاصد أَنه منزه من أَن يكون كلا أَو كليا فِي الْمشَاهد ثمَّ اعْلَم أَن من روى عَن أبي حنيفَة ﵀ أَن الله تَعَالَى مَاهِيَّة لَا يعرفهَا إِلَّا هُوَ فقد افترى عَلَيْهِ لِأَن الشَّيْخ أَبَا مَنْصُور الماتريدي مَعَ كَونه أعرف النَّاس بمذهبه لم ينْسب هَذَا القَوْل إِلَيْهِ وَنفى القَوْل بالماهية كَذَا فِي شرح القونوي لعمدة النَّسَفِيّ وَلَا يبعد أَن يُرَاد بالماهية الْحَقِيقَة الذاتية فَإِنَّهَا لَا يعرفهَا إِلَّا هُوَ فَمن ادَّعَاهَا حكم على جَهله
стр. 13
بهَا ثمَّ فِي كتب العقائد أَنه لَا يُقَال صِفَاته تحل ذَاته أَو تحل ذَاته صِفَاته أَو صِفَاته مَعَه أَو فِيهِ أَو مجاورة لَهُ لِأَن هَذِه الْأَلْفَاظ تسْتَعْمل فِي المغايرات وَلَا تغاير هُنَا بل يُقَال صِفَاته قَائِمَة بِذَاتِهِ وَصِفَاته لَا هُوَ وَلَا غَيره أما الأول فَظَاهر وَأما الثَّانِي فَلِأَنَّهُ لَو كَانَت غَيره لوَجَبَ أَن يكون مَعَه فِي الْأَزَل غير الله تَعَالَى وَهُوَ كفر وَلَا يجوز أَن يكون وَلَا يجوز أَن يكون بعضه لِأَن التَّبْعِيض من عَلَامَات الْحُدُوث وَلَا يجوز أَن تكون هَذِه الصِّفَات حَادِثَة لِأَن القَوْل بحدوثها يُؤَدِّي إِلَى أَن الله تَعَالَى يكون مَوْصُوفا بأضدادها فَالله تَعَالَى منزه عَن ذَلِك فَكيف هَذَا الْجَاهِل يَقُول إِن الْأَشْيَاء بباطنها مُتحد مَعَ الله فَنَقُول لَهُ قَالَ تَعَالَى ﴿فَإِن تنازعتم فِي شَيْء فَردُّوهُ إِلَى الله وَالرَّسُول﴾ أَي كِتَابه وَرَسُوله فبيننا الْكتاب وَالسّنة وَقَالَ ﴿وَإِذا دعوا إِلَى الله وَرَسُوله ليحكم بَينهم إِذا فريق مِنْهُم معرضون وَإِن يكن لَهُم الْحق يَأْتُوا إِلَيْهِ مذعنين﴾ فهم فِيمَا ورد فيهمَا من مُقْتَضى أهوائهم
стр. 14
معتقدون وَفِي مُخَالف آرائهم معرضون وَقد قَالَ تَعَالَى ﴿فَلَا وَرَبك لَا يُؤمنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوك فِيمَا شجر بَينهم ثمَّ لَا يَجدوا فِي أنفسهم حرجا مِمَّا قضيت ويسلموا تَسْلِيمًا﴾ وَأخْبر أَن الْمُنَافِقين يُرِيدُونَ أَن يتحاكموا إِلَى الطاغوت أَي الشَّيْطَان وَأَتْبَاعه ويزعمون أَنهم إِنَّمَا أَرَادوا إحسانا وتوفيقا فِي اتِّبَاعه كَمَا يَقُول كثير من المتكلمة والمتفلسفة وَغَيرهم إِنَّمَا نُرِيد أَن نحس الْأَشْيَاء بتحقيقها أَي ندركها ونعرفها بماهيتها وكميتها وكيفيتها وَلم يعرفوا أَن من الْأَشْيَاء مَا لَا يدْرك كنهه وَحَقِيقَته كَمَا قَالَ الله تَعَالَى ﴿وَلَا يحيطون بِهِ علما﴾ ﴿لَا تُدْرِكهُ الْأَبْصَار﴾ وَلذَا لما قَالَ فِرْعَوْن ﴿وَمَا رب الْعَالمين﴾ قَالَ مُوسَى رب السَّمَوَات وَالْأَرْض وَمَا بَينهمَا فَسئلَ عَن الذَّات وَأخْبر عَن الصِّفَات لتعذر مَعْرفَته كَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ ﷺ بقوله (لَا أحصي ثَنَاء عَلَيْك) و (لَا تَتَفَكَّرُوا فِي ذَات الله وتفكروا فِي آلائه) وعد الْعَجز عَن دَرك الإدارك إدراكا وَهنا حَدِيث (لَا أَدْرِي نصف الْعلم) وَقَول
стр. 15
الْمَلَائِكَة ﴿لَا علم لنا إِلَّا مَا علمتنا﴾ وَقَول الْأَنْبِيَاء ﴿لَا علم لنا إِنَّك أَنْت علام الغيوب﴾ ثمَّ هَؤُلَاءِ الجهلة بعقولهم الكاسدة وآرائهم الْفَاسِدَة يَزْعمُونَ أَنهم يُرِيدُونَ التَّوْفِيق بَين الدَّلَائِل الَّتِي عِنْدهم مِمَّا يسمونها العقليات وَهِي فِي الْحَقِيقَة مَحْض الجهليات وَبَين الدَّلَائِل النقلية المنقولة عَن الْكتاب وَالسّنة وَقد يتفوهون أَنهم يُرِيدُونَ التَّحْقِيق والتدقيق بالتوفيق بَين الشَّرِيعَة والفلسفة كَمَا يَقُول كثير من المبتدعة من المتنسكة والجهلة من المتصوفة حَيْثُ يَقُولُونَ إِنَّمَا نُرِيد الْإِحْسَان بِالْجمعِ بَين الْإِيمَان والإتقان والتوفيق بَين الشَّرِيعَة والحقيقة ويدسون فِيهَا دسائس مذاهبهم الْبَاطِلَة ومشاربهم العاطلة من الِاتِّحَاد والحلول والإلحاد والاتصال وَدَعوى الْوُجُود وَالْمُطلق وَأَن الموجودات عين الْحق ويتوهمون أَنهم فِي مقَام الجمعية وَالْحَال أَنهم فِي عين التَّفْرِقَة والزندقة وكما يَقُول كثير من الْمُلُوك والحكام والأمراء إِذا خالفوا فِي بعض أَحْكَام الْإِسْلَام إِنَّمَا نُرِيد الْإِحْسَان بالسياسة الْحَسَنَة والتوفيق بَينهمَا وَبَين الشَّرِيعَة المستحسنة فَكل من طلب أَن يحكم فِي شَيْء من أَمر الدّين غير مَا هُوَ ظَاهر الشَّرْع الْمُبين لَهُ نصيب من ذَلِك وَهُوَ هَالك فِيمَا هُنَالك
стр. 16
وَاعْلَم أَن نَبينَا ﷺ قد أُوتِيَ فواتح الْكَلم وخواتمه وجوامعه ولوامعه فَبعث بالعلوم الْكُلية والمعارف الأولية والآخرية على أتم الْوُجُوه فِيمَا يحْتَاج إِلَيْهِ السالك فِي الْأُمُور الدِّينِيَّة والدنيوية والأخروية وَلَكِن كلما ابتدع شخص بِدعَة اتسعوا فِي جوابها واضطربوا فِي بَيَان خطئها وصوابها فالعلم نقطة كثرها الجاهلون وَلذَلِك صَار كَلَام الْخلف كثيرا قَلِيل الْبركَة بِخِلَاف كَلَام السّلف فَإِنَّهُ قَلِيل كثير الْبركَة وَالْمَنْفَعَة فالفضل للْمُتَقَدِّمين لَا مَا يَقُوله جهلة الْمُتَكَلِّمين إِن طَريقَة الْمُتَقَدِّمين أسلم وطريقتنا أحكم وَأعلم وكما يَقُول من لم يقدرهم قدرهم من المنتسبين إِلَى الْفِقْه أَنهم لم يتفرغوا لاستنباط وَضبط قَوَاعِده وَأَحْكَامه اشتغالا مِنْهُم بِغَيْرِهِ والمتأخرون تفرغوا لذَلِك فهم أفقه بِمَا يتَعَلَّق هُنَالك فَكل هَؤُلَاءِ محجوبون عَن معرفَة مقادير السّلف وَعَن علومهم وَقلة تكلفهم فتالله مَا امتاز عَنْهُم الْمُتَأَخّرُونَ إِلَّا بالتكلف والاشتغال بالأطراف
стр. 17
الَّتِي همة الْقَوْم مُرَاعَاة أُصُولهَا ومعاهدها وَضبط قواعدها وَشد معاقدها وهممهم مشمرة إِلَى المطالب الْعَالِيَة والمراتب الغالية فالمتأخرون فِي شَأْن وَالْقَوْم فِي شَأْن وَهُوَ ﴿كل يَوْم هُوَ فِي شَأْن﴾ و ﴿قد جعل الله لكل شَيْء قدرا﴾ وَمن هُنَا قَالَ الْغَزالِيّ ضيعت قِطْعَة من الْعُمر الْعَزِيز فِي تصنيف الْبَسِيط والوسيط وَالْوَجِيز وَلِهَذَا لَا تَجِد عِنْد جهلة الصُّوفِيَّة من الْمعرفَة وَالْيَقِين فِي جَمِيع أُمُور الدّين مَا يُوجد عِنْد عوام الْمُؤمنِينَ فضلا عَن عُلَمَائهمْ الموقنين وَذَلِكَ لِأَن اشْتِمَال مقدماتهم على الْحق وَالْبَاطِل أوجب المراء والجدال وانتشر كَثْرَة القيل والقال وتولد لَهُم عَنْهَا من الْأَقْوَال الْمُخَالفَة للشَّرْع الصَّحِيح وَالْعقل الصَّرِيح مَا يضيق عَنهُ المجال واتسع كَلَامهم فِي أُمُور الْمحَال إِذا عرفت ذَلِك وَتبين لَك مَا هُنَالك من المهالك الْوَاقِعَة للسالك فِي ضيق المسالك فَاعْلَم أَن أول مَا يُؤمر بِهِ العَبْد علم التَّوْحِيد الَّذِي هُوَ عبارَة عَن الْإِيمَان والتصديق
стр. 18
وَالْإِقْرَار على وَجه التَّحْقِيق إِمَّا حَقِيقَة أَو حكما فَإِن من صلى وَلم يتَكَلَّم بِالشَّهَادَتَيْنِ اخْتلف فِيهِ الْعلمَاء الْأَعْلَام وَالصَّحِيح عندنَا أَنه يصير مُسلما بِكُل مَا هُوَ من خَصَائِص الْإِسْلَام وَلَو لم يتَكَلَّم بهما لتحقيق المرام على مَا ذكره الْعَلامَة عَليّ بن أبي الْعِزّ الْحَنَفِيّ فِي شرح عقيدة الطَّحَاوِيّ والتوحيد أول مَا يدْخل بِهِ فِي الْإِسْلَام وَآخر مَا يخرج بِهِ من الدُّنْيَا على وفْق النظام كَمَا قَالَ ﷺ (من كَانَ آخر كَلَامه لَا إِلَه إِلَّا الله دخل الْجنَّة) وَالْعبْرَة بالخاتمة اللاحقة لِأَنَّهَا مظهر الْقَائِمَة السَّابِقَة والتوحيد إِمَّا فِي الذَّات بِمَعْنى أَنه يعبد وَحده لَا شريك لَهُ وَإِمَّا الصِّفَات فَإِنَّهُ لَا شَبيه لَهُ فِي صِفَاته الذاتية وَإِمَّا فِي الْأَفْعَال فَإِنَّهُ الفعال لما يُرِيد وَيفْعل الله مَا يَشَاء وَهُوَ خَالق كل شَيْء فاعبدوه وَأما الجهم بن صَفْوَان وَمن وَافقه من نفات الصِّفَات حَيْثُ أدخلُوا نفي الصِّفَات فِي مُسَمّى تَوْحِيد الذَّات لِئَلَّا يلْزم
стр. 19
تعدد الْوَاجِب من القدماء فمعلوم الْفساد بِالضَّرُورَةِ عِنْد الْعلمَاء فَإِن إِثْبَات ذَات مُجَرّدَة عَن جَمِيع الصِّفَات لَا يتَصَوَّر لَهَا وجود فِي الْخَارِج وَإِنَّمَا الذِّهْن قد يتَصَوَّر الْمحَال ويتخيله وَهَذَا غَايَة التعطل وَالْمذهب الْحق هُوَ الْوسط بَين التَّشْبِيه الْمُحَقق والتنزيه الْمُطلق قَالَ شَارِح عقيدة الطَّحَاوِيّ وَهَذَا القَوْل الَّذِي هُوَ ظَاهر الْفساد قد أفْضى بِقوم إِلَى القَوْل بالحلول أَو الِاتِّحَاد وَهُوَ أقبح من كفر النَّصَارَى فِي الِاعْتِقَاد فَإِن النَّصَارَى خصوه بالمسيح من الكائنات وَهَؤُلَاء عموا جَمِيع الكائنات وَمن فروع هَذَا التَّوْحِيد أَن فِرْعَوْن وَقَومه كاملوا الْإِيمَان عارفون بِاللَّه تَعَالَى على التَّحْقِيق وَالْإِيمَان وَمن فروعه أَنه لَا فرق بَين المَاء وَالْخمر وَالزِّنَا وَالنِّكَاح فَكل من عين وَاحِدَة بل هُوَ الْعين الْوَاحِدَة وَمن فروعه أَن الْأَنْبِيَاء ضيقوا على النَّاس تَعَالَى الله عَمَّا يَقُول الظَّالِمُونَ علوا كَبِيرا انْتهى وَكَأَنَّهُ أَشَارَ إِلَى أَقْوَال نسبت إِلَى الشَّيْخ ابْن عَرَبِيّ من أَنه قَالَ فِي الفصوص من ادّعى الألوهية فَهُوَ صَادِق فِي
стр. 20
دَعْوَاهُ وَمن أَنه أَبَاحَ الْمكْث للْجنب وَالْحَائِض فِي الْمَسْجِد وَأَنه لَا يحرم فرجا وَأَنه يَقُول بقدم الْعَالم وَمن أَنه قَالَ ضيق ابْن أبي كَبْشَة أَمر الدُّنْيَا على الْمُوَحِّدين وَأَن فِرْعَوْن خرج من الدُّنْيَا طَاهِرا ومطهرا وَقد ذكرت بطلَان هَذَا القَوْل فِي رِسَالَة مُسْتَقلَّة وَقعت شرحا وطرحا لرسالة جعلهَا الْجلَال الدواني تبعا لَهُ فِي هَذِه الْمَرَاتِب الأداني وَمن نظر إِلَى كتاب الفتوحات رأى فِيهَا عجائب الْمَخْلُوقَات وَقد صرح فِي الفصوص بِأَن الرياضة إِذا كملت اخْتَلَط ناسوت صَاحبهَا بلاهوت الله انْتهى وَهَذَا عين مَذْهَب النَّصَارَى حَيْثُ قَالُوا امتزجت الْكَلِمَة بِعِيسَى امتزاج المَاء بِاللَّبنِ فاختلط ناسوته بلاهوت الله سُبْحَانَهُ حَتَّى ادعو أَنه ابْن الله تَعَالَى شَأْنه وتعظم سُلْطَانه
وَقَالَ الشَّيْخ الْعَلامَة شرف الدّين ابْن المقريء وَلِهَذَا طَائِفَة من
стр. 21
الْعَوام وَقَعُوا فِي الْفِتْنَة من هَذَا الْكَلَام وَقَالُوا هَذَا الْكَلَام بَاطِن لَا يعرفهُ إِلَّا أهل الإلهام ولبسوا على النَّاس حَتَّى أصغى الْجَاهِل إِلَى أَقْوَالهم من أَن كل شَيْء هُوَ الله وَأَن الْخَالِق هُوَ الْمَخْلُوق وَأَن الْمَخْلُوق هُوَ الْخَالِق وَأَن الألوهية بالجعل فَمن جعلته إلهك فقد عَرفته وَمَا عرفك وَأَن الْمَنْفِيّ فِي لَا إِلَه إِلَّا الله هُوَ الْمُثبت فَجعلُوا كلمة الشَّهَادَة مَا لَا معنى لَهُ وَلَا فَائِدَة تَحْتَهُ وَأَشْبَاه هَذَا من كَلَامهم مَا لَا يُحْصى كَثْرَة وَهُوَ فِي كِتَابه يَأْمر بِعبَادة الْأَوْثَان والتنقل فِي الْأَدْيَان بقوله إياك أَن تقتصر على مُعْتَقد وَاحِد فيفوتك خير كثير فَاجْعَلْ نَفسك هيولى لسَائِر المعتقدات فَمَا كتبه إِلَّا كسم دس فِي الْإِسْلَام ومصيبة أُصِيب بهَا كثير من الْأَنَام وَقَالَ شيخ مَشَايِخنَا الْعَلامَة الْجَزرِي يحرم مطالعة كتبه وَالنَّظَر فِيهَا والاشتغال بهَا وَلَا يلْتَفت إِلَى قَول من قَالَ إِن هَذَا الْكَلَام الْمُخَالف لظَاهِر المرام يَنْبَغِي أَن يؤول بِمَا يُوَافق أَحْكَام الْإِسْلَام فَإِنَّهُ غلط من قَائِله وَكَيف يؤول قَوْله الرب حق وَالْعَبْد حق وَقَوله مَا عرف الله إِلَّا المعطلة والمجسمة وَقد قَالَ تَعَالَى ﴿لَيْسَ كمثله شَيْء﴾ فَهَذَا دَلِيل المعطلة ﴿وَهُوَ السَّمِيع الْبَصِير﴾ دَلِيل المجسمة وَقَوله مَا عبد من عبد إِلَّا الله لِأَن الله
стр. 22
يَقُول ﴿وَقضى رَبك أَلا تعبدوا إِلَّا إِيَّاه﴾ وَأحسن مَا عِنْدِي فِي أَمر هَذَا الرجل أَنه لما ارتاض غلبت عَلَيْهِ السَّوْدَاء فَقَالَ مَا قَالَ فَلهَذَا اخْتلف كَلَامه اخْتِلَافا كثيرا وتناقض تناقضا ظَاهرا فَيَقُول الْيَوْم شَيْئا وَغدا بِخِلَافِهِ قلت وَيُؤَيّد مَا نقل عَنهُ أَنه قَالَ من لم يقل بِكُفْرِهِ فَهُوَ كَافِر قَالَ والظانون بِهِ خيرا أحد رجلَيْنِ إِمَّا أَن يكون سليم الْبَاطِن لَا يتَحَقَّق معنى كَلَامه وَيَرَاهُ صوفيا ويبلغه اجْتِهَاده وَكَثْرَة علمه فيظن بِهِ الْخَيْر وَإِمَّا أَن يكون زنديقا إباحيا حلوليا يعْتَقد وحدة الْوُجُود وَيَأْخُذ مَا يُعْطِيهِ كَلَامه من ذَلِك مُسلما وَيظْهر الْإِسْلَام وَاتِّبَاع الشَّرْع الشريف فِي الْأَحْكَام وَلَقَد جرى بيني وَبَين كثير من عُلَمَائهمْ بحث أفْضى إِلَى أَن قلت اجْمَعُوا بَين قَوْلكُم وَبَين التَّكْلِيف وَأَنا أكون أول تَابع لكم وَلَقَد نقل الإِمَام عماد الدّين بن كثير عَن الْعَلامَة تَقِيّ الدّين السُّبْكِيّ عَن شيخ الْإِسْلَام ابْن دَقِيق الْعِيد الْقَائِل فِي آخر عمره لي أَرْبَعُونَ سنة مَا تَكَلَّمت كلمة إِلَّا وأعددت لَهَا جَوَابا بَين يَدي الله تَعَالَى وَقد سَأَلت شَيخنَا سُلْطَان الْعلمَاء عبد الْعَزِيز بن عبد السَّلَام عَن ابْن عَرَبِيّ فَقَالَ شيخ سوء كَذَّاب يَقُول
стр. 23
بقدم الْعَالم وَلَا يحرم فرجا وَقَالَ الْجَزرِي وَبِالْجُمْلَةِ فَالَّذِي أقوله وأعتقده وَسمعت من أَثِق بِهِ من شيوخي الَّذين هم حجَّة بيني وَبَين الله تَعَالَى أَن هَذَا الرجل إِن صَحَّ هَذَا الْكَلَام الَّذِي فِي كتبه مِمَّا يُخَالف الشَّرْع المطهر وَقَالَهُ وَهُوَ فِي عقله وَمَات وَهُوَ مُعْتَقد ظَاهره فَهُوَ أنجس من الْيَهُود وَالنَّصَارَى فَإِنَّهُم لَا يسْتَحلُّونَ أَن يَقُولُوا ذَلِك ثمَّ إِنَّمَا يؤول كَلَام الْمَعْصُوم وَلَو فتح بَاب تَأْوِيل كل كَلَام ظَاهره الْكفْر لم يكن فِي الأَرْض كَافِر مَعَ أَن هَذَا الرجل يَقُول فِي فتوحاته وَهَذَا كَلَام على ظَاهره لَا يجوز تَأْوِيله انْتهى وَقد صنف الْعَلامَة ابْن نور الدّين مجلدا كَامِلا فِي الرَّد على ابْن عَرَبِيّ سَمَّاهُ كشف الظلمَة عَن هَذِه الْأمة أَقُول والعاقل تكفيه الْإِشَارَة وَلَا يحْتَاج إِلَى تَطْوِيل الْعبارَة وَأما مَا ذكره صَاحب الْقَامُوس فِي فتواه عِنْد مدح ابْن عَرَبِيّ بِأَن دَعوته تخرق السَّبع الطباق وبركته تملأ جَمِيع الْآفَاق وَأَنه أفضل الْخَلَائق على الْإِطْلَاق وَأَن تصانيفه الْعلية من أَعلَى
стр. 24
الْعُلُوم النافعة الشَّرْعِيَّة فبناء على حسن ظَنّه بِهِ لعدم الِاطِّلَاع على كَلَامه وَفهم مرامه أَو لموافقة مشربه ومطابقة مذْهبه وَأما قَوْله إِن إِنْكَار جمَاعَة من فُقَهَاء الظَّاهِر العاجزين عَن فهم شَيْء من مَعَاني كَلَام الشَّيْخ وحقائقه فَإِنَّهُم مَتى سمعُوا كَلَامه أَنْكَرُوا وبدعوا وشنعوا لعدم فهم مرامه أَلَيْسَ حَافظ الْأمة أَبُو هُرَيْرَة ﵁ يَقُول حفظت من رَسُول الله ﷺ وعاءين من الْعلم فبثثت أَحدهمَا فِيكُم وَأما الآخر فَلَو بثثته لقطع مني هَذَا البلعوم كَذَا فِي صَحِيح البُخَارِيّ أَرَادَ بِهِ عُلُوم الْحَقِيقَة الَّتِي لَيست من شَأْن أهل الظَّاهِر لِأَن ذَلِك خَاص بِمَا خصّه الله تَعَالَى من الصديقين والأدباء المقربين فَهُوَ خطأ ظَاهر وَغلط باهر من وَجْهَيْن أَحدهمَا أَن الْمَشَايِخ المعتبرين قد أَنْكَرُوا عَلَيْهِ كَمَا ثَبت واشتهر من إِنْكَار الشَّيْخ الرباني عَلَاء الدولة السمناني وَالثَّانِي استدلاله بِالْحَدِيثِ الْمَذْكُور فَإِنَّهُ لَا شكّ فِي صِحَة مبناه وَإِنَّمَا أَخطَأ فِيمَا ذكره من بَيَانه مَعْنَاهُ لِأَنَّهُ يلْزم مِنْهُ أَنه ﷺ خصّه بِعلم لَا يجوز إفشاؤه لكَونه مُخَالفا لظَاهِر الشَّرِيعَة وَقد أجمع الْفُقَهَاء والصوفية والعرفاء أَن كل حَقِيقَة تخَالف ظَاهر الشَّرِيعَة فَهِيَ زندقة مَعَ أَن أَبَا هُرَيْرَة غير مَشْهُور بِهَذَا الْعلم وَلَا أحد أَخذ عَنهُ من طرق الْمَشَايِخ وَرِجَال أسانيدهم وَإِنَّمَا الْمَشْهُور من الصَّحَابَة فِي هَذَا الْفَنّ بِاعْتِبَار الْحَال الصّديق الْأَكْبَر وَبِاعْتِبَار الْمقَال عَليّ ﵁ وَقد انْتهى إِلَيْهِمَا طرق الصُّوفِيَّة
стр. 25
المرضية وَالصَّوَاب فِي معنى الحَدِيث المسطور هُوَ أَنه سمع مِنْهُ ﷺ بعض أَحَادِيث فِي مذمة بني أُميَّة وَكَانَ يخَاف على نَفسه من يزِيد وَزِيَادَة بعض أذيته فَمَا أظهر شَيْئا من ذَلِك لعذره هُنَالك ذكره لبَعض الْخَواص من أَصْحَابه لِئَلَّا يدْخل تَحت قَوْله ﷺ (من كتم علما ألْجم بلجام من نَار) وَقد بيّنت فِيمَا بسطت الْكَلَام بِذكر فتاوي الْعلمَاء الْأَعْلَام فِي رسالتي الْمُسَمَّاة فر العون مِمَّن يَدعِي إِيمَان فِرْعَوْن وَذكرت هُنَاكَ الْخُلَاصَة أَن الْأَحْوَط فِي أَمر الدّين هُوَ السُّكُوت عَن نفس ابْن عَرَبِيّ حَيْثُ اخْتلف
стр. 26
الْعلمَاء فِي أَنه صديق أَو زنديق وعَلى الثَّانِي لَعَلَّه مَاتَ تَائِبًا وَتحرم مطالعة كتبه لِأَنَّهَا مشحونة بِمَا يُخَالف عقائد الْمُسلمين فِي مقَام الْإِيمَان والتصديق وَالله ولي التَّوْفِيق ثمَّ أعلم أَن القَوْل بالحلول والاتحاد الْمُوجب لحُصُول الْفساد والإلحاد شَرّ من الْمَجُوس والثنوية والمانوية الْقَائِلين بالأصلين النُّور والظلمة وَأَن الْعَالم صدر عَنْهُمَا وهم متفقون على أَن النُّور خير من الظلمَة وَهُوَ الْإِلَه الْمَحْمُود وَأَن الظلمَة شريرة مذمومة وهم متنازعون فِي الظلمَة هَل هِيَ قديمَة أَو محدثة فَلم يثبتوا بَين متماثلين وَقد قَالَ تَعَالَى ردا عَلَيْهِم ﴿لَا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ﴾ وَقَالَ ﴿الْحَمد لله الَّذِي خلق السَّمَاوَات وَالْأَرْض وَجعل الظُّلُمَات والنور﴾ فَمن أَصَابَهُ ذَلِك النُّور فقد اهْتَدَى وَمن أخطأه فقد ضل واعتدى وَكَذَا شَرّ من النَّصَارَى الْقَائِلين بالتثليث
стр. 27
فَإِنَّهُم متفقون على أَن صانع الْعَالم وَاحِد وَيَقُولُونَ باسم الْأَب وَالِابْن وروح الْقُدس إِلَه وَاحِد فَقَوْلهم فِي التَّثْلِيث مُنَاقض فِي نَفسه وَقَوْلهمْ فِي الْحُلُول أفسد مِنْهُ بِحَسب أَصله وَأما مَا أنْشدهُ شيخ الْإِسْلَام أَبُو إِسْمَاعِيل عبد الله الْأنْصَارِيّ فِي مَحْض التَّوْحِيد وَصرف التفريد فِي كِتَابه منَازِل السائرين حَيْثُ قَالَ
(مَا وحد الْوَاحِد من وَاحِد ... إِذْ كل من وَحده جَاحد)
(تَوْحِيد من ينْطق عَن نَعته ... عَارِية أبطلها الْوَاحِد)
(توحيده إِيَّاه توحيده ... ونعت من يَنْعَتهُ لَاحَدَّ)
فَلَيْسَ فِيهِ إِلَّا أَنه لَا يعرف الله مَا سواهُ وحاشاه أَن يُرِيد بِهِ الِاتِّحَاد ليتشبت بِهِ الاتحادي وَيقسم بِاللَّه جهد أيمانه أَنه مَعَه وَهَذَا دأب أهل الْبَاطِن أَنهم يروجون مَذْهَبهم بانتسابه إِلَى بعض أهل الْحق عِنْد الْجُهَّال مِمَّن لَا تَمْيِيز لَهُ بَين الْأَقْوَال كالشيعة ينتسبون إِلَى الإِمَام جَعْفَر الصَّادِق وَهُوَ بَرِيء مِنْهُم ومتنزه عَنْهُم عِنْد من يعرف مقَامه ويتبين لَهُ مرامه حِين يسمع كَلَامه وكالملحدين يتعلقون بأشعار الْعَطَّار والحافظ ومير قَاسم الْأَنْوَار وأمثالهم من أَرْبَاب الْأَسْرَار وكما أَنا المبتدعة كلهم يستدلون على مدعائهم بِالْآيَاتِ القرآنية وَبَعض الْأَحَادِيث النَّبَوِيَّة وَالْحَاصِل أَن الْقُرْآن وَكَلَام أهل
стр. 28
الْعرْفَان كبحر النّيل مَاء للمحبوبين وَدِمَاء للمحجوبين وَقد قَالَ تَعَالَى ﴿يضل بِهِ كثيرا وَيهْدِي بِهِ كثيرا﴾ ﴿وننزل من الْقُرْآن مَا هُوَ شِفَاء وَرَحْمَة للْمُؤْمِنين وَلَا يزِيد الظَّالِمين إِلَّا خسارا﴾ ﴿فَأَما الَّذين فِي قُلُوبهم زيغ فيتبعون مَا تشابه مِنْهُ ابْتِغَاء الْفِتْنَة وابتغاء تَأْوِيله﴾ فَيُفِيد أَنه لَا يجوز تَأْوِيله إِلَّا بِمَا وَافق تَنْزِيله وَلقَوْله ﷺ (نَحن نحكم بِالظَّاهِرِ وَالله أعلم بالسرائر) أما إِذا طابق التَّأْوِيل التَّنْزِيل فَهُوَ نور على نور وسرور على سرُور هَذَا وَقد ثَبت بضرورة الْعقل وأدلة النَّقْل وجود موجودين أَحدهمَا وَاجِب وَالْآخر مُمكن أَحدهمَا قديم وَالْآخر حَادث أَحدهمَا غَنِي وَالْآخر فَقير إِلَى الله أَحدهمَا خَالق وَالْآخر مَخْلُوق وهما متفقان فِي كَون كل مِنْهُمَا شَيْئا مَوْجُودا ثَابتا إِلَّا أَن من الْمَعْلُوم أَن أَحدهمَا لَيْسَ مماثلا للْآخر فِي حَقِيقَته إِذْ لَو كَانَ كَذَلِك لتماثلا فِيمَا يجب وَيجوز وَيمْتَنع وَأَحَدهمَا يجب قدمه وَهُوَ مَوْجُود بِنَفسِهِ وَالْآخر لَا يجوز قدمه وَلَا هُوَ مَوْجُود إِلَّا بِغَيْرِهِ فَلَو تماثلا لزم أَن يكون كل
стр. 29
مِنْهُمَا وَاجِب الْقدَم لَيْسَ بِوَاجِب الْقدَم مَوْجُودا بِنَفسِهِ غير مَوْجُود بِنَفسِهِ خَالِقًا لَيْسَ بخالق غَنِيا غير غَنِي فَيلْزم اجْتِمَاع الضدين على تَقْدِير تماثلهما فَعلم أَن تماثلهما مُنْتَفٍ بِصَرِيح الْعقل كَمَا هُوَ مُنْتَفٍ بنصوص النَّقْل فَعلم بِهَذِهِ الْأَدِلَّة اتِّفَاقهمَا من وَجه واختلافهما من وَجه فَمن نفى مَا اتفقَا فِيهِ كَانَ معطلا قَائِلا بِالْبَاطِلِ وَأما من جَعلهمَا متحدين فَكفر صَرِيح لَيْسَ تَحْتَهُ طائل وَتَحْقِيق ذَلِك أَنَّهُمَا وَإِن اتفقَا فِي مُسَمّى مَا اتفقَا فِيهِ فَالله تَعَالَى مُخْتَصّ بِوُجُودِهِ وَعلمه وَقدرته وَسَائِر صِفَاته وَالْعَبْد لَا يُشَارِكهُ فِي شَيْء من ذَلِك وَالْعَبْد أَيْضا مُخْتَصّ بِوُجُودِهِ وَعلمه وَقدرته وَالله تَعَالَى منزه عَن مُشَاركَة العَبْد فِي خَصَائِصه وَإِذا اتفقَا فِي مُسَمّى الْوُجُود وَالْعلم وَالْقُدْرَة فَهَذَا الْمُشْتَرك مُطلق كلي يُوجد فِي الأذهان لَا فِي الْأَعْيَان والوجود فِي الْأَعْيَان لَا اشْتِرَاك فِيهِ وَهَذَا مَوضِع اضْطِرَاب فِيهِ كثير من الْحُكَمَاء حَيْثُ توهموا أَن الِاتِّفَاق فِي مُسَمّى هَذِه الْأَشْيَاء يُوجب أَن يكون الْوُجُود الَّذِي للرب كالوجود الَّذِي للْعَبد وَطَائِفَة ظنت أَن الْأَسْمَاء عَامَّة قَابِلَة للتقسيم كَمَا يُقَال الْوُجُود يَنْقَسِم إِلَى وَاجِب وممكن وقديم وحادث ومورد التَّقْسِيم مُشْتَرك بَين الْأَقْسَام وَأما اللَّفْظ الْمُشْتَرك كَلَفْظِ المُشْتَرِي الْوَاقِع على آخذ الْمَتَاع
стр. 30
والكوكب فَلَا يَنْقَسِم مَعْنَاهُ وَلَكِن يُقَال لفظ المُشْتَرِي يُطلق على كَذَا وَكَذَا وأمثال هَذِه المقالات الَّتِي قد بسط الْكَلَام عَلَيْهَا فِي موَاضعهَا الْأَلْيَق بهَا فَأصل الْخَطَأ والغلط توهمهم أَن هَذِه الْأَسْمَاء الْعَامَّة الْكُلية يكون مسماها الْمُطلق الْكُلِّي هُوَ بِعَيْنِه ثَابتا فِي هَذَا الْمعِين وَهَذَا الْمعِين لَيْسَ كَذَلِك فَإِن مَا يُوجد فِي الْخَارِج لَا يُوجد مُطلقًا كليا بل لَا يُوجد إِلَّا مُتَعَيّنا مُخْتَصًّا وَهَذِه الْأَسْمَاء إِذا سمي الله بهَا كَانَ مسماها مُخْتَصًّا بِهِ فوجود الله وحياته لَا يشركهُ فيهمَا غَيره بل وجود هَذَا الْمَوْجُود الْمعِين لَا يشركهُ فِيهِ غَيره فَكيف بِوُجُود الْخَالِق أَلا ترى أَنَّك تَقول هَذَا هُوَ ذَاك فالمشار إِلَيْهِ وَاحِد لَكِن بِوَجْهَيْنِ مُخْتَلفين ثمَّ اعْلَم أَنه سُبْحَانَهُ كَمَا أَن لَيْسَ لَهُ مثل فِي الذَّات لَيْسَ لَهُ مثل فِي الصِّفَات وَهَذَا بطرِيق الْإِجْمَال مُسْتَفَاد من قَوْله تَعَالَى ﴿لَيْسَ كمثله شَيْء﴾ أَي ذاتا وَصفَة وفعلا وَأما بطرِيق التَّفْصِيل فَكل نفي يَأْتِي فِي صِفَات الله إِنَّمَا هُوَ لكَمَال ثُبُوت ضِدّه كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿وَلَا يظلم رَبك أحدا﴾ أَي لكَمَال عدله وَقَوله ﴿لَا يعزب عَنهُ مِثْقَال ذرة فِي السَّمَاوَات وَلَا فِي الأَرْض﴾ أَي لكَمَال علمه وَقَوله ﴿وَمَا مسنا من لغوب﴾ أَي
стр. 31
لكَمَال قدرته وَقَوله ﴿لَا تَأْخُذهُ سنة وَلَا نوم﴾ أَي لكَمَال حَيَاته وقيوميته وَقَوله ﴿لَا تُدْرِكهُ الْأَبْصَار﴾ أَي لكَمَال جَلَاله وعظمته وكبريائه ومهابته وَقَوله لم يلد أَي لَيْسَ بحادث وَلم يُولد أَي لَيْسَ محلا للحوادث ﴿وَلم يكن لَهُ كفوا أحد﴾ أَي شَبِيها لَهُ فِي ذَاته وَصِفَاته وَقَوله سُبْحَانَهُ ﴿وَمَا كَانَ الله ليعجزه من شَيْء فِي السَّمَاوَات وَلَا فِي الأَرْض إِنَّه كَانَ عليما قَدِيرًا﴾ فنبه سُبْحَانَهُ فِي آخر الْآيَة على دَلِيل انْتِفَاء الْعَجز وَهُوَ كَمَال الْعلم وَالْقُدْرَة وَذَلِكَ لِأَن النَّفْي الصّرْف لَا مدح فِيهِ وَعكس المتكلمون وَتركُوا الطَّرِيق الأمثل حَيْثُ أَتَوا بالإثبات الْمُجْمل وَالنَّفْي الْمفصل وَقَالُوا لَيْسَ بجسم وَلَا شبح وَلَا جثة وَلَا صُورَة وَلَا لحم وَلَا دم وَلَا شخص وَلَا جَوْهَر وَلَا عرض وَلَا بِذِي لون وَلَا طعم وَلَا رَائِحَة وَلَا مجسة وَلَا بِذِي حرارة وَلَا برودة وَلَا رُطُوبَة وَلَا يبوسة وَلَا طول وَلَا عرض وَلَا عمق وَلَا اجْتِمَاع وَلَا افْتِرَاق وَلَا يَتَحَرَّك وَلَا يسكن وَلَا يَتَبَعَّض وَلَيْسَ بِذِي أبعاض وأجزاء وجوارح وأعضاء وَلَيْسَ بِذِي جِهَات وَلَا بِذِي يَمِين وَلَا شمال وأمام وَخلف وَفَوق وَتَحْت وَلَا يُحِيط بِهِ مَكَان وَلَا يجْرِي عَلَيْهِ زمَان وَلَا يجوز عَلَيْهِ المماسة وَلَا الْعُزْلَة وَلَا الْحُلُول فِي الْأَمَاكِن وَلَا يُوصف بِشَيْء من صِفَات الْخلق الدَّالَّة على حدوثهم وَلَا يُوصف بِأَنَّهُ متناه وَلَا يُوصف بمساحة وَلَا ذهَاب فِي الْجِهَات وَلَيْسَ بمحدود
стр. 32
وَلَا ولد وَلَا مَوْلُود وَلَا يُحِيط بِهِ الأقدار وَلَا تحجبه الأستار إِلَى آخر مَا نَقله أَبُو الْحسن الْأَشْعَرِيّ ﵀ عَن الْمُعْتَزلَة وَفِي هَذَا النَّفْي الْمُجَرّد مَعَ كَونه أَنه وصف بالمعدوم لَا مدح فِيهِ بل فِيهِ إساءة أدب فَإنَّك لَو قلت للسُّلْطَان أَنْت لست بزبال وَلَا كساح وَلَا حجام وَلَا حائك لأدبك على هَذَا الْوَصْف وَإِن كنت صَادِقا وَإِنَّمَا تكون مادحا إِذا أجملت النَّفْي فَقلت أَنْت لست مثل أحد من رعيتك أَنْت أَعلَى مِنْهُم وأكمل وأشرف وَأجل فَالصَّوَاب هُوَ التَّعْبِير عَن الْحق بالألفاظ الشَّرْعِيَّة النَّبَوِيَّة الإلهية كَمَا هُوَ سَبِيل أهل السّنة وَالْجَمَاعَة وَطَرِيق السَّادة الصُّوفِيَّة السّنيَّة لَا مَا ابتدعه المعطلة والمعتزلة وَلَا مَا اخترعوه من المباني والمعاني اللُّغَوِيَّة والعرفية قَالَ القونوي بعد مَا بحث مَعَ الْمُعْتَزلَة أَنه كَيفَ يَصح كَونه متكلما بِكَلَام يقوم بِغَيْرِهِ إِذْ لَو صَحَّ ذَلِك للَزِمَ أَن يكون مَا أحدثه فِي الجمادات والحيوانات كلَاما فَيلْزم أَن يكون متكلما بِكُل كَلَام خلقه فِي غَيره زورا وَكفرا تَعَالَى شَأْنه وَعظم برهانه وَقد اطرد الاتحادية فَقَالَ ابْن عَرَبِيّ
(وكل كَلَام فِي الْوُجُود كَلَامه ... سَوَاء علينا نثره ونظامه)
انْتهى
стр. 33
وَقد بَلغنِي أَن وَاحِدًا مِنْهُم سمع نباح كلب فَقَالَ لبيْك وَسجد لَهُ فَهَل هَذَا إِلَّا كفر صَرِيح لَيْسَ لَهُ تَأْوِيل صَحِيح مَعَ مناقضته لقَوْله ﷺ (إِن أحدكُم إِذا سمع نباح كلب أَو نهيق حمَار فليتعوذ فَإِنَّهُ رأى شَيْطَانا) فَهَؤُلَاءِ أضلّ من كل من تكلم فِي الْكَلَام وهم أَصْنَاف تِسْعَة كَمَا بيّنت كَلَامهم فِي شرح الْفِقْه للْإِمَام الْأَكْبَر وَأَيْضًا قد قَالَت النَّصَارَى إِن عِيسَى نفس كلمة الله واتحد اللاهوت بالناسوت أَي شَيْء من الْإِلَه بِشَيْء من النَّاس فضلوا وأضلوا مَعَ أَنهم صوروه وحصروه فِي مظهر الْعَجَائِب ومظهر الغرائب فَكيف القَوْل بِعُمُوم الْكَلَام وشمول المرام واستواء الْخَاص وَالْعَام وَمَا أحسن الْمثل الْمَضْرُوب لمثبت الصِّفَات من غير تَشْبِيه وَلَا تَعْطِيل بِاللَّبنِ الْخَالِص السائغ للشاربين يخرج من بَين فرث التعطيل وَدم التَّشْبِيه فالمعطل يعبد عدما والمشبه يعبد صنما وَلَا شكّ أَن تَعْطِيل الصِّفَات شَرّ من تشبيهها ثمَّ اعْلَم أَن من أَبى إِلَّا تَحْرِيف الْكتاب وَالسّنة وتأويلهما بِمَا
стр. 34
يُخَالف صَرِيح كَلَام الْأَئِمَّة فَلَا يَشَاء مُبْطل أَن يتَأَوَّل النُّصُوص ويحرفها عَن موَاضعهَا إِلَّا وجد إِلَى ذَلِك سَبِيلا وَهَذَا الَّذِي أفسد الدُّنْيَا وَالدّين وَهَكَذَا فعلت الْيَهُود وَالنَّصَارَى فِي نُصُوص التَّوْرَاة وَالْإِنْجِيل وحذرنا الله أَن نَفْعل مثلهم وَأبي المبطلون إِلَّا أَن يسلكوا سبيلهم وَكم جنى التَّأْوِيل الْفَاسِد على الدّين وَأَهله من جِنَايَة فَهَل قتل عُثْمَان إِلَّا بالتأويل الْفَاسِد وَكَذَا مَا جرى يَوْم الْجمل وصفين ومقتل الْحُسَيْن والحرة وَهل خرجت الْخَوَارِج ورفضت الروافض واعتزلت الْمُعْتَزلَة وافترقت الْأمة على فرق جمة إِلَّا بالتأويل الْفَاسِد على وفْق مُتَابعَة الْعقل الكاسد ثمَّ كَيفَ يُفَسر كتاب الله بِغَيْر مَا فسر بِهِ رَسُول الله الَّذِي قَالَ فِي حَقه ﴿لتبين للنَّاس مَا نزل إِلَيْهِم﴾ وَقد قَالَ ﷺ (من قَالَ فِي الْقُرْآن بِرَأْيهِ فقد كفر) فَكيف من تكلم فِي ذَات الله وَصِفَاته بالأهواء الردية والآراء البدعية وَلَا عِبْرَة بقول من يَقُول الْعقل يشْهد بضد مَا دلّ عَلَيْهِ النَّقْل وَالْعقل أصل النَّقْل فَإِذا عَارضه قدمنَا الْعقل بل إِذا تعَارض
стр. 35
الْعقل وَالنَّقْل وَجب تَقْدِيم النَّقْل لِأَن النَّقْل فِي نفس الْأَمر لَا يكون مطابقا لِلْعَقْلِ فَإِن الْعُقُول مُخْتَلفَة وَلذَا ترى أَصْحَابهَا مُتَفَرِّقَة وَلذَا قيل فِي الْمثل الْعقل مَعَ النَّقْل كالعامي الْمُقَلّد مَعَ الْعَالم الْمُجْتَهد وَقد قَالَ الدَّارَانِي كل خاطر خطر وَاسْتقر بالبال فاعرضه على ميزَان الْكتاب وَالسّنة فَمَا وافقهما قبلته وَمَا خالفهما تركته فَالْوَاجِب كَمَال التَّسْلِيم لَهُ ﷺ فِي التَّحْكِيم فَلَا يحاكم إِلَى غَيره وَلَا يُوقف تَنْفِيذ أمره وتصديق خَبره على عرضه على قَول إِمَام مذْهبه وَشَيخ مشربه وَأهل زَمَانه ومكانه بل إِذا بلغه الحَدِيث الصَّحِيح يعد نَفسه كَأَنَّهُ سَمعه من رَسُول الله ﷺ فَلَا يرضى بعد تَحْقِيق أمره إِلَى تَقْلِيد غَيره كَمَا قَالَ إمامنا الْأَعْظَم لَا يحل لأحد أَن يَقُول بقولنَا مَا لم يعرف من أَيْن قُلْنَا أَو هَذَا مَعْنَاهُ وكما قَالَ الإِمَام الشَّافِعِي إِذا ثَبت الحَدِيث فاضربوا قولي على الْحَائِط فَإِذا كَانَ هَؤُلَاءِ المجتهدون فِي الدّين الكاملون فِي مقَام الْيَقِين فِي هَذِه الْمرتبَة فَمَا بَال من يُقَلّد ابْن عَرَبِيّ وَغَيره فِي كَلَام هَل صدر عَنهُ أم لَا مِمَّا يُخَالف صَرِيح الْكتاب وَالسّنة وَيُوجب الْكفْر أَو الْبِدْعَة وَيتْرك مُتَابعَة سَائِر الْمَشَايِخ وَالْأَئِمَّة فَإِن كنت أَيهَا الْأَخ من الْمُجْتَهدين فاعمل بِمَا فِي الْكتاب وَالسّنة من أَمر الدّين وَإِن كنت من المقلدين فتقلد قَول
стр. 36
الْعلمَاء العاملين والمشايخ الكاملين الْمجمع على ديانتهم وَتَحْقِيق أمانتهم وتصديق إمامتهم عملا بقوله ﷺ (عَلَيْكُم بِالسَّوَادِ الْأَعْظَم) وَالْحَاصِل أَنه لَا يثبت قدم الْإِسْلَام إِلَّا على ظهر الاستسلام لكتاب الله وَسنة رَسُوله ﷺ فقد روى البُخَارِيّ عَن الزُّهْرِيّ أَنه قَالَ من الله الرسَالَة وعَلى الرَّسُول الْبَلَاغ وعلينا التَّسْلِيم وَهَذَا كَلَام جَامع نَافِع وَعَن جَمِيع الْبدع مَانع فَمن رام علم مَا أحظر عَن علمه وَلم يقنع بِالتَّسْلِيمِ بِمَا فهمه حجبه مرامه عَن خَالص التَّوْحِيد وصافي الْمعرفَة وصحيح التفريد وَلم يترق إِلَى مقَام التَّحْقِيق بل تنزل إِلَى حضيض التَّقْلِيد قَالَ تَعَالَى ﴿وَمن أضلّ مِمَّن اتبع هَوَاهُ بِغَيْر هدى من الله﴾ وَإِنَّمَا دخل الْفساد فِي الْعَالم من ثَلَاث فرق كَمَا قَالَ ابْن الْمُبَارك
стр. 37
(رَأَيْت الذُّنُوب تميت الْقُلُوب ... وَقد يُورث الذل إدمانها)
(وَترك الذُّنُوب حَيَاة الْقُلُوب ... وَخير لنَفسك إحسانها)
(وَهل أفسد الدّين إِلَّا الْمُلُوك ... وأحبار سوء ورهبانها)
فالملوك الْجَبَابِرَة يعترضون على الشَّرِيعَة بالسياسات الجائرة ويعارضونها بهَا ويقدمونها على حكم الله وَرَسُوله ﷺ وأحبار السوء هم الْعلمَاء الخارجون عَن الشَّرِيعَة بآرائهم وأقيستهم الْفَاسِدَة المتضمنة تَحْلِيل مَا حرم الله وَرَسُوله ﷺ وَتَحْرِيم مَا أَبَاحَهُ وَاعْتِبَار مَا ألغاه وإلغاء مَا اعْتَبرهُ وَإِطْلَاق مَا قَيده وَتَقْيِيد مَا أطلقهُ وَنَحْو ذَلِك والرهبان هم جهلة المتصوفة المعترضون على حقائق الْإِيمَان وَالْإِسْلَام ودقائق الشَّرِيعَة وَالْأَحْكَام بالأذواق والمواجيد الخيالية النفسانية والكشوفات الْبَاطِلَة الشيطانية المتضمنة شرع دين لم يَأْذَن بِهِ الله وَإِبْطَال دين شرع على لِسَان نبيه ﷺ والإعراض عَن حقائق الْإِيمَان بحظوظ النَّفس وخدع الشَّيْطَان فَقَالَ الْأَولونَ إِذا تَعَارَضَت السياسة وَالشَّرْع قدمنَا السياسة حفظا للرياسة وَقَالَ الْآخرُونَ إِذا تعَارض الْعقل وَالنَّقْل قدمنَا الْعقل لِأَن الْعقل يثبت النَّقْل وَقَالَ أَصْحَاب الذَّوْق إِذا تعَارض الْكَشْف وَظَاهر الشَّرْع قدمنَا الْكَشْف لِأَن الْخَبَر لَيْسَ كالمعاينة وَلم يدروا أَن أَخْبَار الله وَرَسُوله ﷺ فَوق مرتبه عيان الْخلق فَكيف بالكشف الَّذِي هُوَ مَحل اللّبْس وَلذَا ترى الكشوف مُخْتَلفَة وآثارها غير مؤتلفة فَكل من قَالَ بِرَأْيهِ أَو ذوقه أَو سياسته مَعَ وجود النَّص أَو عَارض النَّص بالمعقول فقد ضاهى إِبْلِيس حَيْثُ لم يسلم لأمر ربه بل قَالَ ﴿أَنا خير مِنْهُ خلقتني من نَار وخلقته من طين﴾
стр. 38
) وَقد قَالَ تَعَالَى ﴿من يطع الرَّسُول فقد أطَاع الله﴾ وَقَالَ ﴿قل إِن كُنْتُم تحبون الله فَاتبعُوني يحببكم الله﴾ وَقَالَ ﴿فَلَا وَرَبك لَا يُؤمنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوك فِيمَا شجر بَينهم ثمَّ لَا يَجدوا فِي أنفسهم حرجا مِمَّا قضيت ويسلموا تَسْلِيمًا﴾
فالدائر الحائر بَين الْمَنْقُول والمعقول يتذبذب بَين الْكفْر وَالْإِيمَان والتصديق والتكذيب وَالْإِقْرَار وَالْإِنْكَار موسوسا تائها شاكا زائغا لَا مُؤمنا مُصدقا وَلَا جاحدا مُكَذبا كَمَا قَالَ الطَّحَاوِيّ فَإِن قيل كَيفَ يَتَأَتَّى الندامة وَالتَّوْبَة والملامة مَعَ شُهُود الْحِكْمَة فِي التَّقْدِير مَعَ شُهُود القيومية والمشيئة النافذة قيل هَذَا هُوَ الَّذِي أوقع من عميت بصيرته فِي شُهُود الْأَمر على مَا هُوَ عَلَيْهِ فَرَأى تِلْكَ الْأَفْعَال طاعات لموافقته فِيهَا الْقدر والمشيئة وَقَالَ إِن عصيت أمره فقد أَطَعْت إِرَادَته كَمَا قَالَ قَائِلهمْ شعر
(أَصبَحت منفعلا لما يختاره ... مني ففعلي كُله طاعات)
وَهَؤُلَاء أعمى الْخلق بصائر وأجهلهم بِاللَّه وَأَحْكَامه الدُّنْيَوِيَّة والكونية
стр. 39
فَإِن الطَّاعَة هِيَ مُوَافقَة الْأَمر الديني الشَّرْعِيّ لَا مُوَافقَة الْقدر والمشيئة وَلَو كَانَ مُوَافقَة الْقدر طَاعَة لَكَانَ إِبْلِيس من أعظم المطيعين وَالْحَاصِل أَن هَذَا لَيْسَ بِطَاعَة صدرت عَن إطاعة بل انقياد للعبودية واستسلام تَحت أَحْكَام الربوبية كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿وَله أسلم من فِي السَّمَاوَات وَالْأَرْض طَوْعًا وَكرها وَإِلَيْهِ يرجعُونَ﴾ وزبدة الْكَلَام فِي هَذَا الْمقَام أَن العَبْد إِذا شهد عجز نَفسه ونفوذ الأقدار بِهِ وَكَمَال فقره إِلَى ربه وَعدم استغنائه عَن عصمته وَحفظه طرفَة عين كَانَ بِاللَّه فِي هَذِه الْحَال لَا بِنَفسِهِ فِي الْأَفْعَال فوقوع الذَّنب مِنْهُ حِينَئِذٍ كالمحال فَإِن عَلَيْهِ حصنا حصينا من مقَام (بِي يسمع وَبِي يبصر وَبِي يبطش وَبِي يمشي) فَإِذا حجب عَن هَذَا المشهد وَبَقِي بِنَفسِهِ استولى عَلَيْهِ حكم نَفسه فهناك نصبت عَلَيْهِ الشباك والأشراك وَأرْسلت عَلَيْهِ الصيادون فَإِذا انقشع عَنهُ ضباب ذَلِك الْوُجُود الطبيعي وَانْفَتح لَهُ بَاب الشُّهُود الشَّرْعِيّ بِحَضْرَة الندامة وَالتَّوْبَة والملامة والإنابة فَإِنَّهُ كَانَ فِي الْمعْصِيَة محجوبا بِنَفسِهِ عَن ربه فَلَمَّا فَارق ذَلِك الْوُجُود صَار فِي وجود آخر فَبَقيَ بربه لَا بِنَفسِهِ وَإِلَيْهِ الْإِشَارَة فِي حَدِيث (لَا يَزْنِي الزَّانِي وَهُوَ
стр. 40
مُؤمن) وسر الْقدر يخفى عَن الْبشر فَفِي الْإِنْجِيل يَا بني إِسْرَائِيل لَا تَقولُوا لم أَمر رَبنَا وَلَكِن قُولُوا بِمَ أَمر رَبنَا لِأَن الله سُبْحَانَهُ لَا يسْأَل عَمَّا يفعل لكَمَال عدله وحكمته لَا لمُجَرّد قهره وَقدرته خلافًا لجهم وشيعته وَقد قَالَ الطَّحَاوِيّ إِن الْعلم علمَان علم فِي الْخلق مَوْجُود وَعلم فِي الْخلق مَفْقُود فإنكار الْعلم الْمَوْجُود كفر وادعاء الْعلم الْمَفْقُود كفر وَلَا يثبت الْإِيمَان إِلَّا بِقبُول الْعلم الْمَوْجُود وَترك طلب الْعلم الْمَفْقُود انْتهى
وَيَعْنِي بِالْعلمِ الْمَفْقُود علم الْقدر الَّذِي طواه الله عَن أنامه ونهاهم عَن مرامه وَيَعْنِي بِالْعلمِ الْمَوْجُود علم الشَّرِيعَة أُصُولهَا وفروعها فَمن أنكر شَيْئا مِمَّا جَاءَ بِهِ الرَّسُول ﷺ كَانَ من الْكَافرين وَكَذَا من ادّعى علم الْغَيْب ثمَّ لَا يلْزم من خَفَاء حِكْمَة الله علينا عدمهَا فِي نفس الْأَمر فَمن الحكم المجهولة عندنَا خلق المؤذي من الْأَشْيَاء وإيلام الْأَطْفَال والأنبياء ثمَّ من عَلامَة مرض الْقلب عدوله عَن الأغذية النافعة الْمُوَافقَة إِلَى الأغذية الضارة وعدوله عَن دوائه النافع إِلَى دوائه الضار كَمَا عَلَيْهِ أَكثر الْفجار حَيْثُ يميلون عَن الْعُلُوم الشَّرْعِيَّة الإلهية إِلَى الْعُلُوم الطبيعية النفسية وَقد قَالَ ﷺ (إِن من الْعلم جهلا) وَقَالَ (أعوذ بِاللَّه من علم لَا ينفع
следующие страницы →