Полный текст (686 стр.). Показаны 1–40.
стр. 1
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
(رب يسر يَا كريم)
الْحَمد لله الَّذِي اخْتصَّ نبيه مُحَمَّدًا ﷺ بأصحاب كَالنُّجُومِ، وَأوجب على الكافة تعظيمهم واعتقاد حقية مَا كَانُوا عَلَيْهِ لما منحوه من حقائق المعارف والعلوم.
وَأشْهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَحده لَا شريك لَهُ، شَهَادَة أندرج بهَا فِي سلكهم المنظوم، وَأشْهد أَن سيدنَا مُحَمَّدًا عَبده وَرَسُوله الَّذِي حباه بسره المكتوم، صلى الله عَلَيْهِ وعَلى آله وَأَصْحَابه صَلَاة وَسلَامًا دائمين بدوام الْحَيّ القيوم.
أما بعد؛ فَإِنِّي سُئِلت قَدِيما فِي تأليف كتاب يبين حقية خلَافَة الصّديق، وإمارة ابْن الْخطاب ﵄، فأجبت إِلَى ذَلِك مسارعة فِي خدمَة هَذَا الجناب، فجَاء بِحَمْد الله أنموذجا لطيفا، ومنهاجا شريفا، ومسلكا منيفا، ثمَّ سُئِلت قَدِيما فِي إقرائه فِي رَمَضَان سنة خمسين وَتِسْعمِائَة بِالْمَسْجِدِ الْحَرَام؛ لِكَثْرَة الشِّيعَة والرافضة وَنَحْوهمَا الْآن بِمَكَّة المشرفة، أشرف بِلَاد الْإِسْلَام، فأجبت إِلَى ذَلِك، رَجَاء لهداية بعض من زل بِهِ قدمه عَن أوضح المسالك، ثمَّ سنح لي أَن
стр. 2
أَزِيد عَلَيْهِ أَضْعَاف مَا فِيهِ، وَأبين حقية خلَافَة الْأَئِمَّة الْأَرْبَعَة وفضائلهم، وَمَا يتبع ذَلِك مِمَّا يَلِيق بقوادمه وخوافيه، فجَاء كتابا فِي فنه حافلا، ومطلبا فِي حلل الرصانة وَالتَّحْقِيق رافلا، ومهندا قاصما لحجج المبطلين وأعناق شرار المبتدعين الضَّالّين؛ لما اشْتَمَل عَلَيْهِ من الْبَرَاهِين الْعَقْلِيَّة والأدلة الْوَاضِحَة المنقحة النقلية، الَّتِي يَعْقِلهَا الْعَالمُونَ، وَلَا ينكرها إِلَّا الَّذين هم بآيَات الله يجحدون، نَعُوذ بِاللَّه من أَحْوَالهم، ونسأله السَّلامَة من قبائح أَقْوَالهم وأفعالهم، إِنَّه الْجواد الْكَرِيم الرؤوف الرَّحِيم.
ورتبته على مُقَدمَات ثَلَاث، وَعشرَة أَبْوَاب، وخاتمة.
стр. 3
الصَّوَاعِق المحرقة
стр. 4
١ -
стр. 5
فالمقدمات
الْمُقدمَة الأولى
اعْلَم أَن الْحَامِل الدَّاعِي لي على التَّأْلِيف فِي ذَلِك وَإِن كنت قاصرا عَن حقائق مَا هُنَالك مَا أخرجه الْخَطِيب الْبَغْدَادِيّ فِي الْجَامِع وَغَيره أَنه ﷺ قَالَ (إِذا ظَهرت الْفِتَن أَو قَالَ الْبدع وسبت أَصْحَابِي فليظهر الْعَالم علمه فَمن لم يفعل ذَلِك فَعَلَيهِ لعنة الله وَالْمَلَائِكَة وَالنَّاس أَجْمَعِينَ لَا يقبل الله مِنْهُ صرفا وَلَا عدلا)
وَمَا أخرجه الْحَاكِم عَن ابْن عَبَّاس رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم
стр. 6
قَالَ (مَا ظهر أهل بِدعَة إِلَّا أظهر الله فيهم حجَّته على لِسَان من شَاءَ من خلقه)
وَأخرج أَبُو نعيم أهل الْبدع شَرّ الْخلق والخليقة قيل هما مُتَرَادِفَانِ وَقيل المُرَاد بِالْأولِ الْبَهَائِم وَبِالثَّانِي النَّاس
وَأخرج أَبُو حَاتِم الْخُزَاعِيّ فِي جزئه أَصْحَاب الْبدع كلاب النَّار
والرافعي عمل قَلِيل فِي سنة خير من عمل كثير فِي بِدعَة
стр. 7
وَالطَّبَرَانِيّ من وقر صَاحب بِدعَة فقد أعَان على هدم الْإِسْلَام
وَالْبَيْهَقِيّ وَابْن أبي عَاصِم فِي السّنة أَبى الله أَن يقبل عمل صَاحب بِدعَة حَتَّى يدع بدعته
والخطيب والديلمي إِذا مَاتَ صَاحب بِدعَة فقد فتح فِي الْإِسْلَام فتح
стр. 8
وَالطَّبَرَانِيّ وَالْبَيْهَقِيّ والضياء إِن الله احتجز التَّوْبَة عَن كل صَاحب بِدعَة
وَالطَّبَرَانِيّ إِن الْإِسْلَام يشيع ثمَّ يكون لَهُ فَتْرَة فَمن كَانَت فترته إِلَى غلو وبدعة فَأُولَئِك أهل النَّار
وَالْبَيْهَقِيّ لَا يقبل الله لصَاحب بِدعَة صَلَاة وَلَا صوما وَلَا صَدَقَة وَلَا حجا وَلَا عمْرَة وَلَا جهادا وَلَا صرفا وَلَا عدلا يخرج من الْإِسْلَام كَمَا تخرج الشعرة من الْعَجِين وسيتلى عَلَيْك مَا تعلم مِنْهُ علما قَطْعِيا أَن الرافضة والشيعة وَنَحْوهمَا من
стр. 9
أكَابِر أهل الْبِدْعَة فيتناولهم هَذَا الْوَعيد الَّذِي فِي هَذِه الْأَحَادِيث على أَنه ورد فيهم أَحَادِيث بخصوصهم
وَأخرج الْمحَامِلِي وَالطَّبَرَانِيّ وَالْحَاكِم عَن عويم بن سَاعِدَة أَنه ﷺ قَالَ (إِن الله اختارني وَاخْتَارَ لي أصحابا فَجعل لي مِنْهُم وزراء وأنصارا وأصهارا فَمن سبهم فَعَلَيهِ لعنة الله وَالْمَلَائِكَة وَالنَّاس أَجْمَعِينَ لَا يقبل الله مِنْهُ يَوْم الْقِيَامَة صرفا وَلَا عدلا)
والخطيب عَن أنس إِن الله اختارني وَاخْتَارَ لي أصحابا وَاخْتَارَ لي مِنْهُم أصهارا وأنصارا فَمن حفظني فيهم حفظه الله وَمن آذَانِي فيهم آذاه الله
وَأخرج الْعقيلِيّ فِي الضُّعَفَاء عَن أنس إِن الله اختارني وَاخْتَارَ لي أصحابا وأصهارا وَسَيَأْتِي قوم يسبونهم ويتنقصونهم فَلَا تُجَالِسُوهُمْ وَلَا
стр. 10
تشاربوهم وَلَا تؤاكلوهم وَلَا تناكحوهم
وَأخرج الْبَغَوِيّ وَالطَّبَرَانِيّ وَأَبُو نعيم فِي الْمعرفَة وَابْن عَسَاكِر عَن عِيَاض الْأنْصَارِيّ احْفَظُونِي فِي أَصْحَابِي وأصهاري وأنصاري فَمن حفظني فيهم حفظه الله فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة وَمن لم يحفظني فيهم تخلى الله مِنْهُ وَمن تخلى الله مِنْهُ يُوشك أَن يَأْخُذهُ
وَأخرج أَبُو ذَر الْهَرَوِيّ نَحوه عَن جَابر وَالْحسن بن عَليّ وَابْن عمر ﵄
وَأخرج هُوَ والذهبي عَن ابْن عَبَّاس ﵃ مَرْفُوعا يكون فِي آخر الزَّمَان قوم يسمون الرافضة يرفضون الْإِسْلَام فاقتلوهم فَإِنَّهُم
стр. 11
مشركون وَأخرج أَيْضا عَن إِبْرَاهِيم بن حسن بن حسي بن عَليّ عَن أَبِيه عَن جده ﵃ قَالَ قَالَ عَليّ بن أبي طَالب كرم الله وَجهه قَالَ رَسُول الله ﷺ (يظْهر فِي أمتِي فِي آخر الزَّمَان قوم يسمون الرافضة يرفضون الْإِسْلَام)
وَأخرج الدَّارَقُطْنِيّ عَن عَليّ عَن النَّبِي ﷺ قَالَ (سَيَأْتِي من بعدِي قوم لَهُم نبز يُقَال لَهُم الرافضة فَإِن أدركتهم فاقتلهم فَإِنَّهُم مشركون) قَالَ قلت يَا رَسُول الله مَا الْعَلامَة فيهم قَالَ يقرظونك بِمَا لَيْسَ فِيك ويطعنون على السّلف
وَأخرجه عَنهُ من طَرِيق أُخْرَى نَحوه وَكَذَلِكَ من طَرِيق أُخْرَى وَزَاد عَنهُ
стр. 12
ينتحلون حبنا أهل الْبَيْت وَلَيْسوا كَذَلِك وَآيَة ذَلِك أَنهم يسبون أَبَا بكر وَعمر ﵄
وَأخرج أَيْضا من طرق عَن فَاطِمَة الزهراء وَعَن أم سَلمَة ﵄ نَحوه قَالَ وَلِهَذَا الحَدِيث عندنَا طرق كَثِيرَة
وروى الطَّبَرَانِيّ عَن ابْن عَبَّاس من سبّ أَصْحَابِي فَعَلَيهِ لعنة الله وَالْمَلَائِكَة وَالنَّاس أَجْمَعِينَ وَعَن عَليّ ﵁ من سبّ الْأَنْبِيَاء قتل وَمن سبّ أَصْحَابِي جلد
والديلمي عَن أنس إِذا أَرَادَ الله بِرَجُل من أمتِي خيرا ألْقى حب أَصْحَابِي فِي قلبه
وَالتِّرْمِذِيّ عَن عبد الله بن مُغفل الله الله فِي أَصْحَابِي لَا تتخذوهم غَرضا بعدِي فَمن احبهم فبحبي أحبهم وَمن أبْغضهُم فببغضي أبْغضهُم وَمن آذاهم
стр. 13
فقد أذاني وَمن آذَانِي فقد آذَى الله وَمن آذَى الله يُوشك أَن يَأْخُذهُ
والخطيب عَن ابْن عمر إِذا رَأَيْتُمْ الَّذين يسبون أَصْحَابِي فَقولُوا لعنة الله على شركم
وَابْن عدي عَن عَائِشَة إِن شرار أمتِي أجرؤهم على أَصْحَابِي
وَابْن مَاجَه عَن عمر احْفَظُونِي فِي أَصْحَابِي ثمَّ الَّذين يَلُونَهُمْ ٠٠٠ الحَدِيث
والشيرازي فِي الألقاب عَن أبي سعيد احْفَظُونِي فِي أَصْحَابِي فَمن حفظني فيهم كَانَ عَلَيْهِ من الله حَافظ وَمن لم يحفظني فيهم تخلى الله مِنْهُ وَمن تخلى الله مِنْهُ يُوشك أَن يَأْخُذهُ
والخطيب عَن جَابر وَالدَّارَقُطْنِيّ فِي الْأَفْرَاد عَن أبي هُرَيْرَة إِن النَّاس
стр. 14
يكثرون وأصحابي يقلون فَلَا تسبوا أَصْحَابِي فَمن سبهم فَعَلَيهِ لعنة الله
روى الْحَاكِم عَن أبي سعيد أما إِنَّه لَا يدْرك قوم بعدكم صاعكم وَلَا مدكم
وَأخرج ابْن عَسَاكِر عَن الْحسن مُرْسلا مَا شَأْنكُمْ وشأن أَصْحَابِي ذَروا لي أَصْحَابِي فوالذي نَفسِي بِيَدِهِ لَو أنْفق أحدكُم مثل أحد ذَهَبا مَا أدْرك مثل عمل أحدهم يَوْمًا وَاحِدًا
وَأحمد والشيخان وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ عَن أبي سعيد وَمُسلم وَابْن مَاجَه عَن أبي هُرَيْرَة لَا تسبوا أَصْحَابِي فوالذي نَفسِي بِيَدِهِ لَو أَن أحدكُم أنْفق مثل أحد ذَهَبا مَا بلغ مد أحدهم وَلَا نصيفه
وَأحمد وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ عَن ابْن مَسْعُود لَا يبلغنِي أحد عَن أَصْحَابِي
стр. 15
شَيْئا فَإِنِّي أحب أَن أخرج إِلَيْكُم وَأَنا سليم الصَّدْر
وَأحمد عَن أنس دعوا لي أَصْحَابِي فوالذي نَفسِي بِيَدِهِ لَو أنفقتم مثل أحد ذَهَبا مَا بَلغْتُمْ أَعْمَالهم
وَالدَّارَقُطْنِيّ من حفظني فِي أَصْحَابِي ورد عَليّ الْحَوْض وَمن لم يحفظني فِي أَصْحَابِي لم يرد عَليّ الْحَوْض وَلم يرني
وَالطَّبَرَانِيّ وَالْحَاكِم عَن عبد الله بن بسر طُوبَى لمن رَآنِي وآمن بِي طُوبَى لمن رأى من رَآنِي وَلمن رأى من رأى من رَآنِي وآمن بِي طُوبَى لَهُم وَحسن مآب وَعبد بن حميد عَن أبي سعيد وَابْن عَسَاكِر عَن وَاثِلَة طُوبَى لمن
стр. 16
رَآنِي وَلمن رأى من رأى من رَآنِي
وَالطَّبَرَانِيّ عَن ابْن عمر لعن الله من سبّ أَصْحَابِي
وَالتِّرْمِذِيّ والضياء عَن بُرَيْدَة مَا من أحد من أَصْحَابِي يَمُوت بِأَرْض إِلَّا بعث قائدا ونورا لَهُم يَوْم الْقِيَامَة
وَأَبُو يعلى عَن أنس مثل أَصْحَابِي فِي أمتِي مثل الْملح فِي الطَّعَام لَا
стр. 17
يصلح الطَّعَام إِلَّا بالملح
وَأحمد وَمُسلم عَن أبي مُوسَى النُّجُوم أَمَنَة للسماء فَإِذا ذهبت النُّجُوم أَتَى السَّمَاء مَا توعد وَأَنا أَمَنَة لِأَصْحَابِي فَإِذا ذهبت أَنا أَتَى أَصْحَابِي مَا يوعدون وأصحابي أَمَنَة لأمتي فَإِذا ذهب أَصْحَابِي أَتَى أمتِي مَا يوعدون
وَالتِّرْمِذِيّ والضياء عَن جَابر لَا تمس النَّار مُسلما رَآنِي أَو رأى من رَآنِي
وَالتِّرْمِذِيّ وَالْحَاكِم خير الْقُرُون قَرْني ثمَّ الَّذين يَلُونَهُمْ ثمَّ الَّذين يَلُونَهُمْ الحَدِيث
وَالطَّبَرَانِيّ وَالْحَاكِم عَن جعدة بن هُبَيْرَة خير النَّاس قَرْني الَّذِي أَنا فِيهِ ثمَّ
стр. 18
الَّذين يَلُونَهُمْ ثمَّ الَّذين يَلُونَهُمْ وَالْآخرُونَ أراذل
وَمُسلم عَن أبي هُرَيْرَة خير أمتِي الْقرن الَّذِي بعثت فِيهِ ثمَّ الَّذين يَلُونَهُمْ ثمَّ الَّذين يَلُونَهُمْ الحَدِيث
والحكيم التِّرْمِذِيّ عَن أبي الدَّرْدَاء خير أمتِي أَولهَا وَآخِرهَا وَفِي وَسطهَا الكدر
وَأَبُو نعيم فِي الْحِلْية مُرْسلا خير هَذِه الْأمة أَولهَا وَآخِرهَا أَولهَا فيهم رَسُول الله ﷺ وَآخِرهَا فيهم عِيسَى ابْن مَرْيَم وَبَين ذَلِك نهج أَعْوَج لَيْسُوا مني وَلست مِنْهُم
وَالطَّبَرَانِيّ عَن ابْن مَسْعُود خير النَّاس قَرْني ثمَّ الثَّانِي ثمَّ الثَّالِث ثمَّ يَجِيء قوم لَا خير فيهم
стр. 19
وَابْن مَاجَه عَن أنس أمتِي على خمس طَبَقَات فأربعون سنة أهل بر وتقوى ثمَّ الَّذين يَلُونَهُمْ إِلَى عشْرين وَمِائَة أهل تواصل وتراحم ثمَّ الَّذين يَلُونَهُمْ إِلَى سِتِّينَ وَمِائَة أهل تدابر وتقاطع ثمَّ الْهَرج والمرج النجا النجا
وَله عَنهُ أَيْضا كل طبقَة أَرْبَعُونَ فَأَما طبقتي وطبقة أَصْحَابِي فَأهل علم وإيمان وَأما الطَّبَقَة الثَّانِيَة مَا بَين الْأَرْبَعين إِلَى الثَّمَانِينَ فَأهل بر وتقوى ثمَّ ذكر نَحوه
وَالْحسن بن سُفْيَان وَابْن مندة وَأَبُو نعيم فِي الْمعرفَة عَن دارم التَّمِيمِي الطَّبَقَة الأولى أَنا وَمن معي أهل علم ويقين إِلَى الْأَرْبَعين والطبقة الثَّانِيَة أهل بر وتقوى إِلَى الثَّمَانِينَ والطبقة الثَّالِثَة أهل تراحم وتواصل إِلَى الْعشْرين وَمِائَة والطبقة الرَّابِعَة أهل تقاطع وتظالم إِلَى السِّتين وَمِائَة والطبقة الْخَامِسَة أهل هرج ومرج إِلَى الْمِائَتَيْنِ وَلابْن عَسَاكِر مثله إِلَّا أَنه قَالَ فطبقتي وطبقة أَصْحَابِي أهل الْعلم وَالْإِيمَان وَقَالَ بدل المرج الحروب
وَكفى فخرا لَهُم أَن الله ﵎ شهد لَهُم بِأَنَّهُم خير النَّاس حَيْثُ قَالَ تَعَالَى ﴿كُنْتُم خير أمة أخرجت للنَّاس﴾ فَإِنَّهُم أول دَاخل فِي هَذَا الْخطاب كَذَلِك شهد لَهُم رَسُول الله ﷺ بقوله فِي الحَدِيث الْمُتَّفق على صِحَّته (خير الْقُرُون قَرْني) وَلَا مقَام أعظم من مقَام قوم ارتضاهم الله لصحبة نبيه
стр. 20
صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ونصرته وَقَالَ تَعَالَى ﴿مُحَمَّد رَسُول الله وَالَّذين مَعَه أشداء على الْكفَّار رحماء بَينهم﴾ الْآيَة وَقَالَ تَعَالَى وَالسَّابِقُونَ الْأَولونَ من الْمُهَاجِرين وَالْأَنْصَار وَالَّذين اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَان رَضِي الله عَنْهُم وَرَضوا عَنهُ
فَتَأمل ذَلِك فَإنَّك تنجو من قَبِيح مَا اختلقته الرافضة عَلَيْهِم مِمَّا هم بريئون مِنْهُ كَمَا سَيَأْتِي بسط ذَلِك وإيضاحه فالحذر الحذر من اعْتِقَاد أدنى شَائِبَة من شوائب النَّقْص فيهم معَاذ الله لم يخْتَر الله لأكمل أنبيائه إِلَّا أكمل من عداهم من بَقِيَّة الْأُمَم كَمَا أعلمنَا ذَلِك بقوله ﴿كُنْتُم خير أمة أخرجت للنَّاس﴾
وَمِمَّا يرشدك إِلَى أَن مَا نسبوه إِلَيْهِم كذب مختلق عَلَيْهِم أَنهم لم ينقلوا شَيْئا مِنْهُ بِإِسْنَاد عرفت رِجَاله وَلَا عدلت نقلته وَإِنَّمَا هُوَ شَيْء من إفكهم وحمقهم وجهلهم وافترائهم على الله فإياك أَن تدع الصَّحِيح وتتبع السقيم ميلًا إِلَى الْهوى والعصبية وسيتلى عَلَيْك عَن عَليّ كرم الله وَجهه وَعَن أكَابِر أهل بَيته من تَعْظِيم الصَّحَابَة سِيمَا الشَّيْخَانِ وَعُثْمَان وَبَقِيَّة الْعشْرَة المبشرين بِالْجنَّةِ مَا فِيهِ مقنع لمن الْهم رشده
وَكَيف يسوغ لمن هُوَ من العترة النَّبَوِيَّة أَو من المتمسكين بحبلهم أَن يعدل عَمَّا تَوَاتر عَن إمَامهمْ عَليّ ﵁ من قَوْله إِن خير هَذِه الْأمة بعد نبيها أَبُو بكر ثمَّ عمر وَزعم الرافضة لعنهم الله أَن ذَلِك تقية سيتكرر عَلَيْك رده
стр. 21
وَبَيَان بُطْلَانه وَأَن ذَلِك أدّى بعض الرافضة إِلَى أَن كفر عليا قَالَ لِأَنَّهُ أعَان الْكفَّار على كفرهم فَقَاتلهُمْ الله مَا أحمقهم وأجهلهم
وروى الطَّبَرَانِيّ وَغَيره عَن عَليّ ﵁ الله الله فِي أَصْحَاب نَبِيكُم ﷺ فَإِنَّهُ أوصى بهم خيرا
стр. 22
الْمُقدمَة الثَّانِيَة
اعْلَم أَيْضا أَن الصَّحَابَة رضوَان الله تَعَالَى عَلَيْهِم أَجْمَعِينَ أَجمعُوا على أَن نصب الإِمَام بعد انْقِرَاض زمن النُّبُوَّة وَاجِب بل جَعَلُوهُ أهم الْوَاجِبَات حَيْثُ اشتغلوا بِهِ عَن دفن رَسُول الله ﷺ وَاخْتِلَافهمْ فِي التَّعْيِين لَا يقْدَح فِي الْإِجْمَاع الْمَذْكُور ولتلك الأهمية لما توفّي رَسُول الله ﷺ قَامَ أَبُو بكر ﵁ خَطِيبًا كَمَا سَيَأْتِي فَقَالَ أَيهَا النَّاس من كَانَ يعبد مُحَمَّدًا فَإِن مُحَمَّدًا قد مَاتَ وَمن كَانَ يعبد الله فَإِن الله حَيّ لَا يَمُوت وَلَا بُد لهَذَا الْأَمر مِمَّن يقوم بِهِ فانظروا وهاتوا آراءكم فَقَالُوا صدقت نَنْظُر فِيهِ
ثمَّ ذَلِك الْوُجُوب عندنَا معشر أهل السّنة وَالْجَمَاعَة وَعند أَكثر الْمُعْتَزلَة بِالسَّمْعِ أَي من جِهَة التَّوَاتُر وَالْإِجْمَاع الْمَذْكُور وَقَالَ كثير بِالْعقلِ وَوجه ذَلِك الْوُجُوب أَنه ﷺ أَمر بِإِقَامَة الْحُدُود وسد الثغور وتجهيز الجيوش للْجِهَاد وَحفظ بَيْضَة الْإِسْلَام وَمَا لَا يتم الْوَاجِب الْمُطلق إِلَّا بِهِ وَإِن كَانَ مَقْدُورًا فَهُوَ وَاجِب وَلِأَن فِي نَصبه جلب مَنَافِع لَا تحصى وَدفع مضار لَا تستقصى وكل مَا كَانَ كَذَلِك يكون وَاجِبا
أما الصُّغْرَى على مَا فِي شرح الْمَقَاصِد فتكاد تلْحق بالضروريات بل
стр. 23
بالمشاهدات بِشَهَادَة مَا نرَاهُ من الْفِتَن وَالْفساد وانفصام أُمُور الْعباد بِمُجَرَّد موت الإِمَام وَإِن لم يكن على مَا يَنْبَغِي من الصّلاح والسداد
وَأما الْكُبْرَى فبالإجماع عندنَا وبالضرورة عِنْد من قَالَ بِالْوُجُوب عقلا من الْمُعْتَزلَة كابي الْحُسَيْن والجاحظ والخياط والكعبي وَأما مُخَالفَة الْخَوَارِج وَنَحْوهم فِي الْوُجُوب فَلَا يعْتد بهَا لِأَن مخالفتهم كَسَائِر المبتدعة لَا تقدح فِي الْإِجْمَاع وَلَا تخل بِمَا يفِيدهُ من الْقطع بالحكم الْمجمع عَلَيْهِ وَدَعوى أَن فِي نَصبه ضَرَرا من حَيْثُ إِن إِلْزَام من هُوَ مثله بامتثال أوامره فِيهِ إِضْرَار بِهِ فَيُؤَدِّي إِلَى الْفِتْنَة وَمن حَيْثُ إِنَّه غير مَعْصُوم من نَحْو الْكفْر والفسوق فَإِن لم يعتزل أضرّ بِالنَّاسِ وَإِن عزل أدّى إِلَى محاربته وفيهَا ضَرَر أَي ضَرَر بَاطِلَة لَا ينظر إِلَيْهَا لِأَن الْإِضْرَار اللَّازِم من ترك نَصبه أعظم وأقبح بل لَا نِسْبَة بَينهمَا وَدفع الضَّرَر الْأَعْظَم عِنْد التَّعَارُض وَاجِب وَفرض انتظام حَال النَّاس بِدُونِ إِمَام محَال عَادَة كَمَا هُوَ مشَاهد
стр. 24
الْمُقدمَة الثَّالِثَة
الْإِمَامَة تثبت إِمَّا بِنَصّ من الإِمَام على اسْتِخْلَاف وَاحِد من أَهلهَا وَإِمَّا بعقدها من أهل الْحل وَالْعقد لمن عقدت لَهُ من أَهلهَا كَمَا سَيَأْتِي بَيَان ذَلِك فِي الْأَبْوَاب وَإِمَّا بِغَيْر ذَلِك كَمَا هُوَ مُبين فِي مَحَله من كتب الْفُقَهَاء وَغَيرهم
وَاعْلَم أَنه يجوز نصب الْمَفْضُول مَعَ وجود من هُوَ افضل مِنْهُ لإِجْمَاع الْعلمَاء بعد الْخُلَفَاء الرَّاشِدين على إِمَامَة بعض من قُرَيْش مَعَ وجود افضل مِنْهُم وَلِأَن عمر ﵁ جعل الْخلَافَة بَين سِتَّة من الْعشْرَة مِنْهُم عُثْمَان وَعلي رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا وهما افضل أهل زمانهما بعد عمر فَلَو تعين الْأَفْضَل لعين عمر عُثْمَان فَدلَّ عدم تَعْيِينه أَنه يجوز نصب غير عُثْمَان وَعلي مَعَ وجودهما وَالْمعْنَى فِي ذَلِك أَن غير الْأَفْضَل قد يكون أقدر مِنْهُ على الْقيام بمصالح الدّين وَأعرف بتدبير الْملك وأوفق لانتظام حَال الرّعية وأوثق فِي اندفاع الْفِتْنَة وَاشْتِرَاط الْعِصْمَة فِي الإِمَام وَكَونه هاشميا وَظُهُور معْجزَة على يَدَيْهِ يعلم بهَا صدقه من خرافات نَحْو الشِّيعَة وجهالاتهم لما سَيَأْتِي بَيَانه وإيضاحه من حقية خلَافَة أبي بكر وَعمر وَعُثْمَان ﵃ مَعَ انْتِفَاء ذَلِك فيهم
وَمن جهالاتهم أَيْضا قَوْلهم إِن غير الْمَعْصُوم يُسمى ظَالِما فيتناوله قَوْله تَعَالَى ﴿لَا ينَال عهدي الظَّالِمين﴾
стр. 25
وَلَيْسَ كَمَا زَعَمُوا إِذْ الظَّالِم لُغَة من يضع الشَّيْء فِي غير مَحَله وَشرعا العَاصِي وَغير الْمَعْصُوم قد يكون مَحْفُوظًا فَلَا يصدر عَنهُ ذَنْب أَو يصدر عَنهُ وَيَتُوب مِنْهُ حَالا تَوْبَة نصُوحًا فالآية لَا تتناوله وَإِنَّمَا تتَنَاوَل العَاصِي على أَن الْعَهْد فِي الْآيَة كَمَا يحْتَمل أَن يُرَاد بِهِ الْإِمَامَة الْعُظْمَى يحْتَمل أَيْضا أَن المُرَاد بِهِ النُّبُوَّة أَو الْإِمَامَة فِي الدّين أَو نَحْوهمَا من مَرَاتِب الْكَمَال وَهَذِه الْجَهَالَة مِنْهُم إِنَّمَا اخترعوها ليبنوا عَلَيْهَا بطلَان خلَافَة غير عَليّ وَسَيَأْتِي مَا يرد عَلَيْهِم وَيبين عنادهم وجهلهم وضلالهم نَعُوذ بِاللَّه من الْفِتَن والمحن آمين
стр. 26
الْبَاب الأول فِي بَيَان كَيْفيَّة خلَافَة الصّديق ﵁ وَالِاسْتِدْلَال على حقيتها بالأدلة النقلية والعقلية وَمَا يتبع ذَلِك وَفِيه فُصُول
стр. 27
الْفَصْل الأول فِي بَيَان كيفيتها
روى الشَّيْخَانِ البُخَارِيّ وَمُسلم فِي صَحِيحَيْهِمَا اللَّذين هما أصح الْكتب بعد الْقُرْآن بِإِجْمَاع من يعْتد بِهِ أَن عمر ﵁ خطب النَّاس مرجعه من الْحَج فَقَالَ فِي خطبَته قد بَلغنِي أَن قَائِلا مِنْكُم يَقُول لَو مَاتَ عمر بَايَعت فلَانا فَلَا يغترن امْرُؤ أَن يَقُول إِن بيعَة أبي بكر كَانَت فلتة أَلا وَإِنَّهَا كَذَلِك إِلَّا أَن الله وقى شَرها وَلَيْسَ فِيكُم الْيَوْم من تقطع إِلَيْهِ الْأَعْنَاق مثل أبي بكر وَإنَّهُ كَانَ من خيارنا حِين توفّي رَسُول الله ﷺ إِن عليا وَالزُّبَيْر وَمن مَعَهُمَا تخلفوا فِي بَيت فَاطِمَة وَتَخَلَّفت الْأَنْصَار عَنَّا بأجمعها فِي سَقِيفَة بني سَاعِدَة وَاجْتمعَ الْمُهَاجِرُونَ إِلَى أبي بكر فَقلت لَهُ يَا أَبَا بكر انْطلق بِنَا إِلَى إِخْوَاننَا من الْأَنْصَار فَانْطَلَقْنَا نؤمهم أَي نقصدهم حَتَّى لَقينَا رجلَانِ صالحان فذكرا لنا الَّذِي صنع الْقَوْم قَالَا أَيْن تُرِيدُونَ يَا معشر الْمُهَاجِرين فَقُلْنَا نُرِيد إِخْوَاننَا من الْأَنْصَار فَقَالَا لَا عَلَيْكُم أَن لَا تقربوهم واقضوا أَمركُم يَا معشر الْمُهَاجِرين فَقلت وَالله لنأتينهم فَانْطَلقَا حَتَّى جئناهم فِي سَقِيفَة بني سَاعِدَة فَإِذا هم مجتمعون فَإِذا بَين ظهرانيهم رجل مزمل فَقلت من هَذَا قَالُوا سعد بن عبَادَة فَقلت مَا لَهُ قَالُوا وجع فَلَمَّا جلسنا قَامَ خطيبهم فَأثْنى على الله بِمَا هُوَ أَهله وَقَالَ أما بعد فَنحْن أنصار
стр. 28
الله وكتيبة الْإِسْلَام وَأَنْتُم يَا معشر الْمُهَاجِرين رَهْط منا وَقد دفت دافة مِنْكُم أَي دب قوم مِنْكُم بالاستعلاء والترفع علينا تُرِيدُونَ أَن تخذلونا من أصلنَا وتحضنونا من الْأَمر أَي تنحونا مِنْهُ وتستبدون بِهِ دُوننَا فَلَمَّا سكت أردْت أَن أَتكَلّم وَقد كنت زورت مقَالَة أعجبتني أردْت أَن أقولها بَين يَدي أبي بكر وَقد كنت أداري مِنْهُ بعض الْحَد وَهُوَ كَانَ أحلم مني وأوقر فَقَالَ أَبُو بكر على رسلك فَكرِهت أَن أغضبهُ وَكَانَ أعلم مني وَالله مَا ترك من كلمة أعجبتني فِي تزويري إِلَّا قَالَهَا فِي بديهته وافضل حَتَّى سكت فَقَالَ أما بعد فَمَا ذكرْتُمْ من خير فَأنْتم أَهله وَلم تعرف الْعَرَب هَذَا الْأَمر إِلَّا لهَذَا الْحَيّ من قُرَيْش هم أَوسط الْعَرَب نسبا ودارا وَقد رضيت لكم أحد هذَيْن الرجلَيْن فَبَايعُوا أَيهمَا شِئْتُم وَأخذ بيَدي وبيد أبي عُبَيْدَة بن الْجراح فَلم أكره مَا قَالَ غَيرهَا وَلِأَن وَالله أقدم فَتضْرب عنقِي لَا يقربنِي ذَلِك من إِثْم أحب إِلَيّ من أَن أتأمر على قوم فيهم أَبُو بكر فَقَالَ قَائِل من الْأَنْصَار أَي هُوَ الْحباب بِمُهْملَة مَضْمُومَة فموحدة ابْن الْمُنْذر أَنا جذيلها المحكك وعذيقها المرجب أَي أَنا الَّذِي يشتفى برأيي وتدبيري وَأَمْنَع بجلدتي ولحمتي كل نائبة تنوبهم كَمَا دلّ على ذَلِك مَا فِي كَلَامه من الِاسْتِعَارَة بِالْكِنَايَةِ المخيل لَهَا بِذكر مَا يلائم الْمُشبه بِهِ إِذْ مَوْضُوع الجذيل المحكك وَهُوَ بجيم فمعجمة تَصْغِير جذل عود ينصب فِي العطن لتحتك بِهِ الْإِبِل الجرباء والتصغير للتعظيم والعذق بِفَتْح الْعين النَّخْلَة بحملها فاستعارها لما
стр. 29
ذَكرْنَاهُ والمرجب بِالْجِيم وَغلط من قَالَ بِالْحَاء من قَوْلهم نَخْلَة رجبية وترجيبها ضم أعذاقها إِلَى سعفاتها وشدها بالخوص لِئَلَّا ينفضها الرّيح أَو يصل إِلَيْهَا آكل منا أَمِير ومنكم أَمِير يَا معشر قُرَيْش وَكثر اللَّغط وَارْتَفَعت الْأَصْوَات حَتَّى خشيت الِاخْتِلَاف فَقلت ابْسُطْ يدك يَا أَبَا بكر فَبسط يَده فَبَايَعته ثمَّ بَايعه الْمُهَاجِرُونَ ثمَّ بَايعه الْأَنْصَار أما وَالله مَا وجدنَا فِيمَا حَضَرنَا أمرا هُوَ أوفق من مبايعة أبي بكر خشينا إِن فارقنا الْقَوْم وَلم تكن بيعَة أَن يحدثوا بَعدنَا بيعَة فإمَّا أَن نبايعهم على مَا لَا نرضى وَإِمَّا أَن نخالفهم فَيكون فِيهِ فَسَاد وَفِي رِوَايَة أَن أَبَا بكر احْتج على الْأَنْصَار بِخَبَر الْأَئِمَّة من قُرَيْش وَهُوَ // حَدِيث صَحِيح // ورد من طرق عَن نَحْو أَرْبَعِينَ صحابيا
وَأخرج النَّسَائِيّ وَأَبُو يعلى وَالْحَاكِم وَصَححهُ عَن ابْن مَسْعُود قَالَ لما قبض رَسُول الله ﷺ قَالَت الْأَنْصَار منا أَمِير ومنكم أَمِير فَأَتَاهُم عمر بن الْخطاب فَقَالَ يَا معشر الْأَنْصَار ألستم تعلمُونَ أَن رَسُول الله ﷺ قد أَمر أَبَا بكر أَن يؤم النَّاس وَأَيكُمْ تطيب نَفسه أَن يتَقَدَّم أَبَا بكر فَقَالَ الْأَنْصَار نَعُوذ بِاللَّه أَن نتقدم أَبَا بكر
стр. 30
وَأخرج ابْن سعد وَالْحَاكِم وَالْبَيْهَقِيّ عَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ أَنهم لما اجْتَمعُوا بالسقيفة بدار سعد بن عبَادَة وَفِيهِمْ أَبُو بكر وَعمر ﵄ قَامَ خطباء الْأَنْصَار فَجعل الرجل مِنْهُم يَقُول يَا معشر الْمُهَاجِرين إِن رَسُول الله ﷺ كَانَ إِذا اسْتعْمل الرجل مِنْكُم يقرن مَعَه رجلا منا فنرى أَن يَلِي هَذَا الْأَمر رجلَانِ منا ومنكم فتتابعت خطباؤهم على ذَلِك فَقَامَ زيد بن ثَابت فَقَالَ أتعلمون أَن رَسُول الله ﷺ كَانَ من الْمُهَاجِرين وخليفته من الْمُهَاجِرين وَنحن كُنَّا أنصار رَسُول الله ﷺ فَنحْن أنصار خَلِيفَته كَمَا كُنَّا أنصاره ثمَّ أَخذ بيد أبي بكر فَقَالَ هَذَا صَاحبكُم فَبَايعهُ عمر ثمَّ بَايعه الْمُهَاجِرُونَ وَالْأَنْصَار وَصعد أَبُو بكر الْمِنْبَر وَنظر فِي وُجُوه الْقَوْم فَلم ير الزبير فَدَعَا بِهِ فجَاء فَقَالَ قلت ابْن عمَّة رَسُول الله ﷺ وحواريه أردْت أَن تشق عَصا الْمُسلمين فَقَالَ لَا تَثْرِيب يَا خَليفَة رَسُول الله فَقَامَ فَبَايعهُ ثمَّ نظر فِي وُجُوه الْقَوْم فَلم ير عليا فَدَعَا بِهِ فجَاء فَقَالَ قلت ابْن عَم رَسُول الله وَخَتنه على بنته أردْت أَن تشق عَصا الْمُسلمين فَقَالَ لَا تَثْرِيب يَا خَليفَة رَسُول الله فَبَايعهُ
وروى ابْن إِسْحَاق عَن أنس أَنه لما بُويِعَ فِي السَّقِيفَة جلس الْغَد على الْمِنْبَر فَقَامَ عمر فَتكلم قبله فَحَمدَ الله وَأثْنى عَلَيْهِ ثمَّ قَالَ إِن الله قد جمع أَمركُم على خَيركُمْ صَاحب رَسُول الله ﷺ وَثَانِي اثْنَيْنِ إِذْ هما فِي الْغَار فَقومُوا فَبَايعُوهُ فَبَايع النَّاس أَبَا بكر بيعَة الْعَامَّة بعد بيعَة السَّقِيفَة ثمَّ تكلم أَبُو بكر فَحَمدَ الله وَأثْنى عَلَيْهِ مَا هُوَ أَهله ثمَّ قَالَ أما بعد أَيهَا النَّاس فَإِنِّي قد وليت عَلَيْكُم
стр. 31
وَلست بِخَيْرِكُمْ فَإِن أَحْسَنت فأعيونني وَإِن أَسَأْت فقوموني الصدْق أَمَانَة وَالْكذب خِيَانَة والضعيف فِيكُم قوي عِنْدِي حَتَّى أُرِيح عَلَيْهِ حَقه إِن شَاءَ الله وَالْقَوِي فِيكُم ضَعِيف حَتَّى آخذ الْحق مِنْهُ إِن شَاءَ الله تَعَالَى لَا يدع قوم الْجِهَاد فِي سَبِيل الله إِلَّا ضَربهمْ الله بالذل وَلَا تشيع الْفَاحِشَة فِي قوم قطّ إِلَّا عمهم الله بالبلاء أَطِيعُونِي مَا أطلعت الله وَرَسُوله فَإِذا عصيت الله وَرَسُوله فَلَا طَاعَة لي عَلَيْكُم قومُوا إِلَى صَلَاتكُمْ يَرْحَمكُمْ الله
وَأخرج مُوسَى بن عقبَة فِي مغازية وَالْحَاكِم وَصَححهُ عَن عبد الرَّحْمَن بن عَوْف ﵁ قَالَ خطب أَبُو بكر ﵁ فَقَالَ وَالله مَا كنت حَرِيصًا على الْإِمَارَة يَوْمًا وَلَا لَيْلَة قطّ وَلَا كنت رَاغِبًا فِيهَا وَلَا سَأَلتهَا الله فِي سر وَلَا عَلَانيَة وَلَكِنِّي أشفقت من الْفِتْنَة وَمَالِي فِي الْإِمَارَة من رَاحَة لقد قلدت أمرا عَظِيما مَالِي بِهِ من طَاقَة وَلَا يَد إِلَّا بتقوية الله فَقَالَ عَليّ وَالزُّبَيْر مَا غضبنا إِلَّا لأَنا أخرنا عَن المشورة وَإِنَّا نرى أَبَا بكر أَحَق النَّاس بهَا إِنَّه لصَاحب الْغَار وَإِنَّا لنعرف شرفه وخيره وَلَقَد أمره رَسُول الله ﷺ بِالصَّلَاةِ بِالنَّاسِ وَهُوَ حَيّ
وَأخرج ابْن سعد عَن إِبْرَاهِيم التَّيْمِيّ أَن عمر أَتَى أَبَا عُبَيْدَة أَولا ليبايعه وَقَالَ إِنَّك أَمِين هَذِه الْأمة على لِسَان رَسُول الله ﷺ فَقَالَ لَهُ مَا رَأَيْت لَك فهة أَي ضعف رَأْي قبلهَا مُنْذُ أسلمت أتبايعني وَفِيكُمْ الصّديق وَثَانِي اثْنَيْنِ
وَأخرج أَيْضا أَن أَبَا بكر قَالَ لعمر ابْسُطْ يدك لأبايعك فَقَالَ لَهُ أَنْت أفضل
стр. 32
مني فَأَجَابَهُ بأنت أقوى مني ثمَّ كرر ذَلِك فَقَالَ عمر فَإِن قوتي لَك مَعَ فضلك فَبَايعهُ
وَأخرج أَحْمد أَن أَبَا بكر لما خطب يَوْم السَّقِيفَة لم يتْرك شَيْئا أنزل فِي الْأَنْصَار وَذكره رَسُول الله ﷺ فِي شَأْنهمْ إِلَّا ذكره وَقَالَ لقد علمْتُم أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ (لَو سلك النَّاس وَاديا وسلكت الْأَنْصَار وَاديا لَسَلَكْت وَادي الْأَنْصَار) وَلَقَد علمت يَا سعد أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ وَأَنت قَاعد قُرَيْش وُلَاة هَذَا الْأَمر فبر النَّاس تبع لبرهم وفاجرهم تبع لفاجرهم فَقَالَ لَهُ سعد صدقت نَحن الوزراء وَأَنْتُم الْأُمَرَاء
وَيُؤْخَذ مِنْهُ ضعف مَا حَكَاهُ ابْن عبد الْبر أَن سَعْدا أَبى أَن يُبَايع أَبَا بكر حَتَّى لَقِي الله
وَأخرج أَحْمد عَن أبي بكر أَنه اعتذر عَن قبُوله الْبيعَة خشيَة فتْنَة يكون بعْدهَا ردة وَفِي رِوَايَة عِنْد ابْن إِسْحَاق وَغَيره أَن سائله قَالَ لَهُ مَا حملك على أَن تلِي أَمر النَّاس وَقد نهيتني أَن أتأمر على اثْنَيْنِ فَقَالَ لم أجد من ذَلِك بدا خشيت على أمة مُحَمَّد ﷺ الْفرْقَة
وَأخرج أَحْمد أَنه بعد شهر نَادَى فِي النَّاس الصَّلَاة جَامِعَة وَهِي أول صَلَاة
стр. 33
نَادَى لَهَا بذلك ثمَّ خطب فَقَالَ أَيهَا النَّاس وددت أَن هَذَا كَفَانِيهِ غَيْرِي وَلَئِن أخذتموني بِسنة نَبِيكُم مَا أطيقها إِنَّه كَانَ لمعصوما من الشَّيْطَان وَإنَّهُ كَانَ لينزل عَلَيْهِ الْوَحْي من السَّمَاء
وَفِي رِوَايَة لِابْنِ سعد أما بعد فَإِنِّي قد وليت هَذَا الْأَمر وَأَنا لَهُ كَارِه وَوَاللَّه لَوَدِدْت أَن بَعْضكُم كَفَانِيهِ أَلا وَإِنَّكُمْ إِن كلفتموني أَن أعمل فِيكُم بِمثل عمل رَسُول الله ﷺ لم أقِم بِهِ كَانَ رَسُول الله ﷺ عبدا أكْرمه الله بِالْوَحْي وَعَصَمَهُ بِهِ أَلا وَإِنَّمَا أَنا بشر وَلست بِخَير من أحدكُم فراعوني فَإِذا رَأَيْتُمُونِي اسْتَقَمْت فَاتبعُوني وَإِذا رَأَيْتُمُونِي زِغْت فقوموني وَاعْلَمُوا أَن لي شَيْطَانا يَعْتَرِينِي فَإِذا رَأَيْتُمُونِي غضِبت فاجتنبوني لَا أُؤْثِر فِي أَشْعَاركُم وَأَبْشَاركُمْ
وَفِي أُخْرَى لِابْنِ سعد والخطيب أَنه قَالَ أما بعد فَإِنِّي قد وليت أَمركُم وَلست بِخَيْرِكُمْ وَلكنه نزل الْقُرْآن وَسن النَّبِي ﷺ السّنَن فَعلمنَا فاعلموا أَيهَا النَّاس أَن أَكيس الْكيس التقى وأعجز الْعَجز الْفُجُور وَأَن أقواكم عِنْدِي الضَّعِيف حَتَّى آخذ لَهُ بِحقِّهِ وَأَن أَضْعَفكُم عِنْدِي الْقوي حَتَّى آخذ مِنْهُ الْحق أَيهَا النَّاس إِنَّمَا أَنا مُتبع وَلست بِمُبْتَدعٍ فَإِذا أَحْسَنت فَأَعِينُونِي وَإِذا أَنا زِغْت فقوموني قَالَ مَالك لَا يكون أحد إِمَامًا أبدا إِلَّا على هَذَا الشَّرْط
وَأخرج الْحَاكِم أَن أَبَا قُحَافَة لما سمع بِولَايَة ابْنه قَالَ هَل رَضِي بذلك بَنو
стр. 34
عبد منَاف وَبَنُو الْمُغيرَة قَالُوا نعم قَالَ لَا وَاضع لما رفعت وَلَا رَافع لما وضعت
وَأخرج الْوَاقِدِيّ من طرق أَنه بُويِعَ يَوْم مَاتَ رَسُول الله ﷺ
وَالطَّبَرَانِيّ عَن ابْن عمر أَنه لم يجلس مجْلِس النَّبِي ﷺ من الْمِنْبَر وَلَا جلس عمر مجْلِس أبي بكر وَلَا جلس عُثْمَان مجْلِس عمر
стр. 35
الْفَصْل الثَّانِي فِي بَيَان انْعِقَاد الْإِجْمَاع على وَلَا يته ﵁
تَنْبِيه
قد علم مِمَّا قدمْنَاهُ أَن الصَّحَابَة رضوَان الله عَلَيْهِم أَجمعُوا على ذَلِك وَأَن مَا حُكيَ من تخلف سعد بن عبَادَة عَن الْبيعَة مَرْدُود
وَمِمَّا يُصَرح بذلك أَيْضا مَا أخرجه الْحَاكِم وَصَححهُ عَن ابْن مَسْعُود قَالَ مَا رَآهُ الْمُسلمُونَ حسنا فَهُوَ عِنْد الله حسن وَمَا رَآهُ الْمُسلمُونَ سَيِّئًا فَهُوَ عِنْد الله سيء
وَقد رأى الصَّحَابَة جَمِيعًا أَن يسْتَخْلف أَبُو بكر فَانْظُر إِلَى مَا صَحَّ عَن ابْن مَسْعُود وَهُوَ من أكَابِر الصَّحَابَة وفقهائهم ومتقدميهم من حِكَايَة الْإِجْمَاع من الصَّحَابَة جَمِيعًا على خلَافَة أبي بكر وَلذَلِك كَانَ هُوَ الأحق بالخلافة عِنْد جَمِيع أهل السّنة وَالْجَمَاعَة فِي كل عصر منا إِلَى الصَّحَابَة رضوَان الله عَلَيْهِم أَجْمَعِينَ وَكَذَلِكَ عِنْد جَمِيع الْمُعْتَزلَة وَأكْثر الْفرق وإجماعهم على خِلَافَته قَاض بإجماعهم على أَنه أهل لَهَا مَعَ أَنَّهَا من الظُّهُور بِحَيْثُ لَا تخفى
فَلَا يُقَال إِنَّهَا وَاقعَة يحْتَمل أَنَّهَا لم تبلغ بَعضهم وَلَو بلغت الْكل لربما أظهر
стр. 36
بَعضهم خلافًا على أَن هَذَا إِنَّمَا يتَوَهَّم أَن لَو لم يَصح عَن بعض الصَّحَابَة المشاهدين لذَلِك الْأَمر من أَوله إِلَى آخِره حِكَايَة الْإِجْمَاع وَأما بعد أَن صَحَّ عَن مثل ابْن مَسْعُود حِكَايَة إِجْمَاعهم كلهم فَلَا يتَوَهَّم ذَلِك أصلا سِيمَا وَعلي كرم الله وَجهه مِمَّن حكى الْإِجْمَاع على ذَلِك أَيْضا كَمَا سَيَأْتِي عِنْد أَنه مَا قدم الْبَصْرَة سُئِلَ عَن مسيره هَل هُوَ بِعَهْد من النَّبِي ﷺ فَذكر مبايعته هُوَ وَبَقِيَّة الصَّحَابَة لأبي بكر وَأَنه لم يخْتَلف عَلَيْهِ مِنْهُم اثْنَان
وَأخرج الْبَيْهَقِيّ عَن الزَّعْفَرَانِي قَالَ سَمِعت الشَّافِعِي يَقُول أجمع النَّاس على خلَافَة أبي بكر ﵁ وَذَلِكَ أَنه اضْطِرَاب النَّاس بعد رَسُول الله ﷺ فَلم يَجدوا تَحت أَدِيم السَّمَاء خيرا من أبي بكر فولوه رقابهم
وَأخرج أَسد السّنة عَن مُعَاوِيَة بن قُرَّة قَالَ مَا كَانَ أَصْحَاب رَسُول الله ﷺ يَشكونَ أَن أَبَا بكر خَليفَة رَسُول الله ﷺ وَمَا كَانُوا يسمونه إِلَّا خَليفَة رَسُول الله ﷺ وَمَا كَانُوا يَجْتَمعُونَ على خطا وَلَا ضَلَالَة وَأَيْضًا فالأمة أَجمعت على حقية إِمَامَة أحد الثَّلَاثَة ابي بكر وَعلي وَالْعَبَّاس ﵃ ثمَّ إنَّهُمَا لم ينازعاه بل بايعاه فتم بذلك الْإِجْمَاع لَهُ على إِمَامَته دونهمَا إِذْ لَو لم يكن على حق لنازعاه كَمَا نَازع عَليّ مُعَاوِيَة مَعَ قُوَّة شَوْكَة مُعَاوِيَة عدَّة وعددا على شَوْكَة أبي بكر فَإِذا لم يبال عَليّ بهَا ونازعه فَكَانَت منازعته لأبي بكر أولى وَأَحْرَى فَحَيْثُ لم ينازعه دلّ على اعترافه بحقية خِلَافَته وَلَقَد سَأَلَهُ الْعَبَّاس فِي
стр. 37
أَن يبايعه فَلم يقبل وَلَو علم نصا عَلَيْهِ لقبل سِيمَا وَمَعَهُ الزبير مَعَ شجاعته وَبَنُو هَاشم وَغَيرهم
وَمر أَن الْأَنْصَار كَرهُوا بيعَة أبي بكر وَقَالُوا منا أَمِير ومنكم أَمِير فدفعهم ابو بكر بِخَبَر الْأَئِمَّة من قُرَيْش فانقادوا لَهُ وأطاعوه وَعلي أقوى مِنْهُم شَوْكَة وعدة وعددا وشجاعة فَلَو كَانَ مَعَه نَص لَكَانَ أَحْرَى بالمنازعة وأحق بالإجابة وَلَا يقْدَح فِي حِكَايَة الْإِجْمَاع تَأَخّر عَليّ وَالزُّبَيْر وَالْعَبَّاس وَطَلْحَة مُدَّة لأمور مِنْهَا أَنهم رَأَوْا أَن الْأَمر تمّ بِمن تيَسّر حُضُوره حِينَئِذٍ من أهل الْحل وَالْعقد وَمِنْهَا أَنهم لما جَاءُوا وَبَايَعُوا اعتذروا كَمَا مر عَن الْأَوَّلين من طرق بِأَنَّهُم أخروا عَن المشورة مَعَ أَن لَهُم فِيهَا حَقًا لَا للقدح فِي خلَافَة الصّديق هَذَا مَعَ الِاحْتِيَاج فِي هَذَا الْأَمر لخطره إِلَى الشورى التَّامَّة وَلِهَذَا مر عَن عمر بِسَنَد صَحِيح أَن تِلْكَ الْبيعَة كَانَت فلتة وَلَكِن وقى الله شَرها
ويوافق مَا مر عَن الْأَوَّلين من الِاعْتِذَار مَا أخرجه الدراقطني من طرق كَثِيرَة أَنَّهُمَا قَالَا عِنْد مبايعتهما لأبي بكر إِلَّا أَنا أخرنا عَن المشورة وَإِنَّا لنرى أَن أَبَا بكر أَحَق النَّاس بهَا إِنَّه لصَاحب الْغَار وَثَانِي اثْنَيْنِ وَإِنَّا لنعرف لَهُ شرفه وخيره وَفِي آخرهَا أَنه اعتذر إِلَيْهِم فَقَالَ وَالله مَا كنت حَرِيصًا على الْإِمَارَة يَوْمًا قطّ وَلَا لَيْلَة وَلَا كنت فِيهَا رَاغِبًا وَلَا سَأَلتهَا الله فِي سر وَلَا عَلَانيَة وَلَكِنِّي أشفقت من الْفِتْنَة وَمَالِي فِي الْإِمَارَة من رَاحَة وَلَقَد قلدت أمرا عَظِيما إِلَى آخر مَا مر فقبلوا مِنْهُ ذَلِك وَمَا اعتذر بِهِ
стр. 38
وَأخرج الدَّارَقُطْنِيّ أَيْضا عَن عَائِشَة أَن عليا بعث لأبي بكر ﵄ أَن ائتنا فاتاهم أَبُو بكر رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ وَقد اجْتمعت بَنو هَاشم إِلَى عَليّ فَخَطب ومدح أَبَا بكر ثمَّ اعتذر عَن تخلفه عَن الْبيعَة بِأَنَّهُ كَانَ لَهُ حق فِي الْمُشَاورَة وَلم يشاوروه فَلَمَّا فرغ من خطبَته خطب أَبُو بكر وَاعْتذر بِنَحْوِ مَا تقدم ثمَّ بعد ذَلِك بَايعه عَليّ فِي يَوْمه فَرَأى الْمُسلمُونَ أَنه قد أصَاب وَفِي // الحَدِيث الْمُتَّفق على صِحَّته // التَّصْرِيح بِهَذِهِ الْقِصَّة بأبسط من هَذَا
روى البُخَارِيّ عَن عَائِشَة ﵂ أَن فَاطِمَة ﵂ أرْسلت إِلَى أبي بكر ﵁ تسأله عَن مِيرَاثهَا من النَّبِي ﷺ مِمَّا أَفَاء الله على رَسُوله من الْمَدِينَة وفدك وَمَا بَقِي من خمس خَيْبَر فَقَالَ أَبُو بكر إِن رَسُول الله ﷺ قَالَ (نَحن معاشر الْأَنْبِيَاء لَا نورث مَا تركنَا صَدَقَة إِنَّمَا يَأْكُل آل مُحَمَّد من هَذَا المَال) وَإِنِّي وَالله لَا أغير شَيْئا من صَدَقَة رَسُول الله ﷺ عَن حَالهَا الَّتِي كَانَت عَلَيْهَا فِي عهد رَسُول الله ﷺ ولأعملن فِيهَا بِمَا عمل رَسُول الله ﷺ فَأبى أَبُو بكر أَن يدْفع إِلَى فَاطِمَة مِنْهَا شَيْئا فَوجدت فَاطِمَة على أبي بكر ذَلِك فَهجرَته فَلم تكَلمه حَتَّى توفيت وَعَاشَتْ بعد النَّبِي ﷺ سِتَّة أشهر فَلَمَّا توفيت دَفنهَا زَوجهَا عَليّ لَيْلًا وَلم يُؤذن بهَا أَبَا بكر وَصلى عَلَيْهَا وَكَانَ لعَلي من النَّاس وَجه حَيَاة فَاطِمَة فَلَمَّا توفيت استنكر عَليّ وُجُوه النَّاس فالتمس مصالحة أبي بكر ومبايعته وَلم يكن بَايع تِلْكَ الْأَشْهر فَأرْسل إِلَى أبي بكر أَن ائتنا وَلَا يأتينا مَعَك أحد كَرَاهِيَة ليحضر عمر فَقَالَ عمر لَا وَالله مَا تدخل
стр. 39
عَلَيْهِم وَحدك فَقَالَ أَبُو بكر وَمَا عسيتهم أَن يَفْعَلُوا بِي وَالله لآتينهم فَدخل عَلَيْهِم أَبُو بكر ﵁ فَتشهد عَليّ فَقَالَ إِنَّا قد عرفنَا فضلك وَمَا أَعْطَاك الله وَلم ننفس عَلَيْك خيرا سَاقه الله إِلَيْك وَلَكِنَّك استبددت علينا الْأَمر وَكُنَّا نرى لقرابتنا من رَسُول الله ﷺ أَن لنا نَصِيبا حَتَّى فاضت عينا أبي بكر فَلَمَّا تكلم أَبُو بكر قَالَ وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ لقرابة رَسُول الله ﷺ أحب إِلَيّ أَن أصل من قَرَابَتي وَأما الَّذِي شجر بيني وَبَيْنكُم من هَذِه الْأَمْوَال فَإِنِّي لم آل فِيهِ عَن الْخَيْر وَلم أترك أمرا رَأَيْت رَسُول الله ﷺ يصنعه فِيهَا إِلَّا صَنعته فَقَالَ عَليّ لأبي بكر موعدك العشية لِلْبيعَةِ فَلَمَّا صلى أَبُو بكر الظّهْر رقى الْمِنْبَر فَتشهد وَذكر شَأْن عَليّ وتخلفه عَن الْبيعَة وعذره بِالَّذِي اعتذر إِلَيْهِم ثمَّ اسْتغْفر وَتشهد عَليّ فَعظم حق أبي بكر وَحدث أَنه لم يحملهُ على الَّذِي صنع نفاسة على أبي بكر وَلَا إنكارا للَّذي فَضله الله بِهِ وَلَكنَّا كُنَّا نرى لنا فِي هَذَا الْأَمر أَي المشورة كَمَا يدل عَلَيْهِ بَقِيَّة الرِّوَايَات نَصِيبا فاستبد علينا فَوَجَدنَا فِي أَنْفُسنَا فسر بذلك الْمُسلمُونَ وَقَالُوا أصبت وَكَانَ الْمُسلمُونَ إِلَى عَليّ قَرِيبا حِين رَاجع الْأَمر بِالْمَعْرُوفِ
فَتَأمل عذره وَقَوله لم ننفس على أبي بكر خيرا سَاقه الله إِلَيْهِ وَأَنه لَا يُنكر مَا فَضله الله بِهِ وَغير ذَلِك مِمَّا اشْتَمَل عَلَيْهِ هَذَا الحَدِيث تَجدهُ بَرِيئًا مِمَّا نسبه إِلَيْهِ الرافضة وَنَحْوهم فَقَاتلهُمْ الله مَا أجهلهم وأحمقهم
ثمَّ هَذَا الحَدِيث فِيهِ التَّصْرِيح بتأخر بيعَة عَليّ إِلَى موت فَاطِمَة فينافي مَا تقدم عَن أبي سعيد أَن عليا وَالزُّبَيْر بايعا من أول الْأَمر لَكِن هَذَا الَّذِي مر عَن أبي سعيد من تَأَخّر بيعَته هُوَ الَّذِي صَححهُ ابْن حبَان وَغَيره
стр. 40
قَالَ الْبَيْهَقِيّ وَأما مَا وَقع فِي صَحِيح مُسلم عَن أبي سعيد من تَأَخّر بيعَته هُوَ وَغَيره من بني هَاشم إِلَى موت فَاطِمَة ﵂ فضعيف فَإِن الزُّهْرِيّ لم يسْندهُ وَأَيْضًا فَالرِّوَايَة الأولى عَن أبي سعيد هِيَ الموصولة فَتكون أصح
وَعَلِيهِ فبينه وَبَين خبر البُخَارِيّ الْمَار عَن عَائِشَة تناف لَكِن جمع بَعضهم بِأَن عليا بَايع أَولا ثمَّ انْقَطع عَن أبي بكر لما وَقع بَينه وَبَين فَاطِمَة ﵂ مَا وَقع فِي مخلفه ﷺ ثمَّ بعد مَوتهَا بَايعه مبايعة أُخْرَى فَتوهم من ذَلِك بعض من لَا يعرف بَاطِن الْأَمر أَن تخلفه إِنَّمَا هُوَ لعدم رِضَاهُ ببيعته فَأطلق ذَلِك من أطلق وَمن ثمَّ أظهر عَليّ مبايعته لأبي بكر ثَانِيًا بعد مَوتهَا على الْمِنْبَر لإِزَالَة هَذِه الشُّبْهَة على أَنه سَيَأْتِي فِي الْفَصْل الرَّابِع من فَضَائِل عَليّ أَنه لما أَبْطَأَ عَن الْبيعَة لقِيه أَبُو بكر فَقَالَ لَهُ أكرهت إمارتي فَقَالَ لَا وَلَكِن آلَيْت لَا أرتدي بردائي إِلَّا إِلَى الصَّلَاة حَتَّى أجمع الْقُرْآن فزعموا أَنه كتبه على تَنْزِيله
فَانْظُر إِلَى هَذَا الْعذر الْوَاضِح مِنْهُ ﵁ تعلم مِمَّا قَرَّرْنَاهُ إِجْمَاع الصَّحَابَة وَمن بعدهمْ على حقية خلَافَة الصّديق وَأَنه أهل لَهَا وَذَلِكَ كَاف لَو لم يرد نَص عَلَيْهِ بل الْإِجْمَاع أقوى من النُّصُوص الَّتِي لم تتواتر لِأَن مفاده قَطْعِيّ ومفادها ظَنِّي كَمَا سَيَأْتِي
وَحكى النَّوَوِيّ بأسانيد صَحِيحَة عَن سُفْيَان الثَّوْريّ أَن من قَالَ إِن عليا كَانَ أَحَق بِالْولَايَةِ فقد خطأ أَبَا بكر وَعمر والمهاجرين وَالْأَنْصَار وَمَا أرَاهُ يرْتَفع لَهُ مَعَ هَذَا عمل إِلَى السَّمَاء وَأخرج الدَّارَقُطْنِيّ عَن عمار بن يَاسر نَحوه
следующие страницы →