Полный текст (225 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
يغْضب ويرضى وَلَيْسَ كَأحد من صِفَات الورى قَالَ شَارِحه الشَّيْخ عبد الْغَنِيّ الميداني صَاحب اللّبَاب فِي شرح الْكتاب فِي الْفِقْه الْحَنَفِيّ رَحمَه الله تَعَالَى لِأَنَّهُ تَعَالَى مُنْفَرد بصفاته لذاته فَكَمَا لَا تشبه ذَاته الذوات فصفاته لَا تشبه الصِّفَات لَيْسَ كمثله شَيْء وَهُوَ السَّمِيع الْبَصِير وَلَا يؤولان بِأَن المُرَاد ببغضه وَرضَاهُ إِرَادَة الانتقام ومشيئة الإنعام أَو المُرَاد غايتهما من النقمَة أَو النِّعْمَة قَالَ فَخر الْإِسْلَام الإِمَام الْبَزْدَوِيّ على بن مُحَمَّد صَاحب الْمَبْسُوط فِي الْفِقْه الْحَنَفِيّ وَيَقَع فِي ٣٠ جُزْءا وَهُوَ مطبوع فِي أُصُوله إِثْبَات الْيَد وَالْوَجْه حق عندنَا لكنه مَعْلُوم بِأَصْلِهِ متشابه بوصفه وَلَا يجوز إبِْطَال الأَصْل بِالْعَجزِ عَن دَرك الْوَصْف وَإِنَّمَا ضلت الْمُعْتَزلَة من هَذَا الْوَجْه فَإِنَّهُم ردوا الْأُصُول لجهلهم بِالصِّفَاتِ على وَجه الْمَعْقُول فصاروا معطلة ثمَّ قَالَ وَأهل السّنة وَالْجَمَاعَة أثبتوا مَا هُوَ الأَصْل الْمَعْلُوم بِالنَّصِّ أَي الْآيَات القطعية والدلالات اليقينية وتوقفوا فِيمَا هُوَ من الْمُتَشَابه وَهُوَ الْكَيْفِيَّة وَلم يجوزوا الِاشْتِغَال بِطَلَب ذَلِك كَمَا وصف الله تَعَالَى الراسخين فِي الْعلم فَقَالَ يَقُولُونَ آمنا بِهِ كل من عِنْد رَبنَا وَمَا يذكر إِلَّا أولو الْأَلْبَاب
وَقَالَ الشَّيْخ عَلَاء الدّين بن مُحَمَّد بن عابدين صَاحب حَاشِيَة ابْن عابدين على الدّرّ الْمُخْتَار رحمهمَا الله تَعَالَى فِي بحث المتشابهات من كَلَام وَمن هَذَا الْقَبِيل الْإِيمَان بحقائق مَعَاني مَا ورد من الْآيَات وَالْأَحَادِيث المتشابهات كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿الرَّحْمَن على الْعَرْش اسْتَوَى﴾ و ﴿يَد الله فَوق أَيْديهم﴾ وَقَوله ﵊ ينزل رَبنَا كل لَيْلَة إِلَى سَمَاء الدُّنْيَا الحَدِيث مَا ظَاهره يفهم أَن الله تَعَالَى لَهُ مَكَان وجارحة فَإِن السّلف كَانُوا يُؤمنُونَ بِجَمِيعِ ذَلِك على الْمَعْنى الَّذِي أَرَادَ الله تَعَالَى وَأَرَادَ رَسُوله ﷺ من غير أَن تطالبهم أنفسهم بفهم حَقِيقَة شَيْء من ذَلِك حَتَّى يطلعهم الله تَعَالَى عَلَيْهِ
وَقَالَ التَّابِعِيّ الْجَلِيل الإِمَام أَبُو حنيفَة رَحمَه الله تَعَالَى فِي الْفِقْه الْأَكْبَر لَهُ لَهُ يَد وَوجه وَنَفس كَمَا ذكره الله تَعَالَى فِي الْقُرْآن فَمَا ذكره الله تَعَالَى فِي القرآنمن ذكر الْوَجْه
стр. 37
وَالْيَد وَالنَّفس فَهُوَ لَهُ صِفَات بِلَا كَيفَ وَلَا يُقَال إِن يَده قدرته وَنعمته لِأَن فِيهِ إبِْطَال الصّفة وَهُوَ قَول أهل الْقدر والإعتزال لَكِن يَده صفته بِلَا كَيفَ وغضبه وَرضَاهُ صفتان من صِفَاته تَعَالَى بِلَا كَيفَ
وَقَالَ الْمُحَقق المتقن الشَّيْخ شُعَيْب الأرنؤوط مُحَقّق سير أَعْلَام النبلاء للذهبي وَشرح السّنة لِلْبَغوِيِّ وَزَاد الْمسير لِابْنِ الْجَوْزِيّ وَغَيرهَا فِي مُقَدّمَة أقاويل الثِّقَات فِي تَأْوِيل الْأَسْمَاء وَالصِّفَات للشَّيْخ مرعي بن يُوسُف الْحَنْبَلِيّ وَلَا بُد لي من التنويه على أَن مَذْهَب السّلف لَا يضرّهُ أَن يكون بعض المنتسبين إِلَيْهِ قد أثبتوا خطأ صِفَات الله تَعَالَى اعْتِمَادًا على أَحَادِيث ضَعِيفَة واهية الْتبس عَلَيْهِم أمرهَا لأَنهم لَيْسُوا من أهل الشَّأْن فَإِن صنيعهم هَذَا لَا علاقَة لَهُ بِصِحَّة وسلامة الْمنْهَج الذى انْتهى اليه السّلف فَمَا كَانَ من هَذَا الْقَبِيل مِمَّا هُوَ منشور فِي بعض الْكتب يرد وَلَا يقبل وَيتبع فِي ذَلِك الْقَاعِدَة الْعَامَّة فِي هَذَا الْبَاب وَغَيره فِي الِاعْتِمَاد على مَا صَحَّ من الْأَحَادِيث ورد مَا سواهُ
قلت وَمَا نسب إِلَى ابْن عَبَّاس ﵄ أَنه قَالَ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿اسْتَوَى على الْعَرْش﴾ اسْتَقر على الْعَرْش وَقد امْتَلَأَ بِهِ أَو صعد إِلَيْهِ أَو اسْتَوَت عِنْده الْخَلَائق وَمَا إِلَى ذَلِك فَذَلِك من رِوَايَة أبي صَالح وَمُحَمّد بن مَرْوَان الْكَلْبِيّ قَالَ الْبَيْهَقِيّ كلهم مَتْرُوك عِنْد أهل الْعلم بِالْحَدِيثِ لَا يحتجون بِشَيْء من رواياتهم لِكَثْرَة الْمَنَاكِير فِيهَا وَظُهُور الْكَذِب مِنْهُم فِي رواياتهم وَنقل عَن حبيب بن أبي ثَابت كُنَّا نُسَمِّيه دروغ زن يَعْنِي أَبَا صَالح مولى أم هانىء وَذكره بِسَنَدِهِ إِلَى عَليّ بن الْمَدِينِيّ قَالَ سَمِعت يحيى بن سعيد الْقطَّان يحدث عَن سُفْيَان قَالَ قَالَ الْكَلْبِيّ قَالَ لي ابو صَالح كل مَا حدثتك كذب
وَعَن سُفْيَان عَن الْكَلْبِيّ قَالَ قَالَ لي أَبُو صَالح انْظُر كل شَيْء رويت عني عَن ابْن عَبَّاس ﵄ فَلَا تروه
وَقَالَ أَبُو مُعَاوِيَة قُلْنَا للكلبي بَين لنا مَا سَمِعت من أبي صَالح وَمَا هُوَ قَوْلك فَإِذا الْأَمر عِنْده قَلِيل
стр. 38
وَقَالَ يحيى بن معِين الْكَلْبِيّ لَيْسَ بِشَيْء وَقَالَ الإِمَام البُخَارِيّ مُحَمَّد بن مَرْوَان الْكَلْبِيّ الْكُوفِي صَاحب الْكَلْبِيّ سكتوا عَنهُ وَلَا يكْتب حَدِيثه الْبَتَّةَ قلت وَكَيف يجوز أَن تكون مثل هَذِه الْأَقَاوِيل صَحِيحَة عَن ابْن عَبَّاس ﵄ ثمَّ لَا يَرْوِيهَا وَلَا يعرفهَا أحد من أَصْحَابه الْأَثْبَات مَعَ شدَّة الْحَاجة إِلَى مَعْرفَتهَا وَمَا تفرد بِهِ الْكَلْبِيّ وَأَمْثَاله يُوجب الْحَد لله تَعَالَى وَالْحَد يُوجب الْحَدث لحَاجَة الْحَد إِلَى حاد خصّه بِهِ والباري قديم لم يزل وَقد علم المشتغلون بالتفسير والْحَدِيث أَن ابْن عَبَّاس ﵄ هُوَ أَكثر من افتري عَلَيْهِ من أقاويل فِي التَّفْسِير والْحَدِيث وَلَعَلَّ ذَلِك كَانَ لمكانته ﵁ من رَسُول الله ﷺ ودعائه لَهُ أَن يفقهه الله فِي الدّين ويعلمه التَّأْوِيل ولكونه ابْن عَم رَسُول الله ﷺ وَإنَّك لتجد لَهُ تفاسير عدَّة فِي آيَة وَاحِدَة وتجد فِيهَا تنافرا وتعارضا وَلَا حول وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه أَلا لَيْت من يعد رِسَالَة دكتوراة أَن يكْتب فِي ابْن عَبَّاس ﵁ وجوانبه الْعَظِيمَة فِي الْعُلُوم ويمحص تمحيصا مَا رُوِيَ عَنهُ من أَقْوَال فِي التَّفْسِير وَفِي الإعتقاد وَأَحَادِيث فِي ذَلِك وَذَاكَ
وَظهر من قَالَ بِغَيْر دَلِيل من الْكتاب وَالسّنة إِن الله تَعَالَى اسْتَوَى بِذَاتِهِ فَوق الْعَرْش بَدَلا من ﴿اسْتَوَى على الْعَرْش﴾ الثَّابِت بِنَصّ الْقُرْآن الْكَرِيم وَإِن الله بَائِن من خلقه قَالَ الإِمَام الكوثري رَحمَه الله تَعَالَى وَلَفظ بَائِن من خلقه لم يرد فِي كتاب وَلَا سنة وَإِنَّمَا أطلق من أطلق من السّلف بِمَعْنى نفي الممازجة ردا على جهم لَا بِمَعْنى الابتعاد بالمسافة تَعَالَى الله عَن ذَلِك كَمَا صرح بذلك فِي الْأَسْمَاء وَالصِّفَات وَأما لفظ فَوق الْعَرْش فَلم يرد مَرْفُوعا إِلَّا فِي بعض طرق حَدِيث الأوعال من رِوَايَة ابْن مندة فِي التَّوْحِيد وَعبد الله بن عميرَة فِي سَنَده مَجْهُول الْحَال وَلم يدْرك الْأَحْنَف فضلا عَن الْعَبَّاس
وَقَالَ السلَفِي مُحَمَّد نَاصِر الدّين الألباني فِي مُقَدّمَة مُخْتَصر كتاب الْعُلُوّ للْإِمَام الذَّهَبِيّ بعد كَلَام وَمن هَذَا الْعرض تبين أَن هَاتين اللفظتين بِذَاتِهِ بَائِن لم تَكُونَا معروفتين فِي عهد الصَّحَابَة رضوَان الله عَلَيْهِم قلت وَلَا فِي عهد التَّابِعين
стр. 39
وَلَكِن لما ابتدع الجهم وَأَتْبَاعه القَوْل بِأَن الله فِي كل مَكَان اقْتضى ضَرُورَة الْبَيَان أَن يتَلَفَّظ هَؤُلَاءِ الْأَئِمَّة الْأَعْلَام بِلَفْظ بَائِن دون أَن يُنكره أحد مِنْهُم أَي من أُولَئِكَ الَّذين أَحدقُوا قلت لقد رأى أُولَئِكَ وَدون دَلِيل أَن سَبِيل الرَّد على الجهم الَّذِي حكم عَلَيْهِ بالْكفْر وَقتل عَلَيْهِ وَالْحَمْد لله هُوَ التَّلَفُّظ بِمَا يُوهم التَّشْبِيه والتجسيم فِي حق الله تَعَالَى والحلول فِي مَكَان فَقَالُوا مستو بِذَاتِهِ وبائن عَن خلقه فدفعوا تَعْطِيل الجهم وتأويله بِشَيْء قريب غير بعيد من حَيْثُ اللَّفْظ من تجسيم مُحَمَّد بن كرام السجسْتانِي حَتَّى ظَهَرُوا كَأَنَّهُمْ أَوْلِيَاء على الله تَعَالَى يضيفون إِلَيْهِ مَا شَاءُوا من الألقاب حرصا على التَّوْحِيد
أَلا ليتهم سكتوا نزهوا وفوضوا كَمَا فعل السّلف وَسَيَأْتِي بَيَان هَذَا
وَلَقَد تقدم قَول التَّابِعِيّ الْجَلِيل أبي حنيفَة رَحمَه الله تَعَالَى لَا يَنْبَغِي لأحد أَن ينْطق فِي الله تَعَالَى بِشَيْء من ذَاته وَلَكِن يصفه بِمَا وصف سُبْحَانَهُ بِهِ نَفسه وَلَا يَقُول فِيهِ بِرَأْيهِ شَيْئا
وَقَالَ إِمَام الْحَرَمَيْنِ رَحمَه الله تَعَالَى أجمع الْمُسلمُونَ على منع تَقْدِير صفة مُجْتَهد فِيهَا لله لَا يتَوَصَّل فِيهَا إِلَى قطع بعقل أَو سمع وَأجْمع الْمُحَقِّقُونَ على أَن الظَّوَاهِر يَصح تخصيصها أَو تَركهَا بمالا يقطع بِهِ من أَخْبَار الْآحَاد والأقيسة وَمَا يتْرك بِمَا لَا يقطع بِهِ كَيفَ يقطع بِهِ
الِاعْتِمَاد على الحَدِيث الصَّحِيح دون الضَّعِيف فِي العقائد
قَالَ ابْن الصّلاح فِي مُقَدّمَة فِي عُلُوم الحَدِيث يجوز عِنْد أهل الحَدِيث وَغَيرهم التساهل فِي الْأَسَانِيد وَرِوَايَة مَا سوى الْمَوْضُوع من أَنْوَاع الْأَحَادِيث الضعيفة من غير اهتمام بِبَيَان ضعفها فِيمَا سوى صِفَات الله تَعَالَى وَأَحْكَام الشَّرِيعَة من الْحَلَال وَالْحرَام وَغَيرهمَا وَذَلِكَ كالمواعظ والقصص وفضائل الْأَعْمَال وَسَائِر فنون التَّرْغِيب والترهيب وَسَائِر مَالا تعلق لَهُ بِالْأَحْكَامِ والعقائد وَمِمَّنْ روينَا عَنهُ التَّنْصِيص على التساهل فِي نَحْو
стр. 40
ذَلِك عبد الرَّحْمَن بن مهْدي وَأحمد بن حَنْبَل ﵄
وَقَالَ الإِمَام النَّوَوِيّ فِي التَّقْرِيب وَيجوز عِنْد أهل الحَدِيث وَغَيرهم التساهل فِي الْأَسَانِيد وَرِوَايَة مَا سوى الْمَوْضُوع من الضَّعِيف وَالْعَمَل بِهِ من غير بَيَان ضعفه فِي غير صِفَات الله تَعَالَى وَالْأَحْكَام كالحلال وَالْحرَام وَمَا لَا يتَعَلَّق بالعقائد وَالْأَحْكَام
وَقَالَ الإِمَام أَحْمد بن حَنْبَل فِي الْكَلْبِيّ الَّذِي تقدم ذكر حَاله يكْتب عَنهُ هَذِه الْأَحَادِيث يَعْنِي الْمَغَازِي وَنَحْوهَا فَإِذا جَاءَ الْحَلَال وَالْحرَام أردنَا قوما هَكَذَا يُرِيد أقوى مِنْهُ قَالَ الْبَيْهَقِيّ فَإِذا كَانَ لَا يحْتَج بِهِ فِي الْحَلَال وَالْحرَام فَأولى أَن لَا يحْتَج بِهِ فِي صِفَات الله وَإِنَّمَا نقموا عَلَيْهِ فِي رِوَايَته عَن أهل الْكتاب ثمَّ عَن ضعفاء النَّاس وتدليسه أساميهم
وَقَالَ الإِمَام الكوثري من كَلَام على أَنه قد عرف أَن الْمَوْقُوف لَيْسَ مِمَّا يحْتَج بِهِ فِي صِفَات الله وصفات الله تَعَالَى إِنَّمَا تثبت بِالْكتاب والصحاح والمشاهير من الحَدِيث
وَقَالَت الطَّائِفَة الثَّانِيَة من السّلف الصَّالح الأَصْل الْإِيمَان بِجَمِيعِ مَا جَاءَ من عِنْد الله تَعَالَى وَصَحَّ عَن رَسُول الله ﷺ فِي حق صِفَات الله تَعَالَى مَعَ الْإِشَارَة إِلَى الْفَارِق بَين الْخَالِق والمخلوق وَيَقُولُونَ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿الرَّحْمَن على الْعَرْش اسْتَوَى﴾ الله أعلم بمراده مَعَ التَّنْزِيه أَو لَيْسَ كمثله شَيْء وَبَعض الْأَئِمَّة اعْتبر هَذَا القَوْل هُوَ قَول السّلف الصَّالح عَامَّة
قَالَ الإِمَام النَّوَوِيّ رَحمَه الله تَعَالَى فِي شَرحه لصحيح مُسلم عِنْد حَدِيث الرُّؤْيَة اعْلَم أَن لأهل الْعلم فِي أَحَادِيث الصِّفَات وآيات الصِّفَات قَوْلَيْنِ أَحدهمَا وَهُوَ مَذْهَب مُعظم السّلف أَو كلهم أَنه لَا يتَكَلَّم فِي مَعْنَاهُ بل يَقُولُونَ يجب علينا أَن نؤمن بهَا ونعقتد لَهَا معنى يَلِيق بِجلَال الله تَعَالَى وعظمته مَعَ اعتقادنا الْجَازِم أَن الله تَعَالَى لَيْسَ كمثله شَيْء وَأَنه منزه عَن التجسيم والانتقال والتحيز فِي جِهَة وَعَن سَائِر
стр. 41
صِفَات الْمَخْلُوق وَهَذَا القَوْل هُوَ مَذْهَب جمَاعَة من الْمُتَكَلِّمين وَاخْتَارَهُ جمَاعَة من محققيهم وَهُوَ أسلم
وَقَالَ فِي مُقَدّمَة الْمَجْمُوع شرح الْمُهَذّب اخْتلفُوا فِي آيَات الصِّفَات وأخبارها هَل يخاض فِيهَا بالتأويل أم لَا فَقَالَ قَائِلُونَ تتأول على مَا يَلِيق بهَا وَهَذَا أشهر المذهبين للمتكلمين وَقَالَ آخَرُونَ لَا تتأول بل يمسك عَن الْكَلَام فِي مَعْنَاهَا أَو يُوكل علمهَا إِلَى الله تَعَالَى ويعتقد مَعَ ذَلِك تَنْزِيه الله تَعَالَى وَانْتِفَاء صِفَات الْحَادِث عَنهُ فَيُقَال مثلا نؤمن بِأَن ﴿الرَّحْمَن على الْعَرْش اسْتَوَى﴾ وَلَا نعلم حَقِيقَة معنى ذَلِك وَالْمرَاد بِهِ مَعَ أننا نعتقد أَن الله تَعَالَى لَيْسَ كمثله شَيْء وَأَنه منزه عَن الْحُلُول وسمات الْحُدُوث وَهَذِه طَريقَة السّلف أَو جماهيرهم وَهِي أسلم إِذْ لَا يُطَالب الْإِنْسَان بالخوض فِي ذَلِك فَإِذا اعْتقد التَّنْزِيه لَا حَاجَة إِلَى الْخَوْض فِي ذَلِك والمخاطرة فِيمَا لَا ضَرُورَة بل لَا حَاجَة إِلَيْهِ ... الخ
وَجَاء فِي المسامرة شرح المسايرة للكمال بن الْهمام من كَلَام وَقَالَ سلفنا فِي جملَة الْمُتَشَابه نؤمن بِهِ ونفوض تَأْوِيله إِلَى الله مَعَ تنزيهه عَمَّا يُوجب التَّشْبِيه وَالْحَد بِشَرْط أَن لَا يذكر إِلَّا مَا فِي الْقُرْآن وَلَا نبدله بِلَفْظ آخر حَكَاهُ التكساري وَغَيره وَهَذَا مَا قَالَه ابْن الْجَوْزِيّ فِي زَاد الْمسير وَأجْمع السّلف على أَن لَا يزِيدُوا على تِلَاوَة الْآيَة فَقَوْلهم لَا يشتق مِنْهُ الإسم يعنون وَالله أعلم أَن لَا يَقُولُوا مستو على الْعَرْش وَلَا يبدلون لَفْظَة على بِلَفْظ فَوق وَنَحْو ذَلِك تمسك سلفنا بقوله تَعَالَى ﴿وَمَا يعلم تَأْوِيله إِلَّا الله﴾ ... الخ ص ٣٢
قَالَ الإِمَام التِّرْمِذِيّ بعد ذكر حَدِيث النُّزُول من رِوَايَة أبي هُرَيْرَة ﵁ وَهُوَ على الْعَرْش كَمَا وصف بِهِ نَفسه فِي كِتَابه كَذَا قَالَ غير وَاحِد من أهل الْعلم فِي هَذَا الحَدِيث وَمَا يُشبههُ من الصِّفَات قَالَ على الْقَارِي من كَلَام وَالْحَاصِل أَن السّلف وَالْخلف مؤولون لإجماعهم على صرف اللَّفْظ عَن ظَاهره وَلَكِن تَأْوِيل السّلف إجمالي لتفويضهم إِلَى الله تَعَالَى وَتَأْويل الْخلف تفصيلي لاضطرارهم إِلَيْهِ لِكَثْرَة المبتدعين ... الخ
стр. 42
وَقَالَ الشَّيْخ مُحَمَّد أَمِين الشنقيطي رَحمَه الله تَعَالَى فِي تَفْسِيره عِنْد قَوْله تَعَالَى ثمَّ اسْتَوَى على الْعَرْش يغشي اللَّيْل وَالنَّهَار الأعرف ٥٤ هَذِه الْآيَة الْكَرِيمَة وأمثالها من آيَات الصِّفَات كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿يَد الله فَوق أَيْديهم﴾ وَنَحْو ذَلِك اشكلت على كثير من النَّاس إشْكَالًا ضل بِسَبَبِهِ خلق لَا يُحْصى كَثْرَة فَصَارَ قوم إِلَى التعطيل وَقوم إِلَى التَّشْبِيه علوا كَبِيرا عَن ذَلِك كُله وَالله جلّ وَعلا أوضح هَذَا غَايَة الْإِيضَاح وَلم يتْرك فِيهِ أَي لبس أَو إِشْكَال وَحَاصِل تَحْرِير ذَلِك أَن الله تَعَالَى بَين أَن الْحق فِي آيَات الصِّفَات متركب على أَمريْن
أَحدهمَا تَنْزِيه الله تَعَالَى من مشابهة الْحَوَادِث فِي صفاتهم عَن ذَلِك علوا كَبِيرا
وَالثَّانِي الْإِيمَان بِكُل مَا وصف الله بِهِ نَفسه أَو وَصفه بِهِ رَسُوله ﷺ لِأَنَّهُ لَا يصف الله تَعَالَى أحد أعلم بِاللَّه من الله ﴿أأنتم أعلم أم الله﴾ وَلَا يصف الله تَعَالَى بعد الله أعلم من رَسُول الله ﷺ الَّذِي قَالَ تَعَالَى فِيهِ ﴿وَمَا ينْطق عَن الْهوى إِن هُوَ إِلَّا وَحي يُوحى﴾ فَمن نفى عَن الله تَعَالَى وَصفا أثْبته لنَفسِهِ فِي كِتَابه الْعَزِيز أَو أثْبته لَهُ رَسُوله ﷺ زاعما أَن ذَلِك الْوَصْف يلْزمه مَالا يَلِيق بِاللَّه فقد جعل نَفسه أعلم من الله وَرَسُوله بِمَا يَلِيق بِهِ سُبْحَانَهُ ثمَّ قَالَ وَمن اعْتقد أَن وصف الله تَعَالَى يشابه صِفَات الْخلق فَهُوَ مشبه ملحد ضال وَمن أثبت لله تَعَالَى مَا أثْبته لنَفسِهِ وأثبته لَهُ رَسُوله ﷺ مَعَ تنزيهه تَعَالَى عَن مشابهة الْخلق فَهُوَ مُؤمن جَامع بَين الْإِيمَان بِصِفَات الْكَمَال والجلال والتنزيه عَن مشابهة الْخلق سَالم من ورطة التَّشْبِيه والتعطيل
وَالْآيَة الَّتِي أوضح الله تَعَالَى بهَا هَذَا هِيَ قَوْله تَعَالَى لَيْسَ كمثله شَيْء وَهُوَ السَّمِيع الْبَصِير فنفى عَن نَفسه مماثلة الْحَوَادِث بقوله لَيْسَ كمثله شَيْء وَأثبت لنَفسِهِ صِفَات الْكَمَال والجلال بقوله ﴿وَهُوَ السَّمِيع الْبَصِير﴾ فَصرحَ فِي هَذِه الْآيَة بِنَفْي الْمُمَاثلَة مَعَ الاتصاف بِصِفَات الْكَمَال والجلال
قَالَ مُحَمَّد بن مَرْزُوق الزَّعْفَرَانِي حَدثنَا الْحَافِظ أَبُو بكر الْخَطِيب قَالَ أما الْكَلَام فِي
стр. 43
الصِّفَات فَإِن مَا رُوِيَ مِنْهَا فِي السّنَن الصِّحَاح مَذْهَب السّلف إِثْبَاتهَا وإجراؤها على ظواهرها وَنفي التَّشْبِيه عَنْهَا وَقد نفاها قوم فأبطلوا مَا أثْبته الله تَعَالَى وحققها قوم من المشبهة فَخَرجُوا فِي ذَلِك إِلَى ضرب من التَّشْبِيه والتكييف والفصل إِنَّمَا هُوَ سلوك الطَّرِيقَة المتوسطة بَين الْأَمريْنِ وَدين الله بَين الغالي والمقصر عَنهُ وَالْأَصْل فِي هَذَا أَن الْكَلَام فِي الصِّفَات فرع الْكَلَام عَن الذَّات ويحتذى فِي ذَلِك حذوه ومثاله وَإِذا كَانَ الْمَعْلُوم فِي إِثْبَات رب الْعَالمين هُوَ إِثْبَات وجود لَا إِثْبَات كَيْفيَّة فَكَذَلِك إِثْبَات صِفَاته إِنَّمَا هُوَ إِثْبَات وجود لَا إِثْبَات تَحْدِيد وتكييف فَإِذا قُلْنَا لله يَد وَسمع وبصر فَإِنَّمَا هِيَ صِفَات أثبتها الله تَعَالَى لنَفسِهِ وَلَا نقُول إِن معنى الْيَد الْقُدْرَة وَلَا إِن معنى السّمع وَالْبَصَر الْعلم وَلَا نقُول إِنَّهَا جوارح وَلَا نشبهها بِالْأَيْدِي والأسماع والأبصار الَّتِي هِيَ جوارح وأدوات الْعقل ونقول إِنَّمَا وَجب إِثْبَاتهَا لِأَن التَّوْقِيف ورد بهَا أَي النَّص وَوَجَب نفي التَّشْبِيه عَنْهَا لقَوْله تَعَالَى لَيْسَ كمثله شَيْء ﴿وَلم يكن لَهُ كفوا أحد﴾
الْخلف
هم الطَّائِفَة الْكَثِيرَة الْكَبِيرَة من الْأَئِمَّة وَالْعُلَمَاء الثِّقَات من الْفُقَهَاء والمحدثين وعلماء أصُول الدّين وَغَيرهم الَّذين جَاءُوا بعد الْمِائَة الثَّالِثَة فَقَالُوا فِي آيَات الصِّفَات وأحاديثها بِمَا يُسمى تَأْوِيلا تفصيليا يعنون تَفْصِيل مَا أجمل السّلف القَوْل فِيهِ من مثل مَعَ تَنْزِيه الله تَعَالَى عَن مشابهة الْخلق فَقَالُوا لَعَلَّ الْمَعْنى الْمَقْصُود هُوَ كَذَا وَكَذَا
وَفِي هَذَا الْبَاب نقاط هَامة جديرة بالإبانة والإيضاح
أ - اتّفقت الطَّائِفَة الثَّانِيَة من السّلف كَمَا نقلنا على مَا يُسمى التَّأْوِيل الإجمالي فِي حق صِفَات الله تَعَالَى ويعنون نِسْبَة مَا نسب الله تَعَالَى إِلَى نَفسه من صِفَات وَصَحَّ نِسْبَة رَسُول الله ﷺ ذَلِك إِلَيْهِ مَعَ التَّنْزِيه عَن مشابهة الْخلق
ثمَّ جَاءَ بعدهمْ الْخلف الَّذين يُؤمنُونَ بِجَمِيعِ ذَلِك لَكِن يؤولون تَأْوِيلا تفصيليا مَا كَانَ من الصِّفَات موهما التَّشْبِيه والتجسيم فَقَالُوا مثلا فِي قَوْله تَعَالَى الرَّحْمَن على
стр. 44
الْعَرْش اسْتَوَى) إِن ظَاهر الْآيَة غير مُرَاد لِأَن ذَلِك يَعْنِي حَاجَة الله تَعَالَى إِلَى شَيْء من خلقه وَالله تَعَالَى كَانَ وَلَا عرش وَلَا كرْسِي وَلَا سَمَاء وَلَا أَرض وَهُوَ الْآن على مَا عَلَيْهِ كَانَ ﴿الله لَا إِلَه إِلَّا هُوَ الْحَيّ القيوم﴾ آيَة الْكُرْسِيّ
ثمَّ قَالُوا الاسْتوَاء يَأْتِي فِي اللُّغَة الْعَرَبيَّة بمعان مِنْهَا الْعُلُوّ والصعود والاستيلاء والانتهاء وَغير ذَلِك وَيَقُولُونَ أخيرا إِن الصعُود على الْعَرْش من أجل الْجُلُوس عَلَيْهِ لَيْسَ مرَادا لما فِيهِ من التجسيم الْمُبْطل شرعا وعقلا وَاللَّفْظ يحْتَمل مَعَاني عديدة وَالله أعلم بمراده حَقِيقَة فمآل الْخلف إِلَى التَّسْلِيم وَنسبَة معرفَة المُرَاد إِلَى الله تَعَالَى فِي أَخْبَار الصِّفَات
روى ابْن حبَان فِي صَحِيحه عَن أبي هُرَيْرَة ﵁ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ ينزل رَبنَا جلّ وَعلا كل لَيْلَة إِلَى سَمَاء الدُّنْيَا حِين يبْقى ثلث اللَّيْل الْأَخير فَيَقُول من يدعوني فأستجيب لَهُ من يسأنلي فَأعْطِيه من يستغفرني فَأغْفِر لَهُ
قَالَ أَبُو حَاتِم هُوَ ابْن حبَان ﵁ صِفَات الله جلّ وَعلا لَا تكيف وَلَا تقاس إِلَى صِفَات المخلوقين فَكَمَا أَن الله جلّ وَعلا مُتَكَلم من غير الة بأسنان ولهوات ولسان وشفة كالمخلوقين جلّ رَبنَا وَتَعَالَى عَن مثل هَذَا وأشباهه وَلم يجز أَن يُقَاس كَلَامه إِلَى كلامنا لِأَن كَلَام المخلوقين لَا يُوجد إِلَّا بآلات وَالله جلّ وَعلا يتَكَلَّم كَمَا يَشَاء بِلَا آلَة وَيسمع من غير أذن وصماخين والتواء وغضاريف فِيهَا بل يسمع كَيفَ يَشَاء بِلَا آلَة كَذَلِك ينزل بِلَا آلَة وَلَا تحرّك وَلَا انْتِقَال من مَكَان إِلَى مَكَان وَكَذَلِكَ السّمع وَالْبَصَر فَكَمَا لم يجز أَن يُقَال إِن الله يبصر كبصرنا بالأشفار والحدق وَالْبَيَاض بل يبصر كَيفَ يَشَاء بِلَا آلَة وَكَذَلِكَ ينزل كَيفَ يَشَاء بِلَا آلَة من غير أَن يُقَاس نُزُوله إِلَى نزُول المخلوقين كَمَا يكيف نزولهم جلّ رَبنَا وتقدس من أَن يشبه صِفَاته بِشَيْء من صِفَات المخلوقين
وَقَالَ ابْن حزم عِنْد قَوْله تَعَالَى ﴿الرَّحْمَن على الْعَرْش اسْتَوَى﴾ قَول الله تَعَالَى يجب حمله على ظَاهره مَا لم يمْنَع من حمله على ظَاهره نَص آخر أَو إِجْمَاع أَو ضَرُورَة
стр. 45
حس وَقد علمنَا أَن كل مَا كَانَ فِي مَكَان فَإِنَّهُ شاغل لذَلِك الْمَكَان ومالىء لَهُ ومتشكل بشكله وَلَا بُد من أحد أَمريْن ضَرُورَة وَعلمنَا أَن مَا كَانَ فِي مَكَان فَإِنَّهُ متناه بتناهي مَكَانَهُ وَهُوَ ذُو جِهَات سِتّ أَو خمس متناهية فِي مَكَانَهُ وَهَذِه كلهَا صِفَات الْجِسْم ثمَّ قَالَ وأجمعت الْأمة على أَنه لَا يَدْعُو أحد فَيَقُول يَا مستوي ارْحَمْنِي وَلَا يُسَمِّي ابْنه عبد المستوي ثمَّ قَالَ إِن معنى قَوْله تَعَالَى ﴿على الْعَرْش اسْتَوَى﴾ أَنه فعل فعله فِي الْعَرْش وَهُوَ انْتِهَاء خلقه إِلَيْهِ فَلَيْسَ بعد الْعَرْش شَيْء وَالْعرش نِهَايَة جرم الْمَخْلُوقَات الَّذِي لَيْسَ خَلفه خلاء وَلَا ملاء وَمن أنكر أَن يكون للْعَالم نِهَايَة من المساحة وَالزَّمَان وَالْمَكَان فقد لحق بقول الدهرية وَفَارق الْإِسْلَام
ب - اتّفق السّلف وَالْخلف الصَّالح على أَن ثمَّة نصوصا يجب تَأْوِيلهَا تَفْصِيلًا من كتاب الله تَعَالَى وصحيح سنة رَسُول الله ﷺ فِي حق صِفَات الله تَعَالَى
فَالله تَعَالَى يَقُول ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاء إِلَه وَفِي الأَرْض إِلَه﴾ ﴿وَهُوَ الله فِي السَّمَاوَات وَفِي الأَرْض يعلم سركم وجهركم وَيعلم مَا تكسبون﴾ ﴿أأمنتم من فِي السَّمَاء أَن يخسف بكم الأَرْض فَإِذا هِيَ تمور﴾ ﴿الرَّحْمَن على الْعَرْش اسْتَوَى﴾ ﴿وَالله مَعكُمْ وَلنْ يتركم أَعمالكُم﴾ ﴿إِذْ يَقُول لصَاحبه لَا تحزن إِن الله مَعنا﴾ وَهُوَ مَعَهم إِذْ يبيتُونَ مَالا يرضى من القَوْل وَكَانَ الله بِمَا يعْملُونَ محيطا ﴿مَا يكون من نجوى ثَلَاثَة إِلَّا هُوَ رابعهم﴾ ﴿لله مَا فِي السَّمَاوَات وَالْأَرْض إِن الله هُوَ الْغَنِيّ الحميد﴾
وَيَقُول ﷻ لمُوسَى ﵇ ﴿ولتصنع على عَيْني﴾ وَيَقُول لنوح ﵇ واصنع الْفلك بأعيننا ووحينا وَلَا تخاطبني فِي الَّذين ظلمُوا إِنَّهُم
стр. 46
مفرقون) ﴿تجْرِي بأعيننا جَزَاء لمن كَانَ كفر﴾ ﴿واصبر لحكم رَبك فَإنَّك بأعيننا وَسبح بِحَمْد رَبك حِين تقوم وَمن اللَّيْل فسبحه وإدبار النُّجُوم﴾
وَيَقُول ﴿يَد الله فَوق أَيْديهم فَمن نكث فَإِنَّمَا ينْكث على نَفسه﴾ مَا مَنعك أَن تسْجد لما خلقت بيَدي أستكبرت أم كنت من الْعَالمين ﴿بل يَدَاهُ مبسوطتان ينْفق كَيفَ يَشَاء﴾ ﴿مِمَّا عملت أَيْدِينَا أنعاما فهم لَهَا مالكون﴾
وَيَقُول ﷻ ﴿قد مكر الَّذين من قبلهم فَأتى الله بنيانهم من الْقَوَاعِد فَخر عَلَيْهِم السّقف من فَوْقهم وأتاهم الْعَذَاب من حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ﴾ ﴿وَنحن أقرب إِلَيْهِ مِنْكُم وَلَكِن لَا تبصرون﴾ ﴿وَنحن أقرب إِلَيْهِ من حَبل الوريد﴾ ﴿أَن تَقول نفس يَا حسرتى على مَا فرطت فِي جنب الله وَإِن كنت لمن الساخرين﴾ ﴿كل من عَلَيْهَا فان وَيبقى وَجه رَبك ذُو الْجلَال وَالْإِكْرَام﴾ فوَاللَّه بِكُل شَيْء عليم ﴿أم حسبتم أَن تدْخلُوا الْجنَّة وَلما يعلم الله الَّذين جاهدوا مِنْكُم وَيعلم الصابرين﴾
فِي أَمْثَالهَا من الْآيَات الْكَرِيمَة
وَقَالَ رَسُول الله ﷺ فِيمَا يرويهِ عَن ربه كنت سَمعه الَّذِي يسمع بِهِ وَيَده الَّتِي يبطش بهَا وَرجله الَّتِي يمشي بهَا الحَدِيث // رَوَاهُ البُخَارِيّ // وَغَيره
وَقَالَ ﷺ فِيمَا يرويهِ عَن ربه أَنا عِنْد ظن عَبدِي بِي وَإِذا أَتَانِي يمشي أَتَيْته هرولة الحَدِيث // رَوَاهُ البُخَارِيّ // وَغَيره وَقَالَ ﷺ لَا يزَال الله تَعَالَى مُقبلا على
стр. 47
العَبْد فِي صلَاته مالم يلْتَفت فَإِذا صرف وَجهه انْصَرف عَنهُ // رَوَاهُ أَحْمد وَأَبُو دَاوُد وَغَيرهمَا // وَقَالَ ﷺ إِن الله قبل وَجه أحدكُم إِذا صلى فَلَا يبصق بَين يَدَيْهِ // رَوَاهُ البُخَارِيّ // وَغَيره
وَفِي لفظ لَهُ فَإِن الله قبل وَجهه إِذا صلى وَقَالَ رَسُول الله ﷺ لَا يوطن الرجل الْمَسْجِد للصَّلَاة أَو لذكر الله تَعَالَى إِلَّا تبشبش الله لَهُ كَمَا يتبشبش أهل الْغَائِب إِذا قدم عَلَيْهِم غائبهم رَوَاهُ ابْن حبَان فِي صَحِيحه ٣ / ١٠١٠
لقد أنزل الله تَعَالَى الْقُرْآن الْكَرِيم بِلِسَان عَرَبِيّ مُبين على سنَن الْعَرَب فِي الْبَيَان وَمن أساليب الْعَرَب الْحَقِيقَة وَالْمجَاز والإستعارة والتشبيه وَالْكِنَايَة وَلَا بُد أَن ذَلِك جَار فِي كتاب الله فعلا وَإِن خَالف بَعضهم فِي بعض التسميات فنفى الْمجَاز فِي الْقُرْآن الْكَرِيم بِمَعْنى التَّسْمِيَة بذلك فَالْكل متفقون فِي مثل قَوْله تَعَالَى ﴿واخفض لَهما جنَاح الذل من الرَّحْمَة﴾ أَن الْحَقِيقَة غير مُرَادة بل المُرَاد الخضوع وَالطَّاعَة للْوَالِدين
فَكيف نفرق بَين هَذِه النُّصُوص الَّتِي يَبْدُو على ظَاهرهَا خلاف وَالله تَعَالَى يَقُول ﴿وَلَو كَانَ من عِنْد غير الله لوجدوا فِيهِ اخْتِلَافا كثيرا﴾ وَبَين مَا عرف من الْأَدِلَّة القطعية ومرده النُّصُوص والآيات وَالْقَوَاعِد الْعَقْلِيَّة من اسْتِحَالَة كَون الله تَعَالَى جسما وأبعاضا أَو تحل فِيهِ الْحَوَادِث أَو يحْتَاج إِلَى شَيْء من خلقه أَو يكون فِي مَكَان وجيز حينا وَفِي مَكَان وحيز حينا آخر وَالله تَعَالَى خلق كل شَيْء خَالق كل شَيْء
قَالَ الشَّيْخ الدكتور مُحَمَّد سعيد رَمَضَان حفظه الله تَعَالَى الْجَواب أَن هَذِه النُّصُوص القرآنية هِيَ من الْمُتَشَابه الَّذِي ذكر الله تَعَالَى فِي كِتَابه الْكَرِيم آيَات مِنْهُ وَالْمَقْصُود بالمتشابه كل نَص تجاذبته الِاحْتِمَالَات حول الْمَعْنى المُرَاد مِنْهُ وأوهم بِظَاهِرِهِ مَا قَامَ من الْأَدِلَّة على نَفْيه غير أَن هُنَالك آيَات أُخْرَى تتَعَلَّق بِصِفَات الله تَعَالَى وَلكنهَا محكمات أَي قاطعات فِي دلالاتها لَا تحْتَمل إِلَّا مَعْنَاهَا الْوَاضِح الصَّرِيح كَقَوْلِه تَعَالَى لَيْسَ كمثله شَيْء وَهُوَ السَّمِيع الْبَصِير و ﴿قل هُوَ الله أحد الله الصَّمد لم يلد وَلم يُولد وَلم يكن لَهُ كفوا أحد﴾
стр. 48
وَقد أوضح الله تَعَالَى فِي الْقُرْآن الْكَرِيم ضَرُورَة اتِّبَاع الْمُؤمن للنصوص المحكمة فِي كِتَابه وَبِنَاء عقيدته فِي الله بموجبها ووضح النُّصُوص المتشابهة من وَرَائِهَا من حَيْثُ فهمها وَالْوُقُوف على الْمَعْنى المُرَاد بهَا وشدد النكير على من يتجاهل النُّصُوص المحكمة النيرة القاطعة ليلحق بالعبارة المتشابهة الغامضة ويفسرها كَمَا يَشَاء وَذَلِكَ فِي قَوْله هُوَ الَّذِي أنزل عَلَيْك الْكتاب مِنْهُ آيَات محكمات هن أم الْكتاب وَأخر متشابهات فَأَما الَّذين فِي قُلُوبهم زيغ فيتبعون مَا تشابه مِنْهُ ابْتِغَاء الْفِتْنَة وابتغاء تَأْوِيله وَمَا يعلم تَأْوِيله إِلَّا الله والراسخون فِي الْعلم يَقُولُونَ آمنا بِهِ كل من عِنْد رَبنَا وَمَا يذكر إِلَّا أولو الْأَلْبَاب
وَبِنَاء على ذَلِك فقد اتّفق الْمُسلمُونَ كلهم على تَنْزِيه الله تَعَالَى عَمَّا يَقْتَضِيهِ ظَاهر تِلْكَ النُّصُوص القرآنية من إِثْبَات الْمَكَان والجوارح والأعضاء وطرو الْحَوَادِث عَلَيْهِ تمسكا بالمحكم من النُّصُوص الدَّالَّة على ذَلِك وتنفيذا لأمر الله ولتحذيره من اتِّبَاع الْمُتَشَابه والخوض فِي تَأْوِيله مَعَ ترك الْمُحكم الْوَاضِح
وَبعد أَن اتَّفقُوا على ذَلِك وَهَذَا هُوَ الْقدر الَّذِي يجب أَن يَعْتَقِدهُ كل مُسلم اخْتلفُوا فِي موقفهم من تِلْكَ النُّصُوص المتشابهة إِلَى مذهبين
أَولهمَا تمسك بِهِ السّلف المتقدمون وَثَانِيهمَا جنح إِلَيْهِ من بعدهمْ من الْمُتَأَخِّرين من منتصف الْقرن الرَّابِع فَذهب السّلف إِلَى عدم الْخَوْض فِي تَأْوِيل وَتَفْسِير تفصيلي لهَذِهِ النُّصُوص والاكتفاء بتنزيه الله تَعَالَى عَن كل نقص ومشابهة للحوادث وسبيل ذَلِك التَّأْوِيل الإجمالي لهَذِهِ النُّصُوص وتحويل الْعلم التفصيلي بِالْمَقْصُودِ مِنْهَا إِلَى الله
أما ترك هَذِه النُّصُوص على ظَاهرهَا دون تَأْوِيل سَوَاء كَانَ إجماليا أَو تفصيليا فَهُوَ غير جَائِز وَهُوَ شَيْء لم يجنح إِلَيْهِ سلف وَلَا خلف كَيفَ وَلَو فعلت ذَلِك لحملت عقلكمعاني متناقضة فِي كثير من هَذِه الصِّفَات فقد أسْند الله تَعَالَى إِلَى نَفسه الْعين بِالْإِفْرَادِ فِي قَوْله ﴿ولتصنع على عَيْني﴾ وَأسْندَ مرّة إِلَى نَفسه الْأَعْين بِالْجمعِ فَقَالَ ﴿واصبر لحكم رَبك فَإنَّك بأعيننا﴾ فَلَو ذهبت تفسر كلا من الأيتين على ظاهرهما دون أَي تَأْوِيل لألزمت الْقُرْآن الْكَرِيم بتناقض هُوَ مِنْهُ بَرِيء
стр. 49
وتقرأ قَول الله تَعَالَى ﴿الرَّحْمَن على الْعَرْش اسْتَوَى﴾ وَقَوله ﴿وَنحن أقرب إِلَيْهِ من حَبل الوريد﴾ فَلَو فسرت الْآيَتَيْنِ على ظاهرهما دون أَي تَأْوِيل إجمالي أَو تفصيلي لالزمت كتاب الله تَعَالَى بالتناقض الْوَاضِع إِذْ كَيفَ يكوف مستويا على عَرْشه وَبِدُون تَأْوِيل وَيكون فِي الْوَقْت نَفسه أقرب من حَبل الوريد عرق فِي الْعُنُق بِدُونِ تَأْوِيل وتقرأ قَوْله تَعَالَى ﴿أأمنتم من فِي السَّمَاء أَن يخسف بكم الأَرْض فَإِذا هِيَ تمور﴾ وَقَوله تَعَالَى ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاء إِلَه وَفِي الأَرْض إِلَه﴾ فَإِن فسرتهما على ظاهرهما أقحمت التَّنَاقُض أَيْضا فِي كتاب الله ﷻ كَمَا هُوَ وَاضح وَلَكِن حِين تنزه الله تَعَالَى حِيَال جَمِيع هَذِه الْآيَات عَن مشابهة مخلوقة فِي أَن يتحيز فِي مَكَان وَتَكون لَهُ أبعاض وأعضاء وَصُورَة وشكل ثمَّ تكل تَفْصِيل الْمَقْصُود بِهَذِهِ النُّصُوص إِلَى الله ﷻ تكون قد سلمت من التَّنَاقُض فِي الْفَهم وسلمت الْقُرْآن من توهم أَي تنَاقض فِيهِ
وَهَذِه هِيَ طَريقَة السّلف رَحِمهم الله تَعَالَى أَلا تراهم يَقُولُونَ أمروها بِلَا كَيفَ إِذْ لَوْلَا أَنهم يؤولونها تَأْوِيلا إجماليا بِالْمَعْنَى الَّذِي أوضحنا لما صَحَّ مِنْهُم أَن يَقُولُوا ذلكإذ لماذا يمرونها بِلَا كَيفَ وَدلَالَة اللُّغَة والصياغة الْعَرَبيَّة الْوَاضِحَة تمنع كل لبس أَو جهل سَوَاء فِي أصل الْمَعْنى أَو فِي كيفيته وَلَكنهُمْ أيقنوا أَن الْكَيْفِيَّة لَيست على ظَاهر مَا تدل عَلَيْهِ الصياغة الْعَرَبيَّة واللغة بِسَبَب مَا دلّت عَلَيْهِ الْآيَات المحكمة الْأُخْرَى
وَهَذَا تَأْوِيل إجمالي وَاضح إِلَّا أَنهم لم يقحموا أنفسهم فِي تَفْسِير هَذِه النُّصُوص بكيفيات أُخْرَى يلتزمونها وَهَذَا هُوَ التَّوَقُّف عَن التَّأْوِيل التفصيلي فَتَأمل ذَلِك فَإِنَّهُ دَقِيق وَهُوَ الْحق الَّذِي لَا يَنْبَغِي أَن يلتبس عَلَيْهِ بِغَيْرِهِ
وَمذهب الْخلف الَّذين جَاءُوا من بعدهمْ هُوَ تَأْوِيل هَذِه النُّصُوص بِمَا يَضَعهَا على صِرَاط وَاحِد من الْوِفَاق مَعَ النُّصُوص المحكمة الْأُخْرَى الَّتِي تقطع بتنزيه الله تَعَالَى عَن الْجِهَة وَالْمَكَان والجارحة ففسروا الاسْتوَاء فِي ﴿الرَّحْمَن على الْعَرْش اسْتَوَى﴾ بتسلط الْقُوَّة وَالسُّلْطَان وَهُوَ معنى ثَابت فِي اللُّغَة مَعْرُوف وفسروا الْيَدَيْنِ فِي الْآيَة الْأُخْرَى ﴿لما خلقت بيَدي﴾ ﴿بل يَدَاهُ مبسوطتان﴾ بِالْقُوَّةِ أَو بِالْكَرمِ وَالْعين فِي ﴿ولتصنع على عَيْني﴾ بالعناية وَالرِّعَايَة وفسروا الأصبعين فِي الحَدِيث إِن قُلُوب
стр. 50
الْعباد بَين أصبعين من أَصَابِع الرَّحْمَن بالإرادة وَالْقُدْرَة وَقَالُوا فِي حَدِيث إِن الله خلق آدم على صورته إِن الضَّمِير رَاجع إِلَى آدم ﵇ لَا إِلَى ذَات الله تَعَالَى أَي إِن الله تَعَالَى خلق آدم ﵇ مُنْذُ اللحظة الأولى الَّتِي أوجده فِيهَا على صورته وهيئته الَّتِي كَانَ يتمتع بهَا فِيمَا بعد فَلم يتطور من شكل إِلَى آخر ثمَّ قَالَ إِن مَذْهَب السّلف كَانَ هُوَ الْأَفْضَل فِي زمنهم فَيَقُول حفظه الله تَعَالَى اعْلَم أَن مَذْهَب السّلف فِي عصرهم كَانَ هُوَ الْأَفْضَل والأسلم والأوفق للْإيمَان الفطري المرتكز فِي كل من الْعقل وَالْقلب وَمذهب الْخلف فِي عصرهم أصح وَهُوَ الْمصير الَّذِي لَا يُمكن التَّحَوُّل عَنهُ بِسَبَب مَا قَامَ من الْمذَاهب الفكرية والمناقشات العلمية وبسبب ظُهُور عُلُوم البلاغة الْعَرَبيَّة مقعدة فِي قَوَاعِد من الْمجَاز والتشبيه والاستعارة
وَهَكَذَا كَانَ بوسع الإِمَام مَالك رَحمَه الله تَعَالَى أَن يَقُول فِي عصره لذَلِك الَّذِي سَأَلَهُ عَن معنى الإستواء فِي الْآيَة الكيف غير مَعْقُول والإستواء غير مَجْهُول وَالْإِيمَان بِهِ وَاجِب وَالسُّؤَال عَنهُ بِدعَة إِذْ كَانَ الْعَصْر عصر إِيمَان ويقين راسخين بِسَبَب قرب الْعَهْد بعصر النُّبُوَّة وامتداد الْإِشْرَاق إِلَيْهِ وَلَكِن لم يكن للأئمة الَّذين كَانُوا فِي عصر التدوين وازدهار الْعُلُوم واتساع حلقات الْبَحْث وفنون البلاغة أَن يسلمُوا ذَلِك التَّسْلِيم دون أَن يحللوا هَذِه النُّصُوص على ضوء مَا انْتَهوا إِلَيْهِ من فنون البلاغة وَالْمجَاز خُصُوصا أَن فهم الزَّنَادِقَة الَّذين لَا يقنعهم مَنْهَج التَّسْلِيم ويتظاهرون بِالْحَاجةِ إِلَى الْفَهم التفصيلي وَإِن كَانُوا فِي حَقِيقَة الْأَمر لَيْسُوا كَذَلِك
والمهم أَن تعلم أَن كلا المذهبين متجهان فِي غَايَة وَاحِدَة لِأَن المَال فيهمَا إِلَى أَن الله لَا يُشبههُ شَيْء من مخلوقاته وَأَنه منزه عَن جَمِيع صِفَات النَّقْص فَالْخِلَاف الَّذِي نرَاهُ بَينهمَا خلاف لَفْظِي وشكلي فَقَط
قَالَ الشَّيْخ الكوثري رَحمَه الله تَعَالَى ﴿الرَّحْمَن على الْعَرْش اسْتَوَى﴾ من أنكر أَن الرَّحْمَن على الْعَرْش اسْتَوَى فقد أنكر آيَة من الذّكر الْحَكِيم فيكفر لَكِن الاسْتوَاء الثَّابِت لَهُ سُبْحَانَهُ اسْتِوَاء يَلِيق بجلاله على مُرَاد الله وعَلى مُرَاد رَسُوله ﷺ من غير خوض فِي الْمَعْنى كَمَا هُوَ مَسْلَك السّلف مِنْهُم ابْن مهْدي ومسلك الْخلف الْحمل على الْملك وَنَحْوه
стр. 51
على مُقْتَضى اللُّغَة وَلَيْسَ فِي ذَلِك إِنْكَار الْآيَة فحاشاهم من ذَلِك وَأما حمله على الْجُلُوس والاستقرار فَهُوَ الزيغ الْمُبين
وَقَالَ الشَّيْخ عَلَاء الدّين بن عابدين رحمهمَا الله تَعَالَى فَإِن السّلف كَانُوا يُؤمنُونَ بِجَمِيعِ ذَلِك على الْمَعْنى الَّذِي اراده الله تَعَالَى وأراده رَسُوله ﷺ من غير أَن تطالبهم أنفسهم بفهم حَقِيقَة شَيْء من ذَلِك حَتَّى يطلعهم الله تَعَالَى عَلَيْهِ
وَأما الْخلف فَلَمَّا ظَهرت الْبدع والضلالات ارتكبوا تَأْوِيل ذَلِك وَصَرفه عَن ظَاهره مَخَافَة الْكفْر فَاخْتَارُوا بِدعَة التَّأْوِيل يَعْنِي التَّوَسُّع فِيهِ على كفر الْحمل على الظَّاهِر الموهم للتجسيم والتشبيه وَقَالُوا اسْتَوَى بِمَعْنى استولى أَو بِمَعْنى اسْتَوَى عِنْده خلق الْعَرْش وَخلق الْبَعُوضَة أَو اسْتَوَى علمه بِمَا فِي الْعَرْش وَغَيره
وَالْيَد بِمَعْنى الْقُدْرَة وَالنُّزُول بِمَعْنى نزُول الرَّحْمَة
فَمن يجد من نَفسه قدرَة على صَنِيع السّلف فليمش على سُنَنهمْ وَإِلَّا فَليتبعْ الْخلف وليحترز من المهالك
قَالَ الإِمَام الْكَمَال بن الْهمام رَحمَه الله تَعَالَى الأَصْل أَنه على الْعَرْش اسْتَوَى قَالَ الْعَلامَة قَاسم فِي شَرحه مَعَ الحكم بِأَنَّهُ لَيْسَ كاستواء الْأَجْسَام على الْأَجْسَام من التَّمَكُّن والمماسة والمحاذاة بل بِمَعْنى يَلِيق بِهِ سُبْحَانَهُ هُوَ سُبْحَانَهُ أعلم بِهِ وَحَاصِله وجوب الْإِيمَان بِأَنَّهُ اسْتَوَى على الْعَرْش مَعَ نفي التَّشْبِيه فَأَما كَون المُرَاد أَنه استيلاؤه على الْعَرْش فَأمر جَائِز الْإِرَادَة إِذْ لَا دَلِيل على أَنه أَرَادَهُ عينا فَالْوَاجِب عينا مَا ذكرنَا من الْإِيمَان بِهِ مَعَ نفي التَّشْبِيه وَإِذا خيف على الْعَامَّة عدم فهم الاسْتوَاء إِذا لم يكن بِمَعْنى الِاسْتِيلَاء إِلَّا باتصال وَنَحْوه من لَوَازِم الجسمية وَأَن لَا ينفوا أَي لَا ينفوا مَا ذكره من لَوَازِم الجسمية فَلَا بَأْس بِصَرْف فهمهم إِلَى الإستيلاء فَإِنَّهُ قد ثَبت إِطْلَاقه وإرادته لُغَة فِي قَول الشَّاعِر
стр. 52
(قد اسْتَوَى بشر على الْعرَاق ... من غير سيف وَلَا دم مهراق) وَقَوله
(فَلَمَّا علونا واستوينا عَلَيْهِم ... جعلناهم مرعى لنسر وطائر)
وجار على نَحْو مَا ذكرنَا من الاسْتوَاء على الْعَرْش كل مَا ورد مِمَّا ظَاهره الجسمية فِي الشَّاهِد كالأصبع والقدم وَالْيَد فَإِن الْيَد وَكَذَا الْأصْبع وَغَيره كالنزول صفة لَهُ تَعَالَى لَا بِمَعْنى الْجَارِحَة بل على وَجه يَلِيق بِهِ وَهُوَ سُبْحَانَهُ أعلم بِهِ وَقد يؤول الْيَد والأصبع عِنْد الْحَاجة بِالْقُدْرَةِ والقهر وَالْيَمِين فِي قَوْله ﷺ الْحجر الْأسود يَمِين الله فِي الأَرْض على التشريف وَالْإِكْرَام لما ذكرنَا من صرف فهم الْعَامَّة عَن الجسمية وَهُوَ مُمكن أَن يُرَاد وَلَا يجْزم بإرادته خُصُوصا على قَول أَصْحَابنَا إِنَّهَا الْأَلْفَاظ من المتشابهات وَحكم الْمُتَشَابه انْقِطَاع رَجَاء معرفَة المُرَاد مِنْهُ فِي هَذِه الدَّار دَار التَّكْلِيف وَإِلَّا لَكَانَ قد علم وَأعلم أَن كَلَام إِمَام الْحَرَمَيْنِ فِي الْإِرْشَاد يمِيل إِلَى التَّأْوِيل وَلكنه فِي الرسَالَة النظامية اخْتَار طَرِيق التَّفْوِيض حَيْثُ قَالَ وَالَّذِي نرتضيه رَأيا وندين الله تَعَالَى بِهِ عقدا اتِّبَاع سلف الْأمة فَإِنَّهُم درجوا على ترك التَّعَرُّض لمعانيها وَكَأَنَّهُ رَجَعَ إِلَى اخْتِيَار التَّفْوِيض لتأخر الرسَالَة
وَقَالَ الإِمَام النَّوَوِيّ رَحمَه الله تَعَالَى فِي مُقَدّمَة الْمَجْمُوع شرح الْمُهَذّب بعد أَن ذكر السّلف وَالْخلف
وَهَذِه طَريقَة السّلف أَو جماهيرهم وَهِي أسلم إِذْ لَا يُطَالب الْإِنْسَان بالخوض فِي ذَلِك فَإِذا اعْتقد التَّنْزِيه فَلَا حَاجَة إِلَى الْخَوْض فِي ذَلِك والمخاطرة فِيمَا لَا ضَرُورَة بل لَا حَاجَة لَهُ إِلَيْهِ فَإِذا دعت الْحَاجة إِلَى التَّأْوِيل لرد مُبْتَدع وَنَحْوه تأولوا حِينَئِذٍ وعَلى هَذَا يحمل مَا جَاءَ عَن الْعلمَاء فِي هَذَا
وَقلت فِي اركان الْإِيمَان لَيْسَ جَمِيع من جَاءَ بعد الْقرن الرَّابِع يرى تَأْوِيل
стр. 53
صِفَات الله تَعَالَى تفصيليا بل يرى الْكثير مِنْهُم أَن الْإِمْسَاك عَن الْخَوْض فِي صِفَات الله تَعَالَى أسلم لِأَنَّهُ قَول بِالظَّنِّ وَقد لَا يُصِيب بِهِ صَاحبه الْحق عِنْد الله تَعَالَى ثمَّ تكلّف لما لم نكلف بِهِ من الله تَعَالَى وخوض فِيمَا لم يخض فِيهِ رَسُول الله ﷺ واصحابه رضوَان الله عَلَيْهِم
نعم قد لَا يكون مفر من التَّأْوِيل التفصيلي عِنْد مناقشة الْعَاميّ وتعليمه إِذْ يعِيش فِي مُجْتَمع مادي أَو مجسم للذات الْعلية أَو مشبه لَهَا بالخلق حينذاك يكون التَّأْوِيل هُوَ الْمُقدم وَحده فَكَأَن التَّأْوِيل التفصيلي علاج والعلاج إِنَّمَا يعْطى فِي حالات مرضية وَإِذا زَالَ الْمَرَض ترك العلاج وَالله أعلم
وَمَا أحسن قَول الْمُجَاهِد الشَّهِيد الشَّيْخ مُحَمَّد أديب الكيلاني رَحمَه الله تَعَالَى فِي بَاب الْمُتَشَابه من الصِّفَات قَالَ رَحمَه الله تَعَالَى وَالْخُلَاصَة أَن من لم يصرف اللَّفْظ الْمُتَشَابه آيَة كَانَ أَو حَدِيثا عَن ظَاهره الموهم للتشبيه أَو الْمحَال فقد ضل وَمن فسره تَفْسِيرا بَعيدا عَن الْحجَّة والبرهان قَائِما على الزيغ والبهتان فقد ضل كالباطنية وكل هَؤُلَاءِ يُقَال فيهم إِنَّهُم ﴿يتبعُون مَا تشابه مِنْهُ ابْتِغَاء الْفِتْنَة﴾ أما من يصرف الْمُتَشَابه عَن ظَاهره بِالْحجَّةِ القاطعة لَا طلبا للفتنة وَلَكِن منعا لَهَا وتثبيتا للنَّاس على الْمَعْرُوف من دينهم وردا لَهُم إِلَى محكمات الْكتاب الْقَائِمَة فَأُولَئِك هم هادون ومهديون حَقًا وعَلى ذَلِك درج السّلف الْأمة وَخَلفهَا وأئمتها وعلماؤها
التَّأْوِيل
أصل التَّأْوِيل فِي اللُّغَة الْمرجع والمصير من قَوْلك آل الْأَمر إِلَى كَذَا إِذا صَار اليه وأولته تَأْوِيلا إِذا صيرته إِلَيْهِ هَذَا هُوَ معنى التَّأْوِيل فِي اللُّغَة ثمَّ يُسمى التَّفْسِير تَأْوِيلا قَالَ الله تَعَالَى سأنبئك بِتَأْوِيل مالم تستطع عَلَيْهِ صبرا وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَأحسن تَأْوِيلا﴾ وَذَلِكَ أَنه إِخْبَار عَمَّا يرجع إِلَيْهِ اللَّفْظ من الْمَعْنى
وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ والتأويل يكون بِمَعْنى التَّفْسِير كَقَوْلِك تَأْوِيل هَذِه الْكَلِمَة على
стр. 54
كَذَا وَيكون بِمَعْنى مَا يؤول الْأَمر إِلَيْهِ واشتقاقه من آل الْأَمر إِلَى كَذَا يؤول إِلَيْهِ أَي صَار وأولته تَأْوِيلا أَي صيرته وَقد حَده بعض الْفُقَهَاء فَقَالُوا هُوَ إبداء احْتِمَال فِي اللَّفْظ مَقْصُود بِدَلِيل خَارج عَنهُ فالتفسير بَيَان اللَّفْظ كَقَوْلِه ﴿لَا ريب فِيهِ﴾ أَي لَا شكّ وَأَصله من الفسر وَهُوَ الْبَيَان يُقَال فسرت الشَّيْء مخففا أفسره بِالْكَسْرِ فسرا والتأويل بَيَان الْمَعْنى كَقَوْلِه لَا شكّ فِيهِ عِنْد الْمُؤمنِينَ أَو لِأَنَّهُ حق فِي نَفسه فَلَا يقبل ذَاته بشك وَإِنَّمَا الشَّك وصف الشاك وكقول ابْن عَبَّاس ﵄ فِي الْجد أَبَا لِأَنَّهُ تاول قَول الله ﴿يَا بني آدم﴾
وَقَالَ الشَّيْخ مُحَمَّد أَبُو زهرَة رَحمَه الله تَعَالَى التَّأْوِيل إِخْرَاج اللَّفْظ عَن ظَاهر مَعْنَاهُ إِلَى معنى آخر سيحتمله وَلَيْسَ هُوَ الظَّاهِر فِيهِ وشروط التَّأْوِيل ثَلَاثَة
١ - أَن يكون اللَّفْظ مُحْتملا وَلَو عَن بعد للمعنى الَّذِي يؤول إِلَيْهِ فَلَا يكون غَرِيبا عَنهُ كل الغرابة
٢ - أَن يكون ثمَّة مُوجب للتأويل بِأَن يكون ظَاهر النَّص مُخَالفا لقاعدة مقررة مَعْلُومَة من الدّين بِالضَّرُورَةِ أَي مُخَالفا لنَصّ أقوى مِنْهُ سندا كَأَن يُخَالف الحَدِيث رَأيا وَيكون الحَدِيث قَابلا للتأويل فيؤول بل يرد أَو يكون النَّص مُخَالفا لما هُوَ أقوى مِنْهُ دلَالَة كَأَن يكون اللَّفْظ ظَاهرا فِي الْمَوْضُوع وَالَّذِي يُخَالِفهُ نَص فِي الْمَوْضُوع أَو يكون اللَّفْظ نصا فِي الْمَوْضُوع وَالَّذِي يُخَالِفهُ مُفَسّر فَفِي كل هَذِه الصُّور يؤول
٣ - أَن لَا يكون التَّأْوِيل من غير سَنَد بل لَا بُد أَن يكون لَهُ سَنَد ومستمد من الموجبات
الْحَاجة إِلَى التَّأْوِيل فِي أَخْبَار الصِّفَات
قَالَ الإِمَام الْقُرْطُبِيّ فِي تَفْسِير قَوْله تَعَالَى ﴿فيتبعون مَا تشابه مِنْهُ ابْتِغَاء الْفِتْنَة وابتغاء تَأْوِيله﴾ قَالَ شَيخنَا أَبُو الْعَبَّاس رَحمَه الله تَعَالَى متبعو الْمُتَشَابه لَا يخلوا أَن يتبعوه ويجمعوه طلبا للتشكيك فِي الْقُرْآن وإضلال الْعَوام كَمَا فعلته الزَّنَادِقَة
стр. 55
والقرامطة الطاعنون فِي الْقُرْآن أَو طلبا لاعتقاد ظواهر الْمُتَشَابه كَمَا فعلته المجسمة الَّذين جمعُوا مَا فِي الْكتاب وَالسّنة مِمَّا ظَاهره الجسمية حَتَّى اعتقدوا أَن الْبَارِي تَعَالَى جسم مجسم وَصُورَة مصورة ذَات وَجه وَعين وَيَد وجنب وَرجل وأصبع تَعَالَى الله عَن ذَلِك أَو يتبعوه على جِهَة إبداء تأويلاتها وإيضاح مَعَانِيهَا أَو كَمَا فعل صبيغ حِين أَكثر على عمر فِيهِ السُّؤَال فَهَذِهِ أَرْبَعَة أَقسَام
الأول لَا شكّ فِي كفرهم وَأَن حكم الله فيهم الْقَتْل من غير اسْتِتَابَة
الثَّانِي الصَّحِيح القَوْل بتكفيرهم إِذْ لَا فرق بَينهم وَبَين عبَادَة الْأَصْنَام والصور ويستتابون فَإِن تَابُوا وَإِلَّا قتلوا كَمَا يفعل بِمن ارْتَدَّ
الثَّالِث اخْتلفُوا فِي جَوَاز ذَلِك بِنَاء على الْخلاف فِي جَوَاز تَأْوِيلهَا وَقد عرف بِأَن مَذْهَب السّلف ترك التَّعَرُّض لتأويلها مَعَ قطعهم باستحالة ظواهرها فَيَقُولُونَ أمروها كَمَا جَاءَت وَذهب بَعضهم إِلَى إبداء تأويلاتها وَحملهَا على مَا يَصح حمله فِي اللِّسَان عَلَيْهَا من غير قطع بِتَعْيِين مُجمل عَنْهَا
الرَّابِع الحكم فِيهِ التَّأْدِيب البليغ كَمَا فعله عمر ﵁ بصبيغ وَجه الْحَاجة إِلَى التَّأْوِيل عِنْد أهل السّنة وَالْجَمَاعَة
١ - التَّأْوِيل اتِّبَاع لما أمرنَا بِهِ من التَّسْلِيم بالمتشابه وَالْأَخْذ بالمحكم وَحمل الْمُتَشَابه على الْمُحكم لظُهُور معنى الْمُحكم دون الْمُتَشَابه
٢ - التَّأْوِيل حق من أجل أَن لَا يَقع الْمُؤمن فِي متناقضات حِين يقْرَأ من الْآيَات مثلا وأنموذجا من إِضَافَة الْعين إِلَيْهِ سُبْحَانَهُ والأعين وَالْيَدَيْنِ وَالْأَيْدِي وَأَنه فِي السَّمَاء وَفِي الأَرْض وَهُوَ مَعَ خلقه أَيْنَمَا كَانُوا إِلَى غير ذَلِك فَإِنَّهُ إِذا تركنَا النُّصُوص على ظَاهرهَا وقعنا فِي التَّنَاقُض وَهُوَ محَال فِي الْقُرْآن الْكَرِيم ﴿وَلَو كَانَ من عِنْد غير الله لوجدوا فِيهِ اخْتِلَافا كثيرا﴾ وَلَكِن حِين ننزه الله تَعَالَى حِيَال جَمِيع تِلْكَ النُّصُوص
стр. 56
وأشباهها عَن مشابهة خلقه ثمَّ نكل مَعَاني تِلْكَ النُّصُوص إِلَى الله نَكُون قد سلمنَا من التَّنَاقُض فِي الْفَهم وَسلمنَا الْقُرْآن الْكَرِيم من توهم أَي تنَاقض فِيهِ ثمَّ سَوَاء كَانَ ألتأويل إجماليا أَو تفصيليا فَهُوَ المخلص الوحيد من التَّنَاقُض والتخالف فِي صِفَات الله تَعَالَى وَفِي كِتَابه الْعَظِيم
٣ - التَّأْوِيل سَوَاء كَانَ إجماليا أَو تفصيليا هُوَ مَسْلَك السّلف الصَّالح من الصَّحَابَة وَمن بعدهمْ وهم أعظم النَّاس فهما لِلْإِسْلَامِ بعد رَسُول الله ﷺ
٤ - التَّأْوِيل الْمَقُول بِهِ عِنْد أهل السّنة وَالْجَمَاعَة هُوَ الْأَمر العاصم للعامة خَاصَّة من الْوُقُوع فِي التَّشْبِيه والتجسيم بِإِذن الله تَعَالَى
٥ - وَإِنَّمَا يعمد إِلَى التأول التفصيلي كَمَا تقدم عِنْد الْحَاجة إِلَيْهِ
٦ - وَمن شُرُوط التَّأْوِيل أَن يكون وفْق أصُول الْعَرَبيَّة واساليب الْبَيَان عِنْد الْعَرَب وَأَن مَا خرج على أصُول الْعَرَبيَّة وأساليب الْبَيَان عِنْد الْعَرَب لَيْسَ تَأْوِيلا مَشْرُوعا وَلَا مَقْبُولًا
قَالَ ابْن دَقِيق الْعِيد إِن كَانَ التَّأْوِيل قَرِيبا من لِسَان الْعَرَب لم يُنكر أَو بَعيدا توقفنا عَنهُ وآمنا بِمَعْنَاهُ على الْوَجْه الَّذِي اريد بِهِ مَعَ التَّنْزِيه وَمَا كَانَ من هَذِه الْأَلْفَاظ ظَاهرا مفهوما من تخاطب الْعَرَب قُلْنَا بِهِ من غير توقف كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى ﴿يَا حسرتى على مَا فرطت فِي جنب الله﴾ فنحمله على حق الله تَعَالَى وَمَا يجب لَهُ
وَقَالَ عِنْد شرح قَوْله ﷺ وَأَنا أغير مِنْهُ وَالله إغير مني الحَدِيث المنزهون لله تَعَالَى إِمَّا سَاكِت وَإِمَّا مؤول وَالثَّانِي يَقُول المُرَاد بالغيرة الْمَنْع من الشَّيْء والحماية وهما من لَوَازِم الْغيرَة فأطلقت على سَبِيل الْمجَاز كالملازمة وَغَيرهَا من الْأَوْجه الشائعة فِي لِسَان الْعَرَب
стр. 57
كلمة جَامِعَة هِيَ قَاعِدَة عَامَّة فِي بَاب حكم التَّأْوِيل ومواضعه إِن شَاءَ الله تَعَالَى
قَالَ القَاضِي ابو بكر الْعَرَبِيّ رَحمَه الله تَعَالَى فِي كِتَابه النافع العواصم من القواصم
وَالْأَحَادِيث الصَّحِيحَة فِي هَذَا الْبَاب يَعْنِي فِي بَاب الصِّفَات على ثَلَاث مَرَاتِب
الأولى مَا ورد من الْأَلْفَاظ وَهُوَ كَمَال مَحْض لَيْسَ للنقائص والآفات فِيهِ حَظّ فَهَذَا يجب اعْتِقَاده
وَالثَّانيَِة مَا ورد وَهُوَ نقص مَحْض فَهَذَا لَيْسَ لله تَعَالَى فِيهِ نصيب فَلَا يُضَاف إِلَيْهِ إِلَّا وَهُوَ مَحْجُوب عَنهُ فِي الْمَعْنى ضَرُورَة كَقَوْلِه عَبدِي مَرضت فَلم تعدني وَمَا أشبهه
الثَّالِثَة مَا يكون كمالا وَلكنه يُوهم تَشْبِيها
فَأَما الَّذِي ورد كمالا مَحْضا كالوحدانية وَالْعلم وَالْقُدْرَة والإرادة والحياة والسمع وَالْبَصَر والإحاطة وَالتَّقْدِير وَالتَّدْبِير وَعدم الْمثل والنظير فَلَا كَلَام فِيهِ وَلَا توقف
وَأما الَّذِي ورد بالآفات الْمَحْضَة والنقائص كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿من ذَا الَّذِي يقْرض الله قرضا حسنا﴾ وَقَوله جعت فَلم تطعمني وعطشت فقد علم المحفوظون والملفوظون والعالم وَالْجَاهِل أَن ذَلِك كِنَايَة عَمَّن تتَعَلَّق بِهِ هَذِه النقائض وَلكنه أضافها إِلَى نَفسه الْكَرِيمَة المقدسة تكرمة لوَلِيِّه وتشريفا واستلطافا للقلوب وتليينا
وَإِذا جَاءَت الْأَلْفَاظ المحتملة الَّتِي تكون للكمال بِوَجْه وللنقصان بِوَجْه وَجب على كل مُؤمن حصيف أَن يَجْعَلهَا كِنَايَة عَن الْمعَانِي الَّتِي تجوز عَلَيْهِ وينفي مَا لَا يجوز عَلَيْهِ فَقَوله فِي الْيَد والساعد والكف والأصبع عِبَارَات بديعة تدل على معَان شريفة فَإِن الساعد عِنْد الْعَرَب عَلَيْهَا كَانَت تعول فِي الْقُوَّة والبطش والشدة فأضيف الساعد إِلَى الله لِأَن الْأَمر كُله لله كَمَا أضيف إِلَيْهِ الموسى فِي الحَدِيث وَكَذَلِكَ
стр. 58
قَوْله إِن الصَّدَقَة تقع فِي كف الرَّحْمَن عبر بهَا عَن كف الْمِسْكِين تكرمة لَهُ وَمَا يقلب بالأصابع يكون أيسر وأهون وَيكون أسْرع إِلَى آخِره
قِرَاءَة فِي كتاب
قَالَ الشَّيْخ عبد الْعَظِيم الزّرْقَانِيّ أستاذ عُلُوم الْقُرْآن وعلوم الحَدِيث فِي كُلية أصُول الدّين من الْأَزْهَر الشريف رَحمَه الله تَعَالَى
لقد أسرف بعض النَّاس فِي هَذَا الْعَصْر فخاضوا فِي متشابه الصِّفَات بِغَيْر حق وَأتوا فِي حَدِيثهمْ عَنْهَا وتعليقهم عَلَيْهَا بِمَا لم يَأْذَن بِهِ الله وَلَهُم فِيهَا كَلِمَات غامضة تحْتَمل التَّشْبِيه والتنزيه وتحتمل الْكفْر وَالْإِيمَان حَتَّى باتت هَذِه الْكَلِمَات نَفسهَا من المتشابهات
وَمن المؤسف أَنهم يواجهون الْعَامَّة وأشباههم بِهَذَا وَمن المحزن أَنهم ينسبون مَا يَقُولُونَ إِلَى سلفنا الصَّالح ويخيلون للنَّاس أَنهم سلفيون من ذَلِك قَوْلهم إِن الله تَعَالَى يشار إِلَيْهِ بِالْإِشَارَةِ الحسية وَله من الْجِهَات السِّت جِهَة فَوق وَيَقُولُونَ إِنَّه اسْتَوَى على عَرْشه بِذَاتِهِ اسْتِوَاء حَقِيقِيًّا بِمَعْنى أَنه اسْتَقر فَوْقه استقرارا حَقِيقِيًّا غير أَنهم يعودون فَيَقُولُونَ لَيْسَ كاستقرارنا وَلَيْسَ على مَا نَعْرِف وَهَكَذَا يتناولون أَمْثَال هَذِه الْآيَة وَلَيْسَ لَهُم مُسْتَندا فِيمَا نعلم إِلَّا التشبث بالظواهر وَقد تجلى لَك مَذْهَب السّلف وَالْخلف فَلَا نطيل بإعادته
وَقد علمت أَن حمل المتشابهات فِي الصِّفَات على ظواهرها مَعَ القَوْل بِأَنَّهَا بَاقِيَة على جقيقتها لَيْسَ رايا لأحد من الْمُسلمين وَإِنَّمَا هُوَ رَأْي لبَعض أَصْحَاب الْأَدْيَان الْأُخْرَى كاليهود وَالنَّصَارَى يَعْنِي لأَنهم مجسمة وَأهل النَّحْل الضَّالة كالمشبهة والمجسمة أما نَحن معاشر الْمُسلمين فالعمدة عندنَا فِي أُمُور العقائد هِيَ الْأَدِلَّة القطعية الَّتِي توافرت على أَنه تَعَالَى لَيْسَ جسما وَلَا متحيزا وَلَا متجزئا وَلَا متركبا وَلَا يحْتَاج لأحد وَلَا إِلَى مَكَان وَلَا إِلَى زمَان وَلَا نَحْو ذَلِك
стр. 59
وَلَقَد جَاءَ الْقُرْآن بِهَذَا فِي محكماته إِذْ يَقُول لَيْسَ كمثله شَيْء وَيَقُول ﴿قل هُوَ الله أحد الله الصَّمد لم يلد وَلم يُولد وَلم يكن لَهُ كفوا أحد﴾ وَيَقُول وَإِن تكفرُوا فَإِن الله غَنِي عَنْكُم وَلَا يرضى لِعِبَادِهِ الْكفْر وَإِن تشكروا يرضه لكم وَيَقُول ﴿يَا أَيهَا النَّاس أَنْتُم الْفُقَرَاء إِلَى الله وَالله هُوَ الْغَنِيّ الحميد﴾ وَغير هَذَا كثير فِي الْكتاب وَالسّنة فَكل مَا جَاءَ مُخَالفا بِظَاهِرِهِ لتِلْك القطعيات المحكمات فَهُوَ من المتشابهات الَّتِي لَا يجوز اتباعها كَمَا تبين لَك فِيمَا سلف
ثمَّ هَؤُلَاءِ المتمسحون بالسلف متناقضون لأَنهم يثبتون تِلْكَ المتشابهات على حقائقها وَلَا ريب أَن حقائقها تَسْتَلْزِم الْحُدُوث وأعراض الْحُدُوث كالجسمية والتجزؤ وَالْحَرَكَة والانتقال وَكلهمْ بعد أَن يثبتوا تِلْكَ المتشابهات على حقائقها ينفون هَذِه اللوازم مَعَ أَن القَوْل بِثُبُوت الملزومات وَنفي لوازمها تنَاقض لَا يرضاه لنَفسِهِ عَاقل فضلا عَن طَالب علم أَو عَالم
فَقَوْلهم فِي مَسْأَلَة الاسْتوَاء الآنفة إِن الاسْتوَاء بَاقٍ على حَقِيقَته يُفِيد بِأَنَّهُ الْجُلُوس الْمَعْرُوف المستلزم للجسمية والتحيز وَقَوْلهمْ بعد ذَلِك لَيْسَ هَذَا الاسْتوَاء على مَا نَعْرِف يُفِيد أَنه لَيْسَ الْجُلُوس الْمَعْرُوف المستلزم للجسمية والتحيز فكأنهم يَقُولُونَ إِنَّه مستو غير مستو ومستقر فَوق الْعَرْش غير مُسْتَقر أَو متحيز فَوق الْعَرْش غير متحيز وجسم غير جسم أَو إِن الاسْتوَاء على الْعَرْش لَيْسَ هُوَ الاسْتوَاء على الْعَرْش وَإِن الِاسْتِقْرَار فَوْقه لَيْسَ هُوَ الِاسْتِقْرَار فَوْقه إِلَى غير ذَلِك من الاسفاف والتهافت فَإِن أَرَادوا بقَوْلهمْ الاسْتوَاء على حَقِيقَته أَنه على حَقِيقَته الَّتِي يعلمهَا الله تَعَالَى وَلَا نعلمها نَحن فقد اتفقنا لَكِن يبْقى أَن تعبيرهم هَذَا موهم وَلَا يجوز أَن يصدر من مُؤمن خُصُوصا فِي مقَام التَّعْلِيم والإرشاد وَفِي موقف النقاش وَالْحجاج لِأَن القَوْل بِأَن اللَّفْظ حَقِيقَة أَو مجَاز لَا ينظر فِيهِ إِلَى علم الله تَعَالَى وَمَا هُوَ عِنْده وَلَكِن ينظر فِيهِ إِلَى الْمَعْنى الَّذِي وضع لَهُ اللَّفْظ فِي اللُّغَة والاستواء فِي اللُّغَة الْعَرَبيَّة يدل على مَا هُوَ مُسْتَحِيل على الله فِي ظَاهره فَلَا بُد إِذن من صرفه عَن هَذَا الظَّاهِر وَاللَّفْظ إِذْ صرف عَمَّا وضع لَهُ وَاسْتعْمل فِي غير مَا وضع لَهُ خرج عَن الْحَقِيقَة إِلَى الْمجَاز لَا محَالة مَا دَامَت هُنَاكَ قرينَة مَانِعَة من إِرَادَة الْمَعْنى الْأَصْلِيّ
ثمَّ إِن كَلَامهم بِهَذِهِ الصُّورَة فِيهِ تلبيس على الْعَامَّة وفتنة لَهُم فَكيف يواجهونهم بِهِ
стр. 60
ويحملونهم عَلَيْهِ وَفِي ذَلِك مَا فِيهِ من الإضلال وتمزيق وحدة الْأمة الْأَمر الَّذِي نهى الْقُرْآن عَنهُ وَالَّذِي جعل عمر ﵁ يفعل مَا فعل بصبيغ أَو بِابْن صبيغ وَجعل مَالِكًا يَقُول مَا يَقُول وَيفْعل مَا يفعل بِالَّذِي سَأَلَ عَن الاسْتوَاء وَقد مر بك هَذَا وَذَاكَ
وَلَو أنصف هَؤُلَاءِ لسكتوا عَن الْآيَات وَالْأَخْبَار المتشابهة واكتفوا بتنزيه الله تَعَالَى عَمَّا توهمه ظواهرها من الْحُدُوث ولوازمه ثمَّ فَوضُوا الْأَمر فِي تعْيين مَعَانِيهَا إِلَى الله تَعَالَى وَحده وَبِذَلِك يكونُونَ سلفيين حَقًا لَكِنَّهَا شُبُهَات عرضت لَهُم فِي هَذَا الْمقَام فشوشت حَالهم وبلبلت أفكارهم فلنعرض عَلَيْك شبهها وَالله يتَوَلَّى هدَانَا وهداهم ويجمعنا جَمِيعًا على مَا يحب ويرضاه آمين
الشبهه الأولى وَدفعهَا
يَقُولُونَ إِن القَوْل بِأَن الله تَعَالَى لَا جِهَة لَهُ وَأَنه لَيْسَ فوقا وَلَا تحتا وَلَا يَمِينا وَلَا شمالا إِلَى غير ذَلِك يسْتَلْزم أَن الله غير مَوْجُود أَو هُوَ قَول بِأَن الله غير مَوْجُود فَإِن التجرد من الإتصاف بِهَذِهِ المقابلات جملَة أَمر لَا يوسم بِهِ إِلَّا الْمَعْدُوم وَمن لم يتشرف بشرف الْوُجُود
وندفع هَذِه الشُّبْهَة بِأُمُور
أَولا إِن هَذَا قِيَاس الْغَائِب على الشَّاهِد وَقِيَاس الْغَائِب على الشَّاهِد فَاسد ذَلِك أَن الله تَعَالَى لَيْسَ يشبه خلقه حَتَّى يكون حكمه كحكمهم فِي وجوب أَن يكون فِي جِهَة من الْجِهَات السِّت مَا دَامَ مَوْجُودا فَكيف يُقَاس الْمُجَرّد عَن الْمَادَّة بِمَا هُوَ مادي ثمَّ كَيفَ يَسْتَوِي الْخَالِق وخلقه فِي جَرَيَان أَحْكَام الْخلق إِن المادي هُوَ الَّذِي يجب أَن يَتَّصِف بِشَيْء من هَذِه المتقابلات وَأَن تكون لَهُ جِهَة من الْجِهَات أما غير المادي فترتفع عَنهُ هَذِه الصِّفَات كلهَا وَلَا يُمكن أَن يكون لَهُ جِهَة من الْجِهَات جَمِيعهَا وَنَظِير ذَلِك لَا بُد أَن يكون لَهُ أحد الوصفين فإمَّا جَاهِل وَإِمَّا عَالم أما الْحجر فَلَا يَتَّصِف بِوَاحِد مِنْهُمَا
стр. 61
ألبته فَلَا يُقَال إِنَّه جَاهِل وَلَا عَالم بل الْعلم وَالْجهل مرتفعان عَنهُ بل هما ممتنعان عَلَيْهِ وَلَا محَالة لِأَن طَبِيعَته تأبى قابليته لكليهما وَهَكَذَا تَنْتفِي المتقابلات كلهَا بِانْتِفَاء قابلية الْمحل لَهَا أيا كَانَت هَذِه المتقابلات وأيا كَانَ هَذَا الْمحل الَّذِي لَيْسَ قَابلا لَهَا فَيمْتَنع مثلا أَن يُوصف الدَّار بِأَنَّهَا سميعة أَو صماء وَأَن تُوصَف الأَرْض بِأَنَّهَا متكلمة أَو خرساء وَأَن تُوصَف السَّمَاء بِأَنَّهَا متزوجة أوأيم وهلم جرا
ثَانِيًا نقُول لهَؤُلَاء أَيْن كَانَ الله تَعَالَى قبل أَن يخلق الْعَرْش والفرش وَالسَّمَاء وَالْأَرْض وَقبل أَن يخلق الزَّمَان وَالْمَكَان وَقبل أَن تكون جِهَات سِتّ فَإِن قَالُوا لم يكن لَهُ جِهَة وَلَا مَكَان فَنَقُول قد اعترفتم بِمَا نقُول نَحن بِهِ وَهُوَ الْآن على مَا عَلَيْهِ كَانَ وَإِن زَعَمُوا أَن الْعَالم قديم بقدم الله تَعَالَى فقد تداووا من دَاء بداء واستجاروا من الرمضاء بالنَّار وَوَجَب أَن ننتقل بهم إِلَى إِثْبَات حُدُوث الْعَالم وَالله هُوَ ولي الْهِدَايَة والتوفيق
ثَالِثا نقُول لهَؤُلَاء إِذا كُنْتُم تأخذون بظواهر النُّصُوص على حَقِيقَتهَا فَمَاذَا تَفْعَلُونَ بِمثل قَوْله تَعَالَى ﴿أأمنتم من فِي السَّمَاء﴾ مَعَ قَوْله تَعَالَى ﴿وَهُوَ الله فِي السَّمَاوَات وَفِي الأَرْض﴾ أتقولون إِنَّه فِي السَّمَاء حَقِيقَة أم فِي الأَرْض حَقِيقَة أم فيهمَا حَقِيقَة وَإِذا كَانَ فِي الأَرْض وَحدهَا حَقِيقَة فَكيف يكون لَهُ جِهَة فَوق وَإِذا كَانَ فيهمَا فلماذا يُقَال لَهُ جِهَة فَوق وَلَا يُقَال لَهُ جِهَة تَحت ولماذا يشار إِلَيْهِ فَوق وَلَا يشار إِلَيْهِ تَحت ثمَّ أَلا يعلمُونَ أَن الْجِهَات أُمُور نسبية فَمَا هُوَ فَوق بِالنِّسْبَةِ لنا يكون تحتا بِالنِّسْبَةِ لغيرنا فَأَيْنَ يذهبون
رَابِعا نقُول لهَؤُلَاء مَاذَا تَقولُونَ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿يَد الله فَوق أَيْديهم﴾ بإفراد الْيَد مَعَ قَوْله ﴿لما خلقت بيَدي﴾ بتثنيتها وَمَعَ قَوْله ﴿وَالسَّمَاء بنيناها بأيد﴾ بجمعها فَإِذا كُنْتُم تعلمُونَ النُّصُوص على ظواهرها حَقِيقَة فأخبرونا أَله يَد وَاحِدَة بِنَاء على الْآيَة الأولى أم لَهُ يدان اثْنَتَانِ بِنَاء على الْآيَة الثَّانِيَة أم لَهُ أيد كَثِيرَة أَكثر من ثِنْتَيْنِ بِنَاء على الْآيَة الثَّالِثَة
стр. 62
خَامِسًا نقُول لهَؤُلَاء قد ورد فِي الصَّحِيح أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ ينزل رَبنَا كل ليله إِلَى سَمَاء الدُّنْيَا حِين يبْقى ثلث اللَّيْل الْأَخير فَيَقُول من يدعوني فأستجيب لَهُ من يسألني فَأعْطِيه من يستغفرني فَأغْفِر لَهُ رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم وَغَيرهمَا فَكيف نَأْخُذ بِظَاهِر هَذَا الْخَبَر مَعَ أَن اللَّيْل مُخْتَلف باخْتلَاف الْمَشَارِق والمغارب فَإِذا كَانَ ينزل لأهل كل أفق نزولا حَقِيقِيًّا فِي ثلث ليلهم الْأَخير فَمَتَى يَسْتَوِي على عَرْشه حَقِيقَة كَمَا تَقولُونَ وَمَتى يكون فِي السَّمَاء حَقِيقَة كَمَا تَقولُونَ مَعَ أَن الأَرْض لَا تَخْلُو من اللَّيْل فِي وَقت من الْأَوْقَات وَلَا فِي سَاعَة من السَّاعَات كَمَا هُوَ ثَابت مسطور لَا يُمَارِي فِيهِ إِلَّا جهول مأفون
سادسا نقُول لهَؤُلَاء مَا قَالَه حجَّة الْإِسْلَام الْغَزالِيّ رَحمَه الله تَعَالَى وَنَصه نقُول للمتشبث بظواهر الْأَلْفَاظ إِذا كَانَ نُزُوله إِلَى سَمَاء الدُّنْيَا ليسمعنا نِدَاء فَمَا أسمعنا نداءه فَأَي فَائِدَة فِي نُزُوله وَلَقَد كَانَ يُمكنهُ أَن ينادينا كَذَلِك وَهُوَ على الْعَرْش أَو على السَّمَاء الْعليا فَلَا بُد أَن يكون ظَاهر النُّزُول غير مُرَاد وَأَن المُرَاد شَيْء آخر غير ظَاهر وَهل هَذَا إِلَّا مثل من اراد وَهُوَ بالمشرق إسماع شخص فِي الْمغرب فَتقدم إِلَى الْمغرب بخطوات مَعْدُودَة وَأخذ يُنَادِيه وَهُوَ يعلم أَنه لَا يسمع نداءه فَيكون نَقله للأقدام عملا بَاطِلا وسعيه نَحْو الغرب عَبَثا صرفا لَا فَائِدَة فِيهِ وَكَيف يسْتَقرّ هَذَا فِي قلب عَاقل
الشُّبْهَة الثَّانِيَة وَدفعهَا
نقل السُّيُوطِيّ عَن بَعضهم أَنه قَالَ مَا الْحِكْمَة فِي إِنْزَال الْمُتَشَابه مِمَّن أَرَادَ لِعِبَادِهِ الْبَيَان وَالْهدى قُلْنَا إِن كَانَ أَي الْمُتَشَابه مِمَّا يُمكن علمه فَلهُ فَوَائِد مِنْهَا الْحَث للْعُلَمَاء على النّظر الْمُوجب للْعلم بغوامضه والبحث عَن دقائقه فَإِن استدعاء الهمم لمعْرِفَة ذَلِك من أعظم الْقرب وَمِنْهَا ظُهُور التَّفَاضُل وتفاوت الدَّرَجَات إِذْ لَو كَانَ كُله محكما لَا يحْتَاج إِلَى تَأْوِيل لاستوت منَازِل الْخلق وَلم يظْهر فضل الْعَالم على غَيره
وَإِن كَانَ أَي الْمُتَشَابه مِمَّا لَا يُمكن علمه أَي اسْتَأْثر الله تَعَالَى بِعِلْمِهِ فَلهُ فَوَائِد مِنْهَا ابتلاء الْعباد بِالْوُقُوفِ عِنْده والتوقف فِيهِ والتفويض وَالتَّسْلِيم والتعبد بالاشتغال بِهِ من جِهَة التِّلَاوَة كالمنسوخ وَإِن لم يجز الْعَمَل بِمَا فِيهِ وَإِقَامَة الْحجَّة عَلَيْهِم لِأَنَّهُ لما نزل بلسانهم ولغتهم وعجزوا عَن الْوُقُوف على مَعْنَاهُ مَعَ بلاغتهم
стр. 63
وأفهامهم دلّ على أَنه نزل من عِنْد الله وَأَنه هُوَ الَّذِي أعجزهم عَن الْوُقُوف عَلَيْهِ
الشُّبْهَة الْخَامِسَة وَدفعهَا
يَقُولُونَ إِن النَّاظر فِي موقف السّلف وَالْخلف من الْمُتَشَابه يجْزم بِأَنَّهُم جَمِيعًا مؤولون لأَنهم اشْتَركُوا فِي صرف الْأَلْفَاظ المتشابهات عَن ظواهرها وصرفها عَن ظواهرها تَأْوِيل لَهَا لَا محَالة وَإِذا كَانُوا جَمِيعًا مؤولين فقد وَقَعُوا جَمِيعًا فِيمَا نهى الله عَنهُ وَهُوَ اتِّبَاع المتشابهات بالتأويل إِذْ وصف الله سُبْحَانَهُ هَؤُلَاءِ بِأَن فِي قُلُوبهم زيغا فَقَالَ فِي الْآيَة السَّابِقَة ﴿فَأَما الَّذين فِي قُلُوبهم زيغ فيتبعون مَا تشابه مِنْهُ ابْتِغَاء الْفِتْنَة وابتغاء تَأْوِيله﴾ وندفع هَذِه الشُّبْهَة بِأُمُور
أَولا بِأَن القَوْل إِن السّلف وَالْخلف مجمعون على تَأْوِيل الْمُتَشَابه قَول لَهُ وَجه من الصِّحَّة لَكِن بِحَسب الْمَعْنى اللّغَوِيّ أَو مَا يقرب من الْمَعْنى اللّغَوِيّ أما بِحَسب الِاصْطِلَاح السائد فَلَا لِأَن السّلف وَإِن وافقوا الْخلف فِي التَّأْوِيل فقد خالفوهم فِي تعْيين الْمَعْنى المُرَاد بِاللَّفْظِ بعد صرفه عَن ظَاهره وذهبوا إِلَى التَّفْوِيض الْمَحْض بِالنِّسْبَةِ إِلَى هَذَا التَّعْيِين أما الْخلف فَرَكبُوا متن التَّأْوِيل إِلَى هَذَا التَّعْيِين كَمَا سبق
ثَانِيًا إِن القَوْل بِأَن السّلف وَالْخلف جَمِيعًا وَقَعُوا بتصرفهم السَّابِق فِيمَا نهى الله تَعَالَى عَنهُ قَول خاطىء واستدلالهم عَلَيْهِ بِالْآيَةِ الْمَذْكُورَة اسْتِدْلَال فَاسد لِأَن النَّهْي فِيهَا إِنَّمَا هُوَ عَن التَّأْوِيل الآثم الناشيء عَن الزيغ وَاتِّبَاع الْهوى بِقَرِينَة قَوْله سُبْحَانَهُ وَأما الَّذين فِي قُلُوبهم زيغ أَي ميل عَن الاسْتقَامَة وَالْحجّة إِلَى الْهوى والشهوة أما التَّأْوِيل الْقَائِم على تحكيم الْبَرَاهِين القاطعة وَاتِّبَاع الْهِدَايَة فَلَيْسَ من هَذَا الْقَبِيل الَّذِي حظره الله تَعَالَى وَحرمه
وَكَيف ينهانا عَنهُ وَقد أمرنَا بِهِ ضمنا بِإِيجَاب رد المتشابهات إِلَى المحكمات إِذْ جعل هَذِه المحكمات هن أم الْكتاب على مَا سبق بَيَانه ثمَّ كَيفَ يكون مثل هَذَا التَّأْوِيل الراشد محرما وَقد دَعَا بِهِ الرَّسُول ﷺ لِابْنِ عَبَّاس ﵄ فَقَالَ فِي الحَدِيث الْمَشْهُور اللَّهُمَّ فقهه فِي الدّين وَعلمه التَّأْوِيل
стр. 64
ويتلخص من هَذَا أَن الله تَعَالَى أرشدنا فِي هَذِه الْآيَة إِلَى نوع من التَّأْوِيل وَهُوَ مَا يكون بِهِ رد المتشابهات إِلَى المحكمات ثمَّ نَهَانَا عَن نوع آخر مِنْهُ وَهُوَ مَا كَانَ ناشئا عَن الْهوى والشهوة لَا على الْبُرْهَان وَالْحجّة قصدا إِلَى الضَّلَالَة والفتنة وهما لونان مُخْتَلِفَانِ وضربان بعيدان بَينهمَا برزخ لَا يبغيان وَإِذن فَمن لم يصرف لفظ الْمُتَشَابه عَن ظَاهره الموهم للتشبيه أَو الْمحَال فقد ضل كالظاهرية يُرِيد المجسمة والمشبهة وَمن فسر لفظ الْمُتَشَابه تَفْسِيرا بَعيدا عَن الْحجَّة والبرهان قَائِما على الزيغ والبهتان فقد ضل أَيْضا كالباطنية والإسماعيلية وكل هَؤُلَاءِ يُقَال فيهم إِنَّهُم متبعون للمتشابه ابْتِغَاء الْفِتْنَة أما من يؤول الْمُتَشَابه أَي يصرفهُ عَن ظَاهره بِالْحجَّةِ القاطعة لَا طلبا للفتنة وَلَكِن منعا لَهَا وتثبيتا للنَّاس على الْمَعْرُوف من دينهم وردا لَهُم إِلَى محكمات الْكتاب الْقَائِمَة وأعلامه الْوَاضِحَة فَأُولَئِك هم الهادون المهديون حَقًا وعَلى ذَلِك درج سلف الْأمة وَخَلفهَا وأثمتها وعلماؤها
روى البُخَارِيّ عَن سعيد بن جُبَير أَن رجلا قَالَ لِابْنِ عَبَّاس ﵄ إِنِّي أجد فِي الْقُرْآن أَشْيَاء تخْتَلف عَليّ قَالَ مَا هُوَ قَالَ ﴿فَلَا أَنْسَاب بَينهم يَوْمئِذٍ وَلَا يتساءلون﴾ وَقَالَ ﴿وَأَقْبل بَعضهم على بعض يتساءلون﴾ وَقَالَ ﴿وَلَا يكتمون الله حَدِيثا﴾ وَقَالَ وَقَالُوا وَالله رَبنَا مَا كُنَّا مُشْرِكين قَالَ ابْن عَبَّاس ﴿فَلَا أَنْسَاب بَينهم﴾ فِي النفخة الأولى وَلَا يتساءلون ثمَّ فِي النفخة الثَّانِيَة ﴿وَأَقْبل بَعضهم على بعض يتساءلون﴾ فَأَما قَوْله تَعَالَى ﴿وَالله رَبنَا مَا كُنَّا مُشْرِكين﴾ فَإِن الله تَعَالَى يغْفر لأهل الْإِخْلَاص ذنوبهم فَيَقُول الْمُشْركُونَ تَعَالَوْا نقُول مَا كُنَّا مُشْرِكين فيختم الله على أفوههم فَتَنْطِق جوارحي بأعمالهم فَعِنْدَ ذَلِك لَا يكتمون الله حَدِيثا الخ الحَدِيث
وَإِنِّي أنصح القارىء الْكَرِيم بِهَذِهِ الْمُنَاسبَة بِقِرَاءَة الْفِقْه الْأَكْبَر وَشَرحه لأبي الْمُنْتَهى ولعلي القاريء والأسماء وَالصِّفَات للبيهقي وأصول الَّذين لعبد القاهر الْبَغْدَادِيّ والتبصير فِي الدّين للإسفراييني والعقيدة النظامية لإِمَام الْحَرَمَيْنِ والعواصم من القواصم لأبي بكر بن الْعَرَبِيّ والعقيدة الإسلامية للشَّيْخ عبد الرَّحْمَن حبنكة وكبرى اليقينيات
стр. 65
للشَّيْخ الدكتور مُحَمَّد سعيد البوطي وأمثالها مِمَّا ذكرت كمراجع فِي هَذِه الْمُقدمَة وَفِي ثنايا التَّعْلِيق على الْكتاب وَالله يتولانا بحفظه وتوفيقه حَتَّى نَلْقَاهُ وَهُوَ عَنَّا رَاض
جماع ابواب إِثْبَات صِفَات الله
وأختم هَذَا التَّمْهِيد بَين يَدي إِيضَاح الدَّلِيل فِي قطع حجج أهل التعطيل بِكَلِمَة جَامِعَة للْإِمَام الْبَيْهَقِيّ فِي كِتَابه الْجَامِع النافع الْأَسْمَاء وَالصِّفَات
قَالَ رَحمَه الله تَعَالَى جماع أَبْوَاب إِثْبَات صِفَات الله
وَفِي إِثْبَات أَسْمَائِهِ إِثْبَات صِفَاته لِأَنَّهُ إِذا ثَبت كَونه مَوْجُودا فوصف بِأَنَّهُ حَيّ فقد وصف بِزِيَادَة صفة على الذَّات هِيَ الْحَيَاة فَإِذا وصف بِأَنَّهُ قَادر فقد وصف بِزِيَادَة صفة هِيَ الْقُدْرَة وَإِذا وصف بِأَنَّهُ عَالم فقد وصف بِزِيَادَة صفة هِيَ الْعلم كَمَا إِذا وصف بِأَنَّهُ خَالق فقد وصف بِزِيَادَة هِيَ صفة الْخلق وَإِذا وصف بِأَنَّهُ رَازِق فقد وصف بِزِيَادَة صفة هِيَ الرزق وَإِذا وصف بِأَنَّهُ محيي فقد وصف بِزِيَادَة صفة هِيَ الْإِحْيَاء إِذْ لَوْلَا هَذِه الْمعَانِي لاقتصر فِي أَسْمَائِهِ على مَا ينبىء عَن وجود الذَّات فَقَط ثمصفات الله عز اسْمه قِسْمَانِ أَحدهمَا صِفَات ذَاته هِيَ مَا اسْتَحَقَّه فِيمَا لم يزل وَلَا يزَال وَالْآخر صِفَات فعله وَهِي مَا اسْتَحَقَّه فِيمَا لَا يزَال دون الْأَزَل فَلَا يجوز وَصفه إِلَّا بِمَا دلّ عَلَيْهِ كتاب الله تَعَالَى أَو سنة رَسُول الله ﷺ أَو أجمع عَلَيْهِ سلف هَذِه الْأمة
ثمَّ مِنْهُ مَا اقترنت بِهِ دلَالَة الْعقل كالحياة وَالْقُدْرَة وَالْعلم والإرادة والسمع وَالْبَصَر وَالْكَلَام وَنَحْو ذَلِك من صِفَات ذَاته وكالخلق والرزق والإحياء والإماتة وَالْعَفو والعقوبة وَنَحْو ذَلِك من صِفَات فعله
وَمِنْه مَا طَرِيق إثْبَاته وُرُود خبر الصَّادِق بِهِ فَقَط كالوجه وَالْيَدَيْنِ وَالْعين فِي صِفَات ذَاته وكالاستواء على الْعَرْش والإتيان والمجيء وَالنُّزُول وَنَحْو ذَلِك من صِفَات فعله فنثبت هَذِه الصِّفَات لَو ورد الْخَبَر بهَا على وَجه لَا يُوجب التَّشْبِيه ونعتقد فِي
стр. 66
صِفَات ذَاته أَنَّهَا لم تزل مَوْجُودَة بِذَاتِهِ وَلَا تزَال مَوْجُودَة بِهِ وَلَا نقُول فِيهَا إِنَّهَا هُوَ وَلَا غَيره وَلَا هُوَ هِيَ وَلَا غَيرهَا
وَللَّه تَعَالَى أَسمَاء وصفات يَسْتَحِقهَا بِذَاتِهِ إِلَّا أَنَّهَا زِيَادَة صفة على الذَّات كوصفنا إِيَّاه بِأَنَّهُ إِلَه عَزِيز مجيد جليل عَظِيم ملك جَبَّار متكبر شَيْء قديم وَالِاسْم والمسمى فِيهَا وَاحِد
ونعتقد فِي صِفَات فعله أَنَّهَا بَائِنَة عَنهُ سُبْحَانَهُ وَلَا يحْتَاج فِي فعله إِلَى مُبَاشرَة ﴿إِنَّمَا أمره إِذا أَرَادَ شَيْئا أَن يَقُول لَهُ كن فَيكون﴾
وَنحن نشِير فِي إِثْبَات صِفَات الله تَعَالَى ذكره إِلَى مَوْضِعه من كتاب الله وَمِنْه رَسُول الله ﷺ وَإِجْمَاع سلف هَذِه الْأمة على طَرِيق الِاخْتِصَار ليَكُون عونا لمن يتَكَلَّم فِي علم الْأُصُول من أهل السّنة وَالْجَمَاعَة وَلم يتبحر فِي معرفَة السّنَن وَمَا يقبل مِنْهَا وَمَا يرد من جِهَة الْإِسْنَاد
وَالله يوفقنا لما قصدناه ويعيننا على طلب سَبِيل النجَاة بفضله وَرَحمته
стр. 67
فصل
دعاوى خطيرة لَيْسَ لَهَا دَلِيل شَرْعِي
١ - قَالَ أَحْمد عبد الْحَلِيم إِن القَوْل بحلول الْحَوَادِث بِذَات الله تَعَالَى هُوَ مَذْهَب أَكثر أهل الحَدِيث بل أَقُول أَئِمَّة الحَدِيث وَهُوَ الَّذِي نقلوه عَن سلف الْأمة وأئمتها وَكثير من الْفُقَهَاء والصوفية وَأَكْثَرهم من طوائف الْأَرْبَعَة الْحَنَفِيَّة والمالكية وَالشَّافِعِيَّة والحنبلية من لَا يحصي عدده إِلَّا الله تَعَالَى كَذَا فِي تلبيس الْجَهْمِية
وَقَالَ الدكتور أَحْمد عَطِيَّة الغامدي وَهَذَا الَّذِي اخْتَارَهُ ابْن تَيْمِية وَذكر أَنه مَذْهَب السّلف وَأَنه الْحق الَّذِي يُؤَيّدهُ الدَّلِيل الشَّرْعِيّ والعقلي هُوَ بِعَيْنِه رَأْي الكرامية
وَقَالَ شَارِح العقيدة الطحاوية ابْن أبي الْعِزّ الْحَنَفِيّ التيمى وحلول الْحَوَادِث بالرب تَعَالَى الْمَنْفِيّ عَنهُ فِي علم الْكَلَام المذموم لم يرد نَفْيه وَلَا إثْبَاته فِي كتاب وَلَا سنة
قَالَ الْمُحَقق المدقق الشَّيْخ شُعَيْب الأرنؤوط فِي تَعْلِيقه على شرح العقيدة الطحاوية عِنْد الْجُمْلَة السَّابِقَة جُمْهُور الْمُتَكَلِّمين من أشاعرة وَمَا تريدية ومعتزلة وفلاسفة اتَّفقُوا على منع قيام الْحَوَادِث بِذَاتِهِ تَعَالَى وَجوز قِيَامهَا بِذَاتِهِ الكرامية وَفرقُوا بَين الْحَادِث والمحدث فَالْأول عِنْدهم مَا يقوم بِذَاتِهِ من الْأُمُور الْمُتَعَلّقَة بمشيئته واختياره وَأما الثَّانِي فَهُوَ مَا يخلقه سُبْحَانَهُ مُنْفَصِلا عَنهُ وَقد تَبِعَهُمْ شيخ الْإِسْلَام ابْن تَيْمِية فِي تَجْوِيز قيام الْحَوَادِث بِالذَّاتِ والمؤلف هُنَا يُرِيد شَارِح الطحاوية يختصر كَلَامه الْمَبْسُوط فِي منهاج السّنة وَقد غلا رَحمَه الله تَعَالَى فِي مناصرة هَذَا الْمَذْهَب والدفاع عَنهُ ضد مخالفيه من الْمُتَكَلِّمين والفلاسفة وَادّعى أَنه مَذْهَب السّلف مستدلا بقول الإِمَام أَحْمد وَغَيره لم يزل متكلما إِذا شَاءَ بِأَنَّهُ إِذا كَانَ كَلَامه وَهُوَ صفة قَائِمَة بِذَاتِهِ مُتَعَلقا بمشيئته واختياره دلّ ذَلِك على جَوَاز قيام الْحَوَادِث بِذَاتِهِ لِأَن مَا يتَعَلَّق بِالْمَشِيئَةِ وَالِاخْتِيَار لَا يكون إِلَّا حَادِثا
стр. 68
وَقد انْتهى بِهِ القَوْل إِلَى أَن كَلَام الله تَعَالَى قديم الْجِنْس حَادث الْأَفْرَاد وَكَذَلِكَ فعله وإرادته وَنَحْو ذَلِك من الصِّفَات غير اللَّازِمَة للذات وَبِمَا أَن القَوْل بذلك يسْتَلْزم التسلسل فقد جوزه فِي الْمَاضِي والمستقبل جَمِيعًا وَادّعى أَن مثل هَذَا التسلسل لَيْسَ مُمْتَنعا
وَغير وَاحِد من الْعلمَاء يعدون هَذَا الَّذِي ذهب إِلَيْهِ شيخ الْإِسْلَام من جملَة مَا ند بِهِ عَن الصَّوَاب وينكرونه وَيَقُولُونَ كَيفَ يَقُول بقدم جنس الصِّفَات وَالْأَفْعَال مَعَ حُدُوث آحادها وَهل الْجِنْس شَيْء غير الْأَفْرَاد مُجْتَمعين وَهل يتركب الْكُلِّي إِلَّا من جزئياته فَإِذا كَانَ كل جزئي من جزئياته حَادِثا فَكيف يكون الْكُلِّي قَدِيما وَانْظُر السلفية مرحلة زمنية مباركة للدكتور مُحَمَّد سعيد رَمَضَان البوطي
قَالَ الإِمَام الْجُوَيْنِيّ رَحمَه الله تَعَالَى لَو قَامَت الْحَوَادِث بِهِ سُبْحَانَهُ لم يخل مِنْهَا أَي من الْحَوَادِث وَمَا لم يخل من الْحَوَادِث فَهُوَ حَادث
وَقَالَ الإِمَام أَحْمد بن حجر رَحمَه الله تَعَالَى فِي شرح البُخَارِيّ بَاب وَكَانَ عَرْشه على المَاء وَهُوَ رب الْعَرْش الْعَظِيم ذكر قطعتين من آيَتَيْنِ وتلطف فِي ذكر الثَّانِيَة عقب الأولى وَمن توهم من قَوْله فِي الحَدِيث كَانَ الله وَلم يكن شَيْء قبله وَكَانَ عَرْشه على المَاء أَن الْعَرْش لم يزل مَعَ الله تَعَالَى وَهَذَا بَاطِل وَكَذَا من زعم من الفلاسفة أَن الْعَرْش هُوَ الْخَالِق الصَّانِع وَرُبمَا تمسك بَعضهم وَهُوَ إِسْحَاق الْهَرَوِيّ بِمَا أخرجه من طَرِيق سُفْيَان الثَّوْريّ حَدثنَا هِشَام هُوَ الرَّوْيَانِيّ بالراء الْمُشَدّدَة عَن مُجَاهِد عَن ابْن عَبَّاس قَالَ إِن الله كَانَ على عَرْشه قبل أَن يخلق شَيْئا فَأول مَا خلق الله الْقَلَم وَهَذِه الْأَدِلَّة مَحْمُولَة على خلق السَّمَوَات وَالْأَرْض وَمَا فِيهَا فقد أخرج عبد الرَّزَّاق فِي تَفْسِيره عَن معمر عَن قَتَادَة فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَكَانَ عَرْشه على المَاء﴾ قَالَ هَذَا بَدْء خلقه قبل أَن يخلق السَّمَاء وعرشه ياقوتة حَمْرَاء فَأرْدف المُصَنّف يَعْنِي البُخَارِيّ فِي صَحِيحه يَقُول ﴿وَهُوَ رب الْعَرْش الْعَظِيم﴾ إِشَارَة إِلَى أَن الْعَرْش
стр. 69
مربوب وكل مربوب مَخْلُوق
وَقَالَ فِي شرح حَدِيث أهل الْيمن كَانَ الله وَلم يكن شَيْء قبله تقدم فِي بَدْء الْخلق وَلم يكن شَيْء غَيره وَفِي رِوَايَة ابي مُعَاوِيَة كَانَ الله قبل كل شَيْء وَهُوَ بِمَعْنى كَانَ الله وَلَا شَيْء مَعَه وَهَذَا صَرِيح فِي الرَّد على من أثبت حوادث لَا أول لَهَا من رِوَايَة الْبَاب وَهُوَ من مستشنع الْمسَائِل المنسوبة لِابْنِ تَيْمِية وَقد وقفت فِي كَلَام لَهُ على هَذَا الحَدِيث رجح الرِّوَايَة الَّتِي فِي الْبَاب على غَيرهَا مَعَ أَن قَضِيَّة الْجمع بَين الرِّوَايَتَيْنِ تَقْتَضِي حمل هَذِه على الَّتِي فِي بَدْء الْخلق لَا الْعَكْس وَالْجمع يقدم على التَّرْجِيح بالِاتِّفَاقِ ثمَّ قَالَ الطَّيِّبِيّ كَانَ فِي الْمَوْضِعَيْنِ بِحَسب حَال مدخولها فَالْمُرَاد بِالْأولِ كَانَ الله الأزلية والقدم وَبِالثَّانِي وَكَانَ عَرْشه على المَاء الْحُدُوث بعد الْعَدَم
وَقَالَ أَبُو الْحسن تَقِيّ الدّين عَليّ بن عبد الْكَافِي فِي السَّيْف الصَّقِيل ثمَّ جَاءَ رجل فِي آخر الْمِائَة السَّابِعَة رجل لَهُ فضل ذكاء واطلاع وَلم يجد شَيخا يهديه وَهُوَ على مَذْهَبهم وَهُوَ جسور متجرد لتقرير مذْهبه ويجد أمورا بعيدَة فبجسارته يلتزمها فَقَالَ بِقِيَام الْحَوَادِث بِذَات الرب وَإِن سُبْحَانَهُ الله مَا زَالَ فَاعِلا وَإِن التسلسل لَيْسَ بمحال فِيمَا مضى
قَالَ الشَّيْخ مُحَمَّد زاهد الكوثري فِي تَعْلِيقه على كَلَام السُّبْكِيّ اتّفقت فرق الْمُسلمين سوى الكرامية وصنوف المجسمة على أَن الله سُبْحَانَهُ منزه من أَن تقوم بِهِ الْحَوَادِث وَأَن تحل بِهِ الْحَوَادِث وَأَن يحل فِي شَيْء من الْحَوَادِث بل ذَلِك مِمَّا علم من الدّين بِالضَّرُورَةِ وَدَعوى أَن الله تَعَالَى لم يزل فَاعِلا مُتَابعَة مِنْهُ للفلاسفة الْقَائِلين بسلب الِاخْتِيَار عَن الله سُبْحَانَهُ وبصدور الْعَالم مِنْهُ بِالْإِيجَابِ وَنسبَة ذَلِك إِلَى أَحْمد وَالْبُخَارِيّ وَغَيرهمَا من السّلف كذب صَرِيح وَتقول قَبِيح وَدَعوى أَن تسلسل الْحَوَادِث فِي جَانب الْحَاضِر غير محَال لَا تصدر إِلَّا مِمَّن لَا يعي مَا يَقُول فَمن تصور حوادث لَا أول لَهَا تصور
стр. 70
أَنه مَا من حَادث مُحَقّق إلاوقبله حَادث مُحَقّق وَأَن مَا دخل بِالْفِعْلِ تَحت الْعد والإحصاء غير متناه
وَأما من قَالَ بحوادث لَا آخر لَهَا فَهُوَ قَائِل بِأَن حوادث الْمُسْتَقْبل لَا تَنْتَهِي إِلَى حَادث مُحَقّق إِلَّا وَبعده حَادث مُقَدّر فَأَيْنَ دَعْوَى عدم تناهي مَا دخل تَحت الْوُجُود فِي جَانب الْمَاضِي من عدم تناهي مالم يدْخل تَحت الْوُجُود فِي الْمُسْتَقْبل على أَن القَوْل بالقدم النوعي فِي الْعَالم من لَازمه الْبَين عدم تناهي عدد الْأَرْوَاح المكلفة فَأنى يُمكن حشر غير المتناهي من الْأَرْوَاح وأشباحها فِي سطح متناه مَحْدُود وعَلى هَذَا التَّقْدِير فَيكون الْقَائِل بِعَدَمِ تناهي عدد الْمُكَلّفين قَائِلا بِنَفْي الْحَشْر الجسماني بل بنفى الْحَشْر الروحاني أَيْضا حَيْثُ أَن هَذَا الْقَائِل لَا يعْتَرف بتجرد الرّوح فَيكون أَسْوَأ حَالا من غلاة الفلاسفة النافين للحشر الجسماني. الخ
ب - قَالَ الشَّيْخ مُحَمَّد الصَّالح العثيمين فِي رسَالَته عقيدة أهل السّنة وَالْجَمَاعَة ونؤمن بِأَن لله تَعَالَى عينين اثْنَتَيْنِ حقيقيتين لقَوْله تَعَالَى ﴿واصنع الْفلك بأعيننا﴾ وَيُؤَيِّدهُ قَول النَّبِي ﷺ فِي الدَّجَّال وَإِن ربكُم لَيْسَ بأعور أهـ
قَالَ الْبَيْهَقِيّ فِي الْأَسْمَاء وَالصِّفَات بَاب مَا جَاءَ فِي إِثْبَات الْعين صفة لَا من حَيْثُ الحدقة قَالَ الله ﴿ولتصنع على عَيْني﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿فَإنَّك بأعيننا﴾ ﵎ وَقَالَ ﴿واصنع الْفلك بأعيننا﴾ وَقَالَ ﵎ ﴿تجْرِي بأعيننا﴾
قلت لم ترد صِيغَة تَثْنِيَة الْعين صفة لله تَعَالَى فِي الْقُرْآن الْكَرِيم وَلَا فِي السّنة الشَّرِيفَة وَقد تقدم لنا أَنه لَا يثبت لله تَعَالَى صفة إِلَّا من خلال آيَة صَرِيحَة أَو حَدِيث صَحِيح أَو إِجْمَاع وأنى ذَلِك وَأما مَا جَاءَ فِي الْإِبَانَة للْإِمَام الْأَشْعَرِيّ رَحمَه الله تَعَالَى فقد علم أهل الإختصاص أَن الْكتاب قد لعبت بِهِ الْأَيْدِي كثيرا وأضيف إِلَيْهِ وَنقص مِنْهُ مِمَّا يُوجب الرُّجُوع إِلَى كَلَام الْأَشْعَرِيّ فِي كتبه الْأُخْرَى لمعْرِفَة
стр. 71
أَقْوَاله وهاك مثل وَاحِد
جَاءَ فِي نُسْخَة الْهِنْد المطبوعة من الْإِبَانَة وَأَن لَهُ عينين بِلَا كَيفَ كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿تجْرِي بأعيننا﴾ وَجَاء فِي نُسْخَة الجامعة الإسلامية المطبوعة مِنْهُ بتحقيق حَمَّاد الْأنْصَارِيّ وَأَن لَهُ عينا بِلَا كَيفَ كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿تجْرِي بأعيننا﴾ الْقَمَر ١٤ وَمَا فِي طبعة الجامعة الإسلامية يُوَافق مَا جَاءَ فِي الْأَسْمَاء وَالصِّفَات للبيهقي وَهُوَ أشعري من أَئِمَّة الأشاعرة
قَالَ الشَّيْخ صَالح وَيُؤَيِّدهُ قَول النَّبِي ﷺ فِي الدَّجَّال وَإِن ربكُم لَيْسَ بأعور
قلت الحَدِيث رَوَاهُ البُخَارِيّ قَالَ ﷺ إِن الله لَا يخفى عَلَيْكُم إِن الله لَيْسَ بأعور وَأَشَارَ بِيَدِهِ إِلَى عينه وَلِلْحَدِيثِ أَلْفَاظ أُخْرَى فِيهِ
قَالَ الإِمَام ابْن حجر فِي شَرحه الحَدِيث آنف الذّكر إِن الْإِشَارَة إِلَى عينه ﷺ إِنَّمَا هِيَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى عين الدَّجَّال فَإِنَّهَا كَانَت صَحِيحَة مثل هَذِه ثمَّ طَرَأَ عَلَيْهَا النَّقْص وَلم يسْتَطع دفع ذَلِك عَن نَفسه وَقَالَ ابْن بطال احتجت المجسمة بِهَذَا الحَدِيث وَقَالُوا فِي قَوْله وَأَشَارَ بِيَدِهِ إِلَى عينه دلَالَة على أَن عينه كَسَائِر الْأَعْين وَتعقب باستحالة الجسمية عَلَيْهِ لِأَن الْجِسْم حَادث وَهُوَ قديم فَدلَّ على أَن المُرَاد نفي النَّقْص عَنهُ وَقَالَ ابْن الْمُنِير من كَلَام وَقد سُئِلت هَل يجوز لقارىء هَذَا الحَدِيث أَن يصنع كَمَا صنع رَسُول الله ﷺ فأفتيت وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق أَنه إِن حضر عِنْده من يُوَافقهُ على معتقده وَكَانَ يعْتَقد تَنْزِيه الله تَعَالَى عَن صِفَات الْحُدُوث وَأَرَادَ التأسي مَحْضا جَازَ وَالْأولَى بِهِ التّرْك خشيَة أَن يدْخل على من يرَاهُ شُبْهَة التَّشْبِيه تَعَالَى الله عَن ذَلِك وَقَالَ ابْن حزم الظَّاهِرِيّ لَا يجوز لأحد أَن يصف الله بِأَن لَهُ عينين لِأَن النَّص لم يَأْتِ بذلك
وَقَالَ الإِمَام أَبُو الْفرج وَعبد الرَّحْمَن بن الْجَوْزِيّ الْحَنْبَلِيّ وَمِنْهَا قَوْله تَعَالَى
стр. 72
ولتصنع عَليّ على عَيْني ﴿واصنع الْفلك بأعيننا﴾ أَي بمرأى منا وَإِنَّمَا جمع لِأَن عَادَة الْملك أَن يَقُول أمرنَا ونهينا وَقد ذهب القَاضِي أَبُو يعلى إِلَى أَن الْعين صفة زَائِدَة عَن الذَّات وَقد سبقه أَبُو بكر بن خُزَيْمَة صَاحب كتاب التَّوْحِيد وَفِيه طامات فَقَالَ فِي الْآيَة لربنا عينان ينظر بهما وَقَالَ ابْن حَامِد يجب الْإِيمَان بِأَن لَهُ عينين وَهَذَا ابتداع لَا دَلِيل عَلَيْهِ وَإِنَّمَا أثبتوا عينين من دَلِيل الْخطاب فِي قَوْله ﷺ لَيْسَ بأعور وَإِنَّمَا أُرِيد نفي النَّقْص عَنهُ تَعَالَى وَمَتى ثَبت أَنه تَعَالَى لَا يتَجَزَّأ لم يكن لما يتخايل من الصِّفَات وجة
قلت وَقَول الشَّيْخ صَالح عينين حقيقيتين قَول مَا جَاءَ بِهِ كتاب وَلَا سنة وَفِيه إِيهَام بالتشبيه والتجسيم تَعَالَى الله ﷻ عَن ذَلِك وَلَا يتهم الشَّيْخ صَالح بِلَازِم القَوْل أَنه مشبه
قَالَ الشَّيْخ مُحَمَّد زاهد الكوثري من قَالَ لَهُ عينان ينظر بهما فَهُوَ مشبه قَائِل بالجارحة تَعَالَى الله عَن ذَلِك
ج - وَقَالَ الشَّيْخ صَالح كَذَلِك ونؤمن بِأَنَّهُ تَعَالَى مَعَ خلقه وَهُوَ فَوق عَرْشه يعلم أَحْوَالهم وَيسمع أَقْوَالهم وَيرى أفعالهم وَيُدبر أُمُورهم ويرزق الْفَقِير وَيجْبر الكسير ويؤتي الْملك من يَشَاء وَينْزع الْملك مِمَّن يَشَاء ويعز من يَشَاء ويذل من يَشَاء بِيَدِهِ الْخَيْر وَهُوَ على كل شَيْء قدير وَمن هَذَا شَأْنه كَانَ مَعَ خلقه حَقِيقَة وَإِن كَانَ فَوْقهم على عَرْشه حَقِيقَة لَيْسَ كمثله شَيْء وَهُوَ السَّمِيع الْبَصِير وَلَا نقُول كَمَا تَقول الحلولية من الْجَهْمِية وَغَيرهم إِن الله مَعَ خلقه فِي الأَرْض
أَقُول ورد ذكر الاسْتوَاء فِي الْقُرْآن الْكَرِيم سِتّ مَرَّات بِلَفْظ اسْتَوَى مثل ﴿ثمَّ اسْتَوَى على الْعَرْش﴾ الْأَعْرَاف ﴿الرَّحْمَن على الْعَرْش اسْتَوَى﴾ طه هَكَذَا بِصِيغَة الْمَاضِي وَلم يَجِيء فِي الْقُرْآن الْكَرِيم وَلَا فِي السّنة الشَّرِيفَة تصريف الْفِعْل الْمَاضِي إِلَى مضارع أَو اسْم فَمَا جَاءَ يَسْتَوِي على الْعَرْش أَو مستو على الْعَرْش وَفرق كَبِير
стр. 73
بَين الْفِعْل والإسم فَالْحق أَن لَا ينْسب إِلَى الله تَعَالَى إِلَّا مَا نسبه إِلَى نَفسه أَو نسبه إِلَيْهِ رَسُوله ﷺ فِيمَا صَحَّ نَقله عَنهُ أَو أَجمعت عَلَيْهِ الْأمة
قَالَ التَّابِعِيّ الْجَلِيل الإِمَام أَبُو حنيفَة رَحمَه الله تَعَالَى فِي كِتَابه الْوَصِيَّة نقر بِأَن الله تَعَالَى على الْعَرْش اسْتَوَى من غير أَن يكون لَهُ حَاجَة واستقرار عَلَيْهِ وَهُوَ حَافظ الْعَرْش وَغير الْعَرْش من غير احْتِيَاج
وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ رَحمَه الله تَعَالَى فَأَما الاسْتوَاء فالمتقدمون من أَصْحَابنَا ﵃ كَانُوا لَا يفسرونه وَلَا يَتَكَلَّمُونَ فِيهِ كنحو مَذْهَبهم فِي أَمْثَال ذَلِك أخبرنَا أَبُو عبد الله الْحَافِظ قَالَ أَخْبرنِي أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن عَليّ الْجَوْهَرِي بِبَغْدَاد ثَنَا إِبْرَاهِيم بن الْهَيْثَم ثَنَا مُحَمَّد بن كثير المصِّيصِي قَالَ سَمِعت الْأَوْزَاعِيّ يَقُول كُنَّا والتابعون متوافرون نقُول إِن الله تَعَالَى ذكره فَوق عَرْشه ونؤمن بِمَا وَردت السّنة بِهِ من صِفَاته جلّ وَعلا ... ثمَّ قَالَ بعد كَلَام وَذهب أَبُو الْحسن إِسْمَاعِيل الْأَشْعَرِيّ رَحمَه الله تَعَالَى إِلَى أَن الله جلّ ثَنَاؤُهُ فعل فِي الْعَرْش فعلا سَمَّاهُ اسْتِوَاء كَمَا فعل فِي غَيره فعلا سَمَّاهُ رزقا ونعمة أَو غَيرهَا من أَفعاله ثمَّ لم يكيف الاسْتوَاء إِلَّا أَنه جعله من صِفَات الْفِعْل لقَوْله ﴿ثمَّ اسْتَوَى على الْعَرْش﴾ وَثمّ للتراخى إِنَّمَا يكون فِي الْأَفْعَال وأفعال الله تَعَالَى تُوجد بِلَا مُبَاشرَة مِنْهُ إِيَّاهَا وَلَا حَرَكَة
وَقَالَ ابْن كثير فِي تَفْسِيره عِنْد قَوْله تَعَالَى مَا يكون من نجوى ثَلَاثَة إِلَّا هُوَ رابعهم وَلَا خَمْسَة إِلَّا هُوَ سادسهم وَلَا أدنى من ذَلِك وَلَا أَكثر إِلَّا هُوَ مَعَهم أَيْنَمَا كَانُوا ثمَّ ينبئهم بِمَا عمِلُوا يَوْم الْقِيَامَة إِن الله بِكُل شَيْء عليم المجادلة ٧ وَلِهَذَا حكى غير وَاحِد الْإِجْمَاع على أَن المُرَاد بِهَذِهِ الْآيَة معية علمه تَعَالَى وَلَا شكّ فِي إِرَادَة ذَلِك وَلَكِن سَمعه أَيْضا مَعَ علمه مُحِيط بهم وبصره نَافِذ فيهم فَهُوَ مطلع على خلقه لَا يغيب عَنهُ من أُمُورهم شَيْء
وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ فِي تَفْسِير قَوْله تَعَالَى من سُورَة الْحَدِيد يعلم مَا يلج فِي الأَرْض وَمَا
стр. 74
يخرج مِنْهَا وَمَا ينزل من السَّمَاء وَمَا يعرج فِيهَا وَهُوَ مَعكُمْ أَيْنَمَا كُنْتُم) أَي بقدرته وسلطانه ﴿وَالله بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِير﴾ يبصر أَعمالكُم ويراها وَلَا يخفى عَلَيْهِ شَيْء مِنْهَا وَقد دجمع فِي هَذِه الْآيَة بَين ﴿اسْتَوَى على الْعَرْش﴾ وَبَين ﴿وَهُوَ مَعكُمْ﴾ وَالْأَخْذ بالظاهرين تنَاقض فَدلَّ على أَنه لَا بُد من التَّأْوِيل والإعراض عَن التَّأْوِيل اعْتِرَاف بالتناقض وَقَالَ الإِمَام أَبُو الْمَعَالِي الْجُوَيْنِيّ إِن مُحَمَّدًا ﷺ لَيْلَة الْإِسْرَاء لم يكن بأقرب إِلَى الله من يُونُس بن مَتى حِين كَانَ فِي بطن الْحُوت
وَقَالَ الإِمَام أَبُو جَعْفَر الطَّحَاوِيّ فِي بَيَان السّنة والجماعه وَمن لم يتوق النَّفْي والتشبيه زل وَلم يصب التَّنْزِيه فَإِن رَبنَا جلّ وَعلا مَوْصُوف بِصِفَات الوحدانية منعوت بنعوت الفردانية لَيْسَ بِمَعْنَاهُ أحد من الْبَريَّة تَعَالَى الله عَن الْحُدُود والغايات والأركان والأدوات لَا تحويه الْجِهَات السِّت كَسَائِر المبتدعات
أَقُول كَيفَ يجوز مَا قَالَ الشَّيْخ صَالح إِن الله مَعَ خلقه حَقِيقَة وَإِن كَانَ فَوْقهم على عَرْشه حَقِيقَة فَإِنَّهُ لَا يُقَال فِيمَن كَانَ مَعَ غَيره بِالْعلمِ والإحاطة والإنعام إِنَّه مَعَه حَقِيقَة وَقد تقدم نقل ابْن كثير أَن المُرَاد معية علمه تَعَالَى
لقد كَانَ حَقًا على الشَّيْخ أَن يُورد النُّصُوص ويمرها كَمَا جَاءَت مَعَ التَّنْزِيه على مَا هُوَ قَول السّلف الصَّالح أَو يؤولها إِذا رأى حَاجَة إِلَى ذَلِك على مَا هُوَ قَول الْخلف
أما هَذَا الَّذِي قَالَه من اعْتِبَار معية الْعلم معية حَقِيقِيَّة فشيء لم يسْبق إِلَيْهِ بِنَصّ وَالله أعلم وكما قلت فِي التَّعْلِيق على قَوْله عينين حقيقيتين أَقُول هُنَا لم يرد نَص فِي الْقُرْآن الْكَرِيم وَلَا السّنة الشَّرِيفَة على هَذِه الْكَلِمَة حَقِيقَة فَكيف زَادهَا وَالصِّفَات لَا يتَجَاوَز فِيهَا عَن الْوَارِد
وَقَول رجل كَانَ فِي الْقرن السَّابِع فِي الْأَجْوِبَة المصرية لَهُ إِن الله يقبض السَّمَوَات وَالْأَرْض باليدين اللَّتَيْنِ هما اليدان لَيْسَ حجَّة لِأَن الْحجَّة للنَّص وَلَا نَص
стр. 75
وَقَالَ الشَّيْخ صَالح كَذَلِك ونؤمن بِأَن لله تَعَالَى يدين كريمتين عظيمتين قَالَ تَعَالَى ﴿بل يَدَاهُ مبسوطتان﴾ الخ ص ١٢
قلت وَإِن الله تَعَالَى قد قَالَ أَيْضا أَو لم يرَوا أَنا خلقنَا لَهُم مِمَّا عملت أَيْدِينَا أنعاما فهم لَهُم مالكون يس ٧١ لَكِن لم يرد فِي كتاب وَلَا سنة وصف الْيَدَيْنِ بعظيمتين فَمن أَيْن للشَّيْخ أَن يضيف هَذِه الصّفة الموهمة للتشبيه ثمَّ كَيفَ لم يسْتَدرك هَذِه الْمسَائِل من قدم للْكتاب إِلَّا أَن يكون فعل ذَلِك ثِقَة بالمؤلف وَلم يقْرَأ مَا كتب وَكم وَقع من مقدمي الْكتب ورطات بِهَذَا السَّبَب وَلَا حول وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
وَجَاء فِي نقد تَفْسِير مهمش على كتاب الله تَعَالَى مَا يثير الدهش أَقُول جَاءَ فِي كَلَام من نقد ذَلِك التَّفْسِير واعتبره مِمَّا يسْتَوْجب مَنعه وَعدم تداوله دينيا عِنْد قَول الْمُفَسّر لقَوْله تَعَالَى ﴿فَإِنِّي قريب﴾ علما وإجبة ص ٢٦ قَالَ النَّاقِد يَنْفِي الْمَكَان عَن الله يَعْنِي النَّاقِد أَن لله تَعَالَى مَكَانا ... وَلَا حول وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
وَقد تقدم مَعنا قبل أَنه لم يرد فِي الْقُرْآن وَالسّنة زِيَادَة كلمة بِذَاتِهِ عِنْد ذكر الاسْتوَاء على الْعَرْش فَيُقَال ﴿الرَّحْمَن على الْعَرْش اسْتَوَى﴾ وَلَا يُقَال بِذَاتِهِ لما فِيهِ من إِيهَام التَّشْبِيه والتجسيم تَعَالَى الله ﷻ عَن ذَلِك علوا كَبِيرا كَمَا لَا يُقَال بَائِن عَن خلقه كَمَا تقدم
أما الْجُزْء الَّذِي أوردهُ الْبَيْهَقِيّ بِسَنَدِهِ إِلَى عبد الرَّحْمَن الْأَوْزَاعِيّ رَحمَه الله تَعَالَى أَنه قَالَ كُنَّا والتابعون متوافرون نقُول إِن الله تَعَالَى ذكره فَوق عَرْشه ... الخ فَلَا تصح نسبته إِلَى الإِمَام الْأَوْزَاعِيّ رَحمَه الله تَعَالَى ذَلِك لِأَن فِي الْخَبَر مُحَمَّد بن كثير المصِّيصِي قَالَ فِيهِ ابْن حجر فِي التَّقْرِيب صَدُوق كثير الْغَلَط وَضَعفه أَحْمد وَقَالَ البُخَارِيّ لين جدا وَقَالَ أَبُو دَاوُد لم يكن يفهم الحَدِيث وَقَالَ ابْن عدي لَهُ أَحَادِيث لَا يُتَابِعه عَلَيْهَا أحد
وَلَو صَحَّ الْخَبَر بطرِيق أُخْرَى عَن الإِمَام الْأَوْزَاعِيّ فالرجل من أَتبَاع التَّابِعين وَلم ينْسب القَوْل بذلك إِلَى أحد من التَّابِعين فضلا عَن رجل من الصَّحَابَة رضوَان الله
следующие страницы →