Полный текст (225 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.
стр. 141
الْآيَة التَّاسِعَة وَالْعشْرُونَ قَوْله تَعَالَى ﴿ويستخلفكم﴾
الْآيَة الموفية ثَلَاثِينَ قَوْله تَعَالَى ﴿وَهُوَ الله فِي السَّمَاوَات وَفِي الأَرْض يعلم سركم وجهركم﴾ الْآيَة
اعْلَم أَنه لَا يجوز حمل هَذِه الْآيَة على ظَاهر الظَّرْفِيَّة فِيهَا للباري تَعَالَى وتقدس الْوُجُوه
стр. 142
الأول الدَّلِيل الْعقلِيّ أَن التحيز والجهة فِي حَقه تَعَالَى محَال
الثَّانِي أَنه قَالَ ﴿فِي السَّمَاوَات﴾ فَجمع السَّمَوَات فَإِن كَانَ مَعَ الِاتِّحَاد لزم كَون متحيز وَاحِد فِي عدَّة أَمَاكِن متباعدة وَهُوَ محَال وَإِن كَانَ فِي كل سَمَاء غير مَا فِي الْأُخْرَى لزم التجزي والتركيب وَهُوَ محَال تَعَالَى الله عَن ذَلِك كُله
الثَّالِث قَوْله تَعَالَى ﴿لله ملك السَّمَاوَات وَالْأَرْض وَمَا فِيهِنَّ﴾ فَيلْزم أَن يكون مَالِكًا لنَفسِهِ وَأَنه يسْجد لنَفسِهِ وَهُوَ محَال
فَإِن قيل هُوَ عَام قُلْنَا لَا يَصح التَّخْصِيص مَعَ قيام الدَّلِيل الْعقلِيّ والنقلي على خِلَافه
الرَّابِع لَو كَانَ كل مظروف محدودا وكل مَحْدُود متناه قَابل للزِّيَادَة وَالنُّقْصَان وكل قَابل لذَلِك يحْتَاج إِلَى مُخَصص لذَلِك المتناهي مُحدث لَهُ وَذَلِكَ على الله محَال
الْخَامِس قَوْله تَعَالَى ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاء إِلَه وَفِي الأَرْض إِلَه﴾
стр. 143
فَلَيْسَ تَخْصِيص أَحدهمَا بِأولى من الآخر لِأَن الظَّرْفِيَّة فِي الْمَوْضِعَيْنِ سَوَاء فَيلْزم أَن يكون فِي الأَرْض أَيْضا
السَّادِس قَوْله تَعَالَى وَهُوَ مَعكُمْ اينما كُنْتُم ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أسمع وَأرى﴾ ﴿فَإِنِّي قريب﴾ ﴿وَنحن أقرب إِلَيْهِ﴾ وَلَيْسَ تَأْوِيل هَذَا بِأولى من تَأْوِيل ذَلِك لِأَن تحكم
وَكَذَا قَوْله تَعَالَى ﴿فأينما توَلّوا فثم وَجه الله﴾ وَالْمرَاد بِوَجْهِهِ ذَاته كَمَا تقدم
السَّابِع أَنهم يَقُولُونَ إِنَّه على الْعَرْش فَيلْزم التَّنَاقُض أَو يكون متحيزا فِي حيزين كَمَا تقدم وَهُوَ محَال
إِذا ثَبت هَذَا وَجب حمل الْآيَة على مَا يَلِيق بجلاله تَعَالَى
وَفِيه لأهل التَّأْوِيل وُجُوه
الأول مَا دلّ عَلَيْهِ لفظ الله من العظمة والإلهية وَاسْتِحْقَاق الْعُبُودِيَّة وَتَقْدِيره وَهُوَ الله المعبود الْمُعظم إِلَه فِي السَّمَوَات وَفِي الأَرْض وَيُؤَيِّدهُ قَوْله تَعَالَى ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاء إِلَه وَفِي الأَرْض إِلَه﴾
وَيُؤَيِّدهُ قِرَاءَة من قَرَأَ وَهُوَ فِي السَّمَوَات وَفِي الأَرْض الله
стр. 144
الثَّانِي وَهُوَ الله الْمُنْفَرد بِالتَّدْبِيرِ فِي السَّمَوَات وَفِي الأَرْض كَمَا يُقَال فلَان الْخَلِيفَة فِي الْمشرق وَالْمغْرب أَي الْمُنْفَرد بالخلافة فيهمَا
الثَّالِث أَن يكون الضَّمِير فِي ﴿وَهُوَ الله﴾ وَيكون الظَّاهِر خَبره وَمَعْنَاهُ ﴿ثمَّ أَنْتُم تمترون﴾ أَنه خَالق ذَلِك كُله وَيكون الظّرْف فِي بِعِلْمِهِ بسرهم وجهرهم
وَأحسن مَا قيل أَن يكون فِيهِ تَقْدِيم وَتَأْخِير وَمَعْنَاهُ وَهُوَ الله يعلم سركم وجهركم وَيعلم مَا تكسبون فِي السَّمَوَات وَفِي الأَرْض
الْقسم الثَّانِي فِيمَا ورد من صَحِيح الْأَخْبَار
فِي صفة الْوَاحِد القهار
وَقد تقدم أَن آيَات الصِّفَات وأحاديثها من الآئمة الْعلمَاء من سكت عَن الْكَلَام فِيهَا نطقا ورد علمهَا إِلَى الله تَعَالَى وَهُوَ الْمَذْهَب الْمَشْهُور بِمذهب السّلف
وَاخْتَارَهُ طوائف من الْمُحَقِّقين وَعَلِيهِ أَكثر أهل الحَدِيث
وَمن الْأَئِمَّة من أول ذَلِك بِمَا يَلِيق بِجلَال الرب ﵎ وَرجحه طَائِفَة من الْمُحَقِّقين أَيْضا
وَقد بَينا أَن الْمخْرج إِلَى ذَلِك حُدُوث الْبدع وظهورها بَين الْمُسلمين وَأَن سُكُون الخواطر على اعْتِقَاد مَا يَلِيق بِجلَال الله تَعَالَى أولى من التَّعَرُّض لوساوس الِاحْتِمَالَات المرجوحة أَو الممتنعة
стр. 145
وَحَدِيث النَّبِي ﷺ أَقسَام صَحِيح وَحسن وَضَعِيف
والضعيف مِنْهُ مَوْضُوع مفترى وَمِنْه ضَعِيف لخلل فِي سَنَده أَو مَتنه
وَضعف الضَّعِيف كَاف فِي رد مَعْنَاهُ لَكِن تعرضنا لتأويلها على تَقْدِير صِحَّتهَا أَو للْحَاجة إِلَيْهِ عِنْد من لَا يعرف صنفها فَيَسْبق ذهنه إِلَى اعْتِقَاد ظواهرها
وَقد بدأت بِذكر الصَّحِيح مِنْهَا
الحَدِيث الأول فِي ذكر الصُّورَة
عَن أبي هُرَيْرَة ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ إِذا قَاتل أحدكُم أَخَاهُ فليجتنب الْوَجْه رَوَاهُ البُخَارِيّ وَزَاد مُسلم فَإِن الله خلق آدم على صورته
وَفِي كتاب ابْن خُزَيْمَة لَا يَقُولَن أحدكُم لعَبْدِهِ قبح الله وَجهك وَوجه من اشبهك فَإِن الله خلق آدم على صورته
وَاخْتلف الْعلمَاء فِيمَن يعود الضَّمِير فِي صورته إِلَيْهِ
فَقيل هُوَ عَائِد إِلَى الْمَضْرُوب أَو المشتوم وَهُوَ الْأَقْرَب
стр. 146
وَأَصله أَن النَّبِي ﷺ مر بِرَجُل يضْرب آخر على وَجهه فَقَالَ ذَلِك حثا على احترام الْوَجْه لما فِيهِ من الْمَنَافِع والحواس وَخص آدم ﵇ بِالذكر لِأَنَّهُ أول من خلق على هَذِه الصُّورَة
وَقيل أَشَارَ بذلك إِلَى أَن آدم على صُورَة بنيه لَا كَمَا يُقَال عَنهُ من عظم الجثة وَطول الْقَامَة إِلَى السَّمَاء وَشبه ذَلِك
وَقيل الضَّمِير عَائِد إِلَى آدم وَمَعْنَاهُ أَن الله تَعَالَى ابْتَدَأَ خلقه بشرا تَاما على صورته من غير نقل من نُطْفَة إِلَى علقَة إِلَى مُضْغَة كَغَيْرِهِ من بنيه فَيكون المُرَاد الْحَث على حرمتهَا
وَيُؤَيّد هَذَا التَّأْوِيل قَوْله تَعَالَى ﴿خلقه من تُرَاب ثمَّ قَالَ لَهُ كن فَيكون﴾
وَقيل إِشَارَة إِلَى أَن آدم وَإِن خَالف وَعصى بعد كَرَامَة الله تَعَالَى لَهُ فَإِن الله لم يُغير صورته لما أهبطه من الْجنَّة كَمَا غير صُورَة إِبْلِيس والحية والطاووس بل ابقاه على صورته رَحْمَة ولطفا بِهِ وكرامة
فَإِن قيل فقد رُوِيَ فِي بعض طرق الحَدِيث على صُورَة الرَّحْمَن
قُلْنَا هَذِه الرِّوَايَة ضَعِيفَة جدا وضعفها الْأَئِمَّة وأرسلها الثَّوْريّ ورفعها الْأَعْمَش وَكَانَ يُدَلس أَحْيَانًا إِذا لم يُصَرح بِالسَّمَاعِ
стр. 147
وَأَيْضًا فَيحْتَمل أَن يكون بعض الروَاة توهم عود الضَّمِير إِلَى الله تَعَالَى فَرَوَاهُ بِالْمَعْنَى على زَعمه واعتقاده فَأَخْطَأَ وَأَيْضًا فَفِي رُوَاته حبيب بن ابي ثَابت وَكَانَ يُدَلس وَلم يُصَرح بِسَمَاعِهِ عَن عَطاء
وَبِتَقْدِير صِحَّته وعود الضَّمِير إِلَى الله تَعَالَى فَقيل المُرَاد بالصورة الصّفة أَي على صفته من الْعلم والإرادة والسلطة بِخِلَاف سَائِر حيوانات الأَرْض وميزه بهَا وميزه على الْمَلَائِكَة بسجودهم لَهُ فَيكون المُرَاد بذلك تشريف آدم كَمَا تقدم ذَلِك
وَفِي هَذَا الْجَواب نظر لِأَن ذَلِك لَا يخْتَص بِالْوَجْهِ وَقيل وَهُوَ الْأَقْرَب إِن الْإِضَافَة إِضَافَة الْملك والخلق لِأَنَّهُ الَّذِي خلق صُورَة آدم وَهُوَ مَالِكهَا ومخترعها كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿هَذَا خلق الله﴾ وَذَلِكَ لِأَن الصّفة كَمَا يَصح اضافتها إِلَى الْمَوْصُوف يَصح إضافتها إِلَى خَالِقهَا وموجدها تَشْرِيفًا لَهَا وتكريما
وَمن قَالَ بِأَن لله تَعَالَى صُورَة وَخلق آدم عَلَيْهَا فمردود عَلَيْهِ لما فِيهِ من التجسيم
وَكَذَلِكَ من قَالَ صُورَة لَا كالصور
стр. 148
الحَدِيث الثَّانِي
حَدِيث الْقِيَامَة الطَّوِيل فِي جمع الله النَّاس إِلَى قَوْله فيأتيهم الله فِي غير الصُّورَة الَّتِي يعْبدُونَ فَيَقُول أَنا ربكُم فَيَقُولُونَ نَعُوذ بِاللَّه مِنْك هَذَا مَكَاننَا حَتَّى يأتينا رَبنَا الحَدِيث إِلَى قَوْله فيأتيهم الله فِي الصُّورَة الَّتِي يعْرفُونَ فَيَقُول أَن ربكُم فَيَقُولُونَ أَنْت رَبنَا الحَدِيث
стр. 149
اعْلَم أَن الْأَدِلَّة الْعَقْلِيَّة والنقلية تحيل الصُّورَة الَّتِي هِيَ التخطيط على الله ﵎ كَمَا تقدم فَوَجَبَ صرفهَا على ظَاهرهَا إِلَى مَا يَلِيق بجلاله ﵎ مِمَّا هُوَ مُسْتَعْمل فِي لُغَة الْعَرَب وَهُوَ الصّفة وَالْحَالة يُقَال كَيفَ صُورَة هَذِه الْوَاقِعَة وَكَيف صُورَة هَذِه الْمَسْأَلَة وَفُلَان من الْعلم على صُورَة كَذَا وَكَذَا فَالْمُرَاد بِجَمِيعِ ذَلِك الصّفة لَا الصُّورَة الَّتِي هِيَ التخطيط
فعلى هَذَا الصُّورَة هُنَا بِمَعْنى الصّفة وَتَكون فِي بِمَعْنى الْبَاء فَمَعْنَى الصُّورَة الَّتِي أنكروها
أَولا أَنه أظهر لَهُم شدَّة الْبَطْش والبأس وَالْعَظَمَة والأهوال والجبروت وَكَانَ وعدهم فِي الدُّنْيَا يلقاهم فِي الْقِيَامَة بِصفة الْأَمْن من المخاوف والبشرى وَالْعَفو وَالْإِحْسَان واللطف فَلَمَّا أظهر لَهُم غير الصّفة الَّتِي هِيَ مُسْتَقِرَّة فِي نُفُوسهم أنكروها واستعاذوا مِنْهَا
وَقَوله فَإِذا أَتَانَا رَبنَا عَرفْنَاهُ أَي بِمَا وعده من صفة اللطف وَالرَّحْمَة وَالْإِحْسَان وَلذَلِك قَالَ فَيكْشف عَن سَاق أَي يكْشف عَن تِلْكَ الشدَّة الْمُتَقَدّمَة وَتظهر
стр. 150
لَهُم صفة الرَّحْمَن فيسجدون شكرا لَهُ وَقد تقدم ذَلِك فِي قَوْله ﴿يَوْم يكْشف عَن سَاق﴾ وَيدل لما قُلْنَا أَن المُرَاد بالصورة الصّفة دلَالَة صَرِيحَة قَوْله فِي الصُّورَة الَّتِي يعرفونها
ثَانِيهَا يَأْتِيهم فِي الصُّورَة الَّتِي يعرفونها المُرَاد الَّتِي يعرفونها فِي الدُّنْيَا لأَنهم لم يعرفوه يَوْم الْقِيَامَة قبل ذَلِك بِصُورَة مُتَقَدّمَة وَلَا رُؤْيَة سَابِقَة فَدلَّ على أَن المُرَاد الَّتِي يعرفونها فِي الدُّنْيَا
وَلَا خلاف بَين الْخَلَائق أجمع أَن الله تَعَالَى لم تعرف لَهُ فِي الدُّنْيَا صُورَة وَإِنَّمَا عرفت صِفَاته تَعَالَى وَمَا وعد بِهِ الصَّالِحين فِي الْقِيَامَة من لطفه وأمنه وبشارتهم بجنته
فَإِن قيل فَلم عدل عَن لفظ الصّفة إِلَى لفظ الصُّورَة قُلْنَا لما كَانَت المتبوعات الْمُتَقَدّمَة فِي الحَدِيث لعابديهم صورا جَاءَ بِلَفْظ الصُّورَة مشاكلة بَين الْمعَانِي والألفاظ فَإِنَّهُ من أَنْوَاع البلاغة
وَقَوله فِي الحَدِيث فِي أدنى صُورَة فِيهَا أَي فِي أول صفة رَأَوْهُ فِيهَا لأَنهم لم يرَوا صفة قبلهَا
وَمعنى أدنى أقرب
وَقَالَ قوم مَعْنَاهُ أَن الله تَعَالَى يبْعَث لَهُم ملكا فِي صُورَة يمْتَحن إِيمَانهم فِي الْآخِرَة كَمَا امتحنهم فِي الدُّنْيَا بالدجال فَيَقُول أَنا ربكُم وَللَّه تَعَالَى أَن يمْتَحن عباده بِمَا يَشَاء إِذا شَاءَ
стр. 151
قَالَ وَفَائِدَة ذَلِك ثبات الْمُؤمنِينَ على إِيمَانهم وَظُهُور ذَلِك مِنْهُم لمن خالفهم تَشْرِيفًا لَهُم
وَالْأول أظهر وَأقرب إِلَى الْأُصُول واللغة وَأقرب من ان يَقُول الْملك المقرب أَنا ربكُم مَعَ عصمته عَن ذَلِك وَنَحْوه
وَهَذَا الحَدِيث مِمَّا يسْتَشْكل جدا وَقد أوجبت بِحَمْد الله عَن إشكاله
الحَدِيث الثَّالِث
عَن أنس بن مَالك قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ لَا تزَال جَهَنَّم تَقول هَل من مزِيد حَتَّى يضع رب الْعِزَّة فِيهَا قدمه فَتَقول قطّ قطّ وَعزَّتك. . الحَدِيث وَفِي رِوَايَة أبي هُرَيْرَة تَحَاجَّتْ الْجنَّة وَالنَّار قَالَ وَأما النَّار فَلَا تمتلىء حَتَّى يضع الْجَبَّار فِيهَا رجله الحَدِيث
стр. 152
اعْلَم أَن إِجْرَاء هَذَا الحَدِيث وَنَحْوه على ظَاهره محَال على الله لأدلة عقلية ونقلية تَقْتَضِي رده وَضَعفه أَو تَأْوِيله لَا محَالة
فَإِذا امْتنع رده للإتفاق على صِحَّته تعين وجوب تَأْوِيله بِمَا يَلِيق بحلال الله تَعَالَى وبصدق الرَّسُول ﷺ وَصدق الروَاة
أما لفظ الْقدَم فَقَالَ الْحسن الْقدَم هَهُنَا هم الَّذين تقدم علم الله بِأَنَّهُم من أهل النَّار وَقَالَ النَّضر بن شُمَيْل الَّذين قدمهم الله وقدرهم لَهَا من شرار خلقه وَقَالَ النَّضر بن شُمَيْل هم الْكفَّار وَقَالَ الْأَزْهَرِي الْقدَم الَّذين تقدم القَوْل عَلَيْهِم بتخليدهم فِيهَا نَعُوذ بِاللَّه مِنْهَا فالقدم اسْم لما قدم وَالْهدم لما هدم وَالْقَبْض اسْم لما قبض وَمِنْه قَوْله تَعَالَى ﴿أَن لَهُم قدم صدق عِنْد رَبهم﴾ أَي مَا قدموه من صَالح الْعَمَل
وَقيل الْقدَم جمع قادم كغيب جمع غَائِب وَيُؤَيّد مَا قَالُوهُ قَوْله فِي تَمام الحَدِيث وَأما الْجنَّة فينشيء الله لَهَا خلقا فاتفق الْمَعْنى فِي الدَّاريْنِ وَهُوَ أَن كل وَاحِدَة مِنْهُمَا تمد بِزِيَادَة من أَهلهَا تمتلىء بهَا وَأما رِوَايَة رجله فَهُوَ إِمَّا من تخييل الرَّاوِي رَوَاهُ بِالْمَعْنَى فَأَخْطَأَ فِيهِ وَإِمَّا أَن الرجل عبارَة عَن جمع كثير كَقَوْلِهِم رجل من جَراد إِذا كَانَ كثيرا منتشرا وَمَعْنَاهُ يضع فِيهَا خلقا كثيرا يشبهون الْجَرَاد فِي كثرتهم وَأما من جعل الْقدَم وَالرجل صفة زَائِدَة لَا ندرى مَا هِيَ فقد تقدم الْكَلَام فِيهِ
стр. 153
وَأعظم من ذَلِك وَأَشد من جعلهَا قدمه تَعَالَى وَقَالَ الْمَعْنى يُخْبِرهُمْ فِيهِ أَن آلِهَتكُم تحترق ورجلي لَا تحترق تَعَالَى الله عَمَّا يَقُوله هَذَا المبتدع وَمَا ابتدعه فِي ذَات الله تَعَالَى وكيفما قَالَه وَالله تَعَالَى يَقُول ﴿لَو كَانَ هَؤُلَاءِ آلِهَة مَا وردوها﴾
فَإِن احْتج مُحْتَج بِكِتَاب ابْن خُزَيْمَة وَمَا أورد فِيهِ من هَذِه العظائم وَبئسَ مَا صنع من إِيرَاد هَذِه العظائم الضعيفة والموضوعة
قُلْنَا لَا كَرَامَة لَهُ وَلَا أَتْبَاعه إِذا خالفوا الْأَدِلَّة الْعَقْلِيَّة والنقلية على تَنْزِيه الله تَعَالَى بِمثل هَذِه الْأَحَادِيث الْوَاهِيَة وإيرادها فِي كتبهمْ
وَابْن خُزَيْمَة وَإِن كَانَ إِمَامًا فِي النَّقْل والْحَدِيث فَهُوَ عَن النّظر فِي العقليات وَعَن التَّحْقِيق بمعزل فقد كَانَ غَنِيا عَن وضع هَذِه العظائم الْمُنْكَرَات الْوَاهِيَة فِي كتبه
стр. 154
وَاعْلَم أَن من الْعلمَاء مَا جزم بِضعْف هَذَا الحَدِيث وَإِن أخرجه الإمامان لِأَنَّهُمَا وَمن روياه عَنهُ غير معصومين وَذَلِكَ لما قَدمته من الْأَدِلَّة الْعَقْلِيَّة والنقلية
أما النقلية فَقَوله تَعَالَى لأملأن جَهَنَّم من الْجنَّة وَالنَّاس أَجْمَعِينَ وَقَالَ ﴿لأملأن جَهَنَّم مِنْك وَمِمَّنْ تبعك مِنْهُم﴾ وَهَذَا صَرِيح فِي رد من زعم أَنه قدم الرب تَعَالَى وتقدس عَن ذَلِك فَلَا جَوَاب عَنهُ إِلَّا بِالرَّدِّ إِلَى التَّأْوِيل أورد ذَلِك الحَدِيث
وَأما الْعَقْلِيَّة فَلِأَن الْجنَّة وَالنَّار جمادان فَكيف يتحاجان سلمنَا أَن الله تَعَالَى خلق فيهمَا حَيَاة فقد علما أَن أَفعَال الله كلهَا صَوَاب وَحِكْمَة فَكيف يتحاجان
سلمنَا أَنَّهُمَا لما يعلمَا ذَلِك فالرب تَعَالَى عَالم بِمِقْدَار أهل الثَّوَاب وَالْعِقَاب فَمَا فَائِدَة توسعة تحوج إِلَى إنْشَاء خلق إِن وضع الْقدَم
سلمنَا أَنه يفعل مَا يَشَاء فَهُوَ قَادر على أَن يَفِي تِلْكَ السعَة وَلَا يحْتَاج إِلَى وضع الْقدَم
سلمنَا أَنه لم يَشَأْ ذَلِك فَيلْزم أَن تخمد النَّار وَيَزُول الْعَذَاب عَن أَهلهَا أَو أَن تعْمل النَّار فِي الْقدَم عَادَتهَا تَعَالَى الله عَن ذَلِك وتقدس
سلمنَا أَن الْعَذَاب يبْقى وَلَا تُؤثر النَّار فَالنَّار إِنَّمَا سَأَلت الْمَزِيد من مستحقي الْعَذَاب لَا الْمَزِيد من الْقدَم الَّذِي زعموه فَبَان بِكُل مَا ذَكرْنَاهُ لُزُوم أحد التَّأْويلَيْنِ لَا محَالة
стр. 155
الحَدِيث الرَّابِع
عَن ابي هُرَيْرَة عَن النَّبِي ﷺ قَالَ ينزل رَبنَا كل لَيْلَة إِلَى سَمَاء الدُّنْيَا حِين يبْقى ثلث اللَّيْل الآخر الحَدِيث وَرَوَاهُ أَبُو سعيد إِن الله يُمْهل حَتَّى إِذا كَانَ ثلث
стр. 156
اللَّيْل ينزل إِلَى سَمَاء الدُّنْيَا فَيَقُول هَل من تائب يَتُوب
اعْلَم أَن النُّزُول الَّذِي هُوَ الِانْتِقَال من علو إِلَى سفل لَا يجوز حمل الحَدِيث عَلَيْهِ لوجوه
الأول النُّزُول من صِفَات الْأَجْسَام والمحدثات وَيحْتَاج إِلَى ثَلَاثَة أجسام منتقل ومنتقل عَنهُ ومنتقل إِلَيْهِ وَذَلِكَ على الله تَعَالَى محَال
الثَّانِي لَو كَانَ النُّزُول لذاته حَقِيقَة لتجددت لَهُ فِي كل يَوْم وَلَيْلَة حركات عديدة تستوعب اللَّيْل كُله وتنقلات كَثِيرَة لِأَن ثلث اللَّيْل يَتَجَدَّد على أهل الأَرْض مَعَ اللحظات شَيْئا فَشَيْئًا فَيلْزم انْتِقَاله فِي السَّمَاء الدُّنْيَا لَيْلًا وَنَهَارًا من قوم إِلَى قوم وعودة إِلَى الْعَرْش فِي كل لَحْظَة على قَوْلهم ونزوله فِيهَا إِلَى سَمَاء الدُّنْيَا وَلَا يَقُول ذَلِك ذولب وَتَحْصِيل
стр. 157
الثَّالِث أَن الْقَائِل بِأَنَّهُ فَوق الْعَرْش وَأَنه ملأَهُ كَيفَ تسعه سَمَاء الدُّنْيَا وَهِي بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْعَرْش كحلقة فِي فلاة فَيلْزم عَلَيْهِ أحد أَمريْن إِمَّا اتساع سَمَاء الدُّنْيَا كل سَاعَة حَتَّى تِسْعَة أَو تضاؤل الذَّات المقدسة عَن ذَلِك حَتَّى تِسْعَة وَنحن نقطع بِانْتِفَاء الْأَمريْنِ
الرَّابِع إِن كَانَ المُرَاد بالنزول اسْتِمَاع الْخلق إِلَيْهِ فَذَلِك لم يحصل بِاتِّفَاق وَإِن كَانَ المُرَاد بِهِ النداء من غير إسماع فَلَا فَائِدَة فِيهِ ويتعالى الله عَن ذَلِك
إِذا ثَبت ذَلِك فقد ذهب جمَاعَة من السّلف إِلَى السُّكُوت عَن المُرَاد بذلك النُّزُول مَعَ قطعهم بِأَن مَالا يَلِيق بجلاله تَعَالَى غير مُرَاد وتنزيهه عَن الْحَرَكَة والانتقال
قَالَ الْأَوْزَاعِيّ وَقد سُئِلَ عَن ذَلِك فَقَالَ يفعل الله مَا يَشَاء
كَمَا جرى لمُوسَى ﵇ مَعَ ملك الْمَوْت لما فَقَأَ عينه
стр. 158
وَاعْلَم أَن الجحدة طعنوا فِي قصَّة مُوسَى هَذِه وَفِي رِوَايَتهَا ونقلها وَقَالُوا كَيفَ جَازَ لنَبِيّ أَن يفعل ذَلِك مَعَ ملك أرْسلهُ الله إِلَيْهِ ويستعصي عَلَيْهِ وَلَا يمتثل أَمر الله تَعَالَى وَكَيف سَاغَ للْملك أَن يُؤَخِّرهُ لَا يمْضِي أَمر الله تَعَالَى فِيهِ وكل ذَلِك خَارج عَن الْعَادة فِي أمثالهم وَسَببه تطريق الاستحالة مِنْهُم
وَجَوَاب ذَلِك أَن مُوسَى ﵇ بشر يكره الْمَوْت لما فِي طباع البشرية من كراهيته فَلَمَّا رأى صُورَة بشرية هجمت عَلَيْهِ من غير إِذن تُرِيدُ نَفسه وَظهر لَهُ مِنْهُ ذَلِك وَهُوَ لَا يعرفهُ وَلَا يتَيَقَّن أَنه ملك الْمَوْت وَكَانَ فِيهِ ﵇ شهامة وحدة عمد إِلَى دَفعه عَن نَفسه بِيَدِهِ وَكَانَ فِي ذَلِك ذهَاب عينه
وَقد جرت شرائع الله تَعَالَى بِحِفْظ النُّفُوس وَدفع الضَّرَر عَنْهَا
وَقد امتحن غير وَاحِد من الْأَنْبِيَاء بِدُخُول الْمَلَائِكَة عَلَيْهِم فِي صُورَة الْبشر كإبراهيم وَدَاوُد وَلُوط ﵈ وَتبين لَهُم بعد ذَلِك أَنهم مَلَائِكَة وَكَذَلِكَ نَبينَا ﷺ لما جَاءَهُ جِبْرِيل ﵇ فِي أول الْوَحْي وَلما جَاءَهُ ثَانِيًا وَسَأَلَهُ عَن الْإِيمَان فِي صُورَة رجل فَلَمَّا ذهب وَتبين أمره أخبر أَنه جِبْرِيل وَكَذَلِكَ مُوسَى ﵇ لما تبين أَن الَّذِي جَاءَهُ ملك استسلم لأمر الله تَعَالَى
فالتردد هُنَا تَمْثِيل وتقريب لفهم السَّامع وَالْمرَاد بِهِ الْأَسْبَاب والوسائط لِأَن البداء والتردد على الله تَعَالَى محَال
الحَدِيث السَّادِس
عَن أبي هُرَيْرَة ﵁ عَن النَّبِي ﷺ قَالَ مَا تصدق أحد بصدقه من طيب وَلَا يقبل الله إِلَّا الطّيب إِلَّا أَخذهَا الرَّحْمَن بِيَمِينِهِ وَإِن كَانَت تَمْرَة فتربو فِي كف الرَّحْمَن حَتَّى تكون أعظم من الْجَبَل وَعنهُ أَيْضا يَمِين الله ملأى لَا يغيضها نَفَقَة سحاء اللَّيْل وَالنَّهَار
стр. 159
اعْلَم أَن الْجَارِحَة والأعضاء على الله تَعَالَى محَال وَإِنَّمَا هَذَا وَالله أعلم خطاب كَمَا يفهمهُ النَّاس من قَوْلهم أَخذ فلَان إِحْسَان فلَان بِيَمِينِهِ وَمَعْنَاهُ أَخذه بِقبُول وبشاشة وأدب فَإِن الْأَخْذ بِالْيَمِينِ احترام للمعطي وَلِأَن الْأَشْيَاء المهمة يتَنَاوَل بهَا وَلِأَن الْأَخْذ بهَا أسْرع غَالِبا لما فِيهَا من الْقُوَّة فَيكون قَوْله أَخذهَا بِيَمِينِهِ عبارَة عَن معنى ذَلِك لَا الْجَارِحَة الْمعرفَة
وَقد تقدم فِي قسم آيَات الْقُرْآن أَن الْيَمين يعبر بهَا عَن الْقُوَّة وَالْقُدْرَة كَمَا قَالَ بَعضهم
وَالْقَبْض والكف وَمَا ورد مِنْهُ مَعْنَاهُ الْيَد وَهِي عبارَة عَن الْقُدْرَة والسلطنة كَمَا يُقَال الْبَلَد فِي يَد السُّلْطَان وَالتَّصَرُّف فِي قَبْضَة الْوَزير وَقَوله تَعَالَى ﴿وَمَا ملكت أَيْمَانكُم﴾ لَيْسَ المُرَاد بِشَيْء من ذَلِك الْجَارِحَة وَأما لَفْظَة الْكَفّ فتميل لحفظها لِأَن المريد لحفظ مَا يتَنَاوَلهُ بكفه يحفظه بكفه ويطبقها عَلَيْهِ لتَكون أحفظ لَهُ فَمثل حفظ الله تَعَالَى للصدقة بذلك وَأما لفظ التربية فعبارة عَن تَضْعِيف الْأجر وزيادته
стр. 160
الحَدِيث السَّابِع
عَن أبي هُرَيْرَة ﵁ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ يضْحك الله إِلَى رجلَيْنِ يقتل أَحدهمَا الآخر كِلَاهُمَا يدْخل الْجنَّة
وَمِنْه حَدِيث الْأنْصَارِيّ وَزَوجته وفعلهما مَعَ ضيفهما قَالَ فِيهِ فَلَمَّا أصبح غَدا على رَسُول الله ﷺ فَقَالَ لقد ضحك الله اللَّيْلَة أَو عجب من فعلكما
стр. 161
اعْلَم أَن الضحك الَّذِي يعتري الْبشر عِنْد حُصُول فَرح الْقلب أَو استفزاز طرب أَو ظُهُور أَمر مَسْتُور جهل سَببه محَال على الله تَعَالَى
وَمَعْنَاهُ فِينَا يرجع إِلَى ظُهُور أَمر مَسْتُور وَكَانَ السرُور بالشَّيْء أظهر بضحكه هَذَا بدايته وَأما نهايته فترتب أَثَره عَلَيْهِ وَلما كَانَ الضحك فِينَا محالا على الله تَعَالَى فَلَا بُد من تَأْوِيل الحَدِيث
قَالَ البُخَارِيّ ضحكه رَحمته وَقَالَ الْخطابِيّ الضحك هُنَا الْإِخْبَار عَن رِضَاهُ وَحسن مجازاته لعَبْدِهِ وَهُوَ مجَاز سَائِغ فَالْمُرَاد بِهِ هُنَا نِهَايَة الضحك فِينَا وَهُوَ تَرْتِيب أجره عَلَيْهِ وَمَعْنَاهُ إِظْهَار كرامته لعَبْدِهِ وفضله عَلَيْهِ وإقباله لِأَن المسرور بالشَّيْء الْمقبل عَلَيْهِ يبش عِنْد رُؤْيَته ويضحك فَهُوَ عبارَة بِالسَّبَبِ عَن الْمُسَبّب وَهُوَ مجَاز سائع مُسْتَعْمل كَمَا تقدم
وَقيل مَعْنَاهُ أَنه تَعَالَى لَو كَانَ مِمَّن يضْحك لضحك من ذَلِك
وَقيل لَعَلَّه من الرباعي بِضَم الْيَاء وَكسر الْحَاء أَي يضْحك الله مَلَائكَته أَو عباده
وَحَيْثُ نسب إِلَى الرب تَعَالَى فَالْمُرَاد بِهِ الْمُبَالغَة فِي إِظْهَار الإقبال والرضى كَقَوْلِه فَإِن أَتَانِي يمشي أَتَيْته هرولة تَمْثِيل للْمُبَالَغَة فِي إسراع المجازاة والإقبال وَمن حمل الضحك على ظَاهره فمبتدع مجسم وَأما رِوَايَة من روى عجب رَبكُمَا فَالْمُرَاد
стр. 162
تَعْظِيم ذَلِك الْأجر عِنْده تَعَالَى لِأَن المتعجب من الشَّيْء مستعظم لَهُ وَسَيَأْتِي أبسط من هَذَا إِن شَاءَ الله تَعَالَى
الحَدِيث الثَّامِن
عَن مُعَاوِيَة بن الحكم فِي حَدِيث الْجَارِيَة الَّتِي قَالَ لَهَا رَسُول الله ﷺ أَيْن الله قَالَت فِي السَّمَاء قَالَ وَمن أَنا قَالَت رَسُول الله قَالَ لسَيِّدهَا أعْتقهَا فَإِنَّهَا مُؤمنَة
стр. 163
وَقد تمسك بِهَذَا الحَدِيث من قَالَ بالجهة وجعلوه عمدتهم
وَقد تقدم أَن المهم فِي صدر الْبعْثَة بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْعَامَّة إِنَّمَا كَانَ إِثْبَات وجود الْبَارِي
стр. 164
تَعَالَى ووحدانيته بالإلهية فعاملهم بِمَا يؤنسهم مِمَّا ألفوه وأقرهم على اعْتِقَاد ثُبُوت وجوده تَعَالَى وانفراده بالإلهية لِأَن أذهانهم لَا تحْتَمل النّظر فِيمَا لم يألفوه من الْأَدِلَّة الدقيقة وَالتَّفْصِيل الْكُلِّي فَيَقَع مِنْهُم أَولا بالإثبات الْجملِي فِي ذَلِك وَلَا طَرِيق لَهُ إِلَّا بِمَا ألفوه مِمَّا تقبله أذهانهم
فَلَمَّا أشارت إِلَى السَّمَاء علم النَّبِي ﷺ عَظمَة الله تَعَالَى عِنْدهَا ووحدانيته ونفرتها من آلِهَة الأَرْض عِنْدهَا الَّتِي كَانُوا يعبدونها فَلَمَّا فهم ذَلِك مِنْهَا سَأَلَهَا عَن نَفسه الْكَرِيمَة ليعلم إِقْرَارهَا بنبوته الَّتِي هِيَ ثَانِيَة عقد الْإِسْلَام فَلَمَّا قَالَت رَسُول الله علم إسْلَامهَا
وَقيل يجوز أَن يُرَاد ب أَيْن الْمنزلَة والرتبة فِي صدرها كَمَا يُقَال أَيْن فلَان من فلَان وَأَيْنَ زيد مِنْك توسعا فِي الْكَلَام وَلَا يُرَاد بذلك إِلَّا الرُّتْبَة والمنزلة
وَيَقُول الْإِنْسَان لصَاحبه أَيْن محلي مِنْك فَيَقُول فِي السَّمَاء يُرِيد أغْلى مَحل انْتهى
الحَدِيث التَّاسِع
يَقُول الله ﵎ يَوْم الْقِيَامَة يَا آدم فَيَقُول لبيْك وَسَعْديك فينادي بِصَوْت إِن الله يَأْمُرك أَن تبْعَث بعث النَّار الحَدِيث
اعْلَم أَن لفظ الصَّوْت تفرد بِهِ هُنَا حَفْص بن غياث عَن الْأَعْمَش وَخَالفهُ فِيهِ الروَاة عَن الْأَعْمَش وَعَن وَكِيع وَقَالُوا قُم فَابْعَثْ وَسُئِلَ أَحْمد بن حَنْبَل عَن حَفْص بن غياث فَقَالَ كَانَ يخلط فِي حَدِيثه وَلَو صحت هَذِه الرِّوَايَة فَجَوَابه
стр. 165
من وَجْهَيْن
الأول أَنه يحْتَمل أَن تكون الدَّال مَفْتُوحَة لما لم يسم فَاعله فتصحفت عَلَيْهِ وأمالها بعض الروَاة على لغته فَظن السَّامع أَن الدَّال مَكْسُورَة
الْوَجْه الثَّانِي أَنه لم يُصَرح أَنه صَوت الْبَارِي تَعَالَى فَيحْتَمل أَن يكون صَوت الْمَأْمُور بالنداء كَمَا يُقَال نَادَى السُّلْطَان فِي الْبَلَد بِصَوْت يسمعهُ الْقَرِيب والبعيد وَمَعْنَاهُ أَنه أَمر بذلك لَا أَنه صَوت السُّلْطَان نَفسه وَهَذَا مستعل كثيرا فِي أَلْسِنَة النَّاس
الحَدِيث الْعَاشِر
عَن أنس عَن النَّبِي ﷺ قَالَ لله اشد فَرحا بتوبة عَبده من أحدكُم الحَدِيث
стр. 166
اعْلَم أَن الْفَرح فِينَا هُوَ انبساط النَّفس لوُرُود مَا يسرها وَذَلِكَ على الله تَعَالَى غير جَائِز لكنه لما كَانَ لَا يصدر إِلَّا عَن رضَا بِمَا نَشأ عَنهُ عبر بِهِ عَن الرِّضَا وَمِنْه قَوْله تَعَالَى ﴿كل حزب بِمَا لديهم فَرِحُونَ﴾ أَي رضوَان
فَالْمُرَاد بفرح الله تَعَالَى حَيْثُ ورد الرِّضَا بِمَا ذكر وَقد تقدم معنى الرِّضَا فِي حق الله تَعَالَى وَهُوَ الْقبُول للشَّيْء والمدح لَهُ وَالثنَاء عَلَيْهِ وَهُوَ تَعَالَى قَابل للْعَمَل الصَّالح ومادح لَهُ ومثن على فَاعله
وَقد يكون الْفَرح بِمَعْنى البطر والأشر وَمِنْه قَوْله تَعَالَى ﴿إِنَّه لفرح فخور﴾ ﴿إِن الله لَا يحب الفرحين﴾ وَذَلِكَ على الله تَعَالَى محَال
وَمن جعل الْفَرح والضحك صفتين لَا يعقل مَعْنَاهُمَا لُغَة وَلَا عرفا فقد تقدم رده وَأَن هَذِه الْأَلْفَاظ استعيرت تَقْرِيبًا للأفهام
الحَدِيث الْحَادِي عشر
المقسطون على مَنَابِر من نور عَن يَمِين الْعَرْش
стр. 167
وَقد تقدم أَن الْيَمين الَّتِي هِيَ الْجَارِحَة بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْبَارِي محَال وَأَن المُرَاد بهَا هَا هُنَا وَنَحْوه الْإِكْرَام والإقبال وَرفع الْمنزلَة والرتبة عِنْده تَعَالَى لِأَنَّهَا بِالنِّسْبَةِ إِلَيْنَا أشرف الْجَانِبَيْنِ
وَقد يُقَال لمن أكْرمه السُّلْطَان مبالغا فِي ذَلِك أجلسه الْملك عَن يَمِينه
وَقد تقدم مَا فِيهِ كِفَايَة لمنصف
الحَدِيث الثَّانِي عشر
عجب رَبك من قوم جِيءَ بهم فِي السلَاسِل حَتَّى يدْخلُونَ الْجنَّة وَمِنْه عجب رَبك من الشَّاب الَّذِي لَا صبوة لَهُ
التَّعَجُّب فِينَا هُوَ استعظام بعض النَّاس مَا دهمه من الْأُمُور النادرة مِمَّا لَا يُعلمهُ وَذَلِكَ على الله تَعَالَى محَال فَوَجَبَ تَأْوِيله على مَا يَلِيق بِجلَال الله تَعَالَى وَهُوَ تَعْظِيم ذَلِك الشَّيْء لِأَن المتعجب من الشَّيْء مستعظم لَهُ
وَقيل المُرَاد بالتعجب هُنَا الرِّضَا وَزِيَادَة الْإِكْرَام لِأَن الشَّيْء المتعجب مِنْهُ لَو وَقع فِي النَّفس فَيَقْتَضِي أثرا
وَقيل التَّعَجُّب استغراب وُقُوع مالم يعلم وَهَذَا محَال على الله تَعَالَى لعلمه بِمَا كَانَ وَمَا يكون فَوَجَبَ تَأْوِيله بِالرِّضَا والإقبال وَحسن الْمُعَامَلَة وَالْمرَاد بِالْحَدِيثِ الأول
стр. 168
الأساري إِذا اسلموا وَحسن إسْلَامهمْ كَانَ أسرهم وَأَخذهم بالسلاسل سَبَب إسْلَامهمْ الْمُقْتَضِي دُخُولهمْ الْجنَّة
وَأما الثَّانِي فَإِن الشَّاب مَظَنَّة اللّعب ونيل الشَّهَوَات فالعصمة مِنْهَا مِمَّا يحِق أَن يستعظم
الحَدِيث الثَّالِث عشر
إِن الله تَعَالَى يدني عَبده الْمُؤمن فَيَضَع عَلَيْهِ كنفه الحَدِيث
لما كَانَ دنو الْمسَافَة على الله تَعَالَى محالا لما تقدم وَجب تَأْوِيله بِقرب الْمنزلَة والكرامة كَمَا يُقَال قرب السُّلْطَان فلَانا وَأَدْنَاهُ أَي فِي الْمنزلَة والكرامة
فَمَعْنَاه يُدْنِيه من رَحمته ولطفه وكرامته وَنعمته
وَمعنى كنفه إحاطته وستره من كل مؤذ وأصل الكنف السّتْر وكل شَيْء ستر شَيْئا فقد كنفه وَمِنْه حَدِيث عون إِن الله ليدني يَعْنِي بِهِ عَفوه ولطفه وغفرانه
стр. 169
لأهل الْموقف
وَمن حمل الدنو على قرب الذَّات فخطأ مَرْدُود
الحَدِيث الرَّابِع عشر
عَن ابْن مَسْعُود ﵁ قَالَ جَاءَ حبر من أهل الْكتاب إِلَى النَّبِي ﷺ فَقَالَ إِن الله يضع السَّمَاء على أصْبع وَالْأَرْض على أصْبع وَالْجِبَال على أصْبع والأنهار على أصْبع وَسَائِر الْخلق على أصْبع الحَدِيث فَضَحِك رَسُول الله ﷺ وَقَالَ وَمَا قدرُوا الله حق قدره وَمِنْه قَوْله ﷺ إِن قُلُوب بني آدم بَين أصبعين من أَصَابِع
стр. 170
الرَّحْمَن كقلب وَاحِد بِقَلْبِه حَيْثُ شَاءَ
لما كَانَ حمل هَذَا الحَدِيث على الْعُضْو الْمَعْرُوف منا محالا على الله تَعَالَى لما يلْزم عَلَيْهِ من الجسمية وَجب تَأْوِيله أما أَولا فَلِأَنَّهُ كَلَام يَهُودِيّ فَلَا يحْتَج بِهِ وَقد علم أَن الْيَهُود مشبهة ومجسمة
وَأما ضحك النَّبِي ﷺ فَلَعَلَّهُ كَانَ اسْتِخْفَافًا باليهودي وَإِنْكَارا لما قَالَه بِدَلِيل تِلَاوَة الْآيَة فَإِنَّهُ ظَاهر فِي رد مَا قَالَه وَالْإِنْكَار عَلَيْهِ فَإِن سامع الْكَلَام الْبَاطِل يضْحك مِنْهُ اسْتِخْفَافًا
فَإِن قيل قد ورد فِي بعض طرقه تَعَجبا وَتَصْدِيقًا قُلْنَا لم يرو الْأَكْثَر ذَلِك وَلَعَلَّه توهم من الرَّاوِي لَا أَن ذَلِك من أَلْفَاظ الرَّسُول ﵊ وَلَا فِي اللَّفْظ مَا يشْعر بذلك
وَبِتَقْدِير صِحَّته فَمَعْنَاه إِن هَذِه الْمَخْلُوقَات الْعَظِيمَة بِالنِّسْبَةِ إِلَى عظم قدرته كنسبة مَا يَأْخُذهُ الْإِنْسَان على رَأس الْأصْبع من قدرته بل نِسْبَة مَا ذكر فِي الحَدِيث إِلَى قدرَة الله
стр. 171
تَعَالَى أقل من نِسْبَة الْمَأْخُوذ على الْأصْبع فَهُوَ تَمْثِيل لعظم قدرته تَعَالَى لِأَن مَا يَأْخُذهُ الْإِنْسَان عَليّ أُصْبُعه أقل مَا يقدر عَلَيْهِ وَذَلِكَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى قوته وَقدرته
وَأما الحَدِيث الثَّانِي فَمَعْنَاه أَن الْقُلُوب فِي قهره وَقدرته كقدرة أحدكُم وقهره لما يقلبه بَين أصعيه وَذَلِكَ لِأَن فعل العَبْد وَتَركه إِنَّمَا يَقع لحُصُول دَاع يخلقه الله تَعَالَى فِي قلب العَبْد إِلَى ذَلِك فَهُوَ تَمْثِيل لتصرف الرب تَعَالَى فِي قُلُوب الْعباد يخلق ذَلِك الدَّاعِي فَهُوَ تَمْثِيل للمهانى بالأجسام
وَكَلَام بعض الْحَنَابِلَة فِي هَذَا مَرْدُود بِمَا ذَكرْنَاهُ
стр. 172
الحَدِيث الْخَامِس عشر
يطوي الله السَّمَوَات يَوْم الْقِيَامَة ثمَّ يأخذهن بِيَدِهِ الْيُمْنَى الحَدِيث
اعْلَم أَن الْقَبْض حَقِيقَته بِالنِّسْبَةِ إِلَيْنَا مُبَاشرَة بالكف وَذَلِكَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الله تَعَالَى محَال كَمَا تقدم فَوَجَبَ تَأْوِيله بِأَن المُرَاد تقريب التَّمْثِيل بِمَا يدْرك بالْحسنِ مِمَّا هُوَ أقرب إِلَيْهِ وَقد تقدم مَعْنَاهُ
وَمعنى الْيَمين فِي آيَة الزمر فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَالسَّمَاوَات مَطْوِيَّات بِيَمِينِهِ﴾
وَجَاء فِي بعض طرق الحَدِيث لفظ الشمَال وَانْفَرَدَ بِهِ عمر بن حَمْزَة دون سَائِر رُوَاة الحَدِيث الصَّحِيح وكلتا يَدَيْهِ يَمِين
стр. 173
وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ كَأَن الَّذِي روى الشمَال رَوَاهُ على الْعَادة الْجَارِيَة على الْأَلْسِنَة فِي مُقَابلَة الْيَمين بالشمال وَقَوله فِي الحَدِيث يقبض أَصَابِعه ويبسطها هُوَ من لفظ الرَّاوِي يَحْكِي بِهِ فعل النَّبِي ﷺ لَا أَنه رب الْعِزَّة ﵎
الحَدِيث السَّادِس عشر
عَن أبي هُرَيْرَة ﵁ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ لما قضى الله الْخلق كتب كتابا عِنْده فَوق الْعَرْش أَن رَحْمَتي غلبت غَضَبي ويروي سبقت غَضَبي
قيل إِن الْكتاب الْمَذْكُور يحْتَمل أَمريْن أَحدهمَا أَن يكون المُرَاد كتب أَي أوجب وَقضي كَقَوْلِه تَعَالَى كتب الله لأغلبن أَنا ورسلي
وَيحْتَمل أَن يُرَاد بِهِ اللَّوْح الْمَحْفُوظ الَّذِي كتب فِيهِ مَا كَانَ وَمَا يكون
وَقَوله عِنْده عبارَة عَن الْحِفْظ والثبوت لَا معنى الظَّرْفِيَّة لِأَن الظَّرْفِيَّة عَلَيْهِ محَال كَمَا يَقُول الْمقر لفُلَان عِنْدِي كَذَا فِي الذِّمَّة مَعْنَاهُ الثُّبُوت لَا الظَّرْفِيَّة وَلَا المساحة
стр. 174
وَيجوز أَن يُرَاد بِهِ الْعلم كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿قَالَ علمهَا عِنْد رَبِّي﴾
وَقَوله فَوق الْعَرْش يجوز أَن يكون ظرفا للْكتاب فَقَط أَي الْكتاب ثَابت فَوق الْعَرْش
الحَدِيث السَّابِع عشر
عَن عَائِشَة أَن رَسُول الله ﷺ لما ذكرت امْرَأَة لَا تنام اللَّيْل قَالَ عَلَيْكُم بِمَا تطيقون فوَاللَّه لَا يمل الله حَتَّى تملوا
اعْلَم أَن الملال على الله تَعَالَى محَال وَهُوَ ثقل الشَّيْء على النَّفس والسآمة مِنْهُ فَوَجَبَ تَأْوِيله وَهُوَ أَنه لَا يتْرك الْأجر وَالثَّوَاب حَتَّى يتْركُوا الْعَمَل وَلِأَن من مل شَيْئا تَركه فَعبر عَن التّرْك بالملال الَّذِي هُوَ سَببه من بَاب اسْتِعْمَال الْمُسَبّب بِلَفْظ السَّبَب وَهُوَ مجَاز كثير كَمَا تقدم
وَقيل إِن مَجِيئه بِهَذَا اللَّفْظ من بَاب الْمُقَابلَة فِي الْأَلْفَاظ وَهُوَ بَاب من أبوب الفصاحة كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿ومكروا ومكر الله﴾ ﴿نسوا الله فنسيهم﴾ ﴿وَجَزَاء سَيِّئَة سَيِّئَة مثلهَا﴾
стр. 175
وَقيل مَعْنَاهُ لَا يتناهى حَقه عَلَيْكُم فِي الطَّاعَة حَتَّى يتناهى جهدكم
الحَدِيث الثَّامِن عشر
عَن أبي هُرَيْرَة عَن النَّبِي ﷺ قَالَ قَامَت الرَّحِم فَأخذ بحقو الرَّحْمَن فَقَالَ مَه فَقَالَت هَذَا مَكَان العائذ بك من القطيعة قَالَ نعم وَفِي رِوَايَة عَائِشَة الرَّحِم شجنه من الرَّحْمَن // رَوَاهُ البُخَارِيّ //
الشجنة الشَّيْء الملتف بعضه بِبَعْض مَعْنَاهُ وَالله أعلم أَن اسْم الرَّحِم شُعْبَة من اسْم الرَّحْمَن أَي حروفها بعض حُرُوف الرَّحْمَن فَوَجَبَ تَعْظِيم حَقّهَا وقدرها ومراعاتها لذَلِك
وَيُؤَيّد ذَلِك مَا ورد فِي الحَدِيث إِن الله تَعَالَى قَالَ أَنا الرَّحْمَن خلقت الرَّحِم وشققت لَهَا اسْما من اسْمِي
стр. 176
وَالْمرَاد بالشجنة التَّمْثِيل بالمحسوس وَأما الْأَخْذ بالحقو فَظَاهره محَال على الله تَعَالَى
وَإِنَّمَا مَعْنَاهُ أَنَّهَا استجارت واعتصمت بِهِ من القطيعة كَمَا يستجير الْإِنْسَان من عَدو بكبير الْبَلَد فَهُوَ تميثل بالمحسوس والحقو الْإِزَار وَكَانَ أحد الْعَرَب إِذا استجار بكبير الْقَوْم أَخذ بِإِزَارِهِ مستجيرا بِهِ وَذَلِكَ مُسْتَعْمل فِي زَمَاننَا هَذَا
وَقيل إزَاره عزه فَاسْتَجَارَ بعزه من القطيعة
وَمن حمل الحَدِيث على ظَاهره الْمَعْرُوف فمردود
الحَدِيث التَّاسِع عشر
عَن أبي هُرَيْرَة عَن النَّبِي ﷺ فِيمَا يحْكى عَن ربه العظمة إزَارِي والكبرياء رِدَائي فَمن نَازَعَنِي وَاحِدًا مِنْهُمَا قصمته وَفِي رِوَايَة قَذَفته فِي النَّار وَفِي رِوَايَة الْعِزّ إزَارِي
стр. 177
اعْلَم أَنه لَا يجوز على الله تَعَالَى الْإِزَار والرداء المعروفان بَيْننَا لَا سِيمَا فسرهما بالعظمة والكبرياء وَإِنَّمَا مَعْنَاهُ وَالله أعلم أَن العظمة والكبرياء صفتان من صِفَاته لَا يُشَارِكهُ فيهمَا غَيره وَلَا يتعاطاها أحد من خلقه وَذكر الْإِزَار والرداء تَمْثِيل على طَرِيق الْمجَاز لِأَن الملتحف بردائه والمؤتز بِإِزَارِهِ لَا يُشَارِكهُ غَيره فِي ذَلِك فِي تِلْكَ الْحَالة فَكَذَلِك الرب ﵎ لَا يُشَارِكهُ أحد فِي عَظمته وكبريائه
الحَدِيث الْعشْرُونَ
فِي حَدِيث الدَّجَّال إِنَّه أَعور وَإِن ربكُم لَيْسَ بأعور
تقدم أَن الْجَوَارِح والأعضاء على الله تَعَالَى محَال فَمَعْنَى الحَدِيث وَالله أعلم ننفي
стр. 178
التناقص على الله تَعَالَى وَثُبُوت صفة النَّقْص للدجال فصفة النَّقْص دَلِيل على عدم ربوبيته وَبطلَان قَوْله
وَلَيْسَ المُرَاد إِثْبَات الْجَارِحَة للرب تَعَالَى
وَجعل بعض الْحَنَابِلَة ذَلِك من بَاب دَلِيل الْخطاب وَأثبت الْجَارِحَة لرب الْعِزَّة عَن سمات المخلوقين وَهُوَ تجسيم مِنْهُم وتجرؤ على الله تَعَالَى وَخطأ فِي الإستدلال
فَإنَّا إِذا قُلْنَا الْقَمَر لَيْسَ بأعور لم يلْزم مِنْهُ أَن يكون لَهُ عينان
وَدَلِيل الْخطاب لَيْسَ بِحجَّة عِنْد أَكثر عُلَمَاء الْأُصُول فِي الْفُرُوع فَكيف يحْتَج بِهِ فِي صِفَات الرب تَعَالَى
الحَدِيث الْحَادِي وَالْعشْرُونَ
عَن أبي رزين الْعقيلِيّ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ إِن الله لَا ينَام وَلَا يَنْبَغِي لَهُ أَن ينَام يخْفض الْقسْط وَيَرْفَعهُ يرفع إِلَيْهِ عمل اللَّيْل قبل عمل النَّهَار وَعمل النَّهَار قبل عمل اللَّيْل حجابه النُّور وَفِي رِوَايَة النَّار لَو كشفه لأحرقت سبحات وَجهه مَا انْتهى إِلَيْهِ بَصَره من خلقه
стр. 179
وَقَوله حجابه النُّور اعْلَم أَن كل مَا جَاءَ فِي الحَدِيث من الْحجاب أَو الْحجب فَمَعْنَاه رَاجع إِلَى الْمَخْلُوق لَا إِلَى الْخَالِق تَعَالَى لأَنهم هم المحجوبون عَنهُ بحجاب خلقه لَهُم
وَأما الرب تَعَالَى فيستحيل أَن يكون محتجبا أَو محجوبا لِأَن الْحجاب أكبر من المحجوب وَإِلَّا لم يستره وأصل الْحجب الْمَنْع وَمعنى حجب الْكَافرين عَن رُؤْيَته مَنعهم من رُؤْيَته
ويروي أَن رجلا قَالَ بِحَضْرَة عَليّ ﵁ لَا وَالَّذِي احتجب بسبعة أطباق فَقَالَ وَيحك إِن الله لَا يحتجب عَن خلقه وَلَكِن حجب خلقه عَنهُ وأضافه إِلَيْهِ لِأَنَّهُ خلقه وَجعله
وَقَوله لَو كشفه لأحرقت سبحات وَجهه مَا انْتهى إِلَيْهِ بَصَره من خلقه أَي لأحرقت سبحات وَجهه تَعَالَى من أدْركهُ بَصَره من خلقه
وسبحات جمع سبْحَة وَهِي جلال الله تَعَالَى وعظمته وَقيل أضواء وَجهه
стр. 180
وَسميت بذلك لِأَن الْإِنْسَان إِذا رأى حسن الْخلق قَالَ سُبْحَانَ الله أَو سُبْحَانَ من خلقه
وَقيل قَوْله سبحات وَجهه كَلَام معترض وَمَعْنَاهُ سبحات الله وَيصير تَقْدِير الْكَلَام لأحرقت النَّار مَا انْتهى إِلَيْهِ بَصَره من خلقه انْتهى
الحَدِيث الثَّانِي وَالْعشْرُونَ
مَا مِنْكُم من أحد إِلَّا سيخلو بِهِ ربه يَوْم الْقِيَامَة ويكلمه لَيْسَ بَينه وَبَينه ترجمان الحَدِيث
اعْلَم أَن المُرَاد بالخلو هُنَا أَفْرَاده بذلك الْكَلَام وتخصيصه بِهِ دون غَيره حَتَّى يظنّ الْمُخَاطب أَنه لَيْسَ مكلما سواهُ وَذَلِكَ ستر من الله تَعَالَى عَلَيْهِ حلما وكرما ولطفا
الحَدِيث الثَّالِث وَالْعشْرُونَ
عَن أبن مَسْعُود أَن نَبِي الله ﷺ قَالَ إِذا تكلم الله بِالْوَحْي سَمعه أهل السَّمَاء كجر
следующие страницы →