Полный текст (145 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
الْعلمَاء العاملين والمشايخ الكاملين الْمجمع على ديانتهم وَتَحْقِيق أمانتهم وتصديق إمامتهم عملا بقوله ﷺ (عَلَيْكُم بِالسَّوَادِ الْأَعْظَم) وَالْحَاصِل أَنه لَا يثبت قدم الْإِسْلَام إِلَّا على ظهر الاستسلام لكتاب الله وَسنة رَسُوله ﷺ فقد روى البُخَارِيّ عَن الزُّهْرِيّ أَنه قَالَ من الله الرسَالَة وعَلى الرَّسُول الْبَلَاغ وعلينا التَّسْلِيم وَهَذَا كَلَام جَامع نَافِع وَعَن جَمِيع الْبدع مَانع فَمن رام علم مَا أحظر عَن علمه وَلم يقنع بِالتَّسْلِيمِ بِمَا فهمه حجبه مرامه عَن خَالص التَّوْحِيد وصافي الْمعرفَة وصحيح التفريد وَلم يترق إِلَى مقَام التَّحْقِيق بل تنزل إِلَى حضيض التَّقْلِيد قَالَ تَعَالَى ﴿وَمن أضلّ مِمَّن اتبع هَوَاهُ بِغَيْر هدى من الله﴾ وَإِنَّمَا دخل الْفساد فِي الْعَالم من ثَلَاث فرق كَمَا قَالَ ابْن الْمُبَارك
стр. 37
(رَأَيْت الذُّنُوب تميت الْقُلُوب ... وَقد يُورث الذل إدمانها)
(وَترك الذُّنُوب حَيَاة الْقُلُوب ... وَخير لنَفسك إحسانها)
(وَهل أفسد الدّين إِلَّا الْمُلُوك ... وأحبار سوء ورهبانها)
فالملوك الْجَبَابِرَة يعترضون على الشَّرِيعَة بالسياسات الجائرة ويعارضونها بهَا ويقدمونها على حكم الله وَرَسُوله ﷺ وأحبار السوء هم الْعلمَاء الخارجون عَن الشَّرِيعَة بآرائهم وأقيستهم الْفَاسِدَة المتضمنة تَحْلِيل مَا حرم الله وَرَسُوله ﷺ وَتَحْرِيم مَا أَبَاحَهُ وَاعْتِبَار مَا ألغاه وإلغاء مَا اعْتَبرهُ وَإِطْلَاق مَا قَيده وَتَقْيِيد مَا أطلقهُ وَنَحْو ذَلِك والرهبان هم جهلة المتصوفة المعترضون على حقائق الْإِيمَان وَالْإِسْلَام ودقائق الشَّرِيعَة وَالْأَحْكَام بالأذواق والمواجيد الخيالية النفسانية والكشوفات الْبَاطِلَة الشيطانية المتضمنة شرع دين لم يَأْذَن بِهِ الله وَإِبْطَال دين شرع على لِسَان نبيه ﷺ والإعراض عَن حقائق الْإِيمَان بحظوظ النَّفس وخدع الشَّيْطَان فَقَالَ الْأَولونَ إِذا تَعَارَضَت السياسة وَالشَّرْع قدمنَا السياسة حفظا للرياسة وَقَالَ الْآخرُونَ إِذا تعَارض الْعقل وَالنَّقْل قدمنَا الْعقل لِأَن الْعقل يثبت النَّقْل وَقَالَ أَصْحَاب الذَّوْق إِذا تعَارض الْكَشْف وَظَاهر الشَّرْع قدمنَا الْكَشْف لِأَن الْخَبَر لَيْسَ كالمعاينة وَلم يدروا أَن أَخْبَار الله وَرَسُوله ﷺ فَوق مرتبه عيان الْخلق فَكيف بالكشف الَّذِي هُوَ مَحل اللّبْس وَلذَا ترى الكشوف مُخْتَلفَة وآثارها غير مؤتلفة فَكل من قَالَ بِرَأْيهِ أَو ذوقه أَو سياسته مَعَ وجود النَّص أَو عَارض النَّص بالمعقول فقد ضاهى إِبْلِيس حَيْثُ لم يسلم لأمر ربه بل قَالَ ﴿أَنا خير مِنْهُ خلقتني من نَار وخلقته من طين﴾
стр. 38
) وَقد قَالَ تَعَالَى ﴿من يطع الرَّسُول فقد أطَاع الله﴾ وَقَالَ ﴿قل إِن كُنْتُم تحبون الله فَاتبعُوني يحببكم الله﴾ وَقَالَ ﴿فَلَا وَرَبك لَا يُؤمنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوك فِيمَا شجر بَينهم ثمَّ لَا يَجدوا فِي أنفسهم حرجا مِمَّا قضيت ويسلموا تَسْلِيمًا﴾
فالدائر الحائر بَين الْمَنْقُول والمعقول يتذبذب بَين الْكفْر وَالْإِيمَان والتصديق والتكذيب وَالْإِقْرَار وَالْإِنْكَار موسوسا تائها شاكا زائغا لَا مُؤمنا مُصدقا وَلَا جاحدا مُكَذبا كَمَا قَالَ الطَّحَاوِيّ فَإِن قيل كَيفَ يَتَأَتَّى الندامة وَالتَّوْبَة والملامة مَعَ شُهُود الْحِكْمَة فِي التَّقْدِير مَعَ شُهُود القيومية والمشيئة النافذة قيل هَذَا هُوَ الَّذِي أوقع من عميت بصيرته فِي شُهُود الْأَمر على مَا هُوَ عَلَيْهِ فَرَأى تِلْكَ الْأَفْعَال طاعات لموافقته فِيهَا الْقدر والمشيئة وَقَالَ إِن عصيت أمره فقد أَطَعْت إِرَادَته كَمَا قَالَ قَائِلهمْ شعر
(أَصبَحت منفعلا لما يختاره ... مني ففعلي كُله طاعات)
وَهَؤُلَاء أعمى الْخلق بصائر وأجهلهم بِاللَّه وَأَحْكَامه الدُّنْيَوِيَّة والكونية
стр. 39
فَإِن الطَّاعَة هِيَ مُوَافقَة الْأَمر الديني الشَّرْعِيّ لَا مُوَافقَة الْقدر والمشيئة وَلَو كَانَ مُوَافقَة الْقدر طَاعَة لَكَانَ إِبْلِيس من أعظم المطيعين وَالْحَاصِل أَن هَذَا لَيْسَ بِطَاعَة صدرت عَن إطاعة بل انقياد للعبودية واستسلام تَحت أَحْكَام الربوبية كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿وَله أسلم من فِي السَّمَاوَات وَالْأَرْض طَوْعًا وَكرها وَإِلَيْهِ يرجعُونَ﴾ وزبدة الْكَلَام فِي هَذَا الْمقَام أَن العَبْد إِذا شهد عجز نَفسه ونفوذ الأقدار بِهِ وَكَمَال فقره إِلَى ربه وَعدم استغنائه عَن عصمته وَحفظه طرفَة عين كَانَ بِاللَّه فِي هَذِه الْحَال لَا بِنَفسِهِ فِي الْأَفْعَال فوقوع الذَّنب مِنْهُ حِينَئِذٍ كالمحال فَإِن عَلَيْهِ حصنا حصينا من مقَام (بِي يسمع وَبِي يبصر وَبِي يبطش وَبِي يمشي) فَإِذا حجب عَن هَذَا المشهد وَبَقِي بِنَفسِهِ استولى عَلَيْهِ حكم نَفسه فهناك نصبت عَلَيْهِ الشباك والأشراك وَأرْسلت عَلَيْهِ الصيادون فَإِذا انقشع عَنهُ ضباب ذَلِك الْوُجُود الطبيعي وَانْفَتح لَهُ بَاب الشُّهُود الشَّرْعِيّ بِحَضْرَة الندامة وَالتَّوْبَة والملامة والإنابة فَإِنَّهُ كَانَ فِي الْمعْصِيَة محجوبا بِنَفسِهِ عَن ربه فَلَمَّا فَارق ذَلِك الْوُجُود صَار فِي وجود آخر فَبَقيَ بربه لَا بِنَفسِهِ وَإِلَيْهِ الْإِشَارَة فِي حَدِيث (لَا يَزْنِي الزَّانِي وَهُوَ
стр. 40
مُؤمن) وسر الْقدر يخفى عَن الْبشر فَفِي الْإِنْجِيل يَا بني إِسْرَائِيل لَا تَقولُوا لم أَمر رَبنَا وَلَكِن قُولُوا بِمَ أَمر رَبنَا لِأَن الله سُبْحَانَهُ لَا يسْأَل عَمَّا يفعل لكَمَال عدله وحكمته لَا لمُجَرّد قهره وَقدرته خلافًا لجهم وشيعته وَقد قَالَ الطَّحَاوِيّ إِن الْعلم علمَان علم فِي الْخلق مَوْجُود وَعلم فِي الْخلق مَفْقُود فإنكار الْعلم الْمَوْجُود كفر وادعاء الْعلم الْمَفْقُود كفر وَلَا يثبت الْإِيمَان إِلَّا بِقبُول الْعلم الْمَوْجُود وَترك طلب الْعلم الْمَفْقُود انْتهى
وَيَعْنِي بِالْعلمِ الْمَفْقُود علم الْقدر الَّذِي طواه الله عَن أنامه ونهاهم عَن مرامه وَيَعْنِي بِالْعلمِ الْمَوْجُود علم الشَّرِيعَة أُصُولهَا وفروعها فَمن أنكر شَيْئا مِمَّا جَاءَ بِهِ الرَّسُول ﷺ كَانَ من الْكَافرين وَكَذَا من ادّعى علم الْغَيْب ثمَّ لَا يلْزم من خَفَاء حِكْمَة الله علينا عدمهَا فِي نفس الْأَمر فَمن الحكم المجهولة عندنَا خلق المؤذي من الْأَشْيَاء وإيلام الْأَطْفَال والأنبياء ثمَّ من عَلامَة مرض الْقلب عدوله عَن الأغذية النافعة الْمُوَافقَة إِلَى الأغذية الضارة وعدوله عَن دوائه النافع إِلَى دوائه الضار كَمَا عَلَيْهِ أَكثر الْفجار حَيْثُ يميلون عَن الْعُلُوم الشَّرْعِيَّة الإلهية إِلَى الْعُلُوم الطبيعية النفسية وَقد قَالَ ﷺ (إِن من الْعلم جهلا) وَقَالَ (أعوذ بِاللَّه من علم لَا ينفع
стр. 41
وقلب لَا يخشع) ثمَّ أَنْفَع الأغذية غذَاء الْإِيمَان وأنفع الْأَدْوِيَة دَوَاء الْقُرْآن فَمن طلب الشِّفَاء من غير الْكتاب وَالسّنة فَهُوَ من أَجْهَل الْجَاهِلين وأضل الضَّالّين ثمَّ من المعتقد الْمُعْتَمد كَونه تَعَالَى لَا دَاخل الْعَالم وَلَا خَارجه كَمَا كَانَ قبل خلق الموجودات وَظُهُور الكائنات وَأما القَوْل بِأَنَّهُ غير مُتَّصِل بالعالم وَغير مُنْفَصِل عَنهُ فَغير مَقْبُول فَكيف بالاتصال من وَجه وبالانفصال من وَجه مَعَ أَنه يلْزم مِنْهُ أَن يكون بارئ النسمات محلا للخسائس والقاذورات فَكَمَا أَنه تَعَالَى منزه عَن أَن يكون لَهُ مَكَان فمنزه عَن أَن يكون مَكَانا لغيره وَإِنَّمَا مَال هَذَا الْقَائِل بالإلحاد وَالْبَاطِل إِلَى مَذْهَب الفلاسفة المسمون عِنْد من يعظمهم بالحكماء وهم أسفه السُّفَهَاء حَيْثُ ذَهَبُوا إِلَى أَن الله سُبْحَانَهُ وجود مُجَرّد لَا مَاهِيَّة لَهُ وَلَا حَقِيقَة لَهُ فَلَا يعلم الجزئيات بِأَعْيَانِهَا وكل مَوْجُود فِي الْخَارِج فَهُوَ جزئي وَلَا يفعل عِنْدهم بقدرته ومشيئته وَإِنَّمَا الْعَالم عِنْدهم لَازم لَهُ أزلا وَإِن سموهُ مَفْعُولا فمصانعة وَمُصَالَحَة للْمُسلمين فِي اللَّفْظ وَلَيْسَ عِنْدهم بمفعول وَلَا مَخْلُوق وَلَا مَقْدُور عَلَيْهِ وينفون عَنهُ سَمعه وبصره وَسَائِر صِفَاته فَهَذَا إِيمَانهم بِاللَّه سُبْحَانَهُ وَعَن أبي حنيفَة ﵀ أَنه قَالَ لَا يَنْبَغِي لأحد أَن ينْطق فِي ذَات الله بِشَيْء بل يصفه بِمَا وصف بِهِ نَفسه ثمَّ الحذر الحذر من أَن يتَوَهَّم أَن من أَخطَأ فِي عقيدته يكون
стр. 42
مَعْذُورًا بل بِاتِّفَاق الْمُسلمين يكون موزورا ثمَّ تَأْوِيلهَا بَاطِلَة على وَجه يُوَافق قَول أهل الْحق هَل يفِيدهُ أم لَا فَفِيهِ خلاف مَشْهُور فَإِن طوائف من أهل الْكَلَام وَالْفِقْه والْحَدِيث يَقُولُونَ بِكُفْرِهِ وَإِن كَانَ متأولا فِي نَفسه وَقَالَ شَارِح عقيدة الطَّحَاوِيّ إِن مَذْهَب الجهم بن صَفْوَان أَن الْإِيمَان هُوَ الْمعرفَة بِالْقَلْبِ فَقَط فلازمه أَن فِرْعَوْن وَقَومه كَانُوا مُؤمنين عِنْده فَإِنَّهُم عرفُوا صدق مُوسَى وَهَارُون عَلَيْهِمَا الصَّلَاة وَالسَّلَام وَلم يُؤمنُوا بهما وَلذَا قَالَ مُوسَى لفرعون ﴿لقد علمت مَا أنزل هَؤُلَاءِ إِلَّا رب السَّمَاوَات وَالْأَرْض بصائر﴾ وَكَذَا أهل الْكتاب كَانُوا يعْرفُونَ النَّبِي ﷺ كَمَا يعْرفُونَ أَبْنَاءَهُم وَلم يَكُونُوا مُؤمنين بل كَافِرين معاندين وَكَذَا أَبُو طَالب
فَإِنَّهُ قَالَ شعر
(وَلَقَد علمت بِأَن دين مُحَمَّد ... من خير أَدْيَان الْبَريَّة دينا)
(لَوْلَا الْمَلَامَة أَو حذار مسَبَّة ... لَوَجَدْتنِي سَمحا بِذَاكَ متينا)
بل يكون إِبْلِيس مُؤمنا عِنْد الجهم فَإِنَّهُ لم يجهل ربه بل هُوَ عَارِف بِهِ ﴿قَالَ رب فأنظرني إِلَى يَوْم يبعثون﴾ ﴿قَالَ رب بِمَا أغويتني﴾ ﴿قَالَ فبعزتك لأغوينهم أَجْمَعِينَ﴾ وَالْكفْر عِنْد الجهم هُوَ الْجَهْل بالرب تَعَالَى وَلَا أحد أَجْهَل مِنْهُ بربه فَإِنَّهُ جعله الْوُجُود الْمُطلق وسلب عَنهُ جَمِيع صِفَاته وَلَا جهل أَكثر من هَذَا فَيكون كَافِرًا بِشَهَادَتِهِ على نَفسه وَكَانَ الجهم بخراسان وَأظْهر مقَالَته هُنَاكَ وَتَبعهُ عَلَيْهَا جمع بعد أَن ترك الصَّلَاة أَرْبَعِينَ
стр. 43
يَوْمًا شكا فِي ربه وَكَانَ ذَلِك لمناظرته قوما من الْمُشْركين يُقَال لَهُم السمنية فلاسفة الْهِنْد الَّذين يُنكرُونَ من الْعُلُوم مَا سوى الحسيات قَالُوا لَهُ هَذَا رَبك الَّذِي تعبده هَل يرى أَو يشم أَو يذاق أَو يلمس فَقَالَ لَا فَقَالُوا هُوَ مَعْدُوم فَبَقيَ أَرْبَعِينَ يَوْمًا لَا يعبد شَيْئا ثمَّ لما خلا قلبه من معبود تألهه نقش الشَّيْطَان اعتقادا تَحت فكره فَقَالَ إِنَّه الْوُجُود الْمُطلق وَنفى جَمِيع الصِّفَات وَقد تنَازع الْعلمَاء فِي الْجَهْمِية هَل هم من الاثنتين وَسبعين فرقة أم لَا ثمَّ اعْلَم أَن المعتقد الْحق أَن الْجنَّة وَالنَّار لَا تفنيان وأدلتهما مَمْلُوء مِنْهَا الْكتاب وَالسّنة وَقيل تبقى الْجنَّة وتفنى النَّار قَالَ شَارِح عقيدة الطَّحَاوِيّ وَهُوَ قَول جمَاعَة من السّلف وَالْخلف مَذْكُور فِي كثير من كتب التَّفْسِير وَغَيرهَا انْتهى وَهَذَا غير مَشْهُور وَلَا مَذْكُور كَمَا لَا يخفى وعَلى تَقْدِير ثُبُوته يكون مَحْمُولا على طبقَة مُخْتَصَّة بعصات الْمُؤمنِينَ دون الْكَافرين وَمِمَّا يدل على هَذَا التَّأْوِيل إِطْلَاق نَقله عَن ابْن عمر وَابْن مَسْعُود وَأبي هُرَيْرَة وَأبي سعيد وَغَيرهم ثمَّ قَالَ وَقد روى عبد بن حميد فِي تَفْسِيره الْمَشْهُور بِسَنَدِهِ إِلَى عمر ﵁ أَنه قَالَ لَو لبث أهل النَّار فِي النَّار كَقدْر رمل عالج لَكَانَ لَهُم على ذَلِك وَقت يخرجُون فِيهِ وَقيل بِفنَاء الْجنَّة وَالنَّار وقائله الجهم بن صَفْوَان إِمَام المعطلة
стр. 44
وَأنْكرهُ عَلَيْهِ عَامَّة أهل السّنة وكفروه بِهِ وَأَبُو الهزيل العلاف شيخ الْمُعْتَزلَة وَافقه على هَذَا ثمَّ قَالَ الشَّارِح فللناس فِي أبدية النَّار ودوامها أَقْوَال مِنْهَا أَن أَهلهَا يُعَذبُونَ فِيهَا إِلَى وَقت مَحْدُود ثمَّ يخرجُون مِنْهَا ويخلفهم فِيهَا قوم آخَرُونَ وَهَذَا القَوْل حَكَاهُ الْيَهُود للنَّبِي ﷺ وأكذبهم فِيهِ وَقد أكذبهم الله بقوله ﴿وَقَالُوا لن تمسنا النَّار إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَة﴾ الْآيَة وَمِنْهَا أَن أَهلهَا يخرجُون مِنْهَا وَتبقى على حَالهَا لَيْسَ فِيهَا أحد وَمِنْهَا أَنَّهَا تفنى بِنَفسِهَا لِأَنَّهَا حَادِثَة وَمَا ثَبت حُدُوثه اسْتَحَالَ بَقَاؤُهُ وَهَذَا قَول الجهم وشيعته وَلَا فرق عِنْده فِي ذَلِك بَين الْجنَّة وَالنَّار كَمَا تقدم وَالْجَوَاب عَن شبهته أَن بَقَاء الْجنَّة وَالنَّار لَيْسَ لذاتهما بل بإبقاء الله تَعَالَى لَهما وَمِنْهَا أَنَّهَا تفنى حركات أَهلهَا ويصيرون جمادا لَا يحسون بألم وَهَذَا قَول أبي الهزيل مِمَّن وَافق الجهم فِي أَصله وَخَالفهُ فِي فروعه وَمِنْهَا أَن أَهلهَا يُعَذبُونَ فِيهِ ثمَّ تنْقَلب طبيعتهم وَتبقى طبيعة نارية يتلذذون بهَا لموافقتها لطبعهم وَهَذَا قَول إِمَام الاتحادية ابْن عَرَبِيّ الطَّائِي انْتهى وَهَذِه الْأَقْوَال ظَاهِرَة الْبطلَان مُخَالفَة للْكتاب وَالسّنة وَمذهب أهل السّنة وَالْجَمَاعَة وَمِمَّا يدل على بطلَان القَوْل الْأَخير قَوْله
стр. 45
تَعَالَى ﴿كلما نَضِجَتْ جُلُودهمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيرهَا ليذوقوا الْعَذَاب﴾ وَقَوله تَعَالَى ﴿فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدكُمْ إِلَّا عذَابا﴾ وَقَوله ﴿وَلَا يُخَفف عَنْهُم من عَذَابهَا﴾ وَقَوله ﴿وَلَهُم عَذَاب مُقيم﴾ وَقَوله ﴿لَا يفتر عَنْهُم وهم فِيهِ مبلسون﴾ أَي حائرون آيسون ثمَّ اعْلَم أَن الجهم هَذَا هُوَ ابْن صَفْوَان التِّرْمِذِيّ رَئِيس الجبرية الْقَائِلين بِأَن التَّدْبِير فِي أَفعَال الْخلق كلهَا لله تَعَالَى وَهِي كلهَا اضطرارية كحركات المرتعش وَالْعُرُوق النابضة وحركات الْأَشْجَار وإضافتها إِلَى الْخلق مجَاز وَهِي على حسب مَا يُضَاف الشَّيْء إِلَى مَحَله دون مَا يُضَاف إِلَى محصله وقابلتهم الْمُعْتَزلَة فَقَالُوا إِن جَمِيع الْأَفْعَال الاختيارية مَعَ جَمِيع الْحَيَوَان بخلقها لَا تعلق لَهَا بِخلق الله تَعَالَى وَاخْتلفُوا فِيمَا بَينهم أَن الله تَعَالَى يقدر على أَفعَال الْعباد أم لَا وَقَالَ أهل الْحق أَفعَال الْعباد بهَا صَارُوا مُطِيعِينَ وعصاة وَهِي مخلوقة لله تَعَالَى وَالْحق سُبْحَانَهُ مُنْفَرد بِخلق الْمَخْلُوقَات لَا خَالق لَهَا سواهُ فالجبرية غلوا فِي إِثْبَات الْقدر فنفوا صنع العَبْد أصلا كَمَا غلت المشبهة فِي إِثْبَات الصِّفَات فشبهوا والقدرية نفاة الْقدر جعلُوا الْعباد خالقين مَعَ الله تَعَالَى (وَلِهَذَا كَانُوا مجوس هَذِه الْأمة) بل أردى من الْمَجُوس من حَيْثُ إِن الْمَجُوس أثبتوا خالقين
стр. 46
وهم أثبتوا خالقين وَهدى الله أهل السّنة لما اخْتلفُوا فِيهِ من الْحق بِإِذْنِهِ وَالله يهدي من يشآء إِلَى صِرَاط مُسْتَقِيم وَلَيْسَ هَذِه الرسَالَة مَوضِع بسط الْأَدِلَّة وَأما مَا اسْتدلَّ بِهِ الجبرية من قَوْله تَعَالَى ﴿وَمَا رميت إِذْ رميت وَلَكِن الله رمى﴾ فَهُوَ دَلِيل عَلَيْهِم لِأَنَّهُ سُبْحَانَهُ أثبت لرَسُوله ﷺ رميا بقوله إِذْ رميت فَعلم أَن الْمُثبت غير الْمَنْفِيّ وَذَلِكَ أَن الرَّمْي لَهُ ابْتِدَاء وانتهاء فابتداؤه الْحَذف وانتهاؤه الْإِصَابَة وكل مِنْهُمَا يُسمى رميا أَو يُقَال الْمَعْنى وَمَا رميت خلقا إِذْ رميت كسبا وَلَكِن الله رمى حَيْثُ خلقك وَخلق أَسبَاب الرَّمْي لَك وَقُوَّة الْكسْب فِيك وَهَذَا هُوَ عين معنى جمع الْجمع الَّذِي عَلَيْهِ السَّادة الصُّوفِيَّة الرضية السّنيَّة السّنيَّة وَفِي العقيدة الطحاوية أَن نَبيا وَاحِدًا أفضل من جَمِيع الْأَوْلِيَاء قَالَ شارحها يُشِير الشَّيْخ ﵀ إِلَى الرَّد على الاتحادية
стр. 47
وجهلة المتصوفة مِمَّن يظنّ أَنه يصل برياضته واجتهاده فِي عِبَادَته وتصفية نَفسه إِلَى مَا وصلت إِلَيْهِ الْأَنْبِيَاء وَمِنْهُم من يَقُول إِن الْأَنْبِيَاء وَالرسل إِنَّمَا يَأْخُذُونَ الْعلم بِاللَّه من مشكاة خَاتم الْأَوْلِيَاء وَيَدعِي لنَفسِهِ أَنه خَاتم الْأَوْلِيَاء وَيكون ذَلِك الْعلم حَقِيقَة قَول فِرْعَوْن وَهُوَ أَن هَذَا الْمَوْجُود الْمَشْهُود وَاجِب بِنَفسِهِ لَيْسَ لَهُ صانع مباين لَهُ لَكِن هَذَا يَقُول هُوَ الله وَفرْعَوْن أظهر الْإِنْكَار بِالْكُلِّيَّةِ لَكِن كَانَ فِرْعَوْن فِي الْبَاطِن أعرف بِاللَّه مِنْهُم فَإِنَّهُ كَانَ مثبتا للصانع وَهَؤُلَاء ظنُّوا أَن الْمَوْجُود الْمَخْلُوق هُوَ الْمَوْجُود الْخَالِق كَابْن عَرَبِيّ وَأَمْثَاله وَهُوَ لما رأى أَن الشَّرْع الظَّاهِر لَا سَبِيل إِلَى تَغْيِيره قَالَ النُّبُوَّة ختمت لَكِن الْولَايَة لم تختم وَادّعى من الْولَايَة مَا هُوَ أعظم من النُّبُوَّة وَمَا يكون للأنبياء وَالْمُرْسلِينَ والأنبياء يستفيدون مِنْهَا كَمَا قَالَ شعر
(مقَام النُّبُوَّة فِي برزخ ... فويق الرَّسُول وَدون الْوَلِيّ)
وَهَذَا قلب للشريعة فَإِن الْولَايَة ثَابِتَة للْمُؤْمِنين كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿أَلا إِن أَوْلِيَاء الله لَا خوف عَلَيْهِم وَلَا هم يَحْزَنُونَ الَّذين آمنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ والنبوة أخص من الْولَايَة والرسالة أخص من النُّبُوَّة وَقَالَ ابْن عَرَبِيّ أَيْضا فِي فصوصه لما مثل النَّبِي ﷺ النُّبُوَّة بِالْحَائِطِ من اللَّبن فرآها قد كملت إِلَّا
стр. 48
مَوضِع اللبنة وَكَانَ هُوَ ﷺ مَوضِع اللبنة وَأما خَاتم الْأَوْلِيَاء فَلَا بُد لَهُ من هَذِه الرُّؤْيَة فَيرى مَا مثله بِهِ النَّبِي ﷺ وَيرى نَفسه فِي الْحَائِط مَوضِع لبنتين وَيرى نَفسه تنطبع فِي مَوضِع لبنتين فيكمل الْحَائِط وَالسَّبَب الْمُوجب لكَونه يَرَاهَا لبنتين أَن الْحَائِط لَهُ لبنة من فضَّة ولبنة من ذهب واللبنة الْفضة هِيَ ظَاهره وَمَا يتبعهُ فِيهِ من الْأَحْكَام كَمَا هُوَ آخذ عَن الله تَعَالَى فِي السِّرّ مَا هُوَ فِي الصُّورَة الظَّاهِرَة مُتبع فِيهِ لِأَنَّهُ يرى الْأَمر على مَا هُوَ عَلَيْهِ فَلَا بُد أَن يرَاهُ هَكَذَا وَهُوَ مَوضِع اللبنة الذهبية فِي الْبَاطِن فَإِنَّهُ يَأْخُذ من الْمَعْدن الَّذِي يَأْخُذ مِنْهُ الْملك الَّذِي يوحي بِهِ إِلَى الرَّسُول قَالَ فَإِن فهمت مَا أَشَرنَا إِلَيْهِ فقد حصل لَك الْعلم النافع قَالَ الشَّارِح فَمن ضرب لنَفسِهِ الْمثل بلبنة ذهب وَلِلرَّسُولِ بلبنة فضَّة فَيجْعَل نَفسه أَعلَى وَأفضل من الرَّسُول ﷺ ﴿تِلْكَ أمانيهم﴾ ﴿إِن فِي صُدُورهمْ إِلَّا كبر مَا هم ببالغيه﴾ وَكَيف يخفى كفر من هَذَا كَلَامه وَله من الْكَلَام أَمْثَال هَذَا وَفِيه مَا يخفى مِنْهُ الْكفْر فَلهَذَا يحْتَاج إِلَى نقد جيد ليظْهر زيفه فَإِن من الزغل مَا يظْهر لكل ناقد وَمِنْه مَا لَا يظْهر إِلَّا للناقد الحاذق الْبَصِير وَكفر ابْن عَرَبِيّ وَأَمْثَاله فَوق كفر الْقَائِلين لن نؤمن حَتَّى نؤتى مثل مَا أُوتِيَ رسل الله وَلَكِن ابْن عَرَبِيّ وَأَمْثَاله مُنَافِقُونَ زنادقة اتحادية فِي الدَّرك الْأَسْفَل من النَّار والمنافقون يعاملون مُعَاملَة الْمُسلمين
стр. 49
لإظهارهم الْإِسْلَام كَمَا كَانَ يظْهر المُنَافِقُونَ الْإِسْلَام فِي حَيَاة النَّبِي ﷺ ويبطنون الْكفْر وَهُوَ يعاملهم مُعَاملَة الْمُسلمين لما يظْهر مِنْهُم فَلَو أَنه ظهر من أحد مِنْهُم مَا يبطنه من الْكفْر لأجرى عَلَيْهِم حكم الْمُرْتَد وَالله الْمُسْتَعَان وَأما قَول بعض الجهلة إِن الْفُقَرَاء يسلم إِلَيْهِم حَالهم فَكَلَام بَاطِل بل الْوَاجِب عرض أَحْوَالهم وأفعالهم على الشَّرِيعَة المحمدية وعَلى الْكتاب وَالسّنة النَّبَوِيَّة فَمَا وافقها قبل وَمَا خالفها رد كَمَا ورد (من أحدث فِي أمرنَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رد) فَلَا طَريقَة إِلَّا طَريقَة الرَّسُول ﷺ وَلَا شَرِيعَة إِلَّا شَرِيعَته وَلَا حَقِيقَة إِلَّا حَقِيقَته وَلَا عقيدة إِلَّا عقيدته وَلَا يصل أحد من الْخلق بعده إِلَى الْحق وَلَا إِلَى رضوانه وجنته وكرامته إِلَّا بمتابعة رَسُوله ﷺ ظَاهرا وَبَاطنا وَمن لم يكن لَهُ مُصدقا فِيمَا أخبر مُلْتَزما لطاعته فِيمَا أَمر من الْأُمُور الْبَاطِنَة الَّتِي فِي الْقُلُوب والأعمال الظَّاهِرَة الَّتِي على الْأَبدَان لم يكن مُؤمنا فضلا عَن أَن يكون وليا وَلَو طَار فِي الْهَوَاء وَسَار فِي المَاء وَأنْفق من الْغَيْب وَأخرج الذَّهَب من الْغَيْب وَلَو حصل من الخوارق مَاذَا عَسى أَن يحصل فَإِنَّهُ لَا يكون مَعَ تَركه الْفِعْل الْمَأْمُور وَترك الْمَحْظُور إِلَّا من أهل الْأَحْوَال الشيطانية المبعدة لصَاحِبهَا عَن الله تَعَالَى وبابه المقربة إِلَى سخطه وعقابه وَأما من اعْتقد من بعض البله والمولهين مَعَ تَركه لمتابعة
стр. 50
الرَّسُول ﷺ فِي أَقْوَاله وأفعاله وأحواله أَنه من أَوْلِيَاء الله فَهُوَ ضال مُبْتَدع مُخطئ فِي اعْتِقَاده فَإِن ذَلِك الأبله إِمَّا أَن يكون شَيْطَانا زندقيا أَو مزورا كَاذِبًا متخيلا أَو مَجْنُونا مبذورا وَلَا يُقَال يُمكن أَن يكون هَذَا مُتبعا فِي الْبَاطِن وَإِن كَانَ تَارِكًا لِلِاتِّبَاعِ فِي الظَّاهِر فَإِن هَذَا خطأ أَيْضا بل الْوَاجِب مُتَابعَة الرَّسُول ﷺ ظَاهرا وَبَاطنا والطائفة الملامية وهم الَّذين يَفْعَلُونَ مَا يلامون عَلَيْهِ وَيَقُولُونَ نَحن متبعون فِي الْبَاطِن ويقصدون إخفاء أَعْمَالهم ضالون مبتدعون مخطئون فِي فعلهم مَا يلامون عَلَيْهِ وهم عكس المرائين ردوا باطلهم بباطل آخر والصراط الْمُسْتَقيم بَين ذَلِك وَكَذَلِكَ الَّذين يصعقون عِنْد سَماع الْأَنْغَام الْحَسَنَة مبتدعون ضالون وَلَيْسَ للْإنْسَان أَن يَسْتَدْعِي مَا يكون سَبَب زَوَال عقله وَلم يكن فِي الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ من يفعل ذَلِك وَلَو عِنْد سَماع الْقُرْآن بل كَانُوا كَمَا وَصفهم الله ﴿إِذا ذكر الله وجلت قُلُوبهم﴾ وَمَا يحصل لبَعْضهِم عِنْد سَماع الْأَنْغَام المطربة من الهذيان وَتكلم بِبَعْض اللُّغَات الْمُخَالفَة لِلِسَانِهِ الْمَعْرُوف مِنْهُ فَذَلِك شَيْطَان يتَكَلَّم على لِسَانه كَمَا يتَكَلَّم على لِسَان المصروع وَذَلِكَ كُله من الْأَحْوَال الشيطانية وَأما من يتَعَلَّق بِقصَّة مُوسَى مَعَ الْخضر ﵉ فِي تَجْوِيز الِاسْتِغْنَاء عَن الْوَحْي بِالْعلمِ اللدني الَّذِي يَدعِيهِ بعض من عدم التَّوْفِيق فَهُوَ ملحد زنديق فَإِن مُوسَى ﵇ لم يكن مَبْعُوثًا إِلَى الْخضر وَلم يكن الْخضر مَأْمُورا بمتابعته وَلِهَذَا قَالَ لَهُ أَنْت مُوسَى بني إِسْرَائِيل قَالَ نعم وَمُحَمّد ﷺ مَبْعُوث
стр. 51
إِلَى الثقلَيْن بل إِلَى جَمِيع أهل الكونين وَلَو كَانَ مُوسَى حَيا لما وَسعه إِلَّا اتِّبَاعه وَإِذا نزل عِيسَى إِلَى الأَرْض إِنَّمَا يحكم بشريعة مُحَمَّد ﷺ فَمن ادّعى أَنه مَعَ مُحَمَّد كالخضر مَعَ مُوسَى أَو جوز ذَلِك لأحد من الْأمة فليجدد إِسْلَامه وَأما الَّذين يعْبدُونَ بالرياضات والخلوات ويتركون الْجمع وَالْجَمَاعَات فهم من الَّذين ضل سَعْيهمْ فِي الْحَيَاة الدُّنْيَا وهم يحسبون أَنهم يحسنون صنعا وكل من عدل عَن اتِّبَاع الْكتاب وَالسّنة إِن كَانَ عَالما فَهُوَ مغضوب عَلَيْهِ وَإِلَّا فَهُوَ ضال وَلِهَذَا شرع الله تَعَالَى لنا أَن نَسْأَلهُ فِي كل صَلَاة أَن يهدينا الصِّرَاط الْمُسْتَقيم صِرَاط الَّذين أَنْعَمت عَلَيْهِم من
стр. 52
النَّبِيين وَالصديقين وَالشُّهَدَاء وَالصَّالِحِينَ غير المغضوب عَلَيْهِ وَلَا الضَّالّين وَقد ثَبت عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ (الْيَهُود مغضوب عَلَيْهِم وَالنَّصَارَى ضالون) وَقَالَ طَائِفَة من السّلف من انحرف من الْعلمَاء فَفِيهِ شبه من الْيَهُود وَمن انحرف من الْعباد فَفِيهِ شبه من النَّصَارَى وَلِهَذَا تَجِد أَكثر المنحرفين من أهل الْكَلَام من الْمُعْتَزلَة وَنَحْوهم فِيهِ شبه من الْيَهُود حَتَّى إِن عُلَمَاء الْيَهُود يقرأون كتب شُيُوخ الْمُعْتَزلَة ويستحسنون طريقتهم وَكَذَا شُيُوخ الْعباد وَنَحْوهم فِيهِ شبه من النَّصَارَى وَلِهَذَا يميلون إِلَى نوع من الرهبانية والحلول والاتحاد وَسَائِر أَنْوَاع الْفساد فِي الِاعْتِقَاد وَالله رؤوف بالعباد وَقد ذكر ابْن الْمقري صَاحب الْإِرْشَاد فِي متن الرَّوْضَة أَن من شكّ فِي تَكْفِير الْيَهُود وَالنَّصَارَى وَطَائِفَة ابْن عَرَبِيّ كفر قَالَ شَارِحه الشَّيْخ زَكَرِيَّا أَي الَّذين ظَاهر كَلَامهم عِنْد غَيرهم الِاتِّحَاد وَغَيره وَهُوَ بِحَسب مَا فهمه كبعضهم من ظَاهر كَلَامهم وَالْحق أَنهم مُسلمُونَ أخيار وَكَلَامهم جَار على اصطلاحهم كَسَائِر الصُّوفِيَّة وَهُوَ حَقِيقَة عِنْدهم فِي مُرَادهم وَإِن افْتقر عِنْد غَيرهم مِمَّن لَو اعْتقد ظَاهره كفر إِلَى تَأْوِيل لِأَن اللَّفْظ المصطلح عَلَيْهِ حَقِيقَة فِي مَعْنَاهُ الاصطلاحي مجَاز فِي
стр. 53
غَيره فالمعتقد مِنْهُم مُعْتَقد لِمَعْنى صَحِيح انْتهى
وَلَا يخفى أَن اصطلاحهم على تَقْدِير الْوُجُود لَهُم مُخَالف لمصطلح الصُّوفِيَّة فَإِن مِنْهُم من كفره كَمَا قدمْنَاهُ عَن الشَّيْخ عَلَاء الدّين السمناني وَغَيره من الأكابر مَعَ أَن ابْن عَرَبِيّ صرح بِنَفسِهِ أَن كَلَامه هَذَا لَيْسَ فِيهِ تَأْوِيل ثمَّ هَل يجوز لمُسلم أَن يَجْعَل مصطلحا مُخَالفا للقواعد الْعَرَبيَّة الَّتِي نزل بهَا الْقُرْآن وَوَقع بهَا السّنة فتنقلب الْحَقِيقَة اللُّغَوِيَّة الْمُطَابقَة للقواعد الشَّرْعِيَّة مَعَاني مجازية والاصطلاحات المحدثة حَقِيقَة عرفية هَل لمُسلم أَن يَقُول صدق فِرْعَوْن فِي قَوْله أَنا ربكُم الْأَعْلَى فَإِن المُرَاد بالرب هُنَا الْملك وَهُوَ كَانَ سُلْطَان سلاطينهم وَكَذَا قَوْله رسل الله الله أعلم مُبْتَدأ وَخبر مَعَ أَن هَذَا الْكَلَام لَيْسَ على مُقْتَضى اصْطِلَاح لَهُم فِي هَذَا الْمقَام بل إلحاد وزندقة فِيمَا قَصده من المرام ثمَّ قَوْله وَقد نَص على ولَايَة ابْن عَرَبِيّ جمَاعَة عارفون بِاللَّه مِنْهُم ابْن عَطاء الله وَالشَّيْخ
стр. 54
اليافعي مَدْفُوع بإنكار شيخ الْإِسْلَام عز الدّين بن عبد السَّلَام وَغَيره من الْعلمَاء الْأَعْلَام والمشايخ الفخام وتصريحهم بِأَنَّهُ زنديق فالجمع بَينهمَا أَن الْأَوَّلين مَا تأملوا كَلَامه وَلَا عرفُوا مقَامه وَلَا حققوا مرامه وعَلى تَقْدِير التنزل فِي الْأَمر بِأَن التَّعَارُض مُوجب للتساقط الْمُقْتَضِي لعدم الْكفْر فَنحْن نحكم بِالظَّاهِرِ وَالله أعلم بالسرائر فَقَوْل الشَّارِح الْحق بَاطِل بِلَا مرية فِيهِ إِذْ لَيْسَ بعد الْحق إِلَّا الضلال وَهُوَ يُوجب تضليل أَرْبَاب الْكَمَال وَالله أعلم بالأحوال وَمن اطلع على مباحثه فِي الفصوص والفتوحات المكية جزم أَنه لم يتَكَلَّم على مصطلحات الصُّوفِيَّة بل أوردهَا على قَوَاعِد الْعَرَبيَّة وَأما قَول الشَّارِح إِنَّه رُبمَا وَقع عَنهُ كَلِمَات فِي حَال السكر والمحو فمردود بِأَن تِلْكَ الْكَلِمَات لم تؤلف إِلَّا فِي وَقت الشُّعُور والصحو على أَن هَذَا الشَّرْح وَالْجَوَاب لَيْسَ مطابقا لما فِي الْكتاب إِذْ لم يتَعَرَّض الماتن إِلَى نفس ابْن عَرَبِيّ لاحْتِمَال مَوته على دين النَّبِي ﷺ وَإِنَّمَا قَالَ وطائفته مِمَّن مَشى على طَرِيقَته المنافية لدين الله وشريعته كَمَا سَيظْهر من كَلِمَاته الصَّرِيحَة فِي الارتداد واتفاق اتباعهم على ظَاهر كَلَامه من الْفساد على
стр. 55
وَجه الِاعْتِمَاد وَطَرِيق الِاعْتِقَاد بِحَيْثُ كل من لَهُ أدنى عقل أَو عِنْده شمة من نقل علم أَن ضَرَر كفرهم على الْمُسلمين أقوى من كفر الْيَهُود وَالنَّصَارَى وضلال المبتدعة أَجْمَعِينَ فَكَلَام الماتن هُوَ الْحق وَالْحق بِأَن يتبع أَحَق فَانْظُر إِلَى مَا قَالَ وَلَا تنظر إِلَى من قَالَ إِن كنت من أهل الْعلم وَالْحَال فَإِن بَعْضًا من الطَّائِفَة الوجودية ذكر الاعتراضات الْوَارِدَة على الْكَلِمَات الردية المنسوبة إِلَى ابْن عَرَبِيّ وَأَتْبَاعه الدنية وَنسب إنكارها إِلَى الْعلمَاء القشيرية والمشايخ القشيرية ثمَّ أجَاب عَنْهَا بأجوبة واهية غير مرضية فها أَنا أوردهَا مَعَ أجوبتها على وَجه يظْهر بُطْلَانهَا وحقيقتها اعْلَم أَن الاعتراضات على نَوْعَيْنِ نوع لَا يتَعَلَّق بوحدة الْوُجُود وَهِي ثَمَانِيَة وَنَوع يتَعَلَّق بهَا وَهِي ثَمَانِيَة عشر فالمجموع سِتَّة وَعِشْرُونَ اعتراضا الأول قَوْله فِي فص آدم ﵇ أَنه للحق سُبْحَانَهُ بِمَنْزِلَة إِنْسَان الْعين للعين ومحظوره ظَاهر ومحذوره باهر لِأَنَّهُ سُبْحَانَهُ قبل إنْشَاء آدم بل قبل إبداء الْعَالم كَانَ بَصيرًا وَكَانَ فِي عَالم الْقدَم يرى الْأَشْيَاء قبل ظُهُورهَا من الْوُجُود إِلَى الْعَدَم ثمَّ تَعْلِيله بقوله فَإِنَّهُ بِهِ نظر الْحق إِلَى خلقه فَرَحِمهمْ لَيْسَ بِصَحِيح على إِطْلَاقه إِذا خلق الْمَلَائِكَة وَالشَّيَاطِين من قبل إيجاده فَلَا يكون بِسَبَب الرَّحْمَة على عباده وَأما تَأْوِيله بِأَنَّهُ جعل الْإِنْسَان عِلّة غائية فِي خلق هَذِه الدَّار لما ورد (لولاك لولاك لما خلقت الأفلاك) وَلَا الْجنَّة وَالنَّار فَغير
стр. 56
صَحِيح لِأَن أَفعاله سُبْحَانَهُ غير معللة وَإِن كَانَت صادرة عَن حكم مبينَة أَو مجملة وَمَعَ هَذَا فالحكمة الَّتِي بِمَنْزِلَة الْعلَّة الغائية فِي الْجُمْلَة هِيَ الْمعرفَة الإلهية كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿وَمَا خلقت الْجِنّ وَالْإِنْس إِلَّا ليعبدون﴾ أَي ليعرفون كَمَا فسر ابْن عَبَّاس وَغَيره كَمَا ورد كنت كنزا مخفيا فَأَحْبَبْت أَن أعرف فخلقت الْخلق لِأَن أعرف وَإِنَّمَا خص الْجِنّ وَالْإِنْس بهَا لِأَنَّهُمَا مظْهرا صِفَات الْكَمَال من صِفَتي الْجمال والجلال إِذْ الْمَلَائِكَة مختصون بمظهرية اللطف وَالْجمال كَمَا أَن الشَّيَاطِين محصورون فِي مظهرية الْقَهْر والجلال بِخِلَاف الْإِنْسَان فَإِن لَهُ قابلية كل من المظهرين فِي عَظمَة الشَّأْن وَمن ثمَّ قَالَ تَعَالَى ﴿إِنَّا عرضنَا الْأَمَانَة على السَّمَاوَات وَالْأَرْض وَالْجِبَال فأبين أَن يحملنها وأشفقن مِنْهَا وَحملهَا الْإِنْسَان﴾ وَهَذَا معنى قَوْله ﷺ (إِن الله تَعَالَى خلق آدم على صورته) أَي على صُورَة جَمِيع أَسْمَائِهِ وَصِفَاته وَبسط هَذَا الْكَلَام يخرجنا عَن المرام ثمَّ
стр. 57
لما كَانَ نَبينَا ﷺ أكمل بني آدم بل وَأفضل أَفْرَاد الْعَالم ورد فِي حَقه (لولاك لما خلقت الأفلاك) فَهُوَ إِنْسَان الْعين وَعين الْإِنْسَان وَأما الله سُبْحَانَهُ فَهُوَ عَليّ الشَّأْن جلي الْبُرْهَان فَلَا يجوز تَشْبِيه ذَاته وَلَا صِفَاته بِشَيْء من مخلوقاته وَقد نهى الله سُبْحَانَهُ عَن مثل ذَلِك فِي آيَاته حَيْثُ قَالَ ﴿فَلَا تضربوا لله الْأَمْثَال إِن الله يعلم وَأَنْتُم لَا تعلمُونَ﴾ ﴿وَللَّه الْمثل الْأَعْلَى﴾ الثَّانِي قَوْله فِي فص آدم ﵇ أَيْضا إِن الْإِنْسَان هُوَ الْحَادِث الأزلي والنشأة الدَّائِم الأبدي انْتهى وَالْقَوْل بقدم الْعَالم فَهُوَ كفر بِإِجْمَاع الْعلمَاء خلافًا للفلاسفة من الْحُكَمَاء مَعَ التَّنَاقُض الظَّاهِر والتعارض الباهر فِي كَلَامه حَيْثُ جمع فِي مرامه بَين الصّفة الحدوثية والنعت الأزلية وَالله سُبْحَانَهُ هُوَ الأول وَهُوَ خَالق كل شَيْء فَتَأمل فَإِنَّهُ مَوضِع زلل وَمحل خلل وَأما من أول قَوْله بقوله إِن الْإِنْسَان حَادث بالوجود الْخَارِجِي وأزلي بالوجود العلمي الإلهي فَهُوَ غير صَالح أَن يكون تَأْوِيلا لقَوْله الأول على تَخْصِيص الْمَعْلُوم الإلهي بالإنسان لَيْسَ لَهُ وَجه يكون الْمعول فَتَأمل لِأَنَّهُ قَالَ بِنَفسِهِ فِي فص مُوسَى ﵇ عِنْد قَوْله تَعَالَى ﴿لَا تَبْدِيل لكلمات الله﴾ لَيست كَلِمَات الله سوى أَعْيَان الموجودات فينسب إِلَيْهِ الْقدَم من حَيْثُ ثُبُوتهَا العلمي وينسب إِلَيْهَا الْحُدُوث من حَيْثُ وجودهَا الْخَارِجِي انْتهى وَهُوَ كَلَام لَا غُبَار
стр. 58
عَلَيْهِ كَمَا لَا يخفى إِلَّا أَنه لَا يُطَابق قَوْله الْمَشْهُور من أَنه سُبْحَانَهُ أوجد الْأَشْيَاء وَهُوَ عينهَا لِأَن الْمرتبَة العلمية لَا يَقْتَضِي الْمنزلَة العينية مَعَ أَن كَلَامه هَذَا مُنَاقض أَيْضا لما قَالَ فِي الفتوحات أَيْضا فِي الْبَاب التَّاسِع وَالسِّتِّينَ من أَنه سُبْحَانَهُ لم يُوجد الْأَشْيَاء فِي الْأَزَل لكَونه محالا من وَجْهَيْن الأول أَنه لَا يُوجد الْمَوْجُود فَإِنَّهُ تَحْصِيل الْحَاصِل فِي معرض الشُّهُود وَالثَّانِي أَنه سُبْحَانَهُ مُخْتَصّ بِوَصْف الأزلية فكون الْعَالم أزليا يُنَاقض أوليته وَبِهَذَا تبين كَلَام الشَّيْخ الْجَزرِي أَن ابْن عَرَبِيّ كَانَ غلب عَلَيْهِ السَّوْدَاء فَلَيْسَ كَلَامه على أساس الْبناء وَأما الشَّارِح القيصري للفصوص فقد صرح بقدم الْأَرْوَاح إِلَّا أَنه فرق بَين أزلية الْأَعْيَان الثَّابِتَة والأرواح الْمُجَرَّدَة وَبَين أزلية الْحق سُبْحَانَهُ بِأَن الْأَرْوَاح وَإِن كَانَت أزلية إِلَّا أَن عدمهَا مقدم على وجودهَا بالتقدم الذاتي لِأَن وجودهَا لَيْسَ مِنْهَا وَأما أزلية الْحق فَهِيَ عبارَة عَن نفي الأولية الْحَقِيقِيَّة فَإِن وجوده من ذَاته وَأغْرب الملاجامي وَقَالَ بقدم أَرْوَاح الكاملين وبحدوث أَرْوَاح الناقصين وَنسب هَذَا الْمَذْهَب إِلَى الشَّيْخ صدر الدّين القونوي إِلَّا أَنه لم يعين مَحل نَقله والمؤول الَّذِي طالع كتب ابْن عَرَبِيّ من
стр. 59
الفصوص والفتوحات مُدَّة ثَلَاثِينَ سنة من الْأَوْقَات صرح بِأَنَّهُ مَا وجد فِي كَلَامه مَا يدل على قدم الْأَرْوَاح والأشباح انْتهى وَلَا يخفى أَنه منقوض بقوله أوجد الْأَشْيَاء وَهُوَ عينهَا مندفع بِمَا سبق من نسبته إِلَى قدم الْعَالم فِي نقل أكَابِر الْعلمَاء مَعَ أَن هَذِه الْعبارَة بِعَينهَا متناقضة الطَّرفَيْنِ لِأَنَّهُ يلْزم من إِيجَاد الْأَشْيَاء حدوثها وَمن قَوْله وَهُوَ عينهَا قدمهَا بأسرها أَو قدم أرواحها وَالْحَاصِل أَن طوائف الْإِسْلَام من الْعلمَاء والحكماء وَغَيرهم من أهل السّنة وَالْجَمَاعَة والمعتزلة وَسَائِر أَرْبَاب الْبِدْعَة أَجمعُوا على حُدُوث الْأَرْوَاح على خلاف فِي أَن خلقهَا قبل الأشباح بسبعين ألف سنة أَو بسبعمائة ألف سنة وَإِنَّمَا قَالَ بقدم الْعَالم جمع من السُّفَهَاء الفلسفية وهم كفرة بِإِجْمَاع عُلَمَاء الْأمة الحنيفية وَقَوله تَعَالَى خَالق كل شَيْء يَشْمَل الْأَرْوَاح والأشباح وَحَدِيث (أول مَا خلق الله تَعَالَى روحي) نَص فِي هَذَا الْمَعْنى إِن صَحَّ المبنى وَقد ورد فِي صَحِيح البُخَارِيّ عَن عَائِشَة وَفِي مُسْند أَحْمد وَمُسلم
стр. 60
وَأبي دَاوُد عَن أبي هُرَيْرَة // مَرْفُوعا // (الْأَرْوَاح جنود مجندة فَمَا تعارف مِنْهَا ائتلف وَمَا تناكر مِنْهَا اخْتلف) وَقد قَالَ تَعَالَى ﴿وَللَّه جنود السَّمَاوَات وَالْأَرْض﴾ أَي ملكا وخلقا وملكا هَذَا وَقَالَ المؤول إِن الشَّيْخ ذهب إِلَى حُدُوث الْعَالم من الْأَرْوَاح والأشباح وَإِنَّمَا وَقع غلط كلي من الشُّرَّاح قلت فَثَبت حُرْمَة مطالعة كتبه لِأَن دسائس كَلَامه وَهُوَ أجرأ مرامه إِذا خفيت على مثل القيصري والجامي فَكيف بِالنِّسْبَةِ إِلَى غَيرهمَا مِمَّن يطالعها وَهُوَ فِي مرتبَة الْعَاميّ على أَن الظَّاهِر أَنَّهُمَا مَا ذكرا هَذَا القَوْل من عِنْدهمَا وَلَا معتقدهما بل لما فهما من كَلَامه على مَا فهما وَلَا عِبْرَة بِنَقْل المؤول عَن شَيْخه والطعن فيهمَا لِأَنَّهُ على تَقْدِير صِحَة نَقله عَن شَيْخه فَلهُ أَقْوَال متعارضة وأحوال متناقضة كَمَا تفوه مرّة بِإِيمَان فِرْعَوْن وَلُزُوم أَنه فِي الْجنَّة مَعَ الْأَبْرَار وَصرح مرّة بِأَنَّهُ من جبابرة الْكفَّار وَأَنه فِي قَعْر النَّار وأمثال ذَلِك كثير فِي كَلَامه حَيْثُ كَانَ مترددا فِي مرامه ومتذبذبا فِي مقَامه الثَّالِث قَوْله فِي فص آدم أَيْضا إِنَّا مَا وَصفنَا الْحق بِوَصْف من الْأَوْصَاف إِلَّا كُنَّا عين ذَلِك الْوَصْف وَقد وصف الْحق نَفسه لنا فَمَتَى شَاهَدْنَاهُ شاهدنا أَنْفُسنَا وَمَتى شاهدنا شَاهد نَفسه انْتهى وَهَذَا كفر صَرِيح لَا يخفى لِأَن ذَات الْإِنْسَان وَصفته لَا تكون عين وصف الله وَنَفسه إِلَّا فِي مَذْهَب الْحُلُول والاتحاد ومشرب الوجودي والإباحي وَأهل الْإِلْحَاد وَهَذَا الْفساد فِي الِاعْتِقَاد
стр. 61
أخرب الْعباد وأضل الْعباد حَيْثُ يَزْعمُونَ أَن الشَّيْخ مَحل الِاعْتِمَاد وَأما قَول المؤول إِن هَذَا مَبْنِيّ على قَاعِدَة من قَوَاعِد أهل السّنة وَالْجَمَاعَة أَن الصِّفَات الذاتية من الْحَيَاة وَالْعلم وَالْقُدْرَة والإرادة والسمع وَالْبَصَر وَالْكَلَام فِي الْأَفْرَاد الإنسانية لَيست عين ذواتهم بل زَائِدَة عَلَيْهَا وَكَذَا قَالُوا فِي حق الْبَارِي قِيَاسا للْغَائِب على الشَّاهِد فَيلْزم من مشاهدتنا صفاتنا مُشَاهدَة صِفَاته ومشاهدته سُبْحَانَهُ صِفَاته مُشَاهدَة صفاتنا فَصدق عَلَيْهِ أَن كل وصف وصف بِهِ سُبْحَانَهُ هُوَ صفتنا بل نَحن عين ذَلِك الْوَصْف انْتهى وَلَا يخفى أَن مآل هَذَا التَّأْوِيل شَرّ من ذَلِك القيل فَإِن صِفَات الْخَالِق أزلية ثَابِتَة لَهُ بنعت الْقدَم وصفات الْخلق نَاقِصَة حَادِثَة من الْعَدَم فَأَي مُنَاسبَة بَين الصفاتين ثمَّ أَي مُلَازمَة بَين المشاهدتين وَكَيف يكون صفة الْحَادِث عين صفة الْقَدِيم فَهَل رَجَعَ كَلَام هَذَا المؤول إِلَى قَول شَيْخه الأول سُبْحَانَ من أوجد الْأَشْيَاء وَهُوَ عينهَا مَعَ أَن مَذْهَب أهل السّنة هُوَ أَن صِفَات الله لَا عينه وَلَا غَيره بِخِلَاف صِفَات الْمَخْلُوق فَإِنَّهَا غَيرهم وَقد صرح الْعلمَاء الْكِرَام والمشايخ الْعِظَام أَن إِطْلَاق لفظ الْحَيَاة وَالْعلم وَغَيرهمَا من الصِّفَات الثبوتية على الْحق والخلق لَيْسَ بِمَعْنى وَاحِد حَقِيقِيّ بل اشْتِرَاك اسْمِي لمُجَرّد إِطْلَاق لَفْظِي لِأَن صِفَاته سُبْحَانَهُ لَيست حَادِثَة وَلَا أعراضا وَلَا متناهية الْأَثر بِخِلَاف صِفَات الْإِنْسَان فَإِنَّهُ حَادث وعارض ومتناهي الْأَثر فشتان بَين الْقطن والكتان وَلذَا قيل ماللتراب وَرب الأرباب
стр. 62
وَنَظِير هَذَا ماروي عَن ابْن عَبَّاس ﵁ وَغَيره أَن أَسمَاء الْفَوَاكِه وَغَيرهَا مِمَّا يكون فِي دَار الدُّنْيَا وَدَار العقبى إِنَّمَا هِيَ لمُجَرّد المشابهة الاسمية لَا الْمُشَاركَة الْحَقِيقِيَّة لاختلافهما فِي الْمَاهِيّة والكمية والكيفية وَقد كَابر هَذَا المؤول فِي رد كَلَام الأكابر بِأَنَّهُ يلْزم من هَذَا الْكَلَام جهلنا بِصِفَات الْملك الْعَالم وَبِأَن مَفْهُوم الْعلم وَالْقُدْرَة فِي الْوَاجِب والممكن وَاحِد بديهة وَأَنت تعلم أَن أهل الْحق معترفون بقصور إدراكهم عَن كنه ذَاته وَصِفَاته حَيْثُ لَا مشابهة بَينه وَبَين مخلوقاته وَقد قَالَ تَعَالَى ﴿وَلَا يحيطون بِهِ علما﴾ و ﴿لَا تُدْرِكهُ الْأَبْصَار﴾ ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ من الْعلم إِلَّا قَلِيلا﴾ وَقد صَحَّ قَوْله ﷺ (لَا أحصي ثَنَاء عَلَيْك أَنْت كَمَا أثنيت على نَفسك) وَقَالَ الصّديق الْأَكْبَر الْعَجز عَن دَرك الْإِدْرَاك إِدْرَاك فحاشا مقامهم أَن يقيسوا الْغَائِب على الشَّاهِد فِيمَا يَقْتَضِي مرامهم وَكَأن هَذَا المؤول الْجَاهِل الغافل مَا فرق بَين صِفَاته وصفات الْحق وَلَا بَين ذَاته وَذَات الْحق فَكَلَامه عين كَلَام شَيْخه سُبْحَانَ من أوجد الْأَشْيَاء وَهُوَ عينهَا
стр. 63
فمشربهما من عين وَاحِدَة فهما فِي دَعْوَى معرفَة الْحق جَاحد ولاحد بل أكفر من نفاة الصِّفَات كالجهمية والمعتزلة والفلاسفة من الْحُكَمَاء حَيْثُ أَرَادوا بنفيها احْتِرَازًا من تعدد القدماء الرَّابِع قَوْله فِي فص شِيث ﵇ بعد بَيَان بعض الْعُلُوم أَنه لَيْسَ هَذَا الْعلم إِلَّا لخاتم الرُّسُل وَخَاتم الْأَوْلِيَاء وَلم ير أحد هَذَا الْعلم من الْأَنْبِيَاء وَالرسل إِلَّا من مشكاة خَاتم الرُّسُل صلوَات الله وَسَلَامه عَلَيْهِم وَلم يره أحد من الْأَوْلِيَاء إِلَّا من مشكاة خَاتم الْأَوْلِيَاء حَتَّى خَاتم الرُّسُل لم ير هَذَا الْعلم مَتى مَا يرَاهُ إِلَّا من مشكاة خَاتم الْأَوْلِيَاء فالرسل من حَيْثُ ولايتهم لَا يرَوْنَ مَا ذكر إِلَّا من مشكاة خَاتم الْأَوْلِيَاء فخاتم الرُّسُل من حَيْثُ ولَايَته بِالنِّسْبَةِ إِلَى خَاتم الْأَوْلِيَاء كنسبة الرُّسُل والأنبياء إِلَى خَاتم الرُّسُل وَقَوله أَيْضا فِي الفص الْمَذْكُور لما شبه النَّبِي ﷺ جِدَار النُّبُوَّة الْمَبْنِيّ بِاللَّبنِ وَقَالَ قد تمّ ذَلِك الْجِدَار إِلَّا مَوضِع لبنة وعنى بِهِ نَفسه فكملت النُّبُوَّة بِوُجُودِهِ فِي عَالم شُهُوده فَلَا بُد لخاتم الْأَوْلِيَاء من رُؤْيَة ذَلِك الْجِدَار مَبْنِيا من الذَّهَب وَالْفِضَّة المركبتين فِي الدَّار وَأَنه يكون نَاقِصا مَكَان لبنتين أَحدهمَا من ذهب وَالْأُخْرَى من فضَّة لاعْتِبَار وَأَنه يرى خَاتم الْأَوْلِيَاء نَفسه منطبعا مَكَان تينك اللبنتين فيكمل بِهِ الْبناء وَسبب رُؤْيَة ذَلِك أَنه تَابع شرع خَاتم الرُّسُل فِي الظَّاهِر وَهُوَ مَوضِع لبنة الْفضة ولكونه يَأْخُذ شرع خَاتم الرُّسُل من الْحق بطرِيق الإلهام كجبريل ﵇ يكون
стр. 64
هُوَ مَوضِع لبنة الذَّهَب أَيْضا وَقَوله فِي ذَلِك الفص أَيْضا حَيْثُ كَانَ خَاتم الْأَنْبِيَاء وآدَم بَين المَاء والطين وَكَذَلِكَ خَاتم الْأَوْلِيَاء كَانَ وآدَم بَين المَاء والطين وَقد صرح فِي الفتوحات أَنه المُرَاد بِخَاتم الْأَوْلِيَاء انْتهى وَلَا يخفى مَا فِيهِ من أَنْوَاع الْكفْر الظَّاهِر الْمَفْهُوم عِنْد الْعقل الحاذق الباهر حَيْثُ ادّعى علم الْغَيْب أَولا فِي دَعْوَى هَذِه الْمَرَاتِب ثمَّ تَقْدِيم نَفسه على أَرْبَاب المناقب وَقد أَجمعُوا على أَن الْأَوْلِيَاء بأجمعهم لم يصلوا إِلَى مرتبَة نَبِي وَاحِد فَهُوَ فِي دَعوته الكاسد ومدعاه الْفَاسِد لظَاهِر الشَّرِيعَة ناقد ولباطنها جَاحد حَيْثُ يزْعم أَنه يَأْخُذ الشَّرْع المجدد فِي بعض الْأَحْكَام عَن الْحق بِوَاسِطَة الإلهام وَأَنه مستغن فِي سير بَاطِنه عَن النَّبِي ﷺ وَأَن الرُّسُل وخاتمهم يَحْتَاجُونَ إِلَيْهِ وَيَأْخُذُونَ الْفَيْض الإلهي النَّازِل لَدَيْهِ وَأَن الْأَوْلِيَاء الآتين كعيسى ﵊ وَالْمهْدِي وَغَيرهمَا من أَتْبَاعه فِي مرتبَة الْولَايَة المختومة عَلَيْهِ وَحَيْثُ شبه النَّبِي ﷺ باللبنة من الْمدر فِي جِدَار الشَّرِيعَة
стр. 65
الشَّرِيفَة وَمثل نَفسه بلبنتين من الْفضة وَالذَّهَب المركبتين من جِدَار الْكَعْبَة المنيفة بِمُقْتَضى رُؤْيا رَآهَا وَأَن المُرَاد باللبنة من الْفضة مُتَابَعَته لظَاهِر الشَّرِيعَة المحمدية وباللبنة من الذَّهَب أَخذه الْفَيْض الباطني من الحضرة الأحدية وأمثال ذَلِك من الْكَلِمَات الكفرية حَيْثُ لَا يشك أحد من الْيَهُود وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ والحكمآء الإشراقيين والشكمانيين والدهريين والطبيعيين فضلا عَن طوائف الْمُسلمين من أهل السّنة وَالْجَمَاعَة وَغَيرهم من الْمُعْتَزلَة والخوارج والشيعة وَسَائِر أهل الْبِدْعَة ثمَّ حصل كَلَام المؤول الْجَاهِل بَعْدَمَا ماطال الْكَلَام فِيمَا لَا تعلق لَهُ بالْمقَام من تَعْرِيف الْوَلِيّ وَالنَّبِيّ وَالرَّسُول وتقسيم خَاتم الْأَنْبِيَاء والأولياء إِلَى الصَّغِير وَالْكَبِير والأكبر وأمثال هَذَا المرام الْمَعْلُوم عِنْد الْخَواص والعوام هُوَ أَن أنوار الْأَنْبِيَاء وأرواحهم فاضت من النُّور المحمدي وَالروح الأحمدي الَّذِي هُوَ الْعقل الأول والقلم الْأَكْمَل وَولَايَة مُشْتَمِلَة على ولَايَة سَائِر الْأَوْلِيَاء فعلى هَذَا مشكاة خَاتم الْأَنْبِيَاء مفاضة مشكاة خَاتم الْأَوْلِيَاء وَلَو أَخذ خَاتم الرُّسُل من مشكاة خَاتم الْأَوْلِيَاء شَيْئا من الْأَشْيَاء لَا يكون سَببا لتفضيل خَاتم الْأَوْلِيَاء على خَاتم الرُّسُل والأنبياء انْتهى وَلَا يخفى أَن هَذَا مصادرة وَفِي مقَام الْجَواب مُكَابَرَة على أَن الشَّيْخ بِنَفسِهِ ذكر فِي الفتوحات أَن خَاتم الْأَوْلِيَاء حَسَنَة من حَسَنَات خَاتم
стр. 66
الْأَنْبِيَاء مقدم الْجَمَاعَة وَسيد ولد آدم يَوْم الْقِيَامَة فِي فتح بَاب الشَّفَاعَة ثمَّ نسب المؤول إِلَى شَيْخه مَا هُوَ أكبر قبحا فِي حَقه وَأظْهر كفرا فِي نَفسه حَيْثُ قَالَ إِن الشَّيْخ ذكر فِي فص شِيث ﵇ أَن خَاتم الرُّسُل والأنبياء وَسَائِر الرُّسُل والأصفياء يَأْخُذُونَ الْعلم الْخَاص الْمُخْتَص بالخواص من حيثية أَنهم أَوْلِيَاء أَيْضا يَأْخُذُونَ من مشكاة خَاتم الْأَوْلِيَاء فَانْظُر هَذَا الْكفْر الصَّرِيح إِن كَانَ لَك الْإِيمَان الصَّحِيح ثمَّ ذكر المؤول قَوْله فِي الفص الْمَذْكُور أَنه لم ير أحد من الْأَنْبِيَاء وَالرسل هَذَا الْعلم إِلَّا من مشكاة خَاتم الرُّسُل وَلم يره أَيْضا أحد من الْأَوْلِيَاء إِلَّا من مشكاة خَاتم الْأَوْلِيَاء انْتهى ومناقضته لكَلَامه الأول ظَاهِرَة كَمَا لَا يخفى إِلَّا أَن يُقَال إِنَّه أَرَادَ بالأولياء الْولَايَة الْعَامَّة الشاملة للأنبياء والأصفياء فَيصح الحصران فِي كَلَامه وَيكون على وفْق مَا سبق من مرامه لَكِن ذكر المؤول أَن شَيْخه الملا نور الدّين عبد الرَّحْمَن الجامي قَالَ فِي شرح الفصوص إِن مشكاة خَاتم الْأَوْلِيَاء هُوَ مشكاة خَاتم الرُّسُل وَإِلَّا فَلَا يَصح الحصران ثمَّ أَطَالَ المؤول بِمَا لَا طائل تَحْتَهُ وَمن جملَته قَوْله فِي فص شِيث إِن خَاتم الْأَوْلِيَاء من وَجه أنزل وَأدنى كَمَا أَنه من وَجه أفضل وَأَعْلَى ثمَّ مثله المؤول بموافقات عمر ﵁ فِي بدر وَغَيره فَيلْزم مِنْهُ أَن عمر أفضل من النَّبِي ﷺ من وَجه وَهَذَا قَول لم يتفوه بِهِ مُؤمن فَتدبر فَفِي الْمُضْمرَات مَا قَالَت الروافض إِن عليا كَانَ أعلم من مُحَمَّد ﷺ فَهَذَا مِنْهُم كفر
стр. 67
وَمثله أَيْضا بقوله ﷺ فِي قَضِيَّة تأبير النّخل (أَنْتُم أعلم بِأُمُور دنياكم) فَأَقُول للمؤول أَيهَا الْجَاهِل الغافل فَتكون عَامَّة النَّاس أفضل من النَّبِي ﷺ من وَجه لكَوْنهم أعلم بِالتِّجَارَة وَأقوى على حمل الْحِجَارَة وأتقن فِي فن الصباغة والصناعة والحياكة والزراعة وأصناف حرف الشناعة وَأَن المنطقيين والفلاسفة من الْحُكَمَاء افضل من سيد الْأَنْبِيَاء وَسَنَد الْأَوْلِيَاء بِسَبَب زِيَادَة الفضلات الَّتِي تسمى فَضِيلَة عِنْد جهلة الْفُضَلَاء مَعَ أَنه ﷺ جعلهَا علوما غير نافعة واستعاذ مِنْهَا فِي الْمرتبَة الرَّابِعَة وَقد مدح أهل الْجنَّة بِأَنَّهُم لم يعلمُوا الْعُلُوم الدُّنْيَوِيَّة وَأَن علومهم منحصرة فِي الْأَفْعَال الدِّينِيَّة وَالْأَحْوَال الأخروية حَيْثُ قَالَ (أَكثر أهل الْجنَّة البله) مقتبسا من مَفْهُوم قَوْله تَعَالَى فِي ذمّ الْكَفَرَة ﴿يعلمُونَ ظَاهرا من الْحَيَاة الدُّنْيَا وهم عَن الْآخِرَة هم غافلون﴾ وَمن ثمَّ قَالَ ﷺ (إِن من الْعلم
стр. 68
جهلا) وَأَقُول تبعا لَهُ ﷺ فِي تَبْيِين كَلَامه وَتَعْيِين مرامه إِن من الْعلم كفرا والعاقل تكفيه الْإِشَارَة وَلَا يحْتَاج إِلَى تَطْوِيل الْعبارَة رزقنا الله تَعَالَى علما نَافِعًا ووفقنا عملا رَافعا واعتقادا مُسْتَقِيمًا جَامعا مَانِعا
الْخَامِس قَوْله فِي فص إِسْحَاق ﵇ إِن إِبْرَاهِيم ﵇ قَالَ لوَلَده ﴿يَا بني إِنِّي أرى فِي الْمَنَام أَنِّي أذبحك﴾ وَالْحَال أَن النّوم من عَالم الخيال فَكَانَ حَقه أَن يعبر الرُّؤْيَا وفْق عَالم الْمِثَال فَإِن الْكَبْش ظهر بِصُورَة ولد إِبْرَاهِيم وفداه الله سُبْحَانَهُ عَنهُ بِذبح عَظِيم وَهَذَا كَمَا تصور اللَّبن فِي الْمَنَام نَبينَا مُحَمَّد ﷺ وأوله بِالدّينِ وَالْعلم وَالْيَقِين وكما تصور الْبَقَرَات بِصُورَة السنوات فِي تَعْبِير يُوسُف ﵇ ثمَّ قَالَ وَلما كَانَ الْكَبْش على صُورَة وَلَده كَانَ يَنْبَغِي لَهُ أَن يعبر عَنهُ بِذبح كَبْش فِي بدله فَحَمله على ظَاهره وَوَقع فِي اجْتِهَاده على طرق مرجوحة انْتهى وَهَذَا من غَايَة حمقه وَقلة أدبه وَعدم مَعْرفَته بمقام نَبِي ربه ثمَّ من أَيْن لَهُ هَذَا الْعلم بِأَن الْكَبْش كَانَ على صُورَة وَلَده بل الظَّاهِر من الْكتاب وَالسّنة أَنه أَمر بِذبح ابْنه على صورته من غير أَن يكون على صُورَة كَبْش وَوَصفه كَمَا قَالَ تَعَالَى مخبرا عَنهُ ﴿يَا بني إِنِّي أرى فِي الْمَنَام أَنِّي أذبحك فَانْظُر مَاذَا ترى قَالَ يَا أَبَت افْعَل مَا تُؤمر﴾ فاستقر رَأْي النَّبِيين على الذّبْح الْمَذْكُور وأقرهما الله على
стр. 69
الْوَجْه المسطور فَكَلَام المؤول إِنَّه كَانَ خطأ فِي اجْتِهَاده كَمَا جوز للنَّبِي ﷺ الِاجْتِهَاد وَكَذَا خَطؤُهُ عِنْد أَصْحَاب الِاعْتِقَاد وأرباب الِاعْتِمَاد خطأ فَاحش لِأَن شَرط خطأ النَّبِي ﷺ فِي اجْتِهَاده أَن لَا يقر على خطئه بل يُنَبه على خطئه قبل تحقق فعله أَو بعد صَنِيعه وَهَذَا قد صدق الله فعل إِبْرَاهِيم بقوله ﴿قد صدقت الرُّؤْيَا﴾ حَيْثُ نزل عزمه مَوضِع فعله وَأقَام ذبح الْكَبْش مقَام ذبحه لِأَنَّهُ كَانَ الْحِكْمَة فِي ذَلِك الْمَنَام حُصُول الاستسلام وَقطع العلاقة والمحبة الطبيعية بَين الوالدية والولدية كَمَا هُوَ بلية عَامَّة فِي الْأَنَام مَعَ أَن الْعلمَاء أَجمعُوا على أَن مَنَام الْأَنْبِيَاء ﵈ حق وعد من أَنْوَاع الْوَحْي والإلهام فَحَمله على الْوَهم قلَّة الْفَهم وَأغْرب المؤول حَيْثُ أجَاب عَن هَذَا بقوله تَعَالَى ﴿قل إِنَّمَا أَنا بشر مثلكُمْ﴾ وَكَأَنَّهُ لم يقْرَأ يُوحى إِلَيّ أَي فِي الْيَقَظَة أَو الْمَنَام فاستدلاله بِبَعْض الْآيَات كَمَا قيل للقلندري أما تصلي فَقَالَ قَالَ تَعَالَى ﴿لَا تقربُوا الصَّلَاة﴾ قيل اقْرَأ مَا بعده من جملَة الْحَال فَقَالَ نَحن من عشاق أول
стр. 70
الْمقَام ثمَّ تسمك بقوله ﷺ (إِنَّمَا أَنا بشر أغضب كَمَا يغْضب الْبشر وأرضى كَمَا يرضى الْبشر) فَتدبر فَإِن بعض الجهلة من أَتبَاع الوجودية يَزْعمُونَ أَن هَذَا المؤول طابق بَين كَلَام الشَّيْخ وَبَين الْآيَات القرآنية وَالْأَحَادِيث النَّبَوِيَّة حَيْثُ يرَوْنَ أَنه يذكر الْأَدِلَّة من الْكتاب وَالسّنة وَلم يفهموا أَن إِيرَاده إيَّاهُمَا لَيْسَ على وَجه الْمُطَابقَة بل وَلَا على نوع من الْمُنَاسبَة كَمَا أَن الْمُعْتَزلَة يثبتون مَا ذَهَبُوا إِلَيْهِ من أَنْوَاع الْبِدْعَة بِمَا يذكرُونَ فِي كتبهمْ من الْكتاب وَالسّنة فَصدق الله الْعَظِيم فِي الْفرْقَان الْكَرِيم ﴿يضل بِهِ كثيرا وَيهْدِي بِهِ كثيرا﴾ فالعلم كالنيل من مَاء للمحبوبين وَدِمَاء للمحجوبين وكل حزب بِمَا لديهم فَرِحُونَ وَإِن أحسن الحَدِيث كتاب الله وَخير الْهدى هدي مُحَمَّد ﷺ وَمَا أسخف عقول هَؤُلَاءِ حَيْثُ تركُوا مطالعة كتب التَّفْسِير والْحَدِيث وَالْفِقْه ومعتقدات أئمتهم وَكتب الْمَشَايِخ الْمجمع على ديانتهم وولايتهم كالتعرف الَّذِي لولاه لما عرف التصوف وككتاب العوارف الَّذِي هُوَ المعارف والرسالة القشيرية الَّتِي هِيَ مَقْبُولَة عِنْد جَمِيع الصُّوفِيَّة وأمثال ذَلِك من الْكتب الجامعة بَين الْعُلُوم الظَّاهِرَة والمعارف
стр. 71
الْبَاطِنَة المستنبطة من الْكتاب وَالسّنة وَأَقْبلُوا على هَذِه الكفريات فَتَأمل أَيهَا الغافل الْجَاهِل فَإِنَّهُ لَيْسَ ذَلِك إِلَّا بِغَلَبَة هَوَاك وتسويل نَفسك وتزيين شَيْطَانك هدَانَا الله وهداك إِلَى الدّين القويم وأماتنا على سلوك الصِّرَاط الْمُسْتَقيم
السَّادِس قَوْله فِي فص إِسْمَاعِيل وَكَذَا فِي فص أَيُّوب ﵉ وَكَذَا فِي الفتوحات أَن الْكفَّار وَإِن لم يخرجُوا من النَّار لَكِن فِي عَاقِبَة الْأَمر يصير الْعَذَاب عذبا لَهُم بِحَيْثُ يتلذذون بالنَّار الْجَحِيم وَالْمَاء الْحَمِيم كَمَا يتلذذ أهل الْجنَّة بالنعيم الْمُقِيم انْتهى وَهَذِه الدَّعْوَى مِنْهُ فِي علم الْغَيْب من غير نقل صَحِيح كفر صَرِيح مَعَ مناقضته لقَوْله تَعَالَى ﴿وَلَهُم عَذَاب مُقيم﴾ أَي دَائِم ومعارضته لقَوْله سُبْحَانَهُ ﴿وَلَهُم عَذَاب أَلِيم﴾ وَقَوله ﴿وَلَا يُخَفف عَنْهُم من عَذَابهَا﴾ وَقَوله ﴿فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدكُمْ إِلَّا عذَابا﴾ وَقَوله ﴿كلما نَضِجَتْ جُلُودهمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيرهَا ليذوقوا الْعَذَاب﴾ فَإِنَّهُ صَرِيح فِي بطلَان مذْهبه فَإِنَّهُ لَو انْقَلب عَذَابه بعذبه لما كَانَ يحْتَاج إِلَى تَبْدِيل الْجُلُود الْمُحْتَرِقَة بالجلود المجددة لإذاقة
стр. 72
الْعقُوبَة المخلدة المؤبدة وَبِه بَطل تعلق المؤول بقوله فِي الفتوحات إِن الله تَعَالَى قَالَ خَالِدين فِيهَا أَي فِي النَّار وَلم يقل خَالِدين فِيهِ أَي فِي الْعَذَاب انْتهى وَلَا يخفى بطلَان برهانه وَمَا زعم أَنه يَنْفَعهُ فِي شَأْنه فَإِنَّهُ سُبْحَانَهُ إِذا قَالَ فِي مَوَاضِع مُتعَدِّدَة فِي كِتَابه إِن الْكفَّار خَالدُونَ فِي النَّار وَنَصّ فِي مَوَاضِع أخر أَنه لَا يُخَفف الْعَذَاب عَن الْكفَّار فدعوى انقلاب الْعَذَاب لَا يصدر إِلَّا من أهل الْحجاب الْجَاهِل بِأَحْكَام الْكتاب الغافل عَن فصل الْخطاب والمائل عَن صوب الصَّوَاب مَعَ أَن هَذَا القَوْل وَهُوَ تَخْفيف الْعَذَاب وانقطاعه مُخَالف لما عَلَيْهِ الصُّوفِيَّة السّنيَّة من أَن الْحِكْمَة فِي دوَام الْعقُوبَة وَزِيَادَة المثوبة أَن لَا تتعطل التجليات الأسمائية من الصِّفَات الجلالية والنعوت الجمالية الأبدية الَّتِي غير متناهية فِي الْمَرَاتِب الكمالية فمخالفته هَذِه مصادمة للأدلة النقلية والعقلية اللَّتَيْنِ عَلَيْهِمَا مدَار عُلَمَاء الشَّرِيعَة وعرفاء الْحَقِيقَة فَيكون كفرا بِالْإِجْمَاع من غير احْتِمَال النزاع وَمن جملَة الْأَدِلَّة فِي تَحْقِيق هَذِه الْمَسْأَلَة قَوْله تَعَالَى ﴿لَا يَمُوت فِيهَا وَلَا يحيى﴾ أَي حَيَاة طيبَة وَهُوَ يُنَافِي
стр. 73
القَوْل بصيرورة الْعَذَاب عذبا وَمن جُمْلَتهَا الْإِجْمَاع وَالْإِجْمَاع من أقوى الْحجَج فِي دفع النزاع إِذا كَانَ مُسْتَنده الْكتاب وَالسّنة وَالدَّلِيل قَوْله تَعَالَى ﴿وَمن يُشَاقق الرَّسُول من بعد مَا تبين لَهُ الْهدى وَيتبع غير سَبِيل الْمُؤمنِينَ نوله مَا تولى ونصله جَهَنَّم﴾ وَمن ثمَّ قَالَ ﷺ (لَا تَجْتَمِع أمتِي على ضَلَالَة) وَهَذَا القَوْل الَّذِي صدر عَنهُ أَي عَن ابْن عَرَبِيّ لم يسْبق بِهِ أحد من الْعَوام فضلا عَن الْخَواص من الْعلمَاء الْكِرَام والمشايخ الْعِظَام وَأما قَول الرَّازِيّ إِن الدَّلِيل على أَن الْإِجْمَاع حجَّة عَقْلِي والأدلة الْعَقْلِيَّة لَا تفِيد إِلَّا الْأَحْكَام الظنية والأمور الظنية غير مُعْتَبرَة فِي الْأَحْوَال الاعتقادية فَإِنَّمَا يَصح إِذا لم يكن الْإِجْمَاع مُسْتَندا إِلَى الْكتاب وَالسّنة وَلَا إِلَى الصَّحَابَة والمجتهدين من عُلَمَاء الْأمة فَلَا يحل تعلق المؤول بِهِ على نفي إِجْمَاع الْأمة المطابق للْكتاب وَالسّنة الصَّادِر من السّلف وَالْخلف فَمن ادّعى أَن أحدا من الصَّحَابَة أَو غَيرهم من الْأمة ذهب إِلَى هَذِه الْبِدْعَة الشنيعة والمقالة الفظيعة فَعَلَيهِ الْبَيَان وَلنَا دَفعه بالبرهان فالعذاب سرمدي وَالْعِقَاب أبدي وَأما مَا ورد من // حَدِيث مُتَّفق على ضعفه // أَنه ﷺ قَالَ (وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ ليَأْتِيَن على جَهَنَّم زمَان تصفق أَبْوَابهَا وينبت فِي قعرها الجرجر) فَلَا يُقَاوم
стр. 74
النُّصُوص القرآنية وَالْأَحَادِيث النَّبَوِيَّة وَإِجْمَاع الْعلمَاء الدِّينِيَّة والمشايخ الصُّوفِيَّة وعَلى صِحَّته يحمل على أَن المُرَاد بهَا طبقَة مُخْتَصَّة بالفجار فَإِنَّهُم لَا يخلدُونَ كالكفار بل يخرجُون عَاقِبَة الْأَمر من النَّار وَكَذَا مَا ورد من الْأَثر عَن عمر ﵁ أَن أهل النَّار يخرجُون وَلَو مَكَثُوا فِيهَا بِعَدَد رمل عالج فَإِنَّهُ مَعَ كَونه ضَعِيفا بل وعَلى التنزل أَن يكون صَحِيحا أَو حسنا لَا يصلح حمله على ظَاهره لمصادمة قَوْله تَعَالَى ﴿خَالِدين فِيهَا﴾ وَقَوله سُبْحَانَهُ ﴿يُرِيدُونَ أَن يخرجُوا من النَّار وَمَا هم بِخَارِجِينَ مِنْهَا﴾ فَالْجَوَاب مَا سبق أَو الْمَعْنى يخرجُون من النَّار ويدخلون فِي الزَّمْهَرِير الْمعد للْكفَّار وَأما قَول المؤول إِن ابْن تَيْمِية الْحَنْبَلِيّ ذهب إِلَى أَن الْكفَّار فِي عَاقِبَة الْأَمر يخرجُون من النَّار فافتراء عَلَيْهِ وعَلى تَقْدِير صِحَة مَا نسب إِلَيْهِ فخلافه لَا يخرق الْإِجْمَاع بل يحكم بِكُفْرِهِ أَيْضا من غير النزاع ثمَّ اعْلَم
стр. 75
أَن هَذَا المؤول أَطَالَ فِي دفع هَذَا الِاعْتِرَاض وَنَحْوه مِمَّا لَا طائل تَحت كَلَامه وَنحن نقتصر على بطلَان مرامه ونترك مَا أَتَى بِهِ من زخارف عباراته وتساويل إشاراته مِمَّا يغر الْجَاهِل الغافل بِأَنَّهُ الْجَامِع لمعْرِفَة الْكتاب وَالسّنة والعالم الْفَاضِل وَالْحَال أَن الْبَحْث فِي كفر هَذَا الْقَائِل وَمن تبعه فِي هَذَا الْمَذْهَب الْبَاطِل
السَّابِع قَوْله فِي الفص الموسوي ﵇ وَكَذَا فِي الفتوحات إِن فِرْعَوْن مَاتَ مُؤمنا وَقبض طَاهِرا ومطهرا وسؤاله ﴿وَمَا رب الْعَالمين﴾ من حَقِيقَة الْحق تَعَالَى صَحِيح وَهَذَا كفر صَرِيح كَمَا بَينته فِي رِسَالَة مُسْتَقلَّة على شرح رِسَالَة صنفها الْجلَال الدواني وَتبع فِيهَا ابْن عَرَبِيّ وَخَالف الْعلمَاء الربانية والمشايخ الصمدانية مَعَ أَن ابْن عَرَبِيّ عَارض نَفسه لكَونه جزم بِإِيمَان فِرْعَوْن أَولا ثمَّ شكّ فِي حَقه بقوله فِي الفتوحات أمره إِلَى الله بل صرح فِي الْبَاب الثَّانِي وَالسِّتِّينَ من الفتوحات أَن أهل النَّار أَرْبَعَة طوائف من الْكفَّار
следующие страницы →