← Акыда

Акыда · id 6544

الصواعق المحرقة على أهل الرفض والضلال والزندقة

ابن حجر الهيتمي

Полный текст (686 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

وَمر أَن أَئِمَّة الْحَنَفِيَّة كفرُوا من أنكر خلَافَة أبي بكر وَعمر ﵄ وَالْمَسْأَلَة فِي الْغَايَة وَغَيرهَا من كتبهمْ كَمَا مر وَفِي الأَصْل لمُحَمد بن الْحسن ﵀ وَالظَّاهِر أَنهم أخذُوا ذَلِك عَن إمَامهمْ أبي حنيفَة ﵁ وَهُوَ أعلم بالروافض لِأَنَّهُ كُوفِي والكوفة منبع الرَّفْض وَالرَّوَافِض طوائف مِنْهُم من يجب تكفيره وَمِنْهُم من لَا يجب تكفيره فَإِذا قَالَ أَبُو حنيفَة بتكفير من يُنكر إِمَامَة الصّديق ﵁ فتكفير لَا عَنهُ عِنْده أولى أَي إِلَّا أَن يفرق إِذْ الظَّاهِر أَن سَبَب تَكْفِير مُنكر إِمَامَته مُخَالفَته للْإِجْمَاع بِنَاء على أَن جَاحد الحكم الْمجمع عَلَيْهِ كَافِر وَهُوَ الْمَشْهُور عِنْد الْأُصُولِيِّينَ وإمامته ﵁ مجمع عَلَيْهَا من حِين بَايعه عمر ﵁ وَلَا يمْنَع من ذَلِك تَأَخّر بيعَة بعض الصَّحَابَة فَإِن الَّذين تَأَخَّرت بيعتهم لم يَكُونُوا مخالفين فِي صِحَة إِمَامَته وَلِهَذَا كَانُوا يَأْخُذُونَ عطاءه ويتحاكمون إِلَيْهِ فالبيعة شَيْء وَالْإِجْمَاع شَيْء وَلَا يلْزم من أَحدهمَا الآخر وَلَا من عدم أَحدهمَا عدم الآخر فَافْهَم ذَلِك فَإِنَّهُ قد يغلط فِيهِ فَإِن قلت شَرط الْكفْر بإنكار الْمجمع عَلَيْهِ أَن يعلم من الدّين بِالضَّرُورَةِ قلت وَخِلَافَة الصّديق ﵁ كَذَلِك لِأَن بيعَة الصَّحَابَة لَهُ ثبتَتْ بالتواتر المنتهي إِلَى حد الضَّرُورَة فَصَارَت كالمجمع عَلَيْهِ الْمَعْلُوم من الدّين بِالضَّرُورَةِ وَهَذَا لَا شكّ فِيهِ وَلم يكن أحد من الروافض فِي أَيَّام الصّديق ﵁ وَلَا فِي أَيَّام عمر وَعُثْمَان وَإِنَّمَا حدثوا بعده فمقالتهم حَادِثَة وَجَوَابه أَن الْخلَافَة من الوقائع الحاثة وَلَيْسَت حكما شَرْعِيًّا وجاحد

стр. 142

الضَّرُورِيّ إِنَّمَا يكفر إِذا كَانَ ذَلِك الضَّرُورِيّ حكما شَرْعِيًّا كَالصَّلَاةِ وَالْحج لاستلزامه تَكْذِيب النَّبِي ﷺ بِخِلَاف الْخلَافَة الْمَذْكُورَة إِلَّا أَن يُقَال إِنَّه يتَعَلَّق بهَا أَحْكَام شَرْعِيَّة كوجوب الطَّاعَة وَمَا أشبهه وَمر عَن القَاضِي حُسَيْن أَن فِي كفر سَاب الشَّيْخَيْنِ أَو الختنين وَجْهَيْن وَلَا يُنَافِيهِ جزمه فِي مَوضِع آخر بفسق سَاب الصَّحَابَة وَكَذَا ابْن الصّباغ وَغَيره وحكوه عَن الشَّافِعِي ﵁ لِأَنَّهُمَا مَسْأَلَتَانِ فالثانية فِي مُجَرّد السب وَهُوَ مفسق وَإِن كَانَ المسبوب من آحَاد الصَّحَابَة وأصاغرهم بِخِلَاف الأول فَإِنَّهَا خَاصَّة بسب الشَّيْخَيْنِ أَو الختنين وَهُوَ أَشد وَأَغْلظ فِي الزّجر بِأَن فِيهِ وَجها بالْكفْر وَأما تَكْفِير أبي بكر ونظرائه مِمَّن شهد لَهُم النَّبِي ﷺ بِالْجنَّةِ فَلم يتَكَلَّم فِيهَا أَصْحَاب الشَّافِعِي وَالَّذِي أرَاهُ الْكفْر فِيهَا قطعا مُوَافقَة لمن مر وَمر عَن أَحْمد أَن الطعْن فِي خلَافَة عُثْمَان طعن فِي الْمُهَاجِرين وَالْأَنْصَار وَصدق فِي ذَلِك فَإِن عمر جعل الْخلَافَة شُورَى بَين سِتَّة عُثْمَان وَعلي وَعبد الرَّحْمَن بن عَوْف وَطَلْحَة وَالزُّبَيْر وَسعد بن أبي وَقاص فالثلاثة الأخيرون أسقطوا حُقُوقهم وَعبد الرَّحْمَن لم يردهَا لنَفسِهِ وَإِنَّمَا أَرَادَ أَن يُبَايع أحد الْأَوَّلين عُثْمَان أَو عليا فاحتاط لدينِهِ وَبَقِي ثَلَاثَة أَيَّام بلياليها لَا ينَام وَهُوَ يَدُور على الْمُهَاجِرين وَالْأَنْصَار ويستشيرهم فِيمَن يتَقَدَّم عُثْمَان أَو عَليّ ويجتمع بهم جماعات وفرادى ورجالا وَنسَاء وَيَأْخُذ مَا عِنْد كل وَاحِد مِنْهُم فِي ذَلِك إِلَى أَن

стр. 143

اجْتمعت آراؤهم كلهم على عُثْمَان ﵃ فَبَايعهُ فَكَانَت بيعَة عُثْمَان عَن إِجْمَاع قَطْعِيّ من الْمُهَاجِرين وَالْأَنْصَار فالطعن فِيهَا طعن فِي الْفَرِيقَيْنِ وَمن ثمَّ قَالَ أَحْمد أَيْضا شتم عُثْمَان زندقة وَوَجهه أَنه بِظَاهِرِهِ لَيْسَ بِكفْر وبباطنه كفر لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إِلَى تَكْذِيب الْفَرِيقَيْنِ كَمَا علمت فَلَا يفهم من كَلَامه كفر سَاب الصَّحَابَة خلافًا لبَعض أَصْحَابه كَمَا مر فتلخص أَن سبّ أبي بكر كفر عِنْد الْحَنَفِيَّة وعَلى أحد الْوَجْهَيْنِ عِنْد الشَّافِعِيَّة ومشهور مَذْهَب مَالك أَنه يجب بِهِ الْجلد فَلَيْسَ بِكفْر نعم قد يخرج عَنهُ مَا مر عَنهُ فِي الْخَوَارِج أَنه كفر فَتكون الْمَسْأَلَة عِنْده على حَالين إِن اقْتصر على السب من غير تَكْفِير لم يكفر وَإِن كفر كفر فَهَذَا الرافضي السَّابِق ذكره كَافِر عِنْد مَالك وَأبي حنيفَة وَأحد وَجْهي الشَّافِعِي وزنديق عِنْد أَحْمد بتعرضه إِلَى عُثْمَان المتضمن لتخطئة الْمُهَاجِرين وَالْأَنْصَار وكفره هَذَا ردة لِأَن حكمه قبل ذَلِك حكم الْمُسلمين وَالْمُرْتَدّ يُسْتَتَاب فَإِن تَابَ وَإِلَّا قتل فَكَانَ قَتله على مَذْهَب جُمْهُور الْعلمَاء أَو جَمِيعهم لِأَن الْقَائِل بِأَن الساب لَا يكفر لم يتَحَقَّق مِنْهُ أَن يطرده فِيمَن يكفر أَعْلَام الصَّحَابَة رضوَان الله عَلَيْهِم فأحد الْوَجْهَيْنِ عندنَا إِنَّمَا اقْتصر على الْفسق فِي مُجَرّد السب دون التَّكْفِير وَكَذَلِكَ أَحْمد إِنَّمَا جبن عَن قتل من لم يصدر مِنْهُ إِلَّا السب وَالَّذِي صدر من هَذَا الرجل أعظم من السب وَمر

стр. 144

أَن الطَّحَاوِيّ قَالَ فِي عقيدته وبغض الصَّحَابَة كفر فَيحْتَمل أَن يحمل على مَجْمُوع الصَّحَابَة وان يحمل على كل مِنْهُم لَكِن إِذا بغضه من حَيْثُ الصُّحْبَة وَأما جعل مُجَرّد بغضه كفرا فَيحْتَاج لدَلِيل وَهَذَا الرافضي وأشباهه بغضهم لِلشَّيْخَيْنِ وَعُثْمَان ﵃ لَيْسَ لأجل الصُّحْبَة لأَنهم يحبونَ عليا والحسنين وَغَيرهمَا بل لهوى أنفسهم واعتقادهم بجهلهم وعنادهم ظلمهم لأهل بَيت النَّبِي ﷺ فَالظَّاهِر أَنهم إِذا اقتصروا على السب من غير تَكْفِير وَلَا جحد مجمع عَلَيْهِ لَا يكفرون خَامِسهَا يُمكن التَّمَسُّك أَيْضا فِي قتل هَذَا الرافضي بِأَن هَذَا الْمقَام الَّذِي قامه لَا شكّ أَنه يُؤْذِي النَّبِي ﷺ وإيذاؤه مُوجب للْقَتْل بِدَلِيل // الحَدِيث الصَّحِيح // أَنه ﷺ قَالَ فِيمَن آذاه (من يَكْفِينِي عدوي) فَقَالَ خَالِد بن الْوَلِيد ﵁ أَنا أكفيكه فَبَعثه إِلَيْهِ النَّبِي ﷺ فَقتله لَكِن مر مَا يخدش فِي ذَلِك وَهُوَ أَن كل أَذَى لَا يَقْتَضِي الْقَتْل وَإِلَّا لعم سَائِر الْمعاصِي لِأَنَّهَا تؤذيه ﷺ قَالَ تَعَالَى إِن ذَلِكُم كَانَ يُؤْذِي النَّبِي فيستحي مِنْكُم الْآيَة وَهَذَا الرافضي إِنَّمَا قصد بِزَعْمِهِ انتصاره لآل بَيت النَّبِي ﷺ فَلم يقْصد إيذاءه ﷺ أَي فَلم

стр. 145

يَتَّضِح دَلِيل على قَتله وَأما الوقيعة فِي عَائِشَة ﵂ فموجبة للْقَتْل إِمَّا لِأَن الْقُرْآن شهد ببراءتها فقذفها تَكْذِيب لَهُ وتكذيبه كفر وَإِمَّا لكَونهَا فراشا لَهُ ﷺ والوقيعة فِيهَا تنقيص لَهُ وتنقيصه كفر وَيَنْبَنِي على ذَلِك حكم الوقيعة فِي بَقِيَّة أُمَّهَات الْمُؤمنِينَ فعلى الأول لَا يكون كفرا وعَلى الثَّانِي يكون كفرا وَهُوَ الْأَرْجَح عِنْد بعض الْمَالِكِيَّة وَإِنَّمَا لم يقتل ﷺ قذفة عَائِشَة لِأَن قذفهم كَانَ قبل نزُول الْآيَة فَلم يتَضَمَّن تَكْذِيب الْقُرْآن وَلِأَن ذَلِك حكم نزل بعد نزُول الْآيَة فَلم يَنْعَطِف حكمه على مَا قبلهَا سادسها مر فِي // الْخَبَر الصَّحِيح // لَا تسبوا أَصْحَابِي من أحبهم أَحبَّنِي وَمن أبْغضهُم أبغضني وَمن آذاهم آذَانِي وَهَذَا يَشْمَل سَائِر الصَّحَابَة لكِنهمْ دَرَجَات فيتفاوت حكمهم فِي ذَلِك بتفاوت درجاتهم ومراتبهم وَالْحُرْمَة تزيد بِزِيَادَة من تعلّقت بِهِ فَلَا يقْتَصر فِي سبّ أبي بكر ﵁ على الْجلد الَّذِي يقْتَصر عَلَيْهِ فِي جلد غَيره لِأَن ذَلِك الْجلد لمُجَرّد حق الصُّحْبَة فَإِذا انضاف إِلَى الصُّحْبَة غَيرهَا مِمَّا يَقْتَضِي الاحترام لنصرة الدّين وَجَمَاعَة الْمُسلمين وَمَا حصل على يَده من الْفتُوح وَخِلَافَة النَّبِي ﷺ وَغير ذَلِك كَانَ كل وَاحِد من هَذِه الْأُمُور

стр. 146

يَقْتَضِي مزِيد حق مُوجب لزِيَادَة الْعقُوبَة عِنْد الاجتراء عَلَيْهِ فتزداد الْعقُوبَة وَلَيْسَ ذَلِك لتجدد حكم بعد النَّبِي ﷺ بل لِأَنَّهُ ﷺ شرع أحكاما وأناطها بِأَسْبَاب فَنحْن نتبع تِلْكَ الْأَسْبَاب ونرتب على كل سَبَب مِنْهَا حكمه وَكَانَ الصّديق فِي حَيَاة النَّبِي ﷺ لَهُ حق السَّبق إِلَى الْإِسْلَام والتصديق وَالْقِيَام فِي الله تَعَالَى والمحبة التَّامَّة والإنفاق الْعَظِيم الْبَالِغ أقْصَى غايات الوسع والإمكان على النَّبِي ﷺ وَأَصْحَابه والنصرة التَّامَّة وَغير ذَلِك من خصاله الحميدة الْمَذْكُورَة فِي هَذَا الْكتاب وَغَيره ثمَّ بعد النَّبِي ﷺ ترتبت لَهُ خصوصيات وفضائل أخر كخلافته الَّتِي قَامَ فِيهَا بِمَا لم يُمكن أَن يقوم بِهِ أحد من الْأمة بعده كَمَا هُوَ مَعْلُوم مَقْطُوع بِهِ لَا يُنكره إِلَّا معاند مكابر جَاهِل غبي كمقاتلته لأهل الرِّدَّة ومانعي الزَّكَاة وَمَا ظهر عَنهُ فِي ذَلِك من الشجَاعَة الَّتِي لم يشق أحد فِيهَا غباره وَلم يدْرك آثاره فبكل من ذَلِك يزْدَاد حَقه وحرمته وَيسْتَحق من اجترأ عَلَيْهِ زِيَادَة الْعَذَاب والنكال فَلَا يبعد لكَونه من الدّين وَالْفضل بِهَذَا الْمحل الْأَسْنَى وَالْمقَام الأسمى أَن يكون سابه طاعنا فِي الدّين فَيسْتَحق الْقَتْل على مَا مر وَلَقَد قتل الله بِسَبَب يحيى بن زَكَرِيَّا عَلَيْهِمَا الصَّلَاة وَالسَّلَام خَمْسَة وَسبعين ألفا قَالَ

стр. 147

بعض الْعلمَاء وَذَلِكَ دِيَة كل نَبِي وَيُقَال إِن الله تَعَالَى أوحى إِلَى نَبينَا ﷺ (أَنِّي قتلت بِيَحْيَى بن زَكَرِيَّا سبعين ألفا ولأقتلن بالحسين ابْن ابْنَتك سبعين ألفا وَسبعين ألفا) وَهَكَذَا الصّديق ﵁ يظْهر تَعَالَى حرمته وَحقه بِأخذ كثير من الروافض لعنهم الله الَّذين أخزاهم الله تَعَالَى بقتل هَذَا الرافضي الْخَبيث الملعون وَكَانَت ترْتَفع أنوفهم لَو صفح عَنهُ وَقد قَالَ أَبُو يُوسُف صَاحب أبي حنيفَة ﵁ التَّعْزِير يجوز بِالْقَتْلِ وتجرؤ هَذَا الرافضي على هَذَا الْمقَام الْعلي الَّذِي هُوَ مقَام الصّديق وَالْخُلَفَاء الرَّاشِدين من أَعلَى الْأَسْبَاب الْمُقْتَضِيَة للتعزير الَّذِي يجوز بِهِ عِنْد أبي يُوسُف الارتقاء إِلَى الْقَتْل أَي فَعلم أَن قتل هَذَا الرافضي حق صَحِيح لَا اعْتِرَاض عَلَيْهِ بِنَاء على مَذْهَب الْحَاكِم الَّذِي قَتله وَهُوَ الْمَالِكِي بِنَاء على مَا مر من مَذْهَبهم وَكَذَا على مَذْهَب أبي حنيفَة وَكَذَا على وَجه عِنْد الشَّافِعِيَّة وَكَذَا على مَا مر عِنْد الْحَنَابِلَة فَتدبر هَذِه الْوَاقِعَة وَمَا سقته لَك من كَلَام الْعلمَاء فِيهَا فَإِن فِيهَا أحكاما مهمة وفوائد جمة قَلما تجدها مَجْمُوعَة فِي كتاب مَرْفُوعا عَنْهَا النقاب سَالِمَة من الطعْن والريب منزهة عَن التعصب وَالْعَيْب ذكرت فِي كتابي الملقب بالإعلام فِي قواطع الْإِسْلَام مَا يُوضح مَا أَشرت إِلَيْهِ خلال كَلَام السُّبْكِيّ مِمَّا يفرع مَا قَالَه على اخْتِيَاره الْمُوَافق لغير قَوَاعِد مَذْهَبنَا فاطلب بَيَان ذَلِك من الْكتاب

стр. 148

الْمَذْكُور فَإِنَّهُ لم يصنف فِي بَابه مثله بل لم أظفر بِأحد من أَئِمَّتنَا ألف كتابا فِي المكفرات وَحدهَا وَلَا استوعب حكمهَا على الْمذَاهب الْأَرْبَعَة مَعَ الْكَلَام على كل من مسَائِله بِمَا ينشرح لَهُ الصَّدْر وتقر بِهِ الْعين فاستوفيت كل ذَلِك فِي ذَلِك الْمُؤلف العديم النظير عِنْد من سلم من دَاء الْحَسَد والسخيمة وَلم ينطو على الْفساد أديمه نَفَعَنِي الله بِهِ وَبِغَيْرِهِ وأدام عَليّ من جوده وفضله وَكَرمه وخيره إِنَّه الرؤوف الْكَرِيم الْجواد الرَّحْمَن الرَّحِيم وحسبنا الله وَنعم الْوَكِيل

стр. 149

الْبَاب الثَّانِي فِيمَا جَاءَ عَن أكَابِر أهل الْبَيْت من مزِيد الثَّنَاء على الشَّيْخَيْنِ ليعلم براءتهما مِمَّا يَقُول الشِّيعَة والرافضة من عجائب الْكَذِب والافتراء وليعلم بطلَان مَا زعموه من أَن عليا إِنَّمَا فعل مَا مر عَنهُ تقية ومدارة وخوفا وَغير ذَلِك من قبائحهم

стр. 150

الْبَاب الثَّانِي أخرج الدَّارَقُطْنِيّ عَن عبد الله الملقب بالمحض لقب بِهِ لِأَنَّهُ أول من جمع ولادَة الْحسن وَالْحُسَيْن ﵃ وَكَانَ شيخ بني هَاشم وَرَئِيسهمْ وَولده كَانَ يلقب بِالنَّفسِ الزكية وَكَانَ من أَئِمَّة الدّين بُويِعَ بالخلافة زمن الإِمَام مَالك ابْن أنس بِالْمَدِينَةِ فَأرْسل الْمَنْصُور جَيْشًا فَقَتَلُوهُ أَنه سُئِلَ أَمسَح على الْخُفَّيْنِ فَقَالَ الْمسْح فقد مسح عمر فَقَالَ لَهُ السَّائِل إِنَّمَا أَسأَلك أَنْت تمسح قَالَ ذَلِك أعجز لَك أخْبرك عَن عمر وتسألني عَن رَأْيِي فعمر خير مني وملء الأَرْض مثلي فَقيل لَهُ هَذَا تقية فَقَالَ وَنحن بَين الْقَبْر والمنبر اللَّهُمَّ هَذَا قولي فِي السِّرّ وَالْعَلَانِيَة فَلَا تسمع قَول أحد بعدِي ثمَّ قَالَ من هَذَا الَّذِي يزْعم أَن عليا كَانَ مقهورا وَأَن النَّبِي ﷺ أمره بِأَمْر فَلم ينفذهُ فَكفى بِهَذَا إزراء ومنقصة لَهُ وَأخرج الدَّارَقُطْنِيّ أَيْضا عَن وَلَده الملقب بِالنَّفسِ الزكية أَنه قَالَ لما سُئِلَ عَن الشَّيْخَيْنِ لَهما عِنْدِي أفضل من عَليّ وَأخرج عَن مُحَمَّد الباقر أَنه قَالَ أجمع بَنو فَاطِمَة ﵃ على أَن يَقُولُوا فِي الشَّيْخَيْنِ أحسن مَا يكون من القَوْل

стр. 151

وَأخرج أَيْضا عَن جَعْفَر الصَّادِق عَن أَبِيه مُحَمَّد الباقر أَن رجلا جَاءَ إِلَى أَبِيه زين العابدين عَليّ بن الْحُسَيْن ﵃ فَقَالَ أَخْبرنِي عَن أبي بكر فَقَالَ عَن الصّديق فَقَالَ وَتَسْمِيَة الصّديق فَقَالَ ثكلتك أمك قد سَمَّاهُ رَسُول الله ﷺ والمهاجرون وَالْأَنْصَار وَمن لم يسمه صديقا فَلَا صدق الله قَوْله فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة اذْهَبْ فَأحب أَبَا بكر وَعمر ﵄ وَأخرج أَيْضا عَن عُرْوَة عَن عبد الله قَالَ سَأَلت أَبَا جَعْفَر الباقر عَن حلية السَّيْف قَالَ لَا بَأْس بِهِ قد حلى أَبُو بكر الصّديق ﵁ سَيْفه قَالَ قلت وَتقول الصّديق قَالَ نعم الصّديق نعم الصّديق نعم الصّديق فَمن لم يقل الصّديق فَلَا صدق الله قَوْله فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة وَأخرجه ابْن الْجَوْزِيّ فِي صفة الصفوة وَزَاد فَوَثَبَ وثبة واستقبل الْقبْلَة فَقَالَ نعم الصّديق نعم الصّديق نعم الصّديق الْخَبَر واخرج أَيْضا عَن جَعْفَر الصَّادِق أَنه قَالَ مَا أَرْجُو من شَفَاعَة عَليّ شَيْئا إِلَّا وَأَنا أَرْجُو من شَفَاعَة أبي بكر مثله وَلَقَد ولدني مرَّتَيْنِ

стр. 152

وَأخرج أَيْضا عَن زيد بن عَليّ أَنه قَالَ لمن يتبرأ مِنْهُمَا اعْلَم وَالله أَن الْبَرَاءَة من الشَّيْخَيْنِ الْبَرَاءَة من عَليّ فَتقدم أَو تَأَخّر وَزيد هَذَا كَانَ إِمَامًا جَلِيلًا اسْتشْهد فِي صفر سنة إِحْدَى وَعشْرين وَمِائَة وَلما صلب عُريَانا جَاءَت العنكبوت ونسجت على عَوْرَته حَتَّى حفظت عَن رُؤْيَة النَّاس فَإِنَّهُ اسْتمرّ مصلوبا مُدَّة طَوِيلَة وَكَانَ قد خرج وَبَايَعَهُ خلق من الْكُوفَة وَحضر إِلَيْهِ كثير من الشِّيعَة فَقَالُوا لَهُ ابرأ عَن الشَّيْخَيْنِ وَنحن نُبَايِعك فَأبى فَقَالُوا إِنَّا نرفضك فَقَالَ اذْهَبُوا فَأنْتم الرافضة فَمن حِينَئِذٍ سموا الرافضة وَسميت شيعته بالزيدية وَأخرج الْحَافِظ عمر بن شبة أَن زيدا هَذَا الإِمَام الْجَلِيل قيل لَهُ إِن أَبَا بكر انتزع من فَاطِمَة فدك فَقَالَ إِنَّه كَانَ رحِيما وَكَانَ يكره أَن يُغير شَيْئا تَركه رَسُول الله ﷺ فَأَتَتْهُ فَاطِمَة ﵂ فَقَالَت لَهُ إِن رَسُول الله ﷺ أَعْطَانِي

стр. 153

فدك فَقَالَ هَل لَك بَيِّنَة فَشهد لَهَا عَليّ وَأم أَيمن فَقَالَ لَهَا فبرجل وَامْرَأَة تستحقيها ثمَّ قَالَ زيد وَالله لَو رَجَعَ الْأَمر فِيهَا إِلَيّ لقضيت بِقَضَاء أبي بكر ﵁ وَأخرج عَنهُ أَيْضا قَالَ انْطَلَقت الْخَوَارِج فبرئت مِمَّن دون أبي بكر وَعمر وَلم يستطيعوا أَن يَقُولُوا فيهمَا شَيْئا وانطلقتم أَنْتُم فطفرتم أَي وثبتم فَوق ذَلِك فبرئتم مِنْهُمَا فَمن بَقِي فوَاللَّه مَا بَقِي أحد إِلَّا برئتم مِنْهُ وَأخرج أَيْضا ابْن عَسَاكِر عَن سَالم بن أبي الْجَعْد قلت لمُحَمد ابْن الْحَنَفِيَّة هَل كَانَ أَبُو بكر أول الْقَوْم إسلاما قَالَ لَا قلت فَبِمَ علا أَبُو بكر وَسبق حَتَّى لَا يذكر أحد غير أبي بكر قَالَ لِأَنَّهُ كَانَ أفضلهم إسلاما حِين أسلم حَتَّى لحق بربه وَأخرج الدَّارَقُطْنِيّ عَن سَالم بن أبي حَفْصَة وَهُوَ شيعي لكنه ثِقَة قَالَ سَأَلت أَبَا جَعْفَر مُحَمَّد بن عَليّ وجعفر بن مُحَمَّد عَن الشَّيْخَيْنِ فَقَالَا يَا سَالم تولهما وابرأ من عدوهما فَإِنَّهُمَا كَانَا إمامي هدى وَأخرج عَنهُ أَيْضا قَالَ دخلت على أبي جَعْفَر وَفِي رِوَايَة على جَعْفَر بن مُحَمَّد فَقَالَ وَأرَاهُ قَالَ ذَلِك من أَجلي اللَّهُمَّ إِنِّي أتولى أَبَا بكر وَعمر وأحبهما اللَّهُمَّ إِن كَانَ فِي نَفسِي غير هَذَا فَلَا نالتني شَفَاعَة مُحَمَّد ﷺ يَوْم الْقِيَامَة وَأخرج عَنهُ أَيْضا دخلت على جَعْفَر بن مُحَمَّد وَهُوَ مَرِيض فَقَالَ اللَّهُمَّ إِنِّي

стр. 154

أحب أَبَا بكر وَعمر وأتولاهما اللَّهُمَّ إِن كَانَ فِي نَفسِي غير هَذَا فَلَا نالتني شَفَاعَة مُحَمَّد ﷺ وَأخرج عَنهُ أَيْضا قَالَ لي جَعْفَر يَا سَالم أيسب الرجل جده أَبُو بكر جدي لَا نالتني شَفَاعَة مُحَمَّد ﷺ إِن لم أكن أتولاهما وَأَبْرَأ من عدوهما وَأخرج عَن جَعْفَر أَيْضا أَنه قيل إِن فلَانا يزْعم أَنَّك تَبرأ من أبي بكر فَقَالَ برِئ الله من فلَان إِنِّي لأرجو أَن يَنْفَعنِي الله بِقَرَابَتِي من أبي بكر وَلَقَد مَرضت فأوصيت إِلَى خَالِي عبد الرَّحْمَن بن الْقَاسِم بن مُحَمَّد بن أبي بكر ﵃ وَأخرج هُوَ أَيْضا والحافظ عمر بن شبة عَن كثير قلت لأبي جَعْفَر مُحَمَّد بن عَليّ أَخْبرنِي أظلمكم أَبُو بكر وَعمر من حقكم شَيْئا فَقَالَ ومنزل الْفرْقَان على عَبده ليَكُون للْعَالمين نذيرا مَا ظلمانا من حَقنا مَا يزن حَبَّة خردلة قَالَ قلت أفأتولاهما جعلني الله فدَاك قَالَ نعم يَا كثير تولهما فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة قَالَ وَجعل يصك عنق نَفسه وَيَقُول مَا أَصَابَك فبعنقي هَذَا ثمَّ قَالَ برِئ الله وَرَسُوله من الْمُغيرَة بن سعيد وَبَيَان فَإِنَّهُمَا كذبا علينا أهل الْبَيْت

стр. 155

واخرج أَيْضا عَن بسام الصَّيْرَفِي قلت لبأي جَعْفَر مَا تَقول فِي أبي بكر وَعمر فَقَالَ وَالله إِنِّي لأتولاهما وَأَسْتَغْفِر لَهما وَمَا أدْركْت أحدا من أهل بَيْتِي إِلَّا وَهُوَ يتولاهما وَأخرج أَيْضا عَن الشَّافِعِي ﵁ عَن جَعْفَر بن أبي طَالب قَالَ ولينا أَبُو بكر خير خَليفَة وأرحمه لنا وأحناه علينا وَفِي رِوَايَة فَمَا ولينا أحد من النَّاس مثله وَفِي أُخْرَى فَمَا رَأينَا قطّ كَانَ خيرا مِنْهُ وَأخرج أَيْضا عَن أبي جَعْفَر الباقر أَنه قيل لَهُ إِن فلَانا حَدثنِي أَن عَليّ بن الْحُسَيْن قَالَ إِن هَذِه الْآيَة وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورهمْ من غل الْحجر ٤٧ نزلت فِي أبي بكر وَعمر وَعلي قَالَ وَالله إِنَّهَا لفيهم أنزلت ففيمن أنزلت إِلَّا فيهم قَالَ فَأَي غل هُوَ قَالَ غل الْجَاهِلِيَّة إِن بني تيم وعدي وَبني هَاشم كَانَ بَينهم شَيْء فِي الْجَاهِلِيَّة فَلَمَّا أسلم هَؤُلَاءِ الْقَوْم تحَابوا فَأخذ أَبَا بكر وجع الخاصرة فَجعل عَليّ يسخن يَده ويكمد بهَا خاصرة أبي بكر فَنزلت هَذِه الْآيَة فيهم وَفِي رِوَايَة لَهُ عَنهُ أَيْضا قلت لأبي جَعْفَر وَسَأَلته عَن أبي بكر وَعمر فَقَالَ من شكّ فيهمَا فقد شكّ فِي السّنة ثمَّ ذكر أَنه كَانَ بَين تِلْكَ الْقَبَائِل شَحْنَاء فَلَمَّا

стр. 156

أَسْلمُوا تحَابوا وَنزع الله ذَلِك من قُلُوبهم حَتَّى إِن أَبَا بكر لما اشْتَكَى خاصرته سخن عَليّ يَده وضمده بهَا فَنزلت فِيهِ الْآيَة وَأخرجه أَيْضا عَن عَليّ أَن هَذِه الْآيَة نزلت فِي هَذِه الْبُطُون الثَّلَاثَة تيم وعدي وَبني هَاشم وَقَالَ مِنْهُم أَنا وَأَبُو بكر وَعمر وَأخرج أَيْضا عَن أبي جَعْفَر الباقر أَنه قيل لَهُ هَل كَانَ أحد من أهل الْبَيْت يسب أَبَا بكر وَعمر قَالَ معَاذ الله بل يتولونهما وَيَسْتَغْفِرُونَ لَهما وَيَتَرَحَّمُونَ عَلَيْهِمَا واخرج عَن أبي جَعْفَر أَيْضا عَن أَبِيه عَليّ بن الْحُسَيْن ﵃ أَنه قَالَ لجَماعَة خَاضُوا فِي أبي بكر وَعمر ثمَّ فِي عُثْمَان أَلا تخبروني أَنْتُم الْمُهَاجِرُونَ الْأَولونَ الَّذين أخرجُوا من دِيَارهمْ وَأَمْوَالهمْ يَبْتَغُونَ فضلا من الله ورضوانا وينصرون الله وَرَسُوله أُولَئِكَ هم الصادقون فَقَالُوا لَا قَالَ فَأنْتم الَّذين تبوؤا الدَّار وَالْإِيمَان من قبلهم يحبونَ من هَاجر إِلَيْهِم وَلَا يَجدونَ فِي صُدُورهمْ حَاجَة مِمَّا أُوتُوا ويؤثرون على أنفسهم وَلَو كَانَ بهم خصَاصَة وَمن يُوقَ شح نَفسه فَأُولَئِك هم المفلحون قَالُوا لَا قَالَ أما أَنْتُم فقد برئتم أَن تَكُونُوا فِي أحد هذَيْن الْفَرِيقَيْنِ وَأَنا أشهد أَنكُمْ لَسْتُم من الَّذين قَالَ الله فيهم وَالَّذين جاؤا من بعدهمْ يَقُولُونَ رَبنَا اغْفِر لنا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذين

стр. 157

سبقُونَا بِالْإِيمَان وَلَا تجْعَل فِي قُلُوبنَا غلا للَّذين آمنُوا رَبنَا إِنَّك رؤوف رَحِيم) وَأخرج أَيْضا عَن فُضَيْل بن مَرْزُوق سَمِعت إِبْرَاهِيم بن الْحسن بن الْحسن أَخا عبد الله بن الْحسن يَقُول وَالله قد مرقت علينا الرافضة كَمَا مرقت الحرورية على عَليّ ﵁ وَأخرج عَنهُ أَيْضا قَالَ سَمِعت حسن بن حسن يَقُول لرجل من الرافضة وَالله لَئِن أمكن الله مِنْكُم لنقطعن أَيْدِيكُم وأرجلكم من خلاف وَلَا نقبل مِنْكُم تَوْبَة وَأخرج أَيْضا عَن مُحَمَّد بن حَاطِب قَالَ ذكر عُثْمَان عِنْد الْحسن وَالْحُسَيْن ﵃ فَقَالَا هَذَا أَمِير الْمُؤمنِينَ أَي عَليّ آتيكم الْآن بِهِ يُخْبِركُمْ عَنهُ إِذْ جَاءَ عَليّ قَالَ الرواي مَا أَدْرِي أسمعهم يذكرُونَ عُثْمَان أَو سَأَلُوهُ عَنهُ فَقَالَ عُثْمَان من الَّذين اتَّقوا وآمنوا ثمَّ من الَّذين اتَّقوا وأحسنوا وَالله يحب الْمُحْسِنِينَ وَأخرج عَنهُ أَيْضا من طرق قَالَ دخلت على عَليّ فَقلت يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ إِنِّي أردْت الْحجاز وَإِن النَّاس يَسْأَلُونِي فَمَا تَقول فِي قتل عُثْمَان وَكَانَ مُتكئا فَجَلَسَ

стр. 158

وَقَالَ يَا ابْن حَاطِب وَالله إِنِّي لأرجو أَن أكون أَنا وَهُوَ كَمَا قَالَ الله تَعَالَى وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورهمْ من غل الْآيَة وَأخرج أَيْضا عَن سَالم بن أبي الْجَعْد قَالَ كنت جَالِسا عِنْد مُحَمَّد ابْن الْحَنَفِيَّة فَذكرُوا عُثْمَان فنهانا مُحَمَّد وَقَالَ كفوا عَنهُ فغدونا يَوْمًا آخر فنلنا مِنْهُ أَكثر مَا كَانَ قبل فَقَالَ ألم أنهكم عَن هَذَا الرجل قَالَ وَابْن عَبَّاس جَالس عِنْده فَقَالَ يَا ابْن عَبَّاس تذكر عَشِيَّة الْجمل وَأَنا عَن يَمِين عَليّ وَفِي يَده الرَّايَة وَأَنت عَن يسَاره إِذْ سمع هدة فِي المربد فَأرْسل رَسُولا فجَاء الرَّسُول فَقَالَ هَذِه عَائِشَة تلعن قتلة عُثْمَان فِي المربد فَرفع عَليّ يَدَيْهِ حَتَّى بلغ بهما وَجهه مرَّتَيْنِ أَو ثَلَاثًا وَقَالَ وَأَنا ألعن قتلة عُثْمَان لعنهم الله فِي السهل والجبل قَالَ فَصدقهُ ابْن عَبَّاس ثمَّ أقبل علينا فَقَالَ فِي وَفِي هَذَا لكم شَاهدا عدل وَأخرج أَيْضا عَن مَرْوَان بن الحكم أَنه قَالَ مَا كَانَ أحد أدفَع عَن عُثْمَان من عَليّ فَقيل لَهُ مَا لكم تسبونه على المنابر قَالَ إِنَّه لَا يَسْتَقِيم لنا الْأَمر إِلَّا بذلك وَأخرج أَيْضا عَن الْحُسَيْن بن مُحَمَّد ابْن الْحَنَفِيَّة أَنه قَالَ يَا أهل الْكُوفَة اتَّقوا الله وَلَا تَقولُوا لأبي بكر وَعمر مَا ليسَا لَهُ بِأَهْل إِن أَبَا بكر الصّديق ﵁ كَانَ مَعَ رَسُول الله ﷺ فِي الْغَار ثَانِي اثْنَيْنِ وَإِن عمر أعز الله بِهِ الدّين

стр. 159

وَأخرج أَيْضا عَن جُنْدُب الْأَسدي أَن مُحَمَّد بن عبد الله بن الْحسن أَتَاهُ قوم من أهل الْكُوفَة والجزيرة فَسَأَلُوهُ عَن أبي بكر وَعمر فَالْتَفت إِلَيّ فَقَالَ انْظُر إِلَى أهل بلادك يَسْأَلُونِي عَن أبي بكر وَعمر لَهما عِنْدِي أفضل من عَليّ وَأخرج أَيْضا عَن عبد الله بن الْحسن أَنه قَالَ وَالله لَا يقبل الله تَوْبَة عبد تَبرأ من أبي بكر وَعمر وإنهما ليعرضان على قلبِي فأدعو الله لَهما أَتَقَرَّب بِهِ إِلَى الله وَأخرج أَيْضا عَن فُضَيْل بن مَرْزُوق أَنه قَالَ قلت لعمر بن عَليّ بن الْحسن بن عَليّ ﵃ أفيكم إِمَام تفترض طَاعَته تعرفُون ذَلِك لَهُ من لم يعرف ذَلِك لَهُ فَمَاتَ مَاتَ ميتَة جَاهِلِيَّة فَقَالَ لَا وَالله مَا ذَاك فِينَا من قَالَ هَذَا فَهُوَ كَاذِب فَقلت إِنَّهُم يَقُولُونَ إِن هَذِه الْمنزلَة كَانَت لعَلي إِن رَسُول الله ﷺ أوصى إِلَيْهِ ثمَّ كَانَت لِلْحسنِ إِن عليا أوصى إِلَيْهِ ثمَّ كَانَت للحسين بن عَليّ إِن الْحسن أوصى إِلَيْهِ ثمَّ كَانَت لعَلي بن الْحُسَيْن إِن الْحُسَيْن أوصى إِلَيْهِ ثمَّ كَانَت لمُحَمد بن عَليّ أَي الباقر أخي عمر الْمَذْكُور إِن عَليّ بن الْحُسَيْن أوصى إِلَيْهِ فَقَالَ عمر بن عَليّ بن الْحُسَيْن فوَاللَّه مَا أوصى أبي بحرفين اثْنَيْنِ فَقَاتلهُمْ الله لَو أَن رجلا وصّى فِي مَاله وَولده وَمَا يتْرك بعده ويلهم مَا هَذَا من الدّين وَالله مَا هَؤُلَاءِ إِلَّا متأكلين بِنَا وَأخرج أَيْضا عَن عبد الْجَبَّار الْهَمدَانِي أَن جعفرا الصَّادِق أَتَاهُم وهم يُرِيدُونَ أَن يرتحلوا من الْمَدِينَة فَقَالَ إِنَّكُم إِن شَاءَ الله من صالحي أهل مصر فأبلغوهم عني من زعم أَنِّي إِمَام مفترض الطَّاعَة فَأَنا مِنْهُ بَرِيء وَمن زعم أَنِّي أَبْرَأ من أبي بكر وَعمر فَأَنا مِنْهُ بَرِيء

стр. 160

وَأخرج أَيْضا عَنهُ أَنه سُئِلَ عَنْهُمَا فَقَالَ أَبْرَأ مِمَّن ذكرهمَا إِلَّا بِخَير فَقيل لَهُ لَعَلَّك تَقول ذَلِك تقية فَقَالَ أَنا إِذا من الْمُشْركين وَلَا نالتني شَفَاعَة مُحَمَّد ﷺ وَأخرج عَنهُ أَيْضا أَنه قَالَ إِن الخبثاء من أهل الْعرَاق يَزْعمُونَ أَنا نقع فِي أبي بكر وَعمر وهما وَالِدَايَ أَي لِأَن أمه أم فَرْوَة بنت الْقَاسِم الْفَقِيه بن مُحَمَّد بن أبي بكر وَأمّهَا أَسمَاء بنت عبد الرَّحْمَن بن أبي بكر وَمن ثمَّ سبق قَوْله ولدني أَبُو بكر مرَّتَيْنِ واخرج أَيْضا عَن أبي جَعْفَر الباقر قَالَ من لم يعرف فضل أبي بكر وَعمر فقد جهل السّنة قَالَ بعض أَئِمَّة أهل الْبَيْت صدق وَالله إِنَّمَا نَشأ من الشِّيعَة والرافضة وَغَيرهمَا مَا نَشأ من الْبدع والجهالات من جهلهم بِالسنةِ وَفِي الطيوريات بِسَنَدِهِ إِلَى جَعْفَر بن مُحَمَّد عَن أَبِيه قَالَ قَالَ رجل لعَلي بن أبي طَالب نسمعك تَقول فِي الْخطْبَة اللَّهُمَّ أَصْلحنَا بِمَا أصحلت بِهِ الْخُلَفَاء الرَّاشِدين المهديين فَمن هم فاغرورقت عَيناهُ فَقَالَ هم حبيباي أَبُو بكر

стр. 161

وَعمر إِمَامًا الْهدى وشيخا الْإِسْلَام ورجلا قُرَيْش المقتدى بهما بعد رَسُول الله ﷺ من اقْتدى بهما عصم وَمن تبع آثارهما هدي إِلَى الصِّرَاط الْمُسْتَقيم وَمن تمسك بهما فَهُوَ من حزب الله المفلحين فَهَذِهِ أقاويل المعتبرين من أهل الْبَيْت رَوَاهَا عَنْهُم الْأَئِمَّة الْحفاظ الَّذين عَلَيْهِم الْمعول فِي معرفَة الْأَحَادِيث والْآثَار وتمييز صحيحها من سقيمها بأسانيدهم الْمُتَّصِلَة فَكيف يسع المتمسك بِحَبل أهل الْبَيْت وَيَزْعُم حبهم أَن يعدل عَمَّا قَالُوهُ من تَعْظِيم أبي بكر وَعمر واعتقاد حقية خِلَافَتهمَا وَمَا كَانَا عَلَيْهِ وصرحوا بتكذيب من نقل عَنْهُم خِلَافه وَمَعَ ذَلِك يرى أَن ينْسب إِلَيْهِم مَا تبرؤا مِنْهُ ورأوه ذما فِي حَقهم حَتَّى قَالَ زين العابدين عَليّ بن الْحُسَيْن رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا أَيهَا النَّاس أحبونا حب الْإِسْلَام فوَاللَّه مَا برح بِنَا حبكم حَتَّى صَار علينا عارا وَفِي رِوَايَة حَتَّى نقصتمونا إِلَى النَّاس أَي بِسَبَب مَا نسبوه إِلَيْهِم مِمَّا هم برءاء مِنْهُ فلعن الله من كذب على هَؤُلَاءِ الْأَئِمَّة وَرَمَاهُمْ بالزور والبهتان

стр. 162

الْبَاب الثَّالِث فِي بَيَان أَفضَلِيَّة أبي بكر على سَائِر هَذِه الْأمة ثمَّ عمر ثمَّ عُثْمَان ثمَّ عَليّ رضوَان الله عَلَيْهِم أَجْمَعِينَ وَفِي ذكر فَضَائِل أبي بكر الْوَارِدَة فِيهِ وَحده أَو مَعَ عمر أَو مَعَ الثَّلَاثَة أَو مَعَ غَيرهم وَفِيه فُصُول

стр. 163

الْفَصْل الأول فِي ذكر أفضليتهم على هَذَا التَّرْتِيب وَفِي تَصْرِيح عَليّ بأفضلية الشَّيْخَيْنِ على سَائِر الْأمة وَفِي بطلَان مَا زَعمه الرافضة والشيعة من أَن ذَلِك مِنْهُ قهر وتقية اعْلَم أَن الَّذِي أطبق عَلَيْهِ عُظَمَاء الْملَّة وعلماء الْأمة أَن أفضل هَذِه الْأمة أَبُو بكر الصّديق ثمَّ عمر ثمَّ اخْتلفُوا فالأكثرون وَمِنْهُم الشَّافِعِي وَأحمد وَهُوَ الْمَشْهُور عَن مَالك أَن الْأَفْضَل بعدهمَا عُثْمَان ثمَّ عَليّ ﵃ وَجزم الْكُوفِيُّونَ وَمِنْهُم سُفْيَان الثَّوْريّ بتفضيل عَليّ على عُثْمَان وَقيل بِالْوَقْفِ عَن التَّفَاضُل بَينهمَا وَهُوَ رِوَايَة عَن مَالك فقد حكى أَبُو عبد الله الْمَازرِيّ عَن الْمُدَوَّنَة أَن مَالِكًا ﵀ سُئِلَ أَي النَّاس أفضل بعد نَبِيّهم فَقَالَ أَبُو بكر ثمَّ عمر ثمَّ قَالَ أوفي ذَلِك شكّ فَقيل لَهُ وَعلي وَعُثْمَان فَقَالَ مَا أدْركْت أحدا مِمَّن أقتدي بِهِ يفضل أَحدهمَا على الآخر انْتهى وَقَوله ﵁ أوفي ذَلِك شكّ يُرِيد مَا يَأْتِي عَن الْأَشْعَرِيّ أَن تَفْضِيل

стр. 164

أبي بكر ثمَّ عمر على بَقِيَّة الْأمة قَطْعِيّ وتوقفه هَذَا رَجَعَ عَنهُ فقد حكى القَاضِي عِيَاض عَنهُ أَنه رَجَعَ عَن التَّوَقُّف إِلَى تَفْضِيل عُثْمَان قَالَ الْقُرْطُبِيّ وَهُوَ الْأَصَح إِن شَاءَ الله تَعَالَى وَمَال إِلَى التَّوَقُّف إِمَام الْحَرَمَيْنِ فَقَالَ وتتعارض الظنون فِي عُثْمَان وَعلي وَنَقله ابْن عبد الْبر عَن جمَاعَة من السّلف من أهل السّنة مِنْهُم مَالك وَيحيى الْقطَّان وَيحيى بن معِين قَالَ ابْن معِين وَمن قَالَ أَبُو بكر وَعمر وَعُثْمَان وَعلي وَعرف لعَلي سابقته وفضله فَهُوَ صَاحب سنة وَلَا شكّ أَن من اقْتصر على عُثْمَان وَلم يعرف لعَلي فَضله فَهُوَ مَذْمُوم وَزعم ابْن عبد الْبر أَن حَدِيث الِاقْتِصَار على الثَّلَاثَة أبي بكر وَعَمْرو وَعُثْمَان مُخَالف لقَوْل أهل السّنة إِن عليا أفضل النَّاس بعد الثَّلَاثَة مَرْدُود بِأَنَّهُ لَا يلْزم من سكوتهم إِذْ ذَاك عَن تفضيله عدم تفضيله وَأما حِكَايَة أبي مَنْصُور الْبَغْدَادِيّ الْإِجْمَاع على أَفضَلِيَّة عُثْمَان على عَليّ

стр. 165

فمدخولة وَإِن نقل ذَلِك عَن بعض الْحفاظ وَسكت عَلَيْهِ لما بَيناهُ من الْخلاف ثمَّ الَّذِي مَال إِلَيْهِ أَبُو الْحسن الْأَشْعَرِيّ إِمَام أهل السّنة أَن تَفْضِيل أبي بكر على من بعده قَطْعِيّ وَخَالفهُ القَاضِي أَبُو بكر الباقلاني فَقَالَ إِنَّه ظَنِّي وَاخْتَارَهُ إِمَام الْحَرَمَيْنِ فِي الْإِرْشَاد وَبِه جزم صَاحب الْمُفْهم فِي شرح مُسلم وَيُؤَيِّدهُ قَول ابْن عبد الْبر فِي الِاسْتِيعَاب ذكر عبد الرَّزَّاق عَن معمر قَالَ لَو أَن رجلا قَالَ عمر أفضل من أبي بكر مَا عنفته وَكَذَلِكَ لَو قَالَ عَليّ عِنْدِي أفضل من أبي بكر وَعمر لم أعنفه إِذا ذكر فضل الشَّيْخَيْنِ وأحبهما وَأثْنى عَلَيْهِمَا بِمَا هما أَهله فَذكرت ذَلِك لوكيع فأعجبه أه واشتهاه وَلَيْسَ ملحظ عدم تعنيف قَائِل ذَلِك إِلَّا أَن التَّفْضِيل الْمَذْكُور ظَنِّي لَا قَطْعِيّ وَيُؤَيِّدهُ أَيْضا مَا حَكَاهُ الْخطابِيّ عَن بعض مشايخه أَنه كَانَ يَقُول أَبُو بكر خير وَعلي أفضل لَكِن قَالَ بَعضهم إِن هَذَا تهافت من القَوْل أَي أَنه لَا معنى للخيرية إِلَّا الْأَفْضَلِيَّة فَإِن أُرِيد أَن خيرية أبي بكر من بعض الْوُجُوه وأفضلية عَليّ من وَجه آخر لم يكن ذَلِك من مَحل الْخلاف وَلم يكن الْأَمر فِي ذَلِك خَاصّا بِأبي بكر وَعلي بل أَبُو بكر وَأَبُو عُبَيْدَة مثلا يُقَال فيهمَا ذَلِك فَإِن الْأَمَانَة الَّتِي فِي أبي عُبَيْدَة وَخَصه بهَا رَسُول الله ﷺ لم يخص أَبَا بكر بِمِثْلِهَا فَكَانَ خيرا من أبي بكر من هَذَا الْوَجْه وَالْحَاصِل أَن الْمَفْضُول قد تُوجد فِيهِ مزية بل مزايا لَا تُوجد فِي الْفَاضِل فَإِن

стр. 166

أَرَادَ شيخ الْخطابِيّ ذَلِك وَأَن أَبَا بكر أفضل مُطلقًا إِلَّا أَن عليا وجدت فِيهِ مزايا لم تُوجد فِي أبي بكر فَكَلَامه صَحِيح وَإِلَّا فَكَلَامه فِي غَايَة التهافت خلافًا لمن انتصر لَهُ وَوَجهه بِمَا لَا يجدي بل لَا يفهم فَإِن قلت يُنَافِي مَا قَدمته من الْإِجْمَاع على أَفضَلِيَّة أبي بكر قَول ابْن عبد الْبر إِن السّلف اخْتلفُوا فِي تَفْضِيل أبي بكر وَعلي ﵄ وَقَوله أَيْضا قبل ذَلِك رُوِيَ عَن سلمَان وَأبي ذَر والمقداد وخباب وَجَابِر وَأبي سعيد الْخُدْرِيّ وَزيد ابْن أَرقم أَن عليا أول من أسلم وفضله هَؤُلَاءِ على غَيره أه قلت أما مَا حَكَاهُ أَولا من أَن السّلف اخْتلفُوا فِي تفضيلهما فَهُوَ شَيْء غَرِيب انْفَرد بِهِ عَن غَيره مِمَّن هُوَ أجل مِنْهُ حفظا واطلاعا فَلَا يعول عَلَيْهِ فَكيف والحاكي لإِجْمَاع الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ على تَفْضِيل أبي بكر وَعمر وتقديمهما على سَائِر الصَّحَابَة جمَاعَة من أكَابِر الْأَئِمَّة مِنْهُم الشَّافِعِي رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ كَمَا حَكَاهُ عَنهُ الْبَيْهَقِيّ وَغَيره وَأَن من اخْتلف مِنْهُم إِنَّمَا اخْتلف فِي عَليّ وَعُثْمَان وعَلى التنزل فِي أَنه حفظ مَا لم يحفظ غَيره فيجاب عَنهُ بِأَن الْأَئِمَّة إِنَّمَا أَعرضُوا عَن هَذِه الْمقَالة لشذوذها ذَهَابًا إِلَى أَن شذوذ الْمُخَالف لَا يقْدَح فِيهِ أَو رَأَوْا أَنَّهَا حَادِثَة بعد انْعِقَاد الْإِجْمَاع فَكَانَت فِي حيّز الطرح وَالرَّدّ على أَن الْمَفْهُوم من كَلَام ابْن عبد الْبر أَن الْإِجْمَاع اسْتَقر على تَفْضِيل الشَّيْخَيْنِ على الختنين

стр. 167

وَأما مَا وَقع فِي طَبَقَات ابْن السُّبْكِيّ الْكُبْرَى عَن بعض الْمُتَأَخِّرين من تَفْضِيل الحسنين من حَيْثُ إنَّهُمَا بضعَة فَلَا يُنَافِي ذَلِك لما قدمْنَاهُ من أَن الْمَفْضُول قد تُوجد فِيهِ مزية لَيست فِي الْفَاضِل على أَن هَذَا تَفْضِيل لَا يرجع لِكَثْرَة الثَّوَاب بل لمزيد شرف فَفِي ذَات أَوْلَاده ﷺ من الشّرف مَا لَيْسَ فِي ذَات الشَّيْخَيْنِ ولكنهما أَكثر ثَوابًا وَأعظم نفعا لِلْإِسْلَامِ وَالْمُسْلِمين وأخشى لله وَأتقى مِمَّن عداهما من أَوْلَاده ﷺ فضلا عَن غَيرهم وَأما مَا حَكَاهُ أَعنِي ابْن عبد الْبر ثَانِيًا عَن أُولَئِكَ الْجَمَاعَة فَلَا يَقْتَضِي أَنهم قَائِلُونَ بأفضلية عَليّ على أبي بكر مُطلقًا بل إِمَّا من حَيْثُ تقدمه عَلَيْهِ إسلاما بِنَاء على القَوْل بذلك أَو مُرَادهم بتفضيل عَليّ على غَيره مَا عدا الشَّيْخَيْنِ وَعُثْمَان لقِيَام الْأَدِلَّة الصَّرِيحَة الصَّحِيحَة على أَفضَلِيَّة هَؤُلَاءِ عَلَيْهِ فَإِن قلت مَا مُسْتَند إِجْمَاعهم على ذَلِك قلت الْإِجْمَاع حجَّة على كل أحد وَإِن لم يعرف مُسْتَنده لِأَن الله عصم هَذِه الْأمة من أَن تَجْتَمِع على ضَلَالَة وَيدل لذَلِك بل يُصَرح بِهِ قَوْله تَعَالَى وَيتبع غير سَبِيل الْمُؤمنِينَ نوله مَا تولى ونصله جَهَنَّم وَسَاءَتْ مصيرا النِّسَاء ١١٥ وَقد أَجمعُوا أَيْضا على استحقاقهم الْخلَافَة على هَذَا التَّرْتِيب لَكِن هَذَا قَطْعِيّ كَمَا مر بأدلته مَبْسُوطا فَإِن قلت لم لم يكن التَّفْضِيل بَينهم على هَذَا التَّرْتِيب قَطْعِيا أَيْضا حَتَّى عِنْد غير الْأَشْعَرِيّ للْإِجْمَاع عَلَيْهِ قلت أما بَين عُثْمَان وَعلي فَوَاضِح للْخلاف فِيهِ كَمَا تقدم وَأما بَين أبي بكر ثمَّ عمر ثمَّ غَيرهمَا فَهُوَ وَإِن أَجمعُوا عَلَيْهِ إِلَّا أَن فِي كَون

стр. 168

الْإِجْمَاع حجَّة قَطْعِيَّة خلاف فَالَّذِي عَلَيْهِ الْأَكْثَرُونَ أَنه حجَّة قَطْعِيَّة مُطلقًا فَيقدم على الْأَدِلَّة كلهَا وَلَا يُعَارضهُ دَلِيل أصلا وَيكفر أَو يبدع ويضلل مخالفه وَقَالَ الإِمَام الرَّازِيّ والآمدي إِنَّه ظَنِّي مُطلقًا وَالْحق فِي ذَلِك التَّفْضِيل فَمَا اتّفق عَلَيْهِ المعتبرون حجَّة قَطْعِيَّة وَمَا اخْتلفُوا كالإجماع السكوتي وَالْإِجْمَاع الَّذِي ندر مخالفه فَهُوَ ظَنِّي وَقد علمت مِمَّا قَرّرته لَك أَن هَذَا الْإِجْمَاع لَهُ مُخَالف نَادِر فَهُوَ وَإِن لم يعْتد بِهِ فِي الْإِجْمَاع على مَا فِيهِ من الْخلاف فِي مَحَله لكنه يُورث انحطاطه عَن الْإِجْمَاع الَّذِي لَا مُخَالف لَهُ فَالْأول ظَنِّي وَهَذَا قَطْعِيّ وَبِهَذَا يتَرَجَّح مَا قَالَه غير الْأَشْعَرِيّ من أَن الْإِجْمَاع هُنَا ظَنِّي لِأَنَّهُ اللَّائِق بِمَا قَرَّرْنَاهُ من أَن الْحق عِنْد الْأُصُولِيِّينَ التَّفْضِيل الْمَذْكُور وَكَانَ الْأَشْعَرِيّ من الْأَكْثَرين الْقَائِلين بِأَنَّهُ قَطْعِيّ مُطلقًا وَمِمَّا يُؤَكد أَنه هُنَا ظَنِّي أَن المجمعين أنفسهم لم يقطعوا بالأفضلية الْمَذْكُورَة وَإِنَّمَا ظنوها فَقَط كَمَا هُوَ الْمَفْهُوم من عِبَارَات الْأَئِمَّة وإشاراتهم وَسبب ذَلِك أَن الْمَسْأَلَة اجتهادية وَمن مُسْتَنده أَن هَؤُلَاءِ الْأَرْبَعَة اخْتَارَهُمْ الله لخلافة نبيه ﷺ وَإِقَامَة دينه فَكَانَ الظَّاهِر أَن مَنْزِلَتهمْ عِنْده بِحَسب ترتيبهم فِي الْخلَافَة وَأَيْضًا ورد فِي أبي بكر وَغَيره كعلي نُصُوص متعارضة يَأْتِي بسطها فِي الْفَضَائِل وَهِي لَا تفِيد الْقطع لِأَنَّهَا بأسرها آحَاد وظنية الدّلَالَة مَعَ كَونهَا متعارضة أَيْضا وَلَيْسَ الِاخْتِصَاص بِكَثْرَة أَسبَاب الثَّوَاب مُوجبا لزيادته المستلزمة للأفضلية قطعا بل ظنا

стр. 169

لِأَنَّهُ تفضل من الله فَلهُ أَن لَا يثيب الْمُطِيع ويثيب غَيره وَثُبُوت الْإِمَامَة وَإِن كَانَ قَطْعِيا لَا يُفِيد الْقطع بالأفضلية بل غَايَته الظَّن كَيفَ وَلَا قَاطع على بطلَان إِمَامَة الْمَفْضُول مَعَ وجود الْفَاضِل لكننا وجدنَا السّلف فضلوهم كَذَلِك وَحسن ظننا بهم قَاض بِأَنَّهُم لَو لم يطلعوا على دَلِيل فِي ذَلِك لما أطبقوا عَلَيْهِ فلزمنا اتباعهم فِيهِ وتفويض مَا هُوَ الْحق فِيهِ إِلَى الله تَعَالَى قَالَ الْآمِدِيّ وَقد يُرَاد بالتفضيل اخْتِصَاص أحد الشَّيْخَيْنِ عَن الآخر إِمَّا بِأَصْل فَضِيلَة لَا وجود لَهَا فِي الآخر كالعالم وَالْجَاهِل وَإِمَّا بِزِيَادَة فِيهَا لكَونه أعلم مثلا وَذَلِكَ أَيْضا غير مَقْطُوع بِهِ فِيمَا بَين الصَّحَابَة إِذْ مَا من فَضِيلَة تبين اختصاصها بِوَاحِد مِنْهُم إِلَّا وَيُمكن بَيَان مُشَاركَة غَيره لَهُ فِيهَا وَبِتَقْدِير عدم الْمُشَاركَة فقد يُمكن بَيَان اخْتِصَاص الآخر بفضيلة أُخْرَى وَلَا سَبِيل إِلَى التَّرْجِيح بِكَثْرَة الْفَضَائِل لاحْتِمَال أَن تكون الْفَضِيلَة الْوَاحِدَة أرجح من فَضَائِل كَثِيرَة إِمَّا لزِيَادَة شرفها فِي نَفسهَا أَو لزِيَادَة كميتها فَلَا جزم بالأفضلية لهَذَا الْمَعْنى أَيْضا وَأَيْضًا فحقيقة الْفضل مَا هُوَ فضل عِنْد الله وَذَلِكَ لَا يطلع عَلَيْهِ إِلَّا بِالْوَحْي وَقد ورد الثَّنَاء عَلَيْهِم وَلَا يتَحَقَّق إِدْرَاك حَقِيقَة ذَلِك الْفضل عِنْد عدم دَلِيل قَطْعِيّ متْنا وسندا إِلَّا المشاهدون لزمن الْوَحْي وأحواله ﷺ مَعَهم لظُهُور الْقَرَائِن الدَّالَّة على التَّفْضِيل حِينَئِذٍ بِخِلَاف من لم يشْهد ذَلِك نعم وصل إِلَيْنَا سمعيات أكدت عندنَا الظَّن بذلك التَّفْضِيل على ذَلِك التَّرْتِيب لإفادتها لَهُ صَرِيحًا أَو

стр. 170

استنباطا وَسَتَأْتِي مبسوطة فِي الْفَضَائِل وَيُؤَيّد مَا مر أَنه لَا يلْزم من الْإِجْمَاع على الأحقية بالخلافة من عَليّ مَعَ اخْتلَافهمْ فِي أَيهمَا أفضل وَقد الْتبس هَذَا الْمقَام على بعض من لَا فطنة عِنْده فَظن أَن من قَالَ من الْأُصُولِيِّينَ إِن أَفضَلِيَّة أبي بكر إِنَّمَا ثبتَتْ بِالظَّنِّ لَا بِالْقطعِ يدل على أَن خِلَافَته كَذَلِك وَلَيْسَ كَمَا زعم على أَنهم كَمَا صَرَّحُوا بذلك صَرَّحُوا مَعَه بِأَن خِلَافَته قَطْعِيَّة فَكيف حِينَئِذٍ يَتَأَتَّى مَا ظَنّه ذَلِك الْبَعْض هَذَا وَلَك أَن تَقول إِن أَفضَلِيَّة أبي بكر ثبتَتْ بِالْقطعِ حَتَّى عِنْد غير الْأَشْعَرِيّ أَيْضا بِنَاء على مُعْتَقد الشِّيعَة والرافضة وَذَلِكَ لِأَنَّهُ ورد عَن عَليّ وَهُوَ مَعْصُوم عِنْدهم والمعصوم لَا يجوز عَلَيْهِ الْكَذِب أَن أَبَا بكر وَعمر أفضل الْأمة قَالَ الذَّهَبِيّ وَقد تَوَاتر ذَلِك عَنهُ فِي خِلَافَته وكرسي مَمْلَكَته وَبَين الجم الْغَفِير من شيعته ثمَّ بسط الْأَسَانِيد الصَّحِيحَة فِي ذَلِك قَالَ وَيُقَال رَوَاهُ عَن عَليّ نَيف وَثَمَانُونَ نفسا وَعدد مِنْهُم جمَاعَة ثمَّ قَالَ فقبح الله الرافضة مَا أجهلهم انْتهى وَمِمَّا يعضد ذَلِك مَا فِي البُخَارِيّ عَنهُ أَنه قَالَ خير النَّاس بعد النَّبِي ﷺ أَبُو بكر ثمَّ عمر ﵄ ثمَّ رجل آخر فَقَالَ ابْنه مُحَمَّد ابْن الْحَنَفِيَّة ثمَّ أَنْت فَقَالَ إِنَّمَا أَنا رجل من الْمُسلمين

стр. 171

وَصحح الذَّهَبِيّ وَغَيره طرقا أُخْرَى عَن عَليّ بذلك وَفِي بَعْضهَا أَلا وَإنَّهُ بَلغنِي أَن رجَالًا يفضلوني عَلَيْهِمَا فَمن وجدته فضلني عَلَيْهِمَا فَهُوَ مفتر عَلَيْهِ مَا على المفتري أَلا وَلَو كنت تقدّمت فِي ذَلِك لعاقبت أَلا وَإِنِّي أكره الْعقُوبَة قبل التَّقَدُّم وَأخرج الدَّارَقُطْنِيّ عَنهُ لَا أجد أحدا فضلني على أبي بكر وَعمر إِلَّا جلدته حد المفتري وَصَحَّ عَن مَالك عَن جَعْفَر الصَّادِق عَن أَبِيه الباقر أَن عليا ﵁ وقف على عمر بن الْخطاب وَهُوَ مسجى وَقَالَ مَا أقلت الغبراء وَلَا أظلت الخضراء أحدا أحب إِلَيّ أَن ألْقى الله بصحيفته من هَذَا المسجى وَفِي رِوَايَة صَحِيحَة أَنه قَالَ لَهُ وَهُوَ مسجى صلى الله عَلَيْك ودعا لَهُ قَالَ سُفْيَان فِي رِوَايَة قيل للباقر أليست الصَّلَاة على غير الْأَنْبِيَاء مَنْهِيّا عَنْهَا فَقَالَ هَكَذَا سَمِعت وَعَلِيهِ فيوجه بِاحْتِمَال أَن عليا قَائِل بِعَدَمِ الْكَرَاهَة عملا بقوله

стр. 172

صلى الله عَلَيْهِ وَسلم (اللَّهُمَّ صل على آل أبي أوفى) وَأخرج أَبُو بكر الْآجُرِيّ عَن أبي جُحَيْفَة سَمِعت عليا على مِنْبَر الْكُوفَة يَقُول إِن خير هَذِه الْأمة بعد نبيها أَبُو بكر ثمَّ خَيرهمْ عمر وَأخرج الْحَافِظ أَبُو ذَر الْهَرَوِيّ من طرق متنوعة وَالدَّارَقُطْنِيّ وَغَيرهمَا عَنهُ أَيْضا دخلت على عَليّ فِي بَيته فَقلت يَا خير النَّاس بعد رَسُول الله ﷺ فَقَالَ مهلا يَا أَبَا جُحَيْفَة أَلا أخْبرك بِخَير النَّاس بعد رَسُول الله ﷺ أَبُو بكر وَعمر وَيحك يَا أَبَا جُحَيْفَة لَا يجْتَمع حبي وبغض أبي بكر وَعمر فِي قلب مُؤمن وأخباره بكونهما خير الْأمة ثبتَتْ عَنهُ من رِوَايَة ابْنه مُحَمَّد بن الْحَنَفِيَّة وَجَاء عَنهُ من طرق كَثِيرَة بِحَيْثُ يجْزم من تتبعها بصدور هَذَا القَوْل من عَليّ والرافضة وَنَحْوهم لما لم يكن يُمكنهُم إِنْكَار صُدُور هَذَا القَوْل مِنْهُ لظُهُوره عَنهُ بِحَيْثُ لَا يُنكره إِلَّا جَاهِل بالآثار أَو مباهت قَالُوا إِنَّمَا قَالَ عَليّ ذَلِك تقية وَمر أَن ذَلِك كذب وافتراء وَسَيَأْتِي أَيْضا وَأحسن مَا يُقَال فِي هَذَا الْمحل أَلا لعنة الله على الْكَاذِبين وَأخرج الدَّارَقُطْنِيّ أَن أَبَا جُحَيْفَة كَانَ يرى أَن عليا أفضل الْأمة فَسمع أَقْوَامًا يخالفونه فَحزن حزنا شَدِيدا فَقَالَ لَهُ عَليّ بعد أَن أَخذ بِيَدِهِ وَأدْخلهُ بَيته مَا

стр. 173

أحزنك يَا أَبَا جُحَيْفَة فَذكر لَهُ الْخَبَر فَقَالَ أَلا أخْبرك بِخَير هَذِه الْأمة خَيرهَا أَبُو بكر ثمَّ عمر قَالَ أَبُو جُحَيْفَة فَأعْطيت الله عهدا أَن لَا أكتم هَذَا الحَدِيث بعد أَن شافهني بِهِ عَليّ مَا بقيت وَقَول الشِّيعَة والرافضة وَنَحْوهمَا إِنَّمَا ذكر عَليّ ذَلِك تقية كذب وافتراء على الله إِذْ كَيفَ يتَوَهَّم ذَلِك من لَهُ أدنى عقل أَو فهم مَعَ ذكره لَهُ فِي الْخَلَاء فِي مُدَّة خِلَافَته لِأَنَّهُ قَالَه على مِنْبَر الْكُوفَة وَهُوَ لم يدخلهَا إِلَّا بعد فَرَاغه من حَرْب أهل الْبَصْرَة وَذَلِكَ أقوى مَا كَانَ أمرا وأنفذ حكما وَذَلِكَ بعد مُدَّة مديدة من موت أبي بكر وَعمر قَالَ بعض أَئِمَّة أهل الْبَيْت النَّبَوِيّ بعد أَن ذكر ذَلِك فَكيف يتعقل وُقُوع مثل هَذِه التقية المشؤومة الَّتِي أفسدوا بهَا عقائد أَكثر أهل الْبَيْت النَّبَوِيّ لإظهارهم لَهُم كَمَال الْمحبَّة والتعظيم فمالوا إِلَى تقليدهم حَتَّى قَالَ بَعضهم أعز الْأَشْيَاء فِي الدُّنْيَا شرِيف سني فَلَقَد عظمت مُصِيبَة أهل الْبَيْت بهؤلاء وَعظم عَلَيْهِم أَولا وآخرا انْتهى وَمَا أحسن مَا أبطل بِهِ الباقر هَذِه التقية المشؤومة لما سُئِلَ عَن الشَّيْخَيْنِ فَقَالَ إِنِّي أتولاهما فَقيل لَهُ إِنَّهُم يَزْعمُونَ أَن ذَلِك تقية فَقَالَ إِنَّمَا يخَاف الْأَحْيَاء وَلَا

стр. 174

يخَاف الْأَمْوَات فعل الله بِهِشَام بن عبد الْملك كَذَا وَكَذَا أخرجه الدَّارَقُطْنِيّ وَغَيره فَانْظُر مَا أبين هَذَا الِاحْتِجَاج وأوضحه من مثل هَذَا الإِمَام الْعَظِيم الْمجمع على جلالته وفضله بل أُولَئِكَ الأشقياء يدعونَ فِيهِ الْعِصْمَة فَيكون مَا قَالَه وَاجِب الصدْق وَمَعَ ذَلِك فقد صرح لَهُم بِبُطْلَان تِلْكَ التقية المشؤومة عَلَيْهِم وَاسْتدلَّ لَهُم على ذَلِك بِأَن اتقاء الشَّيْخَيْنِ بعد مَوْتهمَا لَا وَجه لَهُ إِذْ لَا سطوة لَهما حِينَئِذٍ ثمَّ بَين لَهُم بدعائه على هِشَام الَّذِي هُوَ وَالِي زَمَنه وشوكته قَائِمَة أَنه إِذا لم يتقه مَعَ أَنه يخَاف يخْشَى لسطوته وَملكه وقوته وقهره فَكيف مَعَ ذَلِك يَتَّقِي الْأَمْوَات الَّذين لَا شَوْكَة لَهُم وَلَا سطوة وَإِذا كَانَ هَذَا حَال الباقر فَمَا ظَنك بعلي الَّذِي لَا نِسْبَة بَينه وَبَين الباقر فِي إقدامه وقوته وشجاعته وَشدَّة بأسه وَكَثْرَة عدته وعدده وَأَنه لَا يخَاف فِي الله لومة لائم وَمَعَ ذَلِك فقد صَحَّ عَنهُ بل تَوَاتر كَمَا مر مدح الشَّيْخَيْنِ وَالثنَاء عَلَيْهِمَا وأنهما خير الْأمة وَمر أَيْضا الْأَثر الصَّحِيح عَن مَالك عَن جَعْفَر الصَّادِق عَن أَبِيه الباقر أَن عليا وقف على عمر وَهُوَ مسجى بِثَوْبِهِ وَقَالَ مَا سبق فَمَا أحْوج عليا أَن يَقُول ذَلِك تقية وَمَا أحْوج الباقر أَن يرويهِ لِابْنِهِ الصَّادِق تقية وَمَا أحْوج الصَّادِق أَن يرويهِ لمَالِك تقية فَتَأمل كَيفَ يسع الْعَاقِل أَن يتْرك مثل هَذَا الْإِسْنَاد الصَّحِيح ويحمله على التقية لشَيْء لم يَصح وَإِنَّمَا هُوَ من جهالاتهم وغباواتهم وكذبهم وحمقهم وَمَا أحسن مَا سلكه بعض الشِّيعَة المنصفين كَعبد الرَّزَّاق فَإِنَّهُ قَالَ أفضل الشَّيْخَيْنِ بتفضيل عَليّ إيَّاهُمَا على نَفسه وَإِلَّا لما فضلتهما كفى بِي وزرا أَن أحبه ثمَّ أخالفه

стр. 175

وَمِمَّا يكذبهم فِي دَعْوَى تِلْكَ التقية المشؤومة عَلَيْهِم مَا أخرجه الدَّارَقُطْنِيّ أَن أَبَا سُفْيَان بن حَرْب ﵁ قَالَ لعَلي بِأَعْلَى صَوته لما بَايع النَّاس أَبَا بكر ﵁ يَا عَليّ غَلَبَكُمْ على هَذَا الْأَمر أذلّ بَيت فِي قُرَيْش أما وَالله لأَمْلَأَنهَا عَلَيْهِ خيلا ورجالا إِن شِئْت فَقَالَ عَليّ ﵁ يَا عَدو الْإِسْلَام وَأَهله فَمَا أضرّ ذَلِك لِلْإِسْلَامِ وَأَهله فَعلم بطلَان مَا زعموه وافتروه من أَن عليا إِنَّمَا بَايع تقية وقهرا وَلَو كَانَ لما زعموه من ذَلِك أدنى صِحَة لنقل واشتهر عَن عَليّ إِذْ لَا دَاعِي لكتمه بل أخرج الدَّارَقُطْنِيّ وروى مَعْنَاهُ من طرق كَثِيرَة عَن عَليّ أَنه قَالَ وَالَّذِي فلق الْحبَّة وبرأ النَّسمَة لَو عهد إِلَيّ رَسُول الله ﷺ عهدا لَجَاهَدْت عَلَيْهِ وَلَو لم أجد إِلَّا رِدَائي وَلم أترك ابْن أبي قُحَافَة يصعد دَرَجَة وَاحِدَة من منبره ﷺ وَلكنه ﷺ رأى موضعي وموضعه فَقَالَ لَهُ قُم فصل بِالنَّاسِ وَتَرَكَنِي فرضينا بِهِ لدنيانا كَمَا رَضِي بِهِ رَسُول الله ﷺ لديننا وَمر لذَلِك مزِيد بَيَان فِي خَامِس الْأَجْوِبَة عَن خبر من كنت مَوْلَاهُ فعلي مَوْلَاهُ وَفِي الْبَاب الثَّانِي وَفِي غَيرهمَا فراجع ذَلِك كُله فَإِنَّهُ مُهِمّ وَمِمَّا يلْزم من الْمَفَاسِد والمساوئ والقبائح الْعَظِيمَة على مَا زعموه من نِسْبَة عَليّ إِلَى التقية أَنه كَانَ جَبَانًا ذليلا مقهورا أَعَاذَهُ الله من ذَلِك وحروبه للبغاة لما صَارَت الْخلَافَة لَهُ ومباشرته ذَلِك بِنَفسِهِ ومبارزته للألوف من الْأُمُور المستفيضة

стр. 176

الَّتِي تقطع بكذب مَا نسبه إِلَيْهِ أُولَئِكَ الحمقى والغلاة إِذْ كَانَت الشَّوْكَة من الْبُغَاة قَوِيَّة جدا وَلَا شكّ أَن بني أُميَّة كَانُوا أعظم قبائل قُرَيْش شَوْكَة وَكَثْرَة جَاهِلِيَّة وإسلاما وَقد كَانَ أَبُو سُفْيَان بن حَرْب ﵁ هُوَ قَائِد الْمُشْركين يَوْم أحد وَيَوْم الْأَحْزَاب وَغَيرهمَا وَقد قَالَ لعَلي لما بُويِعَ أَبُو بكر مَا مر آنِفا فَرد عَلَيْهِ ذَلِك الرَّد الْفَاحِش وَأَيْضًا فبنو تيم ثمَّ بَنو عدي قوما الشَّيْخَيْنِ من أَضْعَف قبائل قُرَيْش فسكوت عَليّ لَهما مَعَ أَنَّهُمَا كَمَا ذكر وقيامه بِالسَّيْفِ على الْمُخَالفين لما انْعَقَدت الْبيعَة لَهُ مَعَ قُوَّة شكيمتهم أوضح دَلِيل على أَنه كَانَ دائرا مَعَ الْحق حَيْثُ دَار وَأَنه من الشجَاعَة بِالْمحل الْأَسْنَى وَأَنه لَو كَانَ مَعَه وَصِيَّة من رَسُول الله ﷺ فِي أَمر الْقيام على النَّاس لأنفذ وَصِيَّة رَسُول الله ﷺ وَلَو كَانَ السَّيْف على رَأسه مسلطا لَا يرتاب فِي ذَلِك إِلَّا من اعْتقد فِيهِ ﵁ مَا هُوَ بَرِيء مِنْهُ وَمِمَّا يلْزمهُم أَيْضا على تِلْكَ التقية المشؤومة عَلَيْهِم أَنه ﵁ لَا يعْتَمد على قَوْله قطّ لِأَنَّهُ حَيْثُ لم يزل فِي اضْطِرَاب من أمره فَكل مَا قَالَه يحْتَمل أَنه خَالف فِيهِ الْحق خوفًا وتقية ذكره شيخ الْإِسْلَام الْغَزالِيّ قَالَ غَيره بل يلْزمهُم مَا هُوَ أشنع من ذَلِك واقبح كَقَوْلِهِم إِن النَّبِي ﷺ لم يعين الْإِمَامَة إِلَّا لعَلي فَمنع من ذَلِك فَقَالَ مروا أَبَا بكر تقية فيتطرق احْتِمَال ذَلِك إِلَى كل مَا جَاءَ عَنهُ ﷺ وَلَا يُفِيد حِينَئِذٍ إِثْبَات الْعِصْمَة شَيْئا وَأَيْضًا فقد استفاض عَن عَليّ ﵁ أَنه كَانَ لَا يُبَالِي بِأحد حَتَّى قيل

стр. 177

للشَّافِعِيّ ﵁ مَا نفر النَّاس عَن عَليّ إِلَّا أَنه كَانَ لَا يُبَالِي بِأحد فَقَالَ الشَّافِعِي إِنَّه كَانَ زاهدا والزاهد لَا يُبَالِي بالدنيا وَأَهْلهَا وَكَانَ عَالما والعالم لَا يُبَالِي بِأحد وَكَانَ شجاعا والشجاع لَا يُبَالِي بِأحد وَكَانَ شريفا والشريف لَا يُبَالِي بِأحد أخرجه الْبَيْهَقِيّ وعَلى تَقْدِير أَنه قَالَ ذَلِك تقية فقد انْتَفَى مقتضيها بولايته وَقد مرعنه من مدح الشَّيْخَيْنِ فِيهَا وَفِي الْخلْوَة وعَلى مِنْبَر الْخلَافَة مَعَ غَايَة الْقُوَّة والمنعة مَا تلِي عَلَيْك قَرِيبا فَلَا تغفل عَنهُ وَأخرج أَبُو ذَر الْهَرَوِيّ وَالدَّارَقُطْنِيّ من طرق أَن بَعضهم مر بِنَفر يسبون الشَّيْخَيْنِ فَأخْبر عليا وَقَالَ لَوْلَا أَنهم يرَوْنَ أَنَّك تضمر مَا أعْلنُوا مَا اجترءوا على ذَلِك فَقَالَ عَليّ أعوذ بِاللَّه رحمهمَا الله ثمَّ نَهَضَ فَأخذ بيد ذَلِك الْمخبر وَأدْخلهُ الْمَسْجِد فَصَعدَ الْمِنْبَر ثمَّ قبض على لحيته وَهِي بَيْضَاء فَجعلت دُمُوعه تتحادر على لحيته وَجعل ينظر الْبِقَاع حَتَّى اجْتمع النَّاس ثمَّ خطب خطْبَة بليغة من جُمْلَتهَا مَا بَال أَقوام يذكرُونَ أخوي رَسُول الله ﷺ ووزيريه وصاحبيه وسيدي قُرَيْش وأبوي الْمُسلمين وَأَنا مِمَّا يذكرُونَ بَرِيء وَعَلِيهِ معاقب صحبا رَسُول الله ﷺ بالجد وَالْوَفَاء وَالْجد فِي أَمر الله يأمران وينهيان ويقضيان ويعاقبان لَا يرى رَسُول الله ﷺ كرأيهما رَأيا وَلَا يحب كحبهما حبا لما يرى من عزمهما فِي أَمر الله فَقبض وَهُوَ عَنْهُمَا رَاض والمسلمون راضون فَمَا تجاوزا فِي أَمرهمَا وسيرتهما رَأْي رَسُول الله ﷺ وَأمره فِي حَيَاته وَبعد مَوته فقبضا على ذَلِك رحمهمَا الله

стр. 178

فوالذي فلق الْحبَّة وبرأ النَّسمَة لَا يحبهما إِلَّا مُؤمن فَاضل وَلَا يبغضهما ويخالفهما إِلَّا شقي مارق حبهما قربَة وبغضهما مروق ثمَّ ذكر أَمر النَّبِي ﷺ لأبي بكر بِالصَّلَاةِ وَهُوَ يرى مَكَان عَليّ ثمَّ ذكر أَنه بَايع أَبَا بكر ثمَّ ذكر اسْتِخْلَاف أبي بكر لعمر ثمَّ قَالَ أَلا وَلَا يبلغنِي عَن أحد أَنه يبغضهما إِلَّا جلدته حد المفتري وَفِي رِوَايَة وَمَا اجترؤا على ذَلِك أَي سبّ الشَّيْخَيْنِ إِلَّا وهم يرَوْنَ أَنَّك مُوَافق لَهُم مِنْهُم عبد الله بن سبأ وَكَانَ أول من أظهر ذَلِك فَقَالَ عَليّ معَاذ الله أَن أضمر لَهما ذَلِك لعن الله من أضمر لَهما إِلَّا الْحسن الْجَمِيل وسترى ذَلِك إِن شَاءَ الله تَعَالَى ثمَّ أرسل إِلَى ابْن سبأ فسيره إِلَى الْمَدَائِن وَقَالَ لَا يساكني فِي بَلْدَة أبدا قَالَ الْأَئِمَّة وَكَانَ ابْن سبأ هَذَا يَهُودِيّا فأظهر الْإِسْلَام وَكَانَ كَبِير طَائِفَة من الروافض وهم الَّذين أخرجهم عَليّ ﵁ لما ادعوا فِيهِ الألوهية وَأخرج الدَّارَقُطْنِيّ من طرق أَن عليا بلغه أَن رجلا يعيب أَبَا بكر وَعمر فَأحْضرهُ وَعرض لَهُ بعيبهما لَعَلَّه يعْتَرف فَفطن فَقَالَ لَهُ أما وَالَّذِي بعث مُحَمَّدًا ﷺ بِالْحَقِّ أَن لَو سَمِعت مِنْك الَّذِي بَلغنِي أَو الَّذِي نبئت عَنْك وَثَبت عَلَيْك

стр. 179

ببيته لَأَفْعَلَنَّ بك كَذَا وَكَذَا إِذا تقرر ذَلِك فاللائق بِأَهْل الْبَيْت النَّبَوِيّ اتِّبَاع سلفهم فِي ذَلِك والإعراض مِمَّا يدسه إِلَيْهِم الرافضة وغلاة الشِّيعَة من قبائح الْجَهْل والغباوة والعناد فالحذر الحذر عَمَّا يلقونه إِلَيْهِم أَن كل من اعْتقد تَفْضِيل أبي بكر على عَليّ ﵄ كَانَ كَافِرًا لِأَن مُرَادهم بذلك أَن يقرروا عِنْدهم تَكْفِير الْأمة من الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ وَمن بعدهمْ من أَئِمَّة الدّين وعلماء الشَّرِيعَة وعوامهم وَأَنه لَا مُؤمن غَيرهم وَهَذَا مؤد إِلَى هدم قَوَاعِد الشَّرِيعَة من اصلها وإلغاء الْعَمَل بكتب السّنة وَمَا جَاءَ عَن النَّبِي ﷺ وَعَن صحابته وَأهل بَيته إِذْ الرَّاوِي لجَمِيع آثَارهم وأخبارهم وللأحاديث بأسرها بل والناقل لِلْقُرْآنِ فِي كل عصر من عصر النَّبِي ﷺ وَإِلَى هَلُمَّ هم الصَّحَابَة والتابعون وعلماء الدّين إِذْ لَيْسَ لنَحْو الرافضة رِوَايَة وَلَا دراية يَدْرُونَ بهَا فروع الشَّرِيعَة وَإِنَّمَا غَايَة أَمرهم أَن يَقع فِي خلال بعض الْأَسَانِيد من هُوَ رَافِضِي أَو نَحوه وَالْكَلَام فِي قبولهم مَعْرُوف عِنْد أَئِمَّة الْأَثر ونقاد السّنة فَإِذا قَدَحُوا فيهم قَدَحُوا فِي الْقُرْآن وَالسّنة وأبطلوا الشَّرِيعَة رَأْسا

стр. 180

وَصَارَ الْأَمر كَمَا فِي زمن الْجَاهِلِيَّة الجهلاء فلعنة الله وأليم عِقَابه وعظائم نقمته على من يفتري على الله وعَلى نبيه بِمَا يُؤَدِّي إِلَى إبِْطَال مِلَّته وَهدم شَرِيعَته وَكَيف يسع الْعَاقِل أَن يعْتَقد كفر السوَاد الْأَعْظَم من أمة مُحَمَّد ﷺ مَعَ إقرارهم بِالشَّهَادَتَيْنِ وقبلولهم لشريعة نَبِيّهم مُحَمَّد ﷺ من غير مُوجب للتكفير وهب أَن عليا أفضل من ابي بكر ﵄ فِي نفس الْأَمر أَلَيْسَ الْقَائِلُونَ بأفضلية أَب بكر معذورين لأَنهم إِنَّمَا قَالُوا بذلك لأدلة صرحت بِهِ هم مجتهدون والمجتهد إِذا أَخطَأ لَهُ أجر فَكيف يُقَال حِينَئِذٍ بالتكفير وَهُوَ لَا يكون إِلَّا بإنكار مجمع عَلَيْهِ مَعْلُوم من الدّين بِالضَّرُورَةِ عنادا كَالصَّوْمِ وَالصَّلَاة وَأما مَا يفْتَقر إِلَى نظر واستدلال فَلَا كفر بإنكاره وَإِن أجمع عَلَيْهِ على مَا فِيهِ من الْخلاف وَانْظُر إِلَى إنصافنا معشر أهل السّنة وَالْجَمَاعَة الَّذين طهرنا الله من الرذائل والجهالات والعناد والتعصب والحمق والغباوة فإننا لم نكفر الْقَائِلين بأفضلية عَليّ على أبي بكر وَإِن كَانَ ذَلِك عندنَا خلاف مَا أجمعنا عَلَيْهِ فِي كل عصر منا إِلَى النَّبِي ﷺ على مَا مر أول هَذَا الْبَاب بل أَقَمْنَا لَهُم الْعذر الْمَانِع من التَّكْفِير وَمن كفر الرافضة من الْأمة فلأمور أُخْرَى من قبائحهم انضمت إِلَى ذَلِك فالحذر الحذر من اعْتِقَاد كفر من قلبه مَمْلُوء بِالْإِيمَان بِغَيْر مُقْتَض تقليدا للجهال الضَّالة الغالية وَتَأمل مَا صَحَّ وَثَبت عَن عَليّ وَأهل بَيته من تصريحهم بتفضيل الشَّيْخَيْنِ على عَليّ فَإِن هَؤُلَاءِ الحمقى وَإِن حملوه على التقية الْبَاطِلَة المشؤومة عَلَيْهِم فَلَا أقل من أَن يكون عذرا لأهل السّنة فِي اتباعهم لعَلي وَأهل بَيته فيجتنب اعْتِقَاد الْكفْر
следующие страницы →