Полный текст (225 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
أَقْوَاله وهاك مثل وَاحِد
جَاءَ فِي نُسْخَة الْهِنْد المطبوعة من الْإِبَانَة وَأَن لَهُ عينين بِلَا كَيفَ كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿تجْرِي بأعيننا﴾ وَجَاء فِي نُسْخَة الجامعة الإسلامية المطبوعة مِنْهُ بتحقيق حَمَّاد الْأنْصَارِيّ وَأَن لَهُ عينا بِلَا كَيفَ كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿تجْرِي بأعيننا﴾ الْقَمَر ١٤ وَمَا فِي طبعة الجامعة الإسلامية يُوَافق مَا جَاءَ فِي الْأَسْمَاء وَالصِّفَات للبيهقي وَهُوَ أشعري من أَئِمَّة الأشاعرة
قَالَ الشَّيْخ صَالح وَيُؤَيِّدهُ قَول النَّبِي ﷺ فِي الدَّجَّال وَإِن ربكُم لَيْسَ بأعور
قلت الحَدِيث رَوَاهُ البُخَارِيّ قَالَ ﷺ إِن الله لَا يخفى عَلَيْكُم إِن الله لَيْسَ بأعور وَأَشَارَ بِيَدِهِ إِلَى عينه وَلِلْحَدِيثِ أَلْفَاظ أُخْرَى فِيهِ
قَالَ الإِمَام ابْن حجر فِي شَرحه الحَدِيث آنف الذّكر إِن الْإِشَارَة إِلَى عينه ﷺ إِنَّمَا هِيَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى عين الدَّجَّال فَإِنَّهَا كَانَت صَحِيحَة مثل هَذِه ثمَّ طَرَأَ عَلَيْهَا النَّقْص وَلم يسْتَطع دفع ذَلِك عَن نَفسه وَقَالَ ابْن بطال احتجت المجسمة بِهَذَا الحَدِيث وَقَالُوا فِي قَوْله وَأَشَارَ بِيَدِهِ إِلَى عينه دلَالَة على أَن عينه كَسَائِر الْأَعْين وَتعقب باستحالة الجسمية عَلَيْهِ لِأَن الْجِسْم حَادث وَهُوَ قديم فَدلَّ على أَن المُرَاد نفي النَّقْص عَنهُ وَقَالَ ابْن الْمُنِير من كَلَام وَقد سُئِلت هَل يجوز لقارىء هَذَا الحَدِيث أَن يصنع كَمَا صنع رَسُول الله ﷺ فأفتيت وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق أَنه إِن حضر عِنْده من يُوَافقهُ على معتقده وَكَانَ يعْتَقد تَنْزِيه الله تَعَالَى عَن صِفَات الْحُدُوث وَأَرَادَ التأسي مَحْضا جَازَ وَالْأولَى بِهِ التّرْك خشيَة أَن يدْخل على من يرَاهُ شُبْهَة التَّشْبِيه تَعَالَى الله عَن ذَلِك وَقَالَ ابْن حزم الظَّاهِرِيّ لَا يجوز لأحد أَن يصف الله بِأَن لَهُ عينين لِأَن النَّص لم يَأْتِ بذلك
وَقَالَ الإِمَام أَبُو الْفرج وَعبد الرَّحْمَن بن الْجَوْزِيّ الْحَنْبَلِيّ وَمِنْهَا قَوْله تَعَالَى
стр. 72
ولتصنع عَليّ على عَيْني ﴿واصنع الْفلك بأعيننا﴾ أَي بمرأى منا وَإِنَّمَا جمع لِأَن عَادَة الْملك أَن يَقُول أمرنَا ونهينا وَقد ذهب القَاضِي أَبُو يعلى إِلَى أَن الْعين صفة زَائِدَة عَن الذَّات وَقد سبقه أَبُو بكر بن خُزَيْمَة صَاحب كتاب التَّوْحِيد وَفِيه طامات فَقَالَ فِي الْآيَة لربنا عينان ينظر بهما وَقَالَ ابْن حَامِد يجب الْإِيمَان بِأَن لَهُ عينين وَهَذَا ابتداع لَا دَلِيل عَلَيْهِ وَإِنَّمَا أثبتوا عينين من دَلِيل الْخطاب فِي قَوْله ﷺ لَيْسَ بأعور وَإِنَّمَا أُرِيد نفي النَّقْص عَنهُ تَعَالَى وَمَتى ثَبت أَنه تَعَالَى لَا يتَجَزَّأ لم يكن لما يتخايل من الصِّفَات وجة
قلت وَقَول الشَّيْخ صَالح عينين حقيقيتين قَول مَا جَاءَ بِهِ كتاب وَلَا سنة وَفِيه إِيهَام بالتشبيه والتجسيم تَعَالَى الله ﷻ عَن ذَلِك وَلَا يتهم الشَّيْخ صَالح بِلَازِم القَوْل أَنه مشبه
قَالَ الشَّيْخ مُحَمَّد زاهد الكوثري من قَالَ لَهُ عينان ينظر بهما فَهُوَ مشبه قَائِل بالجارحة تَعَالَى الله عَن ذَلِك
ج - وَقَالَ الشَّيْخ صَالح كَذَلِك ونؤمن بِأَنَّهُ تَعَالَى مَعَ خلقه وَهُوَ فَوق عَرْشه يعلم أَحْوَالهم وَيسمع أَقْوَالهم وَيرى أفعالهم وَيُدبر أُمُورهم ويرزق الْفَقِير وَيجْبر الكسير ويؤتي الْملك من يَشَاء وَينْزع الْملك مِمَّن يَشَاء ويعز من يَشَاء ويذل من يَشَاء بِيَدِهِ الْخَيْر وَهُوَ على كل شَيْء قدير وَمن هَذَا شَأْنه كَانَ مَعَ خلقه حَقِيقَة وَإِن كَانَ فَوْقهم على عَرْشه حَقِيقَة لَيْسَ كمثله شَيْء وَهُوَ السَّمِيع الْبَصِير وَلَا نقُول كَمَا تَقول الحلولية من الْجَهْمِية وَغَيرهم إِن الله مَعَ خلقه فِي الأَرْض
أَقُول ورد ذكر الاسْتوَاء فِي الْقُرْآن الْكَرِيم سِتّ مَرَّات بِلَفْظ اسْتَوَى مثل ﴿ثمَّ اسْتَوَى على الْعَرْش﴾ الْأَعْرَاف ﴿الرَّحْمَن على الْعَرْش اسْتَوَى﴾ طه هَكَذَا بِصِيغَة الْمَاضِي وَلم يَجِيء فِي الْقُرْآن الْكَرِيم وَلَا فِي السّنة الشَّرِيفَة تصريف الْفِعْل الْمَاضِي إِلَى مضارع أَو اسْم فَمَا جَاءَ يَسْتَوِي على الْعَرْش أَو مستو على الْعَرْش وَفرق كَبِير
стр. 73
بَين الْفِعْل والإسم فَالْحق أَن لَا ينْسب إِلَى الله تَعَالَى إِلَّا مَا نسبه إِلَى نَفسه أَو نسبه إِلَيْهِ رَسُوله ﷺ فِيمَا صَحَّ نَقله عَنهُ أَو أَجمعت عَلَيْهِ الْأمة
قَالَ التَّابِعِيّ الْجَلِيل الإِمَام أَبُو حنيفَة رَحمَه الله تَعَالَى فِي كِتَابه الْوَصِيَّة نقر بِأَن الله تَعَالَى على الْعَرْش اسْتَوَى من غير أَن يكون لَهُ حَاجَة واستقرار عَلَيْهِ وَهُوَ حَافظ الْعَرْش وَغير الْعَرْش من غير احْتِيَاج
وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ رَحمَه الله تَعَالَى فَأَما الاسْتوَاء فالمتقدمون من أَصْحَابنَا ﵃ كَانُوا لَا يفسرونه وَلَا يَتَكَلَّمُونَ فِيهِ كنحو مَذْهَبهم فِي أَمْثَال ذَلِك أخبرنَا أَبُو عبد الله الْحَافِظ قَالَ أَخْبرنِي أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن عَليّ الْجَوْهَرِي بِبَغْدَاد ثَنَا إِبْرَاهِيم بن الْهَيْثَم ثَنَا مُحَمَّد بن كثير المصِّيصِي قَالَ سَمِعت الْأَوْزَاعِيّ يَقُول كُنَّا والتابعون متوافرون نقُول إِن الله تَعَالَى ذكره فَوق عَرْشه ونؤمن بِمَا وَردت السّنة بِهِ من صِفَاته جلّ وَعلا ... ثمَّ قَالَ بعد كَلَام وَذهب أَبُو الْحسن إِسْمَاعِيل الْأَشْعَرِيّ رَحمَه الله تَعَالَى إِلَى أَن الله جلّ ثَنَاؤُهُ فعل فِي الْعَرْش فعلا سَمَّاهُ اسْتِوَاء كَمَا فعل فِي غَيره فعلا سَمَّاهُ رزقا ونعمة أَو غَيرهَا من أَفعاله ثمَّ لم يكيف الاسْتوَاء إِلَّا أَنه جعله من صِفَات الْفِعْل لقَوْله ﴿ثمَّ اسْتَوَى على الْعَرْش﴾ وَثمّ للتراخى إِنَّمَا يكون فِي الْأَفْعَال وأفعال الله تَعَالَى تُوجد بِلَا مُبَاشرَة مِنْهُ إِيَّاهَا وَلَا حَرَكَة
وَقَالَ ابْن كثير فِي تَفْسِيره عِنْد قَوْله تَعَالَى مَا يكون من نجوى ثَلَاثَة إِلَّا هُوَ رابعهم وَلَا خَمْسَة إِلَّا هُوَ سادسهم وَلَا أدنى من ذَلِك وَلَا أَكثر إِلَّا هُوَ مَعَهم أَيْنَمَا كَانُوا ثمَّ ينبئهم بِمَا عمِلُوا يَوْم الْقِيَامَة إِن الله بِكُل شَيْء عليم المجادلة ٧ وَلِهَذَا حكى غير وَاحِد الْإِجْمَاع على أَن المُرَاد بِهَذِهِ الْآيَة معية علمه تَعَالَى وَلَا شكّ فِي إِرَادَة ذَلِك وَلَكِن سَمعه أَيْضا مَعَ علمه مُحِيط بهم وبصره نَافِذ فيهم فَهُوَ مطلع على خلقه لَا يغيب عَنهُ من أُمُورهم شَيْء
وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ فِي تَفْسِير قَوْله تَعَالَى من سُورَة الْحَدِيد يعلم مَا يلج فِي الأَرْض وَمَا
стр. 74
يخرج مِنْهَا وَمَا ينزل من السَّمَاء وَمَا يعرج فِيهَا وَهُوَ مَعكُمْ أَيْنَمَا كُنْتُم) أَي بقدرته وسلطانه ﴿وَالله بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِير﴾ يبصر أَعمالكُم ويراها وَلَا يخفى عَلَيْهِ شَيْء مِنْهَا وَقد دجمع فِي هَذِه الْآيَة بَين ﴿اسْتَوَى على الْعَرْش﴾ وَبَين ﴿وَهُوَ مَعكُمْ﴾ وَالْأَخْذ بالظاهرين تنَاقض فَدلَّ على أَنه لَا بُد من التَّأْوِيل والإعراض عَن التَّأْوِيل اعْتِرَاف بالتناقض وَقَالَ الإِمَام أَبُو الْمَعَالِي الْجُوَيْنِيّ إِن مُحَمَّدًا ﷺ لَيْلَة الْإِسْرَاء لم يكن بأقرب إِلَى الله من يُونُس بن مَتى حِين كَانَ فِي بطن الْحُوت
وَقَالَ الإِمَام أَبُو جَعْفَر الطَّحَاوِيّ فِي بَيَان السّنة والجماعه وَمن لم يتوق النَّفْي والتشبيه زل وَلم يصب التَّنْزِيه فَإِن رَبنَا جلّ وَعلا مَوْصُوف بِصِفَات الوحدانية منعوت بنعوت الفردانية لَيْسَ بِمَعْنَاهُ أحد من الْبَريَّة تَعَالَى الله عَن الْحُدُود والغايات والأركان والأدوات لَا تحويه الْجِهَات السِّت كَسَائِر المبتدعات
أَقُول كَيفَ يجوز مَا قَالَ الشَّيْخ صَالح إِن الله مَعَ خلقه حَقِيقَة وَإِن كَانَ فَوْقهم على عَرْشه حَقِيقَة فَإِنَّهُ لَا يُقَال فِيمَن كَانَ مَعَ غَيره بِالْعلمِ والإحاطة والإنعام إِنَّه مَعَه حَقِيقَة وَقد تقدم نقل ابْن كثير أَن المُرَاد معية علمه تَعَالَى
لقد كَانَ حَقًا على الشَّيْخ أَن يُورد النُّصُوص ويمرها كَمَا جَاءَت مَعَ التَّنْزِيه على مَا هُوَ قَول السّلف الصَّالح أَو يؤولها إِذا رأى حَاجَة إِلَى ذَلِك على مَا هُوَ قَول الْخلف
أما هَذَا الَّذِي قَالَه من اعْتِبَار معية الْعلم معية حَقِيقِيَّة فشيء لم يسْبق إِلَيْهِ بِنَصّ وَالله أعلم وكما قلت فِي التَّعْلِيق على قَوْله عينين حقيقيتين أَقُول هُنَا لم يرد نَص فِي الْقُرْآن الْكَرِيم وَلَا السّنة الشَّرِيفَة على هَذِه الْكَلِمَة حَقِيقَة فَكيف زَادهَا وَالصِّفَات لَا يتَجَاوَز فِيهَا عَن الْوَارِد
وَقَول رجل كَانَ فِي الْقرن السَّابِع فِي الْأَجْوِبَة المصرية لَهُ إِن الله يقبض السَّمَوَات وَالْأَرْض باليدين اللَّتَيْنِ هما اليدان لَيْسَ حجَّة لِأَن الْحجَّة للنَّص وَلَا نَص
стр. 75
وَقَالَ الشَّيْخ صَالح كَذَلِك ونؤمن بِأَن لله تَعَالَى يدين كريمتين عظيمتين قَالَ تَعَالَى ﴿بل يَدَاهُ مبسوطتان﴾ الخ ص ١٢
قلت وَإِن الله تَعَالَى قد قَالَ أَيْضا أَو لم يرَوا أَنا خلقنَا لَهُم مِمَّا عملت أَيْدِينَا أنعاما فهم لَهُم مالكون يس ٧١ لَكِن لم يرد فِي كتاب وَلَا سنة وصف الْيَدَيْنِ بعظيمتين فَمن أَيْن للشَّيْخ أَن يضيف هَذِه الصّفة الموهمة للتشبيه ثمَّ كَيفَ لم يسْتَدرك هَذِه الْمسَائِل من قدم للْكتاب إِلَّا أَن يكون فعل ذَلِك ثِقَة بالمؤلف وَلم يقْرَأ مَا كتب وَكم وَقع من مقدمي الْكتب ورطات بِهَذَا السَّبَب وَلَا حول وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
وَجَاء فِي نقد تَفْسِير مهمش على كتاب الله تَعَالَى مَا يثير الدهش أَقُول جَاءَ فِي كَلَام من نقد ذَلِك التَّفْسِير واعتبره مِمَّا يسْتَوْجب مَنعه وَعدم تداوله دينيا عِنْد قَول الْمُفَسّر لقَوْله تَعَالَى ﴿فَإِنِّي قريب﴾ علما وإجبة ص ٢٦ قَالَ النَّاقِد يَنْفِي الْمَكَان عَن الله يَعْنِي النَّاقِد أَن لله تَعَالَى مَكَانا ... وَلَا حول وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
وَقد تقدم مَعنا قبل أَنه لم يرد فِي الْقُرْآن وَالسّنة زِيَادَة كلمة بِذَاتِهِ عِنْد ذكر الاسْتوَاء على الْعَرْش فَيُقَال ﴿الرَّحْمَن على الْعَرْش اسْتَوَى﴾ وَلَا يُقَال بِذَاتِهِ لما فِيهِ من إِيهَام التَّشْبِيه والتجسيم تَعَالَى الله ﷻ عَن ذَلِك علوا كَبِيرا كَمَا لَا يُقَال بَائِن عَن خلقه كَمَا تقدم
أما الْجُزْء الَّذِي أوردهُ الْبَيْهَقِيّ بِسَنَدِهِ إِلَى عبد الرَّحْمَن الْأَوْزَاعِيّ رَحمَه الله تَعَالَى أَنه قَالَ كُنَّا والتابعون متوافرون نقُول إِن الله تَعَالَى ذكره فَوق عَرْشه ... الخ فَلَا تصح نسبته إِلَى الإِمَام الْأَوْزَاعِيّ رَحمَه الله تَعَالَى ذَلِك لِأَن فِي الْخَبَر مُحَمَّد بن كثير المصِّيصِي قَالَ فِيهِ ابْن حجر فِي التَّقْرِيب صَدُوق كثير الْغَلَط وَضَعفه أَحْمد وَقَالَ البُخَارِيّ لين جدا وَقَالَ أَبُو دَاوُد لم يكن يفهم الحَدِيث وَقَالَ ابْن عدي لَهُ أَحَادِيث لَا يُتَابِعه عَلَيْهَا أحد
وَلَو صَحَّ الْخَبَر بطرِيق أُخْرَى عَن الإِمَام الْأَوْزَاعِيّ فالرجل من أَتبَاع التَّابِعين وَلم ينْسب القَوْل بذلك إِلَى أحد من التَّابِعين فضلا عَن رجل من الصَّحَابَة رضوَان الله
стр. 76
عَلَيْهِم فضلا عَن رَسُول الله ﷺ
وَأما قَول التِّرْمِذِيّ فِي حَدِيث لهبط على الله وَيَأْتِي بِتَمَامِهِ وَفسّر بعض أهل الْعلم هَذَا الحَدِيث فَقَالُوا إِنَّمَا هَبَط على علم الله وَقدرته وسلطانه وَقدرته وسلطانه فِي كل مَكَان وَهُوَ على الْعَرْش كَمَا وصف فِي كِتَابه فقد تعقبه ابْن الْعَرَبِيّ فِي شَرحه التِّرْمِذِيّ فَقَالَ إِن علم الله لَا يحل فِي مَكَان وَلَا ينتسب إِلَى جِهَة كَمَا أَنه سُبْحَانَهُ كَذَلِك وَلكنه يعلم كل شَيْء فِي كل مَوضِع وعَلى كل حَال فَمَا كَانَ فَهُوَ بِعلم الله لَا يشذ عَنهُ شَيْء وَلَا يعزب عَن علمه مَوْجُود وَلَا مَعْدُوم وَالْمَقْصُود من الْخَبَر أَن نِسْبَة الْبَارِي من الْجِهَات إِلَى فَوق كنسبته إِلَى تَحت إِذْ لَا ينْسب إِلَى الْكَوْن فِي وَاحِدَة مِنْهُمَا بِذَاتِهِ
وَمَا يرويهِ سُرَيج بن النُّعْمَان عَن عبد الله بن نَافِع عَن مَالك أَنه كَانَ يَقُول الله فِي السَّمَاء وَعلمه فِي كل مَكَان لَا يثبت قَالَ الإِمَام أَحْمد عبد الله بن نَافِع الصايغ لم يكن صَاحب حَدِيث وَكَانَ ضَعِيفا فِيهِ قَالَ ابْن عدي يروي غرائب عَن مَالك وَقَالَ ابْن فَرِحُونَ كَانَ أَصمّ أُمِّيا لَا يكْتب وبمثل هَذَا السَّنَد لَا ينْسب إِلَى مثل مَالك مثل هَذَا وَقد تَوَاتر عَنهُ عدم الْخَوْض فِي الصِّفَات وَفِيمَا لَيْسَ تَحْتَهُ عمل كَمَا كَانَ عَلَيْهِ أهل الْمَدِينَة على مَا فِي شرح السّنة للألكائي وَغَيره
стр. 77
بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم
تَرْجَمَة مؤلف إِيضَاح الدَّلِيل فِي قطع حجج أهل التعطيل
قَاضِي الْمُسلمين الْفَقِيه الْمُحدث الْخَطِيب المفوه العابد الزَّاهِد والتقي الْوَرع أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم بن سعد بن جمَاعَة شهر بَين أهل الْعلم قَدِيما وحديثا باسم بدر الدّين بن جمَاعَة
ولد بِمَدِينَة أبي الْفِدَاء حماه فِي ربيع الآخر سنة تسع وَثَلَاثِينَ وسِتمِائَة كَذَا قَالَ ابْن حجر فِي الدُّرَر الكامنة وَتُوفِّي بِالْقَاهِرَةِ سنة ثَلَاث وَثَلَاثِينَ وَسَبْعمائة رَحمَه الله تَعَالَى وَرَضي عَنهُ
طلبه الْعلم لقد بكر رَحمَه الله تَعَالَى فِي طلب الْعلم فقد سمع وَهُوَ فِي الْحَادِيَة عشر من عمره الحَدِيث الشريف على يَد أَبِيه الَّذِي كَانَ من عُلَمَاء الحَدِيث وَكَانَ مشهودا لَهُ الْوَرع وَالصَّلَاح وَقد غرس الْوَالِد فِي وَلَده بِفضل الله تَعَالَى حب الشَّرِيعَة والتفقه فِيهَا والزهد فِي الدُّنْيَا ومتاعها فشب على ذَلِك وشاب حَتَّى قضى وَسمع الحَدِيث من شيخ الشُّيُوخ بحماه زين الدّين أبي الطَّاهِر إِسْمَاعِيل بن عبد الْقوي بن عزون وَغَيرهمَا ثمَّ انْتقل إِلَى دمشق حَيْثُ درس الْفِقْه وَالْأُصُول والنحو والمعاني على شيخ الْعَرَبيَّة فِيهَا مُحَمَّد بن عبد الله بن مَالك ثمَّ انْتقل إِلَى الْقَاهِرَة فَأخذ الحَدِيث عَن أَصْحَاب البوصيري فِيهَا وَأخذ أَكثر علومه هُنَاكَ عَن القَاضِي تَقِيّ الدّين بن رزين
قِيَامه بالتدريس وَبعد أَن أتقن التَّحْصِيل العلمي ونال مِنْهُ مَا قسم الله لَهُ قَامَ بالتدريس الَّذِي هُوَ وَظِيفَة أَنْبيَاء الله تَعَالَى وَرُسُله وَقد نبغ فِي التدريس مَعَ الصدْق وَحسن الْخلق فَتعلق بِهِ طلابه قَالَ ابْن حجر فَصَارَ المربي المحبوب من تلامذته لحسن تَرْبِيَته لَهُم من غير عنف وَلَا تخجيل وَتخرج عَلَيْهِ فِي الحَدِيث خَاصَّة جمَاعَة أَصْبحُوا بعد من كبار الْعلمَاء كَالْإِمَامِ الذَّهَبِيّ وَالْإِمَام ابْن جَابر الْوَادي آشي وَالْإِمَام عبد الْوَهَّاب السُّبْكِيّ والحافظ ابْن كثير والحافظ ابْن الْقيم وَغَيرهم
ولَايَته الْقَضَاء تولى قَضَاء الْقُدس فرج الله كربته ورد بِالْمُسْلِمين غربته سنة سبع وَثَمَانِينَ وسِتمِائَة وَجمع لَهُ الخطابة بِالْمَسْجِدِ الْأَقْصَى وإمامته وَكَانَ ﵀ يخْطب
стр. 78
من إنشائه وَيُؤَدِّي الْخطْبَة بفصاحة ويقرا فِي الْمِحْرَاب طيبا اجْتمع لَهُ من الوجاهة وَطول الْعُمر ودوام الْعِزّ مَا لم يتَّفق لغيره ثمَّ ولي قَضَاء الْقُضَاة فِي الديار المصرية وَلما وصل مصر أفطر عِنْد الْوَزير وَبَالغ فِي خدمته وَسَار فِي موكبة يَوْم الْخَمِيس السَّابِع عشر إِلَى القلعة وَدخل بَين القصرين وَأعْطِي خطابه الْأَزْهَر وَولي بعد ذَلِك قَضَاء دمشق وخطابة الْمَسْجِد الْأمَوِي وَبَقِي فِيهَا سِنِين وَلما كَبرت سنة وَضعف بدنه وَثقل سَمعه استقال من الْقَضَاء سنة سبع وَعشْرين وَسَبْعمائة وَقبلت استقالته فَانْقَطع بمنزله يسمع الْعلم عَلَيْهِ ويتبرك بِهِ إِلَى أَن توفّي لَيْلَة الْعشْرين من جمادي الأولى سنة ثَلَاث وَثَلَاثِينَ وَسَبْعمائة وَله أَربع وَتسْعُونَ سنة وَشهر وَكَانَت جنَازَته حافلة وَدفن بالقرافة قَرِيبا من الإِمَام الشَّافِعِي رحمهمَا الله تَعَالَى
ثَنَاء الْعلمَاء عَلَيْهِ قَالَ الذَّهَبِيّ فِي مُعْجم شُيُوخه قَاضِي قُضَاة الْإِسْلَام الْخَطِيب الْمُفَسّر لَهُ تعاليق فِي الْفِقْه والْحَدِيث وَالْأُصُول وَغير ذَلِك وَله مُشَاركَة حَسَنَة فِي عُلُوم الْإِسْلَام مَعَ دين وَتعبد وتصوف وأوصاف جميلَة وَأَحْكَام محمودة إِلَخ وَقَالَ السُّبْكِيّ فِي الطَّبَقَات حَاكم الإقليمين مصر وشاما وناظم عقد الفخار الَّذِي لَا يسامى متحل بالعفاف إِلَّا من مِقْدَار الكفاف مُحدث فَقِيه ذُو عقل لَا تقوم أساطين الْحُكَمَاء بِمَا جمع فِيهِ وَقَالَ ابْن جَابر وَمَا علم عَلَيْهِ فِي جَمِيع ولَايَته إِلَّا خيرا مَعَ أَنَّهَا نَحْو الْخمسين عَاما
حليته قَالَ الذَّهَبِيّ من كَلَام وافر الْعقل حسن الْهَدْي متين الدّيانَة ذَا تعبد وأوراد مليح الْهَيْئَة أَبيض مستدير اللِّحْيَة نقي الشيبة جميل البزة رَقِيق الصَّوْت سَاكِنا وقورا وَحج مرَارًا
رَحمَه الله تَعَالَى وجزاه عَن الْإِسْلَام وَالْمُسْلِمين خيرا كثيرا كثيرا
стр. 79
مصنفاته
صنف رَحمَه الله تَعَالَى كتبا عديدة فِي فنون عدَّة فِي التَّفْسِير وعلوم الحَدِيث وَالْفِقْه والتاريخ وَغَيرهَا من الْفُنُون تشهد لَهُ بمكانته العلمية بَين عُلَمَاء الْمُسلمين فَكتب فِي التَّفْسِير الْفَوَائِد اللائحة من سُورَة الْفَاتِحَة كشف الْمعَانِي عَن متشابه المثاني غرر الْبَيَان لمبهمات الْقُرْآن وَغَيرهَا وَكتب فِي عُلُوم الحَدِيث المنهل الوردى فِي مُخْتَصر عُلُوم الحَدِيث النَّبَوِيّ والفوائد الغزيرة فِي أَحَادِيث بَرِيرَة ومناسبات تراجم البُخَارِيّ وَقد طبع فِي الْهِنْد حَدِيثا بتعليق مُحَمَّد بن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم وَكتب فِي علم التَّوْحِيد كتَابنَا هَذَا قَالَ إِسْمَاعِيل الْبَغْدَادِيّ فِي هَدْيه العارفين وَله التِّبْيَان فِي مبهمات الْقُرْآن التَّنْزِيه فِي إبِْطَال حجج التَّشْبِيه وَالرَّدّ على المشبهة فِي قَوْله تَعَالَى ﴿الرَّحْمَن على الْعَرْش اسْتَوَى﴾ وَغَيرهَا
وَكتب فِي الْفِقْه مُسْتَند الأجناد فِي آلَات الْجِهَاد كشف الْغُمَّة فِي أَحْكَام أهل الذِّمَّة
وَكتب فِي الْآدَاب والأخلاق تذكرة السَّامع والمتكلم فِي آدَاب الْعَالم والمتعلم أنس المذكرة فِيمَا يستحسن فِي المذاكرة وَغَيرهَا
وَجل مَا نقلته عَن مصنفات ابْن جمَاعَة رَحمَه الله تَعَالَى هُنَا استفدته من مُقَدّمَة تَحْرِير الْأَحْكَام فِي تَدْبِير أهل الْإِسْلَام للْمُصَنف رَحمَه الله تَعَالَى
стр. 80
مُقَدّمَة الْكتاب
للْمُصَنف
стр. 81
بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم
قَالَ الشَّيْخ الإِمَام الْعَالم الْعَلامَة قَاضِي الْمُسلمين بدر الدّين بن جمَاعَة
الْحَمد لله الَّذِي حجب الْعُقُول عَن إِدْرَاك ذَاته وَدلّ على وجوده بمصنوعاته وأفعاله وَصِفَاته وَجل عَن شبه التعطيل وشوائب التَّشْبِيه وَتَعَالَى عَن النظير والمثيل والشبيه لَيْسَ كمثله شَيْء وَهُوَ السَّمِيع الْبَصِير ﴿لَا إِلَه إِلَّا هُوَ إِلَيْهِ الْمصير﴾
وَأفضل الصَّلَاة وَأتم السَّلَام على نبيه مُحَمَّد أشرف الْأَنَام وعَلى آله وَصَحبه الْكِرَام وَالتَّابِعِينَ لَهُم بِإِحْسَان على الدَّوَام
أما بعد فَإِن الذب عَن الدّين لمن تمكن مِنْهُ فرض وَاجِب وَالرَّدّ على أهل الْبدع أَمر لازب مَعَ أَنه لَا يقدر على الْحمل على الإعتقاد إِلَّا الرب الَّذِي بِيَدِهِ تصاريف قُلُوب الْعباد وَغَايَة المنتصب لإِقَامَة الدَّلِيل بَيَان إبِْطَال حجج أهل التَّشْبِيه والتعطيل ﴿فَمن يرد الله أَن يهديه يشْرَح صَدره لِلْإِسْلَامِ وَمن يرد أَن يضله يَجْعَل صَدره ضيقا حرجا كَأَنَّمَا يصعد فِي السَّمَاء﴾
وَلما شاع فِي الْخَاصَّة مَذْهَب الْمُعْتَزلَة الْمُؤَدِّي إِلَى التعطيل وَفِي الْعَامَّة مَذْهَب التَّشْبِيه الْمُؤَدِّي إِلَى التجسيم والحلول انتصب أهل الْعلم من أهل الْحق للرَّدّ على المذهبين وَبَيَان الْحق الْمُبين المباين للقولين
فَأَما مَذْهَب الاعتزال فقد مُحي فِي بِلَادنَا رسمه وَلم يبْق فِيهَا إِلَّا ذكره
وَأما مَذْهَب التَّشْبِيه فَإِن جماعات من الأعوام الْعَامَّة المجانيين للْعُلَمَاء الْأَعْلَام
стр. 82
أَحْسنُوا الظَّن فِي بعض من ينْسب ذَلِك إِلَيْهِم فاعتمدوا فِي تَقْلِيد دينهم عَلَيْهِم إِذا كَانَ هَذَا الْمَذْهَب أقرب إِلَى ذهن الْعَاميّ وفهمه ﴿بل كذبُوا بِمَا لم يحيطوا بِعِلْمِهِ﴾
وَقد ذكرت فِي هَذَا الْمُخْتَصر مَعَاني مَا تمسكوا بِهِ من الْآيَات الْكَرِيمَة وَالْأَخْبَار الصَّحِيحَة والحسنة والسقيمة وَمَا يجب رد مَعَانِيهَا إِلَيْهِ وَيتَعَيَّن حملهَا عَلَيْهِ مِمَّا يَلِيق بِجلَال عَظمته وَكَمَال صِفَاته وقديم عزته على مَا تَقْتَضِيه لُغَة الْعَرَب الَّتِي نزل بهَا الْقُرْآن وَمَفْهُوم ذَلِك بَين عِنْد أهل اللِّسَان قَالَ الله تَعَالَى ﴿وَمَا أرسلنَا من رَسُول إِلَّا بِلِسَان قومه ليبين لَهُم﴾ فَأرْسل سيدنَا مُحَمَّدًا ﷺ سيد الْمُرْسلين بِلِسَان قومه الْعَرَبِيّ الْمُبين وَنزل بِهِ الْقُرْآن ونيط بِهِ عُقُود الْإِيمَان وَبِه وَردت أَدِلَّة الْأَحْكَام وَبَيَان الْحَلَال وَالْحرَام
وخوطبوا على مَا يعرفونه من لغاتهم ويفهمونه من مخاطباتهم من حقائقها ومجازاتها ومفصلاتها ومضمراتها وإشاراتها واستعاراتها وكناياتها ونصوصها وظواهرها وعمومها وخصوصها ومطلقها ومقيدها فَلم يحتاجوا عِنْد نزُول الْكتاب إِلَيْهِم وورود السّنة عَلَيْهِم إِلَى سُؤال عَن مَدْلُول الْأَلْفَاظ لمعرفتهم بمعناها وَلَا بحث عَن محلهَا لفهم مقتضاها
وَلذَلِك لما نزل ﴿أحل لكم لَيْلَة الصّيام الرَّفَث إِلَى نِسَائِكُم﴾ لم يشكوا أَنه الْجِمَاع
﴿وَلَا تجْعَل يدك مغلولة إِلَى عُنُقك وَلَا تبسطها كل الْبسط﴾ لم يشكوا أَنه الْبُخْل والجود
﴿وأنزلنا الْحَدِيد﴾ لم يشكوا أَن معنى الْإِنْزَال فِيهِ الْخلق وَكَذَا أنزل لكم
стр. 83
من الْأَنْعَام ثَمَانِيَة أَزوَاج)
فَكَذَلِك لم يشكوا أَن مَالا يَلِيق بِجلَال الله تَعَالَى لم يرد فِي قَوْله تَعَالَى ﴿اسْتَوَى على الْعَرْش﴾ وَهُوَ مَعكُمْ أَيْنَمَا كُنْتُم وَنَحْوه من الْآيَات وَمن السّنة ينزل رَبنَا كل يَوْم إِلَى سَمَاء الدُّنْيَا الْحجر الْأسود يَمِين الله فِي الأَرْض الْقلب بَين أصبعين من أَصَابِع الرَّحْمَن فَإِن الله قبل وَجهه
كل ذَلِك وَنَحْوه لم يشكوا أَن مَا لَا يَلِيق بِجلَال الرب ﵎ غير مُرَاد وَأَن المُرَاد بذلك الْمعَانِي اللائقة بجلاله تَعَالَى من مجازات الْأَلْفَاظ وتأويلها لما فَهموا مِنْهُ لم يسْأَلُوا عَنهُ وَلَو لم يفهموا مِنْهُ مَا يَلِيق بِجلَال الرب تَعَالَى لسألوا عَنهُ وَبَحَثُوا
وَكَيف لَا وَقد سَأَلُوا عَن الْمَحِيض وأموال الْيَتَامَى والأهلة والإنفاق وَلبس الْإِيمَان بالظلم وَصَلَاة الْمُصَلِّين إِلَى بَيت الْمُقَدّس من المتوفين قبل تَحْويل الْقبْلَة
فَكيف يتركون السُّؤَال عَن صِفَات الرب الْعلية عِنْد عدم فهم مَا ورد فِيهَا مَعَ أَن معرفَة الله تَعَالَى أصل الْإِيمَان ومنبع الْعرْفَان وَلَكِن لما انْتَشَر الْإِسْلَام فِي الأَرْض وَدخل فِيهِ من لَا يعرف تصاريف لِسَان الْعَرَب من الْأَعَاجِم والأنباط والتبس عَلَيْهِم اللِّسَان الْعَرَبِيّ بالعرفي لعدم علمهمْ بتصاريفه من حَقِيقَة ومجاز وكناية واستعارة وَحذف وإضمار وَغير ذَلِك وَقع من وَقع فِي التجسيم وَطَائِفَة فِي التعطيل وَتَفَرَّقَتْ الآراء فِي الْكَلَام على الذَّات وَالصِّفَات كَمَا أخبر الصَّادِق ﷺ عَن فرق الْأمة الكائنة بعده
стр. 84
فَاحْتَاجَ أهل الْحق إِلَى الرَّد على مَا ابتدعوه وَإِقَامَة الْحجَج على مَا تقولوه وانقسموا إِلَى قسمَيْنِ
أَحدهمَا أهل التَّأْوِيل وهم الَّذين تجردوا للرَّدّ على المبتدعة من المجسمة والمعطلة وَنَحْوهم من الْمُعْتَزلَة والمشبهة والخوارج لما أظهر كل مِنْهُم بدعته ودعا إِلَيْهَا
فَقَامَ أهل الْحق بنصرته وَدفع عَنهُ الدَّافِع بِإِبْطَال بدعته وردوا تِلْكَ الْآيَات المحتملة وَالْأَحَادِيث إِلَى مَا يَلِيق بِجلَال الله من الْمعَانِي بِلِسَان الْعَرَب وأدلة الْعقل وَالنَّقْل ليحق الله الْحق بكلماته وَيبْطل الْبَاطِل بحججه ودلالاته
وَالْقسم الثَّانِي الْقَائِلُونَ بالْقَوْل الْمَعْرُوف بقول السّلف وَهُوَ الْقطع بِأَن مَا لَا يَلِيق بِجلَال الله تَعَالَى غير مُرَاد وَالسُّكُوت عَن تعْيين المُرَاد من الْمعَانِي اللائقة بِجلَال الله تَعَالَى إِذا كَانَ اللَّفْظ مُحْتملا لمعاني تلِيق بِجلَال الله تَعَالَى
فالصنفان قاطعان بِأَن مَا لَا يَلِيق بِجلَال الله تَعَالَى من صِفَات الْمُحدثين غير مُرَاد وكل مِنْهُمَا على الْحق
وَقد رجح قوم من الأكابر الْأَعْلَام قَول السّلف لِأَنَّهُ أسلم وَقوم مِنْهُم قَول أهل
стр. 85
التَّأْوِيل للْحَاجة إِلَيْهِ وَالله أعلم
وَمن انتحل قَول السّلف وَقَالَ بتشبيه أَو تكييف أَو حمل اللَّفْظ على ظَاهره مِمَّا يتعالى الله عَنهُ من صِفَات الْمُحدثين فَهُوَ كَاذِب فِي انتحاله بَرِيء من قَول السّلف واعتداله
وَإِذا ثَبت أَن الله تَعَالَى خاطبنا بلغَة الْعَرَب وَأَن مَا لَا يَلِيق بجلاله غير مُرَاد فَنَقُول إِن اللَّفْظ الْعَرَبِيّ الْمُتَعَلّق بِالذَّاتِ المقدسة أَو الصِّفَات الْعلية إِمَّا أَن يحْتَمل مَعَاني عدَّة أَو لَا يحْتَمل إِلَّا معنى وَاحِدًا فَإِن لم يحْتَمل إِلَّا معنى وَاحِدًا يَلِيق بجلاله تَعَالَى
стр. 86
كَالْعلمِ تعين حمله عَلَيْهِ وَإِن احْتمل مَعَاني تلِيق بجلاله تَعَالَى فَهَذَا مَحل الْكَلَام بَين قَول السّلف والتأويل كَمَا تقدم
وَقد رَجَعَ قوم التَّأْوِيل لوجوه
الأول: أَنا إِذا ركعنا الْأَلْسِنَة عَن الْخَوْض فِيهِ وَلم نتبين مَعْنَاهُ فَكيف بكف الْقُلُوب عَن عرُوض الوساوس وَالشَّكّ وَسبق الْوَهم إِلَى مَالا يَلِيق بِهِ تَعَالَى
الثَّانِي أَن انبلاج الصُّدُور بِظُهُور الْمَعْنى وَالْعلم بِهِ أولى من تَركه بصدد عرُوض الوساوس وَالشَّكّ وَمن ذَا الَّذِي يملك الْقلب مَعَ كَثْرَة تقلبه
الثَّالِث أَن الِاشْتِغَال بِالنّظرِ الْمُؤَدِّي إِلَى الصَّوَاب وَالْعلم أولى من الْوُقُوف مَعَ الْجَهْل مَعَ الْقُدْرَة على نَفْيه
الرَّابِع أَن السُّكُوت عَن الْجَواب إِن اكْتفي بِهِ فِي حق الْمُؤمن الْمُسلم الْمُوفق والعامي فَلَا يَكْتَفِي بِهِ فِي جَوَاب المنازع من مُبْتَدع أَو كَافِر أَو مصمم على التَّشْبِيه والتجسيم
الْخَامِس أَن السُّكُوت مُنَاقض لقَوْله تَعَالَى ﴿هَذَا بَيَان للنَّاس﴾ وَقد جَاءَكُم
стр. 87
برهَان من ربكُم وشفاء لما فِي الصُّدُور) و ﴿بِلِسَان عَرَبِيّ مُبين﴾ وليدبروا آيَاته وليتذكر أولو الْأَلْبَاب و ﴿قد جَاءَكُم من الله نور وَكتاب مُبين﴾ و ﴿لتبين للنَّاس مَا نزل إِلَيْهِم﴾ وَنَحْو ذَلِك وَالله أعلم
وَلذَلِك لَا تكَاد تَجِد آيَة من الْآيَات الْمُشْتَملَة على مَا يتَوَهَّم مِنْهُ صفة المخلوقين إِلَّا مقرونة بِمَا يشْعر بالتنزيه أَو تَفْسِير المُرَاد بِهِ إِمَّا مُتَقَدما أَو مُتَأَخِّرًا كَقَوْلِه تَعَالَى لَيْسَ كمثله شَيْء وَهُوَ السَّمِيع الْبَصِير وَكَقَوْلِه تَعَالَى ﴿مَطْوِيَّات بِيَمِينِهِ﴾ و ﴿ثمَّ اسْتَوَى على الْعَرْش مَا لكم من دونه من ولي﴾ و ﴿بل يَدَاهُ مبسوطتان ينْفق كَيفَ يَشَاء﴾ و ﴿يَد الله فَوق أَيْديهم فَمن نكث﴾ وَنَحْو ذَلِك من الْآيَات الْكَرِيمَة
وَلَو خَاطب الله تَعَالَى الْخلق فِيمَا يتَعَلَّق بِذَاتِهِ المقدسة وَصِفَاته الْكَرِيمَة بِمَا لَا يفهم لَهُ معنى لَكَانَ منافيا لقَوْله تَعَالَى ﴿بِلِسَان عَرَبِيّ مُبين﴾ ﴿هَذَا بَيَان للنَّاس وَهدى﴾ ﴿لتبين للنَّاس مَا نزل إِلَيْهِم﴾ ﴿تِلْكَ آيَات الْكتاب وَقُرْآن مُبين﴾
وَبِهَذَا يرد قَول من قَالَ إِن الْوَجْه عبارَة عَن صفة لَا نَدْرِي مَا هِيَ وَكَذَلِكَ الْيَد والضحك وَالْحيَاء وَغير ذَلِك من الصِّفَات
وَكَذَلِكَ قَول من يَقُول وَجه لَا كوجهنا وَيَد لَا كيدنا ونزول لَا كنزولنا وَشبه ذَلِك
فَيُقَال لَهُم هَذِه الْمعَانِي الْمُسَمَّاة إِن لم تكن مَعْلُومَة وَلَا معقولة لِلْخلقِ وَلَا لَهَا مَوضِع فِي اللُّغَة اسْتَحَالَ خطاب الله الْخلق بهَا لِأَنَّهُ يكون خطابا بِلَفْظ مهمل لَا معنى
стр. 88
لَهُ وَفِي ذَلِك مَا يتعالى الله عَنهُ أَو كخطاب عَرَبِيّ بِلَفْظ تركي لَا يعقل مَعْنَاهُ بل هَذَا أبعد مِنْهُ لِأَن سامع اللَّفْظ التركي يُمكن مراجعتهم فِي مَعْنَاهُ عِنْدهم وَهَذَا على قَول هَؤُلَاءِ لَا يُمكن أَن يعلم مَعْنَاهُ إِلَّا الله فَيكون خطابا بِمَا يحير السَّامع وَلَا يفِيدهُ شَيْئا وَيلْزم مِنْهُ مَالا يخفى على الْعُقَلَاء مَا يتقدس خطاب الله عَنهُ
فَإِذا حملناه على معنى صَحِيح يَلِيق بجلاله لُغَة وعقلا ونقلا انْشَرَحَ الصَّدْر وَاسْتقر على علم وَسلم من عرُوض الوساوس والشكوك كَمَا تقدم
وَلذَلِك نقُول لَو أَنه تَعَالَى لَو لم يخلق لنا سمعنَا وبصرا وعلما وقدرة لما فهمنا خطابه لقَوْله تَعَالَى سميع بَصِير عليم قدير فخاطبنا بِمَا نفهم مَعْنَاهُ من إِدْرَاك المسموعات والمبصرات والمعلومات وَنَحْو ذَلِك مَعَ قيام الدَّلِيل على تنزيهه من التَّشْبِيه بالمخلوقين فقد بَان بِمَا ذكرنَا أَن حَقِيقَة مَذْهَب السّلف السُّكُوت عَن تعْيين المُرَاد من الْمعَانِي اللائقة بجلاله من ذَلِك اللَّفْظ الْمُحْتَمل لِأَن المُرَاد معَان لَا تفهم وَلَا تعقل وَلَا وضع لَهُ لفظ يدل عَلَيْهِ لُغَة بل عبر عَنهُ بِلَفْظ يُوهم غَيره أَو لَا يفهم لَهُ معنى
وكل ذَلِك أَمْثَال لما ذَكرْنَاهُ من أَن الْقُرْآن وَالسّنة بَيَان وَهدى فَمن اعْتقد مَذْهَب السّلف الْمَذْكُور أَو مَذْهَب التَّأْوِيل الْحق فَهُوَ على هدى
وَمن اعْتقد ظَاهرا لَا يَلِيق بجلاله تَعَالَى أَو مَا لَا يفهم مَعْنَاهُ أصلا فمبتدع
فَإِن قيل فَمَا تَقول فِي الْحُرُوف الْمُقطعَة فِي أَوَائِل السُّور
قلت الْجَواب عَنهُ من أوجه
стр. 89
الأول أَنَّهَا مَحْمُولَة على مَا قَالَه ابْن عَبَّاس حبر الْأمة وترجمان الْقُرْآن وَهُوَ إِن كل حرف دَال على كلمة فَمَعْنَى ﴿الم﴾ أَنا الله أعلم وَأفضل وَذَلِكَ مَعْرُوف من لُغَة الْعَرَب قَالَ
(قلت لَهَا قضي فَقَالَت قَاف ... لَا تحسبي أَنا نَسِينَا الألطاف)
وَقَالَ آخر
(نادوهم إِلَّا ألجموا أَلا تا ... قَالُوا جَمِيعًا كلهم ألافا)
فَمَعْنَى الأول أَلا تَرْكَبُونَ وَالثَّانِي فاركبوا
وَقَالَ آخر
(بِالْخَيرِ خير وَإِن شرا فا ... وَلَا أُرِيد الشَّرّ إِلَّا أَن تا)
معنى الأول فَمثله وَالثَّانِي يُريدهُ
الثَّانِي بَيَان أَن الْقُرْآن كَلِمَاته من حُرُوف كلماتهم فليأتوا بِمثلِهِ إِن منعُوا الإعجاز فِيهِ وَأتوا بِنصْف الْحُرُوف الَّتِي مِنْهَا يتركب أَكثر الْكَلَام تَنْبِيها على الْبَاقِي وَالْمرَاد الْجَمِيع
قَالَ الشَّاعِر
(لما رَأَيْت أَنَّهَا فِي حطى ... أخذت مِنْهَا بقرون شمط)
стр. 90
أَرَادَ فِي أبجد هوز حطي إِلَى آخرهَا
الثَّالِث أَنَّهَا أَسمَاء السُّور كَمَا جَاءَ عَن ابْن عَبَّاس وَغَيره فِي ذَلِك أَنَّهَا أَعْلَام عَلَيْهَا
الرَّابِع أَنَّهَا أَقسَام أقسم الله بهَا لشرفها بتركيب كَلِمَات كِتَابه مِنْهَا وَلذَلِك ذكر نصفهَا الَّذِي هُوَ أغلب فِي الْكَلَام
الْخَامِس أَنَّهَا أَمَارَات لأهل الْكتاب على نبوة مُحَمَّد ﷺ أَنه ينزل عَلَيْهِ كتابا فِيهِ حُرُوف مُفْردَة
السَّادِس أَنَّهَا نزلت كَذَلِك لتستغرب فَيكون أدعى إِلَى سماعهم لِلْقُرْآنِ
السَّابِع عَن أبي الْعَالِيَة أَن المُرَاد بهَا حِسَاب الْجمل ليدله على مغيبات تكون وكل ذَلِك مُحْتَمل للغة وَالله أعلم
وَاعْلَم أَن فرق الْمُسلمين وَإِن تباينوا فِي الْمسَائِل الْمُتَعَلّقَة بِالذَّاتِ وَالصِّفَات متفقون على تَأْوِيل بعض الْآيَات وَالْأَخْبَار فَمن الْآيَات
﴿بل يَدَاهُ مبسوطتان﴾ ﴿وَلَا تجْعَل يدك مغلولة إِلَى عُنُقك﴾ لم يقل أحد إِن المُرَاد بهَا الْجَوَارِح ﴿وَنحن أقرب إِلَيْهِ﴾ ﴿واسجد واقترب﴾ ﴿فَإِنِّي قريب﴾ لم يقل إِن المُرَاد قرب الْمسَافَة وَمِنْهَا ﴿وَهُوَ مَعكُمْ﴾ ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا﴾ . لم
стр. 91
يقل أحد إِن الْمَعِيَّة هَهُنَا المقاربة بِالذَّاتِ وَنَحْو ذَلِك من الْآيَات الْمُتَّفق على تَأْوِيلهَا
فَأَما الَّذِي يجوز التَّأْوِيل فِي بعض دون بعض هَل هُوَ إِلَّا تحكم وَتجوز لذَلِك هَكَذَا
وَمن الْأَخْبَار قلب الْمُؤمن بَين أصبعين من أَصَابِع الرَّحْمَن رَوَاهُ مُسلم فَإِن كل عَاقل يعلم أَنه لَيْسَ لله تَعَالَى فِي كل صدر مُؤمن أصبعان وَأَن ذَلِك مؤول قطعا بِمَا سَنذكرُهُ إِن شَاءَ الله تَعَالَى وَمِنْهَا كنت سَمعه الَّذِي يسمع بِهِ وبصره الَّذِي يبصر بِهِ وَيَده الَّتِي يبطش بهَا وَإِن تقرب مني شبْرًا تقربت مِنْهُ ذِرَاعا وَإِن أَتَانِي يمشي أَتَيْته هرولة
وَكَذَلِكَ قَوْله مَرضت فَلم تعدني واستطعمتك فَلم تطعمني واستكسوتك فَلم تكسني أَنا جلس من ذَكرنِي الْكِبْرِيَاء رِدَائي وَالْعَظَمَة إزَارِي
كل ذَلِك لَا يشك عَاقل لَا يرتاب أَن ظَاهر ذَلِك غير مُرَاد وَمن خالجه عقله بِخِلَاف مَا قُلْنَاهُ فَغير مُسْتَحقّ لخطاب أورد جَوَاب
وَكَذَلِكَ الْحجر الْأسود يَمِين الله فِي أرضه
وَكَذَلِكَ دَعْوَى قدم الْقُرْآن مَعَ كَونه حرفا وصوتا فَإِن الْقدَم والحرف وَالصَّوْت لَا يَجْتَمِعَانِ لما علم من حد الْقَدِيم والحادث وَكَيف يعقل اجْتِمَاع الصَّوْت بِالْبَاء وَالسِّين وَالْمِيم فضلا عَمَّا زَاد على ذَلِك فِي آن وَاحِد
وَمن لَا يقفون يقف الْعقل الَّذِي جعله الله تَعَالَى دَلِيلا عَلَيْهِ وعَلى صِفَاته
стр. 92
كَيفَ يقفوا يقف وَيقدم عَلَيْهِ ضَعِيف الحَدِيث الْمَنْقُول وموضوعاته لم يسْتَحق كلَاما بل جَوَابه سَلاما
وَسَيَأْتِي الْكَلَام على مَعَاني مَا ورد فِي الْكتاب وَالسّنة الصَّحِيحَة وَالْأَحَادِيث الضعيفة إِن شَاءَ الله تَعَالَى
стр. 93
الْكَلَام على مَا فِي الْكتاب الْعَزِيز من الْآيَات وتأويلها
بِمَا يَلِيق بِجلَال الله تَعَالَى من الصِّفَات
الْآيَة الأولى قَوْله تَعَالَى ﴿ثمَّ اسْتَوَى على الْعَرْش﴾ ورد فِي خمس آيَات وَفِي سادس فِي طه (الرَّحْمَن على الْعَرْش اسْتَوَى)
فَنَقُول قد تقدم أَن الْقُرْآن نزل بلغَة الْعَرَب ومعاني كَلَامهم وَمَا كَانُوا يتعقلونه فِي خطابهم أما الْعَرْش لُغَة فَهُوَ سَرِير الْملك وسقف الْبَيْت وَمِنْه قَوْلهم ثل عرش فلَان أَي زَالَ سُلْطَانه وجاهه وَيُقَال لسقف الْبَيْت عَرْشه وَمِنْه قَوْله تَعَالَى ﴿معروشات وَغير معروشات﴾
وَالْعرش سقف الْعَالم بأسره وَالله أعلم
стр. 94
وسنبين فِيمَا يَأْتِي أَن إِرَادَة حَقِيقَة السرير فِي الْآيَات محَال
وَأما الاسْتوَاء فَلهُ فِي اللُّغَة معَان
الأول تَمام الشَّيْء وَمِنْه ﴿فَإِذا سويته﴾ ﴿ثمَّ سواهُ وَنفخ فِيهِ﴾ وَمِنْه ﴿بلغ أشده واستوى﴾
الثَّانِي الْقَصْد وَمِنْه ﴿ثمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء﴾ أَي قصد خلقهَا
الثَّالِث الِاعْتِدَال وَمِنْه ﴿هَل يستويان مثلا﴾ ﴿هَل يَسْتَوِي الَّذين يعلمُونَ وَالَّذين لَا يعلمُونَ﴾ ﴿لَا يَسْتَوِي مِنْكُم من أنْفق﴾ الْآيَة
الرَّابِع الْقَهْر والاستيلاء وَمِنْه قد اسْتَوَى بشر على الْعرَاق
стр. 95
وَقَول الآخر وأضحى على مَا ملكوه قد اسْتَوَى
وَاتفقَ السّلف وَأهل التَّأْوِيل على أَن مَا لَا يَلِيق من ذَلِك بِجلَال الرب تَعَالَى غير مُرَاد كالقعود والاعتدال وَاخْتلفُوا فِي تعْيين مَا يَلِيق بجلاله من الْمعَانِي المحتملة كالقصد والاستيلاء فَسكت السّلف عَنهُ وأوله المؤولون على الِاسْتِيلَاء والقهر لتعالي الرب عَن سمات الْأَجْسَام من الْحَاجة إِلَى الحيز وَالْمَكَان وَكَذَلِكَ لَا يُوصف بحركة أَو سُكُون أَو اجْتِمَاع وافتراق لِأَن ذَلِك كُله من سمات المحدثات وعروض الْأَعْرَاض والرب تَعَالَى مقدس عَنهُ
فَقَوله تَعَالَى ﴿اسْتَوَى﴾ بتعين فِيهِ معنى الِاسْتِيلَاء والقهر لَا الْقعُود والاستقرار إِذْ لَو كَانَ وجوده تَعَالَى مكانيا أَو زمانيا للَزِمَ قدم الزَّمَان وَالْمَكَان أَو تقدمهما عَلَيْهِ وَكِلَاهُمَا بَاطِل فقد صَحَّ فِي الحَدِيث كَانَ الله وَلَا شَيْء مَعَه وللزم حَاجته إِلَى الْمَكَان وَهُوَ تَعَالَى الْغَنِيّ الْمُطلق المستغني عَمَّا سواهُ كَانَ الله وَلَا زمَان
стр. 96
وَلَا مَكَان وَهُوَ الْآن على مَا عَلَيْهِ كَانَ وللزم كَونه محدودا مُقَدرا وكل مَحْدُود ومقدر جسم وكل جسم مركب مُحْتَاج إِلَى أَجْزَائِهِ ويتقدس من لَهُ الْغنى الْمُطلق عَن الْحَاجة وَلِأَن مَكَان الِاسْتِقْرَار لَو قدر حَادث مَخْلُوق فَكيف يحْتَاج إِلَيْهِ من أوجده بعد عَدمه وَهُوَ الْقَدِيم الأزلى قبله
فَإِن قيل نفي الْجِهَة عَن الْمَوْجُود يُوجب نَفْيه لِاسْتِحَالَة مَوْجُود فِي غير جِهَة
стр. 97
قُلْنَا الْمَوْجُود قِسْمَانِ مَوْجُود لَا يتَصَرَّف فِيهِ الْوَهم والحس والخيال والانفصال وموجود يتَصَرَّف ذَلِك فِيهِ ويقبله فَالْأول مَمْنُوع لاستحالته والرب لَا يتَصَرَّف فِيهِ ذَلِك إِذْ لَيْسَ بجسم وَلَا عرض وَلَا جَوْهَر فصح وجوده عقلا من غير جِهَة وَلَا حيّز كَمَا دلّ الدَّلِيل الْعقلِيّ فِيهِ فَوَجَبَ تَصْدِيقه عقلا وكما دلّ الدَّلِيل الْعقلِيّ على وجوده مَعَ نفي الجسمية والعرضية مَعَ بعد الْفَهم الْحسي لَهُ فَكَذَلِك دلّ على نفي الْجِهَة والحيز مَعَ بعد فهم الْحس لَهُ
وَقد اتّفق أَكثر الْعُقَلَاء على وُجُوه مَا لَيْسَ فِي حيّز كالمعقول والنفوس والهيولي وعَلى وجود مَا لَا يتصوره الذِّهْن كحقيقة نفس الْحَرَارَة والبرودة فَإِنَّهَا مَوْجُودَة قطعا وَلَا يتَصَوَّر الذِّهْن حَقِيقَتهَا وَلم يقل أحد إِنَّهُم ادعوا مستحيلا أَو مُخَالفا للضَّرُورَة
فَإِن قيل قصَّة الْمِعْرَاج تدل على الْجِهَة والحيز
قُلْنَا قصَّة الْمِعْرَاج أُرِيد بهَا وَالله أعلم أَن يرِيه الله تَعَالَى أَنْوَاع مخلوقاته وعجائب مصنوعاته فِي الْعَالم الْعلوِي والسفلي تكميلا لصفاته وتحقيقا لمشاهداته لآياته وَلذَلِك قَالَ تَعَالَى ﴿لنريه من آيَاتنَا﴾ وَسَيَأْتِي الْبسط فِي هَذَا فِي جَوَاب الحَدِيث إِن شَاءَ الله تَعَالَى
فَإِن قيل ﴿إِلَيْهِ يصعد الْكَلم الطّيب﴾ وَهَذَا ظَاهر فِي الْجِهَة وَكَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى ﴿تعرج الْمَلَائِكَة وَالروح إِلَيْهِ﴾ وَقَوله ﴿ثمَّ يعرج إِلَيْهِ﴾ الْآيَة
стр. 98
قُلْنَا لَيْسَ المُرَاد بالغاية هُنَا غَايَة الْمَكَان بل غَايَة انْتِهَاء الْأُمُور إِلَيْهِ كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿أَلا إِلَى الله تصير الْأُمُور﴾ وَإِلَيْهِ يرجع الْأَمر كُله وَقَول إِبْرَاهِيم الْخَلِيل ﵇ ﴿إِنِّي ذَاهِب إِلَى رَبِّي سيهدين﴾ ﴿وأنيبوا إِلَى ربكُم وَأَسْلمُوا لَهُ﴾ ﴿تُوبُوا إِلَيْهِ﴾ وَهُوَ كثير
فَالْمُرَاد الِانْتِهَاء إِلَى مَا أعده لِعِبَادِهِ وَالْمَلَائِكَة من الثَّوَاب والكرامة والمنزلة
فَإِن قيل قَوْله تَعَالَى ﴿وَهُوَ القاهر فَوق عباده﴾ ﴿يخَافُونَ رَبهم من فَوْقهم﴾
قُلْنَا يَأْتِي ذَلِك فِي مَكَانَهُ من آيَات الْقُرْآن
فَإِن قيل إِنَّمَا يُقَال استولى لمن لم يكن مستوليا قبل أَو لمن كَانَ لَهُ مُنَازع فِيمَا استولى عَلَيْهِ أَو عَاجز ثمَّ قدر
قُلْنَا المُرَاد بِهَذَا الِاسْتِيلَاء الْقُدْرَة التَّامَّة الخالية من معَارض وَلَيْسَ لَفْظَة ثمَّ
стр. 99
هُنَا لترتيب ذَلِك بل هِيَ من بَاب تَرْتِيب الْأَخْبَار وَعطف بَعْضهَا على بعض
فَإِن قيل فالاستيلاء حَاصِل بِالنِّسْبَةِ إِلَى جَمِيع الْمَخْلُوقَات فَمَا فَائِدَة تَخْصِيصه بالعرش
قُلْنَا خص بِالذكر لِأَنَّهُ أعظم الْمَخْلُوقَات إِجْمَاعًا كَمَا خصّه بقوله ﴿رب الْعَرْش الْعَظِيم﴾ وَهُوَ رب كل شَيْء فَإِذا استولى على الْعَرْش الْمُحِيط بِكُل شَيْء استولى على الْكل قطعا
إِذا ثَبت ذَلِك فَمن جعل الاسْتوَاء فِي حَقه مَا يفهم من صِفَات الْمُحدثين وَقَالَ اسْتَوَى بِذَاتِهِ أَو قَالَ اسْتَوَى حَقِيقَة فقد ابتدع بِهَذِهِ الزِّيَادَة الَّتِي لم تثبت فِي السّنة وَلَا عَن أحد من الْأَئِمَّة المقتدى بهم وَزَاد بعض الْحَنَابِلَة الْمُتَأَخِّرين فَقَالَ الاسْتوَاء مماسة الذَّات وَأَنه على عَرْشه مَا ملأَهُ وَأَنه لَا بُد لذاته من نِهَايَة يعلمهَا وَقَالَ آخر يخْتَص بمَكَان دون مَكَان ومكانه وجود ذَاته على عَرْشه قَالَ وَالْأَشْبَه أَنه مماس للعرش والكرسي مَوضِع قَدَمَيْهِ
стр. 100
وَهَذَا مِنْهُم افتراء عَظِيم تَعَالَى الله عَنهُ وَجَهل بِعلم هَيْئَة الْعَالم فَإِن المماسة توجب الجسمية والقدمين يُوجب التَّشْبِيه وَالْإِمَام أَحْمد بَرِيء من ذَلِك فَإِن الْمَنْقُول عَنهُ أَنه كَانَ لَا يَقُول بالجهة للباري تَعَالَى وَكَانَ يَقُول الاسْتوَاء صفة مسلمة وَهُوَ قَول بعض السّلف ﵃
الْآيَة الثَّانِيَة قَوْله تَعَالَى ﴿وَهُوَ القاهر فَوق عباده﴾ وَقَوله تَعَالَى ﴿يخَافُونَ رَبهم من فَوْقهم﴾
اعْلَم أَن لَفْظَة فَوق فِي كَلَام الْعَرَب تسْتَعْمل بِمَعْنى الحيز العالي وتستعمل بِمَعْنى الْقُدْرَة وَبِمَعْنى الرُّتْبَة الْعلية فَمن فوقية الْقُدْرَة ﴿يَد الله فَوق أَيْديهم﴾ ﴿وَهُوَ القاهر فَوق عباده﴾ فَإِن قرينَة ذكر الْقَهْر يدل على ذَلِك وَمن فوقية الرُّتْبَة ﴿وَفَوق كل ذِي علم عليم﴾ لم يقل أحد إِن المُرَاد فوقية الْمَكَان بل فوقية الْقَهْر
стр. 101
والقدرية والرتبة
وَإِذا بَطل بِمَا قدمْنَاهُ مَا سنذكر من إبِْطَال الْجِهَة فِي حق الرب تَعَالَى تعين أَن المُرَاد فوقية الْقَهْر وَالْقُدْرَة والرتبة وَلذَلِك قرنه بِذكر الْقَهْر كَمَا قدمنَا
وَيدل على مَا قُلْنَاهُ أَن فوقية الْمَكَان من حَيْثُ هِيَ لَا تَقْتَضِي فَضِيلَة لَهُ فكم من غُلَام أَو عبد كَائِن فَوق مسكن سَيّده وَلَا يُقَال الْغُلَام فَوق السُّلْطَان أَو السَّيِّد على وَجه الْمَدْح إِذا قصد الْمَكَان لم يكن فِيهِ مدحه بل الْفَوْقِيَّة الممدوحة فوقية الْقَهْر وَالْغَلَبَة والرتبة وَلذَلِك قَالَ تَعَالَى ﴿يخَافُونَ رَبهم من فَوْقهم﴾ لِأَنَّهُ إِنَّمَا يخَاف الْخَائِف من هُوَ أَعلَى مِنْهُ رُتْبَة ومنزلة وأقدر عَلَيْهِ مِنْهُ فَمَعْنَاه يخَافُونَ رَبهم الْقَادِر عَلَيْهِم القاهر لَهُم وَحَقِيقَته يخَافُونَ عَذَاب رَبهم لِأَن حَقِيقَة الذَّات المقدسة لَا تخَاف وَإِنَّمَا الْمخوف فِي الْحَقِيقَة عَذَابه وبطشه وإنتقامه وَإِذا ثَبت ذَلِك فَلَا جِهَة
وَله وَجه آخر وَهُوَ أَن يكون ﴿من فَوْقهم﴾ مُتَعَلقا بِعَذَاب رَبهم الْمُقدر وَيُؤَيِّدهُ قَوْله تَعَالَى ﴿قل هُوَ الْقَادِر على أَن يبْعَث عَلَيْكُم عذَابا من فَوْقكُم﴾ الْآيَة
فقد بَان بِمَا ذَكرْنَاهُ أَن المُرَاد بالفوقية فِي الْآيَات الْقَهْر وَالْقُدْرَة والرتبة أَو فوقية جِهَة الْعَذَاب لَا فوقية الْمَكَان لَهُ
стр. 102
الْآيَة الثَّالِثَة قَوْله تَعَالَى ﴿وَهُوَ الْعلي الْعَظِيم﴾ ﴿سبح اسْم رَبك الْأَعْلَى﴾ ﴿وَهُوَ الْعلي الْكَبِير﴾
الْكَلَام على وَصفه بذلك على مَا ذَكرْنَاهُ فِي الْفَوْقِيَّة وَهُوَ أَن المُرَاد علو السلطنة والرتبة والقهر لَا علو الْجِهَة وكما صَحَّ التَّجَوُّز فِي الْمَعِيَّة فِي قَوْله تَعَالَى وَهُوَ مَعكُمْ أَيْنَمَا كُنْتُم ﴿إِن الله مَعَ الَّذين اتَّقوا﴾ ﴿إِلَّا هُوَ مَعَهم﴾ ﴿وَالله مَعكُمْ﴾
فَكَذَلِك صَحَّ التَّجَوُّز فِي الْعُلُوّ والفوقية بعلو الرُّتْبَة والسلطنة وَيدل عَلَيْهِ قَوْله تَعَالَى ﴿وَأَنْتُم الأعلون﴾ ﴿لَا تخف إِنَّك أَنْت الْأَعْلَى﴾ وَكلمَة الله هِيَ
стр. 103
الْعليا) وَنَحْو ذَلِك
لم يرد بذلك من ذَلِك علو الْجِهَة بل علو الرُّتْبَة والمنزلة قطعا
الْآيَة الرَّابِعَة قَوْله تَعَالَى ﴿إِلَيْهِ يصعد الْكَلم الطّيب﴾ ﴿تعرج الْمَلَائِكَة وَالروح إِلَيْهِ﴾ ﴿ورافعك إِلَيّ﴾
اعْلَم أَنه قد تقدم الْكَلَام عَلَيْهِ فِي آيَة الاسْتوَاء ونزيد هَهُنَا أَنه إِذا ثَبت اسْتِحَالَة الْجِهَة فِي حَقه تَعَالَى وَجب تَأْوِيل هَذِه الْآيَات وَأَن المُرَاد يصعد ويعرج إِلَى مَحل أمره وإرادته أَو أَن المُرَاد بالمعارج الرتب والدرجات كَمَا ورد فِي دَرَجَات الْجنَّة وَلَيْسَ المُرَاد بِهِ الدَّرَجَات الَّتِي هِيَ مراقي من سفل إِلَى علو الرُّتْبَة والمنازل عِنْده تَعَالَى وَفِي
стр. 104
إفاضات النعم فِي الْجنَّة وَمِنْه قَوْله تَعَالَى ﴿ورافعك إِلَيّ﴾ وَقَوله ﴿بل رَفعه الله إِلَيْهِ﴾ إِلَى مَحل كرامته كَمَا يُقَال رفع السُّلْطَان فلَانا إِلَيْهِ لَيْسَ المُرَاد مَكَانا وَلَا جِهَة علو بل قرب رُتْبَة ومنزلة
الْآيَة الْخَامِسَة قَوْله تَعَالَى ﴿إِن الَّذين عِنْد رَبك﴾ ﴿من ذَا الَّذِي يشفع عِنْده إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ ﴿عِنْد مليك مقتدر﴾ ﴿ابْن لي عنْدك بَيْتا فِي الْجنَّة﴾ ﴿وَإِن لَهُ عندنَا لزلفى وَحسن مآب﴾ ﴿وَمن عِنْده لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَن عِبَادَته﴾
ورد ذَلِك فِي الحَدِيث كثيرا كَقَوْلِه أَنا عِنْد ظن عَبدِي بِي أَنا عِنْد المنكسرة قُلُوبهم من أَجلي كل ذَلِك لَيْسَ المُرَاد بِهِ عندية الْجِهَة بل عندية الشّرف والكرامة والإعانة والجبر واللطف لَا عندية الحيز وَالْمَكَان فَإِن كَون الرب تَعَالَى عِنْد الْإِنْسَان بِاعْتِبَار الْجِهَة وَالْمَكَان محَال بِالْإِجْمَاع وَسَيَأْتِي شَرحه فِي الحَدِيث إِن شَاءَ الله
стр. 105
الْآيَة السَّادِسَة ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَة الْقدر﴾ ﴿ونزلناه تَنْزِيلا﴾ ﴿وَلَو أننا نزلنَا إِلَيْهِم الْمَلَائِكَة﴾ ﴿قَالَ الله إِنِّي منزلهَا عَلَيْكُم﴾ وَهُوَ كثير فِي الْقُرْآن والْحَدِيث وَتمسك بِهِ الْحَنْبَلِيّ فِي ثوب الْجِهَة وَلَيْسَ بِدَلِيل لَهُ بل لما كَانَ الْإِنْزَال من جِهَة اللَّوْح الْمَحْفُوظ وَهُوَ فِي السَّمَاء عبر عَنهُ بالإنزال وَالنُّزُول وَهُوَ لَازم للخصم لِأَن الْقُرْآن عِنْده حرف وَصَوت والحروف والأصوات لَا تقبل النُّزُول والانتقال وَأَيْضًا فَإِن الْفِعْل قد يُضَاف إِلَى الْأَمر بِهِ كَمَا يُضَاف إِلَى فَاعله فَيُقَال نَادِي السُّلْطَان فِي النَّاس وَلم يُبَاشر ذَلِك بِنَفسِهِ بل أَمر بِهِ وَمثله قَوْله تَعَالَى ﴿الله يتوفى الْأَنْفس﴾ فأضاف الْفِعْل إِلَى نَفسه وَقد قَالَ (توفته رسلنَا) وَقَالَ ﴿قل يتوفاكم ملك الْمَوْت﴾ فَلَمَّا كَانَ هُوَ الْآمِر بِهِ نسبه إِلَيْهِ وَمِنْه ﴿وَإِنَّا لَهُ كاتبون﴾ وَقَالَ ﴿كراما كاتبين﴾ وَقَالَ ﴿إِنَّا نَحن نزلنَا الذّكر﴾ وَقَالَ ﴿نزل بِهِ الرّوح الْأمين﴾ وَمثله كثير وَمِنْه ينزل رَبنَا كل لَيْلَة إِلَى سَمَاء الدُّنْيَا كَمَا سَيَأْتِي مَبْسُوطا فِي قسم الحَدِيث إِن شَاءَ الله تَعَالَى
الْآيَة السَّابِعَة قَوْله تَعَالَى ﴿أأمنتم من فِي السَّمَاء أَن يخسف بكم الأَرْض﴾
стр. 106
وَقَوله تَعَالَى ﴿قل لَا يعلم من فِي السَّمَاوَات وَالْأَرْض الْغَيْب إِلَّا الله﴾
اعْلَم أَن الدَّلِيل الْعقلِيّ الْقَاطِع والنقلي الشَّائِع يدلان على أَن الْآيَات الْمَذْكُورَة لَيست على ظَاهرهَا لوجوه
الأول أَن لَفظه فِي للظرفية وَتَعَالَى الله أَن يكون مظروفا لخلق من خلقه
وَأَيْضًا فقد قَالَ ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاء إِلَه وَفِي الأَرْض إِلَه﴾ وَالْجمع بَينهمَا متناقض
الثَّانِي أعلم أَن الْخصم يعْتَقد أَن الرب تَعَالَى على الْعَرْش وَالْآيَة تضَاد ذَلِك لِأَن من هُوَ فِي السَّمَاء لَيْسَ هُوَ على مَا هُوَ أَعلَى مِنْهَا بطبقات وآلاف سِنِين
стр. 107
وَكَذَلِكَ لَا يَصح أَن يُقَال لمن هُوَ فَوق سطح يسع لدار عَظِيمَة فِي وَسطهَا من أَسْفَل بَيت صَغِير إِنَّه فِي ذَلِك الْبَيْت مَعَ أَن نِسْبَة الْعَرْش إِلَى السَّمَاء أَضْعَاف أَضْعَاف ذَلِك السَّطْح بِالنِّسْبَةِ إِلَى ذَلِك الْبَيْت
وَأَيْضًا فَإِن بعض الْخُصُوم يَقُول إِنَّه على الْعَرْش وَقد قَامَ الدَّلِيل الْقَاطِع عِنْد الْعُقَلَاء أَن نِسْبَة السَّمَاء إِلَى الْعَرْش وعظمته قَلِيل جدا فَكيف تسع مَعَ لطفها بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْعَرْش من هُوَ ملْء الْعَرْش مَعَ عَظمته فَإِنَّهُ يلْزم إِمَّا اتساع السَّمَاء أَو تضاؤل الذَّات تَعَالَى الله عَن ذَلِك علوا كَبِيرا
الثَّالِث اعْلَم أَن السَّمَوَات كرية لقِيَام الدَّلِيل الْحسي والنقلي على ذَلِك فَإِن كَانَ فِي وَجههَا عنْدكُمْ فقد جعلتموه كفلك مِنْهَا وَإِن كَانَ فِي جِهَة الْبَعْض فترجيح من غير مُرَجّح
فَإِن قيل المُرَاد بالسماء الْجِنْس لَا الْمُسَمّى الْجَمِيع قُلْنَا يلْزم التَّنَاقُض لِأَن الْعَرْش خَارج السَّمَوَات وقلتم إِنَّه على الْعَرْش وَأَيْضًا يلْزم التجزيء أَو كَونه متحيز دَاخِلا فِي حيزين كَمَا سَيَأْتِي فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَهُوَ الله فِي السَّمَاوَات﴾ وَالْكل محَال تَعَالَى الله عَن ذَلِك
стр. 108
إِذا ثَبت ذَلِك تعين أَن المُرَاد إِمَّا مَلَائِكَة فِي السَّمَاء مسلطون على من شَاءَ الله من الْكفَّار لِأَن اللَّفْظَة تحتمله أَو أَن المخاطبين كَانُوا يَعْتَقِدُونَ اعْتِقَاد المجسمة فَقيل لَهُم بِحَسب مَا كَانُوا يعتقدونه فِي زعمهم أَو أَن المُرَاد التَّعْظِيم وعلو الرُّتْبَة وَالْقُدْرَة أَي من فِي السَّمَاء ملكوته وسلطانه وَمَلَائِكَته فَيكون المُرَاد بالسماء الْعُلُوّ والرفعة
فَإِن قيل فِي هَاهُنَا بِمَعْنى على كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿فِي جُذُوع النّخل﴾
قُلْنَا هَذَا مَرْدُود لوَجْهَيْنِ أَحدهمَا أَن ذَلِك خلاف الأَصْل وموضوع اللُّغَة الَّتِي نزل بهَا الْقُرْآن وممنوع عِنْد الْمُحَقِّقين من نحاة الْبَصْرَة بل هُوَ على بَابه لتمكنهم على الْجُذُوع تمكن المظروف من ظرفه لآنهم لم يَكُونُوا مستعلين عَلَيْهَا بل كَانُوا مَعهَا
الثَّانِي لَو أُرِيد معنى على كَانَ لَفظه أفخم وَأعظم فَإِن قَوْله من على السَّمَاء أفخم وَأعظم من قَوْله ﴿من فِي السَّمَاء﴾ وَسَيَأْتِي الْكَلَام على حَدِيث الْجَارِيَة فِي قسم الحَدِيث إِن شَاءَ الله مَبْسُوطا
الْآيَة الثَّامِنَة قَوْله تَعَالَى ﴿هَل ينظرُونَ إِلَّا أَن يَأْتِيهم الله فِي ظلل من الْغَمَام﴾
стр. 109
وَقَوله تَعَالَى ﴿أَو يَأْتِي رَبك﴾ وَقَوله تَعَالَى ﴿وَجَاء رَبك وَالْملك صفا صفا﴾
اعْلَم أَن الْمَجِيء والذهاب والإتيان بِالذَّاتِ على الله تَعَالَى محَال لِأَنَّهُ من صِفَات الْحَوَادِث المحدودة للإنتقال من حيّز إِلَى حيّز وَلذَلِك اسْتدلَّ الْخَلِيل ﵇ على نفي الإهية الْكَوَاكِب بأفولهن وَصدقه الله تَعَالَى فِي استدلاله وَصَححهُ بقوله ﴿وَتلك حجتنا آتيناها إِبْرَاهِيم على قومه﴾ إِذا ثَبت هَذَا تعين تَأْوِيل ذَلِك وتأويله من وُجُوه
الأول وَهُوَ أظهر أَن فِي الْكَلَام مُضَافا مُقَدرا تَقْدِيره إِلَّا أَن يَأْتِيهم أَمر الله وَهُوَ مجَاز كثير مُسْتَعْمل وَمِنْه ﴿إِن تنصرُوا الله ينصركم﴾ أَي دين الله أَو نَبِي الله
стр. 110
أَو الْيَاء الله وَمِنْه ﴿يخادعون الله﴾ و ﴿يحادون الله﴾ ﴿واسأل الْقرْيَة﴾ وَهُوَ كثير فَيدل على مَا أولناه
قَوْله تَعَالَى فِي الْآيَة الْأُخْرَى ﴿هَل ينظرُونَ إِلَّا أَن تأتيهم الْمَلَائِكَة أَو يَأْتِي أَمر رَبك﴾ فَتكون هَذِه الْآيَة مفسرة لِلْآيَةِ الْأُخْرَى
وَيُؤَيِّدهُ أَيْضا قَوْله بعد هَذَا ﴿وَقضي الْأَمر﴾ وَلَيْسَ مَعنا أَمر مَعْهُود إِلَّا الْمُقدر الَّذِي ذكره فَيكون حرف التَّعْرِيف لَهُ وَكَذَلِكَ قَوْله ﴿وَإِلَى الله ترجع الْأُمُور﴾
الْوَجْه الثَّانِي أَن الْآيَة سيقت للتنديد وَلَو أُرِيد حَقِيقَة الذَّات لم يكن للتنديد معنى لإن إِتْيَانه يكون رَحْمَة ونعمة فَقَوله أَولا ﴿فَإِن زللتم﴾ إِلَى آخِره دَلِيل على التنديد فَيكون الْمُقدر أَمر الله تَعَالَى أَو عَذَابه أَو قَضَاؤُهُ قَالَ الإِمَام أَحْمد بن
следующие страницы →