Полный текст (225 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.
стр. 1
بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم
مُقَدّمَة فِي علم التَّوْحِيد
علم التَّوْحِيد علم يعْنى بِمَعْرِِفَة الله تَعَالَى وَالْإِيمَان بِهِ، وَمَعْرِفَة مَا يجب لَهُ سُبْحَانَهُ وَمَا يَسْتَحِيل عَلَيْهِ وَمَا يجوز سَائِر مَا هُوَ من أَرْكَان الْإِيمَان السِّتَّة وَيلْحق بهَا وَهُوَ أشرف الْعُلُوم وَأَكْرمهَا على الله تَعَالَى لِأَن شرف الْعلم يتبع شرف الْمَعْلُوم لَكِن بِشَرْط أَن لَا يخرج عَن مَدْلُول الْكتاب وَالسّنة الصَّحِيحَة وَإِجْمَاع الْعُدُول وَفهم الْعُقُول السليمة فِي حُدُود الْقَوَاعِد الشَّرْعِيَّة وقواعد اللُّغَة الْعَرَبيَّة الأصيلة
لقد أنزل الله تَعَالَى الْقُرْآن على الْعَرَب وَغَيرهم بِلِسَان الْعَرَب وأسلوبهم وبيانهم مَعَ إعجازه هُوَ دون كَلَامهم ففهموه وعقلوا مَعَانِيه وَفسّر لَهُم رَسُول الله ﷺ بعض مَا احتاجوا إِلَى تَفْسِيره مِنْهُ
وتحدث إِلَيْهِم رَسُول الله ﷺ على أسلوب الْعَرَب وبيانهم فِيمَا جَاءَ بِهِ الْقُرْآن الْكَرِيم شرحا وبيانا تقريرا وتفسيرا تَخْصِيصًا وتقييدا كَمَا تحدث بمسائل وَأَحْكَام لم تأت فِي كتاب الله تَعَالَى ففهموا ذَلِك مِنْهُ ﷺ وعقلوه
ثمَّ حِين دخل فِي الْإِسْلَام غير الْعَرَب لُغَة وجنسا وخفى عَلَيْهِم بعض أساليب الْقُرْآن الْكَرِيم وأعاريبه ومعاني بعض أَلْفَاظه ومقاصدها وَأخذت سليقة الْعَرَبيَّة فِي الْفساد عِنْد بعض الْعَرَب فَدخل لُغَة الْجمع من الطَّرفَيْنِ اللّحن وَالْخَطَأ ألهم الله تَعَالَى عمر وعليا ﵄ بالتوجه إِلَى تَقْرِير قَوَاعِد الْعَرَبيَّة وأعاريبها فَظهر علم النَّحْو ثمَّ ظَهرت سَائِر عُلُوم الْعَرَبيَّة من صرف وبلاغة ورتبت عُلُوم الْعَرَبيَّة واتسعت وتعددت موضوعاتها حَتَّى أضحى علم الْعَرَبيَّة علما لَهُ قَوَاعِده وأصوله وأساليبه وميادينه وأغراضه ومراميه وَله أَهله وأساتذته وَظَهَرت بِقصد خدمَة كِتَابه الْقُرْآن الْكَرِيم خَاصَّة نقط بعض الْحُرُوف وَوَصلهَا وشكلها وَفصل الْآي والتحزيب وَمَا إِلَى ذَلِك فَكَانَت بذلك الْفَائِدَة الْعُظْمَى فِي حفظ اللُّغَة الْعَرَبيَّة وخدمة كتابها الأول والأعظم
وَإِن ذَلِك من مَعَاني قَوْله تَعَالَى ﴿إِنَّا نَحن نزلنَا الذّكر وَإِنَّا لَهُ لحافظون﴾ وَالْحَمْد لله
стр. 2
وَحين اتَّصل الْمُسلمُونَ الْعَرَب بِغَيْر الْعَرَب من الشعوب مِمَّن أَسْلمُوا واطمأنت بِالْإِسْلَامِ قُلُوبهم أَو مِمَّن تظاهروا بِالْإِسْلَامِ ليكيدوا لَهُ من الدَّاخِل وصلت إِلَى مسامع الْمُسلمين الْأَوَائِل أُولَئِكَ عقائد ومعارف دينية غير الَّتِي عرفوها فِي الْقُرْآن وَالسّنة ألهم الله تَعَالَى كبار التَّابِعين وأتباعهم التَّوَجُّه إِلَى تَقْرِير قَوَاعِد الْإِسْلَام وأركان الْإِيمَان ومسائلها وبسطها وَضرب الْأَمْثِلَة عَلَيْهَا بِمَا يُوضح ويحقق الْيَقِين عِنْد غير الْعَرَب السَّابِقين خَاصَّة فِي قضايا الإعتقاد ومسائل الْإِيمَان ووفق الله تَعَالَى بعض أُولَئِكَ التَّابِعين لعرض مسَائِل عقائد الآخرين وَبَيَان فَسَادهَا وضلالها من خلال الْقُرْآن وَالسّنة وَالْعقل والفكر السَّلِيم فَظهر علم التَّوْحِيد أَو مَا سمي بِعلم الْكَلَام
وكما كَانَت كتابات اللُّغَة الْعَرَبيَّة أول أمرهَا وجيزة ويسيرة ثمَّ توسعت وتعمقت كَذَلِك كَانَ الْأَمر فِي علم التَّوْحِيد وَمَا يُقَال فِي هذَيْن العلمين يُقَال فِي سَائِر الْعُلُوم من التَّفْسِير وعلوم الْقُرْآن من الْفِقْه والْحَدِيث والسيرة والتاريخ
فَبعد أَن كتب التَّابِعِيّ الْجَلِيل الإِمَام أَبُو حنيفَة رَحمَه الله تَعَالَى (الْفِقْه الْأَكْبَر) الَّذِي لَا يزِيد على سِتّ صفحات من أصُول مسَائِل الإعتقاد رَأينَا بعد ذَلِك من توسع فِيهِ - تبعا للْحَاجة - فشرح الْمَوْجُود وأضاف مَا يرَاهُ من البحوث والموضوعات الَّتِي لَهَا علاقَة بِعلم التَّوْحِيد
وَبعد أَن كتب الْمُحدث الْفَقِيه الإِمَام أَبُو جَعْفَر الطَّحَاوِيّ رَحمَه الله تَعَالَى رسَالَته فِي العقيدة وسماها (بَيَان السّنة وَالْجَمَاعَة) فِي عشر صفحات جَاءَ من يشرحها بعدة بقرون بعشرات من الصفحات ومئاتها وَهَكَذَا ثمَّ توسع وَشرح وأفاض فِي الْكِتَابَة فِي علم التَّوْحِيد الإمامان الجليلان أَبُو الْحسن الْأَشْعَرِيّ وَأَبُو مَنْصُور الماتريدي رحمهمَا الله تَعَالَى وهما - وَإِلَى الْآن - الْعُمْدَة لمن كتب بعدهمَا فِي علم التَّوْحِيد مثل الباقلاني وَالْغَزالِيّ وَالْفَخْر وَإِمَام الْحَرَمَيْنِ وَغَيرهم
قَالَ ابْن حجر الهيتمي رَحمَه الله تَعَالَى نسب علم الْكَلَام إِلَى الْأَشْعَرِيّ لِأَنَّهُ بَين مناهج الْأَوَّلين ولخص موارد الْبَرَاهِين وَلم يحدث فِيهِ بعد السّلف إِلَّا مُجَرّد الألقاب والإصطلاحات وَقد حدث ذَلِك فِي كل فن من فنون الْعلم وَمثل ذَلِك قَوْله
стр. 3
الإِمَام عَليّ الْقَارِي فِي الإِمَام الماتريدي فِي (الثِّمَار الجنية) لَهُ
لقد عرض الْقُرْآن الْكَرِيم لعقائد بعض أهل الشَّرَائِع والعقائد السَّابِقَة بأسلوبه الْخَاص وبإيجاز وَبَين فَسَادهَا وبطلانها بأسلوبه الْخَاص وبإيجاز كَذَلِك فخاطب الْمَلَاحِدَة المعطلة الَّذين يُنكرُونَ الْخَالِق قَائِلا أم خلقُوا من غير شَيْء أم هم الْخَالِقُونَ. أم خلقُوا السَّمَوَات وَالْأَرْض بل لَا يوقنون
وَقد حكى الله تَعَالَى محاورة إِبْرَاهِيم ﵇ قومه ومحاورته الْجَبَّار نمرودا وَكَيف أفحمهم إِبْرَاهِيم ﵇ ﴿فبهت الَّذِي كفر وَالله لَا يهدي الْقَوْم الظَّالِمين﴾
كَمَا حكى سُبْحَانَهُ محاورة مُوسَى ﵇ للظاغية فِرْعَوْن حَتَّى إِذا قَامَت الْحجَّة على فِرْعَوْن وَقَومه وَلم يبْق لَهُ سلَاح سوى الْبَطْش وَأَرَادَ ذَلِك أهلكه الله تَعَالَى وَمن مَعَه فِي الْبَحْر الَّذِي لَا تغرف فِيهِ بطة ثمَّ لَفظه الْبَحْر ليَكُون آيَة على قدرَة الله تَعَالَى وَصدق مُوسَى ﵇ وَفَسَاد راي فِرْعَوْن ودعوته
وَلما جَاءَ أبي بن خلف رَسُول الله ﷺ وَمَعَهُ عظم بَال يفتته وَقَالَ مستهزئا يامحمد أَتَرَى رَبك يحيي هَذَا بعد مَا رم وبلي قَالَ لَهُ رَسُول الله ﷺ فِي صدق ويقين نعم وَيَبْعَثُك الله وَيُدْخِلك النَّار وَأنزل الله سُبْحَانَهُ خَوَاتِيم سُورَة ياسين وَضرب لنا مثلا وَنسي خلقه قَالَ من يحي الْعِظَام وَهِي رَمِيم. قل يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أول مرّة وَهُوَ بِكُل خلق عليم
هَذَا وَأَمْثَاله من مسَائِل الِاعْتِقَاد يجب على الْمُسلمين أَن يعرفوه ويعقلوه إِجْمَالا على الْعَامَّة وتفصيلا على أهل الْعلم والدعوة وعَلى أهل الْقَلَم أَن يكتبوا فِيهِ وينشرو بَين النَّاس
إِلَّا أَنه قد دخل (علم التَّوْحِيد) بعد الْقرن الثَّالِث مَا عده بعض أهل الْعلم فِي وَقت مَا ضَرُورِيًّا من اساليب عقلية وقضايا منطقية فكرية، وفلسفية فِي بعض مسَائِل
стр. 4
الِاعْتِقَاد وَأَحْكَامه مثل إِثْبَات وجوب وجود الْخَالِق وحدوث مَا سواهُ يواجهون بذلك أساليب أَعدَاء الْإِسْلَام ليحاجوهم ويلزموهم الْحق من بَاب (من فمك أدينك) فأضحى علم التَّوْحِيد فِي ذَلِك الْعَصْر عِنْد بعض أهل الْعلم علما معقد الأسلوب معقد الفكرة تقلب الصفحات العديدة فِيهِ دون أَن تقْرَأ فِيهَا آيَة أَو حَدِيثا وابتعد بذلك عَن أسلوب الْقُرْآن الَّذِي يُخَاطب الْعقل والوجدان مَعًا وَيُقِيم الْحجَّة وَيَدْعُو إِلَى الانضواء تَحت لِوَاء الْإِسْلَام قلبا وقالبا وَكفى بِبَيَان كتاب الله تَعَالَى بَيَانا
كَانَ ذَلِك أسلوب الْوَقْت - ولوقت معِين - وَمن جماعات مُعينَة اجْتِهَادًا مِنْهَا ونظرا والمجتهد - أهل الإجتهاد - مثاب أصَاب فِي إجتهاده أَو أَخطَأ
فَإِنَّهُ لَا ريب أَن أسلوب الْقُرْآن وَبَيَان الْقُرْآن وأسلوب الرَّسُول ﷺ وَمَا يهديان إِلَيْهِ هما أجدى وَأقرب إِلَى الْحجَّة الْإِقْنَاع فِي ذَلِك الْعَصْر وَفِي كل عصر حَتَّى تقوم السَّاعَة وَالْحَمْد لله
ذكرت أَن بعض التَّابِعين كتبُوا كتابات وجيزة فِي علم التَّوْحِيد إِذْ لم يرَوا أَن يبينوا سوى الْحق بإيجاز وعَلى قدر الْحَاجة فَمن يَقُول إِن السّلف الصَّالح لم يخوضوا فِي علم التَّوْحِيد وَلم يكتبوا فِيهِ وَإِن ذَلِك بِدعَة ضَلَالَة هم مخطئون لِأَن الْإِسْلَام دين الخلود وَمن مُقْتَضى خلوده - وَهُوَ وَحده الْحق - أَن يُقرر كل حَقِيقَة وَأَن يدْفع كل فكرة ضَالَّة أَو عقيدة فَاسِدَة تنشأ فِي الْمُسلمين أَو نحلة ضَالَّة تجابه عقيدة الْإِسْلَام وعقائده وَأَهله وَيسْعَى أَن يضفي بنوره على قُلُوب النَّاس عَامَّة بِإِذن الله تَعَالَى
نعم إِن بعض السّلف كره الْخَوْض فِي محاورة أهل الْأَهْوَاء والضلالات لما فِي ذلكمن نقل أَقْوَالهم ثمَّ تفنيدها وَذَلِكَ مِمَّا يشغل الْقلب وَقد يَظْلمه ويشغل عَن الأهم من الْعُلُوم عِنْدهم - كَمَا نقل من إِنْكَار الإِمَام أَحْمد بن حَنْبَل على الإِمَام الْحَارِث المحاسبي رحمهمَا الله تَعَالَى خوضه فِي مسَائِل الإعتقاد وَالرَّدّ على أهل الضلال - وَأما إِذا حقت الْمَسْأَلَة وتحققت الْحَاجة فهم يَقُولُونَ فِيهَا بعقولهم الْعَظِيمَة من خلال أصُول الدّين لِأَن حفظ العقائد أهم الْعُلُوم وأولاها وَلَقَد سمى الإِمَام أَبُو حنيفَة رَحمَه الله تَعَالَى علم التَّوْحِيد الْفِقْه الْأَكْبَر وَلَقَد قيل إِن الإِمَام أَحْمد بن حَنْبَل رَحمَه الله تَعَالَى كتب رِسَالَة فِي الرَّد على الْجَهْمِية وَالله أعلم بِصِحَّة ذَلِك
стр. 5
قَالَ القَاضِي أَبُو الْمَعَالِي عبد الْملك من أعتقد أَن السّلف الصَّالح ﵃ نهوا عَن معرفَة الْأُصُول وتجنبوها أَو تغافلوا عَنْهَا وأهملوها فقد اعْتقد فيهم عَجزا وأساء بهم ظنا لِأَنَّهُ يَسْتَحِيل فِي الْعقل وَالدّين عِنْد كل من أنصف من نَفسه أَن الْوَاحِد مِنْهُم يتَكَلَّم فِي مَسْأَلَة الْعَوْل وقضايا الْجد - مِيرَاث - وكمية الْحُدُود وَكَيْفِيَّة الْقصاص بفصول ويباهل عَلَيْهَا ويلاعن ويجافي فِيهَا ويبالغ أَو يذكر على إِزَالَة النَّجَاسَات عشْرين دَلِيلا لنَفسِهِ وللمخالف ويشقق الشّعْر فِي النّظر ثمَّ لَا يعرف ربه الْآمِر خلقه بالتحليل وَالتَّحْرِيم والمكلف عباده للترك والتعظيم
فهيهات أَن يكون ذَلِك وَأَنَّهُمْ أهملوا تَحْرِير أدلته وَإِقْرَار أسئلته وأجوبته فَإِن الله تَعَالَى بعث مُحَمَّد ﷺ فأيده بِالْآيَاتِ الباهرة والمعجزات الْقَاهِرَة حَتَّى أوضح الشَّرِيعَة وَبَينهَا وعلمهم مواقيتها وعينها فَلم يتْرك لَهُم أصلا من الْأُصُول إِلَّا بناه وشيده وَلَا حكما من الْأَحْكَام إِلَّا أوضحه ومهده لقَوْله سُبْحَانَهُ وأنزلنا إِلَيْك الذّكر لتبين للنَّاس مَا نزل إليم ولعلهم يتفكرون فاطمأنت قُلُوب الصَّحَابَة لما عاينوا من عجائب الرَّسُول ﷺ وشاهدوا من صدق التَّنْزِيل ببدائة الْعُقُول والشريعة غضة طريه متداولة بَينهم فِي مواسمهم ومجالسهم يعْرفُونَ التَّوْحِيد مُشَاهدَة بِالْوَحْي وَالسَّمَاع ويتكلمون فِي أَدِلَّة الوحدانية بالطباع مستغنين عَن تَحْرِير أدلتها وتقويم حجتها وعللها كَمَا أَنهم كَانُوا يعْرفُونَ تَفْسِير الْقُرْآن ومعاني الشّعْر وَالْبَيَان وترتيب النَّحْو وَالْعرُوض وفتاوي النَّوَافِل والفروض من غير تَحْرِير الْعلَّة وَلَا تَقْوِيم الْأَدِلَّة
ثمَّ لما انقرضت أيامهم وتغيرت طباع من بعدهمْ وَكَلَامهم وخالطهم أَقوام من غير جنسهم وَطَالَ بالسلف الصَّالح وَالْعرب العرباء عَهدهم وأشكل عَلَيْهِم تَفْسِير الْقُرْآن ومرن عَلَيْهِم غلط اللِّسَان وَكثر المخالفون فِي الْأُصُول وَالْفُرُوع واضطروا إِلَى جمع الْعرُوض والنحو وتمييز الْمَرَاسِيل من المسانيد والآحاد من التَّوَاتُر وصنفوا التَّفْسِير وَالتَّعْلِيق وبينوا التدقيق وَالتَّحْقِيق وَلم يقل أحد إِن هَذِه كلهَا بدع ظَهرت وَأَنَّهَا محالات جمعت ودونت بل هُوَ الشَّرْع الصَّحِيح والرأي القويم وَكَذَلِكَ هَذِه الطَّائِفَة - يَعْنِي عُلَمَاء التَّوْحِيد - كثر الله عَددهمْ وقوى عَددهمْ بل هَذِه الْعُلُوم أولى
стр. 6
تجمعها لحُرْمَة علومها فَإِن مَرَاتِب الْعُلُوم تترتب على حسب معلوماتها والصنائع تكرم على قدر مصنوعاتها فَهِيَ من فَرَائض الْأَعْيَان وَغَيرهَا إِمَّا فَرَائض الكفايات أَو كالمندوب وَالْمُسْتَحب فَإِن من جهل صفة من صِفَات معلومه لم يعرف الْمَعْلُوم على مَا هُوَ بِهِ وَمن لم يعرف الْبَارِي سُبْحَانَهُ على مَا هُوَ بِهِ لم يسْتَحق اسْم الْإِيمَان وَلَا الْخُرُوج يَوْم الْقِيَامَة من النيرَان
وَقَالَ الإِمَام الْجُوَيْنِيّ رَحمَه الله تَعَالَى رَأَيْت إِبْرَاهِيم الْخَلِيل ﵊ فِي الْمَنَام فَأَهْوَيْت لِأَن أقبل رجلَيْهِ فَمَنَعَنِي من ذَلِك تكريما لي فاستدبرت فَقبلت عَقِبَيْهِ فَأَوَّلْته الرّفْعَة وَالْبركَة تبقى فِي عَقبي ثمَّ قلت يَا خَلِيل الله مَا تَقول فِي (علم الْكَلَام) فَقَالَ يدْفع بِهِ الشّبَه والأباطيل
وَأحب أَن أنبه إِلَى أَمر هام وَهُوَ أَنهم يعنون بِعلم التَّوْحِيد الْوَاجِب على الْمُسلم تَحْصِيله أَنه لَا يجب على الْمُسلم معرفَة مصطلحات علم التَّوْحِيد أَو الْكَلَام من الصَّانِع والهيولي والجوهر وَالْعرض وأمثالها بل الْمَقْصُود أَنه يجب على الْمُكَلف أَن يعرف الصَّانِع المعبود سُبْحَانَهُ بدلائله الَّتِي نصبها على توحيده سُبْحَانَهُ واستحقاقه ﷻ نعوت الربوبية وَالْمَقْصُود حُصُول النّظر وَالِاسْتِدْلَال الْمُؤَدِّي إِلَى معرفَة الله تَعَالَى وَإِنَّمَا اسْتعْمل المتكلمون تِلْكَ الْأَلْفَاظ من الْجَوْهَر وَالْعرض على سَبِيل التَّقْرِيب والتسهيل على المتعلمين وَالسَّلَف الصَّالح وَإِن لم يستعملوا هَذِه الْأَلْفَاظ فَلم يكن فِي معارفهم خلل وَالْخلف الَّذين استعملوا هَذِه الْأَلْفَاظ لم يكن ذَلِك لطريق الْحق مباينة ... وَلَا فِي الدّين بِدعَة كَمَا أَن الْمُتَأَخِّرين من الْفُقَهَاء عَن زمن الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ رضوَان الله عَلَيْهِم استعملوا أَلْفَاظ الْفُقَهَاء من الْعلَّة والمعلول وَالْقِيَاس ثمَّ لم يكن استعمالهم لذَلِك بِدعَة وَقل مثل ذَلِك فِي الْمُحدثين الَّذين أوجدوا مصطلحات وعناوين مُعينَة فِي رُوَاة الحَدِيث وفنونها من حَيْثُ الْقُوَّة والضعف وَالْقَبُول والرفض وَلم يكن اسْتِعْمَال ذَلِك مِنْهُم بِدعَة مُنكرَة معَاذ الله وَإِنَّمَا هِيَ اصْطِلَاحَات خَاصَّة قَامَت بِكُل فن وَلَا مشاحة فِي الِاصْطِلَاح
стр. 7
وَسُئِلَ الإِمَام عبد الْكَرِيم الْقشيرِي رَحمَه الله تَعَالَى فَقيل لَهُ أَرْبَاب التَّوْحِيد هَل يتفاوتون فِيهِ فَقَالَ إِن فرقت بَين مصل ومصل وَعلمت أَن هَذَا يُصَلِّي وَقَلبه مشحون بالفضلات وَذَاكَ يُصَلِّي وَقَلبه حَاضر فَفرق بَين عَالم وعالم هَذَا لَو طرأت عَلَيْهِ مشكلة لم يُمكنهُ الْخُرُوج مِنْهَا وَهَذَا يُقَاوم كل عَدو لِلْإِسْلَامِ وَيحل كل معضلة تعز فِي مقَام الْخِصَام وَهَذَا هُوَ الْجِهَاد الْأَكْبَر فَإِن الْجِهَاد فِي الظَّاهِر مَعَ أَقوام مُعينين وَهَذَا جِهَاد جَمِيع أَعدَاء الدّين وَهُوَ آيَات بَيِّنَات فِي صُدُور الَّذين أُوتُوا الْعلم وللخراج فِي الْبلدَانِ قانون مَعْرُوف إِذا أشكل خراج بقْعَة رَجَعَ النَّاس إِلَى ذَلِك القانون وقانون الْعلم بِاللَّه قُلُوب العارفين فرواة الْأَخْبَار خزان الشَّرْع والقراء من الْخَواص وَالْفُقَهَاء حفظَة الشَّرْع وعلماء أصُول الدّين هم الَّذين يعْرفُونَ مَا يجب ويستحيل وَيجوز فِي حق الصَّانِع وهم الأقلون الْيَوْم
(رمى الدَّهْر بالفتيان حَتَّى كَأَنَّهُمْ ... بِأَكْنَافِ أَطْرَاف السَّمَاء نُجُوم)
(وَقد كُنَّا نعدهم قَلِيلا ... فقد صَارُوا أقل من الْقَلِيل)
السّلف الصَّالح يَخُوضُونَ فِي علم التَّوْحِيد
حِين أخظ يظْهر فِي أَيَّام الصَّحَابَة رضوَان الله عَلَيْهِم شَيْء من التشويش على مسَائِل من علم التَّوْحِيد انبروا لبَيَان الْحق وردع الْبَاطِل وقمعه
أ - قَالَ الإِمَام الْقُرْطُبِيّ رَحمَه الله تَعَالَى فِي تَفْسِيره الْعَظِيم عِنْد قَوْله تَعَالَى وَأما الَّذين فِي قُلُوبهم زيغ فيتبعون مَا تشابه مِنْهُ ابْتِغَاء الْفِتْنَة وابتغاء تَأْوِيله الرَّابِع الحكم فِيهِ الْأَدَب البليغ كَمَا فعله عمر بصبيغ وَقَالَ أَبُو بكر الْأَنْبَارِي وَقد كَانَ الْأَئِمَّة من السّلف يعاقبون من يسْأَل عَن تَفْسِير الْحُرُوف والمشكلات فِي الْقُرْآن لِأَن السَّائِل إِن كَانَ يَبْغِي بسؤاله تخليد الْبِدْعَة وإثارة الْفِتْنَة فَهُوَ حقيق بالنكير وَأعظم التعزيز وَإِن لم يكن ذَلِك قَصده اسْتحق العتب بِمَا اجترم من الذَّنب إِذْ أوجد لِلْمُنَافِقين الْمُلْحِدِينَ فِي
стр. 8
ذَلِك الْوَقْت سَبِيلا إِلَى أَن يقصدوا ضعفة الْمُسلمين بالتشكيك والتضليل فِي تَحْرِيف الْقُرْآن عَن مناهج التَّنْزِيل وحقائق التَّأْوِيل فَمن ذَلِك مَا حَدثنَا إِسْمَاعِيل بن إِسْحَاق القَاضِي أَنبأَنَا سُلَيْمَان بن حَرْب عَن حَمَّاد بن زيد عَن يزِيد بن حَازِم عَن سُلَيْمَان بن يسَار أَن صبيغ بن عسل قدم الْمَدِينَة فَجعل يسْأَل عَن متشابه الْقُرْآن وَعَن أَشْيَاء فَبلغ ذَلِك عمر ﵁ فَبعث إِلَيْهِ عمر فَأحْضرهُ وَقد أعد لَهُ عراجين من عراجين النّخل فَلَمَّا حضر قَالَ لَهُ عمر من أَنْت قَالَ أَنا عبد الله صبيغ فَقَالَ عمر ﵁ وَأَنا عبد الله عمر ثمَّ قَامَ إِلَيْهِ فَضرب رَأسه بعرجون فَشَجَّهُ ثمَّ تَابع ضربه حَتَّى سَالَ دَمه على وَجهه فَقَالَ حَسبك يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ فقد ذهب - وَالله - مَا كنت أجد فِي رَأْسِي
ب - قَالَ يحيى بن يعمر رَحمَه الله تَعَالَى كَانَ أول من قَالَ فِي الْقدر بِالْبَصْرَةِ معبد الْجُهَنِيّ فَانْطَلَقت أَنا وَحميد بن عبد الرَّحْمَن الْحِمْيَرِي حاجين أَو معتمرين فَقُلْنَا لَو لَقينَا أحدا من أَصْحَاب رَسُول الله ﷺ فَسَأَلْنَاهُ عَمَّا يَقُول هَؤُلَاءِ فِي الْقدر فوفق لنا عبد الله بن عمر دَاخِلا الْمَسْجِد فاكتنفته أَنا وصاحبى أَحَدنَا عَن يَمِينه وَالْآخر عَن شِمَاله فَظَنَنْت أَن صَاحِبي سيكل الْكَلَام إِلَيّ فَقلت يَا ابا عبد الرَّحْمَن إِنَّه قد ظهر قبلنَا نَاس يقرءُون الْقُرْآن ويتقفرون الْعلم وَذكر من شَأْنهمْ وَأَنَّهُمْ زَعَمُوا أَن لَا قدر - أَي الله تَعَالَى لم يقدر الْأَشْيَاء أَنَّهَا حِين تكون بإرادته كَيفَ تكون وَأَن الْأَمر أنف - فَقَالَ إِذا لقِيت أُولَئِكَ فَأخْبرهُم أَنِّي بَرِيء مِنْهُم وهم بَرَاءَة مني وَالَّذِي يحلف بِهِ ابْن عمر لَو لأَحَدهم مثل أحد ذَهَبا فأنفقه مَا قبله الله مِنْهُ حَتَّى يُؤمن بِالْقدرِ ثمَّ ذكر حَدِيث الْإِيمَان وَالْإِسْلَام وَالْإِحْسَان وَفِيه (أَن تؤمن بِالْقدرِ) رَوَاهُ مُسلم وَأَصْحَاب السّنَن
ج - وَظهر فِي عهد عَليّ ﵁ الْخَوَارِج الَّذين يكفرون بالذنب، فَمن مَاتَ مذنبا عِنْدهم فَهُوَ إِلَى النَّار مَعَ الْكَافرين المنكرين وأنكروا شَفَاعَته ﷺ فِي الْمُسلمين المذنبين
قَالَ يزِيد بن صُهَيْب الْفَقِير كَانَ قد شغفني رَأْي من رأى الْخَوَارِج وَكنت رجلا شَابًّا فخرجنا فِي عِصَابَة ذَوي عدد نُرِيد أَن نحج ثمَّ نخرج على النَّاس قَالَ فمررنا
стр. 9
بِالْمَدِينَةِ - على ساكنها الصَّلَاة وَالسَّلَام - فَإِذا جَابر بن عبد الله يحدث الْقَوْم من حَدِيث رَسُول الله ﷺ جَالس إِلَى سَارِيَة وَإِذ قد ذكر الجهنميون فَقلت لَهُ يَا صَاحب رَسُول الله ﷺ مَا الَّذِي يحدثُونَ وَالله تَعَالَى يَقُول ﴿رَبنَا إِنَّك من تدخل النَّار فقد أخزيته﴾ و ﴿كلما أَرَادوا أَن يخرجُوا مِنْهَا أعيدوا فِيهَا﴾ فَمَا هَذَا الَّذِي يَقُولُونَ قَالَ أَي بني أَتَقْرَأُ الْقُرْآن قلت نعم قَالَ سَمِعت بمقام مُحَمَّد ﷺ الْمَحْمُود الَّذِي يَبْعَثهُ الله يَوْم الْقِيَامَة فِيهِ قلت نعم قَالَ فَإِنَّهُ مقَام مُحَمَّد الْمَحْمُود الَّذِي يخرج الله بِهِ من يخرج من النَّار قَالَ ثمَّ نعت وضع الصِّرَاط وَمر النَّاس عَلَيْهِ قَالَ الرَّاوِي فَأَخَاف أَن لَا أكون حفظت ذَاك غير أَنه قد زعم أَن قوما يخرجُون من النَّار بعد أَن يَكُونُوا فِيهَا كَأَنَّهُمْ عيدَان السماسم قَالَ فَيدْخلُونَ نَهرا من أَنهَار الْجنَّة فيغتسلون فِيهِ فَيخْرجُونَ كَأَنَّهُمْ الْقَرَاطِيس الْبيض قَالَ فرجعنا فَقُلْنَا وَيحكم أَتَرَوْنَ هَذَا الشَّيْخ يكذب على رَسُول الله ﷺ قَالَ فرجعنا فرجعنا فوَاللَّه مَا خرج منا أحد غير رجل وَاحِد وَفِي رِوَايَة أُخْرَى قَالَ جَابر ﵁ الشَّفَاعَة بيّنت فِي كتاب الله تَعَالَى ﴿مَا سلككم فِي سقر قَالُوا لم نك من الْمُصَلِّين وَلم نك نطعم الْمِسْكِين وَكُنَّا نَخُوض مَعَ الخائضين وَكُنَّا نكذب بِيَوْم الدّين حَتَّى أَتَانَا الْيَقِين فَمَا تنفعهم شَفَاعَة الشافعين﴾ يَعْنِي أَن الشَّفَاعَة تدْرك الْمُسلمين دون الْكَافرين
ثمَّ حِين ظهر فِي الْمُسلمين من نفى رُؤْيَة الْمُؤمنِينَ رَبهم فِي الْجنَّة وَمن زعم أَن الْقُرْآن الَّذِي هُوَ كَلَام الله مَخْلُوق وَمن زعم أَن الْإِنْسَان لَا اخْتِيَار لَهُ وَلَا كسب بل هُوَ كالريشة فِي مهب الرّيح كَمَا ظهر من وصف الله تَعَالَى بِصِفَات من الْجِسْم والطول وَالْعرض والعمق وَمن نفى باسم التنزية بعض صِفَات الله تَعَالَى الثَّابِتَة لَهُ فِي الْقُرْآن وَالسّنة وَغير ذَلِك
فَكَانَ كلما ذَر فِي حَيَاة الْمُسلمين قرن الْفِتْنَة والبدعة قَامَ عُلَمَاء الْمُسلمين يثبتون الْحق ويظهرونه ويردون الْبَاطِل ويقمعونه فأتبع بذلك مَادَّة علم التَّوْحِيد وَكَثُرت مسَائِله قَالَ الونشريسي وَأجْمع السّلف وَالْخلف من أثمة الْهدى على حِكَايَة مقالات
стр. 10
الْكَفَرَة والملحدين فِي كتبهمْ ومجالسهم وبينوها للنَّاس وينقضوا شبهها وَإِن كَانَ وَقع لِأَحْمَد بن حَنْبَل إِنْكَار لبَعض هَذَا على الْحَارِث المحاسبي فقد صنع احْمَد مثله فِي رده على الْجَهْمِية والقائلين بالمخلوق هَذِه الْوُجُوه السَّابِقَة حِكَايَة عَنْهَا فَأَما ذكرهَا على غير هَذَا من حِكَايَة سبه أَو الإزدراء بمنصبه على وَجه الحكايات والأسمار والطرف وَأَحَادِيث النَّاس ومقالاتهم فِي الغث والسمين ومضاحك المجان ونوادر السخفاء والخوض فِي قيل وَقَالَ وَمَا لَا يَعْنِي فَكل هَذَا مَمْنُوع وَبَعضه أَشد فِي الْعقُوبَة من بعض
فَهَل يعاب على عُلَمَاء الْمُسلمين الْأَوَائِل أَن كتبُوا فِي علم التَّوْحِيد وبينوا وحققوا ومحصوا وحفظوا عقائد الْمُسلمين سليمَة نقية كلا وَهل يعاب على عُلَمَاء الْمُسلمين أَن يكتبوا على كل حَال فِي علم التَّوْحِيد ويحققوا العقائد والأفكار ليحفظوا عقائد الْمُسلمين كلا ثمَّ كلا
أَقُول إِنَّه من الْحق الْوَاجِب الْيَوْم أَيْضا أَن ينبري عُلَمَاء الْمُسلمين ليبينوا الْحق ويمحصوه أَمَام تِلْكَ الأفكار والنحل والمعتقدات المادية والروحية الَّتِي خرج بهَا فِي الْمُسلمين جهال مِنْهُم ومنحرفون ضلال دخلاء عَلَيْهِم أَو كفار مَا رقون يُرِيدُونَ أَن يدخلُوا ذَلِك الْفساد فِي عقائد الْمُسلمين أَو يجعلوها تعيش مَعَ عقائدهم فِي قلب وَاحِد وَذَلِكَ محَال وأنى يجْتَمع النُّور والظلام فِي مَكَان أَو يجْتَمع فِيهِ الْكفْر وَالْإِيمَان
قَالَ الشَّيْخ الْفَقِيه الْمُحدث مُحَمَّد زاهد الكوثري رَحمَه الله تَعَالَى وَفِي كَلَام الْمُتَقَدِّمين من الْمُتَكَلِّمين مَا يجب أَن يسترشد بِهِ القائمون بالدفاع عَن الدّين فِي كل عصر وَمن الْبَين أَن طرق الدفاع عَن عقائد الْإِسْلَام ووسائل الْوِقَايَة من تسرب الْفساد إِلَى الْأَخْلَاق وَالْأَحْكَام مِمَّا يَتَجَدَّد فِي كل عصر تجدّد أساليب الأخصام وَهِي فِي نَفسهَا ثَابِتَة عِنْد حد الشَّرْع لَا تتبدل حقائقها فَيجب على الْمُسلمين فِي جَمِيع أدوار بقائهم أَن يتفرغ مِنْهُم جمَاعَة لتتبع الآراء السائدة فِي طوائف الْبشر والعلوم المنتشرة بَينهم وفحص كل مَا يُمكن أَن يَأْتِي من قبله ضَرَر على الْمُسلمين لَا سِيمَا فِي المعتقد الَّذِي لَا يزَال ينبوع كل خير راسخا رصينا وَيصير منشأ كل فَسَاد إِن اسْتَحَالَ واهنا واهيا فيدرسون هَذِه الآراء
стр. 11
والعلوم دراسة أَصْحَابهَا أَو فَوق دراستهم ليجدوا فِيهَا مَا يدْفَعُونَ بِهِ الشكوك الَّتِي يستثيرها أَعدَاء الدّين بوسائط عصرية حَتَّى إِذا فَوق مقتصد سَهْما مِنْهَا نَحْو التعاليم الإسلامية من مُعْتَقد وَأَحْكَام وأخلاق ردوهَا إِلَى نَحره اعْتِمَادًا على حقائق تِلْكَ الْعُلُوم وتجاربها واستنادا على إبداء نظريات تقضي على نظريات المشككين - وَجل الدّين الإسلامي أَن يصطدم مَعَ حقائق الْعُلُوم - وَأَقَامُوا دون تسرب تلبيساتهم سورا حصينا واقيا وعبأوا حزب الله على أنظمة يتطلبها الزَّمن فِي غير هوادة وَلَا توان ودونوا مَا استخلصوه من تِلْكَ الْعُلُوم من طرائق الدفاع فِي كتب خَاصَّة بأسلوب يعلق بالخاطر وتستسيغه الْعَامَّة لتَكون سدا محكما مدى الدَّهْر دون مفاجأة جوارف الشكوك وَإِن لم يَفْعَلُوا ذَلِك يسهل على الْأَعْدَاء أَن يَجدوا سَبِيلا إِلَى مَوَانِع خصبة بَين الْمُسلمين تنْبت فِيهَا بذور تلبيساتهم بِحَيْثُ يصعب اجتثاث عروقها الفوضوية بل تسري سموم الْإِلْحَاد فِي قُلُوب خَالِيَة تتمكن فِيهَا فَيهْلك الْحَرْث والنسل وقانا الله تَعَالَى شَرّ ذَلِك وأيقظنا من رقدتنا
أَقُول وَلَا حول وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه فَلَقَد غزت قُلُوب كثير من الْمُسلمين عقائد وأفكار وَنحل ومبادىء وَأَحْكَام وآراء واستولت على بعض تِلْكَ الْقُلُوب الَّتِي زين لَهَا الشَّيْطَان أَن لَا تعَارض بَين تِلْكَ الآراء والعقائد وَبَين الْإِسْلَام وَأَن لَا حرج على الْمُسلم أَن يكون مُسلما وشيوعيا فِي آن ... حَتَّى خرج الْإِسْلَام من تِلْكَ الْقُلُوب وَتمكن فِيهَا الْإِلْحَاد والزندقة معَاذ الله وَإِن على كثير من الْمُسلمين القادرين علما وقلما نَصِيبا من الْمُؤَاخَذَة على مَا آل إِلَيْهِ قُلُوب كثير من الْمُسلمين إِن لم يَقُولُوا وَلم يدرسوا وَلم يكتبوا وينشروا
وَمن الْحق أَن يقْرَأ عُلَمَاؤُنَا خَاصَّة ويقرئوا فِي دروسهم ويقولوا ذَلِك فِي خطبهم مِمَّا هُوَ حق وصريح فِي رد الْإِلْحَاد وقمعه وَفِي هَذَا الْعَصْر الْكتب التالية موقف الْعقل وَالْعلم لشيخ الْإِسْلَام مصطفى صبري رَحمَه الله تَعَالَى فِي أَربع مجلدات وقصة الْإِيمَان للشَّيْخ نديم الجسر رَحمَه الله تَعَالَى فِي مُجَلد وصراع مَعَ الْمَلَاحِدَة حَتَّى الْعظم والعقيدة
стр. 12
الإسلامية كِلَاهُمَا للشَّيْخ البحاثة عبد الرَّحْمَن حبنكة الْمدرس بجامعة أم الْقرى بِمَكَّة المكرمة وكبرى اليقينياتونقض الماديه الجدليه كِلَاهُمَا للشَّيْخ الدكتور مُحَمَّد سعيد رَمَضَان البوطي الْأُسْتَاذ بجامعة دمشق وأمثالها من الْكتب النافعة فَإِن فِيهَا خيرا كثيرا ونورا مُبينًا إِن شَاءَ الله تَعَالَى
نموذج علمي فِي بَيَان بطلَان أكذوبة مَا تزَال تعيش فِي أفكار المثقفين من الْمُسلمين على أَنَّهَا حَقِيقَة علمية معَاذ الله قَالَ الْأُسْتَاذ فيصل تليلاني من كَلَام إِن الإكتشاف العلمي الَّذِي هدم نظرية دارون من أساسها هُوَ اكتشاف وحدات الوراثة الَّتِي أَثْبَتَت اسْتِحَالَة تطور الْكَائِن الْحَيّ وتحوله من نوع إِلَى آخر هُنَاكَ عوامل وراثية فِي خلية كل نوع تحتفظ لَهُ بخصائص نَوعه وتحتم أَن يظل فِي دَائِرَة النَّوْع الَّذِي نَشأ مِنْهُ وَلَا يخرج قطّ عَن نَوعه وَلَا يتطور إِلَى نوع جَدِيد فالقط أَصله قطّ وسيظل قطا على توالي الْقُرُون وَالْكَلب كلب والثور ثَوْر والحصان والقرد وَالْإِنْسَان وكل مَا يُمكن أَن يَقع حسب نظرية الوراثة هُوَ الإرتقاء فِي حُدُود النَّوْع نَفسه دون الإنتقال إِلَى نوع آخر هَذَا الاكتشاف العلمي الَّذِي أعدم نظرية دارون وأقبرها وَقضى عَلَيْهَا، وَهُوَ مَا أَشَارَ إِلَيْهِ الفيلسوف برتراندراسل حِين قَالَ فِي كِتَابه (النظرية العلمية) لقد أَخطَأ دارون فِي قوانين الوراثة حَتَّى غيرتها قوانين منْدَل تغييرا كليا وَقَالَ والاس إِن من المستحيل أَن يكون الْإِنْسَان قد تمّ تكوينه على طَريقَة التطور والإرتقاء حَيْثُ إِن الإرتقاء بالانتخاب الطبيعي لَا يصدق على الْإِنْسَان وَقَالَ الدكتور الفسيولوجي إيلي دوستون الداروينية لَا تقوم إِلَّا على حكايات مخترعة لَا تعلو قيمتهَا العلمية على قيمَة حكايات المرضعات
لقد رفع مدير مَرْكَز الأبحاث العلمية فِي سان ديجو دَعْوَى قضائية على إدارة مدرسة إبتدائية بِاعْتِبَارِهِ أَبَا لأحد تلاميذها وحجته فِي دَعْوَاهُ أَن الْمدرسَة تقوم بتدريس نظرية دارون فِي النشوء والإرتقاء فِي علم الْأَحْيَاء دون الْمُقَارنَة أَو الْإِشَارَة إِلَى أصل الْخلق الإلهي للكائنات الَّذِي جَاءَ فِي التَّوْرَاة وَالْإِنْجِيل ... فَمَاذَا يجب أَن يَقُول وَيفْعل الْآبَاء الْمُسلمُونَ وَعِنْدهم الْكتاب الْحق وَالَّذِي فِيهِ ﴿لقد خلقنَا الْإِنْسَان فِي أحسن تَقْوِيم﴾ وهم يرَوْنَ أَوْلَادهم يدرسون تِلْكَ النظرية وَلَو كَانُوا فِي الْحَرَمَيْنِ
стр. 13
فصل
الْكَلَام فِي ذَات الله تَعَالَى وَصِفَاته
اتّفق أهل الْعقل والفطرة السليمة من الْجِنّ وَالْإِنْس على وجود الله تَعَالَى بل وجوب وجوده سُبْحَانَهُ وكما دلّ على هَذِه الْحَقِيقَة الْكُبْرَى الْفطْرَة السليمة المودعة فِي النُّفُوس والعقول الْخَالِصَة من الْهوى والمودعة فِي الرؤوس فقد دلّ كَذَلِك البراهيم والحجج الْقَائِمَة فِي الْإِنْسَان من جسم وَنَفس وروح وعقل وعاطفة وَفِي الْحَيَوَان والنبات وَفِي الأَرْض والرمل وَالتُّرَاب وَالْحجر والسهل والجبل وَفِي السَّمَاء من ريَاح وأمطار وليل ونهار فِي جَمِيعهَا آيَات تدل على الْخَالِق الْوَاحِد الْأَحَد سُبْحَانَهُ
جَمِيع الْمَخْلُوقَات مهيأة بالفطرة لوظيفة فِي حَيَاتهَا يحفظها ويقيها المهالك مَا استقامت على الْفطْرَة إِلَى مَا شَاءَ الله تَعَالَى قَالَ الله تَعَالَى وَمَا من دَابَّة فِي الأَرْض وَلَا طَائِر يطير بجناحيه إِلَّا أُمَم أمثالكم مَا فرطنا فِي الْكتاب من شَيْء
فَكل الْأَحْيَاء من حشرات وزواحف وفقاريات وَمن طَائِر يطير بجناحيه فِي الْهَوَاء وَمن حَيَوَان مائي وبرمائي وبري وجبلي مَا من مَخْلُوق من هَذِه الْمَخْلُوقَات إِلَّا وَهِي تنتظم فِي أمة ذَات خَصَائِص وَاحِدَة وَطَرِيقَة فِي الْحَيَاة وَاحِدَة خلقت مفطورة على اتجاه معِين فِي الْحَيَاة ونظمت خلايا تكوينها على شكل لَا يُمكن أَن يخرج بِسَبَبِهَا حَيَوَان من فطرته ونظامه وَلَا نَبَات عَن جنسه وَمَا أودع الله تَعَالَى فِيهِ فَلَنْ يَنْقَلِب كَمَا لم يحصل قطّ القط إِلَى كلب وَلَا السّمك إِلَى حَيَوَان بري وَلَا الثوم بصلا وَلَا الْبَصَر كراثا
وَمن يقْرَأ فِي الْإِنْسَان الْإِنْسَان ذَلِك الْمَجْهُول والطب محراب للْإيمَان وَفِي أعماق الْإِنْسَان يجد مَا يُقَوي يقينه فِي الْخَالِق البارىء سُبْحَانَهُ وَمن يقْرَأ مَعَ الله فِي السَّمَاء وَمَعَ الله فِي الأَرْض والجائزة أَو لماذا أومن وَحِكْمَة الْمَخْلُوقَات للْإِمَام الْغَزالِيّ وَالْعلم يزحف تأليف جيمس ستوكلي وآيات الْخَالِق الكونية والنفسية للأستاذ رشيد رشدي العابري وأمثالها يَزُول عَن عقله كل لوثة شُبْهَة فِي وجود الْخَالِق البارىء المصور سُبْحَانَهُ ﴿الَّذِي خلق فسوى﴾ وَلَكِن من سبقت لَهُ الشقاوة فركن إِلَى الْهوى وَلم
стр. 14
يسمع نِدَاء الله تَعَالَى وَلم يعقل آيَات الله تَعَالَى المودعة فِي كل شَيْء لَا يجدي مَعَه دَلِيل وَلَا يثنيه عَن باطله أَيَّة آيَة ﴿وَقَالُوا لَو كُنَّا نسْمع أَو نعقل مَا كُنَّا فِي أَصْحَاب السعير فَاعْتَرفُوا بذنبهم فسحقا لأَصْحَاب السعير﴾ الْملك
من لَا يُؤمن بِاللَّه تَعَالَى اخْتِيَارا فيفوز بسعادة الدُّنْيَا وَالْآخِرَة يُؤمن بِهِ عملا وضرورة فجسمه وحواسه وقوته وَضَعفه وسقمه وشيخوخته وَمَوته كل ذَلِك يخضع لنظام وَضعه الله تَعَالَى لَهُ وَلَا يُمكن لذَلِك الْإِنْسَان الكنود أَن يخرج على ذَلِك النظام بِحَال
وَلَا عجب أَن يَقُول الله تَعَالَى بعد ذَلِك فِي الْإِنْسَان الْكَافِر ﴿إِن شَرّ الدَّوَابّ عِنْد الله الصم الْبكم الَّذين لَا يعْقلُونَ وَلَو علم الله فيهم خيرا لأسمعهم وَلَو أسمعهم لتولوا وهم معرضون﴾ لَكِن الله تَعَالَى غيب لَا تُدْرِكهُ الْأَبْصَار وَلَا تحيط بِهِ الْعُقُول وَلَوْلَا أَنه سُبْحَانَهُ عرف عباده على نَفسه مَا عرفوه كَمَا هُوَ لقد عرف الله تَعَالَى عباده على نَفسه من خلال أَسْمَائِهِ وَصِفَاته وَلَوْلَا تَعْرِيفه نَفسه بذلك إِلَى خلقه مَا عرفوه سُبْحَانَهُ كَمَا هُوَ لذا كَانَ من الْخَطَأ والخطر والمجازفة وَالْخُرُوج على الْحُدُود أَن يَقُول الْإِنْسَان فِي حق الله تَعَالَى سوى مَا قَالَ عَن نَفسه فَلَا يُسَمِّيه سُبْحَانَهُ بسوى مَا سمى بِهِ نَفسه أَو سَمَّاهُ رَسُول الله ﷺ من الْأَسْمَاء وَلَا يُسَمِّيه طبيعة وَلَا رَحْمَة وَلَا سَمَاء وَلَا غيبا وَلَا وَالِد وَلَا ولد لَا مهندسا للكون وَلَا عَارِفًا وَلَا يصفه كَذَلِك بسوى مَا وصف بِهِ نَفسه أَو وصف بِهِ رَسُوله ﷺ من الصِّفَات وَلَا يصفه بالجرأة والتعلم وَالْحَاجة والتعب والراحة والندم والبكاء وَلَا بالتبدل من حَال إِلَى حَال والانتقال من مَكَان إِلَى مَكَان لَيْسَ كمثله شَيْء وَهُوَ السَّمِيع الْبَصِير الشورى ١١
وَإِذا كَانَ الله تَعَالَى كَمَا قَالَ لَيْسَ كمثله شَيْء وَهُوَ السَّمِيع الْبَصِير فَحق على الْمُؤمن أَن يقف عِنْد حُدُود مَا ذكر لَهُ فِي ذَلِك فِي الْقُرْآن وَالسّنة الصَّحِيحَة ويؤمن بِاللَّه تَعَالَى وأسمائه وَصِفَاته دون محاولة تَشْبِيه الله تَعَالَى بخلقه أَو تَشْبِيه اُحْدُ من خلقه بِهِ سُبْحَانَهُ ﴿قل هُوَ الله أحد الله الصَّمد لم يلد وَلم يُولد وَلم يكن لَهُ كفوا أحد﴾ سُورَة الْإِخْلَاص
ثمَّ يحِيل مَا يَتْلُو من نُصُوص متشابهات فِي صِفَات الله تَعَالَى إِلَى النُّصُوص الواضحات
стр. 15
المحكمات مِنْهَا فَإِنَّهُنَّ ﴿أم الْكتاب﴾ كَمَا قَالَ سُبْحَانَهُ
قَالَ الإِمَام أَبُو حنيفَة رَحمَه الله تَعَالَى لَا يَنْبَغِي لأحد أَن ينْطق فِي الله تَعَالَى بِشَيْء من ذَاته وَلَكِن يصفه بِمَا وصف بِهِ نَفسه وَلَا يَقُول فِيهِ شَيْئا بِرَأْيهِ تبَارك الله رب الْعَالمين نَقله القَاضِي أَبُو عَلَاء صاعد بن مُحَمَّد فِي كتاب الِاعْتِقَاد عَن أبي يُوسُف عَن الإِمَام أبي حنيفَة رَحمَه الله تَعَالَى من قَوْله
فَائِدَة قَالَ الإِمَام أَبُو مَنْصُور عبد القاهر بن طَاهِر التَّمِيمِي الْبَغْدَادِيّ الْمُتَوفَّى سنة ٤٢٩ فِي كِتَابه الْعَظِيم (أصُول الدّين) مَا يَلِي
الْمَسْأَلَة الْعَاشِرَة فِي تَرْتِيب أَئِمَّة الدّين فِي علم الْكَلَام
أول متكلمي أهل السّنة من الصَّحَابَة عَليّ بن أبي طَالب لمناظرته الْخَوَارِج فِي مسَائِل الْوَعْد والوعيد ومناظرته الْقَدَرِيَّة فِي الْقدر وَالْقَضَاء والمشيئة والاستطاعة ثمَّ عبد الله ابْن عمر فِي كَلَامه على الْقَدَرِيَّة وبراءته مِنْهُم وَمن زعيمهم الْمَعْرُوف بمعبد الجهمي وَادعت الْقَدَرِيَّة أَن عليا كَانَ مِنْهُم وَزَعَمُوا أَن زعيمهم وَاصل بن عَطاء المعتزلي أَخذ مذْهبه من مُحَمَّد وَعبد الله ابْني عَليّ ﵁ وَهَذَا من بهتهم وَمن الْعَجَائِب أَن يكون ابْنا عَليّ قد علما واصلا رد شَهَادَة عَليّ وَطَلْحَة وَالشَّكّ فِي عَدَالَة عَليّ أفتراهما علماه إبِْطَال شَفَاعَة عَليّ شَفَاعَة صهر الْمُصْطَفى ﷺ
وَأول متكلمي أهل السّنة من التَّابِعين عمر بن عبد الْعَزِيز وَله رِسَالَة بليغة فِي الرَّد على الْقَدَرِيَّة ثمَّ زيد بن عَليّ بن الْحُسَيْن بن عَليّ بن أبي طَالب وَله كتاب فِي الرَّد على الْقَدَرِيَّة من الْقُرْآن ثمَّ الْحسن الْبَصْرِيّ وَقد ادَّعَتْهُ الْقَدَرِيَّة فَكيف يَصح لَهَا هَذِه الدَّعْوَى مَعَ رسَالَته إِلَى عمر بن عبد الْعَزِيز فِي ذمّ الْقَدَرِيَّة وَمَعَ طرده واصلا عَن مَجْلِسه عِنْد إِظْهَاره بدعته ثمَّ الشّعبِيّ وَكَانَ من أَشد النَّاس على الْقَدَرِيَّة ثمَّ الزُّهْرِيّ وَهُوَ الَّذِي أفتى عبد الْملك بن مَرْوَان بدماء الْقَدَرِيَّة
وَمن بعد هَذِه الطَّبَقَة جَعْفَر بن مُحَمَّد الصَّادِق وَله كتاب فِي الرَّد على الْقَدَرِيَّة وَكتاب فِي الرَّد على الْخَوَارِج ورسالة فِي الرَّد على الغلاة من الروافض وَهُوَ الَّذِي قَالَ أَرَادَت الْمُعْتَزلَة أَن توَحد رَبهَا فألحدت وأرادت التَّعْدِيل فنسبت الْبُخْل إِلَى رَبهَا
стр. 16
وَأول متكلميهم من الْفُقَهَاء وأرباب الْمذَاهب أَبُو حنيفَة وَالشَّافِعِيّ فَإِن ابا حنيفَة لَهُ كتاب فِي الرَّد على الْقَدَرِيَّة سَمَّاهُ الْفِقْه الْأَكْبَر وَله رِسَالَة أملاها فِي نصْرَة قَول أهل السّنة إِن الإستطاعة مَعَ الْفِعْل وَلكنه قَالَ إِنَّهَا تصلح للضدين وعَلى هَذَا قوم من أَصْحَابنَا وَقَالَ صَاحبه أَبُو يُوسُف فِي الْمُعْتَزلَة إِنَّهُم زنادقة وَللشَّافِعِيّ كِتَابَانِ فِي الْكَلَام أَحدهمَا فِي تَصْحِيح النُّبُوَّة وَالرَّدّ على البراهمة، وَالثَّانِي فِي الرَّد على أهل الْأَهْوَاء وَذكر طرفا من هَذَا النَّوْع فِي كتاب الْقيَاس وَأَشَارَ فِيهِ إِلَى رُجُوعه عَن قبُول شَهَادَة الْمُعْتَزلَة وَأهل الْأَهْوَاء
فَأَما المريسي من اصحاب أبي حنيفَة فَإِنَّمَا وَافق الْمُعْتَزلَة فِي خلق الْقُرْآن وأكفرهم فِي خلق الْأَفْعَال ثمَّ من بعد الشَّافِعِي تلامذته الجامعون بَين الْفِقْه وَالْكَلَام كالحارث ابْن أَسد المحاسبي وَأبي عَليّ الْكَرَابِيسِي وحرملة الْبُوَيْطِيّ وَدَاوُد الْأَصْبَهَانِيّ وعَلى كتاب الْكَرَابِيسِي فِي المقالات معول الْمُتَكَلِّمين فِي معرفَة مَذَاهِب الْخَوَارِج وَسَائِر أهل الْأَهْوَاء وعَلى كتبه فِي الشُّرُوط وَفِي علل الحَدِيث وَالْجرْح وَالتَّعْدِيل معول الْفُقَهَاء وحفاظ الحَدِيث وعَلى كتب الْحَارِث بن أَسد فِي الْكَلَام وَالْفِقْه والْحَدِيث معول متكلمي أَصْحَابنَا وفقهائهم وصوفيتهم
ولداود صَاحب الظَّاهِر كتب كَثِيرَة فِي أصُول الدّين مَعَ كَثْرَة كتبه فِي الْفِقْه وَابْنه أَبُو بكر جَامع بَين الْفِقْه وَالْكَلَام وَالْأُصُول وَالْأَدب وَالشعر
وَكَانَ أَبُو الْعَبَّاس بن شُرَيْح أنزع الْجَمَاعَة فِي هَذِه الْعُلُوم وَله نقض كتاب الجاروف على الْقَائِلين بتكافؤ الْأَدِلَّة وَهُوَ أشْبع من نقض ابْن الراوندي عَلَيْهِم فَأَما تصانيفه فِي الْفِقْه فَالله يحصيها
وَمن متكلمي أهل السّنة فِي أَيَّام الْمَأْمُون عبد الله بن سعيد التَّمِيمِي الَّذِي دمر علم الْمُعْتَزلَة فِي مجْلِس الْمَأْمُون وَفَضَحَهُمْ ببيانه وآثار بَيَانه فِي كتبه وَهُوَ أَخُو يحيى بن سعيد الْقطَّان وَارِث علم الحَدِيث وَصَاحب الْجرْح وَالتَّعْدِيل وَمن تلامذة عبد الله بن
стр. 17
سعيد عبد الْعَزِيز الْمَكِّيّ الْكِنَانِي الَّذِي فَضَح الْمُعْتَزلَة فِي مجْلِس الْمَأْمُون
وتلميذه الْحُسَيْن بن فضل البَجلِيّ صَاحب الْكَلَام وَالْأُصُول وَصَاحب التَّفْسِير والتأويل وعَلى نكته فِي الْقُرْآن معول الْمُفَسّرين وَهُوَ الَّذِي استصحبه عبد الله بن طَاهِر وَالِي خُرَاسَان إِلَى خُرَاسَان فَقَالَ النَّاس إِنَّه قد أخرج علم الْعرَاق كُله إِلَى خُرَاسَان
وَمن تلامذة عبد الله بن سعيد أَيْضا الْجُنَيْد شيخ الصُّوفِيَّة وَإِمَام الْمُوَحِّدين وَله فِي التَّوْحِيد رِسَالَة على شَرط الْمُتَكَلِّمين وَعبارَة الصُّوفِيَّة
ثمَّ بعْدهَا شيخ النّظر وَإِمَام الْآفَاق فِي الجدل وَالتَّحْقِيق أَبُو الْحسن عَليّ بن إِسْمَاعِيل الْأَشْعَرِيّ الَّذِي صَار شجا فِي حلوق الْقَدَرِيَّة والنجارية والجهمية والجسمية وَالرَّوَافِض والخوارج وَقد مَلأ الدُّنْيَا كتبه وَمَا رزق أحد من الْمُتَكَلِّمين من التبع مَا قد رزق لِأَنَّهُ جَمِيع أهل الحَدِيث وكل من لم يتعزل من أهل الرَّأْي على مذْهبه وَمن تلامذته الْمَشْهُورين أَبُو الْحسن الْبَاهِلِيّ وَأَبُو عبد الله بن مُجَاهِد وهما اللَّذَان أثمرا تلامذة هم إِلَى الْيَوْم شموس الزَّمَان وأثمة الْعَصْر كَأبي بكر مُحَمَّد بن الطّيب قَاضِي قُضَاة الْعرَاق والجزيرة وَفَارِس وكرمان وَسَائِر حُدُود هَذِه النواحي وَأبي بكر مُحَمَّد بن الْحُسَيْن بن فورك وَأبي إِسْحَاق إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد المهراني وقبلهم أَبُو الْحسن عَليّ بن مهْدي الطَّبَرِيّ صَاحب الْفِقْه وَالْكَلَام وَالْأُصُول وَالْأَدب والنحو والْحَدِيث وَمن آثاره تلميذ مثل أبي عبد الله بن الْحُسَيْن بن مُحَمَّد البزازي صَاحب الجدل والتصانيف فِي كل بَاب من الْكَلَام
وَقبل هَذِه الطَّبَقَة شيخ الْعُلُوم على الْخُصُوص والعموم أَبُو عَليّ الثَّقَفِيّ وَفِي زَمَانه كَانَ
стр. 18
إِمَام أهل السّنة ابو الْعَبَّاس القلانسي الَّذِي زَادَت تصانيفه فِي الْكَلَام على مائَة وَخمسين كتابا وتصانيف الثَّقَفِيّ ونقوضه على أهل الْأَهْوَاء زَائِدَة على مائَة كتاب
وَقد أدركنا مِنْهُم فِي عصرنا أَبَا عبد الله بن مُحَمَّد وَمُحَمّد بن الطّيب قَاضِي الْقُضَاة وَمُحَمّد بن الْحُسَيْن بن فورك وَإِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد المهراني وَالْحُسَيْن بن مُحَمَّد البزازي وَعلي منوال هَؤُلَاءِ الَّذين أدركناهم شَيخنَا وَهُوَ لإحياء الْحق كل وعَلى أعدائه غل
وَقَالَ الْعِزّ بن عبد السَّلَام عبد الْعَزِيز عِنْد حَدِيث قلب الْمُؤمن بَين أصبعين من أَصَابِع الرَّحْمَن إِن لله مستول عَلَيْهِ بقدرته وتصريفه كَيفَ يَشَاء من كفر وإيمان ... إِلَى أَن قَالَ وَلَيْسَ الْكَلَام فِي هَذَا بِدعَة قبيحة وَإِنَّمَا الْكَلَام فِيهِ بِدعَة حَسَنَة وَاجِبَة لما ظَهرت الشُّبْهَة وَإِنَّمَا سكت السّلف عَن الْكَلَام فِيهِ إِذْ لم يكن فِي عصرهم من يحمل كَلَام الله وَكَلَام رَسُوله على مَالا يجوز حمله وَلَو ظَهرت فِي عصرهم شُبْهَة لكذبوهم وأنكروا عَلَيْهِم غَايَة الْإِنْكَار فقد رد الصَّحَابَة وَالسَّلَف على الْقَدَرِيَّة لما أظهرُوا بدعتهم وَلم يَكُونُوا قبل ظُهُورهمْ يَتَكَلَّمُونَ فِي ذَلِك وَلَا يردون على قَائِله وَلَا نقل عَن أحد من الصَّحَابَة شَيْء من ذَلِك إِذْ لَا تَدْعُو الْحَاجة إِلَيْهِ ... وَالله أعلم الفتاوي لَهُ ص ٥٦
стр. 19
فصل
افْتِرَاق أمة رَسُول الله ﷺ
وَكَانَ مَا لَا بُد أَن يكون وَوَقع مَا قدر الله تَعَالَى وُقُوعه وقضاه وَهُوَ أَن تفترق أمة رَسُول الله ﷺ إِلَى ثَلَاث وَسبعين فرقة كلهَا فِي النَّار إِلَّا وَاحِدَة وَهِي الَّتِي كَانَ عَلَيْهَا رَسُول الله ﷺ وصحابته ﵃
ونجد أَخْبَار تِلْكَ الْفرق فِي كتاب الإِمَام أبي الْحسن الْأَشْعَرِيّ مقالات الإسلاميين وَكتاب الإِمَام عبد القاهر الْبَغْدَادِيّ الْفرق بَين الْفرق والفصل فِي الْملَل والأهواء والنحل لِابْنِ حزم والملل والنحل للشهرستاني وَغَيرهَا
وَالَّذِي ندير فِيهِ الحَدِيث هُنَا أَن تِلْكَ الْفرق يُمكن بِشَيْء من التمحل والتنزل أَن تجْعَل طرفين حادين وهما منحرفان ووسط هُوَ الْعدْل وَالْحق
الطرفان أَحدهمَا المشبهة والمجسمة الَّذين يشبهون الله تَعَالَى بخلقه وَيدعونَ أَنه جسم كالأجسام أَولا كالأجسام
وَالثَّانِي المعطلة ونعني بهم هُنَا الَّذين يعطلون الله تَعَالَى فينفون عَنهُ صِفَات وينسبون إِلَيْهِ النَّقْص وَمِنْهُم طَائِفَة متعقلون يجْعَلُونَ الْعقل حكما وحاكما يردون بعض نُصُوص الْقُرْآن الْكَرِيم وَالسّنة الصَّحِيحَة المثبتة لصفات الله تَعَالَى بعقولهم وأفكارهم
وَالْوسط السَّلِيم الْمُسْتَقيم يُؤمن بِاللَّه تَعَالَى وَصِفَاته جَمِيعهَا وينزهه سُبْحَانَهُ عَن المشابهة والجسمية وَيثبت لله تَعَالَى من الصِّفَات مَا أثْبته لنَفسِهِ وأثبته لَهُ رَسُول الله ﷺ وَهَذَا هُوَ الَّذِي بعث رَسُول الله ﷺ بِهِ وَعلم أَصْحَابه إِيَّاه وَهُوَ الَّذِي خلف عَلَيْهَا أَصْحَابه ثمَّ
стр. 20
خِيَار التَّابِعين وَالْعُلَمَاء الفاقهين وَمِنْهُم الْأَئِمَّة الْأَرْبَعَة ومدارسهم وأمثالهم من الْعلمَاء الصَّالِحين فِي زمانهم وَبعد زمانهم وَهُوَ وسط صَحِيح حق بَاقٍ إِلَى قرب قيام السَّاعَة بِإِذن الله تَعَالَى والساعة لَا تقوم وَفِي النَّاس مَا يَقُول الله الله كَمَا جَاءَ فِي صَحِيح مُسلم
وكما قيض الله تَعَالَى للْجمع بَين طرفِي الرَّأْي وَالنَّص نَاصِر السّنة الإِمَام مُحَمَّد بن إِدْرِيس الشَّافِعِي رَحمَه الله تَعَالَى، فِيمَا سمي فِي كتب الْأُصُول بالتوفيق بَين أهل الرَّأْي وَأهل الحَدِيث فقد قيض الله تَعَالَى نَاصِر السّنة الإِمَام أَبَا الْحسن الْأَشْعَرِيّ لإِظْهَار سلوك الْوسط السَّلِيم الْمُسْتَقيم وَذَلِكَ برد المعطلة من الْمَلَاحِدَة ونفاة الصِّفَات من جِهَة والمشبهة والمجسمة من جِهَة أُخْرَى إِلَى الجادة الْوسط فَأثْبت رُؤْيَة الْمُؤمنِينَ لله تَعَالَى فِي الْجنَّة جعلنَا الله مِنْهُم وَمَعَهُمْ وَنفى التَّشْبِيه والكيفية وَأثبت كَلَام الله تَعَالَى وَقَالَ إِن كَلَام الله تَعَالَى غير مَخْلُوق وَإِن فعل العَبْد فِي الْقُرْآن من الْقِرَاءَة وَالْكِتَابَة مَخْلُوق وَأثبت سَائِر صِفَات الله تَعَالَى مَعَ التَّنْزِيه عَن المشابهة لأحد من خلقه أَو مشابهة أحد من خلقه لَهُ سُبْحَانَهُ وأمثال ذَلِك كثير
وَلَقَد جمع الله تَعَالَى جُمْهُور الْمُسلمين على توجهه وتوجيهه فَكَانَ رَحمَه الله تَعَالَى آيَة من آيَات الله وَحجَّة من حججه على خلقه قَالَ ابْن حجر الهيثمي رَحمَه الله تَعَالَى نسب علم الْكَلَام إِلَى الْأَشْعَرِيّ لِأَنَّهُ جمع مناهج الْأَوَّلين ولخص موارد الْبَرَاهِين وَلم يحدث فِيهِ بعد السّلف إِلَّا مُجَرّد الألقاب والإصطلاحات وَقد حدث ذَلِك فِي كل فن من فنون الْعلم
وَلَقَد كتب رَحمَه الله تَعَالَى فِي بَيَان الطَّرِيق الْوسط التآليف العديدة مِنْهَا مَا هِيَ صَحَائِف وَمِنْهَا مَا هِيَ أَجزَاء ومجلدات وَحين خرج من الدُّنْيَا كَانَ قد خلف أَكثر من مائَة وَخمسين كتابا فِي بَيَان عقيدة أهل السّنة وَالْجَمَاعَة ورد وَإِبْطَال مَا سواهَا وَالْحَمْد لله
وَحقّ أَن يُقَال فِيهِ مَا ذكره ابْن خلكان أَنه نُودي يَوْم وَفَاة الْأَشْعَرِيّ الْيَوْم مَاتَ
стр. 21
نَاصِر السّنة رَحمَه الله تَعَالَى وَرَضي الله عَنهُ وأرضاه وَكَانَ ذَلِك سنة ٣٢٣
الطّرف الأول المشبهة والمجسمة
وهم الَّذين نسبوا الله تَعَالَى إِلَى الجسمية وأسندوا إِلَيْهِ سُبْحَانَهُ كثيرا مِمَّا يسند إِلَى الْجِسْم معَاذ الله
وَقد نقل الإِمَام أَبُو الْحسن الْأَشْعَرِيّ فِي كِتَابه الشَّامِل مقالات الإسلاميين عَن بَعضهم كلَاما فِي حق الله تَعَالَى رُبمَا دلّ على التنقيص والاستهزاء بِاللَّه تَعَالَى فضلا عَن التجسيم وَلَا صلَة لَهُ بِالْعلمِ وَلَا بِالدَّلِيلِ فَقَالَ رَحمَه الله تَعَالَى وَاخْتلفت الروافض أَصْحَاب الْإِمَامَة فِي التجسيم وهم سِتّ فرق فالفرقة الأولى الهشامية أَصْحَاب هِشَام بن الحكم الرافضي يَزْعمُونَ أَن معبودهم جسم وَله نِهَايَة وحد طَوِيل عريض عميق طوله مثل عرضه وَعرضه مثل عمقه لَا يُوفى بعضه على بعض ص ٣١ وَذكر أَبُو الْهُذيْل فِي بعض كتبه أَن هِشَام بن الحكم قَالَ لَهُ إِن ربه جسم ذَاهِب جَاءَ فيتحرك تَارَة ويسكن أُخْرَى وَيقْعد مرّة وَيقوم أُخْرَى وَإنَّهُ طَوِيل عريض عميق لِأَن مالم يكن كَذَلِك دخل فِي حد التلاشي قَالَ فَقلت لَهُ إيما أعظم إلهك أم هَذَا الْجَبَل وأومأت إِلَى أبي قبيس جبل بِمَكَّة المكرمة قَالَ فَقَالَ إِن هَذَا الْجَبَل يُوفي عَلَيْهِ أَي هُوَ أعظم مِنْهُ
وَذكر ايضا ابْن الراوندي أَن هِشَام بن الحكم كَانَ يَقُول إِن بَين إلهه وَبَين الْأَجْسَام الْمُشَاهدَة تشابها من جِهَة من الْجِهَات وَلَوْلَا ذَلِك مَا دلّت عَلَيْهِ ص ٣٢ وَزعم الْوراق أَن بعض أَصْحَاب هِشَام أَجَابَهُ مرّة أَن الله على الْعَرْش مماس لَهُ وَأَنه لَا يفضل عَن الْعَرْش وَلَا يفضل الْعَرْش عَنهُ ص ٣٣
وَقَالَ الذَّهَبِيّ رَحمَه الله تَعَالَى فِي تَرْجَمَة أبي عَامر الْعَبدَرِي مُحَمَّد بن سعدون قَالَ ابْن عَسَاكِر بَلغنِي أَنه أَي الْعَبدَرِي قَالَ إِن أهل الْبدع يَعْنِي أهل السّنة يحتجون بقوله تَعَالَى لَيْسَ كمثله شَيْء أَي فِي الإلهية فَأَما الصُّورَة فمثلنا ثمَّ يحْتَج بقوله تَعَالَى ﴿لستن كَأحد من النِّسَاء إِن اتقيتن﴾ أَي فِي الْحُرْمَة العبر فِي خبر من غبر
وَزعم بَيَان بن سمْعَان التَّمِيمِي أَن معنى قَوْله تَعَالَى (كل شَيْء هَالك إِلَّا وَجهه) أَن
стр. 22
الله تَعَالَى يُدْرِكهُ الْهَلَاك وَأَنه لَا يبْقى مِنْهُ إِلَّا وَجهه وَلَا حول وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
وَأكْثر مَا أُتِي هَؤُلَاءِ كَانَ من
١ - غفلتهم عَن تَنْزِيه الله تَعَالَى عَن مشابهة الْخلق ومشابهة أحد من الْخلق لَهُ سُبْحَانَهُ كَمَا قَالَ ﷻ لَيْسَ كمثله شَيْء وَهُوَ السَّمِيع الْبَصِير ﴿قل هُوَ الله أحد الله الصَّمد لم يلد وَلم يُولد وَلم يكن لَهُ كفوا أحد﴾ وَأَن مَا نسب الله تَعَالَى إِلَى نَفسه من صِفَات وأفعال فَإِنَّمَا هِيَ على وفْق مُرَاده سُبْحَانَهُ فَإِن كَانَ الْعباد يجهلون حَقِيقَة ذَات الله تَعَالَى فأحر بهم أَن يجهلوا صِفَاته فَعَلَيْهِم أَن يُؤمنُوا ويسلموا ويسكتوا لكِنهمْ غفلوا فشبهوا الْخَالِق بخلقه حَتَّى جِسْمه بَعضهم كَمَا رَأينَا.
٢ - وَكَانَ من جِهَة بعض النُّصُوص المكذوبة على رَسُول الله ﷺ مثل
- إِذا كَانَ يَوْم الْجُمُعَة ينزل الله تَعَالَى بَين الآذان وَالْإِقَامَة عَلَيْهِ رِدَاء مَكْتُوب عَلَيْهِ إِنَّنِي أَنا الله لَا إِلَه إِلَّا أَنا يقف فِي قبْلَة كل مصل مُقبلا عَلَيْهِ إِلَى أَن يفرغ من صلَاته لَا يسْأَل الله عبد تِلْكَ السَّاعَة شَيْئا إِلَّا أعطَاهُ إِيَّاه فَإِذا سلم إلامام فِي صلَاته صعد إِلَى السَّمَاء رَوَاهُ ابْن عَسَاكِر من حَدِيث أنس من طَرِيق أبي عَليّ الْأَهْوَازِي وَهُوَ الْمُتَّهم بِهِ
- رَأَيْت رَبِّي بمنى يَوْم النَّفر على جمل أَوْرَق عَلَيْهِ جُبَّة صوف أَمَام النَّاس أبن عَسَاكِر من حَدِيث لَقِيط بن عَامر من طَرِيق الْأَهْوَازِي أَيْضا وَقَالَ فِيهِ وَفِي الَّذِي قبله كتبهما الْخَطِيب عَن الْأَهْوَازِي تَعَجبا من نكارتهما وهما باطلان
- إِذا أَرَادَ الله أَن ينزل إِلَى السَّمَاء الدُّنْيَا ينزل عَن عَرْشه بِذَاتِهِ أَبُو نعيم فِي التَّارِيخ من حَدِيث أنس عَن طَرِيق مُحَمَّد بن عِيسَى الطرسوسي عَن نعيم بن حَمَّاد عَن جرير عَن اللَّيْث بن أبي سليم عَن بشر عَن أنس ونعيم يَأْتِي بالطامات فَلَا يدْرِي الْبلَاء مِنْهُ أَو من الطرسوسي قلت قَالَ الذَّهَبِيّ فِي كتاب الْعَرْش وَبشر لَا يدْرِي من هُوَ وَلَعَلَّ هَذَا مَوْضُوع
стр. 23
- وروى عبيد بن حنين قَالَ بَيْنَمَا أَنا جَالس فِي الْمَسْجِد إِذْ جَاءَ قَتَادَة بن النُّعْمَان فَجَلَسَ يتحدث ثمَّ قَالَ أَن انْطلق بِنَا إِلَى أبي سعيد الْخُدْرِيّ فَإِنَّهُ قد أخْبرت أَنه اشْتَكَى فَانْطَلَقْنَا حَتَّى دَخَلنَا على أبي سعيد فوجدناه مُسْتَلْقِيا وَاضِعا رجله الْيُمْنَى على الْيُسْرَى فسلمنا عَلَيْهِ وَجَلَسْنَا فَرفع قَتَادَة يَده إِلَى رجل أبي سعيد الْخُدْرِيّ وقرصها قرصة شَدِيدَة فَقَالَ أَبُو سعيد سُبْحَانَ الله يَا ابْن آدم أوجعتني قَالَ ذَلِك أردْت لِأَن الله تَعَالَى لما قضى خلقه اسْتلْقى ثمَّ وضع إِحْدَى رجلَيْهِ على الْأُخْرَى ثمَّ قَالَ لَا يَنْبَغِي لأحد من خلقي أَن يفعل هَذَا قَالَ أَبُو سعيد لَا جرم لَا أَفعلهُ أبدا رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ فِي الْأَسْمَاء وَالصِّفَات ثمَّ قَالَ هَذَا // حَدِيث مُنكر // وَفِيه فليح بن سُلَيْمَان لَا يحْتَج بحَديثه قَالَ عبد الله بن أَحْمد بن حَنْبَل مَا رَأَيْت هَذَا الحَدِيث فِي دواوين الشَّرِيعَة الْمُعْتَمد عَلَيْهَا وَعبيد بن حنين قَالَ فِيهِ البُخَارِيّ لَا يَصح حَدِيثه وَفِي الحَدِيث عِلّة أُخْرَى وَهِي أَن قَتَادَة بن النُّعْمَان مَاتَ فِي خلَافَة عمر ﵁ وَعبيد بن حنين مَاتَ سنة خمس وَمِائَة وَله خمس وَسَبْعُونَ سنة فِي قَول الْوَاقِدِيّ فَتكون رِوَايَته عَن قَتَادَة بن النُّعْمَان مُنْقَطِعَة قَالَ الإِمَام أَحْمد ثمَّ لَو صَحَّ طَرِيقه احْتمل أَن يكون رَسُول الله ﷺ حدث بِهِ عَن بعض أهل الْكتاب من طَرِيق الْإِنْكَار عَلَيْهِم فَلم يفهم قَتَادَة إِنْكَاره
قلت يرحم الله أَحْمد بن حَنْبَل مَا كَانَ أعظم عقله وَهُوَ يقرا وَيسمع حَدِيث رَسُول الله ﷺ فَلم يكن حَاطِب ليل لَا يَقُول بِكُل مَا يقْرَأ وَيسمع من الحَدِيث حَتَّى يعرضه على الْأُصُول
وَلَقَد ثَبت فِي البُخَارِيّ عَن عباد بن تَمِيم عَن عَمه أَنه رأى النَّبِي ﷺ مُسْتَلْقِيا فِي الْمَسْجِد وَاضِعا إِحْدَى رجلَيْهِ على الْأُخْرَى // صَحِيح البُخَارِيّ // كتاب الصَّلَاة واللباس وَمُسلم فِي اللبَاس وَأَبُو دَاوُد فِي الْأَدَب
وَقَالَ الإِمَام الْقُرْطُبِيّ رَحمَه الله تَعَالَى فِي تَفْسِيره عِنْد قَوْله تَعَالَى ﴿وَلَقَد خلقنَا السَّمَاوَات وَالْأَرْض وَمَا بَينهمَا فِي سِتَّة أَيَّام وَمَا مسنا من لغوب﴾ ق ٣٨ مَا نَصه قَالَ قَتَادَة والكلبي هَذِه الْآيَة نزلت فِي يهود الْمَدِينَة زَعَمُوا أَن الله تَعَالَى خلق السَّمَوَات وَالْأَرْض فِي سِتَّة أَيَّام أَولهَا الْأَحَد وَآخِرهَا يَوْم الْجُمُعَة واستراح يَوْم السبت فجعلوه
стр. 24
يَوْم رَاحَة فأكذبهم الله تَعَالَى فِي ذَلِك
قَالَ الْحَافِظ أَبُو الْفرج بن الْجَوْزِيّ بَاب ذكر الْأَحَادِيث الَّتِي سَموهَا أَخْبَار الصِّفَات
الحَدِيث التَّاسِع وَالثَّلَاثُونَ من سِتِّينَ حَدِيثا رُوِيَ عَن عَائِشَة ﵂ قَالَت سُئِلَ رَسُول الله ﷺ عَن الْمقَام الْمَحْمُود فَقَالَ ﷺ وَعَدَني رَبِّي بالقعود على الْعَرْش هَذَا حَدِيث لَا يَصح عَن رَسُول الله وَقَالَ ابْن عمر ﴿وَإِن لَهُ عندنَا لزلفى وَحسن مآب﴾ قَالَ ذكر الدنو مِنْهُ حَتَّى يمس بعضه وَهَذَا كذب على ابْن عمر
قلت هَذَا الْخَبَر وَقَول مُجَاهِد وَسَيَأْتِي ذكره ذكره الذَّهَبِيّ فِي الْعُلُوّ وانْتهى فِيهِ بعد الْكَلَام الطَّوِيل إِلَى تَقْرِير أَنه بَاطِل وَكَذَا فعل مُخْتَصره السلَفِي مُحَمَّد نَاصِر الدّين الألباني وَالْحَمْد لله
قلت وَكَانَ الإِمَام مُحَمَّد زاهد الكوثري رَحمَه الله تَعَالَى قد سبق السلَفِي مُحَمَّد نَاصِر الدّين إِلَى الحكم بِوَضْع الأبيات الْمَذْكُورَة مَعَ خبر مُجَاهِد وتنسب إِلَى الإِمَام الدَّارَقُطْنِيّ فِي الإقعاد وافترائها عَلَيْهِ رَحمَه الله تَعَالَى والأبيات المفتراة هِيَ
(حَدِيث الشَّفَاعَة عَن أَحْمد ... إِلَى أَحْمد الْمُصْطَفى مُسْنده)
(وَجَاء الحَدِيث بإقعاده ... على الْعَرْش أَيْضا فَلَا نجحده)
(أمروا الحَدِيث على وَجهه ... وَلَا تدْخلُوا فِيهِ مَا يُفْسِدهُ)
(وَلَا تنكروا أَنه قَاعد ... ولاتنكروا أَنه يقعده)
وَقد نَسَبهَا ابْن الْقيم فِي كِتَابه بَدَائِع الْفَوَائِد إِلَى الدَّارَقُطْنِيّ وَلم يذكر بطلَان تِلْكَ النِّسْبَة وَكَذَلِكَ فعل صَاحب كتاب مفاهيم يجب أَن تصحح قَالَ الإِمَام الْقُرْطُبِيّ عِنْد تَفْسِير قَوْله تَعَالَى ﴿عَسى أَن يَبْعَثك رَبك مقَاما مَحْمُودًا﴾ الْإِسْرَاء ٧٩ اختف فِي الْمقَام الْمَحْمُود على اربعة أَقْوَال الأول وَهُوَ أَصَحهَا الشَّفَاعَة للنَّاس يَوْم الْقِيَامَة قَالَه حُذَيْفَة بن الْيَمَان وَفِي البُخَارِيّ عَن ابْن عمر ﵄ قَالَ إِن
стр. 25
النَّاس يصيرون يَوْم الْقِيَامَة جثا جماعات أمة تتبع نبيها تَقول يَا فلَان اشفع حَتَّى تَنْتَهِي الشَّفَاعَة إِلَى النَّبِي ﷺ فَذَلِك يَوْم يَبْعَثهُ الله الْمقَام الْمَحْمُود وَذكر الْقُرْطُبِيّ خمس شفاعات للنَّبِي ﷺ ثمَّ قَالَ القَوْل الثَّانِي إِن الْمقَام الْمَحْمُود إِعْطَاؤُهُ لِوَاء الْحَمد يَوْم الْقِيَامَة قلت وَهَذَا القَوْل لَا تنافر بَينه وَبَين الأول فَإِنَّهُ يكون بِيَدِهِ لِوَاء الْحَمد ويشفع روى التِّرْمِذِيّ عَن أبي سعيد قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ أَنا سيد ولد آدم يَوْم الْقِيَامَة وَلَا فَخر وَبِيَدِي لِوَاء الْحَمد وَلَا فَخر وَمَا من نَبِي يَوْمئِذٍ آدم فَمن سواهُ إِلَّا تَحت لِوَائِي الجديث
القَوْل الثَّالِث مَا حَكَاهُ الطَّبَرِيّ عَن فرقة مِنْهَا مُجَاهِد أَنَّهَا قَالَت الْمقَام الْمَحْمُود هُوَ أَن يجلس الله تَعَالَى مُحَمَّدًا ﷺ مَعَه على كرسيه وروت فِي ذَلِك حَدِيثا هُوَ حَدِيث عَائِشَة وَتقدم أَنه لَا يَصح وعضد الطَّبَرِيّ جَوَاز ذَلِك بشطط من القَوْل وَهُوَ لَا يخرج إِلَّا على تلطف فِي الْمَعْنى وَفِيه بعد وَلَا يُنكر مَعَ ذَلِك أَن يرْوى وَالْعلم يتأوله وَذكر النقاش عَن أبي دَاوُد السجسْتانِي أَنه قَالَ من أنكر هَذَا الحَدِيث فَهُوَ عندنَا مُتَّهم مَا زَالَ أهل الْعلم يتحدثون بِهَذَا من أنكر جَوَازه على تَأْوِيله قَالَ أَبُو عمر وَمُجاهد وَإِن كَانَ أحد الْأَئِمَّة يتَأَوَّل الْقُرْآن فَإِن لَهُ قَوْلَيْنِ مهجورين عِنْد أهل الْعلم أَحدهمَا هَذَا وَالثَّانِي فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى ﴿وُجُوه يَوْمئِذٍ ناضرة إِلَى رَبهَا ناظرة﴾ قَالَ تنْتَظر الثَّوَاب لَيْسَ من النّظر قلت ذكر هَذَا فِي بَاب ابْن شهَاب فِي حَدِيث التَّنْزِيل وَرُوِيَ عَن مُجَاهِد أَيْضا فِي هَذِه الْآيَة قَالَ يجلسه على الْعَرْش وَهَذَا تَأْوِيل غير مُسْتَحِيل لِأَن الله تَعَالَى كَانَ قبل خلقه الْأَشْيَاء كلهَا وَالْعرش قَائِما بِذَاتِهِ ثمَّ خلق الْأَشْيَاء من غير حَاجَة إِلَيْهَا بل إِظْهَارًا لقدرته وحكمته وليعرف وجوده وتوحيده وَكَمَال قدرته وَعلمه بِكُل أَفعاله المحكمة وَخلق لنَفسِهِ عرشا اسْتَوَى عَلَيْهِ كَمَا شَاءَ من غير أَن صَار مماسا لَهُ أَو كَانَ الْعَرْش لَهُ مَكَانا قيل هُوَ الْآن على الصّفة الَّتِي كَانَ عَلَيْهَا من قبل أَن يخلق الْمَكَان وَالزَّمَان فعلى هَذَا القَوْل سَوَاء فِي الْجَوَاز أقعد مُحَمَّد على الْعَرْش أَو على الأَرْض لِأَن اسْتِوَاء الله تَعَالَى على الْعَرْش لَيْسَ بِمَعْنى الِانْتِقَال والزوال وتحويل الْأَحْوَال من الْقيام وَالْقعُود وَالْحَال الَّتِي تشغل الْعَرْش بل هُوَ مستو على عَرْشه كَمَا أخبر
стр. 26
عَن نَفسه بِلَا كَيفَ وَلَيْسَ إقعاده مُحَمَّدًا ﷺ مُوجبا لَهُ صفة الربوبية أَو مخرجا لَهُ عَن صفة الْعُبُودِيَّة بل هُوَ رفع لمحله وتشريف لَهُ على خلقه وَأما قَوْله فِي الْأَخْبَار مَعَه فَهُوَ بِمَنْزِلَة قَوْله ﴿إِن الَّذين عِنْد رَبك﴾ آخر الْأَعْرَاف و ﴿رب ابْن لي عنْدك بَيْتا فِي الْجنَّة﴾ التَّحْرِيم ١١ و ﴿وَإِن الله لمع الْمُحْسِنِينَ﴾ آخر العنكبوت وَنَحْو ذَلِك كل ذَلِك عَائِد إِلَى الرُّتْبَة والمنزلة والحظوة والدرجة الرفيعة لَا إِلَى الْمَكَان
أَقُول إِنَّمَا نقلت كَلَام الْقُرْطُبِيّ على طوله فِيمَا نقل عَن مُجَاهِد مَعَ أَنه مَبْنِيّ على أصل بَاطِل لَا يَصح ويعارض الصَّحِيح من الحَدِيث وَقد بلغ التَّوَاتُر الْمَعْنَوِيّ من أجل أَن يُقَاس عَلَيْهِ فِيمَا يَصح مِمَّا يجب تَأْوِيله تَنْزِيها لله تَعَالَى عَن مشابهة الْخلق وَذكر السُّيُوطِيّ فِي كِتَابه تحذير الْخَواص من أَحَادِيث الْقصاص تَحْقِيق الدكتور مُحَمَّد الصَّباح أَن الإِمَام الطَّبَرِيّ بلغه أَن قَاصا جلس فِي بَغْدَاد فروى فِي تَفْسِير قَوْله تَعَالَى ﴿عَسى أَن يَبْعَثك رَبك مقَاما مَحْمُودًا﴾ أَنه يجلسه على عَرْشه فَلَمَّا بلغه ذَلِك احتد على ذَلِك وَبَالغ فِي إِنْكَاره وَقَالَ إِن حَدِيث الْجُلُوس على الْعَرْش محَال ثمَّ أنْشد
(سُبْحَانَ من لَيْسَ لَهُ أنيس ... وَلَا لَهُ فِي عَرْشه جليس)
والقصة على طرافتها ذكرهَا ياقوت الْحَمَوِيّ فِي مُعْجم الْبلدَانِ ١٨ - ٥٧ وَأَبُو حَيَّان فِي الْبَحْر الْمُحِيط ٦ \ ٧٢، ٧٣ ونعوذ بِاللَّه من الخذلان
قَالَ ابْن حزم الظَّاهِرِيّ ذهبت طَائِفَة إِلَى القَوْل بِأَن الله تَعَالَى جسم وحجتهم فِي ذَلِك أَنه لَا يقوم فِي الْمَعْقُول إِلَّا جسم أَو غَرَض فَلَمَّا بَطل أَن يكون تَعَالَى عرضا ثَبت أَنه جسم وَقَالُوا إِن الْفِعْل لَا يَصح إِلَّا من جسم وَإِن الْبَارِي تَعَالَى فَاعل فَوَجَبَ أَنه جسم فَأجَاب أما فَسَاد قَوْلهم إِنَّه لَا يقوم فِي الْمَعْقُول إِلَّا جسم أَو عرض فَإِنَّهَا قسْمَة نَاقِصَة وَإِنَّمَا الصَّوَاب أَنه لَا يُوجد فِي الْعَالم إِلَّا جسم أَو عرض وَكِلَاهُمَا يَقْتَضِي بطبيعته وجود مُحدث لَهُ فبالضرورة نعلم أَنه لَو كَانَ مُحدثا جسما أَو عرضا لَكَانَ يَقْتَضِي فَاعِلا فعله ولابد فَوَجَبَ بِالضَّرُورَةِ أَن فَاعل الْجِسْم وَالْعرض لَيْسَ جسما وَلَا عرضا وَهَذَا
стр. 27
برهَان يضْطَر إِلَيْهِ كل ذِي حس بضرورة الْعقل وَلَا بُد
وَأَيْضًا فَلَو كَانَ الْبَارِي تَعَالَى عَن إلحادهم جسما لاقتضى ذَلِك ضَرُورَة أَن يكون لَهُ زمَان وَمَكَان وهما غَيره وَهَذَا إبِْطَال التَّوْحِيد وَإِيجَاب الشّرك مَعَه تَعَالَى لشيئين سواهُ وَإِيجَاب أَشْيَاء مَعَه غير مخلوقة وَهَذَا كفر الْفَصْل فِي الْملَل والأهواء والنحل \ ٢
وَقَالَ أَبُو الْفضل التَّمِيمِي رَئِيس الْحَنَابِلَة بِبَغْدَاد أنكر أَحْمد من قَالَ بالجسم وَقَالَ إِن الْأَسْمَاء مَأْخُوذَة من الشَّرِيعَة واللغة وَأهل اللُّغَة وضعُوا هَذَا الِاسْم على ذِي طول وَعرض وسمك وتركيب وَصُورَة وتأليف وَالله سُبْحَانَهُ خَارج عَن ذَلِك وَلم يَجِيء فِي الشَّرِيعَة ذَلِك فَبَطل نَقله الْبَيْهَقِيّ فِي مَنَاقِب الإِمَام أَحْمد ص ٤٢
وَقَالَ عبد القاهر الْبَغْدَادِيّ رَحمَه الله تَعَالَى الْمَسْأَلَة الْحَادِيَة عشرَة من هَذَا الْفَصْل فِي حكم المجسمة والمشبهة كل من شبه ربه بِصُورَة الْإِنْسَان من البيانية والمغيرية والجواربية والهشامية المنسوبة إِلَى هِشَام بن سَالم الجواليقي فَإِنَّمَا يعبد إنْسَانا مثله وَيكون حكمه فِي الذَّبِيحَة وَالنِّكَاح كَحكم عَبدة الْأَوْثَان فِيهَا وَكَذَلِكَ من زعم أَن بعض النَّاس إِلَه أَو أدعى حُلُول روح الْإِلَه فِيهِ على مَذْهَب الحلولية كَمَا قالته الخطابية فِي جَعْفَر الصَّادِق وكما قالته الزرامية فِي أبي مُسلم صَاحب دَعْوَة بني الْعَبَّاس وكما قالته المبيضة فِي الْمقنع فَهُوَ عَابِد وثن وَأما جسمية خُرَاسَان من الكرامية فتكفيرهم وَاجِب لقَولهم إِن الله تَعَالَى لَهُ حد وَنِهَايَة من جِهَة السّفل وَمِنْهَا يماس عَرْشه ولقولهم بِأَن الله تَعَالَى مَحل للحوادث وَإِنَّمَا يرى الشَّيْء بِرُؤْيَة تحدث فيهويدرك مَا يسمعهُ بِإِدْرَاك يحدث تَعَالَى الله عَمَّا يصفونَ وَلَوْلَا حُدُوث الْإِدْرَاك فِيهِ لم يكن مدْركا لصوت وَلَا لمرئي وَقد افسدوا بِإِجَازَة حُلُول الْحَوَادِث فِي ذَات الله تَعَالَى لأَنْفُسِهِمْ دلَالَة الْمُوَحِّدين على حُدُوث الْأَجْسَام بحلول الْحَوَادِث وَإِذا لم يَصح على أصولهم حُدُوث الْعَالم لم يكن لَهُم طَرِيق إِلَى معرفَة صانع الْعَالم فصاروا جاهلين بِهِ وَكَيف يحكم بإيمَانهمْ وهم يَقُولُونَ إِنَّه لَيْسَ فِي قلب أحد إِيمَان وَكَيف يكون مُؤمنا من يَقُول إِن إيمَانه كأيمان الْمُنَافِقين الْكَفَرَة باعتقاد الْكفْر وَسَائِر فرق الْأمة يكفرونهم وهم يرَوْنَ
стр. 28
جَمِيع فرق الْأمة من أهل الْجنَّة ويزعمون أَن أهل الْأَهْوَاء بعد الْعقَاب يصيرون إِلَى الْجنَّة وَلَا يَدُوم عقابهم وَجَمِيع مخالفيهم على أَنهم من أهل النَّار فصاروا من هَذِه الْجِهَة شَرّ الْفرق عِنْد الْأَئِمَّة
قَالَ ابْن حزم من قَالَ إِن الله تَعَالَى جسم لَا كالأجسام فَلَيْسَ مشبها وَلكنه ألحد فِي اسماء الله تَعَالَى إِذْ سَمَّاهُ بِمَا لم يسم بِهِ نَفسه وَأما من قَالَ إِنَّه تَعَالَى كالأجسام فَهُوَ ملحد فِي أَسْمَائِهِ ومشبه الْفَصْل فِي الْملَل والأهواء والنحل ١ / ١٢٠
وَقَالَ نعيم بن حَمَّاد أحد شُيُوخ البُخَارِيّ وَهُوَ صَدُوق يخطىء كثيرا من شبه الله تَعَالَى بخلقه كفر وَمن جحد مَا وصف الله نَفسه فقد كفر
الطّرف الثَّانِي: المعطلة
هم الَّذين زَعَمُوا أَن الله تَعَالَى لَا يُوصف بِمَا وصف بِهِ نَفسه فِي الْقُرْآن الْكَرِيم أَو وَصفه بِهِ رَسُوله مُحَمَّد ﷺ فِي صَحِيح السّنة وَأكْثر مَا ذكر هَذَا الزَّعْم الْبَاطِل عِنْد الْمُسَمّى جهم بن صَفْوَان وَقد قتل سنة ١٣٠ وَالْحَمْد لله بِسيف الْإِسْلَام وَقد انطفأت فتنته بعد قَتله بِقَلِيل وَأكْثر مَا نجد الاتهام بِهِ عِنْد بعض الْمُتَكَلِّمين بعد فَإِنَّمَا هُوَ نبز قَالَ الْأَشْعَرِيّ وَكَانَ جهم ينتحل الْأَمر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَن الْمُنكر وَقتل جهم قَتله سلم ابْن أحوز الْمَازِني فِي آخر ملك بني أُميَّة ويحكى أَنه كَانَ يَقُول لَا أَقُول الله سُبْحَانَهُ شَيْء لِأَن ذَلِك تَشْبِيه لَهُ بالأشياء وَكَانَ يَقُول إِن علم الله سُبْحَانَهُ مُحدث فِيمَا يحْكى عَنهُ وَيَقُول بِخلق الْقُرْآن وَإنَّهُ لَا يُقَال إِن الله لم يزل عَالما بالأشياء قبل ان تكون
وَقَالَ الشَّيْخ أنور الكشميري رَحمَه الله تَعَالَى جهم بن صَفْوَان رجل مُبْتَدع نَشأ فِي ترمذ فِي أَوَاخِر عهد التَّابِعين قَالَ أَبُو معَاذ الْبَلْخِي كَانَ جهم على معبر ترمذ وَكَانَ كُوفِي الأَصْل فصيحا وَلم يكن لَهُ علم وَلَا مجالسة أهل الْعلم فَقيل لَهُ صف لنا رَبك فَدخل الْبَيْت وَلم يخرج ثمَّ خرج بعد أَيَّام فَقَالَ هَذَا هُوَ الْهَوَاء مَعَ كل شَيْء
стр. 29
وَفِي كل شَيْء وَلَا يَخْلُو مِنْهُ شَيْء
وَقَالَ أَحْمد بن حجر الْعَسْقَلَانِي رَحمَه الله تَعَالَى وَأما الْجَهْمِية فلايختلف أحد مِمَّن صنف فِي المقالات أَنهم ينفون الصِّفَات حَتَّى نسبوا إِلَى التعطيل قَالَ والجهمية أَتبَاع جهم بن صَفْوَان الَّذِي قَالَ بالإجبار والإضطرار إِلَى الْأَعْمَال وَقَالَ لَا فعل لأحد غير الله تَعَالَى وَزعم أَن علم الله تَعَالَى حَادث وَامْتنع عَن وصف الله تَعَالَى بِأَنَّهُ شَيْء أَو عَالم مُرِيد حَتَّى قَالَ لَا أصفه بِوَصْف يجوز إِطْلَاقه على غَيره
وَثَبت عَن أبي حنيفَة رَحمَه الله تَعَالَى أَنه قَالَ بَالغ جهم فِي نفي التَّشْبِيه حَتَّى قَالَ إِن الله لَيْسَ بِشَيْء وَفِي كتاب المسايرة لِابْنِ الْهمام عَن أبي حنيفَة رَحمَه الله تَعَالَى أَنه قَالَ لَهُ بعد مَا ناظره أخرج عني يَا كَافِر وَهُوَ الْقَائِل بِفنَاء الْجنَّة وَالنَّار فيض الْبَارِي ٤ / ٥١٣ وَانْظُر المقالات ٦٢٦
قلت وَهُوَ أول من قَالَ بوحدة الْوُجُود بَين الْمُسلمين وَلَا حول وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
قَالَ الشَّافِعِي رَحمَه الله تَعَالَى لله أَسمَاء وصفات لَا يسع أحدا ردهَا وَمن خَالف بعد ثُبُوت الْحجَّة عَلَيْهِ فقد كفر وَأما قبل قيام الْحجَّة فَإِنَّهُ يعْذر بِالْجَهْلِ لِأَن علم ذَلِك لَا يدْرك بِالْعقلِ وَلَا الروية والفكر ذكره أَبُو حَاتِم فِي مَنَاقِب الشَّافِعِي عَنهُ من رِوَايَة يُونُس بن عبد الْأَعْلَى
لقد زعم الشقي جهم أَنه يَنْفِي صِفَات عَن الله تَعَالَى أثبتها سُبْحَانَهُ لنَفسِهِ ينزه الله ﷻ فَكَانَ بنفيه ذَلِك وبأفكاره الرَّديئَة الْأُخْرَى ضلاله وكفره وارتداده حَتَّى قتل على ذَلِك
وَكَانَ على شَيْء من تَعْطِيل الله تَعَالَى عَن بعض صِفَاته طَائِفَة الْمُعْتَزلَة المنتسبين إِلَى
стр. 30
وأصل بن عَطاء الَّذِي عَزله الْحسن الْبَصْرِيّ عَن حلقته أَو اعتزل هُوَ عَنْهَا
فقد نفوا صِفَات الْمعَانِي من جِهَة استقلالها كصفات قَائِمَة بِاللَّه تَعَالَى على مَا هُوَ اعْتِقَاد أهل السّنة فَقَالُوا فِي الْإِرَادَة وَالْعلم وَالْقُدْرَة والسمع وَالْبَصَر إِنَّه مُرِيد بِذَاتِهِ وعالم بِذَاتِهِ إِلَى آخرهَا وَلم يَقُولُوا مُرِيد بِصفة الْإِرَادَة الَّتِي لَيست هِيَ هُوَ وَلَا غَيره وَمن ثمَّ سَمَّاهُ بَعضهم نفاة الصِّفَات وهم لم ينفوا الصِّفَات وَإِنَّمَا نفوا استقلالها كَمَا تقدم وَلذَا لم يكفرهم السّلف الصَّالح أَو أَكْثَرهم فِي هَذَا الشَّأْن
وَكَانَ الَّذِي زين لَهُم ذَلِك الْحِرْص على تَوْحِيد الله تَعَالَى وتنزيهه عَن الْعدَد وَالْكَثْرَة فَكَانَ نزغة من نزغات الشَّيْطَان وَإِلَّا فَمن يَقُول إِن تعدد الصِّفَات تدل على تعدد الذَّات أيا كَانَت تِلْكَ الصِّفَات وزين لَهُم ذَلِك وَغَيره اغترارهم بِالْعقلِ وتحكيمه فِي النُّصُوص الشَّرْعِيَّة من الْكتاب وَالسّنة فِي بعض الْأَحْوَال وَلَا حول وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه فزعموا أَن الله تَعَالَى لَا يرَاهُ الْمُؤْمِنُونَ فِي الْجنَّة مَعَ ثُبُوت الرُّؤْيَة بالنصوص الصَّرِيحَة فِي الْكتاب وَالسّنة خوفًا مِنْهُم على التَّنْزِيه والوقوع فِي التَّشْبِيه وَزَعَمُوا أَن العَبْد هُوَ الَّذِي يخلق افعال نَفسه وَزَعَمُوا أَن الْمَقْتُول ميت قبل أَجله وَأَن رزق الله تَعَالَى لعَبْدِهِ هُوَ الْحَلَال فَقَط فَمن يَأْكُل الْحَرَام فَغير الله هُوَ رازقه وَزَعَمُوا أَن الله تَعَالَى فِي كل مَكَان كَمَا زَعَمُوا أَن كَلَام الله تَعَالَى مَخْلُوق وَغير ذَلِك
واندفعوا بعد ذَلِك يجادلون ويناقشون وهم قوم أُوتُوا الجدل يردون كثيرا من نُصُوص الصِّفَات اعْتِمَادًا على عُقُولهمْ غافلين عَن أَن الْعُقُول من خلق الله تَعَالَى وَلَا يُمكن أَن يدْرك الْمَخْلُوق خالقه وَصِفَاته وَإِنَّمَا يُؤمن بذلك على مَا ورد
وَقد نقل الإِمَام الْبَيْهَقِيّ رَحمَه الله تَعَالَى أَحَادِيث فِي نزُول الله تَعَالَى وَفِي روية الْمُؤمنِينَ لَهُ ثمَّ ذكر بِسَنَدِهِ إِلَى عباد بن الْعَوام قَالَ قدم علينا شريك بن عبد الله مُنْذُ نَحْو من سنة قَالَ فَقلت يَا أَبَا عبد الله إِن عندنَا قوما من الْمُعْتَزلَة يُنكرُونَ هَذِه الْأَحَادِيث قَالَ فَحَدثني بِنَحْوِ من عشرَة أَحَادِيث فِي هَذَا وَقَالَ أما نَحن فقد أَخذنَا ديننَا هَذَا عَن التَّابِعين عَن أَصْحَاب رَسُول الله ﷺ فهم عَمَّن أخذُوا
стр. 31
لقد ألف عبد الله بن مُسلم بن قُتَيْبَة رَحمَه الله تَعَالَى توفّي ٣٧٦ كِتَابه تَأْوِيل مُخْتَلف الحَدِيث ليرد على بعض أفكار العلاف والنظام من الْمُعْتَزلَة فِي ردهم أَحَادِيث عَن رَسُول الله ﷺ فِي الصِّفَات فأثبتها أَولا ثمَّ أَولهَا بِمَا يرى أَن الْعقل لَا يحِيل ذَلِك وَلِأَن تَنْزِيه الله تَعَالَى وَعدم مشابهة خلقه أَو مشابهة أحد من خلقه لَهُ سُبْحَانَهُ يُصِيبهُ مَا يكدره فجزاه الله تَعَالَى خيرا
وَكَذَلِكَ فعل الْحَافِظ أَبُو بكر مُحَمَّد بن الْحسن بن فورك رَحمَه الله تَعَالَى ٤٠٦ فَكتب كِتَابه مُشكل الحَدِيث وَبَيَانه لكنه جعله فِي الرَّد عَلَيْهِم وعَلى المشبهة والمجسمة جَزَاء الله تَعَالَى خيرا
فدونك مقالات الإسلاميين للْإِمَام الْأَشْعَرِيّ رَحمَه الله تَعَالَى فِي نَقله آراء الْمُعْتَزلَة الْمُتَّفق عَلَيْهَا بَينهم وَالْمُنْفَرد بهَا بَعضهم كَمَا قَالَ عبد القاهر الْبَغْدَادِيّ فِي شَأْن الأديب الجاحظ المعتزلي قَالَ وَزعم الجاحظ أَن الله تَعَالَى لَا يعذب أحدا بالنَّار وَلَا يدْخل أحدا النَّار وَإِنَّمَا النَّار تجذب أَهلهَا إِلَى نَفسهَا بطبعها وتمسكهم على التأييد بطبعها وَهَذَا القَوْل يُوجب انْقِطَاع الرَّغْبَة إِلَى الله تَعَالَى فِي الإنقاذ مِنْهَا لَا أنقذ الله مِنْهَا من قَالَ بذلك أصُول الدّين ص ٢٣٩
لم يكفر أهل السّنة عَامَّة المجسمة وَلَا عَامَّة الْمُعْتَزلَة وَإِنَّمَا كفرُوا بعض زعمائهم لآرائهم الْمُخَالفَة لِلْإِسْلَامِ ودعوتهم إِلَيْهَا
قَالَ الإِمَام الْبَغْدَادِيّ صَاحب الْفرق بَين الْفرق فِي أصُول الدّين لَهُ
اعْلَم أَن تَكْفِير كل زعيم من زعماء الْمُعْتَزلَة وَاجِب من وُجُوه أما وَاصل بن عَطاء فَلِأَنَّهُ كفر فِي بَاب الْقدر بِإِثْبَات خالقين لأعمالهم سوى الله تَعَالَى وأحدث القَوْل بالمنزلة بَين المنزلتين بَين منزلتي الْجنَّة للْمُؤْمِنين وَالنَّار للْكَافِرِينَ فِي الْفَاسِق ولهذه الْبِدْعَة طرده الْحسن الْبَصْرِيّ من مَجْلِسه ثمَّ إِنَّه شكّ فِي شَهَادَة عَليّ وَقد قتل مَظْلُوما بِاتِّفَاق أهل السّنة وعدالته وَأَجَازَ أَن يكون هُوَ وَأَصْحَابه من الفسقة وَأَجَازَ أَن يكون الفسقة أَصْحَاب الْجمل فَشك فِي الْفرْقَتَيْنِ وَلذَلِك قَالَ لَو شهد عَليّ وَطَلْحَة عِنْدِي على باقة بقل لم أحكم بِشَهَادَتِهِمَا وَزَاد عَلَيْهِ عَمْرو بن عبيد حَيْثُ رد شَهَادَة عَليّ مَعَ وَاحِد من أَصْحَابه كَأَنَّهُ حكم بِفِسْقِهِ وَمن قَالَ بفسق عَليّ فَهُوَ الْكَافِر الْفَاسِق دونه
стр. 32
وَأما زعيمهم الْهُذيْل فَإِنَّهُ قضى بِفنَاء مقدرات الله تَعَالَى حَتَّى لَا يكون بعْدهَا قَادِرًا على شَيْء فَزعم أَن أهل الْجنَّة وَالنَّار ينتهون إِلَى حَال يبقون فِيهَا خمودا ساكنين سكونا دَائِما لَا يقدر الله حِينَئِذٍ على شَيْء من الْأَفْعَال وَلَا يملك لَهُم حِينَئِذٍ ضرا وَلَا نفعا وَكَفاهُ بِدَعْوَاهُ فنَاء مقدرات الله تَعَالَى خزيا مَعَ تَكْذِيبه إِيَّاه فِي قَوْله سُبْحَانَهُ أكلهَا دَائِم أصُول الدّين ٢٣٨
أما زعيمهم النظام فَهُوَ الَّذِي نفى نِهَايَة الْجُزْء وأبطل بذلك إحصاء الْبَارِي لأجزاء الْعَالم وَعلمه بكمية أَجْزَائِهِ وَزعم أَن الْإِنْسَان هُوَ الرّوح وَأَن أحدا مَا رأى إنْسَانا قطّ وَإِنَّمَا رأى قالبه وَزعم أَن الْأَعْرَاض كلهَا حركات وَأَنَّهَا جنس وَاحِد وَأَن الْإِيمَان من جنس الْكفْر وَأَن فعل النَّبِي ﷺ من جنس فعل إِبْلِيس وَقَالَ بالطفرة وَادّعى حشر الْكلاب والخنازير وَسَائِر الْبَهَائِم الهمج إِلَى الْجنَّة وَأنكر وُقُوع الطَّلَاق بالكنايات وَإِن قارنتها نِيَّة الطَّلَاق
وَزعم الْمَعْرُوف مِنْهُم بِمَعْمَر أَن الله تَعَالَى مَا خلق لونا وَلَا طعما وَلَا رَائِحَة وَلَا حرارة وَلَا برودة وَلَا يبوسة وَلَا حَيَاة وَلَا موتا وَلَا صِحَة وَلَا سقما وَلَا قدرَة وَلَا عَجزا وَلَا ألما وَلَا لَذَّة وَلَا شَيْئا من الْأَعْرَاض وَإِنَّمَا خلق الْأَجْسَام فَقَط ثمَّ قَالَ وَزعم الجاحظ مِنْهُم أَن لَا فعل للْإنْسَان إِلَّا إِرَادَة وَأَن المعارف كلهَا ضَرُورِيَّة وَمن لم يضْطَر إِلَى معرفَة الله تَعَالَى لم يكن مُكَلّفا وَلَا مُسْتَحقّا للعقاب وَزعم أَيْضا أَن الله لَا يدْخل أحدا النَّار وَإِنَّمَا النَّار تجذب أَهلهَا إِلَى نَفسهَا وتمسكها فِيهَا على التأييد بطبعها وَزعم أَن عَامَّة الدهرية الْمَلَاحِدَة وَسَائِر الْكَفَرَة يصيرون فِي الْآخِرَة تُرَابا لَا يُعَاقب وَاحِد مِنْهُم أصُول الدّين ٣٢٥ / ٣٢٧
اوسط
هُوَ الْوسط الْعدْل بَين ذَيْنك الطَّرفَيْنِ الحاذين أَعنِي التَّشْبِيه والتجسيم من طرف والتعطيل من طرف آخر هَذَا الْوسط هُوَ الْعدْل بعث بِهِ رَسُول الله ﷺ ودعا إِلَيْهِ وَورثه أمته بعده أَصْحَابه رضوَان الله تَعَالَى عَلَيْهِم وَمن جَاءَ بعدهمْ وسلك مسلكهم وَكَانَ مِنْهُم الْأَئِمَّة الْأَرْبَعَة وتلامذتهم وَقَامَت على ذَلِك مدارسهم الفكرية والعملية فِي كل مَكَان وَسموا أهل السّنة لأَنهم كَانُوا على مَا صَحَّ عَن رَسُول الله ﷺ فِي
стр. 33
الِاعْتِقَاد وَكَذَا أَصْحَابه بعده ﷺ وَسموا أهل الْجَمَاعَة لِأَنَّهُ كَانَ عَلَيْهِ عَامَّة النَّاس ومجموعاتهم فِي كل زمَان وَمَكَان وَمَا يزالون إِلَى يَوْم الْقِيَامَة إِن شَاءَ الله تَعَالَى
خُلَاصَة مُعْتَقد أهل السّنة وَالْجَمَاعَة
١ - إِثْبَات جَمِيع مَا أثبت الله تَعَالَى لنَفسِهِ أَو صَحَّ ذَلِك عَن رَسُول الله ﷺ من الْأَسْمَاء وَالصِّفَات دون تَحْرِيف أَو تَبْدِيل دون زِيَادَة أَو نُقْصَان دون نفي وإنكار شَيْء مهما كَانَ غَرِيبا عِنْد بعض الْعُقُول أَو كَانَ فَوق مَا تُدْرِكهُ الْعُقُول لِأَن الْعقل عِنْدهم إِنَّمَا هُوَ آلَة يستعان بِهِ على الْفَهم عَن الله تَعَالَى وَرَسُوله ﷺ وَهُوَ منَاط التَّكْلِيف من الله تَعَالَى وَسبب المسئولية عِنْده وَلَيْسَ من حق الْعقل التشريع أَو الرَّفْض والإبطال لما صَحَّ بِالدَّلِيلِ الشَّرْعِيّ المقبول
٢ - التَّفْرِيق بَين الْخَالِق والمخلوق وفْق مَا جَاءَت النُّصُوص الشَّرْعِيَّة بِهِ وتقتضيه الْعُقُول السليمة مثل قَوْله لَيْسَ كمثله شَيْء وَهُوَ السَّمِيع الْبَصِير الشورى ١١
٣ - تَفْوِيض إِدْرَاك حَقِيقَة متشابه الصِّفَات إِلَى الله تَعَالَى وَالتَّسْلِيم بِجَمِيعِ مَا جَاءَت النُّصُوص الصَّحِيحَة إِيمَانًا بذلك وإذعانا وتسليما وفْق مُرَاد الله تَعَالَى وَمُرَاد رَسُوله ﷺ
هَذَا هُوَ مَذْهَب الْعدْل الصَّوَاب وَالْحَمْد لله
وَقد تفرع هَذَا الْمَذْهَب فِي شَأْن صِفَات الله تَعَالَى إِلَى فرعين كريمين هما السّلف وَالْخلف
стр. 34
فصل
السّلف وَالْخلف
السّلف هم الْعلمَاء الْعُدُول الوارثون عَن رَسُول الله ﷺ الْحَقَائِق والمعارف والعقائد وَيُمكن أَن يُقَال هم السَّادة الأخيار إِلَى نِهَايَة الْمِائَة الثَّالِثَة من الْهِجْرَة النَّبَوِيَّة الشَّرِيفَة الْمُبَارَكَة وانْتهى إِلَيْهِ تَقْرِيبًا دور تدوين الحَدِيث الشريف وَالْكَلَام على رِجَاله وأعني بأولئك السَّادة الأخيار كبار الْأَئِمَّة الْفُقَهَاء والمحدثين والأصوليين والمفسرين وأمثالهم من عُلَمَاء الْإِسْلَام وتلامذتهم وأتباعهم فِي عصرهم وبعدهم وَعَلِيهِ الْكثير من الْعلمَاء وأتباعهم إِلَى يَوْمنَا هَذَا وَإِلَى مَا شَاءَ الله تَعَالَى
قَول السّلف فِي الصِّفَات
السّلف الصَّالح فِي حق صِفَات الله تَعَالَى طَائِفَتَانِ
قَالَت الطَّائِفَة الأولى من السّلف الأَصْل الْإِيمَان بِجَمِيعِ مَا جَاءَ من عِنْد الله تَعَالَى وَصَحَّ عَن رَسُول الله ﷺ فِي حق صِفَات الله تَعَالَى وإمراره على مَا جَاءَ وَاعْتِبَار فهمه هُوَ قِرَاءَته وَعدم الْخَوْض فِيهِ بِشَيْء من الْكَلَام قطّ
قَالَ مُحَمَّد بن الْحسن الشَّيْبَانِيّ تلميذ الإِمَام أبي حنيفَة الثَّانِي رحمهمَا الله تَعَالَى اتّفق الْفُقَهَاء كلهم من الشرق إِلَى الغرب على الْإِيمَان بِالصِّفَاتِ من غير تَفْسِير وَلَا تَشْبِيه وَقَالَ مَا وصف الله تَعَالَى بِهِ نَفسه فقراءته تَفْسِيره ذكره اللالكائي فِي شرح السّنة
وَذكر الْبَيْهَقِيّ بِسَنَدِهِ إِلَى إِسْحَاق بن مُوسَى الْأَنْبَارِي قَالَ سَمِعت سُفْيَان بن عُيَيْنَة يَقُول مَا وصف الله ﵎ بِهِ نَفسه فِي كِتَابه فقراءته تَفْسِيره لَيْسَ لأحد أَن يفسره بِالْعَرَبِيَّةِ وَلَا بِالْفَارِسِيَّةِ وَلما سُئِلَ الإِمَام أَحْمد رَحمَه الله تَعَالَى عَن حَدِيث الرُّؤْيَة وَالنُّزُول وَنَحْو ذَلِك قَالَ نؤمن بهَا ونصدق بهَا وَلَا كَيفَ وَلَا معنى شرح السّنة للالكائي
قَالَ عبد الْملك بن وهب كُنَّا عِنْد مَالك بن أنس رَحمَه الله تَعَالَى فَدخل عَلَيْهِ رجل
стр. 35
فَقَالَ يَا ابا عبد الله ﴿الرَّحْمَن على الْعَرْش اسْتَوَى﴾ كَيفَ استواؤه قَالَ فَأَطْرَقَ مَالك وأخذته الرحضاء ثمَّ رفع رَأسه فَقَالَ ﴿الرَّحْمَن على الْعَرْش اسْتَوَى﴾ كَمَا وصف نَفسه وَلَا يُقَال كَيفَ وَكَيف عَنهُ مَرْفُوع وَأَنت رجل سوء صَاحب بِدعَة أَخْرجُوهُ
وَفِي لفظ لَهُ رَحْمَة الله تَعَالَى بطرِيق يحيى بن يحيى الاسْتوَاء غير مَجْهُول والكيف غير مَعْقُول وَالْإِيمَان بِهِ وَاجِب وَالسُّؤَال عَنهُ بِدعَة وَمَا أَرَاك إِلَّا مبتدعا فَأمر بِهِ فَأخْرج
وَرُوِيَ ذَلِك عَن ربيعَة الرَّأْي أستاذ مَالك رحمهمَا الله تَعَالَى فَقَالَ عبد الله بن صَالح ابْن مُسلم سُئِلَ ربيعَة الرَّأْي عَن قَول الله ﵎ ﴿الرَّحْمَن على الْعَرْش اسْتَوَى﴾ كَيفَ اسْتَوَى قَالَ الكيف مَجْهُول والاستواء غير مَعْقُول وَيجب عَليّ وَعَلَيْك الْإِيمَان بذلك كُله
قَالَ الْبَيْهَقِيّ أخبرنَا مُحَمَّد بن عبد الله الْحَافِظ قَالَ هَذِه نُسْخَة الْكتاب الَّذِي أملاه الشَّيْخ أَبُو بكر أَحْمد بن اسحاق بن أَيُّوب فِي مَذْهَب أهل السّنة فِيمَا جرى بَين مُحَمَّد بن إِسْحَاق بن خُزَيْمَة وَبَين أَصْحَابه فَذكرهَا وَذكر فِيهَا ﴿الرَّحْمَن على الْعَرْش اسْتَوَى﴾ بِلَا كَيفَ والْآثَار عَن السّلف فِي هَذَا كَثِيرَة وعَلى هَذِه الطَّرِيقَة يدل مَذْهَب الشَّافِعِي رَحمَه الله تَعَالَى وإليها ذهب أَحْمد بن حَنْبَل وَالْحُسَيْن بن الْفضل البَجلِيّ وَمن الْمُتَأَخِّرين أَبُو سُلَيْمَان الْخطابِيّ ... الخ
وَقَالَ الإِمَام الْبَغَوِيّ فِي شرح السّنة أهل السّنة يَقُولُونَ الاسْتوَاء على الْعَرْش صفة الله تَعَالَى بِلَا كَيفَ يجب على الرجل الْإِيمَان بِهِ ويكل الْعلم فِيهِ إِلَى الله وَذكر خبر الإِمَام مَالك رَحمَه الله تَعَالَى
سُئِلَ الإِمَام أَبُو حنيفَة رَحمَه الله تَعَالَى فِي حَدِيث النُّزُول فَقَالَ ينزل بِلَا كَيفَ كَذَا فِي الْأَسْمَاء وَالصِّفَات ص ٤٥٦
قَالَ الإِمَام أَبُو جَعْفَر الطَّحَاوِيّ فِي بَيَان السّنة وَالْجِمَاع وَتقول إِن الله تَعَالَى يغْضب ويرضى وَلَيْسَ كَأحد من صِفَات الورى قَالَ شَارِحه الشَّيْخ عبد الْغَنِيّ الميداني صَاحب اللّبَاب فِي شرح الْكتاب فِي الْفِقْه الْحَنَفِيّ رَحمَه الله تَعَالَى لِأَنَّهُ تَعَالَى مُنْفَرد بصفاته لذاته فَكَمَا لَا تشبه ذَاته الذوات فصفاته لَا تشبه الصِّفَات لَيْسَ كمثله شَيْء وَهُوَ السَّمِيع الْبَصِير وَلَا يؤولان بِأَن المُرَاد ببغضه وَرضَاهُ إِرَادَة الانتقام ومشيئة الإنعام أَو المُرَاد غايتهما من النقمَة أَو النِّعْمَة قَالَ فَخر الْإِسْلَام الإِمَام الْبَزْدَوِيّ على بن مُحَمَّد صَاحب الْمَبْسُوط فِي الْفِقْه الْحَنَفِيّ وَيَقَع فِي ٣٠ جُزْءا وَهُوَ مطبوع فِي أُصُوله إِثْبَات الْيَد وَالْوَجْه حق عندنَا لكنه مَعْلُوم بِأَصْلِهِ متشابه بوصفه وَلَا يجوز إبِْطَال الأَصْل بِالْعَجزِ عَن دَرك الْوَصْف وَإِنَّمَا ضلت الْمُعْتَزلَة من هَذَا الْوَجْه فَإِنَّهُم ردوا الْأُصُول لجهلهم بِالصِّفَاتِ على وَجه الْمَعْقُول فصاروا معطلة ثمَّ قَالَ وَأهل السّنة وَالْجَمَاعَة أثبتوا مَا هُوَ الأَصْل الْمَعْلُوم بِالنَّصِّ أَي الْآيَات القطعية والدلالات اليقينية وتوقفوا فِيمَا هُوَ من الْمُتَشَابه وَهُوَ الْكَيْفِيَّة وَلم يجوزوا الِاشْتِغَال بِطَلَب ذَلِك كَمَا وصف الله تَعَالَى الراسخين فِي الْعلم فَقَالَ يَقُولُونَ آمنا بِهِ كل من عِنْد رَبنَا وَمَا يذكر إِلَّا أولو الْأَلْبَاب
وَقَالَ الشَّيْخ عَلَاء الدّين بن مُحَمَّد بن عابدين صَاحب حَاشِيَة ابْن عابدين على الدّرّ الْمُخْتَار رحمهمَا الله تَعَالَى فِي بحث المتشابهات من كَلَام وَمن هَذَا الْقَبِيل الْإِيمَان بحقائق مَعَاني مَا ورد من الْآيَات وَالْأَحَادِيث المتشابهات كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿الرَّحْمَن على الْعَرْش اسْتَوَى﴾ و ﴿يَد الله فَوق أَيْديهم﴾ وَقَوله ﵊ ينزل رَبنَا كل لَيْلَة إِلَى سَمَاء الدُّنْيَا الحَدِيث مَا ظَاهره يفهم أَن الله تَعَالَى لَهُ مَكَان وجارحة فَإِن السّلف كَانُوا يُؤمنُونَ بِجَمِيعِ ذَلِك على الْمَعْنى الَّذِي أَرَادَ الله تَعَالَى وَأَرَادَ رَسُوله ﷺ من غير أَن تطالبهم أنفسهم بفهم حَقِيقَة شَيْء من ذَلِك حَتَّى يطلعهم الله تَعَالَى عَلَيْهِ
وَقَالَ التَّابِعِيّ الْجَلِيل الإِمَام أَبُو حنيفَة رَحمَه الله تَعَالَى فِي الْفِقْه الْأَكْبَر لَهُ لَهُ يَد وَوجه وَنَفس كَمَا ذكره الله تَعَالَى فِي الْقُرْآن من ذكر الْوَجْه
стр. 36
يغْضب ويرضى وَلَيْسَ كَأحد من صِفَات الورى قَالَ شَارِحه الشَّيْخ عبد الْغَنِيّ الميداني صَاحب اللّبَاب فِي شرح الْكتاب فِي الْفِقْه الْحَنَفِيّ رَحمَه الله تَعَالَى لِأَنَّهُ تَعَالَى مُنْفَرد بصفاته لذاته فَكَمَا لَا تشبه ذَاته الذوات فصفاته لَا تشبه الصِّفَات لَيْسَ كمثله شَيْء وَهُوَ السَّمِيع الْبَصِير وَلَا يؤولان بِأَن المُرَاد ببغضه وَرضَاهُ إِرَادَة الانتقام ومشيئة الإنعام أَو المُرَاد غايتهما من النقمَة أَو النِّعْمَة قَالَ فَخر الْإِسْلَام الإِمَام الْبَزْدَوِيّ على بن مُحَمَّد صَاحب الْمَبْسُوط فِي الْفِقْه الْحَنَفِيّ وَيَقَع فِي ٣٠ جُزْءا وَهُوَ مطبوع فِي أُصُوله إِثْبَات الْيَد وَالْوَجْه حق عندنَا لكنه مَعْلُوم بِأَصْلِهِ متشابه بوصفه وَلَا يجوز إبِْطَال الأَصْل بِالْعَجزِ عَن دَرك الْوَصْف وَإِنَّمَا ضلت الْمُعْتَزلَة من هَذَا الْوَجْه فَإِنَّهُم ردوا الْأُصُول لجهلهم بِالصِّفَاتِ على وَجه الْمَعْقُول فصاروا معطلة ثمَّ قَالَ وَأهل السّنة وَالْجَمَاعَة أثبتوا مَا هُوَ الأَصْل الْمَعْلُوم بِالنَّصِّ أَي الْآيَات القطعية والدلالات اليقينية وتوقفوا فِيمَا هُوَ من الْمُتَشَابه وَهُوَ الْكَيْفِيَّة وَلم يجوزوا الِاشْتِغَال بِطَلَب ذَلِك كَمَا وصف الله تَعَالَى الراسخين فِي الْعلم فَقَالَ يَقُولُونَ آمنا بِهِ كل من عِنْد رَبنَا وَمَا يذكر إِلَّا أولو الْأَلْبَاب
وَقَالَ الشَّيْخ عَلَاء الدّين بن مُحَمَّد بن عابدين صَاحب حَاشِيَة ابْن عابدين على الدّرّ الْمُخْتَار رحمهمَا الله تَعَالَى فِي بحث المتشابهات من كَلَام وَمن هَذَا الْقَبِيل الْإِيمَان بحقائق مَعَاني مَا ورد من الْآيَات وَالْأَحَادِيث المتشابهات كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿الرَّحْمَن على الْعَرْش اسْتَوَى﴾ و ﴿يَد الله فَوق أَيْديهم﴾ وَقَوله ﵊ ينزل رَبنَا كل لَيْلَة إِلَى سَمَاء الدُّنْيَا الحَدِيث مَا ظَاهره يفهم أَن الله تَعَالَى لَهُ مَكَان وجارحة فَإِن السّلف كَانُوا يُؤمنُونَ بِجَمِيعِ ذَلِك على الْمَعْنى الَّذِي أَرَادَ الله تَعَالَى وَأَرَادَ رَسُوله ﷺ من غير أَن تطالبهم أنفسهم بفهم حَقِيقَة شَيْء من ذَلِك حَتَّى يطلعهم الله تَعَالَى عَلَيْهِ
وَقَالَ التَّابِعِيّ الْجَلِيل الإِمَام أَبُو حنيفَة رَحمَه الله تَعَالَى فِي الْفِقْه الْأَكْبَر لَهُ لَهُ يَد وَوجه وَنَفس كَمَا ذكره الله تَعَالَى فِي الْقُرْآن فَمَا ذكره الله تَعَالَى فِي القرآنمن ذكر الْوَجْه
стр. 37
وَالْيَد وَالنَّفس فَهُوَ لَهُ صِفَات بِلَا كَيفَ وَلَا يُقَال إِن يَده قدرته وَنعمته لِأَن فِيهِ إبِْطَال الصّفة وَهُوَ قَول أهل الْقدر والإعتزال لَكِن يَده صفته بِلَا كَيفَ وغضبه وَرضَاهُ صفتان من صِفَاته تَعَالَى بِلَا كَيفَ
وَقَالَ الْمُحَقق المتقن الشَّيْخ شُعَيْب الأرنؤوط مُحَقّق سير أَعْلَام النبلاء للذهبي وَشرح السّنة لِلْبَغوِيِّ وَزَاد الْمسير لِابْنِ الْجَوْزِيّ وَغَيرهَا فِي مُقَدّمَة أقاويل الثِّقَات فِي تَأْوِيل الْأَسْمَاء وَالصِّفَات للشَّيْخ مرعي بن يُوسُف الْحَنْبَلِيّ وَلَا بُد لي من التنويه على أَن مَذْهَب السّلف لَا يضرّهُ أَن يكون بعض المنتسبين إِلَيْهِ قد أثبتوا خطأ صِفَات الله تَعَالَى اعْتِمَادًا على أَحَادِيث ضَعِيفَة واهية الْتبس عَلَيْهِم أمرهَا لأَنهم لَيْسُوا من أهل الشَّأْن فَإِن صنيعهم هَذَا لَا علاقَة لَهُ بِصِحَّة وسلامة الْمنْهَج الذى انْتهى اليه السّلف فَمَا كَانَ من هَذَا الْقَبِيل مِمَّا هُوَ منشور فِي بعض الْكتب يرد وَلَا يقبل وَيتبع فِي ذَلِك الْقَاعِدَة الْعَامَّة فِي هَذَا الْبَاب وَغَيره فِي الِاعْتِمَاد على مَا صَحَّ من الْأَحَادِيث ورد مَا سواهُ
قلت وَمَا نسب إِلَى ابْن عَبَّاس ﵄ أَنه قَالَ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿اسْتَوَى على الْعَرْش﴾ اسْتَقر على الْعَرْش وَقد امْتَلَأَ بِهِ أَو صعد إِلَيْهِ أَو اسْتَوَت عِنْده الْخَلَائق وَمَا إِلَى ذَلِك فَذَلِك من رِوَايَة أبي صَالح وَمُحَمّد بن مَرْوَان الْكَلْبِيّ قَالَ الْبَيْهَقِيّ كلهم مَتْرُوك عِنْد أهل الْعلم بِالْحَدِيثِ لَا يحتجون بِشَيْء من رواياتهم لِكَثْرَة الْمَنَاكِير فِيهَا وَظُهُور الْكَذِب مِنْهُم فِي رواياتهم وَنقل عَن حبيب بن أبي ثَابت كُنَّا نُسَمِّيه دروغ زن يَعْنِي أَبَا صَالح مولى أم هانىء وَذكره بِسَنَدِهِ إِلَى عَليّ بن الْمَدِينِيّ قَالَ سَمِعت يحيى بن سعيد الْقطَّان يحدث عَن سُفْيَان قَالَ قَالَ الْكَلْبِيّ قَالَ لي ابو صَالح كل مَا حدثتك كذب
وَعَن سُفْيَان عَن الْكَلْبِيّ قَالَ قَالَ لي أَبُو صَالح انْظُر كل شَيْء رويت عني عَن ابْن عَبَّاس ﵄ فَلَا تروه
وَقَالَ أَبُو مُعَاوِيَة قُلْنَا للكلبي بَين لنا مَا سَمِعت من أبي صَالح وَمَا هُوَ قَوْلك فَإِذا الْأَمر عِنْده قَلِيل
стр. 38
وَقَالَ يحيى بن معِين الْكَلْبِيّ لَيْسَ بِشَيْء وَقَالَ الإِمَام البُخَارِيّ مُحَمَّد بن مَرْوَان الْكَلْبِيّ الْكُوفِي صَاحب الْكَلْبِيّ سكتوا عَنهُ وَلَا يكْتب حَدِيثه الْبَتَّةَ قلت وَكَيف يجوز أَن تكون مثل هَذِه الْأَقَاوِيل صَحِيحَة عَن ابْن عَبَّاس ﵄ ثمَّ لَا يَرْوِيهَا وَلَا يعرفهَا أحد من أَصْحَابه الْأَثْبَات مَعَ شدَّة الْحَاجة إِلَى مَعْرفَتهَا وَمَا تفرد بِهِ الْكَلْبِيّ وَأَمْثَاله يُوجب الْحَد لله تَعَالَى وَالْحَد يُوجب الْحَدث لحَاجَة الْحَد إِلَى حاد خصّه بِهِ والباري قديم لم يزل وَقد علم المشتغلون بالتفسير والْحَدِيث أَن ابْن عَبَّاس ﵄ هُوَ أَكثر من افتري عَلَيْهِ من أقاويل فِي التَّفْسِير والْحَدِيث وَلَعَلَّ ذَلِك كَانَ لمكانته ﵁ من رَسُول الله ﷺ ودعائه لَهُ أَن يفقهه الله فِي الدّين ويعلمه التَّأْوِيل ولكونه ابْن عَم رَسُول الله ﷺ وَإنَّك لتجد لَهُ تفاسير عدَّة فِي آيَة وَاحِدَة وتجد فِيهَا تنافرا وتعارضا وَلَا حول وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه أَلا لَيْت من يعد رِسَالَة دكتوراة أَن يكْتب فِي ابْن عَبَّاس ﵁ وجوانبه الْعَظِيمَة فِي الْعُلُوم ويمحص تمحيصا مَا رُوِيَ عَنهُ من أَقْوَال فِي التَّفْسِير وَفِي الإعتقاد وَأَحَادِيث فِي ذَلِك وَذَاكَ
وَظهر من قَالَ بِغَيْر دَلِيل من الْكتاب وَالسّنة إِن الله تَعَالَى اسْتَوَى بِذَاتِهِ فَوق الْعَرْش بَدَلا من ﴿اسْتَوَى على الْعَرْش﴾ الثَّابِت بِنَصّ الْقُرْآن الْكَرِيم وَإِن الله بَائِن من خلقه قَالَ الإِمَام الكوثري رَحمَه الله تَعَالَى وَلَفظ بَائِن من خلقه لم يرد فِي كتاب وَلَا سنة وَإِنَّمَا أطلق من أطلق من السّلف بِمَعْنى نفي الممازجة ردا على جهم لَا بِمَعْنى الابتعاد بالمسافة تَعَالَى الله عَن ذَلِك كَمَا صرح بذلك فِي الْأَسْمَاء وَالصِّفَات وَأما لفظ فَوق الْعَرْش فَلم يرد مَرْفُوعا إِلَّا فِي بعض طرق حَدِيث الأوعال من رِوَايَة ابْن مندة فِي التَّوْحِيد وَعبد الله بن عميرَة فِي سَنَده مَجْهُول الْحَال وَلم يدْرك الْأَحْنَف فضلا عَن الْعَبَّاس
وَقَالَ السلَفِي مُحَمَّد نَاصِر الدّين الألباني فِي مُقَدّمَة مُخْتَصر كتاب الْعُلُوّ للْإِمَام الذَّهَبِيّ بعد كَلَام وَمن هَذَا الْعرض تبين أَن هَاتين اللفظتين بِذَاتِهِ بَائِن لم تَكُونَا معروفتين فِي عهد الصَّحَابَة رضوَان الله عَلَيْهِم قلت وَلَا فِي عهد التَّابِعين
стр. 39
وَلَكِن لما ابتدع الجهم وَأَتْبَاعه القَوْل بِأَن الله فِي كل مَكَان اقْتضى ضَرُورَة الْبَيَان أَن يتَلَفَّظ هَؤُلَاءِ الْأَئِمَّة الْأَعْلَام بِلَفْظ بَائِن دون أَن يُنكره أحد مِنْهُم أَي من أُولَئِكَ الَّذين أَحدقُوا قلت لقد رأى أُولَئِكَ وَدون دَلِيل أَن سَبِيل الرَّد على الجهم الَّذِي حكم عَلَيْهِ بالْكفْر وَقتل عَلَيْهِ وَالْحَمْد لله هُوَ التَّلَفُّظ بِمَا يُوهم التَّشْبِيه والتجسيم فِي حق الله تَعَالَى والحلول فِي مَكَان فَقَالُوا مستو بِذَاتِهِ وبائن عَن خلقه فدفعوا تَعْطِيل الجهم وتأويله بِشَيْء قريب غير بعيد من حَيْثُ اللَّفْظ من تجسيم مُحَمَّد بن كرام السجسْتانِي حَتَّى ظَهَرُوا كَأَنَّهُمْ أَوْلِيَاء على الله تَعَالَى يضيفون إِلَيْهِ مَا شَاءُوا من الألقاب حرصا على التَّوْحِيد
أَلا ليتهم سكتوا نزهوا وفوضوا كَمَا فعل السّلف وَسَيَأْتِي بَيَان هَذَا
وَلَقَد تقدم قَول التَّابِعِيّ الْجَلِيل أبي حنيفَة رَحمَه الله تَعَالَى لَا يَنْبَغِي لأحد أَن ينْطق فِي الله تَعَالَى بِشَيْء من ذَاته وَلَكِن يصفه بِمَا وصف سُبْحَانَهُ بِهِ نَفسه وَلَا يَقُول فِيهِ بِرَأْيهِ شَيْئا
وَقَالَ إِمَام الْحَرَمَيْنِ رَحمَه الله تَعَالَى أجمع الْمُسلمُونَ على منع تَقْدِير صفة مُجْتَهد فِيهَا لله لَا يتَوَصَّل فِيهَا إِلَى قطع بعقل أَو سمع وَأجْمع الْمُحَقِّقُونَ على أَن الظَّوَاهِر يَصح تخصيصها أَو تَركهَا بمالا يقطع بِهِ من أَخْبَار الْآحَاد والأقيسة وَمَا يتْرك بِمَا لَا يقطع بِهِ كَيفَ يقطع بِهِ
الِاعْتِمَاد على الحَدِيث الصَّحِيح دون الضَّعِيف فِي العقائد
قَالَ ابْن الصّلاح فِي مُقَدّمَة فِي عُلُوم الحَدِيث يجوز عِنْد أهل الحَدِيث وَغَيرهم التساهل فِي الْأَسَانِيد وَرِوَايَة مَا سوى الْمَوْضُوع من أَنْوَاع الْأَحَادِيث الضعيفة من غير اهتمام بِبَيَان ضعفها فِيمَا سوى صِفَات الله تَعَالَى وَأَحْكَام الشَّرِيعَة من الْحَلَال وَالْحرَام وَغَيرهمَا وَذَلِكَ كالمواعظ والقصص وفضائل الْأَعْمَال وَسَائِر فنون التَّرْغِيب والترهيب وَسَائِر مَالا تعلق لَهُ بِالْأَحْكَامِ والعقائد وَمِمَّنْ روينَا عَنهُ التَّنْصِيص على التساهل فِي نَحْو
стр. 40
ذَلِك عبد الرَّحْمَن بن مهْدي وَأحمد بن حَنْبَل ﵄
وَقَالَ الإِمَام النَّوَوِيّ فِي التَّقْرِيب وَيجوز عِنْد أهل الحَدِيث وَغَيرهم التساهل فِي الْأَسَانِيد وَرِوَايَة مَا سوى الْمَوْضُوع من الضَّعِيف وَالْعَمَل بِهِ من غير بَيَان ضعفه فِي غير صِفَات الله تَعَالَى وَالْأَحْكَام كالحلال وَالْحرَام وَمَا لَا يتَعَلَّق بالعقائد وَالْأَحْكَام
وَقَالَ الإِمَام أَحْمد بن حَنْبَل فِي الْكَلْبِيّ الَّذِي تقدم ذكر حَاله يكْتب عَنهُ هَذِه الْأَحَادِيث يَعْنِي الْمَغَازِي وَنَحْوهَا فَإِذا جَاءَ الْحَلَال وَالْحرَام أردنَا قوما هَكَذَا يُرِيد أقوى مِنْهُ قَالَ الْبَيْهَقِيّ فَإِذا كَانَ لَا يحْتَج بِهِ فِي الْحَلَال وَالْحرَام فَأولى أَن لَا يحْتَج بِهِ فِي صِفَات الله وَإِنَّمَا نقموا عَلَيْهِ فِي رِوَايَته عَن أهل الْكتاب ثمَّ عَن ضعفاء النَّاس وتدليسه أساميهم
وَقَالَ الإِمَام الكوثري من كَلَام على أَنه قد عرف أَن الْمَوْقُوف لَيْسَ مِمَّا يحْتَج بِهِ فِي صِفَات الله وصفات الله تَعَالَى إِنَّمَا تثبت بِالْكتاب والصحاح والمشاهير من الحَدِيث
وَقَالَت الطَّائِفَة الثَّانِيَة من السّلف الصَّالح الأَصْل الْإِيمَان بِجَمِيعِ مَا جَاءَ من عِنْد الله تَعَالَى وَصَحَّ عَن رَسُول الله ﷺ فِي حق صِفَات الله تَعَالَى مَعَ الْإِشَارَة إِلَى الْفَارِق بَين الْخَالِق والمخلوق وَيَقُولُونَ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿الرَّحْمَن على الْعَرْش اسْتَوَى﴾ الله أعلم بمراده مَعَ التَّنْزِيه أَو لَيْسَ كمثله شَيْء وَبَعض الْأَئِمَّة اعْتبر هَذَا القَوْل هُوَ قَول السّلف الصَّالح عَامَّة
قَالَ الإِمَام النَّوَوِيّ رَحمَه الله تَعَالَى فِي شَرحه لصحيح مُسلم عِنْد حَدِيث الرُّؤْيَة اعْلَم أَن لأهل الْعلم فِي أَحَادِيث الصِّفَات وآيات الصِّفَات قَوْلَيْنِ أَحدهمَا وَهُوَ مَذْهَب مُعظم السّلف أَو كلهم أَنه لَا يتَكَلَّم فِي مَعْنَاهُ بل يَقُولُونَ يجب علينا أَن نؤمن بهَا ونعقتد لَهَا معنى يَلِيق بِجلَال الله تَعَالَى وعظمته مَعَ اعتقادنا الْجَازِم أَن الله تَعَالَى لَيْسَ كمثله شَيْء وَأَنه منزه عَن التجسيم والانتقال والتحيز فِي جِهَة وَعَن سَائِر
следующие страницы →