Полный текст (226 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
الصِّنْف السَّادِس طَائِفَة اتّفق نشؤوهم بَين الشِّيعَة وَالرَّوَافِض واعتقدوا التدين بسب الصَّحَابَة وَرَأَوا هَذِه الْفرْقَة تساعدهم عَلَيْهَا فمالت نُفُوسهم الى المساعدة لَهُم والاستئناس بهم وانجرت مَعَهم الى مَا وَرَاء ذَلِك من خَصَائِص مَذْهَبهم
الصِّنْف السَّابِع طَائِفَة من ملحدة الفلاسفة والثنوية والمتحيرة فِي الدّين اعتقدوا أَن الشَّرَائِع نواميس مؤلفة وان المعجزات مخاريق مزخرفة فَإِذا رَأَوْا هَؤُلَاءِ يكرمون من ينتمي إِلَيْهِم ويفيضون ذخائر الْأَمْوَال عَلَيْهِم انتدبوا لمساعدتهم طلبا لحطام الدُّنْيَا واستحقارا لامر العقبى وَهَذِه الطَّائِفَة هم الَّذين لفقوا لَهُم الشّبَه وزينوا لَهُم بطرِيق التمويه الْحجَج وسووها على شُرُوط الجدل وحدود الْمنطق من حَيْثُ الظَّاهِر وغبوا مكامن التلبيس والمغالطة فِيهَا تَحت أَلْفَاظ مجملة وعبارات كُلية مُبْهمَة قَلما يَهْتَدِي النَّاظر الضَّعِيف الى فك تعقيدها وكشف الغطاء عَن مكمن تدليسها على مَا سنورد مَا لفقوه وننبه على المسلك الَّذِي سلكوه ونهجوه ونكشف عَن فَسَاده من عدَّة وُجُوه
الصِّنْف الثَّامِن طَائِفَة استولت عَلَيْهِم الشَّهَوَات فاستدرجتهم مُتَابعَة اللَّذَّات وَاشْتَدَّ عَلَيْهِم وَعِيد الشَّرْع وثقلت عَلَيْهِم تكاليفه فَلَيْسَ يتهنأ عيشهم إِذا قرفوا بِالْفِسْقِ والفجور وتوعدوا بِسوء الْعَاقِبَة فِي الدَّار الْآخِرَة فَإِذا صادفوا من يفتح لَهُم الْبَاب وَيرْفَع عَنْهُم الحجز والحجاب وَيحسن لَهُم مَا هم مستحسنون لَهُ بالطبع تسارعوا الى التَّصْدِيق بالرغبة والطوع وكل انسان مُصدق لما يُوَافق هَوَاهُ ويلائم غَرَضه ومناه فَهَؤُلَاءِ وَمن يجْرِي مجراهم هم الَّذين عدموا التَّوْفِيق فانخدعوا بِهَذِهِ المخاريق وزاغوا عَن سَوَاء الطَّرِيق وحدود التَّحْقِيق
стр. 37
الْبَاب الرَّابِع فِي نقل مذاهبهم جملَة وتفصيلا
أما الْجُمْلَة فَهُوَ أَنه مَذْهَب ظَاهره الرَّفْض وباطنه الْكفْر الْمَحْض ومفتتحه حصر مدارك الْعُلُوم فِي قَول الإِمَام الْمَعْصُوم وعزل الْعُقُول عَن أَن تكون مدركة للحق لما يعتريها من الشُّبُهَات ويتطرق الى النظار من الاختلافات وايجاب لطلب الْحق بطرِيق التَّعْلِيم والتعلم وَحكم بَان الْمعلم الْمَعْصُوم هُوَ المستبصر وانه مطلع من جِهَة الله على جَمِيع اسرار الشَّرَائِع يهدي الى الْحق ويكشف عَن المشكلات وان كل زمَان فَلَا بُد فِيهِ من امام مَعْصُوم يرجع اليه فِيمَا يستبهم من امور الدّين
هَذَا مبدأ دعوتهم ثمَّ انهم بِالآخِرَة يظهرون مَا يُنَاقض الشَّرْع وَكَأَنَّهُ غَايَة مقصدهم لَان سَبِيل دعوتهم لَيْسَ بمتعين فِي فن وَاحِد بل يخاطبون كل فريق بِمَا يُوَافق رَأْيه بعد أَن يظفروا مِنْهُم بالانقياد لَهُم والموالاة لامامهم فيوافقون الْيَهُود وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوس على جملَة معتقداتهم ويقرونهم عَلَيْهَا فَهَذِهِ جملَة الْمذَاهب
وَأما تَفْصِيله فَيتَعَلَّق بالالهيات والنبوات والإمامة والحشر والنشر وَهَذِه أَرْبَعَة أَطْرَاف وَأَنا مقتصر فِي كل طرف على نبذة يسيرَة من حِكَايَة
стр. 38
مَذْهَبهم فَإِن النَّقْل عَنْهُم مُخْتَلف وَأكْثر مَا حُكيَ عَنْهُم إِذا عرض عَلَيْهِم انكروه وَإِذا رُوجِعَ فِيهِ الَّذين اسْتَجَابُوا لدعوتهم جحدوه وَالَّذِي قدمْنَاهُ فِي جملَة مَذْهَبهم يَقْتَضِي لَا محَالة ان يكون النَّقْل عَنْهُم مُخْتَلفا مضطربا فانهم لَا يخاطبون الْخلق بمسلك وَاحِد بل غرضهم الاستتباع والاحتيال فَلذَلِك تخْتَلف كلمتهم ويتفاوت نقل الْمَذْهَب عَنْهُم فان مَا حُكيَ عَنْهُم فِي الْخلْع والسلخ لَا يظهرونه إِلَّا مَعَ من بلغ الْغَايَة القصوى بل رُبمَا يخاطبون بِالْخلْعِ من يُنكرُونَ مَعَه السلخ فلنرجع إِلَى بَيَان أَطْرَاف الْمَذْهَب
الطّرف الاول فِي معتقدهم فِي الالهيات وَقد اتّفقت أقاويل نَقله المقالات من غير تردد انهم قَائِلُونَ بإلهين قديمين لَا أول لوجودهما من حَيْثُ الزَّمَان الا ان احدهما عِلّة لوُجُود الثَّانِي وَاسم الْعلَّة السَّابِق وَاسم الْمَعْلُول التَّالِي وان السَّابِق خلق الْعَالم بِوَاسِطَة التَّالِي لَا بِنَفسِهِ وَقد يُسمى الاول عقلا وَالثَّانِي نفسا ويزعمون ان الأول هُوَ التَّام بِالْفِعْلِ وَالثَّانِي بالاضافة اليه نَاقص لانه معلوله وَرُبمَا لبسوا على الْعَوام مستدلين بآيَات من الْقُرْآن عَلَيْهِ كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿إِنَّا نَحن نزلنَا﴾ و ﴿نَحن قسمنا﴾ وَزَعَمُوا ان هَذِه إِشَارَة الى جمع لَا يصدر عَن وَاحِد وَلذَلِك قَالَ ﴿سبح اسْم رَبك الْأَعْلَى﴾ إِشَارَة الى السَّابِق من الالهين فانه الاعلى وَلَوْلَا ان مَعَه إِلَهًا آخر لَهُ الْعُلُوّ أَيْضا لما انتظم إِطْلَاق الْأَعْلَى وَرُبمَا
стр. 39
قَالُوا الشَّرْع سماهما باسم الْقَلَم واللوح وَالْأول هُوَ الْقَلَم فان الْقَلَم مُفِيد واللوح مستفيد متأثر والمفيد فَوق المستفيد وَرُبمَا قَالُوا اسْم التَّالِي قدر فِي لِسَان الشَّرْع وَهُوَ الَّذِي خلق الله بِهِ الْعَالم حَيْثُ قَالَ ﴿إِنَّا كل شَيْء خلقناه بِقدر﴾
ثمَّ قَالُوا السَّابِق لَا يُوصف بِوُجُود وَلَا عدم فان الْعَدَم نفى والوجود سَببه فَلَا هُوَ مَوْجُود وَلَا هُوَ مَعْدُوم وَلَا هُوَ مَعْلُوم وَلَا هُوَ مَجْهُول وَلَا هُوَ مَوْصُوف وَلَا غير مَوْصُوف وَزَعَمُوا أَن جَمِيع الاسامي منتفية عَنهُ وَكَأَنَّهُم يتطلعون فِي الْجُمْلَة لنفي الصَّانِع فانهم لَو قَالُوا إِنَّه مَعْدُوم لم يقبل مِنْهُم بل منعُوا النَّاس من تَسْمِيَته مَوْجُودا وَهُوَ عين النَّفْي مَعَ تعيير الْعبارَة لكِنهمْ تحذقوا فسموا هَذَا النَّفْي تَنْزِيها وَسموا مناقضه تَشْبِيها حَتَّى تميل الْقُلُوب الى قبُوله ثمَّ قَالُوا الْعَالم قديم أَي وجوده لَيْسَ مَسْبُوقا بِعَدَمِ زماني بل حدث من السَّابِق التَّالِي وَهُوَ اول مبدع وَحدث من الْمُبْدع الاول النَّفس الْكُلية الفاشية جزئياتها فِي هَذِه الابدان المركبة وتولد من حَرَكَة النَّفس الْحَرَارَة وَمن سكونها الْبُرُودَة ثمَّ تولد مِنْهُمَا الرُّطُوبَة واليبوسة ثمَّ تولدت من هَذِه الكيفيات الاستقصات الاربع وَهِي النَّار والهواء وَالْمَاء وَالْأَرْض ثمَّ اذا امتزجت على اعْتِدَال نَاقص حدثت مِنْهَا الْمَعَادِن فَإِن زَاد قربهَا من الِاعْتِدَال وانهدم صرفية التضاد مِنْهَا تولد مِنْهَا النَّبَات وان زَاد تولد الْحَيَوَان فان ازْدَادَ قربا تولد الانسان وَهُوَ مُنْتَهى الِاعْتِدَال
стр. 40
فَهَذَا مَا حُكيَ من مَذْهَبهم الى امور اخر هِيَ افحش مِمَّا ذَكرْنَاهُ لم نر تسويد الْبيَاض بنقلها وَلَا تبيان وَجه الرَّد عَلَيْهَا لمعنيين احدهما أَن المنخدعين بخداعهم وزورهم والمتدلين بِحَبل غرورهم فِي عصرنا هَذَا لم يسمعوا هَذَا مِنْهُم فينكرون جَمِيع ذَلِك إِذا حكى من مَذْهَبهم ويحدثون فِي انفسهم أَن هَؤُلَاءِ انما خالفوا لانه لَيْسَ عِنْدهم حَقِيقَة مَذْهَبنَا وَلَو عرفوها لوافقونا عَلَيْهَا فنرى ان نشتغل بِالرَّدِّ عَلَيْهِم فِيمَا اتّفقت كلمتهم وَهُوَ إبِْطَال الرَّأْي والدعوة الى التَّعَلُّم من الامام الْمَعْصُوم فَهَذِهِ عُمْدَة معتقدهم وزبدة مخضهم فلنصرف الْعِنَايَة اليه وَمَا عداهُ فمنسقم الى هذيان ظَاهر الْبطلَان وَإِلَى كفر مسترق من الثنوية وَالْمَجُوس فِي القَوْل بالالهين مَعَ تَبْدِيل عبارَة النُّور والظلمة ب السَّابِق والتالي الى ضلال منتزع من كَلَام الفلاسفة فِي قَوْلهم ان المبدأ الاول عِلّة لوُجُود الْعقل على سَبِيل اللُّزُوم عَنهُ لَا على سَبِيل الْقَصْد وَالِاخْتِيَار وانه حصل من ذَاته بِغَيْر وَاسِطَة سواهُ نعم يثبتون موجودات قديمَة يلْزم بَعْضهَا عَن بعض ويسمونها عقولا ويحيلون وجود كل فلك على عقل من تِلْكَ الْعُقُول فِي خبط لَهُم طَوِيل قد استقصينا وَجه الرَّد عَلَيْهِم فِي ذك فِي فن الْكَلَام ولسنا نشتغل فِي هَذَا الْكتاب الا يما يخص هَذِه الْفرْقَة وَهُوَ إبِْطَال الرَّأْي واثبات التَّعْلِيم
الطّرف الثَّانِي فِي بَيَان معتقدهم فِي النبوات وَالْمَنْقُول عَنْهُم قريب من مَذْهَب الفلاسفة وَهُوَ ان النَّهْي عبارَة عَن شخص فاضت عَلَيْهِ من السَّابِق بِوَاسِطَة التَّالِي قُوَّة قدسية صَافِيَة مهيأة لإن تنتقش عِنْد الِاتِّصَال بِالنَّفسِ الْكُلية بِمَا فِيهَا من الجزئيات كَمَا قد يتَّفق ذَلِك لبَعض النُّفُوس الزكية
стр. 41
الزكية فِي الْمَنَام حَتَّى تشاهد من مجاري الاحوال فِي الْمُسْتَقْبل إِمَّا صَرِيحًا بِعَيْنِه اَوْ مدرجا تَحت مِثَال يُنَاسِبه مُنَاسبَة مَا فتفتقر فِيهِ إِلَى التَّعْبِير إِلَّا أَن النَّبِي هُوَ المستعد لذَلِك فِي الْيَقَظَة فَلذَلِك يدْرك النَّبِي الكليات الْعَقْلِيَّة عِنْد شروق ذَلِك النُّور وصفاء الْقُوَّة النَّبَوِيَّة كَمَا ينطبع مِثَال المحسوسات فِي الْقُوَّة الباصرة من الْعين عِنْد شروق نور الشَّمْس على سطوح الأجرام السفلية وَزَعَمُوا أَن جِبْرِيل عبارَة عَن الْعقل الفائض عَلَيْهِ ورمز اليه لَا انه شخص متجسم متركب عَن جسم لطيف اَوْ كثيف يُنَاسب الْمَكَان حَتَّى ينْتَقل من علو الى سفل واما الْقُرْآن فَهُوَ عِنْدهم تَعْبِير مُحَمَّد عَن المعارف الَّتِي فاضت عَلَيْهِ من الْعقل الَّذِي هُوَ المُرَاد باسم جِبْرِيل وَيُسمى كَلَام الله تَعَالَى مجَازًا فانه مركب من جِهَته وانما الفائض عَلَيْهِ من الله بِوَاسِطَة جِبْرِيل بسيط لَا تركيب فِيهِ وَهُوَ بَاطِن لَا ظُهُور لَهُ وَكَلَام النَّبِي وَعبارَته عَنهُ ظَاهر لَا بطُون لَهُ وَزَعَمُوا ان هَذِه الْقُوَّة القدسية الفائضة على النَّبِي لَا تستكمل فِي اول حلولها كَمَا لَا تستكمل النُّطْفَة الْحَالة فِي الرَّحِم الا بعد تِسْعَة أشهر فَكَذَلِك هَذِه الْقُوَّة كمالها فِي ان تنْتَقل من الرَّسُول النَّاطِق الى الاساس الصَّامِت وَهَكَذَا تنْتَقل الى
стр. 42
أشخاص بَعضهم بعد بعض فيكمل فِي السَّابِع كَمَا سنحكي معنى قَوْلهم فِي النَّاطِق والاساس والصامت
وَهَذِه الْمذَاهب مستخرجة من مَذَاهِب الفلاسفة فِي النبوات مَعَ تَحْرِيف وتغيير ولسنا نَخُوض فِي الرَّد عَلَيْهِم فِيهِ فَإِن بَعضهم يُمكن أَن يتَأَوَّل على مجه لاننكره وَالْقدر الَّذِي ننكره قد استقصينا وَجه الرَّد فِيهِ على الفلاسفة ولسنا فِي هَذَا الْكتاب نقصد الا الرَّد على نَابِغَة الزَّمَان فِي خُصُوص مَذْهَبهم الَّذِي انفردوا بِهِ عَن غَيرهم وَهُوَ ايجاب التَّعْلِيم وَإِبْطَال الرَّأْي
الطّرف الثَّالِث بَيَان معتقدهم فِي الْإِمَامَة وَقد اتَّفقُوا على انه لَا بُد فِي كل عصر من إِمَام مَعْصُوم قَائِم بِالْحَقِّ يرجع اليه فِي تَأْوِيل الظَّوَاهِر وَحل الإشكالات فِي الْقُرْآن والاخبار والمعقولات وَاتَّفَقُوا على انه المتصدي لهَذَا الْأَمر وان ذَلِك جَار فِي نسبهم لَا يَنْقَطِع أَبَد الدَّهْر وَلَا يجوز أَن يَنْقَطِع إِذْ يكون فِيهِ إهمال الْحق وتغطيته على الْخلق وَإِبْطَال قَوْله ﵇ كل سَبَب وَنسب يَنْقَطِع الا سببي ونسبي وَقَوله ألم أترك فِيكُم الْقُرْآن وعترتي وَاتَّفَقُوا على أَن الامام يُسَاوِي النَّبِي فِي الْعِصْمَة والاطلاع على حقائق الْحق فِي كل الامور الا انه لَا ينزل اليه الْوَحْي وانما يتلَقَّى ذَلِك من النَّبِي فانه خَلِيفَته وبإزاء مَنْزِلَته وَلَا يتَصَوَّر فِي زمَان وَاحِد امامان كَمَا لايتصور نبيان تخْتَلف شريعتهما نعم يستظهر الامام بالحجج والمأذونين والاجنحة والحجج هم الدعاة فَقَالُوا لَا بُد للْإِمَام فِي كل وَقت من اثنى عشر حجَّة ينتدبون فِي الأقطار مُتَفَرّقين فِي الْأَمْصَار وليلازم أَرْبَعَة من جملَة الاثنى عشر حَضرته فَلَا يفارقونه وَلَا بُد لكل حجَّة من معاونين لَهُ على امْرَهْ فانه لَا ينْفَرد بالدعوة بِنَفسِهِ وَاسم المعاون الْمَأْذُون عِنْدهم وَلَا بُد للدعاة من رسل الى الإِمَام يرفعون اليه الْأَحْوَال وَيَصْدُرُونَ عَنهُ اليهم وَاسم الرَّسُول الْجنَاح
стр. 43
وَلَا بُد للداعي من أَن يكون بَالغا فِي الْعلم والمأذون وَإِن كَانَ دونه فَلَا بَأْس بعد أَن يكون عَالما على الْجُمْلَة وَكَذَلِكَ الْجنَاح
ثمَّ انهم قَالُوا كل نَبِي لشريعته مُدَّة فَإِذا انصرمت مدَّته بعث الله نَبيا آخر ينْسَخ شَرِيعَته وَمُدَّة شَرِيعَة كل نَبِي سَبْعَة أَعمار وهوسبعة قُرُون فأولهم هُوَ النَّبِي النَّاطِق وَمعنى النَّاطِق أَن شَرِيعَته ناسخة لما قبله
وَمعنى الصَّامِت ان يكون قَائِما على مَا أسسه غَيره ثمَّ أَنه يقوم بعد وَفَاته سِتَّة أَئِمَّة إِمَام بعد إِمَام فَإِذا انْقَضتْ أعمارهم ابتعث الله نَبيا أخر ينْسَخ الشَّرِيعَة الْمُتَقَدّمَة وَزَعَمُوا أَن أَمر آدم جرى على هَذَا الْمِثَال وَهُوَ اول نَبِي ابتعثه الله فِي فتح بَاب الجسمانيات وحسم دور الروحانيات
وَلكُل نَبِي سوس والسوس هُوَ الْبَاب الى علم النَّبِي فِي حَيَاته وَالْوَصِيّ بعد وَفَاته وَالْإِمَام لمن هُوَ فِي زَمَانه كَمَا قَالَ ﵇ أَنا مَدِينَة الْعلم وَعلي بَابهَا وَزَعَمُوا أَن آدم كَانَ سوسة شِيث وَهُوَ الثَّانِي وَيُسمى من بعده متما ولاحقا وإماما وَإِنَّمَا كَانَ استتمام دور آدم سَبْعَة لَان استتمام دور الْعَالم الْعلوِي بسبعة من النُّجُوم وَلما استتم دور آدم ابتعث الله نوحًا ينْسَخ شَرِيعَته وَكَانَ سوسه سَام فَلَمَّا استتم دوره بِمُضِيِّ سِتَّة سواهُ وَسَبْعَة مَعَه ابتعث الله إِبْرَاهِيم ينْسَخ شَرِيعَته وَكَانَ سوسه اسحق وَمِنْهُم من يَقُول لَا بل اسماعيل فَلَمَّا استتم دوره بالسابع مَعَه ابتعث الله مُوسَى ينْسَخ شَرِيعَته وَكَانَ سوسه هَارُون فَمَاتَ هَارُون فِي حَيَاة مُوسَى فَصَارَ سوسه يُوشَع بن نون فَلَمَّا استتم دوره
стр. 44
بالسابع مَعَه ابتعث الله عِيسَى ينْسَخ شَرِيعَته وسوسه شَمْعُون وَلما استتم دوره بالسابع ابتعث الله مُحَمَّدًا ﷺ وسوسه عَليّ ﵇ وَقد استتم دوره بِجَعْفَر بن مُحَمَّد فَإِن الثَّانِي من الْأَئِمَّة الْحسن بن عَليّ وَالثَّالِث الْحُسَيْن بن عَليّ وَالرَّابِع عَليّ بن الْحُسَيْن وَالْخَامِس مُحَمَّد بن عَليّ وَالسَّادِس جَعْفَر بن مُحَمَّد ﵇ وَقد استتموا سَبْعَة مَعَه وَصَارَت شَرِيعَته ناسخة وَهَكَذَا يَدُور الْأَمر ابد الدَّهْر
هَذَا مَا نقل عَنْهُم مَعَ خرافات كَثِيرَة اهملنا ذكرهَا ضنة بالبياض أَن يسود بهَا
الطّرف الرَّابِع بَيَان مَذْهَبهم فِي الْقِيَامَة والمعاد وَقد اتَّفقُوا عَن آخِرهم على إِنْكَار الْقِيَامَة وان هَذَا النظام الْمشَاهد فِي الدُّنْيَا من تعاقب اللَّيْل وَالنَّهَار وَحُصُول الانسان من نُطْفَة والنطفة من انسان وتولد النَّبَات وتولد الْحَيَوَانَات لَا يتصرم أبدا الدَّهْر وان السَّمَوَات وَالْأَرْض لَا يتَصَوَّر انعدام اجسامهما وَأولُوا الْقِيَامَة وَقَالُوا إِنَّهَا رمز إِلَى خُرُوج الإِمَام وَقيام قَائِم الزَّمَان وَهُوَ السَّابِع النَّاسِخ للشَّرْع المغير لِلْأَمْرِ وَرُبمَا قَالَ بَعضهم ان للفلك أدوارا كُلية تتبدل احوال الْعَالم تبدلا كليا بطوفان عَام اَوْ سَبَب من الْأَسْبَاب فَمَعْنَى الْقِيَامَة انْقِضَاء دُورنَا الَّذِي نَحن فِيهِ واما الْمعَاد فانكروا مَا ورد بِهِ الْأَنْبِيَاء وَلم يثبتوا الْحَشْر والنشر للاجساد وَلَا الْجنَّة وَالنَّار وَلَكِن قَالُوا معنى الْمعَاد عود كل شئ الى أَصله والانسان متركب من الْعَالم الروحاني الجسماني اما الجسماني مِنْهُ وَهُوَ جسده فمتركب من الاخلاط الاربعة الصَّفْرَاء والسوداء والبلغم وَالدَّم فينحل الْجَسَد وَيعود كل خلط الى الطبيعة الْعَالِيَة
стр. 45
أما الصَّفْرَاء فَتَصِير نَارا وَتصير السَّوْدَاء تُرَابا وَيصير الدَّم هَوَاء وَيصير البلغم مَاء وَذَلِكَ هُوَ معاد الْجَسَد وَأما الروحاني وَهُوَ النَّفس المدركة الْعَاقِلَة من الانسان فانها ان صفيت بالمواظبة على الْعِبَادَات وزكيت بمجانبة الْهوى والشهوات وغذيت بغذاء الْعُلُوم والمعارف المتلقاة من الْأَئِمَّة الهداة اتّحدت عِنْد مُفَارقَة الْجِسْم بالعالم الروحاني الَّذِي مِنْهُ انفصالها وتسعد بِالْعودِ الى وطنها الْأَصْلِيّ وَلذَلِك سمي رُجُوعا فَقيل ﴿ارجعي إِلَى رَبك راضية مرضية﴾ وَهِي الْجنَّة وَإِلَيْهِ وَقع الرَّمْز بِقصَّة آدم وَكَونه فِي الْجنَّة ثمَّ انْفِصَاله عَنْهَا ونزوله الى الْعَالم السفلاني ثمَّ عوده اليها بالاخرة وَزَعَمُوا ان كَمَال النَّفس بموتها إِذْ بِهِ خلاصها من ضيق الْجَسَد والعالم الجسماني كَمَا أَن النُّطْفَة فِي الْخَلَاص من ظلمات الرَّحِم وَالْخُرُوج الى فضاء الْعَالم والانسان كالنطفة والعالم كالرحم والمعرفة كالغذاء فَإِذا نفذت فِيهِ صَارَت بِالْحَقِيقَةِ كَامِلَة وتخلصت فَإِذا استعدت لفيض الْعُلُوم الروحانية باكتساب الْعُلُوم من الْأَئِمَّة وسلوك طرقها المفيدة بإرشادهم استكملت عِنْد مُفَارقَة الْجَسَد وَظهر لَهَا مَا لم يظْهر وَلذَلِك قَالَ ﵇ النَّاس نيام فَإِذا مَاتُوا انتبهوا وَكلما ازدادت النَّفس عَن عَالم الحسيات بعدا ازدادت للعلوم الروحانية اسْتِعْدَادًا وَكَذَلِكَ إِذا ركدت الْحَواس بِالنَّوْمِ اطَّلَعت على عَالم الْغَيْب واستشعرت مَا سَيظْهر فِي الْمُسْتَقْبل إِمَّا بِعَيْنِه فيغنى عَن الْمعبر اَوْ بمثال فَيحْتَاج الى التَّعْبِير فالنوم اخو الْمَوْت وَفِيه يظْهر علم مَا لم يكن فِي الْيَقَظَة فَكَذَا الْمَوْت تنكشف امور لم تخطر على قلب بشر فِي الْحَيَاة وَهَذَا للنفوس الَّتِي قدستها الرياضة العملية والعلمية فَأَما النُّفُوس المنكوسة المغمورة فِي عَالم الطبيعة
стр. 46
المعرضة عَن رشدها من الْأَئِمَّة المعصومين فانها تبقى ابد الدَّهْر فِي النَّار على معنى انها تبقى فِي الْعَالم الجسماني تتناسخها الْأَبدَان فَلَا تزَال تتعرض فِيهَا للألم والاسقام فَلَا تفارق جسدا إِلَّا ويتلقاها آخر وَلذَلِك قَالَ تَعَالَى ﴿كلما نَضِجَتْ جُلُودهمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيرهَا ليذوقوا الْعَذَاب﴾ فَهَذَا مَذْهَبهم فِي الْمعَاد وَهُوَ بِعَيْنِه مَذْهَب الفلاسفة وانما شاع فيهم لما انتدب لنصرة مَذْهَبهم جمَاعَة من الثنوية والفلاسفة فَكل وَاحِد نصر مَذْهَبهم طَمَعا فِي اموالهم وخلعهم واستظهارا باتبَاعهمْ لما كَانَ قد أَلفه فِي مذْهبه فَصَارَ أَكثر مَذْهَبهم مُوَافقا للثنوية والفلاسفة فِي الْبَاطِن وللروافض والشيعة فِي الظَّاهِر وغرضهم بِهَذِهِ التأويلات انتزاع المعتقدات الظَّاهِرَة عَن نفوس الْخلق حَتَّى تبطل بِهِ الرَّغْبَة والرهبة ثمَّ مَا اوهموه وهذوا بِهِ لَا يفهم فِي نَفسه وَلَا يُؤثر فِي ترغيب وترهيب وسنشير الى كَلَام وجيز فِي الرَّد عَلَيْهِم فِي هَذَا الْفَنّ وأخباره فِي آخر الْفَصْل
الطّرف الْخَامِس فِي اعْتِقَادهم فِي التكاليف الشَّرْعِيَّة وَالْمَنْقُول عَنْهُم الاباحة الْمُطلقَة وَرفع الْحجاب واستباحة الْمَحْظُورَات واستحلالها وانكار الشَّرَائِع إِلَّا انهم بأجمعهم يُنكرُونَ ذَلِك اذا نسب اليهم وانما الَّذِي يَصح من معتقدهم فِيهِ انهم يَقُولُونَ لَا بُد من الانقياد للشَّرْع فِي تكاليفه على التَّفْصِيل الَّذِي يفصله الامام من غير مُتَابعَة الشَّافِعِي وَأبي حنيفَة وَغَيرهمَا وان ذَلِك وَاجِب على الْخلق والمستجيبين الى ان ينالوا رُتْبَة الْكَمَال فِي الْعُلُوم فَإِذا أحاطوا من جِهَة الإِمَام بحقائق الْأُمُور واطلعوا
стр. 47
على بواطن هَذِه الظَّوَاهِر انْحَلَّت عَنْهُم هَذِه الْقُيُود وانحطت عَنْهُم هَذِه التكاليف العملية فان الْمَقْصُود من أَعمال الجوارج تَنْبِيه الْقلب لينهض الطِّبّ الْعلم فَإِذا ناله استعد للسعادة القصوى فَيسْقط عَنهُ تَكْلِيف الْجَوَارِح وانما تَكْلِيف الْجَوَارِح فِي حق من يجْرِي بجهله مجْرى الْحمر الَّتِي لَا يُمكن رياضتها إِلَّا بِالْأَعْمَالِ الشاقة وَأما الأذكياء والمدركون للحقائق فدرجتهم ارْفَعْ من ذَلِك وَهَذَا فن من الإغواء شَدِيد على الأذكياء وغرضهم هدم قوانين الشَّرْع وَلَكِن يخادعون كل ضَعِيف بطرِيق يغويه ويليق بِهِ وَهَذَا من الإضلال الْبَارِد وَهُوَ فِي حكم ضرب الْمِثَال كَقَوْل الْقَائِل إِن الاحتماء عَن الاطعمه الْمضرَّة انما يجب على من فسد مزاجه فَأَما من اكْتسب اعْتِدَال المزاح فليواظب على أكل مَا شَاءَ أَي وَقت شَاءَ فَلَا يلبث المصغي الي هَذَا الضلال ان يمعن فِي المطعومات الْمضرَّة إِلَيّ أَن تتداعى بِهِ الى الْهَلَاك
فَإِن قيل قد نقلتم مذاهبهم وَمَا ذكرْتُمْ وَجه الْإِبْطَال فَمَا السَّبَب فِيهِ قُلْنَا إِن مَا نَقَلْنَاهُ عَنْهُم يَنْقَسِم الى امور يُمكن تنزيلها على وَجه لَا ننكره والى مَا يتَعَيَّن من الشَّرْع انكاره وَالْمُنكر هُوَ مَذْهَب الثنوية والفلاسفة وَالرَّدّ عَلَيْهِم فِيهِ يطول فَلَيْسَ ذَلِك من خَصَائِص مَذْهَب هَؤُلَاءِ حَتَّى نتشاغل بِهِ وانما نرد عَلَيْهِم فِي خُصُوص مَذْهَبهم من ابطال الرَّأْي واثبات التَّعْلِيم من الامام الْمَعْصُوم وَلَكنَّا مَعَ ذَلِك نذْكر مسلكا وَاحِدًا هُوَ على التَّحْقِيق قاصم الظّهْر نعني فِي ابطال مَذْهَبهم فِي جَمِيع مَا سنحكي عَنْهُم وَمَا حكيناه وَهُوَ أَنا نقُول لَهُم فِي جَمِيع دعاويهم الَّتِي تميزوا بهَا عَنَّا كإنكار الْقِيَامَة وَقدم الْعَالم وإنكار بعث الأجساد
стр. 48
وانكار الْجنَّة وَالنَّار على مَا دلّ عَلَيْهِ الْقُرْآن مَعَ غَايَة الشَّرْح فِي وصفهَا من أَيْن عَرَفْتُمْ مَا ذكرتموه أعن ضَرُورَة أَو عَن نظر أَو عَن نقل عَن الامام الْمَعْصُوم وَسَمَاع فان عرفتموه ضَرُورَة فَكيف خالفكم فِيهِ ذَوُو الْعُقُول السليمة لَان معنى كَون الشئ ضَرُورِيًّا مستغنيا عَن التَّأَمُّل اشْتِرَاك كَافَّة الْعُقَلَاء فِي دركه وَلَو سَاغَ أَن يهذي الانسان بِدَعْوَى الضَّرُورَة فِي كل مَا يهواه لجَاز لخصومهم دَعْوَى الضَّرُورَة فِي نقيض مَا ادعوهُ وَعند ذَلِك لَا يَجدونَ مخلصا بِحَال من الْأَحْوَال
وان زَعَمُوا أَنا عرفنَا ذَلِك بِالنّظرِ فَهُوَ بَاطِل من وَجْهَيْن أَحدهمَا أَن النّظر عِنْدهم بَاطِل فانه تصرف بِالْعقلِ لَا بالتعليم وقضايا الْعُقُول متعارضه وَهِي غير موثوق بهَا وَلذَلِك أبطلوا الرَّأْي بِالْكُلِّيَّةِ وَلم نصنف هَذَا الْكتاب قصدا لإبطال هَذَا الْمَذْهَب فَكيف يُمكن ذَلِك مِنْهُم الثَّانِي أَن يُقَال للفلاسفة والمعترفين بمسالك النّظر بِمَ عَرَفْتُمْ عجز الصَّانِع عَن خلق الْجنَّة وَالنَّار وَبعث الأجساد كَمَا ورد بِهِ الشَّرْع وَهل مَعكُمْ إِلَّا استبعاد مَحْض لَو عرض مثله على من لم يُشَاهد النشأة الأولى لاستبعده وَعرض لَهُ ذَلِك الانكار فالرد عَلَيْهِم بِالْحجَّةِ المنطوية تَحت قَوْله تَعَالَى ﴿قل يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أول مرّة﴾ وَمن تَأمل عجائب الصنع فِي خلق الْآدَمِيّ من نُطْفَة قذرة لم يستبعد من قدرَة الله شَيْئا وَعرف أَن الاعادة اهون من الِابْتِدَاء
стр. 49
فَإِن قيل الاعادة غير معقولة والابتداء مَعْقُول إِذْ مَا عدم كَيفَ يعود قُلْنَا لنفهم الِابْتِدَاء حَتَّى نَبْنِي عَلَيْهِ الاعادة وَرَأى الْمُتَكَلِّمين فِيهِ أَن الِابْتِدَاء يخلق الْحَيَاة فِي جسم من الْأَجْسَام مَعَ ان الْحَيَاة عرض يَتَجَدَّد سَاعَة فساعة بِخلق الله تَعَالَى فَلَا يَسْتَحِيل على أصلهم الْإِمْسَاك عَن خلق الحياه مُدَّة فِي الْجِسْم ثمَّ يعود الى خلق الْحَيَاة كَمَا لَا يَسْتَحِيل خلق الْحَرَكَة بعد السّكُون والسواد بعد الْبيَاض وَرَأى الفلاسفة أَن قوام الْحَيَاة استعداد جسم مَخْصُوص بِنَوْع من الِاعْتِدَال الى الانفعال عَن النَّفس الَّتِي هِيَ جَوْهَر قَائِم بِنَفسِهِ غير متحيز وَلَا متجسم وَلَا هُوَ منطبع فِي جسم لَا علاقَة بَينه وَبَين الْجِسْم الا بِالْفِعْلِ فِيهِ وَلَا علاقَة بَين الْجِسْم وَبَينه الا بالانفعال عَنهُ وَمعنى الْمَوْت انْقِطَاع هَذِه العلاقة الفعلية بِبُطْلَان استعداد الْجِسْم فانه لَا يستعد للاننفعال الا إِذا كَانَ على مزاج مَخْصُوص كَمَا لَا يستعد الْحَدِيد لانطباع الصُّورَة المحسوسة فِيهِ اَوْ انعكاس الاشعة عَنهُ الا إِذا كَانَ على هَيْئَة مَخْصُوصَة فَإِذا بطلت تِلْكَ الْهَيْئَة لم ينفعل الْحَدِيد عَن الصُّورَة المحاذية لَهُ وَلم ينطبع فِيهِ فَإِذا كَانَ هَذَا مَذْهَبهم فالقادر على إِحْدَاث العلاقة بَين نفس لَا تتجسم وَلَا تخْتَص بمَكَان وَلَا تُوصَف بانها مُتَّصِلَة بالجسم وَلَا بِأَنَّهَا مُنْفَصِلَة عَنهُ وَبَين الْجِسْم الَّذِي لَا تناسبه بحقيقتها وَلَا تتصل بِهِ اتِّصَالًا محسوسا كَيفَ يعجز عَن اعادة تِلْكَ العلاقة وَالْعجب أَن اكثرهم جوزوا اثبات تِلْكَ العلاقة مَعَ جَسَد آخر على طَرِيق التناسخ فَلم لَا يجوز عودهَا الى جَسدهَا فان الْجَسَد الَّذِي فسد مزاجه لابعد فِي أَن يصلح مزاجه وتعاد تِلْكَ العلاقة ايه فَيكون هُوَ المُرَاد بالاعادة ويضاهي التيقظ بعد الْمَنَام فانه يُعِيد حَرَكَة الْحَواس وتذكر الْأُمُور السالفة
стр. 50
فان قيل المزاج إِذا فسد لَا يعود معتدلا إِلَّا بَان تنْحَل اجزاء الْجِسْم الى العناصر ثمَّ تتركب ثَانِيًا ثمَّ يصير حَيَوَانا ثمَّ يصير نُطْفَة فَهَذَا الإعتدال للنطفة على الْخُصُوص قُلْنَا وَمن أَيْن عَرَفْتُمْ انه لَيْسَ فِي مَقْدُور الله جبر الْخلَل الْوَاقِع بطرِيق سوى هَذَا الطَّرِيق وَمن أَيْن عَرَفْتُمْ أَن هَذَا الَّذِي ذكرتموه طَرِيق فَهَل لكم مُسْتَند سوى مُشَاهدَة الْأَحْوَال وَهل لكم فِي ابطال غَيره مُسْتَند سوى عدم الْمُشَاهدَة وَلَو لم تشاهدوا خلق الانسان من نُطْفَة لنفرت عقولكم عَن التَّصْدِيق بِهِ فَفِي الْأَسْبَاب الْمُغِيرَهْ لأحوال الْأَجْسَام عجائب يستنكرها من لَا يشاهدها فَمن مُنكر يُنكر الْخَواص وَآخر يُنكر السحر وَآخر يُنكر المعجزة وَآخر يُنكر الاخبار عَن الْغَيْب وكل يعول فِي إِقْرَاره على قدر مشاهدته لَا على طَرِيق مَعْقُول فِي إِثْبَات الاستحالة ثمَّ من لم يُشَاهِدهُ ويستيقنه يُنبئ أَن نفرة طبعه عَن التَّصْدِيق كَانَ لعدم الْمُشَاهدَة
وَفِي مقدورات الله عجائب لم يطلع عَلَيْهَا بشر فَلم يسْتَحل ان يكون لاعادة تِلْكَ الاجسام واعادة مزاجها سَبَب عِنْد الله ينْفَرد بمعرفته وَإِذا اعاده عَادَتْ النَّفس متصرفه فِيهِ كَمَا كَانَ بزعمهم فِي الْحَيَاة وَالْعجب مِمَّن يَدعِي الحذق فِي المعقولات ثمَّ يُشَاهد مَا فِي الْعَالم من الْعَجَائِب والآيات ثمَّ تضيق حوصلته عَن قبُول ذَلِك فِي قدرَة الله وَإِذا نسب مَا لم يُشَاهِدهُ الى مَا شَاهده لم ير أعجب مِنْهُ نعم لَو قَالَ الْقَائِل هَذَا امْر لَا يدل الْعقل على إحالته وَلَكِن لَا يدل
стр. 51
أَيْضا على جَوَازه بل يتَوَقَّف عَن الحكم فِيهِ وَيجوز ان يكون ثمَّ محيل لَا يطلع عَلَيْهِ اَوْ مجوز لَا يطلع عَلَيْهِ فَهَذَا أقرب من الأول وَيلْزم بِحكمِهِ تَصْدِيق النَّبِي ﷺ إِذا أخبر عَنهُ فانه أخبر عَمَّا لَا يَسْتَحِيل فِي الْعقل وجوده وعَلى الْجُمْلَة فقد اشْتَمَل على أطوار الْخلق ودرجاته قَوْله تَعَالَى ﴿وَلَقَد خلقنَا الْإِنْسَان من سلالة من طين﴾ الى قَوْله ﴿تبعثون﴾ فأطبق الْخلق على التَّصْدِيق بجملة الْمُقدمَات إِلَّا الْبَعْث لانهم شاهدوا جَمِيع ذَلِك سوى الْبَعْث وَلَو لم يشاهدوا قطّ موتا لانكروا إِمْكَان الْمَوْت وَلَو لم يشاهدوا خلق آدَمِيّ من نُطْفَة لانكروا إِمْكَانه فالبعث مَعَ مَا قبله فِي ميزَان الْعقل على وتيرة وَاحِدَة فلنصدق الْأَنْبِيَاء فِيمَا جَاءُوا بِهِ فَإِنَّهُ لَا يمْتَنع وَهَذَا كُله كَلَام مَعَ فلاسفة النظار اما الباطنية المنكرون للنَّظَر فَلَا يُمكنهُم التَّمَسُّك بِالنّظرِ نعم لَو قَالَ الباطني أَخْبرنِي الإِمَام الْمَعْصُوم ان الْبَعْث مُسْتَحِيل فصدقته قيل لَهُ وَمَا الَّذِي دعَاك الى تَصْدِيق الإِمَام الْمَعْصُوم بزعمك وَلَا معْجزَة لَهُ وصرفك عَن تَصْدِيق مُحَمَّد بن عبد الله مَعَ المعجزات
стр. 52
وَالْقُرْآن من اوله الى اخره دَال على جَوَاز ذَلِك ووقوعه فَهَل لَك من مَانع سوى ان عصمته علمت بمعجزته وعصمة من يَدعِيهِ علمت بهذيانك وشهوتك فان قَالَ ان مَا فِي الْقُرْآن ظواهر هِيَ رموز إِلَى بواطن لم يفهموها وَقد فهمها الإِمَام الْمَعْصُوم فتعلمنا مِنْهُ قُلْنَا تعلمتم مِنْهُ بمشاهدة ذَلِك فِي قلبه بِالْعينِ اَوْ سَمَاعا من لَفظه وَلَا يُمكن دَعْوَى الْمُشَاهدَة وَلَا بُد من الِاسْتِنَاد الى سَماع لَفظه قُلْنَا وَمَا يُؤمنك أَن لَفظه لَهُ بَاطِن لم تطلع عَلَيْهِ فَلَا تثق بِمَا فهمته من ظَاهر لَفظه فَإِن زعمت أَنه صرح مَعَك وَقَالَ مَا ذكرته هُوَ ظَاهر لَا رمز فيهوالمراد ظَاهره قُلْنَا وَبِمَ عرفت أَن قَوْله هَذَا وَهُوَ أَنه ظَاهر لَا رمز فِيهِ أَيْضا ظَاهر وَفِيه رمز الى مَا لم تطلع عَلَيْهِ فلايزال يُصَرح بِلَفْظِهِ وَنحن نقُول لسنا مِمَّن يغتر بالظواهر فَلَعَلَّ تَحْتَهُ رمزا وان انكر الْبَاطِن فَنَقُول تَحت انكاره رمز وان حلف بِالطَّلَاق الثَّلَاث على انه مَا قصد الا الظَّاهِر فَنَقُول فِي طَلَاقه رمز وانما هُوَ مظهر شَيْئا ومضمر غَيره فان قلت فَذَلِك يُؤَدِّي الى حسم بَاب التفهيم قُلْنَا فَأنْتم حسمتم بَاب التفهيم على الرَّسُول فان ثُلثي الْقُرْآن فِي وصف الْجنَّة وَالنَّار والحشر والنشر مُؤَكد بالقسم والايمان وانتم تَقولُونَ لَعَلَّ تَحت ذَلِك رمزا وانتم تَقولُونَ وَأي فرق بَين ان يطول فِي تفهم الْأُمُور التَّطْوِيل الَّذِي عرف فِي الْقُرْآن وَالْأَخْبَار وَبَين أَن تَقول مَا أُرِيد إِلَّا الظَّاهِر فَإِن جَازَ عَلَيْهِ ان يفهم الظَّاهِر وَيكون مُرَاده غير مَا علم قطعا انه مَا وصل الى افهام الْخلق وَيكون كَاذِبًا فِي جَمِيع مَا قَالَ لاجل مصلحَة وسر فِيهِ جَازَ انيكون امامكم الْمَعْصُوم بزعمكم يضمر مَعكُمْ خلاف مَا يظهره وضد مَا يفهمهُ ونقيض مَا يتَيَقَّن انه الْوَاصِل الى افهامكم ويؤكد ذَلِك بالايمان الْمُغَلَّظَة لمصْلحَة لَهُ وسر فِيهِ وَهَذَا لَا جَوَاب عَنهُ أَبَد الدَّهْر وَعند هَذَا يَنْبَغِي أَن يعرف الانسان ان رُتْبَة هَذِه الْفرْقَة أخس من رُتْبَة كل فرقة من فرق الضلال
стр. 53
إِذْ لَا نجد فرقة ينْقض مذهبها بِنَفس الْمَذْهَب سوى هَذِه إِذْ مذهبها إبِْطَال النّظر وتغيير الالفاظ عَن موضوعاتها بِدَعْوَى الرموز وكل مَا يتَصَوَّر ان ينْطَلق بِهِ لسانهم اما نظر اَوْ نقل اما النّظر فقد ابطلوه وَأما اللَّفْظ فقد جوز ان يُرَاد بِاللَّفْظِ غير مَوْضُوعه فَلَا يبْقى لَهُم معتصم فَإِن قيل فَهَذَا يَنْقَلِب عَلَيْكُم فَأنْتم تجوزون ايضا تَأْوِيل الظَّوَاهِر كَمَا اولتم آيَة الاسْتوَاء وَخبر النُّزُول وَغَيرهمَا قُلْنَا مَا ابعد هَذَا الْقلب فَإِن لنا معيارا فِي التَّأْوِيل وَهُوَ أَن مَا دلّ نظر الْعقل وَدَلِيله على بطلَان ظَاهره علمنَا ضَرُورَة أَن المُرَاد غير ذَلِك بِشَرْط ان يكون اللَّفْظ مناسبا لَهُ بطرِيق التَّجَوُّز والاستعارة فقد دلّ الدَّلِيل على بطلَان الاسْتوَاء وَالنُّزُول فَإِن ذَلِك من صِفَات الْحَوَادِث فَحمل على الِاسْتِيلَاء وَهُوَ مُنَاسِب للغة واما الْحَشْر والنشر وَالْجنَّة وَالنَّار فَلَيْسَ فِي الْعقل دَلِيل على إِبْطَاله وَلَا مُنَاسبَة بَين الالفاظ الْوَارِدَة فِيهِ وَبَين الْمَعْنى الَّذِي اولوه عَلَيْهِ حَتَّى يُقَال انه المُرَاد بل التَّأْوِيل فِي تَكْذِيب مَحْض فَأَي مُنَاسبَة بَين قَوْله ﴿فِيهَا عين جَارِيَة فِيهَا سرر مَرْفُوعَة وأكواب مَوْضُوعَة ونمارق مصفوفة وزرابي مبثوثة﴾ وَقَوله ﴿فِي سدر مخضود وطلح منضود﴾ الى قَوْله ﴿لَا مَقْطُوعَة﴾ وَبَين مَا اعتقدوه من اتِّصَال الْجَوَاهِر الروحانية بالأمور
стр. 54
الروحانية الْعَقْلِيَّة الَّتِي لَا مدْخل فِيهَا للمحسوسات فَإِن جَازَ أَن يكذب صَاحب المعجزة بِهَذِهِ التأويلات الَّتِي لم تخطر قطّ ببال من سَمعهَا فَلم لَا يجوز تَكْذِيب معصومكم الَّذِي لَا معْجزَة لَهُ بتأويله على امور لَيْسَ تخطر ببالهم لمصْلحَة اَوْ لمسيس حَاجَة فَإِن غَايَة لَفظه التَّصْرِيح وَالْقسم وَهَذِه الآلفاظ فِي الْقُرْآن صَرِيحَة ومؤيدة بالقسم وَزَعَمُوا ان ذَلِك ذكر لمصْلحَة وَالْمرَاد غير مَا سبق الى الأفهام مِنْهَا وَهَذَا لَا مخلص عَنهُ
الْبَاب الْخَامِس فِي إِفْسَاد تأويلاتهم للظواهر الجلية واستدلالاتهم بالأمور العددية
стр. 55
وَفِيه فصلان الْفَصْل الاول فِي تأويلاتهم للظواهر
وَالْقَوْل الْوَجِيز فِيهِ انهم لما عجزوا عَن صرف الْخلق عَن الْقُرْآن وَالسّنة صرفوهم عَن المُرَاد بهما الى مخاريق زخرفوها واستفادوا بِمَا انتزعوه من نُفُوسهم من مُقْتَضى الْأَلْفَاظ إبِْطَال مَعَاني اشرع وَبِمَا زخرفوه من التأويلات تَنْفِيذ انقيادهم للمبايعة والموالاة وانهم لَو صَرَّحُوا بِالنَّفْيِ الْمَحْض والتكذيب الْمُجَرّد لم يحظوا بموالاة الموالين وَكَانُوا اول المقصودين المقتولين
وَنحن نحكي من تأويلاتهم نبدة لنستدل بهَا على مخازيهم فقد قَالُوا كل مَا ورد من الظَّوَاهِر فِي التكاليف والحشر والنشر والأمور الإلهية فَكلهَا أَمْثِلَة ورموز الى بواطن اما الشرعيات فَمَعْنَى الْجَنَابَة عِنْدهم مبادرة المستجيب بإفشاء سر إِلَيْهِ قبل أَن ينَال رُتْبَة اسْتِحْقَاقه وَمعنى الْغسْل تَجْدِيد
стр. 56
الْعَهْد على فعل ذَلِك ومجامعة الْبَهِيمَة مَعْنَاهَا عِنْدهم معالجة من لَا عهد عَلَيْهِ وَلم يؤد شَيْئا من صَدَقَة النَّجْوَى وَهِي مائَة وَتِسْعَة عشر درهما عِنْدهم فَلذَلِك اوجب الشَّرْع الْقَتْل على الْفَاعِل وَالْمَفْعُول بِهِ والا فالبهيمة مَتى وَجب الْقَتْل عَلَيْهَا وَالزِّنَا هُوَ القاء نُطْفَة الْعلم الْبَاطِن فِي نفس من لم يسْبق مَعَه عقد الْعَهْد الِاحْتِلَام هُوَ ان يسْبق لِسَانه الى إفشاء السِّرّ فِي غير مَحَله فَعَلَيهِ الْغسْل اي تَجْدِيد المعاهدة الطّهُور هُوَ التبري والتنظف من اعْتِقَاد كل مَذْهَب سوى مبايعة الامام الصّيام هُوَ الامساك عَن كشف السِّرّ الْكَعْبَة هِيَ النَّبِي وَالْبَاب عَليّ الصَّفَا هُوَ النَّبِي والمروة عَليّ والميقات هُوَ الاساس والتلبية إِجَابَة الدَّاعِي وَالطّواف بِالْبَيْتِ سبعا هُوَ الطّواف بِمُحَمد الى تَمام الْأَئِمَّة السَّبْعَة والصلوات الْخمس أَدِلَّة على الاصول الاربعة وعَلى الامام فالفجر دَلِيل السَّابِق وَالظّهْر دَلِيل التَّالِي وَالْعصر دَلِيل للأساس وَالْمغْرب دَلِيل النَّاطِق وَالْعشَاء دَلِيل الإِمَام
وَكَذَلِكَ زَعَمُوا أَن الْمُحرمَات عبارَة عَن ذَوي الشَّرّ من الرِّجَال وَقد تعبدنا باجتنابهم كَمَا أَن الْعِبَادَات عبارَة عَن الاخيار الْأَبْرَار الَّذين أمرنَا باتبَاعهمْ
стр. 57
فَأَما الْمعَاد فَزعم بَعضهم أَن النَّار والاغلال عبارَة عَن الْأَوَامِر الَّتِي هِيَ التكاليف فانها موظفة على الْجُهَّال بِعلم الْبَاطِن فَمَا داموا مستمرين عَلَيْهَا فهم معذبون فَإِذا نالوا علم الْبَاطِن وضعت عَنْهُم أغلال التكاليف وسعدوا بالخلاص عَنْهَا واخذوا يؤولون كل لفظ ورد فِي الْقُرْآن وَالسّنة فَقَالُوا أَنهَار من لبن أَي معادن الدّين الْعلم الْبَاطِن يرتضع بهَا أَهلهَا ويتغذى بهَا تغذيا تدوم بهَا حَيَاته اللطيفة فَإِن غذَاء الرّوح اللطيفة بارتضاع الْعلم من الْمعلم كَمَا ان حَيَاة الْجِسْم الكثيف بارتضاع اللَّبن من ثدي الام وأنهار من خمر هُوَ الْعلم الظَّاهِر وأنهار من عسل مصفى هُوَ علم الْبَاطِن الْمَأْخُوذ من الْحجَج وَالْأَئِمَّة
أما المعجزات فقد أولُوا جَمِيعهَا وَقَالُوا الطوفان مَعْنَاهُ طوفان الْعلم اغرق بِهِ المتمسكون بِالسنةِ والسفينة حرزه الَّذِي تحصن بِهِ من اسْتَجَابَ لدعوته ونار ابراهيم عبارَة عَن غضب نمْرُود لَا عَن النَّار الْحَقِيقِيَّة وَذبح اسحق مَعْنَاهُ اخذ الْعَهْد عَلَيْهِ عَصا مُوسَى حجَّته الَّتِي تلقفت مَا كَانُوا يأفكون من الشّبَه لَا الْخشب انفلاق الْبَحْر افْتِرَاق علم مُوسَى فيهم على أَقسَام وَالْبَحْر هُوَ الْعَالم والغمام الَّذِي أظلهم مَعْنَاهُ الامام الَّذِي نَصبه مُوسَى لإرشادهم وإفاضة الْعلم عَلَيْهِم الْجَرَاد وَالْقمل والضفادع هِيَ سُؤَالَات مُوسَى وإلزاماته الَّتِي سلطت عَلَيْهِم والمن والسلوى علم نزل من السَّمَاء لداع من الدعاة هُوَ المُرَاد بالسلوى تَسْبِيح الْجبَال مَعْنَاهُ تَسْبِيح رجال شَدَّاد فِي الدّين راسخين فِي
стр. 58
الْيَقِين
الْجِنّ الَّذِي ملكهم سُلَيْمَان بن دَاوُد باطنية ذَلِك الزَّمَان وَالشَّيَاطِين هم الظَّاهِرِيَّة الَّذِي كلفوا بِالْأَعْمَالِ الشاقة عِيسَى لَهُ أَب من حَيْثُ الظَّاهِر وَإِنَّمَا أَرَادَ بِالْأَبِ الإِمَام إِذْ لم يكن لَهُ إِمَام بل اسْتَفَادَ الْعلم من الله بِغَيْر وَاسِطَة وَزَعَمُوا لعنهم الله أَن أَبَاهُ يُوسُف النجار كَلَامه فِي المهد اطِّلَاعه فِي مهد القالب قبل التَّخَلُّص مِنْهُ على مَا يطلع عَلَيْهِ غَيره بعد الْوَفَاة والخلاص من القالب إحْيَاء الْمَوْتَى من عِيسَى مَعْنَاهُ الاحياء بحياة الْعلم عَن موت الْجَهْل الْبَاطِن وابراؤه الاعمى مَعْنَاهُ عَن عمي الضلال وبرص الْكفْر ببصيرة الْحق الْمُبين ابليس وآدَم عبارَة عَن ابي بكر وَعلي إِذْ امْر ابوبكر بِالسُّجُود لعَلي وَالطَّاعَة لَهُ فَأبى واستكبر الدَّجَّال زَعَمُوا انه ابو بكر وَكَانَ اعور إِذْ لم يبصر الا بِعَين الظَّاهِر دون عين الْبَاطِن ويأجوج وَمَأْجُوج هم اهل الظَّاهِر
هَذَا من هذيانهم فِي التأويلات حكيناها ليضحك مِنْهَا ونعوذ بِاللَّه من صرعة الغافل وكبوة الْجَاهِل ولسنا نسلك فِي الرَّد عَلَيْهِم الا بمسالك ثَلَاثَة إبِْطَال ومعارضة وَتَحْقِيق
أما الْإِبْطَال فَهُوَ أَن أَن يُقَال بِمَ عَرَفْتُمْ أَن المُرَاد من هَذِه الْأَلْفَاظ
стр. 59
مَا ذكرْتُمْ فَإِن اخذتموه من نظر الْعقل فَهُوَ عنْدكُمْ بَاطِل وان سمعتموه من لفظ الامام الْمَعْصُوم فلفظه لَيْسَ بأشد تَصْرِيحًا من هَذِه الْأَلْفَاظ الَّتِي أولتموها فَلَعَلَّ مُرَاده أَمر آخر اشد بطونا من الْبَاطِن الَّذِي ذكرتموه وَلكنه جَاوز الظَّاهِر بِدَرَجَة فَزعم ان المُرَاد بالجبال الرِّجَال فَمَا المُرَاد بِالرِّجَالِ لَعَلَّ المُرَاد بِهِ امْر آخر وَالْمرَاد بالشياطين اهل الظَّاهِر فَمَا اهل الظَّاهِر وَالْمرَاد بِاللَّبنِ الْعلم فَمَا معنى الْعلم فَإِن قلت الْعلم وَالرِّجَال اهل الظَّاهِر صَرِيحَة فِي مقتضياتها بِوَضْع اللُّغَة ان كنت نَاظرا بِالْعينِ العوراء الى اُحْدُ الْجَانِبَيْنِ فَأَنت المُرَاد إِذا بالدجال فَإِنَّهُ أَعور لانك أَبْصرت باحدى الْعَينَيْنِ فَإِن الرِّجَال ظَاهر وعميت بِالْعينِ الاخرى الناظرة الى الْجبَال وانها ايضا ظَاهر فَإِن قلت يُمكن ان يكنى بالجبال عَن الرِّجَال قُلْنَا وَيُمكن ان يكنى بِالرِّجَالِ عَن غَيرهم كَمَا عبر الشَّاعِر بِالرجلَيْنِ اللَّذين احدهما خياط وَالْآخر نساج عَن امور فلكية واسباب علوِيَّة فَقَالَ ... رجلَانِ خياط واخر حائك ... متقابلان على السماك الاعزل
لَا زَالَ ينسج ذَاك خرقَة مُدبر ... ويخيط صَاحبه ثِيَاب الْمقبل ... وَهَكَذَا فِي كل فن وَإِذا نزل تَسْبِيح الْجبَال على تَسْبِيح الرِّجَال فلينزل معنى الرِّجَال فِي قَوْله تَعَالَى ٨٨ رجال لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَة وَلَا بيع عَن ذكر الله ٨٨ على الْجبَال فَإِن الْمُنَاسبَة قَائِمَة من الْجَانِبَيْنِ ثمَّ إِذا نزل الْجبَال على الرِّجَال وَنزل الرِّجَال أَيْضا على غَيره أمكن تَنْزِيل ذَلِك الْبَاطِن الثَّالِث على
стр. 60
رَابِع وتسلسل إِلَى حد يبطل التفاهم والتفهيم وَلَا يُمكن التحكم بِأَن الْحَائِز الرُّتْبَة الثَّانِيَة دون الثَّالِثَة أَو الثَّالِثَة دون الرَّابِعَة المسلك الثَّانِي مُعَارضَة الْفَاسِد بالفاسد وَهُوَ أَن يتَنَاوَل جَمِيع الْأَخْبَار على نقيض مَذْهَبهم مثلا يُقَال قَوْله لَا تدخل الْمَلَائِكَة بَيْتا فِيهِ صُورَة أى لَا يدْخل الْعقل دماغا فِيهِ التَّصْدِيق بالمعصوم وَقَوله إِذا ولغَ الْكَلْب فِي إِنَاء أحدكُم فليغسله سبعا أى إِذا نكح الباطني بنت أحدكُم فليغسلها عَن درن الصُّحْبَة بِمَاء الْعلم وصفاء الْعَمَل بعد أَن يعفرها بِتُرَاب الإذلال أَو يَقُول قَائِل النِّكَاح لَا ينْعَقد بِغَيْر شُهُود وَولى وَأما قَوْله كل نِكَاح لَا يحضرهُ أَرْبَعَة فَهُوَ سفاح مَعْنَاهُ أَن كل اعْتِقَاد لم يشْهد لَهُ الحلفاء الْأَرْبَعَة أَبُو بكر وَعمر وَعُثْمَان وَعلي فَهُوَ بَاطِل وَقَوله لَا نِكَاح إِلَّا بولِي وشاهدي عدل أَي لَا وقاع إِلَّا بِذكر وأنثيين إِلَى غير ذَلِك من الترهات وَالْمَقْصُود من ذكر هَذَا الْقدر مُعَارضَة الْفَاسِد بالفاسد وتعريف الطَّرِيق فِي فتح هَذَا الْبَاب حَتَّى إِذا اهتديت إِلَيْهِ لم تعجز عَن تَنْزِيل كل لَفْظَة من كتاب أَو سنة على نقيض معتقدهم فَإِن زَعَمُوا أَنكُمْ أنزلتم الصُّورَة على الْمَعْصُوم فِي قَوْله لَا تدخل الْمَلَائِكَة بَيْتا فِيهِ صُورَة فَأَي مُنَاسبَة بَينهمَا قلت وَأَنْتُم نزلتم الثعبان على الْبُرْهَان وَالْأَب فِي حق عِيسَى على الإِمَام وَاللَّبن على الْعلم فِي أَنهَار اللَّبن فِي الْجنَّة وَالْجِنّ على الباطنية وَالشَّيَاطِين على الظَّاهِرِيَّة وَالْجِبَال على الرِّجَال فَمَا الْمُنَاسبَة فَإِن قلت الْبُرْهَان يقضم الشّبَه كَمَا يقضم الثعبان غَيره وَالْإِمَام يُفِيد الْوُجُود العلمي كَمَا يُفِيد الْأَب الْوُجُود الشخصي وَاللَّبن يغذي الشَّخْص كَمَا
стр. 61
يغذي الْعلم الرّوح وَالْجِنّ بَاطِن كالباطنيه فَيُقَال لَهُم فاذا اكتفيتم بِهَذَا الْقدر من الْمُشَاركَة فَلم يخلق الله شَيْئَيْنِ إِلَّا وَبَينهمَا مُشَاركَة فِي وصف مَا فَإنَّا نزلنَا الصُّورَة على الإِمَام لَان الصُّورَة مِثَال لَا روح فِيهَا كَمَا أَن الامام عنْدكُمْ مَعْصُوم وَلَا معْجزَة لَهُ والدماغ مسكن الْعقل كَمَا ان الْبَيْت مسكن الْعَاقِل وَالْملك شئ روحاني كَمَا أَن الْعقل كَذَلِك فَثَبت أَن المُرَاد بقوله لَا تدخل الْمَلَائِكَة بَيْتا فِيهِ صُورَة مَعْنَاهُ لَا يدْخل الْعقل دماغا فِيهِ اعتقادا عصمَة الإِمَام فَإِذا عرفت هَذَا فَخذ كل لفظ ذَكرُوهُ وَخذ مَا تريده واطلب مِنْهُمَا الْمُشَاركَة بِوَجْه مَا وتأوله عَلَيْهِ فَيكون دَلِيلا بِمُوجب قَوْلهم كَمَا عرفتك فِي الْمُنَاسبَة بَين الْملك وَالْعقل والدماغ وَالْبَيْت وَالصُّورَة وَالْإِمَام وَإِذا انْفَتح لَك الْبَاب اطَّلَعت على وَجه حيلهم فِي التلبيس بِنَزْع مُوجبَات الْأَلْفَاظ وَتَقْدِير الهوسات بَدَلا عَنْهَا للتوصل إِلَى إبِْطَال الشَّرْع وَهَذَا الْقدر كَاف فِي إبِْطَال تأويلهم المسلك الثَّالِث وَهُوَ التَّحْقِيق أَن تَقول هَذِه البواطن والتأويلات الَّتِي ذكرتموها لَو سامحناكم أَنَّهَا صَحِيحَة فَمَا حكمهَا فِي الشَّرْع أيجب إِخْفَاؤُهَا أم يجب إفشاؤها فَإِن قُلْتُمْ يجب إفشاؤها إِلَى كل أحد قُلْنَا فَلم كتمها مُحَمَّد ﷺ فَلم يذكر شَيْئا من ذَلِك للصحابة ولعامة الْخلق حَتَّى درج ذَلِك الْعَصْر وَلم يكن لأحد من هَذَا الْجِنْس خبر
стр. 62
وَكَيف إستجاز كتمان دين الله وَقد قَالَ تَعَالَى ﴿لتبيننه للنَّاس وَلَا تكتمونه﴾ تنبها على أَن الدّين لَا يحل كِتْمَانه وَإِن زَعَمُوا أَنه يجب إخفاؤه فَنَقُول مَا أوجب الرَّسُول ﷺ إخفاؤهمن سر الدّين كَيفَ حل لكم إفشاؤه وَالْجِنَايَة فِي السِّرّ بالإفشاء مِمَّن اطلع عَلَيْهِ من أعظم الْجِنَايَات فلولا أَن صَاحب الشَّرْع عرف سرا عَظِيما ومصلحة كُلية فِي إخفاء هَذِه الْأَسْرَار لما أخفاها وَلما كرر هَذِه الظَّوَاهِر على أسماع الْخلق وَلما تَكَرَّرت فِي كَلِمَات الْقُرْآن صفة الْجنَّة وَالنَّار بِأَلْفَاظ صَرِيحَة مَعَ علمه بِأَن النَّاس يفهمون مِنْهُ خلاف الْبَاطِن الَّذِي هُوَ حق ويعتقدون هَذِه الظَّوَاهِر الَّتِي لَا حَقِيقَة لَهَا فَإِن نسبتموه إِلَى الْجَهْل بِمَا فهمه الْخلق مِنْهُ فَهُوَ نِسْبَة إِلَى الْجَهْل بِمَعْنى الْكَلَام إِذْ كَانَ النَّبِي ﷺ يعلم قطعا أَن الْخلق لَيْسَ يفهمون من قَوْله وظل مَمْدُود وَمَاء مسكوب وَفَاكِهَة كَثِيرَة إِلَّا الْمَفْهُوم مِنْهُ فِي اللُّغَة فَكَذَا سَائِر الْأَلْفَاظ ثمَّ مَعَ علمه بذلك كَانَ يؤكده عَلَيْهِم بالتكرير وَالْقسم وَلم يفش إِلَيْهِم الْبَاطِن الَّذِي ذكرتموه لعلمه بِأَنَّهُ سر الله المكتوم فَلم أفشيتم هَذَا السِّرّ وخرقتم هَذَا الْحجاب وَهل هَذَا إِلَّا خُرُوج عَن الدّين وَمُخَالفَة لصَاحب الشَّرْع وَهدم لجَمِيع مَا أسسه إِن سلم لكم جدلا أَن مَا ذكرتموه من الْبَاطِن حق عِنْد الله وَهَذَا لَا مخرج لَهُم عَنهُ فَإِن قيل هَذَا سر لَا يجوز إفشاؤه إِلَى عوام الْخلق فَلهَذَا لم يفشه رَسُول الله ﷺ وَلَكِن حق النَّبِي أَن يفشيه إِلَى سوسه الَّذِي هُوَ وَصِيَّة وخليفته من بعده وَقد أفشاه إِلَى عَليّ دون غَيره قُلْنَا وَعلي هَل أفشاه إِلَى غير سوسه وخليفته أم لَا
стр. 63
فَإِن لم يفشه إِلَّا إِلَى سوسه وَكَذَا سوس سوسه وَخَلِيفَة خَلِيفَته إِلَى الْآن فَكيف انْتهى إِلَى هَؤُلَاءِ الْجُهَّال من الْعَوام حَتَّى تناطقوا بِهِ وشحنت التصانيف بحكايته وتداولته الْأَلْسِنَة فَلَا بُد أَن يُقَال إِن وَاحِدًا من الْخُلَفَاء عصى وَأفْشى السِّرّ إِلَى غير أَهله فانتشر وَعِنْدهم أَنهم معصومون لَا يتَصَوَّر عَلَيْهِم الْعِصْيَان فَإِن قيل السوس لَا يذكرهُ إِلَّا مَعَ من تعاهده عَلَيْهِ قُلْنَا وَمَا الَّذِي منع الرَّسُول من أَن يعاهد ويذكره إِن كَانَ يجوز إفشاؤه مَعَ الْعَهْد فَإِن قيل لَعَلَّه عَاهَدَ وَذكر وَلَكِن لم ينْقل لأجل الْعَهْد الَّذِي أَخذ مِمَّن أفشى إِلَيْهِ قُلْنَا وَلم انْتَشَر ذَلِك فِيكُم وأئمتكم لَا يظهرون ذَلِك إِلَّا مَعَ من أَخذ الْعَهْد عَلَيْهِ وَمَا الَّذِي عصم عهد أُولَئِكَ دون عهد هَؤُلَاءِ ثمَّ يُقَال إِذا جَازَ إفشاء هَذَا السِّرّ بالعهد فالعهد يتَصَوَّر نقضه فَهَل يتَصَوَّر أَن يفشيه إِلَى من يعلم الإِمَام الْمَعْصُوم أَنه لَا ينْقضه أَو يكفى أَن يَظُنّهُ بفراسته واجتهاده واستدلاله بالأمارات فَإِن قُلْتُمْ لَا يجوز إِلَّا إِلَى من علم الإِمَام الْمَعْصُوم أَنه لَا ينْقضه بتعريف من جِهَة الله فَكيف انتشرت هَذِه الْأَسْرَار الى كَافَّة الْخلق وَلم تَنْتَشِر الا مِمَّن سمع فإمَّا ان يكون الْمبلغ نَاقِصا للْعهد اَوْ لم يعاهدأصلاوفي احدهما نِسْبَة الْمَعْصُوم الى الْجَهْل وَفِي
стр. 64
الاخر نسبته الى الْمعْصِيَة وَلَا سَبِيل الى وَاحِد مِنْهُمَا عِنْدهم وان زعمتم أَنه يحل الإفشاء بالعهد عِنْد شَهَادَة الفراسة فِي الْمَأْخُوذ عَلَيْهِ عَهده انه لَا ينقصهُ اسْتِدْلَالا بالأمارات فَفِي هَذَا نقض اصل مَذْهَبهم لانهم زَعَمُوا انه لَا يجوز اتِّبَاع أَدِلَّة الْعقل وَنَظره لَان الْعُقَلَاء مُخْتَلفُونَ فِي النّظر فَفِيهِ خطر الخظأ فَكيف حكمُوا بالفراسة والامارة الَّتِي الْخَطَأ أغلب عَلَيْهَا من الصَّوَاب وَفِي ذَلِك إفشاء سر الدّين وَهُوَ أعظم الاشياء خطرا وَقد منعُوا التَّمَسُّك بِالظَّنِّ وَالِاجْتِهَاد فِي الفقهيات الَّتِي هِيَ حكم بَين الْخلق على سَبِيل التَّوَسُّط فِي الْخُصُومَات ثمَّ ردوا افشاء سر الدّين الى الخيالات والفراسات وَهَذَا مَسْلَك متين يتفطن لَهُ الذكي ويتبجح بِهِ المشتغل بعلوم الشَّرْع إِذْ يتَيَقَّن قطعا ان الْقَائِل قائلان قَائِل يَقُول لَا بَاطِن لهَذِهِ الظَّوَاهِر وَلَا تَأْوِيل لَهَا فالتأويل بَاطِل قطعا وَقَائِل ينقدح لَهُ ان ذَلِك يُمكن ان يكون كنايات عَن بواطن لم يَأْذَن الله لرَسُول الله ﷺ بَان يُصَرح بالبواطن بل ألزمهُ النُّطْق بالظواهر فَصَارَ النُّطْق بالباطن حَرَامًا بَاطِلا وفجورا مَحْظُورًا ومراغمة لواضع الشَّرْع وَهَذِه التأسيسة بالِاتِّفَاقِ فَلَيْسَ اهل عصرنا مَعَ بعد الْعَهْد بِصَاحِب الشَّرْع وانتشار الْفساد واستيلاء الشَّهَوَات على الْخلق وإعراض الكافة عَن امور الدّين أطوع للحق وَلَا اقبل للسر وَلَا آمن عَلَيْهِ وَلَا أَحْرَى بفهمه وَالِانْتِفَاع بِهِ من أهل عصر رَسُول الله ﷺ وَهَذِه الْأَسْرَار والتأويلات ان كَانَ لَهَا حَقِيقَة فقد
стр. 65
أقفل اسماعهم عَنْهَا وألجم أَفْوَاه الناطقين عَن اللهج بهَا وَلنَا فِي رَسُول الله أُسْوَة حَسَنَة فِي قَوْله وَفعله فَلَا نقُول الا مَا قَالَ وَلَا نظهر الا مَا يظْهر ونسكت عَمَّا سكت عَنهُ وَفِي الافعال نحافظ على الْعِبَادَات بل على التَّهَجُّد والنوافل وأنواع المجاهدات ونعلم ان مَا لم يسْتَغْن عَنهُ صَاحب الشَّرْع فَنحْن لَا نستغني عَنهُ وَلَا ننخدع بقول الحمقى إِن نفوسنا اذا صفت بِعلم الْبَاطِن استغنينا عَن الاعمال الظَّاهِرَة بل نستهزئ بِهَذَا الْقَائِل الْمَغْرُور ونقول لَهُ يَا مِسْكين أتعتقد ان نَفسك اصغي وأزكي من نفس رَسُول الله ﷺ وَقد كَانَ يقوم لَيْلًا يصلى حَتَّى تنتفخ قدماه اَوْ يعْتَقد انه كَانَ يتنمس بِهِ على عَائِشَة ليُخَيل إِلَيْهَا أَن الدّين حق وَقد كَانَ عَالما بِبُطْلَانِهِ فان اعتقدت الأول فَمَا احمقك وَلَا نزيدك عَلَيْهِ وان اعتقدت الثَّانِي فَمَا أكفرك واجحدك ولسنا نناظرك عَلَيْهِ لَكنا نقُول إِذا أَخذنَا بِأَسْوَأ الْأَحْوَال وَقصرت أَدِلَّة عقولنا مثلا عَن دَرك ضلالك وجهلك وَعَن الاحاطة بِصدق رَسُول الله ﷺ فَإنَّا نرى بدائه عقولنا تقضي بِأَن الخسران فِي زمرة مُحَمَّد ﷺ وموافقته والقناعة بِمَا رَضِي هُوَ لنَفسِهِ اولى من الْفَوْز مَعَك أَيهَا المخذول الْجَاهِل بل الْمَعْتُوه
стр. 66
المخبل فَلْينْظر الان الْمنصف فِي آخر هَذَا وأوله فآخره يقنع الْعَوام بل الْعَجَائِز وأوله يُفِيد الْبُرْهَان الْحَقِيقِيّ لكل مُحَقّق آنس بعلوم الشَّرْع وناهيك بِكَلَام ينْتَفع بِهِ كَافَّة الْخلق على اخْتِلَاف طبقاتهم فِي الْعلم وَالْجهل الْفَصْل الثَّانِي فِي استدلالهم بالأعداد والحروف
هَذَا فن من الْجَهَالَة اخْتصّت بِهِ هَذِه الْفرْقَة من بَين الْفرق فَإِن طوائف الضلال مَعَ انشعاب كَلَامهم وانتشار طرقهم فِي نظم الشُّبُهَات لم تتطلخ طَائِفَة مِنْهُم بِهَذَا الْجِنْس واستركوها وَعلم عوامهم وجهالهم بِالضَّرُورَةِ بُطْلَانهَا فاجتووها وتشبث بهَا هَؤُلَاءِ وَلَا غرو فالغريق بِكُل شئ يتَمَسَّك والغبي بِكُل ايهام يتزلزل ويتشكك وَنحن نذْكر شَيْئا يَسِيرا مِنْهُ ليشكر النَّاظر فِيهِ ربه على سَلامَة الْعقل واعتدال المزاج وَصِحَّة الْفطْرَة فَإِن الانخداع بِمثل ذَلِك لَا ينبعث الا من العته والخبل فِي الْعقل
فقد قَالُوا ان الثقب على رَأس الْآدَمِيّ سَبْعَة وَالسَّمَوَات سَبْعَة
стр. 67
والارضون سبع والنجوم سَبْعَة أَعنِي السيارة وَأَيَّام الاسبوع سَبْعَة فَهَذَا يدل على أَن دور الْأَئِمَّة يتم بسبعة وَزَعَمُوا ان الطبائع ارْبَعْ وان فُصُول السّنة اربعة فَهَذَا يدل على الاصول الاربعة وَهِي السَّابِق والتالي الإلآهان والناطق والأساس الإمامان
وَزَعَمُوا ان البروج اثْنَا عشر فتدل على الْحجَج الاثنى عشر كَمَا نَقَلْنَاهُ فِي مَذْهَبهم وَرُبمَا استثاروا من شكل الْحَيَوَانَات دلالات فَقَالُوا الْآدَمِيّ على شكل حُرُوف مُحَمَّد فان رَأسه مثل مِيم ويداه مبسوطتان كالحاء وعجزه ك الْمِيم وَرجلَاهُ ك الدَّال وَبِهَذَا الْجِنْس يَتَكَلَّمُونَ على شكل الطُّيُور والبهائم وَرُبمَا تأولوا من الْحُرُوف واعدادها فَقَالُوا قد قَالَ النَّبِي ﷺ امرت ان أقَاتل النَّاس حَتَّى يَقُولُوا لَا إِلَه إِلَّا الله فَإِذا قالوها عصموا مني دِمَائِهِمْ واموالهم الا بِحَقِّهَا قيل وَمَا حَقّهَا قَالَ معرفَة حُدُودهَا
стр. 68
وَزَعَمُوا أَن حُدُودهَا معرفَة اسرار حروفها وَهِي ان لَا إِلَه الا الله ارْبَعْ كَلِمَات وَسَبْعَة فُصُول وَهِي قطع لَا إِلَه الا الله وَثَلَاثَة جَوَاهِر // فَإِن لَا حرف يبْقى إِلَه وَإِلَّا الله فَهِيَ ثَلَاثَة جَوَاهِر // وَالْجُمْلَة اثْنَا عشر حرفا وَزَعَمُوا ان الْكَلِمَات الاربع دَالَّة على المدبرين العلوين السَّابِق والتالي والمدبرين السفليين النَّاطِق والاساس هَذِه دلَالَته على الروحانيات فَأَما على الجسمانيات فانها الطبائع الاربع واما الْجَوَاهِر الثَّلَاثَة فدالة على جِبْرِيل وَمِيكَائِيل وإسرافيل من الروحانيات وَمن الجسمانيات على الطول وَالْعرض والعمق إِذْ بهَا ترى الاجسام والفصول السَّبْعَة تدل من الروحانيات على الانبياء السَّبْعَة وَمن الجسمانيات على الْكَوَاكِب السَّبْعَة لِأَنَّهُ لَو الْأَنْبِيَاء السَّبْعَة لما اخْتلفت الشَّرَائِع كَمَا أَنه لَوْلَا الْكَوَاكِب السَّبْعَة لما اخْتلفت الْأَزْمِنَة والحروف الاثنا عشر تدل على الْحجَج الاثنى عشر (// وَفِي الجسمانيات على البروج الاثنى عشر //) وَهَكَذَا تصرفوا فِي قَول مُحَمَّد رَسُول الله وَفِي الْحُرُوف وَفِي اوائل السُّور وأبرزوا ضروبا من الحماقات تضحك المجانين فضلا عَن الْعُقَلَاء وناهيك خزيا بطَائفَة هَذَا مَنْهَج استدلالهم ولسنا نكثر حِكَايَة هَذَا الْجِنْس عَنْهُم اكْتِفَاء بِهَذَا الْقدر فِي تَعْرِيف مخازيهم وَهَذَا فن يعرف بضرورة الْعقل
стр. 69
بُطْلَانه فَلَا يحْتَاج الى ابطاله الا انا نعلمك فِي افحام الغبي والمعاند مِنْهُم مسلكين مُطَالبَة ومعارضة أما الْمُطَالبَة فَهُوَ أَن يُقَال وَمن أَيْن عَرَفْتُمْ هَذِه الدلالات وَلَو حكم الانسان بهَا لحكم على نَفسه بانه من سوء مزاجه أثار عَلَيْهِ الاخلاط فأورث اضغاث الأحلام وَقد اضلكم الله الى هَذَا الْحَد حَتَّى لم يستحيوا مِنْهَا أعرفتم صِحَّتهَا بضرورة الْعقل اَوْ نظر اَوْ سَماع من إمامكم الْمَعْصُوم فَإِن ادعيتم الضَّرُورَة باهتم عقولكم واخترعتم ثمَّ لم تسلموا من معَارض يدعى انه عرف بِالضَّرُورَةِ بُطْلَانه ثمَّ يكون مقَامه من تعَارض الْحق بالفاسد مقَام من يُعَارض الْفَاسِد بالفاسد وان عَرَفْتُمْ بِنَظَر الْعقل فَنظر الْعقل عنْدكُمْ بَاطِل لاخْتِلَاف الْعُقَلَاء فِي نظرهم وَإِن صَدقْتُمْ بِهِ فأفيدونا وَجه النّظر وسياقه وَمَا بِهِ الِاسْتِدْلَال على هَذِه الحماقات وان عَرَفْتُمْ ذَلِك من قَول الإِمَام الْمَعْصُوم فبينوا ان النَّاقِل عَنهُ مَعْصُوم اَوْ بلغ الناقلون عَنهُ حد التَّوَاتُر ثمَّ صححوا ان الإِمَام الْمَعْصُوم لَا يُخطئ ثمَّ بينوا انه يَسْتَحِيل ان يفهم مَا يعرف بُطْلَانه فَلَعَلَّهُ خدعكم بِهَذِهِ الحماقات وهويعلم بُطْلَانهَا كَمَا زعمتم أَن النَّبِي ﷺ خدع الْخلق بِصفة الْجنَّة وَالنَّار وَبِمَا يَحْكِي عَن
стр. 70
الْأَنْبِيَاء من إحْيَاء الْمَوْتَى وقلب الْعَصَا ثعبانا وَقد كذب فِي جَمِيعهَا وَذكرهَا مَعَ علمه بِأَنَّهَا لم يكن مِنْهَا شئ وان النَّاس يفهمون مِنْهَا على الْقطع ظواهرها وانه كَانَ يقْصد تفهيم الظَّوَاهِر وَيعلم انهم يفهمون مَا يفهمهم من الظَّوَاهِر وَهُوَ خلاف الْحق وَلَكِن رأى فِيهِ مصلحَة فَلَعَلَّ إمامكم الْمَعْصُوم رأى من الْمصلحَة ان يستهزئ بعقولكم ويضحك من أذقانكم فَألْقى اليكم هَذِه الترهات إِظْهَارًا لغاية الِاسْتِيلَاء عَلَيْكُم والاستعباد لكم وافتخارا بغاية الدهاء والكياسة فِي التلبيس عَلَيْكُم فليت شعري بِمَاذَا أمنتم الْكَذِب عَلَيْهِ لمصْلحَة رَآهَا وَقد صرحتم بذلك عَن النَّبِي ﷺ وَهل بَينهمَا فرق إِلَّا أَن النَّبِي ﷺ مؤيد بالمعجزة الدَّالَّة على صدقه وَالَّذِي اليه استرواحكم لَا معْجزَة لَهُ سوى حماقتكم هَذَا سَبِيل الْمُطَالبَة
وَأما الْمُعَارضَة فلسنا نقصد لتعيين الصُّور وَلَكِن نعلمك طَرِيقا يعم
стр. 71
كل مَا فِي الْعَالم من الاشكال والحروف فان كل مَوْجُود فَهُوَ من الْوَاحِد الى الْعشْرَة فَمَا فَوْقهَا لَا محَالة فمهما رَأَيْت شَيْئا وَاحِدًا فاستدل بِهِ على مُحَمَّد صلى الله عيه وَسلم وَإِذا رَأَيْت اثْنَيْنِ فَقل هُوَ دلَالَة على الشَّيْخَيْنِ ابي بكر وَعمر وان كَانَ ثَلَاثَة فمحمد ﷺ وابوبكر وَعمر إِن كَانَ اربعة فالخلفاء الاربعة وان كَانَ خَمْسَة فعلى مُحَمَّد مَعَ الْخُلَفَاء والاربعة وَقل اما تعرفُون السِّرّ ان الثقب على رَأس الْآدَمِيّ خمس مَا هُوَ الْوَاحِد وَهُوَ الْفَم يدل على النَّبِي مُحَمَّد ﷺ فانه وَاحِد والعينان والمنخران على الْخُلَفَاء الاربعة ونقول اما تعرفُون السِّرّ فِي اسْم مُحَمَّد وانه اربعة حُرُوف مَا هُوَ فَإِذا قالوالا فَنَقُول هُوَ السِّرّ الَّذِي لَا يطلع عَلَيْهِ الا ملك مقرب فانه يبنيه على ان اسْم خَلِيفَته اربعة حُرُوف وَهُوَ عَتيق دون عَليّ الَّذِي اسْمه ثَلَاثَة احرف فَإِذا وجدت سَبْعَة فاستدل بِهِ على سَبْعَة من خلفاء بني أُميَّة مُبَالغَة فِي إرغامهم وإجلالا لبني الْعَبَّاس عَن الْمُعَارضَة بهم وَقل عدد السَّمَوَات السَّبع والنجوم والاسبوع دَال على مُعَاوِيَة وَيزِيد ثمَّ مَرْوَان ثمَّ عبد الْملك ثمَّ الْوَلِيد ثمَّ عمر بن عبد الْعَزِيز ثمَّ هِشَام ثمَّ السَّابِع المنتظر وَهُوَ الَّذِي يُقَال لَهُ السسفياني وَهُوَ قَول الأموية من الإمامية أَو قابلهم بِمذهب الراوندية وَقل إِنَّه يدل على الْعَبَّاس ثمَّ عبد الله ابْن الْعَبَّاس (// ثمَّ عَليّ بن عبد الله //) ثمَّ مُحَمَّد بن عَليّ ثمَّ
стр. 72
ابراهيم ثمَّ ابو الْعَبَّاس السفاح ثمَّ الْمَنْصُور وَكَذَلِكَ مَا تَجدهُ من عشرَة اَوْ اثنى عشر فعد من خلفاء بني الْعَبَّاس بعددهم ثمَّ انْظُر هَل تَجِد بَين الْكَلَامَيْنِ فصلا وَبِه يتَبَيَّن فَسَاد كَلَامهم وافتضاحهم وإلزامهم باستدلالهم وَهَذَا الْجِنْس من الْكَلَام لَا يَلِيق بالمحصل فِيهِ الْإِكْثَار مِنْهُ فلنعدل عَنهُ الى غَيره
стр. 73
الْبَاب السَّادِس فِي الْكَشْف عَن تلبيساتهم الَّتِي زوقوها بزعمهم فِي معرض الْبُرْهَان على ابطال النّظر الْعقلِيّ واثبات وجوب التَّعَلُّم من الامام الْمَعْصُوم
وطريقنا ان نرتب شبههم على اقصى الْإِمْكَان ثمَّ نكشف عَن مكمن التلبيس فِيهَا وَآخر دَعوَاهُم ان الْعَارِف بحقائق الاشياء هُوَ المتصدي للْإِمَامَة بِمصْر وانه يجب على كَافَّة الْخلق طَاعَته والتعلم مِنْهُ لينالوا بِهِ سَعَادَة الدُّنْيَا والاخرة ودليلهم عَلَيْهِ قَوْلهم ان كل مَا يتَصَوَّر الْخَبَر عَنهُ بِنَفْي وَإِثْبَات فَفِيهِ حق وباطل وَالْحق وَاحِد وَالْبَاطِل مَا يُقَابله إِذْ لَيْسَ الْكل حَقًا وَلَا الْكل بَاطِلا فَهَذِهِ مُقَدّمَة
ثمَّ تَمْيِيز الْحق عَن الْبَاطِل لَا بُد مِنْهُ فَهُوَ امْر وَاجِب لَا يسْتَغْنى عَنهُ اُحْدُ فِي صَلَاح دينه ودنياه فَهَذِهِ مُقَدّمَة ثَانِيَة ثمَّ دَرك الْحق لَا يَخْلُو اما ان يعرفهُ الانسان بِنَفسِهِ من عقله بنظره دون تعلم اَوْ يعرفهُ من غَيره بتَعَلُّم فَهَذِهِ مُقَدّمَة ثَالِثَة وَإِذا بطلت مَعْرفَته بطرِيق الِاسْتِقْلَال بِالنّظرِ وتحكيم الْعُقُول فِيهِ وَجب التَّعَلُّم من الْغَيْر ضَرُورَة
стр. 74
ثمَّ الْمعلم إِمَّا أَن يشْتَرط كَونه مَعْصُوما من الْخَطَأ والزلل مَخْصُوصًا بِهَذِهِ الخاصية واما ان يجوز التَّعَلُّم من كل أحد وَإِذا بَطل التَّعَلُّم من كل اُحْدُ أَي وَاحِد كَانَ لِكَثْرَة الْقَائِلين المعلمين وتعارض اقوالهم ثَبت وجوب التَّعَلُّم من شخص مَخْصُوص بالعصمة من سَائِر النَّاس فَهَذِهِ مُقَدّمَة رَابِعَة ثمَّ الْعَالم لَا يَخْلُو إِمَّا أَن يجوز خلوه من ذَلِك الْمَعْصُوم اَوْ يَسْتَحِيل خلوه وباطل تَجْوِيز خلوه لانه إِذْ اثْبتْ انه مدرك الْحق فَفِي اخلاء الْعَالم عَنهُ تَغْطِيَة الْحق وحسم السَّبِيل عَن إِدْرَاكه وَفِيه فَسَاد امور الْخلق فِي الدّين وَالدُّنْيَا وَهُوَ عين الظُّلم المناقض للحكمة فَلَا يجوز ذَلِك من الله سُبْحَانَهُ وَهُوَ الْحَكِيم الْمُقَدّس عَن الظُّلم والقبائح فَهَذِهِ مُقَدّمَة خَامِسَة ثمَّ ذَلِك الْمَعْصُوم الَّذِي لَا بُد من وجوده فِي الْعَالم لَا يَخْلُو اما ان يحل لَهُ ان يخفي نَفسه فَلَا يظْهر وَلَا يَدْعُو الْخلق الى الْحق اَوْ يجب عَلَيْهِ التَّصْرِيح وباطل ان يحل لَهُ الْإخْفَاء فَإِنَّهُ كتمان للحق وَهُوَ ظلم يُنَاقض الْعِصْمَة فَهَذِهِ مُقَدّمَة سادسة وَقد ثَبت أَن فِي الْعَالم مَعْصُوما مُصَرحًا بِهَذِهِ الدَّعْوَى وَبَقِي النّظر فِي تَعْيِينه فان كَانَ فِي الْعَالم مدعيان الْتبس علينا تَمْيِيز المحق عَن الْمُبْطل وان لم يكن الا مُدع وَاحِد فِي مَحل الإلتباس كَانَ ذَلِك هُوَ
стр. 75
الْمَعْصُوم قَطْعِيا وَلم يفْتَقر الى دَلِيل ومعجزة وَيكون مِثَاله مَا إِذا علم ان فِي بَيت فِي الدَّار رجلا هُوَ عَالم ثمَّ رَأينَا فِي بَيت رجلا فَإِن كَانَ فِي الدَّار بَيت اخر بَقِي لنا شكّ فِي الَّذِي رَأَيْنَاهُ انه ذَلِك الْعَالم اَوْ غَيره فإذاعرفنا أَنه لَا بَيت فِي الدَّار سوى هَذَا الْبَيْت علمنَا ضَرُورَة انه الْعَالم فَكَذَلِك القَوْل فِي الامام الْمَعْصُوم فَهَذِهِ مُقَدّمَة سابعة وَقد علم قطعا انه لَا اُحْدُ فِي عَالم الله يَدعِي انه الامام الْحق والعارف بأسرار الله فِي جَمِيع المشكلات النَّائِب عَن رَسُول الله فِي جَمِيع المعقولات والمشروعات الْعَالم بالتنزيل والتأويل علما قَطْعِيا لَا ظنيا الا المتصدي لِلْأَمْرِ بِمصْر فَهَذِهِ مُقَدّمَة ثامنة
فَإِذا هُوَ الإِمَام الْمَعْصُوم الَّذِي يجب على كَافَّة الْخلق تعلم حقائق الْحق وتعرف مَعَاني الشَّرْع مِنْهُ وَهِي النتيجة الَّتِي كُنَّا نطلبها
وَعند هَذَا يَقُولُونَ إِن من لطف الله وصنعه مَعَ الْخلق أَلا يتْرك احدا فِي الْخلق يَدعِي الْعِصْمَة سوى الإِمَام الْحق إِذْ لَو ظهر مُدع آخر لعسر تَمْيِيز المحق عَن الْمُبْطل وضل الْخلق فِيهِ فَمن هَذَا لَا نرى قطّ لإِمَام خصما بل نرى لَهُ مُنْكرا كَمَا أَن النَّبِي ﷺ لم يكن لَهُ خصم قطّ والخصم هُوَ الَّذِي يَقُول لست أَنْت نَبيا وَإِنَّمَا أَنا النَّبِي وَالْمُنكر هُوَ الَّذِي لَا يَدعِي لنَفسِهِ وانما يُنكر نبوته فَهَكَذَا يكون امْر الإِمَام قَالُوا واما بَنو الْعَبَّاس وان لم يَنْفَكّ الزَّمَان عَن معارضتهم فَلم يكن فيهم من يَدعِي لنَفسِهِ الْعِصْمَة والاطلاع من جِهَة الله تَعَالَى على حقائق الْأُمُور وأسرار الشَّرْع والاستغناء عَن النّظر وَالِاجْتِهَاد بِالظَّنِّ فَهَذِهِ الخاصية هِيَ الْمَطْلُوبَة وَقد تفرد بِهَذِهِ الدَّعْوَى عترة رَسُول
следующие страницы →