← Акыда

Акыда · id 6554

فضائح الباطنية

أبو حامد الغزالي

Полный текст (226 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

كل مَا فِي الْعَالم من الاشكال والحروف فان كل مَوْجُود فَهُوَ من الْوَاحِد الى الْعشْرَة فَمَا فَوْقهَا لَا محَالة فمهما رَأَيْت شَيْئا وَاحِدًا فاستدل بِهِ على مُحَمَّد صلى الله عيه وَسلم وَإِذا رَأَيْت اثْنَيْنِ فَقل هُوَ دلَالَة على الشَّيْخَيْنِ ابي بكر وَعمر وان كَانَ ثَلَاثَة فمحمد ﷺ وابوبكر وَعمر إِن كَانَ اربعة فالخلفاء الاربعة وان كَانَ خَمْسَة فعلى مُحَمَّد مَعَ الْخُلَفَاء والاربعة وَقل اما تعرفُون السِّرّ ان الثقب على رَأس الْآدَمِيّ خمس مَا هُوَ الْوَاحِد وَهُوَ الْفَم يدل على النَّبِي مُحَمَّد ﷺ فانه وَاحِد والعينان والمنخران على الْخُلَفَاء الاربعة ونقول اما تعرفُون السِّرّ فِي اسْم مُحَمَّد وانه اربعة حُرُوف مَا هُوَ فَإِذا قالوالا فَنَقُول هُوَ السِّرّ الَّذِي لَا يطلع عَلَيْهِ الا ملك مقرب فانه يبنيه على ان اسْم خَلِيفَته اربعة حُرُوف وَهُوَ عَتيق دون عَليّ الَّذِي اسْمه ثَلَاثَة احرف فَإِذا وجدت سَبْعَة فاستدل بِهِ على سَبْعَة من خلفاء بني أُميَّة مُبَالغَة فِي إرغامهم وإجلالا لبني الْعَبَّاس عَن الْمُعَارضَة بهم وَقل عدد السَّمَوَات السَّبع والنجوم والاسبوع دَال على مُعَاوِيَة وَيزِيد ثمَّ مَرْوَان ثمَّ عبد الْملك ثمَّ الْوَلِيد ثمَّ عمر بن عبد الْعَزِيز ثمَّ هِشَام ثمَّ السَّابِع المنتظر وَهُوَ الَّذِي يُقَال لَهُ السسفياني وَهُوَ قَول الأموية من الإمامية أَو قابلهم بِمذهب الراوندية وَقل إِنَّه يدل على الْعَبَّاس ثمَّ عبد الله ابْن الْعَبَّاس (// ثمَّ عَليّ بن عبد الله //) ثمَّ مُحَمَّد بن عَليّ ثمَّ

стр. 72

ابراهيم ثمَّ ابو الْعَبَّاس السفاح ثمَّ الْمَنْصُور وَكَذَلِكَ مَا تَجدهُ من عشرَة اَوْ اثنى عشر فعد من خلفاء بني الْعَبَّاس بعددهم ثمَّ انْظُر هَل تَجِد بَين الْكَلَامَيْنِ فصلا وَبِه يتَبَيَّن فَسَاد كَلَامهم وافتضاحهم وإلزامهم باستدلالهم وَهَذَا الْجِنْس من الْكَلَام لَا يَلِيق بالمحصل فِيهِ الْإِكْثَار مِنْهُ فلنعدل عَنهُ الى غَيره

стр. 73

الْبَاب السَّادِس فِي الْكَشْف عَن تلبيساتهم الَّتِي زوقوها بزعمهم فِي معرض الْبُرْهَان على ابطال النّظر الْعقلِيّ واثبات وجوب التَّعَلُّم من الامام الْمَعْصُوم وطريقنا ان نرتب شبههم على اقصى الْإِمْكَان ثمَّ نكشف عَن مكمن التلبيس فِيهَا وَآخر دَعوَاهُم ان الْعَارِف بحقائق الاشياء هُوَ المتصدي للْإِمَامَة بِمصْر وانه يجب على كَافَّة الْخلق طَاعَته والتعلم مِنْهُ لينالوا بِهِ سَعَادَة الدُّنْيَا والاخرة ودليلهم عَلَيْهِ قَوْلهم ان كل مَا يتَصَوَّر الْخَبَر عَنهُ بِنَفْي وَإِثْبَات فَفِيهِ حق وباطل وَالْحق وَاحِد وَالْبَاطِل مَا يُقَابله إِذْ لَيْسَ الْكل حَقًا وَلَا الْكل بَاطِلا فَهَذِهِ مُقَدّمَة ثمَّ تَمْيِيز الْحق عَن الْبَاطِل لَا بُد مِنْهُ فَهُوَ امْر وَاجِب لَا يسْتَغْنى عَنهُ اُحْدُ فِي صَلَاح دينه ودنياه فَهَذِهِ مُقَدّمَة ثَانِيَة ثمَّ دَرك الْحق لَا يَخْلُو اما ان يعرفهُ الانسان بِنَفسِهِ من عقله بنظره دون تعلم اَوْ يعرفهُ من غَيره بتَعَلُّم فَهَذِهِ مُقَدّمَة ثَالِثَة وَإِذا بطلت مَعْرفَته بطرِيق الِاسْتِقْلَال بِالنّظرِ وتحكيم الْعُقُول فِيهِ وَجب التَّعَلُّم من الْغَيْر ضَرُورَة

стр. 74

ثمَّ الْمعلم إِمَّا أَن يشْتَرط كَونه مَعْصُوما من الْخَطَأ والزلل مَخْصُوصًا بِهَذِهِ الخاصية واما ان يجوز التَّعَلُّم من كل أحد وَإِذا بَطل التَّعَلُّم من كل اُحْدُ أَي وَاحِد كَانَ لِكَثْرَة الْقَائِلين المعلمين وتعارض اقوالهم ثَبت وجوب التَّعَلُّم من شخص مَخْصُوص بالعصمة من سَائِر النَّاس فَهَذِهِ مُقَدّمَة رَابِعَة ثمَّ الْعَالم لَا يَخْلُو إِمَّا أَن يجوز خلوه من ذَلِك الْمَعْصُوم اَوْ يَسْتَحِيل خلوه وباطل تَجْوِيز خلوه لانه إِذْ اثْبتْ انه مدرك الْحق فَفِي اخلاء الْعَالم عَنهُ تَغْطِيَة الْحق وحسم السَّبِيل عَن إِدْرَاكه وَفِيه فَسَاد امور الْخلق فِي الدّين وَالدُّنْيَا وَهُوَ عين الظُّلم المناقض للحكمة فَلَا يجوز ذَلِك من الله سُبْحَانَهُ وَهُوَ الْحَكِيم الْمُقَدّس عَن الظُّلم والقبائح فَهَذِهِ مُقَدّمَة خَامِسَة ثمَّ ذَلِك الْمَعْصُوم الَّذِي لَا بُد من وجوده فِي الْعَالم لَا يَخْلُو اما ان يحل لَهُ ان يخفي نَفسه فَلَا يظْهر وَلَا يَدْعُو الْخلق الى الْحق اَوْ يجب عَلَيْهِ التَّصْرِيح وباطل ان يحل لَهُ الْإخْفَاء فَإِنَّهُ كتمان للحق وَهُوَ ظلم يُنَاقض الْعِصْمَة فَهَذِهِ مُقَدّمَة سادسة وَقد ثَبت أَن فِي الْعَالم مَعْصُوما مُصَرحًا بِهَذِهِ الدَّعْوَى وَبَقِي النّظر فِي تَعْيِينه فان كَانَ فِي الْعَالم مدعيان الْتبس علينا تَمْيِيز المحق عَن الْمُبْطل وان لم يكن الا مُدع وَاحِد فِي مَحل الإلتباس كَانَ ذَلِك هُوَ

стр. 75

الْمَعْصُوم قَطْعِيا وَلم يفْتَقر الى دَلِيل ومعجزة وَيكون مِثَاله مَا إِذا علم ان فِي بَيت فِي الدَّار رجلا هُوَ عَالم ثمَّ رَأينَا فِي بَيت رجلا فَإِن كَانَ فِي الدَّار بَيت اخر بَقِي لنا شكّ فِي الَّذِي رَأَيْنَاهُ انه ذَلِك الْعَالم اَوْ غَيره فإذاعرفنا أَنه لَا بَيت فِي الدَّار سوى هَذَا الْبَيْت علمنَا ضَرُورَة انه الْعَالم فَكَذَلِك القَوْل فِي الامام الْمَعْصُوم فَهَذِهِ مُقَدّمَة سابعة وَقد علم قطعا انه لَا اُحْدُ فِي عَالم الله يَدعِي انه الامام الْحق والعارف بأسرار الله فِي جَمِيع المشكلات النَّائِب عَن رَسُول الله فِي جَمِيع المعقولات والمشروعات الْعَالم بالتنزيل والتأويل علما قَطْعِيا لَا ظنيا الا المتصدي لِلْأَمْرِ بِمصْر فَهَذِهِ مُقَدّمَة ثامنة فَإِذا هُوَ الإِمَام الْمَعْصُوم الَّذِي يجب على كَافَّة الْخلق تعلم حقائق الْحق وتعرف مَعَاني الشَّرْع مِنْهُ وَهِي النتيجة الَّتِي كُنَّا نطلبها وَعند هَذَا يَقُولُونَ إِن من لطف الله وصنعه مَعَ الْخلق أَلا يتْرك احدا فِي الْخلق يَدعِي الْعِصْمَة سوى الإِمَام الْحق إِذْ لَو ظهر مُدع آخر لعسر تَمْيِيز المحق عَن الْمُبْطل وضل الْخلق فِيهِ فَمن هَذَا لَا نرى قطّ لإِمَام خصما بل نرى لَهُ مُنْكرا كَمَا أَن النَّبِي ﷺ لم يكن لَهُ خصم قطّ والخصم هُوَ الَّذِي يَقُول لست أَنْت نَبيا وَإِنَّمَا أَنا النَّبِي وَالْمُنكر هُوَ الَّذِي لَا يَدعِي لنَفسِهِ وانما يُنكر نبوته فَهَكَذَا يكون امْر الإِمَام قَالُوا واما بَنو الْعَبَّاس وان لم يَنْفَكّ الزَّمَان عَن معارضتهم فَلم يكن فيهم من يَدعِي لنَفسِهِ الْعِصْمَة والاطلاع من جِهَة الله تَعَالَى على حقائق الْأُمُور وأسرار الشَّرْع والاستغناء عَن النّظر وَالِاجْتِهَاد بِالظَّنِّ فَهَذِهِ الخاصية هِيَ الْمَطْلُوبَة وَقد تفرد بِهَذِهِ الدَّعْوَى عترة رَسُول

стр. 76

الله صلى الله عيه وَسلم وَذريته وَصرف الله دواعي الْخلق عَن معارضتهم فِي الدَّعْوَى لمثلهَا ليستقر الْحق فِي نصابه وينجلي الشَّك عَن قُلُوب الْمُؤمنِينَ رَحْمَة من الله ولطفا حَتَّى ان فرض شخص يدعى لنَفسِهِ ذَلِك فَلَا يذكرهُ الا فِي معرض هزل اَوْ مجادلة فَأَما أَن يسْتَمر عَلَيْهِ مُعْتَقدًا اَوْ يعْمل بِمُوجبِه فَلَا وَهَذِه مُقَدمَات وَاضِحَة لم نهمل من جُمْلَتهَا الا الدَّلِيل على ابطال نظر الْعقل حَيْثُ قُلْنَا الْحق اما ان يعرفهُ الانسان بِنَفسِهِ من عقله اَوْ يتعلمه من غَيره وَنحن الْآن ندل على بطلَان نظر الْعقل بأدلة عقلية وشرعية وَهِي خَمْسَة أما الأول وَهِي دلَالَة عقلية ان من يتبع مُوجب الْعقل ويصدقه فَفِي تَصْدِيقه تَكْذِيبه وَهُوَ غافل عَنهُ لانه مَا من مسئلة نظرية يعتقدها بنظره الْعقلِيّ الا وَله فِيهَا خصم اعْتقد بِنَظَر الْعقل نقيضها فَإِن كَانَ الْعقل حَاكما صَادِقا فقد صدق عقل خصمك ايضا فَإِن قلت لم يصدق خصمي فقد تنَاقض كلامك إِذا صدقت عقلا وكذبت مثله فان قلت صدق خصمي فخصمك يَقُول انت كَاذِب مُبْطل وان زعمت انه لَا عقل لخصمي وانما الْعقل لي فَهَذِهِ ايضا دَعْوَى خصمك فبماذا تتَمَيَّز عَنهُ أبطول اللِّحْيَة ام ببياض الْوَجْه ام بِكَثْرَة السعل اَوْ الحدة فِي الدُّعَاء وَعند هَذَا يطلقون لِسَان الِاسْتِهْزَاء والإستخفاف معتقدين ان لَهُم بكلامهم الْيَد الْبَيْضَاء الَّتِي لَا جَوَاب عَنْهَا

стр. 77

الدّلَالَة الثَّانِيَة قَوْلهم إِذا حَاكم مسترشد تشكك فِي مسئلة شَرْعِيَّة اَوْ عقلية وَزعم انه عَاجز عَن معرفَة دليلها فَمَاذَا تتقولون لَهُ أفتحيلونه على عقله وَلَعَلَّه الْعَاميّ الجلف الَّذِي لَا يعرف أَدِلَّة الْعُقُول اَوْ هُوَ الذكي الَّذِي ضرب سِهَام الرَّأْي على حسب امكانه فَلم تنكشف لَهُ المسئلة وَبَقِي متشككا افتردونه الى عقله الَّذِي هُوَ معترف بقصوره وَهَذَا محَال اَوْ تَقولُونَ لَهُ تعلم طَرِيق النّظر وَدَلِيل المسئلة مني فان قُلْتُمْ ذَلِك فقد ناقضتم قَوْلكُم بِإِبْطَال التَّعْلِيم إِذْ امرتم بالتعليم وجعلتم التَّعْلِيم طَرِيقا وَهُوَ مَذْهَبنَا الا انكم أَبَيْتُم لانفسكم منصب التَّعْلِيم وَلم يستحيوا من خصمكم الْمعَارض لكم المماثل فِي عقله لعقلكم إِن هَذَا المتعلم يَقُول قد دَعَاني إِلَى التَّعَلُّم مِنْهُ خصمك وَقد تحيرت فِي تعْيين الْمعلم أَيْضا وَلَيْسَ يدعى وَاحِدًا مِنْكُم الْعِصْمَة لنَفسِهِ وَلَا لَهُ معْجزَة تميزه وَلَا هُوَ مُنْفَرد بِأَمْر يُفَارق بِهِ غَيره فَلَا أدرى أتبع الفلسفي أَو الْأَشْعَرِيّ أَو المعتزلى وأقاويلهم متعارضة وعقولهم متماثلة وَلست أجد فِي نَفسِي التَّرْجِيح بطول اللِّحْيَة وببياض الْوُجُوه وَلَا أرى افتراقا إِلَّا فِيهِ إِن اتّفق فَأَما الْعقل وَالدَّعْوَى واغترار كل بِنَفسِهِ فِي أَنه المحق وَصَاحبه الْمُبْطل كاغترار صَاحبه فَمَا أَشد تنَاقض هَذَا الْكَلَام عِنْد من يعرفهُ الدّلَالَة الثَّالِثَة قَوْلهم الْوحدَة دَلِيل الْحق وَالْكَثْرَة دَلِيل الْبَاطِل فَإنَّا إِذا قُلْنَا كم الْخَمْسَة مَعَ الْخَمْسَة فَالْحق وَاحِد وَهُوَ أَن يُقَال عشرَة وَالْبَاطِل كثير لَا حصر لَهُ وَهُوَ كل مَا سوى الْعشْرَة مِمَّا فَوْقهَا اَوْ تحتهَا والوحدة لَازِمَة مَذْهَب التَّعْلِيم فانه اجْتمع الف الف على هَذَا الِاعْتِقَاد واتحدت كلمتهم وَلم يتَصَوَّر بَينهم اخْتِلَاف واهل الرَّأْي لَا يزَال الِاخْتِلَاف وَالْكَثْرَة تلازمهم فَدلَّ ان الْحق فِي الْفرْقَة الَّتِي تلازم الْوحدَة كلمتها وَعَلِيهِ دلّ قَوْله تَعَالَى ﴿وَلَو كَانَ من عِنْد غير الله لوجدوا فِيهِ اخْتِلَافا كثيرا﴾

стр. 78

(١٧) الدّلَالَة الرَّابِعَة قَوْلهم النَّاظر ان كَانَ لَا يدْرك الْمُمَاثلَة بَين نَفسه وَبَين خَصمه فيسحن الظَّن بِنَفسِهِ ويسئ بخصمه فَلَا غرو فَإِن هَذَا الْغرُور مِمَّا يستولي على الْخلق وَهُوَ شغفهم بآرائهم وجودة عُقُولهمْ وان كَانَ ذَلِك من من أَدِلَّة الحماقة وانما الْعجب أَنه لَا يدْرك الْمُمَاثلَة بَين حالتيه وَكم رأى نَفسه فِي حَالَة وَاحِدَة وَقد تحولت حَالَته فَاعْتقد الشئ مُدَّة وَحكم بانه الْحق الَّذِي يُوجِبهُ الْعقل الصَّادِق ثمَّ يخْطر لَهُ خاطر فيعتقد نقيضه وَيَزْعُم انه الْآن تنبه للحق وَمَا كَانَ يعْتَقد من قبل فخيال انخدع بِهِ وَيرى نَفسه على اعْتِقَاد قَاطع فِي الْحَالة الثَّانِيَة تَسَاوِي اعْتِقَاده السَّابِق فانه كَانَ قَاطعا بِمثل قطعه الان فليت شعري من أَيْن يَأْمَن الانخداع وانه سيتنبه لأمر يتَبَيَّن بِهِ ان مَا يَعْتَقِدهُ الان بَاطِل وَمَا من نَاظر الا ويعتقد مثله مرَارًا ثمَّ لَا يزَال يعتز آخرا بمعتقده الَّذِي يماثل سَائِر معتقداته الَّتِي تَركهَا وَعرف بُطْلَانهَا بعد التصميم عَلَيْهَا وَالْقطع بهَا الدّلَالَة الْخَامِسَة وَهِي شَرْعِيَّة قَوْلهم قَالَ رَسُول الله ﷺ سَتَفْتَرِقُ امتي نيفا وَسبعين فرقة النَّاجِية مِنْهَا وَاحِدَة فَقيل وَمن هم فَقَالَ اهل السّنة وَالْجَمَاعَة فَقيل وَمَا السّنة وَالْجَمَاعَة قَالَ مَا أَنا الْآن عَلَيْهِ وأصحابي قَالُوا وَمَا كَانُوا

стр. 79

إِلَّا على الِاتِّبَاع والتعليم فِي كل مَا شجر بَينهم وتحكيم الرَّسُول ﷺ فِيهِ لَا على اتِّبَاع رَأْيهمْ وعقولهم فَدلَّ ان الْحق فِي الِاتِّبَاع لَا فِي نظر الْعُقُول وَهَذَا تَحْرِير أدلتهم على أقوى وَجه فِي الايراد وَرُبمَا يعجز معظمهم عَن الاتقان فِي تَحْقِيقه الى هَذَا الْحَد فَنَقُول وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق الْكَلَام عَلَيْهِ منهجان جملي وتفصلي الْمنْهَج الأول وَهُوَ الْجملِي انا نقُول هَذِه العقيدة الَّتِي استنتجتموها من تَرْتِيب هَذِه الْمُقدمَات ونظمها بطرِيق النّظر والتأمل فَإِن ادعيتم مَعْرفَتهَا ضَرُورَة كُنْتُم معاندين وَلم يعجز خصومكم عَن دَعْوَى الضَّرُورَة فِي معرفتهم بطلَان مذهبكم وان ادعوا ذَلِك كَانُوا اقوم قيلا عِنْد الْمنصف وان ادعيتم إِدْرَاكهَا بِالنّظرِ فِي تَرْتِيب هَذِه الْمُقدمَات ونظمها على شكل المقاييس المنتجة فقد اعترفتم بِصِحَّة النّظر الْعقلِيّ ويدعى بُطْلَانه فهذاالكلام مفحم لَهُ وَكَاشف عَن خزايته اَوْ يُقَال لَهُ عرفت بطلَان النّظر ضَرُورَة اَوْ نظرا وَلَا سَبِيل الى دَعْوَى الضَّرُورَة فان الضَّرُورِيّ مَا يشْتَرك فِي مَعْرفَته ذَوُو الْعُقُول السليمة كَقَوْلِنَا الْكل اعظم من الْجُزْء والاثنان اكبر من الْوَاحِد والشئ الْوَاحِد لَا يكون قَدِيما مُحدثا والشئ الْوَاحِد لَا يكون فِي مكانين وان زعم انه أدْرك بطلَان النّظر بِالنّظرِ فقد تنَاقض كَلَامه وَهَذَا لَا مخرج مِنْهُ أَبَد الدَّهْر وَهُوَ وَارِد على كل باطني يدعى معرفَة شئ يخْتَص بِهِ فانه اما ان يَدعِي الضَّرُورَة اَوْ النّظر اَوْ السماع من مَعْصُوم صَادِق يدعى معرفَة صدقه وعصمته ايضا اما ضَرُورَة اَوْ نظرا

стр. 80

وَلَا سَبِيل الى دَعْوَى الضَّرُورَة وَفِي دَعْوَى النّظر إبِْطَال عين الْمَذْهَب فلتتعجب من هَذَا التَّنَاقُض الْبَين وغفلة هَؤُلَاءِ المغرورين عَنهُ فَإِن قَالَ قَائِل من منكري النّظر هَذَا يَنْقَلِب عَلَيْكُم إِذْ يُقَال لكم وَبِمَ عَرَفْتُمْ صِحَة النّظر إِن ادعيتم الضَّرُورَة اقتحمتم مااستبعدتموه وتورطتم فِي عين مَا انكرتموه وان زعمتم أَنا ادركناه نظرا فالنظر الَّذِي بِهِ الادراك بِمَ عَرَفْتُمْ صِحَّته وَالْخلاف قَائِم فِيهِ فان ادعيتم معرفَة ذَلِك بِنَظَر ثَالِث لزم ذَلِك فِي الرَّابِع وَالْخَامِس الى غير نِهَايَة قُلْنَا نعم كَانَ هَذَا الْكَلَام يَنْقَلِب إِن كَانَت المعقولات بالموازنات اللفظية وَلَيْسَ الْأَمر كَذَلِك فلتتأمل دقيقة الْفرق فَإنَّا نقُول عرفنَا كَون النّظر الْعقلِيّ دَلِيلا الى الْعلم بالمنظور فِيهِ بسلوك طَرِيق النّظر والوصول إِلَيْهِ فَمن سلكه وصل وَمن وصل عرف أَن مَا سلكه هُوَ الطَّرِيق وَمن استراب قبل السلوك فَيُقَال طَرِيق رفع هَذِه الاسترابة السلوك ومثاله مَا إِذا سئلنا عَن طَرِيق الْكَعْبَة فدللنا على طَرِيق معِين فَقيل لنا من أَيْن عَرَفْتُمْ كَونه طَرِيقا قُلْنَا عَرفْنَاهُ بالسلوك بِأَنا سلكناه فوصلنا الى الْكَعْبَة فَعرفنَا كَونه طَرِيقا ومثاله الثَّانِي أَنا إِذا قيل لنا بِمَ عَرَفْتُمْ ان النّظر فِي الْأُمُور الحسابيه من الهندسة والمساحة وَغَيرهَا طَرِيق الى معرفَة مَالا يعرف اضطرارا قُلْنَا سلوك طَرِيق الْحساب إِذْ سلكناه فأفادنا علما بالمنظور فِيهِ فَعلمنَا ان نظر الْعقل دَلِيل فِي الْحساب وَكَذَلِكَ فِي العقليات سلكنا الطَّرِيق النظرية فوصلنا الى الْعلم بالمعقولات فَعرفنَا أَن النّظر طَرِيق

стр. 81

فَهَذَا لَا تنَاقض فِيهِ فان قيل وَبِمَ عَرَفْتُمْ ان مَا وصلتم اليه علم مُتَعَلق بالمعلوم على مَا هُوَ بِهِ بل هُوَ جهل ظننتموه علما قُلْنَا وَلَو انكر الْعُلُوم الحسابية مُنكر فَمَاذَا يُقَال لَهُ اَوْ لَيْسَ يسفه فِي عقله وَيُقَال لَهُ هَذَا يدل على قلَّة بصيرتك بالحسابيات فَإِن النَّاظر فِي الهندسة اذا حصر الْمُقدمَات ورتبها على الشكل الْوَاجِب يحصل الْعلم بالنتيجة ضَرُورَة على وَجه لَا يتمارى فِيهِ فَهَكَذَا جَوَابنَا فِي المعقولات فان الْمُقدمَات النظرية اذا رتبت على شُرُوطهَا افادت الْعلم بالنتيجة على وَجه الارض لَا يتمارى فِيهِ وَيكون الْعلم الْمُسْتَفَاد من الْمُقدمَات بعد حُصُولهَا ضَرُورِيًّا كَالْعلمِ بالمقدمات الضرورية المنتجه لَهُ وَإِن اردنا أَن نكشف ذَلِك لمن قلت بضاعته فِي الْعُلُوم فَنَضْرِب لَهُ مِثَالا هندسيا ثمَّ نضرب لَهُ مِثَالا عقليا لينكشف لَهُ الغطاء وينجلي عَن عقيدته الخفاء اما الْمِثَال الهندسي فَهُوَ ان إقليدس رسم فِي مُصَنفه فِي الشكل الأول من الْمقَالة الأولى مثلثا وَادّعى انه متساوي الاضلاع وَلَا يعرف ذَلِك ببديهة الْعقل وَلكنه ادّعى انه يعرف بالبرهان نظرا وبرهانه بمقدمات (الاولى) ان الخطوط المستقيمة الْخَارِجَة من مَرْكَز الدائرة الى الْمُحِيط مُتَسَاوِيَة من كل جَانب وَهَذِه الْمُقدمَة ضَرُورِيَّة إِذْ الدائرة ترسم بالبركار على فتح وَاحِد وانما الْخط الْمُسْتَقيم من المركز الى الدائرة هوفتح البركار وَهُوَ وَاحِد فِي الجوانب (الْمُقدمَة الثَّانِيَة) إِذا تَسَاوَت دائرتان بالخطوط المستقيمة من مركزهما الى محيطهما فالخطوط ايضا مُتَسَاوِيَة وَهَذِه أَيْضا ضَرُورِيَّة (الْمُقدمَة الثَّالِثَة) أَن الْمسَاوِي للمساوي مسَاوٍ وَهَذِه ايضا ضَرُورِيَّة ثمَّ الْآن نشتغل بالمثلث ونشير الى خطين مِنْهُ ونقول إنَّهُمَا متساويان لانهما خطان مستقيمان خرجا من مَرْكَز دَائِرَة الى محيطها والخط الثَّالِث مثل لاحدهما لانه

стр. 82

خرج ايضا من مَرْكَز الدائرة الى محيطها مَعَ ذَلِك الْخط وَإِذا سَاوَى اُحْدُ الخطين فقد سَاوَى الآخر فَإِن الْمسَاوِي للمساوي مسَاوٍ فَبعد هَذَا النّظر نعلم قطعا تَسَاوِي أضلاع المثلث الْمَفْرُوض كَمَا عرف سَائِر الْمُقدمَات مثل قَوْلنَا الخطوط المستقيمة من مَرْكَز الدائرة الى الْمُحِيط متماثلة وَغَيرهَا من الْمُقدمَات الْمِثَال الْعقلِيّ الإلهي وَهُوَ أَنا إِذا أردنَا أَن ندل على وَاجِب الْوُجُود الْقَائِم بِنَفسِهِ المستغنى عَن غَيره الَّذِي مِنْهُ يَسْتَفِيد كل مَوْجُود وجوده لم ندرك ثُبُوت مَوْجُود وَاجِب الْوُجُود مستغنيا عَن غَيره بِالضَّرُورَةِ بل بِالنّظرِ وَمعنى النّظر هُوَ أَنا نقُول لَا شكّ فِي أصل الْوُجُود وانه ثَابت فَإِن من قَالَ لاموجود اصلا فِي الْعَالم فقد باهت الضَّرُورَة والحس فقولنا لَا شكّ فِي اصل الْوُجُود مُقَدّمَة ضَرُورِيَّة ثمَّ نقُول والوجود الْمُعْتَرف بِهِ من الْكل إِمَّا وَاجِب وَإِمَّا جَائِز فَهَذِهِ الْمُقدمَة أَيْضا ضَرُورِيَّة فَإِنَّهَا حاصرة بَين النَّفْي والاثبات مثل قَوْلنَا الْمَوْجُود إِمَّا ان يكون قَدِيما اَوْ حَادِثا فَيكون صدقه ضَرُورِيًّا وَهَكَذَا كل تَقْسِيم دائر بَين النَّفْي والاثبات وَمَعْنَاهُ ان الموجودات إِمَّا ان تكون استغنت اَوْ لم تستغن والاستغناء عَن السَّبَب هُوَ المُرَاد بِالْوُجُوب وَعدم الِاسْتِغْنَاء هُوَ المُرَاد بِالْجَوَازِ فَهَذِهِ مُقَدّمَة ثَالِثَة ثمَّ نقُول ان كَانَ هَذَا الْمَوْجُود الْمُعْتَرف بِهِ وَاجِبا فقد ثَبت وَاجِب الْوُجُود وان كَانَ جَائِزا فَكل جَائِز مفتقر الى وَاجِب الْوُجُود وَمعنى جَوَازه أَنه أمكن عَدمه ووجوده على حد وَاحِد وَمَا هَذَا وَصفه لَا يتَمَيَّز وجوده عَن عَدمه إِلَّا بمخصص وَهَذَا أَيْضا ضَرُورِيّ فقد ثَبت بِهَذِهِ الْمُقدمَات الضرورية وَاجِب الْوُجُود وَصَارَ

стр. 83

الْعلم بعد حُصُوله ضَرُورِيًّا لَا يتمارى فِيهِ فان قيل فِيهِ مَوضِع شكّ إِذْ يَقُول الْمُعْتَرف بِهِ جَائِز وَيَقُول قَوْلكُم إِنَّه يفْتَقر الى وَاجِب كل جَائِز وجوده غير مُسلم بل يفْتَقر الى سَبَب ثمَّ ذَلِك السَّبَب يجوز أَن يكون جَائِز الْوُجُود قُلْنَا فِي تِلْكَ الْمُقدمَات مَا اشْتَمَل على رفع هَذَا بِالْقُوَّةِ فان كل مَا ثَبت لَهُ الْجَوَاز فافتقاره الى سَبَب ضَرُورِيّ فَإِن قدر السَّبَب جَائِزا دخل فِي الْجُمْلَة الَّتِي سميناها كلا وَنحن نعلم بِالضَّرُورَةِ ان كل الجائزات تفْتَقر الى سَبَب فَإِن فرضت السَّبَب جَائِزا فافرضه دَاخِلا فِي الْجُمْلَة واطلب سَببه إِذْ يَسْتَحِيل ان يسند ذَلِك جَائِزا آخر وَهَكَذَا الى غير نِهَايَة فانه يكون عِنْد ذَلِك حميع الْأَسْبَاب والمسببات جملَة جَائِزَة وَوصف الْجَوَاز يصدق على آحادها وعَلى مجموعها فيفتقر الْمَجْمُوع الى سَبَب خَارج عَن وصف الْجَوَاز الْمخْرج وَفِيه ضَرُورَة إِثْبَات وَاجِب الْوُجُود ثمَّ بعد ذَلِك نتكلم فِي صفته ونبين أَنه لَا يجوز ان يكون وَاجِب الْوُجُود جسما وَلَا منطبعا فِي جسم وَلَا متغيرا وَلَا متحيزا الى سَائِر مَا يتبع ذَلِك وَيثبت كل وَاحِد مِنْهَا بمقدمات لَا شكّ فِيهَا وَتَكون النتيجة بعد حُصُولهَا من الْمُقدمَات فِي الظُّهُور على ذوق الْمُقدمَات فَإِن قيل الْعُلُوم الحسابيه معترف بهَا لانها ضَرُورِيَّة وَلذَلِك لم يخْتَلف فِيهَا واما النظريات الْعَقْلِيَّة فان كَانَت مقدماتها كَذَلِك فَلم وَقع الِاخْتِلَاف فِيهَا فوقوع الِاخْتِلَاف فِيهَا يقطع الامان قُلْنَا هَذَا بَاطِل من وَجْهَيْن (أَحدهمَا) أَن الْعُلُوم الحسابيه اخْتلف فِيهَا تَفْصِيلًا وَجُمْلَة من وَجْهَيْن أَحدهمَا ان الْأَوَائِل قد اخْتلفُوا فِي كثير من هيئات الْفلك وَمَعْرِفَة مقاديرها وَهِي مثبتة على مُقَدمَات حسابيه

стр. 84

وَلَكِن مَتى كثرت الْمُقدمَات وتسلسلت ضعف الذِّهْن عَن حفظهَا فَرُبمَا تزل وَاحِدَة عَن الذِّهْن فيغلظ فِي النتيجة وامكان ذَلِك لَا يشككنا فِي الطَّرِيق نعم الْخلاف فِيهَا اندر لانها اظهر وَفِي العقليات اكثر لانها اخفى واستر وَمن النظريات مَا ظهر فاتفقوا عَلَيْهِ وَهُوَ أَن الْقَدِيم لَا يعْدم فَهَذِهِ مَسْأَلَة نظرية وَلم يُخَالف فِيهَا أحد البته فَلَا فرق بَين الحسابية والعقلية الثَّانِي ان من حصر مدارك الْعُلُوم فِي الْحَواس وانكر الْعُلُوم النظرية جملَة الحسابية وَغير الحسابية فخلاف هَؤُلَاءِ هَل يشككنا فِي علمنَا بِأَن الْعُلُوم الحسابية صَادِقَة حَقِيقَة فَإِن قُلْتُمْ نعم اتَّضَح ميلكم على الانصاف وان قُلْتُمْ لَا فَلم وَقع الْخلاف فِيهِ فان قُلْتُمْ خِلَافه لم يشككنا فِي الْمُقدمَات فَلم يشككنا فِي النتيجة فَكَذَلِك خلاف من خَالَفنَا فِي تَفْصِيل ماعرفناه من الدّلَالَة على ثُبُوت وَاجِب الْوُجُود لم يشككنا فِي مُقَدمَات الدَّلِيل فَلم يشككنا فِي النتيجة وَالْوَجْه الآخر من الْجَواب هُوَ أَن السوفسطائية أَنْكَرُوا الضروريات وخالفوا فِيهَا وَزَعَمُوا انها خيالات لَا أصل لَهَا وَاسْتَدَلُّوا عَلَيْهِ بَان أظهرها المحسوسات وَلَا ثِقَة بِقطع الانسان بحسه وَمهما شَاهد انسانا وَكَلمه فَقَوله اقْطَعْ بِحُضُورِهِ وَكَلَامه فَهُوَ خطأ فَلَعَلَّهُ يرَاهُ فِي الْمَنَام فكم من مَنَام يرَاهُ الانسان وَيقطع بِهِ وَلَا يتمارى مَعَ نَفسه فِي تحَققه ثمَّ ينتبه على الْفَوْر فيبين انه لَا وجود لَهُ حَتَّى يرى فِي الْمَنَام يَد نَفسه مَقْطُوعَة وَرَأسه مَفْصُولًا وَيقطع بِهِ وَلَا وجود لما يقطع بِهِ ثمَّ خلاف هَؤُلَاءِ لَا يشككنا فِي الضروريات وَكَذَلِكَ النظريات فانها بعد حُصُولهَا من الْمُقدمَات تبقى ضَرُورِيَّة لايتمارى فِيهَا كَمَا فِي الحسابيات وَهَذَا كُله كَلَام على من يُنكر النّظر جملَة اما التعليمية فَلَا يقدرُونَ على

стр. 85

إِطْلَاق القَوْل بابطال النّظر جملَة فانهم يسوقون الادلة والبراهين على اثبات التَّعْلِيم ويرتبون الْمُقدمَات كَمَا حكيناه فَكيف يُنكرُونَ ذَلِك فَمن هُنَا قَالُوا نظر الْعقل بَاطِل فَيُقَال وَبِمَ عَرَفْتُمْ بُطْلَانه وَثُبُوت التَّعْلِيم أبنظر أم ضَرُورَة وَلَا بُد أَن يُقَال بِنَظَر وَمهما اسْتدلَّ بِالْخِلَافِ فِي النظريات على فَسَاد النظريات فقابله بِالْخِلَافِ من السوفسطائية فِي الضروريات وَلَا فرق بَين المقامين فَإِذا قَالُوا وَبِمَ أمنت الْخَطَأ وَكم من مرّة اعْتدت الشئ نظرا ثمَّ بَان خِلَافه فَيُقَال لَهُ وَبِمَ عرفت حضورك بِهَذَا الْبَلَد الَّذِي أَنْت فِيهِ وَكم من كرة اعتقدت نَفسك ورأيتها بِبَلَد آخر لم تكن فِيهِ فيمَ تميز بَين النّوم واليقظة وَبِمَ تأمن على نَفسك فلعلك الْآن فِي هَذَا الْكَلَام نَائِم فان زعم اني اِدَّرَكَ التَّفْرِقَة ضَرُورَة فَيُقَال وَأَنا أدْركْت التَّفْرِقَة بَين مَا يجوز الْغَلَط فِيهِ من الْمُقدمَات ومالا يجوز أَيْضا ضَرُورَة وَلَا فرق وَكَذَلِكَ كم يغلط الانسان فِي الْحساب ثمَّ ينتبه وَإِذا تنبه اِدَّرَكَ التَّفْرِقَة ضَرُورَة بَين حَالَة الاصابة وَالْخَطَأ فان قَالَ قَائِل من الباطنية نَحن ننكر النّظر جملَة وَمَا ذكرْتُمْ لَيْسَ من النظريات فِي شئ بل هِيَ مُقَدمَات ضَرُورِيَّة قَطْعِيَّة رتبناها قُلْنَا فَأنْتم الان لم تفهموا معنى النّظر اذي نقُول بِهِ فلسنا نقُول الا بِمثل مَا نظمتموه من الْمُقدمَات الضرورية الْحَقِيقِيَّة كَمَا سنبينها فَكل قِيَاس لم يكن بنظم مُقَدمَات ضَرُورِيَّة اَوْ بنظم مُقَدمَات مستنتجة من ضَرُورِيَّة فَلَا حجَّة فِيهِ فَهَذَا هُوَ الْقيَاس الْمَعْقُول وانما يَنْتَظِم أبدا من مقدمتين إِمَّا مُطلقَة وَإِمَّا تقسيمية وَقد تسمى حملية وشرطية أما الْمُطلقَة فكقولنا الْعَالم حَادث وكل حَادث فَلهُ سَبَب فهاتان مقدمتان الأولى حسية وَالثَّانيَِة ضَرُورِيَّة عقلية ونتجيته ان لحوادث الْعَالم إِذا سَببا

стр. 86

وَأما التقسيمية فهوأنا نقُول إذاثبت ان لحوادث الْعَالم سببافالسبب الْمَفْرُوض اما حَادث واما قديم فان بَطل كَونه حَادِثا ثَبت كَونه قَدِيما ثمَّ نبطل كَونه حَادِثا بِمثل هَذِه المقاييس فَيثبت بالاخرة ان لوُجُود الْعَالم سَببا قَدِيما فَهَذَا هُوَ النّظر الْمَقُول بِهِ فان كُنْتُم متشككين فِي صِحَّته فَبِمَ تنكرون من يمْتَنع من قبُول مقدماتكم الَّتِي نظمتموها وَيَقُول انا متشكك فِي صِحَّتهَا فان نسبتموه الى انكار الضَّرُورَة نسبناكم الى مثله فِيمَا ادعينا مَعْرفَته بِالنّظرِ وَلَا فرق هَذَا هُوَ الْمنْهَج الْجملِي فِي الرَّد عيهم إِذا أبطلوا نظر الْعُقُول وَهُوَ الْجَزْم الْوَاجِب فِي افحامهم فَلَا يَنْبَغِي ان نَخُوض مَعَهم فِي التَّفْصِيل بل نقتصر على ان نقُول لَهُم كل مَا عرفتموه من مذهبكم من صدق الامام وعصمته وَبطلَان الرَّأْي وَوُجُوب التَّعْلِيم بِمَاذَا عرفتموه وَدَعوى الضَّرُورَة غير مُمكنَة فَيبقى النّظر وَالسَّمَاع وَصدق السّمع أَيْضا لَا يعرف ضَرُورَة فَيبقى النّظر وَهَذَا لَا مخرج عَنهُ فان قَالَ قَائِل لَا يظنّ بعاقل يَدعِي مذهبا لَيْسَ ضَرُورِيًّا ثمَّ يُنكر النّظر فلعلهم يعترفون بِالنّظرِ إِلَّا انهم يَقُولُونَ تعلم طَرِيق النّظر وَاجِب فان الانسان لَا يسستقل بِنَفسِهِ فِي النظريات فان انكرتم ذَلِك فقد انكرتم الْعُقُول بديهة إِذْ لم يترشح المدرسون والمعلمون الا للتعليم فَلم تصدوا مَعَ الِاسْتِغْنَاء عَنْهُم وان اعترفتم بذلك فقد اعترفتم بِوُجُوب الْمعلم وان الْعُقُول لَيْسَ فِي مجردها غنية فَبَقيَ انكم جوزتم التَّعَلُّم من كل اُحْدُ وهم اوجبوا التَّعَلُّم من مَعْصُوم لَان مَذَاهِب المعلمين مُخْتَلفَة ومتعارضه وَلَا تَرْجِيح للْبَعْض على الْبَعْض

стр. 87

قُلْنَا وَهَذَا السُّؤَال أَيْضا فَاسد فانا لَا ننكر الْحَاجة الى التَّعَلُّم بل الْعُلُوم منقسمة الى ثَلَاثَة أَقسَام قسم لَا يُمكن تَحْصِيله الا بِالسَّمَاعِ والتعلم كالإخبار عَمَّا ممضى من الوقائع ومعجزات الاننبياء وَمَا يَقع فِي الْقِيَامَة واحوال الْجنَّة وَالنَّار فَهَذَا لَا يعرف الا بِالسَّمَاعِ من النَّبِي الْمَعْصُوم اَوْ بالْخبر الْمُتَوَاتر عَنهُ فان سمع بقول الْآحَاد حصل بِهِ علم ظَنِّي لَا يقيني هَذَا قسم وَالْقسم الآخر من الْعُلُوم النظرية الْعَقْلِيَّة فَلَيْسَ فِي الْفطْرَة مَا يرشد الى الْأَدِلَّة فِيهِ بل لَا بُد فِيهِ من التَّعَلُّم لَا ليقلد الْمعلم فِيهِ بل لينبهه الْمعلم على طَرِيقه ثمَّ يرجع الْعَاقِل فِيهِ الى نَفسه فيدركه بنظره وَعند هَذَا فَلْيَكُن الْمعلم من كَانَ وَلَو افسق الْخلق واكذبهم فَإنَّا لسنا نقلده بل نتنبه بتنبيهه فَلَا نحتاج فِيهِ الى مَعْصُوم وَهِي كالعلوم الحسابية والهندسية لَا تعلم بالفطرة وتحتاج الى الْمعلم ونستغني عَن معلم مَعْصُوم بل يتَعَلَّم طَرِيق الْبُرْهَان ويساوي المتعلم الْمعلم بعد النّظر فِي العقليات عندنَا فالحسابيات عِنْدهم وَكم من شخص يغلط فِي الحسابيات ثمَّ يتَنَبَّه بالاخرة بعد زمَان وَذَلِكَ لَا يشكك فِي الادلة والبراهين الحسابية وَلَا يحْتَمل الافتقار فِيهَا الى معلم مَعْصُوم الْقسم الثَّالِث الْعُلُوم الشَّرْعِيَّة الْفِقْهِيَّة وَهُوَ معرفَة الْحَلَال وَالْحرَام وَالْوَاجِب وَالنَّدْب وَاصل هَذَا الْعلم السماع من صَاحب الشَّرْع وَالسَّمَاع مِنْهُ يُورث الْعلم الا ان هذالا يُمكن تَحْصِيل الْعلم الْقطعِي فِيهِ على الاطلاق فِي حق كل شخص وَفِي كل وَاقعَة بل لابد من الِاكْتِفَاء بِالظَّنِّ فِيهِ ضَرُورَة فِي طَرِيقين احدهما فِي المستمعين فان الْخلق فِي عصر النَّبِي ﷺ انقسموا أى من شَاهد فَسمع وَتحقّق وَعرف

стр. 88

والى من غَابَ فَسمع من المبلغين وآحاد الامراء والولاة فاستفادوا ظنا من قولة الْآحَاد وَلَكِن وَجب عَلَيْهِم الْعَمَل بِالظَّنِّ للضَّرُورَة فان النَّبِي ﷺ عجز عَن اسماع كل وَاحِد بِنَفسِهِ من غير وَاسِطَة وَلم يشْتَرط ان تتواتر عَنهُ كل كلمة فِي كل وَاقعَة لتعذره وَالْعلم يحصل باحد هذَيْن المسلكين وَهُوَ مُتَعَذر قطعا والطرف الثَّانِي فِي نفس الصُّورَة الْفِقْهِيَّة والحوادث الْوَاقِعَة إِذن مَا من وَاقعَة الا وفيهَا تَكْلِيف والوقائع لَا حصر لَهَا بل هِيَ فِي الامكان غير متناهية والنصوص لَا تفرض الا محصورة متناهية وَلَا يُحِيط قطّ مَا يتناهى بِمَا لَا يتناهى وَغَايَة صَاحب الشَّرْع مثلا ان ينص على حكم كل صُورَة اشْتَمَل عَلَيْهَا تصنيف المصنفين فِي الْفِقْه الى عصرنا هَذَا وَلَو فعل ذَلِك واستوفاه كَانَت الوقائع الممكنة الْخَارِجَة عَن التصانيف اكثر من المسطورات فِيهَا بل لَا نِسْبَة لَهَا اليها فان المسطورات محصورة والممكنات لَا حصر لَهَا فَكيف يَسْتَوْفِي مَالا يتناهى بِالنَّصِّ فبالضرورة لَا بُد من تحكيم الظَّن فِي التَّعَلُّق بصيغ العمومات وان كَانَ يحْتَمل انها اطلقت لإِرَادَة الْخُصُوص إِذْ عَلَيْهَا اكثر العمومات وَلذَلِك لما بعث رَسُول الله ﷺ معَاذًا الى الْيمن وَقَالَ لَهُ بِمَ تحكم فَقَالَ بِكِتَاب الله قَالَ فان لم تَجِد قَالَ فبسنة رَسُول الله قَالَ فان لم تَجِد قَالَ اجْتهد رَأْيِي فَقَالَ ﷺ الْحَمد لله الَّذِي وفْق رَسُول رَسُوله لما يرضاه رَسُوله فانما رخص لَهُ فِي اجْتِهَاد الرَّأْي لضَرُورَة الْعَجز عَن اسْتِيعَاب النُّصُوص للوقائع هَذَا بَيَان هَذَا الْقسم وَلَا حَاجَة فِيهِ الى إِمَام مَعْصُوم

стр. 89

بل لَا يُغني الامام الْمَعْصُوم شَيْئا فانه لَا يزِيد على صَاحب الشَّرْع وَهُوَ لم يغن فِي كلا الطَّرفَيْنِ فَلَا قدرَة على اسْتِيعَاب الصُّور بالنصوص وَلَا قدرَة على مشافهة جَمِيع الْخلق وَلَا على تكليفهم اشْتِرَاط التَّوَاتُر فِي كل مَا ينْقل عَنهُ ﵇ فليت شعري معلمهم الْمَعْصُوم مَاذَا يُغني فِي هذَيْن الطَّرفَيْنِ أيعرف كَافَّة الْخلق نُصُوص أقاويله وهم فِي اقصى الشرق والغرب بقول آحَاد هَؤُلَاءِ الدعاة وَلَا عصمَة لَهُم حَتَّى يوثق بهم اَوْ يشْتَرط التَّوَاتُر عَنهُ فِي كل كلمة وَهُوَ فِي نَفسه محتجب لَا يلقاه الا الاحاد والشواذ هَذَا لوسلم انه مطلع على الْحق بِالْوَحْي فِي كل وَاقعَة كَمَا كَانَ صَاحب الشَّرْع فَكيف وَالْحَال كَمَا نعرفه ويعرفه خَواص اشياعه المحدقين بِهِ فِي بَلَده وولايته فقد انْكَشَفَ بِهَذَا الْكَلَام انهم يلبسُونَ وَيَقُولُونَ ان قُلْتُمْ لَا حَاجَة الى التَّعْلِيم فقد انكرتم الْعَادَات وان اعترفتم فقد وافقتمونا على اثبات التَّعْلِيم فَيَأْخُذُونَ التَّعْلِيم لفظا مُجملا مُسلما ثمَّ يفصلونه بِأَن فِيهِ اعترافا بِوُجُوب التَّعَلُّم من الْمَعْصُوم فقد فهمت أَي علم يسْتَغْنى فِيهِ عَن الْمعلم واي علم يحْتَاج فِيهِ اليه واذا احْتِيجَ فَمَا الَّذِي يُسْتَفَاد من الْمعلم طَرِيقه وَلَا يُقَلّد فِي نَفسه فيستغني عَن عصمته وَمَا الَّذِي يُقَلّد فِي نَفسه فَيحْتَاج فِيهِ الى عصمته وان ذَلِك الْمَعْصُوم هُوَ النَّبِي ﷺ وان مَا يُؤْخَذ مِنْهُ كَيفَ يَنْقَسِم الى مَا يعلم تَحْقِيقا والى مَا يظنّ

стр. 90

وان كَافَّة الْخلق كَيفَ يضطرون الى القناعة بِالظَّنِّ فِي صدق مبلغ الْخَبَر عَن صَاحب الشَّرْع وَفِي الحاق غير الْمَنْصُوص الى النُّصُوص واذا ايقنت هَذِه الْقَاعِدَة استوليت على كشف تلبيساتهم كلهَا فان عَادَتهم ابدا اطلاق مُقَدمَات مُهْملَة بنوا عَلَيْهَا النتيجة الْفَاسِدَة كَقَوْلِهِم انكم اذا اعترفتم بِالْحَاجةِ الى التَّعْلِيم فقد اعترفتم بمذهبنا فَنَقُول اعترافنا بالتعلم فِي النظريات كاعترافكم بِهِ فِي الحسابيات هَذَا مَنْهَج الْكَلَام الْجملِي عيلهم الْمنْهَج الثَّانِي فِي الرَّد عَلَيْهِم تَفْصِيلًا وسبيلنا أَن نتكلم على كل مُقَدّمَة من مقدماتهم الثماني الَّتِي نظمناها فَنَقُول الْمُقدمَة الاولى وَهِي قَوْلكُم إِن كل شىء يتَكَلَّم فِيهِ بِنَفْي واثبات فَفِيهِ حق وباطل وَالْحق وَاحِد وَالْبَاطِل مَا يُقَابله فَهَذِهِ مُقَدّمَة صَادِقَة لَا نعتقد نزاعا فِيهَا وَلَكِن لَا يَصح مِنْكُم اسْتِعْمَالهَا فانا نقُول من النَّاس من انكر حقائق الاشياء وَزعم انه لَا حق وَلَا بَاطِل وان الاشياء تَابِعَة للإعتقادات فَمَا يعْتَقد فِيهِ الْوُجُود فَهُوَ مَوْجُود فِي حق ذَلِك المعتقد وَمَا يعْتَقد فِيهِ الْعَدَم فَهُوَ مَعْدُوم فِي حق المعتقد وَهَذِه مقَالَة فرقة من فرق السوفسطائية وَرُبمَا يَقُولُونَ الاشياء لَا حَقِيقَة لَهَا فَنَقُول هَل هَذِه الْمُقدمَة مُقَدّمَة يقطعون بهَا وَأَنْتُم ترونها فِي الْمَنَام وَلَا حَقِيقَة لَهَا فبماذا أمنتم الْغَلَط فِيهَا وَكم رَأَيْتُمْ انفسكم فِي الْمَنَام قاطعين بِأَمْر لَا حَقِيقَة لَهُ وَمَا الَّذِي آمنكم من اصابة خصومكم وخطئكم وَلَا نزال نورد عَلَيْهِم مَا يوردونه على اهل النّظر للتشكيك فِيهِ فَلَا يَجدونَ فصلا فان زَعَمُوا أَنا نَعْرِف ضَرُورَة خطأ من يخالفنا من

стр. 91

السوفسطائية ونعلم ضَرُورَة صدق هَذِه الْمُقدمَة قيل لَهُم فَبِمَ تنكرون على اهل النّظر إِذا ادعو ذَلِك فِي مَذْهَبهم وَفِي تفريقهم بَين مَا غالطوا فِيهِ وَبَين مالم يغالطوا فِيهِ وفرقهم بَين انفسهم ومخالفيهم فَإِن زَعَمُوا ان ذَلِك يفْتَقر فِيهِ الى تَأمل وَمَا نَحن فِيهِ بديهي فَنَقُول والحسابيات يحْتَاج فِيهَا الى أدق تَأمل فَإِن غلط فِي مسئلة عرفتموها من الْحساب رجل قصر نظره أَو ضعف ذكاؤه فَهَل يشكككم ذَلِك فِي أَن الْعُلُوم الحسابية صَادِقَة فَإِن قُلْتُمْ لَا قيل فَهَكَذَا حَال النظار الْمُحَقِّقين إِذا خالفهم المخالفون وَهَذَا يَنْبَغِي ان يكون عَلَيْهِم فِي كل مقَام لَان تبجحهم الاكثر باخْتلَاف النظار وان ذَلِك يَنْبَغِي ان يسْقط الامان وخلافنا لَهُم لم يسْقط امانهم عَن مقدماتهم الَّتِي نظموها ثمَّ طمعوا مَعَ ذَلِك ان يسْقط اماننا عَن النظريات بِخِلَاف الْمُخَالف فِيهَا وَهَذَا من الطمع الْبَارِد وَالظَّن الركيك الَّذِي لَا ينخدع بِمثلِهِ عَاقل أما الْمُقدمَة الثَّانِيَة وَهِي قَوْلهم إِذا ثَبت فِي كل وَاقعَة حق وباطل فلابد من معرفَة الْحق فِيهِ فَهَذِهِ مُقَدّمَة كَاذِبَة إِذْ تسلموها جملَة وفيهَا تَفْصِيل وَهَذِه عَادَتهم فِي التلبيس فَلَا يغفلن عَنْهَا المحصل فَنَقُول قَول الْقَائِل الْحق لَا بُد من مَعْرفَته كَقَوْل الْقَائِل المسئلة لَا بُد من مَعْرفَتهَا اَوْ الْمسَائِل لَا بُد من مَعْرفَتهَا فَيُقَال هَذَا خطأ بل المسئلة اسْم جنس يتَنَاوَل مَا لَا بُد من مَعْرفَته وَمَا عَن مَعْرفَته بُد فلابد من تَفْصِيل وَكَذَلِكَ

стр. 92

الْحق بِنَا غنية عَن مَعْرفَته فِي أَكثر الامور فَإِن جملَة التواريخ والاخبار الَّتِي كَانَت وستكون الى منقرض الْعَالم اَوْ هِيَ كائنة وَاقعَة الْيَوْم فِي الْعَالم يتَكَلَّم فِيهَا بِنَصّ واثبات وَالْحق وَاحِد وَلَا حَاجَة بِنَا الى مَعْرفَته وَهَذَا كَقَوْل الْقَائِل ملك الرّوم الان قَائِم ام لَا وَالْحق احدهما لَا محَالة مَا تَحت قدمي من الارض بعد مُجَاوزَة خَمْسَة اذرع حجر اَوْ تُرَاب وَفِيه دود ام لَا وَالْحق احدهما لَا محَالة وَمِقْدَار كرة الشَّمْس اَوْ زحل ومسافتهما مائَة فَرسَخ ام لَا وَالْحق احدهما وَهَكَذَا مساحات الْجبَال والبلاد وَعدد الْحَيَوَانَات فِي الْبر وَالْبَحْر وَعدد الرمل فَهَذِهِ كلهَا فِيهَا حق وباطل وَلَا حَاجَة الى مَعْرفَتهَا بل الْعُلُوم الْمَشْهُورَة من النَّحْو وَالشعر والطب والفلسفة وَالْكَلَام وَغَيرهَا فَمِنْهَا حق وباطل وَلَا حَاجَة بِنَا الى أَكثر مَا قيل فِيهَا بل الَّذِي نسلم انه لَا بُد من مَعْرفَته مَسْأَلَتَانِ وجود الصَّانِع تَعَالَى وَصدق الرَّسُول ﷺ وَهَذَا لَا بُد مِنْهُ ثمَّ إِذا اثْبتْ صدق الرَّسُول فالباقي يتَعَلَّق بِهِ تقليدا اَوْ علما بِخَبَر الْمُتَوَاتر اَوْ ظنا بِخَبَر الْوَاحِد وَذَلِكَ من الْعُلُوم كَاف فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة وَمَا عداهُ مُسْتَغْنى عَنهُ أما وجود الصَّانِع وَصدق الرَّسُول فطريق مَعْرفَته النّظر فِي الْخلق حَتَّى يسْتَدلّ بِهِ على الْخَالِق وَفِي المعجزة حَتَّى يسْتَدلّ بهَا على صدق الرَّسُول وَهَذَانِ لَا حَاجَة فيهمَا الى معلم مَعْصُوم فان النَّاس فِيهِ قِسْمَانِ قسم اعتقدوا ذَلِك تقليدا وسماعا من ابويهم وصمموا عَلَيْهِ العقد قاطعين بِهِ وناطقين بقَوْلهمْ لَا اله إِلَّا الله مُحَمَّد رَسُول الله ﷺ من غيربحث عَن الطّرق البرهانية وَهَؤُلَاء هم الْمُسلمُونَ حَقًا وَذَلِكَ الِاعْتِقَاد يكفيهم وَلَيْسَ عَلَيْهِم

стр. 93

طلب طرق الْبَرَاهِين وعرفنا ذَلِك قطعا من صَاحب الشَّرْع فانه كَانَ يَقْصِدهُ اجلاف الْعَرَب واغمار اهل السوَاد وَالْجُمْلَة طَائِفَة لَو قطعُوا ارابا لم يدركوا شَيْئا من الْبَرَاهِين الْعَقْلِيَّة بل لَا يبين تمييزهم عَن الْبَهَائِم الا بالنطق وَكَانَ يعرض عَلَيْهِم كلمة الشَّهَادَتَيْنِ ثمَّ يحكم لَهُم بالايمان ويقنع مِنْهُم بِهِ وامرهم بالعبادات فَعلم قطعا ان الِاعْتِقَاد المصمم كَاف وان لم يكن عَن برهَان بل كَانَ عَن تَقْلِيد وَرُبمَا كَانَ يتَقَدَّم اليه الاعرابي فيحلفه انه رَسُول الله وانه صَادِق فِيمَا يَقُول فَيحلف لَهُ ويصدقه فَيحكم بِإِسْلَامِهِ فَهَؤُلَاءِ اعني المقلدين يستغنون عَن الإِمَام الْمَعْصُوم الْقسم الثَّانِي من اضْطربَ عَلَيْهِ تَقْلِيده إِمَّا بتفكر وَإِمَّا بتشكيك غَيره إِيَّاه أَو بتأمله بِأَن الْخَطَأ جَائِز على آرائه فَهَذَا لَا ينجيه الا الْبُرْهَان الْقَاطِع الدَّال على وجود الصَّانِع وَهُوَ النّظر فِي الصنع وعَلى صدق الرَّسُول وَهُوَ النّظر فِي المعجزة وليت شعري مَاذَا يُغني عَنْهُم إمَامهمْ الْمَعْصُوم أيقول لَهُ اعْتقد ان للْعَالم صانعا وان مُحَمَّدًا ﷺ صَادِق تقليدا لي من غير دَلِيل فَانِي الامام الْمَعْصُوم اَوْ يذكر لَهُ الدَّلِيل فينبهه على وَجه دلَالَته فان كَانَ سومه التَّقْلِيد فَمن أَي وَجه يصدقهُ بل من ايْنَ يعرف عصمته وَهُوَ لَيْسَ يعرف عصمَة صَاحبه الَّذِي يزْعم انه خَلِيفَته بعد دَرَجَات كَبِيرَة وان ذكر الدَّلِيل افْتقر المسترشد الى ان ينظر فِي الدَّلِيل ويتأمل فِي ترتيبه وَوجه دلَالَته ام لَا فان لم يتَأَمَّل فَكيف يدْرك دون النّظر والتأمل وَهَذِه الْعُلُوم لَيست ضَرُورِيَّة وان تَأمل وادرك نتاج الْمُقدمَات الضرورية المنتجة الْمَطْلُوبَة بتأمله وَخرج بِهِ عَن حد التَّقْلِيد هـ فَمَا الْفرق بَين ان يكون المنبه لَهُ على وَجه الدّلَالَة ونظم الْمُقدمَات

стр. 94

هُوَ هَذَا الْمشَار اليه الْمَعْصُوم اَوْ دَاعِيَة اَوْ عَالم آخر من عُلَمَاء الزَّمَان فان كل وَاحِد لَيْسَ يَدعُوهُ الى تَقْلِيده وانما يَقُودهُ الى مُقْتَضى الدَّلِيل وَلَا يدْرك مُقْتَضى الدَّلِيل الا بِالتَّأَمُّلِ فاذا تَأمل وادرك لم يكن مُقَلدًا لمعلمه بل كَانَ كمتعلم للأدلة الحسابية وَلَا فرق فِي ذَلِك بَين أفسق الْخلق وَبَين اورعهم كمعلم الْحساب فَلَا يحْتَاج فِيهِ الى الْوَرع فضلا عَن الْعِصْمَة لانه لَيْسَ مُقَلدًا وانما الدَّلِيل هُوَ المتبع فَإِذا لَا يعدو الْخلق هذَيْن الْقسمَيْنِ فالاول مستغن عَن الْمَعْصُوم وَالثَّانِي لَا يُغني عَنهُ الْمَعْصُوم شَيْئا فقد بطلت مقدمتان إِحْدَاهمَا أَن كل حق فَلَا بُد من مَعْرفَته والاخرى انه لَا يعرف الْحق الا من مَعْصُوم فَإِن قيل لَا تَكْفِي معرفَة الله وَرَسُوله بل لَا بُد من معرفَة صِفَات الله وَمَعْرِفَة الاحكام الشَّرْعِيَّة قُلْنَا أما صِفَات الله تَعَالَى فقسمان قسم لَا يُمكن معرفَة صدق الرَّسُول وبعثته الا بعد مَعْرفَته كَكَوْنِهِ عَالما وقادرا على الارسال فَهَذَا يعرف عندنَا بالأدلة الْعَقْلِيَّة كَمَا ذَكرْنَاهُ والمعصوم لَا يُغني لَان المعتقد لَهُ تقليدا اَوْ سَمَاعا من ابويه مستغن عَن الْمعلم كَمَا سبق والمتردد فِيهِ مَاذَا يُغني عَنهُ الْمَعْصُوم أفيقول لَهُ قلدني فِي انه تَعَالَى قَادر عَالم فَيَقُول لَهُ كَيفَ أقلدك وَلم تسمح نَفسِي بتليقد مُحَمَّد بن عبد الله ﷺ وَهُوَ صَاحب المعجزة وَإِن ذكر لَهُ وَجه الدَّلِيل اعاد القَوْل فِيهِ الى مَا مضى فِي اصل وجود الصَّانِع وَصدق الرَّسُول من غير فرق واما الاحكام الشَّرْعِيَّة فَلَا بُد لكل وَاحِد من معرفَة مَا يحْتَاج اليه فِي واجباته وَهِي قِسْمَانِ الْقسم الأول مَا يُمكن مَعْرفَته قطعا وَهُوَ الَّذِي اشْتَمَل عَلَيْهِ نَص الْقُرْآن وتواتر عَنهُ الْخَبَر

стр. 95

من صَاحب الشَّرْع كعدد رَكْعَات الصَّلَوَات الْخمس ومقادير النصب فِي الزكوات وقوانين الْعِبَادَات وأركان الْحَج اَوْ مَا اجمعت عَلَيْهِ الامة فَهَذَا الْقسم لَا حَاجَة فِيهِ الى امام مَعْصُوم أصلا الْقسم الثَّانِي مَالا يُمكن مَعْرفَته قطعا بل يتَطَرَّق الظَّن اليه كَمَا كَانَ يجب على الْخلق فِي زمَان رَسُول الله ﷺ فِي سَائِر الاقطار واما صُورَة لَا نَص فِيهَا فَيحْتَاج الى تشبيهها بالنصوص عَلَيْهِ وتقريبها مِنْهُ بِالِاجْتِهَادِ وَهُوَ الَّذِي قَالَ معَاذ فِيهِ أجتهد رَأْيِي وَكَون هَذَا مظنونا ضَرُورِيّ فِي الطَّرفَيْنِ جَمِيعًا إِذْ لَا يُمكن شَرط التَّوَاتُر فِي الْكل وَلَا يُمكن اسْتِيعَاب جَمِيع الصُّور بِالنَّصِّ فَلَا يُغني الْمَعْصُوم فِي هَذَا شَيْئا فانه لَا يقدر على ان يَجْعَل مَا نَقله الْوَاحِد متواترا بل لَو تيقنه لم يقدر على مشافهة كَافَّة الْخلق بِهِ وَلَا تكليفهم السماع عَنهُ تواترا فيقلد اشياعه دعاة الْمَعْصُوم وهم غير معصومين بل يجوز عَلَيْهِم الْخَطَأ وَالْكذب فَنحْن نقلد عُلَمَاء الشَّرْع وَهُوَ دعاة مُحَمَّد ﷺ الْمُؤَيد بالمعجزات الباهرة فَأَي حَاجَة الى الْمَعْصُوم فِيهِ وَأما الصُّورَة الَّتِي لَيست منصوصة فيجتهد فِيهَا الرَّأْي إِذْ الْمَعْصُوم لَا يُغني عَنْهَا شَيْئا فَإِنَّهُ بَين ان يعْتَرف بانه أَيْضا ظان وَالْخَطَأ جَائِز فِي كل ذِي ظن وَلَا يخْتَلف ذَلِك بالاشخاص فَمَا الَّذِي يُمَيّز ظَنّه من ظن غَيره وَهُوَ مجوز للخطأعلى نَفسه وَإِن ادّعى الْمعرفَة فِيهِ أيدعيها عَن وَحي اَوْ عَن سَماع نَص فِيهِ اَوْ عَن دَلِيل عَقْلِي فَإِن ادّعى تَوَاتر الْوَحْي إِلَيْهِ

стр. 96

فِي كل وَاقعَة فاذا هُوَ مُدع للنبوة فيفتقر الى معْجزَة كَيفَ وَلَا يتَصَوَّر تَقْدِير المعجزة إِذْ بَان لنا أَن مُحَمَّدًا ﷺ خَاتم الانبياء فَإِن جَوَّزنَا الْكَذِب على مُحَمَّد فِي قَوْله أَنا خَاتم الانبياءمع إِقَامَة المعجزة فَكيف نَأْمَن الْكَذِب هَذَا الْمَعْصُوم وَإِن أَقَامَ المعجزة وان ادّعى مَعْرفَته عَن نَص بلغه فَكيف لَا يستحي من دَعْوَى نَص صَاحب الشَّرْع على وقائع لايتصور حصرها وعدها بل لَو عمر الانسان عمر نوح وَلم يشْتَغل الا بعد الصُّور والنصوص عَلَيْهَا لم يستوعب عشر عشرهَا فَفِي أَي عمر استوعب الرَّسُول ﷺ جَمِيع الصُّور بِالنَّصِّ فان ادّعى الْمعرفَة بِدَلِيل عَقْلِي فَمَا اجهله بالفقهيات والعقليات جَمِيعًا إِذْ الشرعيات أُمُور وضعية اصطلاحية تخْتَلف بأوضاع الانبياء والاعصار والامم كَمَا نرى الشَّرَائِع مُخْتَلفَة فَكيف تجوز فِيهَا الادلة الْعَقْلِيَّة القاطعة وان ادَّعَاهَا عَن دَلِيل عَقْلِي مُفِيد للنَّظَر فالفقهاء كلهم لَهُم هَذِه الرُّتْبَة فاستبان أَن مَا ذَكرُوهُ تلبيس بعيد عَن التَّحْقِيق وان الْعَاميّ المنخدع بِهِ فِي غَايَة الْحمق لانهم يلبسُونَ على الْعَوام بَان يتبعوا الظَّن وان الظَّن لَا يُغني عَن الْحق شَيْئا والفقهيات لَا بُد فِيهَا من اتِّبَاع الظَّن فَهُوَ ضَرُورِيّ كَمَا فِي التِّجَارَات والسياسات وَفصل الْخُصُومَات للْمصَالح فان كل الامور المصلحية تبنى على الظَّن والمعصوم كَيفَ يُغني عَن هَذَا الظَّن وَصَاحب الشَّرِيعَة لم يغن عَنهُ وَلم يقدر عَلَيْهِ بل أذن فِي الِاجْتِهَاد وَفِي الِاعْتِمَاد على قَول آحَاد الروَاة عَنهُ وَفِي التَّمَسُّك بعمومات الْأَلْفَاظ وكل ذَلِك ظن عمل بِهِ فِي عصره مَعَ وجوده فَكيف يستقبح ذَلِك بعد وَفَاته

стр. 97

فان قيل فَإِذا اخْتلف المجتهدون لاخْتِلَاف مسالك الظنون فَمَاذَا ترَوْنَ وَإِن قُلْتُمْ كل مُجْتَهد مُصِيب تنَاقض كلامكم فان خصومكم مهما أَصَابُوا فِي اعْتِقَادهم يَقُولُونَ إِنَّكُم اخطأتم أفلستم مصيبين إِذا فَكيف وَفِي الْفرق من يستبيح سفك دمائكم فَإِن كَانُوا مصيبين أَيْضا فَنحْن فِي سفك دمائكم وَنهب اموالكم مصيبون فَلم تنكرون علينا وان قُلْتُمْ ان الْمُصِيب وَاحِد فَبِمَ نميز الْمُصِيب من الْمُخطئ وَكَيف نتخلص من خطر الْخَطَأ وَالظَّن قُلْنَا فِيهِ رأيان فان قُلْنَا كل مُجْتَهد مُصِيب لم نتناقض إِذْ نُرِيد بِهِ أَنه مُصِيب حكم الله فِي حق نَفسه ومقلديه إِذْ حكم الله عَلَيْهِ ان يتبع غَالب ظَنّه فِي كل وَاقعَة وَقد اتبع وَهَذَا حكم الله على خَصمه وَقَوْلهمْ انه مُصِيب إِذا فِي سفك الدَّم فَهُوَ كَلَام جَاهِل بالفقهيات فان مَا افترق فِيهِ الْفرق مِمَّا ير ٤ ى فِيهِ سفك الدِّمَاء مسَائِل قَطْعِيَّة عقلية الْمُصِيب فِيهَا وَاحِد والمسائل الظنية الْفِقْهِيَّة الْمُخْتَلف فِيهَا بَين الشَّافِعِي وَأبي حنيفَة وَمَالك لَا تفضى إِلَى التقاتل وَسَفك الدِّمَاء بل كل فريق يعْتَقد احترام الْفَرِيق الاخر حَتَّى يحكم بانه لَا ينْقض حكمه إِذا قضى بِهِ وانه

стр. 98

يجب على الْمُخَالف الِاتِّبَاع نعم اخْتلفُوا فِي انه هَل يُطلق اسْم الْخَطَأ على الْفرْقَة الْأُخْرَى فِي غير انكار وَاعْتِرَاض ام لَا وَقَوْلهمْ ان خصمك يَقُول انت مُخطئ فَإِن كَانَ هُوَ مصيبا فَإِذا انت مُخطئ قُلْنَا ان قَالَ خصمي انت مُخطئ أَي أَظن خطأك فَهُوَ صَادِق وَأَنا ايضا صَادِق فِي قولي اني مُصِيب وَلَا تنَاقض وان قَالَ اقْطَعْ بانك مُخطئ فَلَيْسَ مصيبا فِي هَذَا القَوْل بل بطلَان قَول من يقطع بالْخَطَأ فِي المجتهدات لَيْسَ مظنونا بل هُوَ مَقْطُوع بِهِ فِي جملَة الْمسَائِل القطعية الْأُصُولِيَّة فَالْقَوْل ان الْمُصِيب من الْمُجْتَهدين كِلَاهُمَا أَو أَحدهمَا مَسْأَلَة اصولية قَطْعِيَّة لَا ظنية وَقد التبست عَلَيْهِم الاصوليات بالفقهيات الظنية وَمهما كشف الغطاء لم يتناقض الْكَلَام فان قيل فَإِذا رَأَيْتُمْ كل وَاحِد مصيبا فليجز للمجتهد ان يَأْخُذ بقول خَصمه وَيعْمل بِهِ لانه مُصِيب وليجز للمقلد ان يتبع من شَاءَ من الْأَئِمَّة الْمُجْتَهدين قُلْنَا أما اتِّبَاع الْمُجْتَهد لغيره فخطأ فَإِن حكم الله عَلَيْهِ ان يتبع ظن نَفسه وَهَذَا مَقْطُوع بِهِ فَإِذا اتبع ظن غَيره فقد أَخطَأ فِي مسئلة قطعيه اصولية وَعرف ذَلِك بالاجماع الْقَاطِع وَأما بِخَبَر المقلدين الْأَئِمَّة فقد قَالَ بِهِ قَائِلُونَ وَلَكِن الْمُخْتَار عندنَا انه يجب ان يُقَلّد من يعْتَقد انه افضل الْقَوْم واعرفهم ومستند اعْتِقَاده إِمَّا تَقْلِيد سَمَاعي من الْأَبَوَيْنِ وَإِمَّا بحث عَامي عَن أَحْوَاله وَإِمَّا تسامع عَن أَلْسِنَة الْفُقَهَاء وَبِالْجُمْلَةِ يحصل

стр. 99

لَهُ ظن غَالب من هَذِه المستندات فَعَلَيهِ اتِّبَاع ظن نَفسه كَمَا على الْمُجْتَهد اتِّبَاع ظن نَفسه وَهَذَا لَيْسَ بكلي فِي الشَّرْع لَان الشَّرْع يشْتَمل على مصلحَة جزئية فِي كل مَسْأَلَة وعَلى مصلحَة كُلية فِي الْجُمْلَة أما الْجُزْئِيَّة فَمَا يعرف عَنْهَا دَلِيل كل حكم وحكمته اما الْمصلحَة الْكُلية فَهِيَ ان يكون كل مُكَلّف تَحت قانون معِين من تكاليف الشَّرْع فِي جَمِيع حركاته وأقواله وإعتقاداته فَلَا يكون كالبهيمة المسيبة تعْمل بهواها حَتَّى يرتاض بلجام التَّقْوَى وتأديب الشَّرْع وتقسيمه الى مَا يُطلقهُ والى مَا يحْجر عَلَيْهِ فِيهِ فَيقدم حَتَّى يُطلق الشَّرْع وَيمْتَنع حَيْثُ يمْنَع وَلَا يتَّخذ إلهه هَوَاهُ وَيتبع فِيهِ مناه وَمهما خبرنَا المقدين فِي مَذَاهِب الْأَئِمَّة ليستمد مِنْهَا أطيبها عِنْده اضْطِرَاب الْقَائِلُونَ فِي حَقه فَلَا يبْقى لَهُ مرجع الا شَهْوَته فِي الِاخْتِيَار وَهُوَ مُنَاقض للغرض الْكُلِّي فَرَأَيْنَا أَن نحصره فِي قالب وان نضبطه بضابط وَهُوَ رَأْي شخص وَاحِد لهَذَا المعنة وَلِهَذَا اخْتلفت قوانين الْأَنْبِيَاء فِي الاعصار بِالْإِضَافَة الى التَّفْصِيل وَلم تخْتَلف فِي اصل التَّكْلِيف ودعوة الْخلق عَن اتِّبَاع الْهوى الى طَاعَة قانون الشَّرْع فَهَذَا مَا نرَاهُ مُخْتَارًا فِي حق آحَاد المقلدين هَذَا اُحْدُ الرأيين وهوان كل مُجْتَهد مُصِيب وَمن رأى أَن الْمُصِيب وَاحِد فَلَا تنَاقض أَيْضا فِي كَلَامه وَقَوله بِمَ يَأْمَن من إِمْكَان الْخَطَأ قُلْنَا اولا تعارضهم فَمن كَانَ مَسْكَنه بَعيدا عَن رَسُول الله ﷺ وَكَانَ يعول على قَول الْوَاحِد وَكَذَا من مَسْكَنه بعيد عَن معصومكم بَينه وَبَينه الْبحار الحاجزة والمهامة الْمهْلكَة بِمَ يَأْمَن الْخَطَأ على الْمبلغ وَهُوَ غير مَعْصُوم فسيقولون يحكم بِالظَّنِّ وَلَيْسَ عَلَيْهِ

стр. 100

أَكثر من ذَلِك فَهَذَا جَوَابنَا فَإِن قُلْتُمْ إِن لَهُ طَرِيقا إِلَى الْخَلَاص من الظَّن وَهُوَ أَن يقْصد النَّبِي ﷺ فان التَّوَجُّه اليه من الممكنات فَكَذَا يقْصد للْإِمَام الْمَعْصُوم فِي كل زمَان قُلْنَا وَهل يجب قصد ذَلِك مهما جوز الْخَطَأ فَإِن قُلْتُمْ لَا فَأَي فَائِدَة فِي امكانه وَقد جَازَ لَهُ اقتحام متن الْخطر فِيمَا جوز فِيهِ الْخَطَأ فَإِذا جَازَ ذَلِك فَلَا بَأْس بِفَوَات الامكان كَيفَ وَلَا يقدر كل زمن مُدبر لَا مَال لَهُ على أَن يقطع الف فَرسَخ ليسأل عَن مَسْأَلَة فقهية وَاقعَة كَيفَ وَلَو قطعهَا فَكيف يَزُول ظَنّه بإمامكم الْمَعْصُوم وان شافهه بِهِ إِذْ لَا معْجزَة لَهُ على صدقه فَبِأَي وَجه يَثِق بقوله وَكَيف يَزُول ظَنّه بِهِ ثمَّ يَقُول لَا خلاص لَهُ عَن احْتِمَال الْخَطَأ وَلَكِن لَا ضَرَر عَلَيْهِ وَغَايَة مَا فِي هَذَا الْبَاب ان يكون فِي دَرك الصَّوَاب مزية فَضِيلَة والانسان فِي جَمِيع مَصَالِحه الدُّنْيَوِيَّة من التِّجَارَة وَالْحَرب مَعَ الْعَدو والزراعة يَقُول على ظنون فَلَا يقدر على الْخَلَاص من إِمْكَان الْخَطَأ فِيهِ وَلَا ضَرَر عَلَيْهِ بل لَو أَخطَأ صَرِيحًا فِي مَسْأَلَة شَرْعِيَّة فَلَيْسَ عَلَيْهِ ضَرَر بل الْخَطَأ فِي تفاصيل الفقهيات مَعْفُو عَنهُ شرعا بقوله ﷺ من اجْتهد فَأصَاب فَلهُ أَجْرَانِ وَمن اجْتهد فَأَخْطَأَ فَلهُ اجْرِ وَاحِد فَمَا هولوا من خطر الْخَطَأ مستحقر فِي نَفسه عِنْد المحصلين من أهل الدّين وانما يعظم بِهِ الامر على الْعَوام الغافلين عَن أسرار الشَّرْع فَلَيْسَ الْخَطَأ فِي الفقهيات

стр. 101

من المهلكات فِي الاخرة بل لَيْسَ ارْتِكَاب كَبِيرَة مُوجبا لتخليد الْعقَاب وَلَا للزومه على وَجه لَا يقبل الْعَفو أما المجتهدات فَلَا مأثم على من يُخطئ فِيهَا والحنفي يَقُول يُصَلِّي الْمُسَافِر رَكْعَتَيْنِ وَالشَّافِعِيّ يَقُول يُصَلِّي اربعا وكيفما فعل فِي فالتفاوت قريب وَلَو قدر فِيهِ خطأ فَهُوَ مَعْفُو عَنهُ فَإِنَّمَا الْعِبَادَات مجاهدات ورياضات تكسب النُّفُوس صفاء وتبلغ فِي الْآخِرَة مقَاما مَحْمُودًا كَمَا أَن تكْرَار المنفعه لما يتعلمه يَجعله فَقِيه النَّفس ويبلغه رُتْبَة الْعلمَاء ومصلحته تخْتَلف بِكَثْرَة التّكْرَار وقلته وَرَفعه صَوته فِيهِ وخفضه فَإِن اخطأ فِي الِاقْتِصَار على التّكْرَار لدرس وَاحِد مرَّتَيْنِ وَكَانَت الثَّلَاث اكثر تَأْثِيرا فِي نَفسه فِي علم الله تَعَالَى اَوْ أَخطَأ فِي الثَّلَاث وَكَانَ الِاقْتِصَار على الِاثْنَيْنِ أَكثر تَأْثِيرا فِي صيانته على التبرم المبلد اَوْ أَخطَأ فِي خفض الصَّوْت وَكَانَ الْجَهْر اوفق لطبعه وللتأثير فِي تَنْبِيه نَفسه اَوْ كَانَ الْخَفْض أدعى لَهُ إِلَى التَّأَمُّل فِي كنه مَعْنَاهُ لم يكن الْخَطَأ فِي شئ من ذَلِك فِي لَيْلَة اَوْ لَيَال مؤيسا عَن رُتْبَة الْإِمَامَة ونيل فقه النَّفس وَهُوَ فِي جَمِيع مَا يخمن ويرتب فِي مقادير التّكْرَار من حَيْثُ الكمية والكيفية وَالْوَقْت مُجْتَهد فِيهِ وظان وسالك الى طَرِيق الْفَوْز بمقصوده مَا دَامَ مواظبا على الأَصْل وان كَانَ قد تَيَقّن لَهُ الْخَطَأ احيانا فِي التفاصيل وانما الْخطر فِي التغليط والاعتراض والاغترار بالفطنة الفطرية ظنا بَان فِيهَا غنية عَن الِاجْتِهَاد كَمَا ظن فريق من الباطنية ان نُفُوسهم زكية مرتاضة مستغنية عَن الرياضات بالعبادات الشَّرْعِيَّة فاهملوها وتعرضوا بِسَبَبِهَا للعقاب الاليم فِي دَار الْآخِرَة فليعتقد المسترشد ان إفضاء المجاهدات الشَّرْعِيَّة الى المقامات المحمودة السّنيَّة فِي دَار الْآخِرَة كإفضاء الِاجْتِهَاد فِي ضبط الْعُلُوم والمواظبة عَلَيْهَا إِلَى مقَام الْأَئِمَّة وَعند هَذَا نستحقر مَا عظم الباطنية الْأَمر فِيهِ

стр. 102

من خطر الْخَطَأ على الْمُجْتَهدين فِي الْجَهْر بالبسملة وتثنية الْإِقَامَة وأمثالها فالتفاوت فِيهِ بعد الْمُوَاظبَة على الْأُصُول الْمَشْهُورَة كالتفاوت فِي الْجَهْر بالتكراراو الْخَفْض بِهِ من غيرفرق وَكَيف وَقد نبه الشَّرْع على تمهيد عذر الْمُخطئ فِيهِ كَمَا تَوَاتر ذَلِك من صَاحب الشَّرْع هَذَا تَمام الْكَلَام على الْمُقدمَة الثَّانِيَة وَأما الْمُقدمَة الثَّالِثَة وَهِي قَوْلهم إِذا ثَبت وجوب معرفَة الْحق فَلَا يَخْلُو إِمَّا أَن يعرفهُ الانسان من نَفسه اَوْ من غَيره فَهَذِهِ مُقَدّمَة صَادِقَة لَا نزاع فِيهَا نعم المجادلة عَلَيْهَا بِمَا يفحم الباطنية ويمنعهم من اسْتِعْمَالهَا كَمَا ذكرنَا فِي الْمُقدمَة الاولى وَهِي جَارِيَة فِي كل مُقَدّمَة صَادِقَة وَأما الْمُقدمَة الرَّابِعَة وَهِي قَوْلهم إِذا بطلت مَعْرفَته من نَفسه بطرِيق النّظر ثَبت وجوب التَّعَلُّم من غَيره فَهَذِهِ صَادِقَة على تَقْدِير بطلَان النّظر وَتَسْلِيم معرفَة الْحق وَلَكنَّا لَا نسلم بطلَان النّظر كَمَا سبق وكما سنذكر فِي إِفْسَاد شبههم المزخرفة لإبطال النّظر وَلَا نسلم وجوب معرفَة الْحق لِأَن من جملَته مَا بِنَا مندوحة عَنهُ والمحتاج اليه معرفَة الصَّانِع وَصدق الرَّسُول وَالنَّاس قد اعتقدوها سَمَاعا وتقليدا لابويهم وَفِي ذَلِك مَا يغنيهم فَلَا حَاجَة بهم إِلَى اسْتِئْنَاف تعلم من معلم مَعْصُوم فَإِن قنعوا بالتعليم من الْأَبَوَيْنِ فَنحْن نسلم حَاجَة الصّبيان فِي مبدأ النشوء الى ذَلِك وَلَا ننكره وَلَا مستروح لَهُم فِي هَذَا التَّسْلِيم وَمن هَذِه الْمُقدمَة قَوْلهم اذا ثبتَتْ الْحَاجة الى الْمعلم فَلْيَكُن الْمعلم مَعْصُوما وَهَذَا

стр. 103

متنازع فِيهِ فَإِن الْمعلم ان كَانَ يعلم وَيذكر مَعَه الدَّلِيل الْعقلِيّ وينبه على وَجه الدّلَالَة ليتأمل المتعلم فِيهِ بمبلغ عقله وَيجوز لَهُ الثِّقَة بِمُقْتَضى عقله بعد تَنْبِيه الْمعلم فَلْيَكُن الْمعلم لَو أفسق الخليقة فَلم يحْتَاج الى عصمته وَلَيْسَ يتلقف المتعلم مِنْهُ تَقْلِيد مَا يتلقفه بل هُوَ كالحساب لَا بُد من معرفَة الْحق فِيهِ لمصَالح الْمُعَامَلَات وَلَا يعرفهُ الانسان من نَفسه ويفتقر الى معلم وَلَا يحْتَاج الى عصمته لانه لَيْسَ علما تقليدا بل هُوَ برهاني وان زعمتم أَن المتعلم لَيْسَ يتَعَلَّم بالبرهان وَالدَّلِيل لِأَن ذَلِك يُدْرِكهُ بِنَظَر عقله وَلَا ثِقَة بعقله مَعَ ضعف عقول الْخلق وتفاوتها فَلذَلِك يحْتَاج الى مَعْصُوم فَهَذَا الْآن حَمَاقَة لانه إِمَّا ان يعرف عصمته ضَرُورَة اَوْ تقليدا وَلَا سَبِيل الى دَعْوَى شئ مِنْهُ فَلَا بُد ان يعرفهُ نظرا إِذْ لَا شخص فِي الْعَالم يعرف عصمته ضَرُورَة اَوْ يوثق بقوله مهما قَالَ أَنا مَعْصُوم وَإِذا لم يعرف عصمته كَيفَ يقلده وَإِذا لم يَثِق بنظره كَيفَ يعرف عصمته فان كَانَ الامر كَمَا ذكرتموه فقد وَقع النَّاس عَن تعلم الْحق وَصَارَ ذَلِك من المستحيلات فَإِذا قَالُوا لَا بُد من تعلم الْحق لَا بطرِيق النّظر كَانَ كمن يَقُول لَا بُد من الْجمع بَين الْبيَاض والسواد لانه ان تعلم من غَيره بتأمل دَلِيل الْمَسْأَلَة الَّتِي يتعلمها كَانَ نَاظرا مُقْتَحِمًا خطر الْخَطَأ وَإِن قَلّدهُ لكَونه مَعْصُوما كَانَ مدْركا عصمته بِالنّظرِ فِي دَلِيل الْعِصْمَة وان لم يعْتَقد الْعِصْمَة وَيعلم مِمَّن كَانَ فقد رَجَعَ الامر بِالآخِرَة الى مَا استبعدوه وَهُوَ التَّعَلُّم مِمَّن لم تعرف عصمته وَفِيهِمْ كَثْرَة واقوالهم متعارضة كَمَا ذَكرُوهُ وَهَذَا لَا مخلص عَنهُ أَبَد الدَّهْر وَأما الْمُقدمَة الْخَامِسَة وَهِي قَوْلهم إِن الْعَالم لَا يَخْلُو إِمَّا أَن يشْتَمل على ذَلِك الْمَعْصُوم الْمُضْطَر اليه اَوْ يَخْلُو عَنهُ وَلَا وَجه لتقدير خلو الْعَالم

стр. 104

عَنهُ فان ذَلِك يُؤَدِّي الى تَغْطِيَة الْحق وَذَلِكَ ظلم لَا يَلِيق بالحكمة فَهُوَ أَيْضا مُقَدّمَة فَاسِدَة لانا إِن سلمنَا سَائِر الْمُقدمَات وَسلمنَا ضَرُورَة الْخلق الى معلم مَعْصُوم فَنَقُول لَا يَسْتَحِيل خلو الْعَالم عَنهُ بل عندنَا يجوز خلو الْعَالم عَن النَّبِي أبدا بل يجوز لله ان يعذب جَمِيع خلقه وان يضطرهم الى النَّار فانه بِجَمِيعِ ذَلِك متصرف فِي ملكه بِحَسب إِرَادَته وَلَا معترض على الْمَالِك من حَيْثُ الْعقل فِي تَصَرُّفَاته وانما الظُّلم وضع الشَّيْء فِي غير مَوْضِعه وَالتَّصَرُّف فِي غير مَا يسْتَحقّهُ الْمُتَصَرف وَهَذَا لَا يتَصَوَّر من الله فَلَعَلَّ الْعَالم خَال عَنهُ على معنى ان الله لم يخلقه فَإِن قيل مهما قدر الله على ارشاد الْخلق الى سَبِيل النجَاة ونيل السعادات بعثة الرُّسُل وَنصب الْأَئِمَّة وَلم يفعل ذَلِك كَانَ إضرارابالخلق مَعَ انْتِفَاء الْمَنْفَعَة عَن الله تَعَالَى فِي هَذَا الْإِضْرَار وَهُوَ فِي غَايَة الْقبْح المناقض لأوصاف الْكَمَال من حكمته وعدله وَلَا يَلِيق ذَلِك بِالصِّفَاتِ الإلهية قُلْنَا هَذَا الْكَلَام مختل وغطاء ينخدع بِهِ الْعَاميّ ويستحقره الغواص فِي الْعُلُوم وَقد انخدع بِهِ طوائف من الْمُعْتَزلَة واستقصاء وَجه الرَّد عَلَيْهِم فِي فن الْكَلَام وانا الْآن مقتصر على مِثَال وَاحِد يبين قطعا أَن الله تَعَالَى لَيْسَ يلْزمه فِي نعوت كَمَاله ان يرْعَى مصلحَة خلقه وَهُوَ أَنا نفرض ثَلَاثَة من الاطفال مَاتَ احدهم طفْلا وَبلغ احدهم مُسلما ثمَّ مَاتَ وَبلغ الآخر وَكفر ثمَّ مَاتَ فيجازي الله كل اُحْدُ بِمَا يسْتَحقّهُ فَيكون مُقيما للعدل فَينزل الَّذِي بلغ وَكفر فِي دركات لظى وَالَّذِي بلغ واسلم فِي دَرَجَات الْعلَا

стр. 105

وَالَّذِي مَاتَ طفْلا من غير اسلام ومقاساة عبَادَة بعد الْبلُوغ فِي دَرَجَة دون دَرَجَة الَّذِي بلغ واسلم فَيَقُول الَّذِي مَاتَ طفْلا يَا رب لم اخرتني عَن اخي الْمُسلم الَّذِي بلغ وَمَات وَلَا يَلِيق بكرمك الا الْعدْل وَقد منعتني من مزايا تِلْكَ الرُّتْبَة وَلَو انعمت عَليّ بهَا لانتفعت بهَا وَلم تَضُرك فَكيف يَلِيق بِالْعَدْلِ ذَلِك فَيَقُول لَهُ بزعم من يَدعِي الْحِكْمَة انه بلغ واسلم وتعب وقاسى شَدَائِد الْعِبَادَات فَكيف يَقْتَضِي الْعدْل التَّسْوِيَة بَيْنك وَبَينه فَيَقُول الطِّفْل يَا رب انت الَّذِي احييته وامتنى وَكَانَ يَنْبَغِي ان تمد حَياتِي وتبلغني الى رُتْبَة الِاسْتِقْلَال وتوفقني للآسلام كَمَا وفقته فَكَانَ التَّأْخِير عَنهُ فِي الْحَيَاة هُوَ الْميل عَن الْعدْل فَيَقُول لَهُ بزعم من يَدعِي الْحِكْمَة كَانَت مصلحتك فِي إماتتك فِي صباك فَإنَّك لَو بلغت لكفرت واستوجبت النَّار فَعِنْدَ ذَلِك يُنَادى الْكَافِر الَّذِي مَاتَ بعد بُلُوغه من دركات لظى فَيَقُول يَا رب قد عرفت مني أَنِّي إِذا بلغت كفرت فَهَلا امتني فِي صباي فَإِنِّي قَانِع بالدرجة النَّازِلَة الَّتِي انزلت فِيهَا الصَّبِي المتشوق الى دَرَجَات الْعلَا وَعند هَذَا لَا يبْقى لمن يَدعِي الْحِكْمَة فِي التَّسْوِيَة الا الاننقطاع عَن الْجَواب والاجتراء وَبِهَذَا التَّفَاوُت يستبين أَن الْأَمر أجل مِمَّا يظنون فان صِفَات الربوبيه لَا توزن بموازين الظنون وان الله يفعل مَا يَشَاء وَلَا يسْأَل عَمَّا يفعل وهم يسْأَلُون

стр. 106

وَبِهَذَا يستبين انه لَا يجب بعث نَبِي وَلَا نصب امام فقد بَطل قَوْلهم انه لَا بُد أَن يشْتَمل الْعَالم عَلَيْهِ وَأما الْمُقدمَة السَّادِسَة وَهِي قَوْلهم إِذا ثَبت ان الْمَعْصُوم مَوْجُود فِي الْعَالم فَلَا يَخْلُو إِمَّا ان يُصَرح بِالدَّعْوَى وَيَدعِي الْعِصْمَة اَوْ يخفيه وباطل اخفاؤه لِأَن ذَلِك وَاجِب عَلَيْهِ والكتمان مَعْصِيّة تنَاقض الْعِصْمَة فَلَا بُد أَن يُصَرح بهَا فَهَذِهِ مُقَدّمَة فَاسِدَة لانه لَا يبعد الا يُصَرح بِهِ لكَونه محفوفا بالأعداء مستششعرا فِي نَفسه خَائفًا على روحه فيخفي ذَلِك تقية وَذَلِكَ مِمَّا اتَّفقُوا على جَوَازه واليه ذهبت الإمامية باجمعهم وَزَعَمُوا ان الإِمَام حَيّ قَائِم مَوْجُود والعصمة حَاصِلَة لَهُ وَلكنه يتربص تصرم دولة الْبَاطِل وانقراض شَوْكَة الاعداء وَإِنَّمَا هُوَ الْآن متحصن بجلباب الخفاء حارس نَفسه عَن الْهَلَاك لصيانة السِّرّ عَن الإفشاء الى ان يحضر أَوَانه وينقرض امام الْبَاطِل وزمانه فَمَا جَوَاب هَؤُلَاءِ الباطنية عَن مَذْهَب الإمامية وَمَا الَّذِي يمْنَع احْتِمَال ذَلِك فانهم ساعدوهم على جَمِيع مقدماتهم الا على هَذِه الْمُقدمَة وَذَلِكَ لما شاهدوا من اختلال حَال من وسمه هَؤُلَاءِ بالعصمة وتحققوا من الاسباب المناقضة للورع والصيانة فاستحيوا من دَعْوَى الْعِصْمَة لمن يشاهدون من احواله نقيضها فزعموا ان الْمَعْصُوم مختف وانا نَنْتَظِر ظُهُوره فِي اوانه

стр. 107

وَعند هَذَا نقُول بِمَ عرفت الباطنية بطلَان مَذْهَب الإمامية فِي هَذِه الْقَضِيَّة فان عرفوها ضَرُورَة فَكيف قَامَ الْخلاف فِي الضروريات وان عرفوها نظرا فَمَا الَّذِي اوجب صِحَة نظرهم دون نظر خصومهم وتزكية عُقُولهمْ دون عُقُولهمْ أيعرف ذَلِك بطول اللحى اَوْ ببياض الْوَجْه وهلم جرا الى عين المسلك الَّذِي نهجوه وَهَذَا لَا محيص عَنهُ بِحَال من الْأَحْوَال وَأما الْمُقدمَة السَّابِعَة وَهِي قَوْلهم إِذا ثَبت ان الْمَعْصُوم لَا بُد أَن يُصَرح فَإِذا لم يكن فِي الْعَالم الا مُصَرح وَاحِد كَانَ هُوَ ذَلِك الْمَعْصُوم لانه لَا خصم لَهُ وَلَا ثَانِي لَهُ فِي الدَّعْوَى حَتَّى يعسر التَّمْيِيز فَهَذِهِ فَاسِدَة من وَجْهَيْن احدهما انهم بِمَاذَا عرفُوا انه لَا مدعي للعصمة وَلَا مُصَرح بهَا فِي اقطار الْعَالم سوى شخص وَاحِد فَلَعَلَّ فِي اقصى الصين اَوْ فِي أَطْرَاف الْمغرب من يَدعِي شَيْئا من ذَلِك وَانْتِفَاء ذَلِك مِمَّا لَا يعرف ضَرُورَة وَلَا نظرا فان قيل يعرف ذَلِك ضَرُورَة إِذْ لَو كَانَ لانتشر لَان مثل هَذَا تتوافر الدَّوَاعِي على نَقله قُلْنَا يحْتَمل انه كَانَ وَلم ينتشر الى بِلَادنَا مَعَ بعد الْمسَافَة لَان الْمُدَّعِي لَهُ لَيْسَ يتَمَكَّن من ذكره الا مَعَ سوسه وَصَاحب سره وَحَوله جمَاعَة من اعدائه فَيفزع من إِظْهَار السِّرّ وإفشائه وَيرى الْمصلحَة فِي اخفائه أَو هُوَ مفش لَهُ وَلَكِن المستمعين لَهُ ممنوعون عَن الانتشار فِي الْبِلَاد واخبار الْعباد بِهِ لانهم محاصرون من جِهَة الاعداء مضطرون الى مُلَازمَة الوطن خوفًا من نكاية المستولين عَلَيْهِم فَمَا الَّذِي يبطل هَذَا الِاحْتِمَال وَهُوَ امْر قدر قَرِيبا اَوْ بَعيدا فَهُوَ مُمكن لَيْسَ من قبيل المحالات وانتم تدعون الْقطع فِيمَا توردون فَكيف يصفو الْقطع مَعَ هَذَا الِاحْتِمَال الْوَجْه الثَّانِي فِي إِفْسَاد هَذِه الْمُقدمَة هُوَ أَنكُمْ ظننتم أَنه لَا يدعى

стр. 108

الْعِصْمَة فِي الْعَالم سوى شخص وَاحِد وَهُوَ خطأ فَإنَّا بالتواتر نتسامع بمدعيين احدهما فِي جيلان فانها لَا تنفك قطّ عَن رجل يلقب نَفسه بناصر الْحق ويدعى لنَفسِهِ الْعِصْمَة وانه نَازل منزلَة الرَّسُول ويستعبد الحمقى من سكان ذَلِك الْقطر الى حد يقطعهم جَوَانِب الْجنَّة مُقَدرا بالمساحة ويضايق فِي بَعضهم الى حد لَا يَبِيع دراعا من الْجنَّة لَا بِمِائَة دِينَار وهم يحملون إِلَيْهِ ذخائر الْأَمْوَال ويشترون مِنْهُ مسَاكِن فِي الْجنَّة فَهَذَا اُحْدُ الدعاة فَبِمَ عَرَفْتُمْ انه مُبْطل وَإِذ قد تعدد الْمُدَّعِي وَلَا مُرَجّح إِذْ لَا معْجزَة فَلَا تظنوا ان الحماقة مَقْصُورَة عَلَيْكُم وان هَذِه الْكَلِمَة لَا ينْطق بهَا لِسَان غَيْركُمْ بل التَّعَجُّب من ظنكم ان هَذِه الحماقة مَقْصُورَة عَلَيْكُم فِي الْحَال اكثر من الْعجب فِي أصل هَذِه الحماقة فَأَما الْمُدَّعِي الثَّانِي فَرجل فِي جزائر الْبَصْرَة يَدعِي الربوبيه وَقد شرع دِينَار ورتب قُرْآنًا وَنصب رجلا يُقَال لَهُ على بن كحلا وَزعم انه بِمَنْزِلَة مُحَمَّد ﷺ وانه رَسُوله الى الْخلق وَقد احدق بِهِ طَائِفَة من الحمقى زهاء عشرَة الاف نفس وَلَعَلَّه يزِيد عَددهمْ على عددكم وَهُوَ يدعى لنَفسِهِ الْعِصْمَة وَمَا فَوْقهَا فَمَا جوابكم عَن رجل من الشاباسية يَسُوق هَذِه الْمُقدمَات الى هَذِه الْمُقدمَة ثمَّ

стр. 109

يَقُول اذا لم يكن بُد من معلم مَعْصُوم وَلَا معْجزَة للمعصوم وانما يعرف بِالدَّعْوَى وَصَاحب الباطنية لَا يَدعِي الربوبيه كَيفَ وَصَاحب الشاباسية يَدعِي الربوبيه فأتباعه اولى فان قُلْتُمْ من يَدعِي الربوبيه يعرف بطلَان قَوْله ضَرُورَة فَالْجَوَاب من وَجْهَيْن أَحدهمَا أَنه إِنَّمَا يدعى ذَلِك بطرِيق الْحُلُول وَيَزْعُم ان ذَلِك توارث فِي نسبهم وَقد اسْتمرّ ذَلِك فِي بَيتهمْ عصرا طَويلا وَالْمُدَّعِي الْآن كَانَ جده مُدعيًا لذَلِك والحلول قد ذهب اليه طوائف كَثِيرَة فَلَيْسَ بطلَان مَذْهَب الحلولية ضَرُورِيًّا فَكيف يكون ضَرُورِيًّا وَفِيه من الْخلاف الْمَشْهُور مَا لَا يكَاد يخفى حَتَّى مَال الى ذَلِك طَائِفَة كَبِيرَة من محققي الصوفيه وَجَمَاعَة من الفلاسفة واليه اشار الْحُسَيْن بن مَنْصُور الحلاج الَّذِي صلب بِبَغْدَاد حَيْثُ كَانَ يَقُول أَنا الْحق أَنا احق وَكَانَ يقْرَأ فِي وَقت الصلب وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صلبوه وَلَكِن شبه لَهُم واليه أَشَارَ أبوزيد البسطامي بقوله سبحاني سبحاني مَا أعظم شأني وَقد سَمِعت انا شَيخا من مَشَايِخ الصُّوفِيَّة تعقد عَلَيْهِ الخناصر ويشار اليه بالأصابع فِي متانة دين وغزارة علم حكى لي عَن شَيْخه المرموق فِي الدّين والورع انه قَالَ مَا تسمعه من أَسمَاء الله الْحسنى الَّتِي هِيَ تِسْعَة وَتسْعُونَ كلهَا يصير وَصفا للصوفي السالك بطريقه الى الله وَهُوَ

стр. 110

يعد من جملَة السائرين الى الله لَا من زمرة الواصلين وَكَيف يُنكر هَذَا وَعَلِيهِ مَذْهَب النَّصَارَى فِي اتِّحَاد اللاهوت بناسوت عِيسَى ﵇ حَتَّى سَمَّاهُ بَعضهم إِلَهًا وَبَعْضهمْ ابْن الْإِلَه وَبَعْضهمْ قَالُوا هُوَ نصف الْإِلَه وَاتَّفَقُوا على انه لما قتل انما قتل مِنْهُ الناسوت دون اللاهوت كَيفَ وَقد تخيل جمَاعَة من الروافض ذَلِك فِي عَليّ ﵁ وَزَعَمُوا أَنه الْإِلَه وَكَانَ ذَلِك فِي زَمَانه حَتَّى امْر باحراقهم بالنَّار فَلم يرجِعوا وَقَالُوا بِهَذَا يبين صدقنا فِي قَوْلنَا أَنه الْإِلَه لِأَن رَسُول الله صلى الله عيه وَسلم قَالَ لَا يعذب بالنَّار إِلَّا رَبهَا فَبِهَذَا يبين ان بطلَان هَذَا الْمَذْهَب لَيْسَ بضروري وَلكنه ضرب من الحماقة وَيعرف بُطْلَانه بِالنّظرِ الْعقلِيّ كَمَا يعرف بطلَان مَذْهَبهم فَإِذا قد بَطل قَوْلهم لَا مدعي للعصمة سوى صاحبنا بل قد ظهر من يَدعِي الْعِصْمَة وَزِيَادَة الْوَجْه الثَّانِي فِي الْجَواب عَن قَوْلهم ان بطلَان مَذْهَبهم مَعْلُوم ضَرُورَة وَلَا فرق بَين مَا يعرف بُطْلَانه ضَرُورَة وَبَين مَا يعرف بُطْلَانه
следующие страницы →