Полный текст (146 стр.). Показаны 1–40.
стр. 1
بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم رب يسر وأعن يَا كريم
الْحَمد لله رب الْعَالمين وَأفضل الصَّلَاة وَالتَّسْلِيم على رَسُوله سيدنَا مُحَمَّد النَّبِي الْكَرِيم وعَلى آله وَأَصْحَابه أَجْمَعِينَ وَبعد فَهَذَا سُؤال أرسل بِهِ إِلَيّ بعض فُقَهَاء الزيدية مُشْتَمل على بعض الْمسَائِل الخلافية مِمَّا يتَعَلَّق بأصول الدّين وَشَيْء من شبه الْمُعْتَزلَة المبتدعين وَهَذَا لَفظه مَا يرى الشَّيْخ فَخر الْإِسْلَام وسيط عقد النظام وَصدر الْمجَالِس وَنور الحنادس فِي نفي الثَّانِي عَن الله تَعَالَى بِظَاهِر النَّص فِي قَوْله تَعَالَى فَاعْلَم أَنه لَا إِلَه إِلَّا الله وَلما يعلم من دين الْأَنْبِيَاء صلوَات الله عَلَيْهِم ضَرُورَة هَل هُوَ مترتب على معرفَة الله تَعَالَى أَو معرفَة الله مترتبة عَلَيْهِ فَإِن قلت نفي الثَّانِي مترتب على معرفَة الله تَعَالَى فَمَا الطَّرِيق إِلَيْهَا على مذهبك فَإِن قلت الطَّرِيق إِلَيْهَا السّمع كَمَا تذهبون إِلَيْهِ فَهِيَ مشوشة عَلَيْك من وُجُوه أَحدهَا أَن السّمع مفتقر إِلَى معرفَة الله تَعَالَى وَمَعْرِفَة الله تَعَالَى مفتقرة إِلَى السّمع وَهَذَا دور مَحْض لأَنا لَا نَعْرِف السّمع حَتَّى نَعْرِف الله تَعَالَى وَلَا نَعْرِف الله تَعَالَى حَتَّى نَعْرِف السّمع فَلَا يحصلان وَلَا وَاحِد مِنْهُمَا فبأيهما نعترف وَمن أَيهمَا نعتذر لعمر الله أَنَّهَا مسئلة مجمجمة الذَّوْق مجمجمة الشوق تعتروها الْعُقُول وتتناحر فِيهَا الفحول فأجب بفتق صميمها وقشر أديمها الثَّانِي أَنما يَصح الِاسْتِدْلَال بِكَلَام الله تَعَالَى مهما كَانَ عدل حَكِيم لَا يفعل الْقَبِيح وَلَا يُريدهُ (قلت هَكَذَا لفظ السَّائِل بِالرَّفْع وَصَوَابه بِالنّصب عدلا حكيما) فَأَما مَا تجوزيكم الْقَبِيح عَلَيْهِ وإرادته بِكُل الكائنات من وُجُوه الْفساد من كفر وظلم وسواه. فَمَا الثِّقَة بِكَلَامِهِ وَمن هَاهُنَا انسد عَلَيْكُم بالنبوات من حَيْثُ جوز شيخكم أَبُو الْحسن الْأَشْعَرِيّ على الله تَعَالَى إِظْهَار المعجز على الْكَذَّابين وَمَا اعتذر بِهِ شيخكم ابْن الْخَطِيب الرَّازِيّ من
стр. 2
﴿قاتلوهم يعذبهم الله بِأَيْدِيكُمْ﴾ فَهُوَ المعذب الموجد للعذاب. فَمَا أجري على أَيدي السادات الصحاب، وَقَالُوا بِهِ الْمجد وَالثَّوَاب، بالهمم العوالي والاكتساب - وَكَذَلِكَ قَوْله لنَبيه الْكَرِيم المبجل ﷺ [قل هَل تربصون بِنَا إِلَّا إِحْدَى الحسنيين وَنحن نتربص بكم أَن يُصِيبكُم الله بِعَذَاب من عِنْده أَو بِأَيْدِينَا] أَي بِعَذَاب ينزله من السَّمَاء أَو يظهره فِي الأَرْض بِغَيْر وَاسِطَة سَبَب بصاعقة أَو خسف أَو غير ذَلِك مِمَّا بِهِ العطب أَو بِوَاسِطَة أَيْدِينَا رميا وَضرب وطعنا بالقذاء وَيكون هُوَ المعذب. كَمَا قَالَ جلّ وعل ﴿وَمَا رميت إِذْ رميت وَلَكِن الله رمى﴾ وَقد صرح بِمَا ذكرنَا من الْخلق وَالْكَسْب قَول الْبَارِي قَالَ ﴿فَإنَّا قد فتنا قَوْمك من بعْدك وأضلهم السامري﴾ فيا لَيْت شعري مَا جَوَاب الْمُعْتَزلَة عَن هَذَا وَأَمْثَاله وماذا عَسى أَن يجيبوا فيا ليتهم فَهموا قَوْله تَعَالَى ﴿ثمَّ تَابَ عَلَيْهِم ليتوبوا﴾ فيرجعوا عَن اعْتِقَادهم الْبَاطِل وَإِلَى الْحق ينيبوا ويتحققوا الْحق فِي قَول الْحق حاكيا عَن الكليم الَّذِي فَضله [فتنا إِن هِيَ إِلَّا فتنتك تضل بهَا من تشَاء وتهدي من تشَاء] وعَلى الْجُمْلَة فَلَيْسَ يُؤثر فِي جَمِيع الْوُجُود إِلَّا قدرَة الموجد لحل مَوْجُود وَلَا يَقع من جَمِيع الْأَشْيَاء فِي ملكه مَا لَا يَشَاء فَلَو لم يرد من أحد عصيانا لما خلق لكل إِنْسَان شَيْطَانا. بل مَا كَانَ يخلق للعتاب نَارا وَلَا يُسَمِّي نَفسه غفارًا.
стр. 3
مرهم الْعِلَل المعضلة فِي الرَّد على أَئِمَّة الْمُعْتَزلَة
стр. 4
بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم
رب يسر واعن يَا كريم
الْحَمد لله رب الْعَالمين وَأفضل الصَّلَاة وَالتَّسْلِيم على رَسُوله سيدنَا مُحَمَّد النَّبِي الْكَرِيم وعَلى آله وَأَصْحَابه أَجْمَعِينَ
وَبعد فَهَذَا سُؤال أرسل بِهِ إِلَيّ بعض فُقَهَاء الزيدية مُشْتَمل على بعض الْمسَائِل الخلافية مِمَّا يتَعَلَّق بأصول الدّين وَشَيْء من شبه الْمُعْتَزلَة المبتدعين وَهَذَا لَفظه مَا يرى الشَّيْخ فَخر الْإِسْلَام وسيط عقد النظام وَصدر الْمجَالِس وَنور الحنادس فِي نفي الثَّانِي عَن الله تَعَالَى بِظَاهِر النَّص من قَوْله تَعَالَى ﴿فَاعْلَم أَنه لَا إِلَه إِلَّا الله﴾ وَلما يعلم من دين الْأَنْبِيَاء صلوَات الله عَلَيْهِم ضَرُورَة هَل هُوَ مترتب على معرفَة الله تَعَالَى أَو معرفَة الله مترتبة عَلَيْهِ فَإِن قلت نفي الثَّانِي مترتب على معرفَة الله تَعَالَى فَمَا الطَّرِيق إِلَيْهَا على مذهبك
стр. 5
فان قلت الطَّرِيق إِلَيْهَا السّمع كَمَا تذهبون إِلَيْهِ فَهِيَ مشوشة عَلَيْك من وُجُوه أَحدهَا أَن السّمع مفتقر إِلَى معرفَة الله تَعَالَى وَمَعْرِفَة الله تَعَالَى مفتقرة إِلَى السّمع وَهَذَا دور مَحْض لأَنا لَا نَعْرِف السّمع حَتَّى نَعْرِف الله تَعَالَى وَلَا نَعْرِف الله تَعَالَى حَتَّى نَعْرِف السّمع فَلَا يحصلان وَلَا وَاحِد مِنْهُمَا فبأيهما نعترف وَمن أَيهمَا نعتذر لعمر الله إِنَّهَا مَسْأَلَة مجمجمة الذَّوْق محمحمة الشوق تعتورها الْعُقُول وتتفاخر فِيهَا الفحول فأجب بفتق صميمها وقشر أديمها
الثَّانِي انما يَصح الِاسْتِدْلَال بِكَلَام الله تَعَالَى مهما كَانَ عدل حَكِيم لَا يفعل الْقَبِيح وَلَا يُريدهُ قلت هَكَذَا لفظ السَّائِل بِالرَّفْع وَصَوَابه بِالنّصب عدلا حكيما فَأَما تجويزكم الْقَبِيح عَلَيْهِ بِكُل الكائنات من وُجُوه الْفساد من كفر وظلم وسوأة فَمَا الثِّقَة بِكَلَامِهِ وَمن هَا هُنَا انسد عَلَيْكُم بالنبوات من حَيْثُ جوز شيخكم أَبُو الْحسن الْأَشْعَرِيّ على الله تَعَالَى اظهار المعجز على الْكَذَّابين وَمَا اعتذر بِهِ شيخكم ابْن الْخَطِيب الرَّازِيّ من أَن المعجز مَوْضُوع للتصديق وتجويزكم الْقَبِيح على الله تَعَالَى لَا يقْدَح فِي صدق الرَّسُول فَإِنَّمَا هُوَ خُلُود من بحور الْهوى ومراوغة عَن الْحق وتخبط فِي تيه الْبَاطِل وضجع شيخكم أبي حَامِد هَكَذَا قَالَ وَصَوَابه بِالرَّفْع أَبُو حَامِد الْغَزالِيّ على أَصْحَابنَا الْمُعْتَزلَة بِكَلَام لم نفهم مَعْنَاهُ من قَوْله الطَّبْع قَابل وَالْعقل باعث والمعجز مُمكن وَالرَّسُول مبلغ
وَلَقَد سَأَلنَا أعلم أهل زَمَاننَا عَنهُ فَقَالَ مَا فهمنا غَرَضه من هَذَا الْكَلَام مَعَ أَنه النَّاقِل لكَلَامه ومعترف بفضلة من حيازه لقصبات السَّبق فِي الْأُصُول الْفِقْهِيَّة والمجاري القياسية
الْوَجْه الثَّالِث هَب أَنا سلمنَا أَن الطَّرِيق إِلَى مَعْرفَته كَلَامه فَالْكَلَام
стр. 6
من أصل اللُّغَة مَا وضع لإِفَادَة معنى وَهَذَا لَا يَتَأَتَّى على مَذْهَب أَصْحَابك لِأَن الْكَلَام عِنْدهم مَا قَامَ بِذَات الْمُتَكَلّم وَكَانَت الْحُرُوف حكايات عَنهُ وَكَلَام الله تَعَالَى عنْدكُمْ لَيْسَ بِحرف وَلَا صَوت بل صفة وَاجِبَة لله تَعَالَى كالقادرية والعالمية وَأَن الَّذِي بَيْننَا لَيْسَ بِكَلَام الله على الْحَقِيقَة
فَانْظُر إِلَى جلافة شيخكم ابي الْحسن الْأَشْعَرِيّ وَكَيف استهواه الْجَهْل وأفرط بِهِ الْعَمى حَتَّى أنكر مَا هُوَ مَعْلُوم من دين الرَّسُول ﷺ ضَرُورَة وَحَيْثُ قَالَ الله ﵎ ﴿وَإِن أحد من الْمُشْركين استجارك فَأَجره حَتَّى يسمع كَلَام الله﴾ فوصف الله تَعَالَى أَن هَذِه الأحرف كَلَامه دون أَن يكون شَيْء آخر كَلَام لَهُ قلت هَكَذَا لفظ السَّائِل بِالرَّفْع وَصَوَابه كلَاما بِالنّصب ثمَّ قَالَ وَلم يُحَقّق مَا ذهب إِلَيْهِ من الْمَعْنى الْقَائِم بِالذَّاتِ فَبَاعَ الْيَقِين بِالشَّكِّ وَقد طوينا الكشح عَن كثير من الْمسَائِل الدِّينِيَّة خوف التَّطْوِيل حَتَّى يبين الأنصاف أَو القَوْل بِالْخِلَافِ فَالْوَاجِب على من قعد فِي دست الْعلمَاء وَلبس شعارهم المجاذبة لأهداب النّظر والمقارعة بأسلحة الأنظار كَمَا ذهب إِلَيْهِ السّلف من المشائخ الْمُعْتَزلَة ومشائخكم وَمن سَائِر الْفرق فأجب شافيا لَا زلت ورد مُسْتَوْرِد للأعلام قلت هَكَذَا لَفظه بِالرَّفْع وَصَوَابه وردا مستوردا بِالنّصب وَالصَّلَاة على سيد الْأَنَام مُحَمَّد وَآله الْكِرَام انْتهى السُّؤَال
قَالَ العَبْد الْفَقِير إِلَى لطف اللَّطِيف الْخَبِير عبد الله بن اِسْعَدْ اليافعي اليمني الشَّافِعِي نزيل حرم الله المشرف الْمُعظم وَحرم رَسُوله المحروس الْمُحْتَرَم
الْجَواب وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق إِن هَذَا السُّؤَال فِيهِ محاولة إِيهَام ظُهُور حجج الْمُعْتَزلَة علينا بإبداء
стр. 7
السَّائِل شَيْئا من شبههم وأراجيفهم الَّتِي لَا تهولنا ورميهم لنا بمنجنيق مَحْض عقل عرضة للخطأ بأحجار اعتراضات فِي جدالنا لَا تنَال شوامخ حصون فروعنا وَلَا تزعزع رواسخ قَوَاعِد أصولنا الَّتِي هِيَ فِي تأسيسها بَين الْمَعْقُول وَالْمَنْقُول من الْكتاب وَالسّنة وَالْإِجْمَاع جَامِعَة الثَّابِتَة بالأدلة البليغة والحجج الْمَانِعَة والبراهين القاطعة المسفرة عَن محَاسِن السّنة الْبَيْضَاء وَعَن مَذْهَب الْحق الْمُؤَيد بالتوفيق وَصِحَّة الدَّلِيل النَّازِل فِي أَعلَى معالي الشّرف الأسني وذرى مفاخر الْمجد الأثيل الَّذِي اشْتهر فَضله فِي المجامع والمشاهد وَفِيه قلت من بعض قصائد العقائد
(نحلنا مذهبا يجلي قَدِيما ... لَهُ غر العلى عالي الجناب)
(مشينا فِي ضِيَاء من شموس ... وأثمار وَمن رب الشهَاب)
(من الْمَعْقُول وَالْمَنْقُول صدقا ... من الْأَخْبَار مَعَ آي الْكتاب)
(رويناها بِإِسْنَاد صَحِيح ... لنا لَا بافتراء واكتذاب)
(سلكنا سنة بَيْضَاء مشاها ... سَواد مُعظم أهل الركاب)
(وَلم نركب بنيات الطَّرِيق الَّتِي ... فِيهَا أَتَى نهي ارْتِكَاب)
(وَلَا يمشي بهَا إِلَّا شذوذ ... تمطو متن أخطار صعاب)
(وَفِي الْأَخْبَار جَاءَ من شَذَّ عَن ذِي ... سَواد شَذَّ فِي نَار الْعَذَاب)
(مَعَ التَّمْثِيل فِي القصوى من الشا ... لَهَا قد خص فِي أَخذ الذئاب)
قلت وَمن هَذِه الأبيات الْأَخِيرَة أَشرت إِلَى مَا ورد عَلَيْكُم بِالسَّوَادِ الْأَعْظَم وَمَا ورد إيَّاكُمْ وبنيات الطَّرِيق وَمَا ورد من شَذَّ
стр. 8
شَذَّ فِي النَّار وَمَا ورد إِنَّمَا يَأْخُذ الذِّئْب القاصية من الْغنم
وَفِي مَذْهَب أهل السّنة ومدح أَعْلَامه الْأَئِمَّة قلت هَذِه القصيدة الْمُسَمَّاة بِعقد اللآلي الْمفصل بالياقوت الغالي فِي مدح عقيدة أهل الْحق ومذهبهم العالي والتغزل بِالْإِمَامِ أبي حَامِد الْغَزالِيّ وَغَيره من أَئِمَّتنَا أولي المناقب والمعالي
(لنا مَذْهَب شمس الْهدى ناهج جلي ... وَمذهب غير عَن صدا الزيغ مَا جلي)
(عقيدتنا عقد من الدّرّ والعلي ... على جيدها فِي ثغرها السلسل الْحلِيّ)
(تحلت حلى آي الْكتاب فأسفرت ... عَن السّنة الحسنا وبرهانها الْجَلِيّ)
(وَقَالَت بِإِجْمَاع جَمِيع محَاسِن ... ففاقت سواهَا بالجمال المكمل)
(لناظرها منا بزاهي جمَالهَا ... سبتهم وعنها ذُو اعتزال بمعزل)
(أَبَت أَن ترى تِلْكَ الحلى غير كاشف ... لأستار أسرار الْمَعَالِي فتجتلي)
(خَبِير بمكنون المحاسن مهتد ... لمَفْهُوم مَنْطُوق وتفصيل مُجمل)
(بِظَاهِر نَص وَافق الْعقل قَائِل ... وَمَا لم يُوَافق من محَال مؤول)
(نأي عَن حضيض الحشو نهج مشبه ... وغالي اعتزال للصفات معطل)
(بنهج وسيط بَين تَفْرِيط حَامِد ... وإفراط غال جَاوز الْحق مُبْطل)
(شموس الْهدى سَارَتْ بِهِ وبدوره ... أولو الرَّايَة الْبَيْضَاء والمنصب الْعلي)
(أيمتنا مَا بَين قطب مُحَقّق ... مشَاهد أسرار إِمَام الْهدى ولي)
(وَحبر إِمَام فِي الْعُلُوم مدقق ... مُفِيد الورى فِي كل فن مُحَصل)
(وتصنيفنا مَا بَين وضع قَوَاعِد ... إِذا بجبال صودمت لم تزلزل)
(وَرفع فروع فِي حصون شوامخ ... فَمَا رميها عَن منجنيق بموصل)
(لنا كم وجيز فِي بَيَان قَوَاعِد ... وَجمع معَان واختصار مطول)
(وَكم من بسيط فِي جلاء نفائس ... وإيضاح إيجاز وَحل لمشكل)
(وَكم ذِي اقتصاد مُودع رب قَاطع ... لإفحام خصم مثل مَاض بِهِ اعتلي)
(بكف همام ذب عَن مَنْهَج الْهدى ... بِحَرب نضال لَا يرى غير أول)
(كَمثل الْفَتى الحبر المباهي بفضله ... فغني بغزالي الْعلَا وتغزل)
стр. 9
(أَبى حَامِد غزال غزل مدقق ... من الْعلم لم يغزل كَذَاك بمغزل)
(بِهِ الْمُصْطَفى باهى لعيسى بن مَرْيَم ... جليل العطايا والكليم الْمفضل)
(أعندكم حبر كَهَذا فَقيل لَا ... وناهيك فِي هَذَا الفخار المؤثل)
(رَآهُ الْوَلِيّ الشاذلي فِي مَنَامه ... وَيَرْوِيه عَنهُ من طَرِيق مسلسل)
(رَوَاهُ ولي عَن ولي لنا وَعَن ولي ... رَوَاهُ ذَاك عَن رَابِع ولي)
(وَعَن شاذلي شاذلي وَهَكَذَا ... وَشَيخ فَشَيْخ مُسْندًا غير مُرْسل)
(كَذَاك روينَا عَنهُ جلد بن حرزهم ... على الطعْن فِي الْإِحْيَاء من خير مُرْسل)
(عَلَيْهِ صَلَاة الله قَالَ وَلم يزل ... إِلَى الْمَوْت أثر السَّوْط فِي ظَهره جلي)
(وأرويه أَيْضا مَعَ زيادات نَصه ... بتحقيق نقل عَن خَبِير رَوَاهُ لي)
(فَتى جده الحبر الإِمَام ابْن حرزهم ... أَبُو الْحسن المجلود فِي يَوْمه عَليّ)
(بَقِي موجعا خمْسا وَعشْرين لَيْلَة ... لخير يرَاهُ بعد من أَجله ابْتُلِيَ)
(رأى الْمُصْطَفى من بعْدهَا جا متوبا ... وموليه مسحا شافيا مَا بِهِ بلي)
(فشاهد فِي الْأَحْيَاء حسنا رَسُولنَا ... بِهِ شَاهد مَعَ مَا بِهِ لم أطول)
(وزفته أَمْلَاك السما بعد مَوته ... لَهُ أخرجُوا من تَحت ترب وجندل)
(فألبس خلعات غوال أَتَوا بهَا ... من الْخضر لم تنسج وتغزل بمغزل)
(واركب مركوبا من اللَّوْن كَائِنا ... حكى الْبَرْق إسراعا من الجو منزل)
(وراق الطباق السَّبع فِي الْحَال خارقا ... وَسبعين من حجب إِلَى عَال منزل)
(بذا شهد الصياد شيخ زَمَانه ... كَمَا أشهد الْمَذْكُور فِي كشفه الْجَلِيّ)
(وَقد شهد المرسي استاذ عصره ... لَهُ مَعَ شُيُوخ الْوَقْت بالمنزل الْعلي)
(وَمِمَّنْ رأى ذَاك الْمقَام إمامنا ... وَسَيِّدنَا نور الْهدى شَيخنَا عَليّ)
(كَذَا الشاذلي شيخ المشائخ قد حكى ... قضا حَاجَة الدَّاعِي بِهِ المتوسل)
(وَسمي لأَصْحَاب التصانيف سيدا ... وَذَا قَول إِسْمَاعِيل شمس الْهدى الْوَلِيّ)
(مقرّ الندى المشكور شيخ شُيُوخنَا ... إِمَام الْفَرِيقَيْنِ الحبيب المدلل)
(هُوَ الْحَضْرَمِيّ الْمَشْهُور من وقفت لَهُ ... بقول قفي شمس لأبلغ منزلي)
(وَكم عَالم قد قَالَ جَاءَ لديننا ... بِخمْس مئين كي يجدد مَا بلي)
(وتجديد دين فِي الحَدِيث بمحدث ... براس مئين فِي الأيمة مُجمل)
стр. 10
(فَفِي الْمِائَة الأولى رَوَاهُ خَليفَة ... فيا مَا لَهَا من بعده مثله ولي)
(وَذَاكَ ابْن عبد للعزيز الَّذِي سما ... بسيرته الْحَسْنَاء ذُو الْمنزل الْعلي)
(وَخير وجود بَحر جود رَأْي الملا ... إِمَام الْأَنَام الشَّافِعِي لَهُ يَلِي)
(لَهُ منصب فِي الْعلم والفهم وَالْهدى ... شهير وَفِي الْآفَاق مذْهبه جلي)
(فريد زمَان فِي المناقب سَابق ... بِوَضْع أصُول والْحَدِيث مُعَلل)
(وَمن بعده للدّين شيخ أُصُوله ... وكاسي شعار الْحق كم من مضلل)
(أَبُو الْحسن الْمَشْهُور بالأشعري الَّذِي ... لَهُ حجَّة كالطود غير مزلزل)
(وَمن بعد فِي التَّجْدِيد أكْرم برابع ... إِمَام الْهدى الحبر النجيب الْمفضل)
(هُوَ الباقلاني بَحر علم أصولنا ... تلاطم أمواجا بهَا الْكَوْن قد ملي)
(حوى للمعالي والمحاسن قد زها ... ببستان فضل مزهر الْكَوْن مبقل)
(وخامسهم حبر مضى ذكر فَضله ... سراج بِهِ داجي الضلالات منجلي)
(إِمَام الْهدى المنبي عَن الْفضل منشدا ... سبوقا على الْمهْر الْأَغَر المحجل)
(غزلت لَهُم غزلا دَقِيقًا فَلم أجد ... لغزلي نساجا فَكسرت مغزلي)
(مُشِيرا إِلَى علم بِهِ متميز ... عَن إِدْرَاكه فهم الألبا بمعزل)
(تصانيفه فاقت بنفع وَكَثْرَة ... وحلة حسن لم بهَا الْغَيْر يرفل)
(وَكم حجَّة الْإِسْلَام حَاز فَضِيلَة ... وَكم حلية حسنا بِهِ فَضلهَا حلي)
(بهَا جَاهِل مَعَ حَاسِد طَاعن فَذا ... تعامى وعنها ذَاك أعمى قد ابْتُلِيَ)
(وَمَا ضرّ سلمى ذمّ عالي جمَالهَا ... ومنظرها الباهي ومنطقها الْحلِيّ)
(لَكِن ذمها جاراتها ونظائر ... وعبن جمالا فِي حلاها وَفِي الْحلِيّ)
(فَمَا سلمت حسناء من ذمّ حَاسِد ... وَصَاحب حق من عَدَاوَة مُبْطل)
(إِذا فِي الْفَتى زَاد الندى زَادَت العدى ... وقيت الردا قل فِي الْهدى وتمثل)
(دَلِيل الْعلَا كثر البلا هَكَذَا الملا ... وَلَوْلَا احتراق التبر بالنَّار مَا غلي)
(جلا لي مديح فِي مليح أيمة ... وَلَيْسَ كغزالي حلا لي تغزلي)
(فمدحي كعقد من لآلي أيمة ... بياقوت غزالي الْمَعَالِي مفصل)
(وَكم من إِمَام غير من قد مضى لنا ... من الْفضل والعلياء بالمنزل الْعلي)
(كحبر شهير بارع ماجد أبي الْمَعَالِي ... النجيب ابْن النجيب المبجل)
стр. 11
(فَتى فَحل نظار وكبت مناظر ... ومفتاح مغلاق ومرهم معضل)
(وَخير إِمَام إسفرائيني جلا ... عرائس فضل سافرات لمجتلي)
(وَذي الْفضل واليمن الإِمَام ابْن فورك ... بحلة حسن الْعلم وَالدّين مجتلي)
(وَحبر أخير فِي الْمَعَالِي مقدم ... إِمَام الْهدى الرَّازِيّ بفخر مُجمل)
(وَحبر ببيضا قد جلى بيض فَضله ... فضاء الدجا من وَجههَا المتهلل)
(وَعز لعز الدّين دين الْهدى كَمَا ... عقيدته الحسنا حلى فاخر الْحلِيّ)
(كَذَلِك محيي الدّين أَحْيَاهُ إِذْ سقت ... تصانيفه الْحسنى الورى عذب منهل)
(إِمَامًا عُلُوم لَكِن الْفِقْه غَالب ... جليلان حلا من قُلُوب بمنزل)
(على عشرَة رمت اقتصارا وَكم لنا ... مجيد مقَال لِلْأُصُولِ مفصل)
(كَمثل الإِمَام الْبَيْهَقِيّ مَنْهَج الْهدى ... فَتى الْفضل وَالتَّحْقِيق حبر مفضل)
(وَحبر الْهدى بَحر المعالم والندى ... الْفَتى الْفَاضِل الْخطابِيّ المتفضل)
(وكائن دَقِيق الْعِيد حبر وراتق ... لمفتتق فتاق رتق بمشكل)
(وكل إِمَام ذِي مقَال مُحَقّق ... ومعتقد فِي أصل علم مُعَلل)
(كأشياخنا السادات من كل عَارِف ... من الراح فِي روض الْوِصَال مُعَلل)
(مسقى بكاسات الْهوى من مدامه ... بهَا رب نشوان معل ومنهل)
(إِذا ذاقها صب أرته جمال من ... يحب وأروته بأعذب منهل)
(وَإِن شم تِلْكَ الراح خَال عَن الْهوى ... يرى الدَّهْر مَشْغُولًا بِهِ ذَلِك الخلي)
(وَإِن سقيت نهلا وَعلا مقربا ... يوليه ملكا كم ولي لَهُ ولي)
(كَمثل شُيُوخ عازفين ثَلَاثَة ... شموس الْهدى أَرْبَاب ملك مخول)
(مربين مَا مِنْهُم يرى غير مرشد ... إِلَى الله بِاللَّه الْمُوفق موصل)
(عقائدهم مَشْهُورَة شاع ذكرهَا ... وَعَن فَضلهَا دَاري فضائلها سل)
(وَكن مثلهم فِي حب مَوْلَاك مشغفا ... فَمَا مِنْهُم عَن حب مَوْلَاهُم سَلِي)
(أبي الْقسم الْمولى الْقشيرِي حَبْرهمْ ... إِمَام هدى لم فَضله قطّ يجهل)
(وَشَيخ الْوُجُود السهروردي من جلا ... معارفه الْحسنى بزهو لمجتلي)
(وَشَيخ الْهدى بَحر الكرامات والندى ... الْفَتى الْقرشِي الْمولى الْوَجِيه المجلل)
(أُولَئِكَ أَشْيَاخ لنا وأيمة ... نباهي بهم فِي كل نَاد ومحفل)
стр. 12
(فيا ذَا اعتزال هَل شيوخك مثلهم ... تفاخرنا بل أَنْت عَن مثلهم خلي)
(فَمَا حجَّة الْإِسْلَام مَعَ شَيْخه أبي ... الْمَعَالِي واستاذ الْهدى طب معضل)
(ككعبي ضلالات ونظام بِدعَة ... وجبائي الزيغ الضليل المضلل)
(ثلاثتكم إِن بارزوا كثلاثة ... دعوا لبراز يَوْم بدر معجل)
(فَمَا لَبِثُوا إِذْ ذَاك إِلَّا هنيهة ... وحان حُلُول الْمُسْتَحق الْمُؤَجل)
(بأيدي ضراغيم ضوارم ثَلَاثَة ... قد انصرفت عَن رب قرب مجدل)
(ضراغيمنا فِي كل أَرض شهيرة ... بغاباتها من حولهَا نشو أشبل)
(وأقمارنا فِي كل أفق منيرة ... بهَا يهتدى فِي كل سهل وأجبل)
(زهت فِي سما عليا مناهج وَافَقت ... عقائدها حَقًا بهَا لم أطول)
(سوى عشرَة من شافعيات مَنْهَج ... وبضع منيرات زواهر كمل)
(وبدري هدى فِي المالكيات رَابِع ... بتجديد دين والقريشي الْمفضل)
(وبدرين مِنْهَا شَاهِدين لبدرنا ... بمجد وَسعد جَامع الْيمن مقبل)
(بدور كلا النهجين زاه بهاؤها ... بأنوارها ظلما الضلالات تنجلي)
(وَفِي حنفيات لطيف سَحَابَة ... أَتَاهَا من التكوين غير مبدل)
(وَفِي حشويات كسوفان أظلما ... وَعَن نهجها حاشي الإِمَام ابْن حَنْبَل)
(هما جِهَة مَا بَين شمس وَبَينهَا ... تحول وحرف فِي الْكَلَام الْمنزل)
(ورامد أصوات وبحة قَارِئ ... وحرفا كَلَام الله وَالْعرش يحلل)
(ونهج اعتزال مَعَ سواهُم كَلَامه ... تبَارك مَخْلُوق بجسم مقول)
(أَرَادوا بِصَوْت مَعَ حُرُوف منطقا ... لَهَا بافتراء مِنْهُم وَتقول)
(فَقَالُوا كَلَام الْجِسْم ذَاك مُصَرحًا ... وَلَا ينسبوه قطّ للْوَاحِد الْعلي)
(وَلَيْسَ لكم عَن ذَا محيص وَلَا لكم ... خلاص بِمَا جئْتُمْ بِهِ من تخيل)
(فقلتم كَلَام فِي جماد فجئتم ... بتخييل فرق موهم ذَا تخيل)
(وَمَا روم تَدْلِيس علينا بجائز ... فَمَا بَينه والحي فرق مفصل)
(فَمَا خلق إِدْرَاك وقدرة منطق ... لَهُ بمحال لَا وَلَا ذَا بمشكل)
(فَمَا الأَصْل فِي الْأَشْيَاء إِلَّا خُفْيَة ... فان لَا دَلِيل لَيْسَ غير مُبْطل)
(تسبح كل الكائنات بِحَمْدِهِ ... وَدَعوى مجَاز فِيهِ قَول لمبطل)
стр. 13
(فَهَلا كَلَام من ذِرَاع مسمم ... جعلتم كَلَام الله حَتَّى لَهُ تلِي)
(بِمذهب كل من اولي الرّبع ضحكه ... مصبحة الباكي الحزين المثكل)
(فَفِي الباطني كل الدَّوَابّ مُكَلّف ... لَهَا أَنَبِيًّا يُوحى إِلَى كل مُرْسل)
(وَمن عجب ثَوْر نَبِي بِقُرْبِهِ ... وتيس خصوه مَعَ حمَار محمل)
(وَلَا بعث والتكليف نَار وجنة ... لنَفس زكتْ عودا إِلَى الْفلك الْعلي)
(وَفِي الرافضي جِبْرِيل أخطا بوحيه ... إِلَى أَحْمد لم يُرْسل إِلَّا إِلَى عَليّ)
(فيا عجبا من مارق فِي ثَلَاثَة ... وَعشْرين عَاما للإله مجهل)
(وَكم ملحد فِي الْعَالمين مجسم ... وَكم مارق زنديق دين معطل)
(إِذا للصَّغِير وَالْكَبِير الْمُعَطل ... لقِيت لقِيت التيس يمشي مَعَ الطلي)
(وللكل كم سخرية وفضيحة ... وأعجوبة تحكي بهَا لم أطول)
(وَيَا طَالبا حفظ اعْتِقَاد مُحَقّق ... خلا عَن عيار صافيا عذب منهل)
(تلق عقيد الْحق فِي خَمْسَة عشر ... من النّظم تجْرِي حَافِظًا عَن مطول)
(تَعَالَى إِلَه عَن شريك ووالد ... وَولد وزوجات وَوصف ممثل)
(سميع بَصِير عَالم مُتَكَلم ... مُرِيد وَحي مصدر كلهَا يَلِي)
(بقدرته الْعُظْمَى وإتقان حِكْمَة ... يرى الْكَوْن فِي كن كَانَ بالقهر معتلي)
(علا بِجَمَال فِيهِ مجد جلال ... بعز كَمَال الْكِبْرِيَاء مكلل)
(صِفَات على جلت وَجل جلالها ... عقول الورى معقولة عَن تعقل)
(وكفهم عَن كَيفَ مَعَ أَيْن نافيا ... حروفا وخلقا للْكَلَام الْمنزل)
(وَلَا وَاجِب حاشا عَلَيْهِ وحاكم ... هُوَ الشَّرْع دون الْعقل ع القَوْل واعقل)
(وَفِي قدر مَعَ رُؤْيَة مَعَ شَفَاعَة ... وحوض وتعذيب بِقَبْر ومبتلي)
(وَبعث وميزان ونار وجنة ... وَقد خلقا ثمَّ الصِّرَاط وللولي)
(عَظِيم كرامات فَكل شَرِيعَة ... محا خير شرع جا بِهِ خير مُرْسل)
(فَآمن وَسلم للصحابة واعتقد ... جَمِيعًا وبجلهم وكالقوم فاعمل)
(وَأَقْبل على السادات وَأَقْبل مقالهم ... وَبَين أيادي الْقَوْم للْأَرْض قبل)
(وَقدم أَبَا بكر كَمَا للعلى علا ... وبالليث ربع ذِي الْمقَام الْعلي عَليّ)
(كَمَا قدموهم هم نُجُوم الْهدى فَعَن ... هدَاهُم فَلَا تعدل بذلك تعدل)
стр. 14
(وتخليد نَار خصّه كَافِرًا وَلَا ... بِكفْر لأهل الْقبْلَة افهمه وَاقْبَلْ)
(تباهت وفيهَا قد بدا لي توقف ... تَأَخّر كتبي بعد حزمي بِأول)
(مجانبة التَّفْضِيل فِي الآخرين أَو ... لثان أرى فِي الْفضل رابعهم يَلِي)
(وَفِي ذَا اخْتِلَاف عَن ظنون تَعَارَضَت ... وَدون جمال الْعلم إرخاء مُسبل)
(وَقد قَالَ منا قَائِلُونَ بِكُل مَا ... توقفت عَن حرم الأيمة مَا خلي)
(وَقد وقف الْفَارُوق فِي فضل سِتَّة ... وَذَاكَ الَّذِي الْقُرْآن فِي وَفقه تلِي)
(وَمَعَ ذَا فترتيب الملا فِي خِلَافه ... لذاك وُجُوه غَيرهَا فِي الْمفصل)
(وقلبي بِحَمْد الله فِي حب كلهم ... وَعلم بِمَا جا فِي على الْكل ممتلي)
(وَمن بعد ذَا أوصيك بِالْخَيرِ والتقى ... وَترك التواني والورى دع وَاقْبَلْ)
(وَلَا تَكُ مثلي عَاجِزا مُتَخَلِّفًا ... عَن الْخَيْر وَالدّين النَّصِيحَة فاقبل)
(وَقد صَحَّ أَن الْمَرْء مَعَ من أحبه ... فاحبب لأَصْحَاب الْهدى والتبتل)
(ولازم وداوم قرع بَاب مؤملا ... فَمَا خيب الْمولى رَجَاء مُؤَمل)
(ولليافعي بِاللَّه فَادع برحمة ... ونيل المنى فِي عَاجل ومؤجل)
(فَمَا هِيَ ثنت لَا عَن كلال عنانها ... وَمَعَ مائَة سَبْعُونَ زاهرة الْحلِيّ)
(بهَا وَاحِد ياقوتة مستعارة ... مضمنة فِي عقد در مفصل)
(وَكم عِنْد هَذَا تستعر من أجانب ... فَمَا ران من حلي الْأَجَانِب يحتلي)
(تحلت بِعقد من لآلي عقيدة ... يضيء الْهدى فِي وَجههَا المتهلل)
(إِذا ابتسمت فِي اللَّيْل عَن درسنة ... رَأَيْت دياجي الابتداعات تنجلي)
(وتمت بِحَمْد الله أزكى صلَاته ... على الْمُصْطَفى فاحت بمسك ومندل)
قلت وَقد رَأَيْت أَن أنبه على شَيْء فِي هَذِه القصيدة وَهُوَ قولي فِي تَفْسِير أحد كسوفي الْمَذْهَب الْمَذْكُور هما جِهَة مَا بَين شمس وَبَينهَا تحول أَعنِي حَالَتْ الْجِهَة العلوية بَين الْقَائِلين بهَا من الأقمار الأرضية وَبَين شمس الحضرة القدسية فخسفت كَمَا فِي حيلولة الأَرْض بَين الشَّمْس وَالْقَمَر المذهبة لنُور طلعته البهية على قَول من قَالَ أَن الأفلاك كروية على وَجه الِاسْتِعَارَة على تَقْدِير صِحَة قَول الفلكية
مَعَ أَنِّي قد استدللت على بطلَان قَوْلهم هَذَا بِعشْرَة أَدِلَّة عقلية ونقلية
стр. 15
فِي كتاب سراج التَّوْحِيد وَاضِحَة جلية وتكفي فِي الدّلَالَة على ذَلِك قَوْله تَعَالَى ﴿إِذا بلغ مغرب الشَّمْس وجدهَا تغرب فِي عين حمئة﴾ وَذَلِكَ من أقوى الْأَدِلَّة القطعية إِذْ أخبر ببلوغ ذِي القرنين مغْرِبهَا ووجوده لَهَا تغرب فِي تِلْكَ الْعين وجدانا لَا فِي رَأْي الْعين مَعَ تَأْكِيد ذَلِك بِوَصْف الْعين الْمَذْكُورَة إِذْ هِيَ مَوْصُوفَة فِي الْكتاب الممجد بالحمأة الَّتِي هِيَ الطين الْأسود فَمن قَالَ أَنَّهَا لَا تزَال تَدور وَلَيْسَ لَهَا مغرب فَهُوَ بِظَاهِر كَلَام الله مكذب
وَكَذَلِكَ قولي وزفته أَمْلَاك السَّمَاء بعد مَوته إِلَى آخر الأبيات الْخَمْسَة أَشرت بذلك إِلَى مَا اشْتهر وَثَبت بِالْإِسْنَادِ فِي سيرة الشَّيْخ الْكَبِير الْعَارِف بِاللَّه أبي الْعَبَّاس الصياد قدس الله روحه
стр. 16
منزلَة الْغَزالِيّ ﵁
ومختصر ذَلِك أَنه قَالَ ﵁ بَينا أَنا ذَات يَوْم قَاعد وَأَنا انْظُر إِلَى أَبْوَاب السَّمَاء وَهِي مفتحة إِذْ نزلت عصبَة من الْمَلَائِكَة وَمَعَهُمْ خلع خضر ودابة من الدَّوَابّ فوقفوا على رَأس قبر من الْقُبُور وأخرجوا شخصا من قَبره وألبسوه الْخلْع وأركبوه على الدَّابَّة فَصَعِدُوا بِهِ إِلَى السَّمَاء ثمَّ ذكر أَنهم لم يزَالُوا يصعدون بِهِ من سَمَاء إِلَى سَمَاء حَتَّى جَاوز السَّمَاوَات السَّبع وخرق بعْدهَا سبعين حِجَابا فَأحب أَن يعرف من هُوَ ذَلِك الشَّخْص فَقيل لَهُ هَذَا الْغَزالِيّ ﵁ قَالَ وَلَا علم لي أَيْن بلغ انتهاؤه
قلت وَأما مَا أَشرت إِلَيْهِ من مباهاة النَّبِي ﷺ للْمُنكر عَلَيْهِ فَسَيَأْتِي ذكره إِن شَاءَ الله تَعَالَى
قلت وَفِي استحسانه ﷺ لإحياء عُلُوم الدّين دَلِيل وَاضح على كَون مَا تضمنه من أَن عقيدة الأشعرية حق وَكَذَا مَا اشْتَمَل عَلَيْهِ من طَرِيق الصُّوفِيَّة وعلومهم وأحوالهم وكراماتهم وَالله أعلم
قلت أَيْضا فِي مَذْهَبنَا هَذِه الأبيات
(لنا حصن عز من علا مجد مَذْهَب ... بِأَعْلَى سما مجد المفاخر شامخ)
(قَوَاعِده الغرا كتاب وَسنة ... وعقل وَإِجْمَاع أصُول رواسخ)
стр. 17
(إِذا مَا رمى من منجنيق اعتزالهم ... بجلمود عقل للتجادل دائخ)
(فَلَا لَاحق فَزعًا وَلَا بمزعزع ... لأصل وَلَا بَعْضًا عَن الْبَعْض فاسخ)
(حكم شرع دون عقل خلاف من ... بعقل عَن الشَّرْع الْأَحَادِيث سالخ)
(وَقد جَاءَ لَا تَعْذِيب من قبل بَعثه ... بشرع لمجموع الشَّرَائِع نَاسخ)
(وَلَا نَاسخ يلغي لمحكم حِكْمَة ... إِلَى حِين إسْرَافيل فِي الصُّور نافخ)
اقتراح السَّائِل بِالْجَوَابِ والإعراض عَنهُ
قلت فَلَمَّا أرسل السَّائِل بالسؤال الْمَذْكُور إِلَيّ واقترح جَوَابه عَليّ لم ينشرح صَدْرِي للجواب فِي الْحَال بل مَال إِلَى الْإِعْرَاض عَنهُ والإهمال لكَون الْهوى على الْقُلُوب قد استحكم وَاتِّبَاع الْبَاطِل قد أعمى وأصم فَلَا يكون الْمُبْطل يتبعهُ بل يَدْفَعهُ بالجدال والمراء
ثمَّ انْشَرَحَ صَدْرِي بعد مُدَّة لهَذَا الْجَواب وَرَأَيْت أَنِّي إِن سلكت فِيهِ مَسْلَك الْبسط والإطناب احتجت فِي ذَلِك إِلَى تصنيف كتب لَا كتاب أبين فِيهَا قواعدنا وَمَا أشكل من كَلَام الْأَصْحَاب واستوعب مسَائِل الْأُصُول وأدلتها فِي الْمَعْقُول وَالْمَنْقُول فِي سَائِر الْأَبْوَاب
مَعَ كوني قد التزمت فِيمَا مضى ترك التصنيف وسد هَذَا الْبَاب فاقتصرت على شَيْء من الْبسط فِي الْكَلَام بِعِبَارَة وَاضِحَة غير نائية عَن الأفهام
وَلَوْلَا وجود بعض الْأَعْذَار لبلغت جهدي فِي رد إِيرَاد وابطال اعْتِرَاض وَبَيَان قَوَاعِد وكشف الْخمار عَن جمال عقيدة أهل السّنة الَّتِي هِيَ أجمل العقائد ومحاسن مَعَاني مَا أشكل على السَّائِل وأمامه من أَلْفَاظ حجَّة الْإِسْلَام أبي حَامِد وَسَائِر كَلَامه الْمُشْتَمل على بداعة الْمعَانِي وملاحة التَّرْتِيب وعجائب الْأَمْثِلَة وغرائب الْفَوَائِد الَّتِي من كشفت لَهُ الْعِنَايَة عَن جمَالهَا فَنظر بِعَين التَّوْفِيق لمحاسنها السّنيَّة سلبت عقله وهام فِي هَواهَا وَصَارَ من عصابتها السّنيَّة
وَفِي هَذَا الْمَعْنى الْمَذْكُور أنْشد وَأَقُول
стр. 18
مدح عقيدة أهل السّنة
(لنا سنة حسنا سنى جمَالهَا ... على غير سنى مصون مخدر)
(فَإِن كشفت ريح الْعِنَايَة خدرها ... فأبصرها من لم لَهَا قطّ يبصر)
(سبت عقله الزاكي بزاهي جمَالهَا ... فهام بهَا من كَانَ عَنْهَا ينفر)
(وجا منهجا من نورها ناهجا بِهِ ... عصابتها تعلو وتزهو وتفخر)
(أَبُو حَامِد مِنْهُم وَكم من ملاحة ... لَهَا حجَّة الْإِسْلَام عَنْهَا تخبر)
(إِمَام الْهدى بَحر الْعُلُوم وَكَاشف ... لأستار أسرار الْعُلُوم الْمنور)
(فكم من ستور كاشفا عَن محَاسِن ... فلاح در أَلْفَاظ على تِلْكَ ينثر)
(فأضحت مليحات الْمعَانِي ضواحكا ... كَمَا بمليح عَن مليح تعبر)
(وَمن كامن قد باهى سيد الورى ... لمُوسَى وَعِيسَى فَهُوَ نعم الْمعبر)
(وَنعم طَرِيق سَارهَا عَن بَصِيرَة ... وَنور وتوفيق بهَا هُوَ أخبر)
(أعندكم حبر كَهَذا فَقيل لَا ... وناهيك ذَا مجد على الدَّهْر مفخر)
(عَن الْمُصْطَفى صلى عَلَيْهِ الهنا ... بذا الشاذلي بَحر الْحَقَائِق مخبر)
(مناما رَآهُ عَنهُ يرويهِ عَالِيا ... لنا كَابر عَن كَابر هُوَ أكبر)
(يحِق لنا أَن قد سلكنا طَريقَة ... بهَا سَار يرضاها النذير المبشر)
(لَهَا الْمُصْطَفى مستحسن ومعاقب ... لمنكرها جلدا مدى الدَّهْر نشكر)
(بذا صَحَّ إسنادي عَن ابْن حرازم ... فَقِيه بِلَاد الْعَرَب إِذْ كَانَ يذكر)
مدح كتاب إحْيَاء عُلُوم الدّين
قلت قد أوضحت مَا أَشرت إِلَيْهِ فِي هذَيْن الْبَيْتَيْنِ الْأَخيرينِ فِي كتاب كِفَايَة المعتقد ونكاية المنتقد فِي فصل سلوك الطَّرِيقَة وَالْجمع بَين الشَّرِيعَة والحقيقة ومختصر ذَلِك أَن الشَّيْخ الإِمَام أَبَا الْحسن بن حرزهم بِكَسْر الْحَاء الْمُهْملَة وَسُكُون الرَّاء وَبعدهَا زَاي الْمَشْهُور بِابْن حرازم ﵁ رأى لَيْلَة جُمُعَة فِي الْمَنَام كَأَنَّهُ دَاخل من بَاب الْجَامِع الَّذِي عَادَته يدْخل مِنْهُ
стр. 19
وَإِذا بِالنَّبِيِّ ﷺ وَأبي بكر وَعمر ﵄ جُلُوس فِي مَكَان من الْجَامِع والنور على ذَلِك الْمَكَان سَاطِع وَكَانَ قد بَالغ فِي الْإِنْكَار على كتاب الْإِحْيَاء وَأمر بِجمع نسخه وعزم على إحراقها يَوْم الْجُمُعَة الْمَذْكُور لكَونه بِزَعْمِهِ خلاف السّنة وَإِذا بِالْإِمَامِ أبي حَامِد الْغَزالِيّ ﵁ قَائِم تجاه النَّبِي ﷺ فَقَالَ يَا رَسُول الله هَذَا خصمي فَإِن كَانَ الْأَمر كَمَا زعم تبت إِلَى الله تَعَالَى وَإِن كَانَ شَيْئا تستحسنه يَا رَسُول الله حصل لي من بركتك فَخذ لي حَقي من خصمي ثمَّ جثا على رُكْبَتَيْهِ وَصَارَ يزحف عَلَيْهِمَا إِلَى أَن وصل إِلَى النَّبِي ﷺ فَنَاوَلَهُ كتاب الْإِحْيَاء وَقَالَ انْظُر فِيهِ يَا رَسُول الله فَنظر فِيهِ ﷺ ورقة ورقة إِلَى آخِره ثمَّ قَالَ (وَالله إِن هَذَا شَيْء حسن) ثمَّ نَاوَلَهُ أَبَا بكر فَنظر فِيهِ كَذَلِك ثمَّ قَالَ نعم وَالَّذِي بَعثك بِالْحَقِّ يَا رَسُول الله أَنه لحسن ثمَّ نَاوَلَهُ عمر فَنظر فِيهِ كَذَلِك ثمَّ قَالَ كَمَا قَالَ أَبُو بكر
فَأمر ﷺ بتجريد الْمُنكر الْمَذْكُور وضربه حد المفتري فَجرد وَضرب ثمَّ شفع فِيهِ أَبُو بكر ﵁ بعد خَمْسَة أسواط وَقَالَ يَا رَسُول الله إِنَّمَا فعل هَذَا اجْتِهَادًا فِي سنتك وتعظيما لَهَا فغفر لَهُ أَبُو حَامِد عِنْد ذَلِك
فَلَمَّا اسْتَيْقَظَ من مَنَامه وَأصْبح أعلم أَصْحَابه بِمَا جرى لَهُ وَمكث خَمْسَة وَعشْرين يَوْمًا وجعا من ذَلِك الضَّرْب ثمَّ رأى النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم
стр. 20
مسح يَده الْكَرِيمَة الْمُبَارَكَة عَلَيْهِ فشفي قلبه وقالبه ثمَّ نظر فِي الْأَحْيَاء ففهمه فهما خلاف الْفَهم الأول ثمَّ فتح عَلَيْهِ ونال من الْمعرفَة بِاللَّه وَالْعلم الْبَاطِن وَالْفضل الْعَظِيم مَا نَالَ برحمة الله الْكَرِيم
قلت فَهَذَا مُخْتَصر مَا روينَاهُ بِالْأَسَانِيدِ الصَّحِيحَة عَن الشَّيْخ الْكَبِير الْعَارِف بِاللَّه الشهير أبي الْحسن الشاذلي ﵁ وَعَن بعض ذُرِّيَّة الشَّيْخ الْكَبِير الْعَارِف بِاللَّه ابْن حرزهم الْمَذْكُور ﵁ هُوَ عِنْدهم مَعْلُوم ومستفيض مَشْهُور وَفِي سيرة جده مَذْكُور مُحَقّق مسطور
أَخْبرنِي بِهَذَا الْمَذْكُور الرَّاوِي الْمَذْكُور من ذُرِّيَّة الشَّيْخ الْمَذْكُور محرما خَاشِعًا جاثيا على رُكْبَتَيْهِ فِي الْحرم الشريف زَاده الله شرفا
قَالَ الشَّيْخ الإِمَام أَبُو الْحسن الشاذلي وَلَقَد مَاتَ يَوْم مَاتَ وَأثر السِّيَاط ظَاهر على جِسْمه
أَخْبرنِي بذلك الشَّيْخ الْجَلِيل الْعَارِف بِاللَّه الفضيل الإِمَام شهَاب الدّين بن المتلق الشاذلي عَن الشَّيْخ الْكَبِير الْعَارِف بِاللَّه يلقوت الشاذلي عَن شَيْخه الشَّيْخ الْكَبِير الْعَارِف بِاللَّه قدوة الْمَسَاكِين
стр. 21
بَحر المعارف ومعدن النُّور الْقُدسِي أبي الْعَبَّاس المرسي عَن شَيْخه أبي الْحسن الشاذلي الْمَذْكُور مَعْدن الْعُلُوم والأسرار والنور شيخ شُيُوخ العارفين ﵃ أَجْمَعِينَ وَإِلَى هَؤُلَاءِ الشُّيُوخ الْأَرْبَعَة أَشرت بِقَوْلِي فِيمَا تقدم
(رَوَاهُ ولي عَن ولي لنا وَعَن ... ولي رَوَاهُ ذَاك عَن رَابِع ولي)
الْجَواب
وَهَا أَنا أشرع فِيمَا ذكرت من الْجَواب وَالله الْمُوفق للصَّوَاب
فَأَما قَول السَّائِل أَولا فِي نفي الثَّانِي عَن الله تَعَالَى فِي قَوْله ﴿فَاعْلَم أَنه لَا إِلَه إِلَّا الله﴾ هَل هُوَ مترتب على معرفَة الله تَعَالَى أَو معرفَة الله تَعَالَى مترتبة عَلَيْهِ فَكَانَ يَنْبَغِي أَن يَقُول نفي إِلَه غير الله لمطابقة الْآيَة الَّتِي ذكر فَإِنَّهَا نَافِيَة لكل إِلَه سواهُ وَلَيْسَ فِيهَا لتَعلق ذكر الثَّانِي مدْخل وَأَن يَقُول أم معرفَة الله ب أم عوضا عَن أَو
وَأما مَا ذكره من أَن الطَّرِيق إِلَى معرفَة الله تَعَالَى السّمع عندنَا فَلَيْسَ بِصَحِيح بل الطَّرِيق إِلَيْهَا عندنَا وَعِنْدهم النّظر لَكِن عندنَا يجب النّظر فِيهَا بِالسَّمْعِ وَعِنْدهم بِالْعقلِ فالسمع عندنَا طَرِيق إِلَى معرفَة وجوب النّظر الْموصل إِلَى الْمعرفَة لَا إِلَى الْمعرفَة نَفسهَا كَمَا زعم لِأَن الْأَمر بهَا مُوجب للنَّظَر الْمُعَرّف وَقد يخلف النّظر بخلف امْتِثَال الْأَمر فَتخلف الْمعرفَة لخلف الْمُعَرّف وَلَا يلْزم وجوده وجودهَا أَعنِي لَا يلْزم من وجود الْأَمر الَّذِي هُوَ السّمع وجود الْمَأْمُور بِهِ الَّذِي هُوَ الْمعرفَة وَدَلِيلنَا
стр. 22
على أَن الْمُوجب للنَّظَر فِيهَا هُوَ السّمع دون الْعقل النَّقْل وَالْعقل
أما وجوب ذَلِك بِالسَّمْعِ فَيدل عَلَيْهِ النَّقْل وَأما عدم وجوده بِالْعقلِ فَيدل عَلَيْهِ الْعقل وَالنَّقْل
أما الأول وَهُوَ قَوْلنَا أَن الْمُوجب النّظر فِيهَا هُوَ السّمع فَقَوله تَعَالَى ﴿قل انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَات وَالْأَرْض﴾ وَنَحْو ذَلِك من الْآيَات الكريمات وَكَذَلِكَ الاجماع كَمَا سَيَأْتِي كَلَام إِمَام الْحَرَمَيْنِ فِي ذَلِك فِي الْفَصْل الرَّابِع إِن شَاءَ الله تَعَالَى
وَأما الثَّانِي وَهُوَ عدم وُجُوبه بِالْعقلِ فَسَيَأْتِي بَيَانه هادما لجَمِيع مَا بنوا عَلَيْهِ مَذْهَبهم الْفَاسِد من التحسين والتقبيح الْعقلِيّ فِي جَمِيع العقائد
وَأما جَوَاب السُّؤَال عَن أَي من نفي الثَّانِي وَوُجُود الْمعرفَة مترتب على الآخر فلنقدم على ذكره بَيَان الطَّرِيق الموصلة إِلَى الْمعرفَة فبذلك يَتَّضِح إِن شَاءَ الله بَيَان الطَّرِيق إِلَى معرفَة الصَّانِع جلّ وَعلا
اعْلَم أَن الطَّرِيق إِلَى مَعْرفَته ﵎ هِيَ النّظر فِي مصنوعاته فِي الملكوت الْعليا والسفلى وَمَا اشْتَمَلت عَلَيْهِ من الإتقان والانتظام وَالْحكم والإحكام وَغير ذَلِك مِمَّا يشْهد بِوُجُود الصَّانِع وجلاله وعظمته وكماله تَعَالَى فِي ذَاته وَصِفَاته
قَالَ قدوتنا وَسَيِّدنَا الإِمَام حجَّة الْإِسْلَام أَبُو حَامِد الْغَزالِيّ ﵁ وَأولى مَا يستضاء بِهِ من الْأَنْوَار ويسلك من طَرِيق الِاعْتِبَار مَا أرشد إِلَيْهِ الْقُرْآن فَلَيْسَ بعد بَيَان الله بَيَان وَقد قَالَ الله تَعَالَى ﴿ألم نجْعَل الأَرْض مهادا وَالْجِبَال أوتادا وخلقناكم أَزْوَاجًا﴾ إِلَى قَوْله تَعَالَى ﴿ألفافا﴾
стр. 23
وَقَالَ تَعَالَى ﴿إِن فِي خلق السَّمَاوَات وَالْأَرْض وَاخْتِلَاف اللَّيْل وَالنَّهَار والفلك الَّتِي تجْرِي فِي الْبَحْر بِمَا ينفع النَّاس﴾ إِلَى قَوْله تَعَالَى ﴿لآيَات لقوم يعْقلُونَ﴾
وَقَالَ تَعَالَى ﴿ألم تروا كَيفَ خلق الله سبع سماوات طباقا﴾ إِلَى قَوْله تَعَالَى ﴿ويخرجكم إخراجا﴾
وَقَالَ تَعَالَى ﴿أَفَرَأَيْتُم مَا تمنون﴾ إِلَى قَوْله تَعَالَى ﴿نَحن جعلناها تذكرة ومتاعا للمقوين﴾
قَالَ وَلَيْسَ يخفى على من مَعَه أدنى مسكة إِذا تَأمل بِأَدْنَى فكرة مَضْمُون هَذِه الْآيَات وأدار نظره على عجائب خلق الله فِي الأَرْض وَالسَّمَاوَات وتدبر فطْرَة الْحَيَوَان والنبات أَن هَذَا الْأَمر العجيب وَالتَّرْتِيب الْمُحكم لَا يَسْتَغْنِي عَن صانع يدبره وفاعل يحكمه ويقدره بل تكَاد فطْرَة النُّفُوس تشهد بِكَوْنِهَا مقهورة تَحت التسخير ومصرفة بِمُقْتَضى تَدْبِير لذَلِك قَالَ الله تَعَالَى ﴿أَفِي الله شكّ فاطر السَّمَاوَات وَالْأَرْض﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَلَئِن سَأَلتهمْ من خلق السَّمَاوَات وَالْأَرْض ليَقُولن الله﴾ انْتهى مُخْتَصرا
وَسَيَأْتِي أَيْضا بَيَان حكم النّظر فِي إِفَادَة الْعلم ووجوبه فِي معرفَة الله سُبْحَانَهُ فِي الْفَصْل الرَّابِع إِن شَاءَ الله تَعَالَى
قلت وَإِذا تَأمل النَّاظر فِي الْوُجُود وأحواله الْمُخْتَلفَة من الصَّنْعَة المتقنة المؤتلفة البديعة المحكمة العجيبة المنتظمة وَمَا فِيهِ من تغير الْأَحْوَال وتقلب الْأَيَّام والليال وَشَاهد جَمِيعه ناطقا وَشَاهدا بِلِسَان
стр. 24
الْحَال بِتَصْدِيق قَول الْحق الْملك الديَّان ﴿كل يَوْم هُوَ فِي شَأْن﴾ ومناسبة أَسْمَائِهِ الْحسنى ﵎ إِذْ من جُمْلَتهَا الْقَابِض الباسط الْخَافِض الرافع الْمعز المذل المحيي المميت الْمُقدم الْمُؤخر وَقَوله ﴿إِن مَعَ الْعسر يسرا﴾ وتأكيد ذَلِك بِإِعَادَة اللَّفْظ ثَانِيًا لتأكد وُقُوعه لَا محَالة وَتَحْقِيق الْعلم بنفوذ علم الْقَضَاء السَّابِق المطابق للحكمة الْبَالِغَة بذلك واستمرار هَذِه الْحَالة حَتَّى علم ذَلِك بالاستقراء وَأنْشد فِيهِ الشُّعَرَاء من ذَلِك قَول بَعضهم
(إِذا مَا رماك الدَّهْر يَوْمًا بنكبة ... فهيئ لَهَا صبرا ووسع لَهَا صَدرا)
(فَإِن مقادير الزَّمَان عَجِيبَة ... فيوما نرى يسرا وَيَوْما نرى عسرا)
وَقَول آخر
(دع الْمَقَادِير تجْرِي فِي أعنتها ... وَلَا تبيتن إِلَّا خَالِي البال)
(مَا بَين غمضة عين وانتباهها ... يقلب الدَّهْر من حَال إِلَى حَال)
وَقَول آخر
(وَلما وقفنا للسلام تبادرت ... دموع إِلَى أَن كدت بالدمع أغرق)
(فَقلت لعَيْنِي هَل مَعَ الْوَصْل عِبْرَة ... فَقَالَ أَلسنا بعده نتفرق)
حِكَايَة
قلت وَمن هَذَا مَا سَمِعت من بعض شُيُوخنَا قدس الله أَرْوَاحهم يحْكى أَنه مر إِنْسَان فِي الْأَزْمَان على راعي غنم فِي بعض البراري
стр. 25
وَهُوَ طرب يُغني وَالْأَرْض مُجْدِبَة وَالنَّاس فِي ضيق وحزن فتعجب مِنْهُ ثمَّ غَابَ وَرجع فَوجدَ تِلْكَ الأَرْض مخصبة وَالنَّاس فِي سَعَة وَفَرح وَهُوَ يبكي فازداد عجبا مِنْهُ ثمَّ سَأَلَهُ عَن فرحه وَعَن حزن النَّاس وحزنه وَقت فَرَحهمْ فَقَالَ أما فرحي فِيمَا مضى فَكَانَ استبشارا بِهَذَا الخصب الَّذِي ترى وَأما حزني الْآن فلتوقع الجدب فِيمَا يَأْتِي من الزَّمَان
قلت وَمن هَذَا وَأَمْثَاله مَا يطول ذكره من الشواهد والبرهان على وحدانية إِلَه لَيْسَ لَهُ ثَان ومطابقة مَا قدمنَا من تَصْدِيق قَوْله تَعَالَى ﴿كل يَوْم هُوَ فِي شَأْن﴾
وَكَذَلِكَ يشْهد على وحدانية الْإِلَه المعبود وعظيم مَا اتّصف بِهِ من الْقُدْرَة وَالْعلم وَالْفضل والجود وجود الْوُجُود على أكمل نظام وَأحسنه وأحكمه وأتقنه وَإِلَى شَيْء من الشواهد أَشرت حَيْثُ قلت فِي بعض القصائد
(لَهُ كل ذرات الْوُجُود شَوَاهِد ... على أَنه الْبَارِي الْإِلَه المصور)
(دجن الأَرْض والسبع السَّمَاوَات شادها ... وأتقنها للْعَالمين لينظروا)
(وأبدع حسن الصنع فِي ملكوتها ... وَفِي ملكوت الأَرْض كي يتفكروا)
(وأوتدها بالراسيات فَلم تمد ... وشقق أَنهَارًا بهَا تتفجر)
(وَأخرج مرعاها وَبث دوابها ... وللكل يَأْتِي مِنْهُ رزق مُقَدّر)
(من الْحبّ ثمَّ الْأَب والعشب الكلا ... ونخل وأعناب فواكه مثمر)
(فاضحت بِحسن الزهور تزهو رياضها ... وَفِي حلل نَسِيج الرّبيع تتبختر)
(وزان سَمَّاهَا بالمصابيح أَصبَحت ... وأمست تباهي الْحسن تزهو وتزهر)
(ترَاهَا إِذا جن الدجا قد تقلدت ... قلائد دري لدر تحقر)
(فيا نَاظرا زهر الْبَسَاتِين دونهَا ... أَظُنك أعمى لَيْسَ لِلْحسنِ تبصر)
стр. 26
مَا أنكرهُ بعض النَّاس على حجَّة الْإِسْلَام أبي حَامِد الْغَزالِيّ وَالرَّدّ عَلَيْهِم
قلت وَأما مَا أنكرهُ بعض النَّاس على الإِمَام حجَّة الْإِسْلَام ﵁ وَنسبه إِلَيْهِ من الْكفْر وزعمه أَنه حصر الْقُدْرَة فِي قَوْله ﵁ لَيْسَ فِي الْإِمْكَان أبدع من هَذَا الْوُجُود فقد أجبْت عَنهُ لما أرسل إِلَيّ بعض الْفُقَهَاء الطاعنين فِيهِ يسْأَل عَن الْجَواب فِي ذَلِك فِي معرض التَّعْرِيض بالإنكار عَلَيْهِ والإشعار بالْكفْر الَّذِي نسبه إِلَيْهِ فَذكرت فِي الْجَواب مَا يَقْتَضِي الْإِنْكَار على الْمُنكر عَلَيْهِ
وَقلت التَّكْفِير على الْمُكَفّر لَهُ بِمَا نسبه إِلَيْهِ وَهَا أَنا أُشير إِلَى مَا ذكرته بتقرير قدرته وَذَلِكَ أَن كَمَال الصَّنْعَة يدل على كَمَال الصَّانِع وَالنَّقْص على النَّقْص فَيلْزم على قَول الْمُنكر أَن يكون صَنْعَة هَذَا الْوُجُود نَاقِصَة بِالنِّسْبَةِ إِلَى صَنْعَة أكمل مِنْهَا وَذَلِكَ يسْتَلْزم نِسْبَة النَّقْص إِلَى الصَّانِع وَنسبَة النَّقْص إِلَى الصَّانِع تَعَالَى هِيَ عين الْكفْر
стр. 27
وَأَقُول أَيْضا الصَّنْعَة صادرة عَن صِفَات الصَّانِع وَلَا أكمل من صِفَاته تَعَالَى فَلَا أكمل من صَنعته إِذْ صِفَاته تَعَالَى فِي نِهَايَة الْكَمَال والجلال فصنعته فِي غَايَة الْكَمَال وَالْجمال
وَأَقُول أَيْضا هَذَا الْوُجُود الدنيوي مِنْهُ والأخروي والعلوي والسفلي وَمَا اشْتَمَل عَلَيْهِ من أَنْوَاع الحكم الْبَالِغَة الباهرة والمحاسن الْبَاطِنَة وَالظَّاهِرَة أبدع كل بديع وَوُجُود أبدع من الأبدع محَال فوجود أبدع من هَذَا الْوُجُود محَال
فَإِن قَالَ يلْزم من هَذَا حصر الْقُدْرَة من كَابر فِي النزاع قلت لَا تعلق للقدرة بالمحال بِالْإِجْمَاع فَإِن لم ينْزع عَن النزاع وأصر على المكابرة زاعما أَن ذَلِك يُؤَدِّي إِلَى حصر الْقُدْرَة قلت لَهُ مَا تَقول هَل يُمكن فِي قدرَة الله تَعَالَى خلق أكمل من أكمل كل مَخْلُوق فَإِن قَالَ لَا فقد قَالَ يعجز الْقَادِر على كل شَيْء جلّ وَعلا وَإِن قَالَ نعم قلت فَهَل يُمكن أَن يخلق أكمل من أكمل مَخْلُوق فِي جَمِيع الأكوان والآفاق فَإِن قَالَ نعم فقد جعل أكمل من الْأَكْمَل وَهُوَ بَاطِل بالِاتِّفَاقِ وَإِن قَالَ لَا فقد حصر الْقُدْرَة على قِيَاسه وَكفر فِي ذَلِك نَفسه بِنَفسِهِ وَظهر بطلَان مَا ألزمهُ من التَّكْفِير بِزَعْمِهِ لحجة الْإِسْلَام وانقلب عَلَيْهِ مَا وَجهه إِلَيْهِ فِي ذَلِك الْإِلْزَام
وَهَذَا مَا اقتصرت عَلَيْهِ من الْجَواب عَن قَول الإِمَام أبي حَامِد علم الْأَعْلَام وَالله الْخَبِير العلام وكل من لَهُ بَصِيرَة يعلم أَن فِي هَذَا الْعَالم الَّذِي هُوَ عَالم الْملك وعالم الْحِكْمَة وعالم الْخلق وعالم الشَّهَادَة من الحكم الَّتِي هِيَ من المحاسن الْبَاطِنَة الفائقة على المحاسن الظَّاهِرَة مَا لَا تهتدي الْعُقُول إِلَّا إِلَى الْيَسِير مِنْهُ مِمَّا اشْتَمَلت عَلَيْهِ هَذِه الدَّار من خير وَشر ونفع وضر وصفو وكدر ومليح وقبيح وَسَقِيم وصحيح وكريم وشحيح وعالم وجاهل وَمَجْنُون وعاقل وناقص وكامل وفقير وغني وَضَعِيف وَقَوي وشريف ودني وجماد
стр. 28
حَيَوَان وإنس وجان وَملك وَشَيْطَان وطيور وسباع وبهائم وَسَائِر الْأَجْنَاس والأنواع مِمَّا لَيْسَ لِلْعَقْلِ فِي حصره اتساع مِمَّا اشْتَمَل عَلَيْهِ الْحَيَوَان والنبات وَالْأَرْض وَالسَّمَاوَات وانقسام ذَلِك إِلَى ذُكُور وإناث وَغير ذَلِك من الصِّفَات وَمِمَّا اشْتَمَلت عَلَيْهِ العقاقير من الْأَدْوِيَة النافعة والحشرات من السمُوم الناقعة وَمَا فِي الْجَوَاهِر من الْخَواص الَّتِي هِيَ للمضرات قامعة وانقسام الْخلق إِلَى صَامت وناطق ومخالف وموافق ومسهل وعائق وأعمى وبصير وطويل وقصير ومظلم ومنير وأصم وسامع وجامد ومائع وعاص وطائع ولين وخشن وعطر ومنتن وبليد وفطن وحزن وسرور وتيقظ وغرور وظل وحرور وَاخْتِلَاف اللُّغَات والألوان واختصاص حسن الْإِنْسَان بالفصاحة وَالْبَيَان والنبوة وَالْقُرْآن وَإِلَى خلق حُلْو وحامض وواضح وغامض وقابل ورافض ومالح وعذب ويابس وَرطب وخصب وجدب وبارد وحار ومتحرك وقار وفخر وعار وعافية وبلاء وَرخّص وَغَلَاء وداء ودواء وانقسام الْخلق أَيْضا إِلَى أخيار وأشرار وأبرار وفجار ومؤمنين وكفار ومصيرهم إِلَى موت وحساب وثواب وعقاب ونعيم وَعَذَاب وَالْجنَّة دَار الْفضل وَالنَّار دَار الْعدْل على مُقْتَضى الْقَضَاء السَّابِق الَّذِي هُوَ الأَصْل بحكمة الْحَكِيم الْعَلِيم الْجواد الْكَرِيم شَدِيد الْعقَاب الغفور الرَّحِيم وَغير ذَلِك مَا لَا يُحْصى مِمَّا اشْتَمَل على بَدَائِع الحكم المودعة فِي سَائِر أَجزَاء الْعَالم الْمُشْتَملَة على المحاسن الْبَاطِنَة الْمُشَاهدَة بِعَين البصيرة لَا عين الْبَصَر الَّتِي هِيَ بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهَا حقيرة وَمن ذَلِك محَاسِن الْإِنْسَان الْبَاطِنَة أحسن وَأكْثر
قلت وَلَعَلَّ الْمُنكر الْمَذْكُور يتَوَهَّم أَن حسن هَذَا الْعَالم أَن يكون كُله مستحسنا بِعَين الْبَصَر بِأَن يكون جَمِيعه ألوانا حَسَنَة مُخْتَلفَة ونعيما دَائِما وَقُلُوبًا مؤتلفة دائمة الصفاء وَالسُّرُور خلية عَن كدر الأحزان والشرور كَامِلَة الرَّاحَة والزين سَالِمَة من التعتب والشين خلية عَن الصُّور القبيحة بِعَين الْبَصَر وحقارة الحشرات منزهة عَن الهموم
стр. 29
والسموم وَسَائِر المضرات جَامِعَة لجَمِيع الحظوظ الْمَطْلُوبَة الَّتِي يمِيل إِلَيْهَا الراغبون وَغير ذَلِك من صِفَات الْجنَّة الَّتِي قَالَ الله تَعَالَى فِي مدحها وخطاب أَهلهَا فِي كِتَابه الْمكنون ﴿وفيهَا مَا تشتهيه الْأَنْفس وتلذ الْأَعْين وَأَنْتُم فِيهَا خَالدُونَ﴾ وَلم يهتد إِلَى معرفَة المحاسن الْبَاطِنَة من لطافة الْمعَانِي وغرابة الحكم الْبَالِغَة
وَمن ذَلِك بِعَيْنِه أَن شين الدُّنْيَا سَبَب لزين الْآخِرَة وبغض الدُّنْيَا وتعبها وكدرها زِيَادَة فِي كَمَال الْجنَّة وَنَعِيمهَا وسرورها بل نَار الْآخِرَة وعذابها وَهُوَ أَنَّهَا زِيَادَة فِي نعيم الْجنَّة وعزها وَمَعْرِفَة قدرهَا وشرفها وعَلى الْجُمْلَة لَوْلَا الْبلَاء مَا عرف قدر الْعَافِيَة وَلَوْلَا الْعَذَاب مَا عرف قدر النَّعيم وَلَوْلَا النَّار مَا عرف قدر الْجنَّة
قلت وَلما وضعت هَذَا الْكَلَام خطر لي إنْشَاء نظم أَبْيَات لم يسْبق إِلَيْهَا النظام فَمَا استتم هَذَا الْكَلَام حَتَّى جال بفكري أَبْيَات فِي هَذَا الْمَعْنى الْمَذْكُور سبقني إِلَيْهَا الشَّيْخ الْعَارِف بِاللَّه الْفَقِيه الإِمَام أَبُو سُلَيْمَان دَاوُد الشاذلي الْمَشْهُور فأكتفيت بهَا لكَونهَا وافية بِهَذَا الْمَعْنى الَّذِي أَنا لَهُ قَاصد حَيْثُ قَالَ ﵁ فِي بعض القصائد
(أيا نفس للمعنى الْأَجَل تطلبي ... وكفي عَن الدَّار الَّتِي قد تقضت)
(فكم أبعدت إلفا وَكم كدرت صفا ... وَكم جددت من ترحة بعد فرحة)
(كَذَا وضعت كَيْمَا تعدِي إِلَى الْعلَا ... فتكدريها من سر لطف وَحِكْمَة)
(فَلَو جعلت صفوا شغلت بحبها ... وَلم يَك فرق بَين دنيا وجنة)
(لعمرك مَا الدُّنْيَا بدار أخي حجى ... فيلهو بهَا عَن دَار فوز وَعزة)
(عَن الموطن الأسنا عَن الْقرب اللقا ... عَن الْعَيْش كل الْعَيْش عِنْد الْأَحِبَّة)
(فوَاللَّه لَوْلَا ظلمَة الذَّنب لم يطْلب ... لَك الْعَيْش يَوْمًا دون مي وَعزة)
قلت وَقد بَعدنَا فِي الْخُرُوج عَن الْمَقْصُود وَهَا نَحن إِلَى مَا كُنَّا بصدده من الِاسْتِدْلَال نعود
стр. 30
قَالَ الإِمَام حجَّة الْإِسْلَام أَبُو حَامِد ﵁ بعد مَا ذكر مَا فِي عجائب خلق الله فِي الأَرْض وَالسَّمَاوَات وبدائع فطْرَة الْحَيَوَان والنبات وَغير ذَلِك مِمَّا اشْتَمَل عَلَيْهِ الصنع المتقن العجيب وَالتَّرْتِيب الْمُحكم الْغَرِيب فَإِذا فِي فطْرَة الْإِنْسَان وشواهد الْقُرْآن مَا يُغني عَن إِقَامَة الْبُرْهَان وَلَكنَّا على سَبِيل الِاسْتِظْهَار والاقتداء بالعلماء النظار نقُول من بديهة الْعُقُول أَن الْحَادِث لَا يَسْتَغْنِي فِي حُدُوثه عَن سَبَب يحدثه والعالم حَادث فَإِذا لَا يَسْتَغْنِي فِي حُدُوثه عَن سَبَب
ثمَّ تكلم فِي ذَلِك السَّبَب لما يطول ذكره من المباحث الْعَقْلِيَّة مِمَّا سَيَأْتِي ذكره إِن شَاءَ الله تَعَالَى فِي الأَصْل الرَّابِع من شرح الْبَيْت الأول من قصيدتي الْمَنْظُومَة فِي عقيدة أهل السّنة
الْعَالم لَا يَخْلُو من حوادث
ثمَّ قَالَ فِي آخر ذَلِك فَيحصل أَن الْعَالم لَا يَخْلُو عَن الْحَوَادِث فَهُوَ إِذا حَادث وَإِذا ثَبت حُدُوثه كَانَ افتقاره إِلَى الْمُحدث من المدركات بِالضَّرُورَةِ
وَقَالَ غَيره من أَئِمَّتنَا أَيْضا فِي الْبُرْهَان على وجود وَاجِب الْوُجُود لَا شكّ فِي وجود حَادث وكل حَادث مُمكن وَإِلَّا لم يكن مَوْجُودا تَارَة ومعدوما أُخْرَى وكل مُمكن فَلهُ سَبَب وَذَلِكَ لَا بُد وَأَن يكون وَاجِبا أَو منتهيا إِلَيْهِ لِاسْتِحَالَة الدّور والتسلسل
وَقلت وأخصر من هَذَا أَن نقُول الْعَالم متغير وكل متغير حَادث فالعالم حَادث وكل حَادث لَا بُد من مُحدث وَإِلَّا لزم إِيجَاد الشَّيْء نَفسه أَو الدّور والتسلسل وَالْكل محَال وَتَقْرِير ذَلِك يَأْتِي إِن شَاءَ الله فِي شرح الْبَيْت الأول
وَأما قَول الْمُعْتَزلَة إِن الْمعرفَة وَاجِبَة بِالْعقلِ فَمَمْنُوع لوجوه أقتصر مِنْهَا هُنَا على ذكر ثَلَاثَة
стр. 31
الأول أَن ذَلِك بِنَاء مِنْهُم على ثُبُوت الحكم بالتحسين والتقبيح العقليين وَهُوَ بَاطِل كَمَا سَيَأْتِي مستدلا على بُطْلَانه بِثَلَاثَة عشر دَلِيلا مَا بَين عَقْلِي ونقلي
الثَّانِي أَن فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَمَا كُنَّا معذبين حَتَّى نبعث رَسُولا﴾ نفيا للْوُجُوب قبل الشَّرْع لنفي لَازمه وَهُوَ الْعَذَاب
الثَّالِث أَن وجوب معرفَة الله تَعَالَى وطاعته لَو كَانَ بِالْعقلِ لم يخل إِمَّا أَن يكون لغير فَائِدَة وغرض وَهُوَ محَال فِي الْعقل لِأَنَّهُ عَبث أَو لفائدة وغرض للمعبود وَهُوَ محَال أَيْضا لتقدسه عَن الْأَغْرَاض والفوائد أَو للْعَبد وَهُوَ محَال أَيْضا لِأَن الْحَال لَيْسَ فِيهِ إِلَّا الكد والتعب بِفعل الطَّاعَات وَترك الشَّهَوَات والمآل لَا يسْتَقلّ الْعقل بالاهتداء أَي معرفَة مَا فِيهِ من الثَّوَاب وَالْعِقَاب فَدلَّ على أَن لَا مُوجب إِلَّا الشَّرْع
إِذا علم هَذَا فَاعْلَم أَنه يلْزم من معرفَة الله تَعَالَى معرفَة كَونه وَاحِدًا لَا شريك لَهُ لِاسْتِحَالَة وجود شريك لَهُ تَعَالَى عقلا وَشرعا
أما الشَّرْع فَقَوله تَعَالَى ﴿قل لَو كَانَ مَعَه آلِهَة كَمَا يَقُولُونَ إِذا لابتغوا إِلَى ذِي الْعَرْش سَبِيلا﴾ وَقَوله سُبْحَانَهُ ﴿لَو كَانَ فيهمَا آلِهَة إِلَّا الله لفسدتا﴾ وَقَوله تَعَالَى ﴿وَمَا كَانَ مَعَه من إِلَه إِذا لذهب كل إِلَه بِمَا خلق ولعلا بَعضهم على بعض﴾
معرفَة الْعقل
وَأما الْعقل فَلِأَنَّهُ لَا يعرف الله سُبْحَانَهُ إِلَّا بِصِفَات الْكَمَال الْمُطلق
стр. 32
وَإِلَّا لَكَانَ نَاقِصا وَالنَّقْص محَال عَلَيْهِ تَعَالَى وَمن جملَة الْكَمَال كَونه وَاحِدًا متوحدا بِالْملكِ مُنْفَردا بتدبير المملكة غير مشارك فِي الْخلقَة وَالْأَمر لِأَن الشّركَة يلْزم مِنْهَا الْمحَال أَو النَّقْص الْمُؤَدِّي إِلَيْهِ لأَنا إِذا فَرضنَا إِلَهَيْنِ وفرضنا إِرَادَة أَحدهمَا شَيْئا وَإِرَادَة الآخر نقيضه كإيجاد شَيْء وَعدم إيجاده أَو تحريكه وتسكينه فإمَّا أَن يحصل مرادهما فيجتمع النقيضان أَو لَا يحصل مُرَاد وَاحِد مِنْهُمَا فيرتفعان وَالْكل محَال أَو يحصل مُرَاد أَحدهمَا دون الآخر فَيلْزم عجز من لم يحصل مُرَاده فَلَا يكون إِلَهًا لنقصه فَلَزِمَ أَن لَا يكون الْإِلَه إِلَّا وَاحِدًا
فَإِن قيل يُريدَان الْأَصْلَح قُلْنَا هَذَا مَبْنِيّ على القَوْل بالتحسين والتقبيح الْعقلِيّ وَهُوَ بَاطِل كَمَا سَيَأْتِي
قلت وناهيك بِبُطْلَان مَذْهَب يلْزم مِنْهُ على هَذَا وجود إِلَهَيْنِ وَهَذَا غَايَة الْبطلَان وَالْفساد والضلال فَعلم من هَذَا التَّقْرِير أَن معرفَة انتقاء الشّركَة فِي الإلهية مترتبة على معرفَة الْإِلَه سُبْحَانَهُ
الْعلم والمعرفة والفروق بَينهمَا
قلت وَهَذِه الْمعرفَة الْمَذْكُورَة هِيَ الْمعرفَة الْعَامَّة الْمُشْتَركَة الَّتِي هِيَ الْعلم فِي لِسَان عُلَمَاء الظَّاهِر إِذْ عِنْدهم كل علم لِلْخلقِ معرفَة وكل معرفَة علم وكل عَالم مِنْهُم عَارِف وكل عَارِف عَالم على مَا قَالَه بعض الْعلمَاء
وَفرق بَعضهم بَينهمَا فَإِن الْعلم لَا يَسْتَدْعِي سبق جهل بِخِلَاف الْمعرفَة وَلِهَذَا لَا يُقَال الله تَعَالَى عَارِف وَيُقَال عَالم وَبِأَن الْعلم بِنِسْبَة شَيْء إِلَى آخر لهَذَا يتَعَدَّى علمت إِلَى مفعولين بِخِلَاف عرفت فَإِنَّهَا وضعت لمفردات وَلَيْسَت الْمعرفَة الْمَخْصُوصَة الْمُخْتَص بهَا الْخَواص أَرْبَاب الْمُشَاهدَة فَإِنَّهَا عِنْدهم أَوْصَاف عزيزة فِي عبد اصطفاه الْحق سُبْحَانَهُ
стр. 33
وَتَكَلَّمُوا فيهمَا بِمَا ذكره يطول ويخرجنا عَمَّا نَحن لَهُ قاصدون
وَهَا أَنا أقتصر هُنَا على ذكر قَول ثَلَاثَة مِنْهُم
١ - قَالَ الشَّيْخ الْكَبِير الْعَارِف بِاللَّه أَبُو الْعَبَّاس الصياد اليمني ﵁ الْمعرفَة وجود تَعْظِيم فِي الْقلب يمْنَع الشَّخْص عَن الانقياد لغير معروفه
٢ - وَقَالَ بَعضهم الْمعرفَة اطلَاع العَبْد على الْأَسْرَار بمواصلة الْأَنْوَار
٣ - وَقَالَ بَعضهم الْمعرفَة إِيصَال بصائر التَّعْرِيف يَقِين الْعلم دوَام الْمُنَاجَاة مَعَ الله بِالْقَلْبِ وَحصل من الله التَّعْرِيف على دوَام الْأَوْقَات باخْتلَاف الْحَالَات
فَعِنْدَ ذَلِك تظهر أنوار الْمعرفَة فَإِذا تجرد الْعلم واتضحت الْبَرَاهِين وانتفت الشكوك بِالْكُلِّيَّةِ وَحصل ثلج الْفُؤَاد وَبرد الْيَقِين لَا يسْعَى العَبْد إِلَى هَذِه الطَّرِيقَة عَارِفًا حَتَّى يحصل بَينه وَبَين الله تَعَالَى أَحْوَال زَائِدَة على الْعلم من فنون الكشوفات وصنوف التعريفات وبتحديث الْحق مَعَ العَبْد من غير سَماع نطق بالجهر والعارف تبدو فِي قلبه فِي ابْتِدَاء التَّعْرِيف لوائح ثمَّ لوامع ثمَّ كشوفات وبصائر أنوار وطوالع فالعارف كَأَنَّهُ يخاطبه الْحق سُبْحَانَهُ بِكُل شَيْء ويلقي إِلَيْهِ كل خطاب ويعوده فِي كل وَقت بِنَوْع تَعْرِيف ومكاشفة وَفِي كل حَال بسر
صفة الْعَارِف
ثمَّ من صفة الْعَارِف أَنه لَا يَخْلُو من أَحْوَال مَعْلُومَات مِنْهَا الْمحبَّة وَمِنْهَا التَّعْظِيم والهيبة وَمِنْهَا الْأنس والقربة وَمِنْهَا الْحيَاء والغيبة وَإِذا تحقق العَبْد فِي ابْتِدَاء طلبته بدوام المراقبة وَوصل إِلَى الْمُشَاهدَة والمراقبة علمه بِأَن الله سُبْحَانَهُ يرَاهُ ويعلمه على دوَام الْأَوْقَات ثمَّ أنوار الْمُشَاهدَة
стр. 34
تلوح فِي الْقلب والمشاهدة غَلَبَة نور الْحق على الْقلب وَانْتِفَاء إحساسك بك وذكرك لَك وضميرك عَنْك فَتكون مختطفا عَن جملتك باستيلائه عَلَيْك
فَكل مَا زَاد شهودك زَادَت اجنبيتك عَنْك وَعَن الْكَوْن بِالْجُمْلَةِ وَإِذا طلعت شموس الْعرْفَان اسْتهْلك فِي ضيائها نُجُوم الْعُلُوم كَمَا قيل
(وَلما استنار الصُّبْح أدرج ضوءه ... باسفاره أنوار ضوء الْكَوَاكِب)
شُبُهَات الْمُعْتَزلَة وَالرَّدّ عَلَيْهَا
وَأما مَا ذكرت أَيهَا السَّائِل من شبه الْمُعْتَزلَة الثَّلَاث الَّتِي ذكرتها فِي الْأَوْجه الثَّلَاثَة فِي الِاعْتِرَاض على قَوْلنَا إِن الْمعرفَة تجب بِالسَّمْعِ الْمُوجب دون الْعقل عندنَا للنَّظَر الَّذِي هُوَ طَرِيقه إِلَى مَعْرفَتهَا عندنَا وعندكم إِجْمَاعًا
فالشبهة الأولى وَهُوَ قَوْلك أَحدهَا أَن السّمع مفتقر إِلَى معرفَة الله تَعَالَى وَمَعْرِفَة الله تَعَالَى مفتقرة إِلَى السّمع وَهَذَا دور مَحْض لأَنا لَا نَعْرِف السّمع حَتَّى نَعْرِف الله تَعَالَى وَلَا نَعْرِف الله تَعَالَى حَتَّى نَعْرِف السّمع فَلَا يحصلان وَلَا وَاحِد مِنْهُمَا
هِيَ عين مَا حَكَاهُ أَصْحَابنَا عَن الْمُعْتَزلَة من قَوْلهم أَن الْوُجُوب لَو كَانَ من الشَّرْع لزم إفحام الْأَنْبِيَاء ﵈ فَإِن الْمُكَلف لَا ينظر مَا لم يعلم الْوُجُوب وَلَا يُعلمهُ مَا لم ينظر
قلت وَقد ألزم أَصْحَابنَا مَذْهَبهم الإفحام أَيْضا فَقَالُوا فِي جوابهم وَلَو وَجب عقلا لأفحم أَيْضا لِأَن وجوب النّظر غير ضَرُورِيّ إِذْ هُوَ مُتَوَقف على مُقَدمَات مفتقرة إِلَى أنظار دقيقة
قلت لِأَن الْمُكَلف على هَذَا القَوْل لَا أنظر حَتَّى أعرف وجوب النّظر وَلَا أعرف وجوب النّظر حَتَّى أنظر
فَيلْزم فِي هَذَا من الدّور
стр. 35
فِي طَرِيق الْمعرفَة على مَذْهَبهم على مَا ذكره السَّائِل من الدّور فِي طريقها على مَذْهَبنَا
قلت هَكَذَا صرح غير وَاحِد من أَئِمَّتنَا الْمُحَقِّقين
وَقَالَ بَعضهم الْعقل لَا يفحم بل هور دور لِأَنَّهُ يصدق عَلَيْهِ قَوْلنَا لَو وَجب عقلا لما وَجب نقلا فَعبر عَن هَذَا بالإفحام انْتهى
قلت وَلُزُوم الدّور كَاف فِيمَا رمنا من منع الْوُجُوب عقلا وَإِذا لزم الْأَمر مَذْهَبهم من الدّور مَا لزم مَذْهَبنَا فَمَا أجابوا بِهِ عَن ذَلِك بِهِ أجبنا وَمَا لَهُم عَن ذَلِك جَوَاب وَلَا مخرج عَن اللَّازِم الْمَذْكُور وَهَا نَحن على سَبِيل التَّبَرُّع نجيب عَن ذَلِك وَنخرج عَن الْمَحْذُور وَفِي هَذَا الْمَعْنى أنْشد وَأَقُول
(إِذا مَا فِي الوغى أوردتمونا فإننا ... سنوردكم مِنْهَا الَّذِي مِنْهُ يحذر)
(إِذا ضمنا يَوْمًا من الدَّهْر معرك ... صدرنا وَأَنْتُم مَا لكم عَنهُ مصدر)
الْجَواب عَن هَذِه الشُّبْهَة
فَأَقُول وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق الْجَواب عَن الشُّبْهَة الْمَذْكُورَة هُوَ مَا أَشَارَ إِلَيْهِ الإِمَام حجَّة الْإِسْلَام أَبُو حَامِد ﵁ فِي قَول الَّذِي ذكره السَّائِل فِي هَذَا السُّؤَال وَذكر أَنهم لم يفهموه وَأَنَّهُمْ سَأَلُوا أعلم أهل زمانهم عَن مَعْنَاهُ فَقَالَ مَا فهمنا غَرَضه فِي هَذَا الْكَلَام مَعَ أَنه النَّاقِل لكَلَامه ومعترف بفضله
وَذكر السَّائِل أَنه ضجع بِهِ فِي الرَّد على الْمُعْتَزلَة هَكَذَا قَالَ ضجع بتَشْديد الْجِيم بعد الضَّاد الْمُعْجَمَة
وَفسّر ذَلِك بِأَنَّهُ تكلم بِكَلَام لَا يفهم وَهَذَا التَّفْسِير الَّذِي ذكره لَا يشْهد لَهُ من جِهَة اللُّغَة وضع وَلَا من جِهَة الِاصْطِلَاح سمع
وَلَكِن لهَذِهِ اللَّفْظَة معنى صَحِيح وَإِن لم يذهب فهمه إِلَيْهِ وَهِي كلمة حق جرت على لِسَانه لَيست لَهُ بل
стр. 36
عَلَيْهِ أَي أقعدهم بِالرَّدِّ عَلَيْهِم وصيرهم مضطجعين غير قَائِمين بِحجَّة وَأَنِّي تقوم حجَّة للمبتدعين
قَالَ أَبُو حَامِد الْمَذْكُور الطَّبْع قَابل وَالْعقل باعث والمعجز مُمكن وَالرَّسُول مبلغ
قلت وَهَا أَنا أنبه على معنى هَذَا الْكَلَام بِعِبَارَة وَاضِحَة للأفهام اجْمَعْ فِيهَا بَين تفهيمهم مَا لم يفهموه من الْمَعْنى وَدفع الْإِلْزَام الَّذِي ألزموه لنا
اعْلَم أَن كَلَامه هَذَا ﵁ فِي غَايَة الْحسن والمناسبة لما نَحن بصدده من مَسْأَلَة الْمعرفَة اللَّازِم فِيهَا الإفحام للُزُوم الدّور الْمَذْكُور وَذَلِكَ أَنه ﵁ مثل الْمُكَلف الْقَائِل للرسول المستدعي النّظر فِي المعجز المتحدى بِهِ الشَّاهِد بِصدق رسَالَته الْمُشْتَملَة على معرفَة الله تَعَالَى وَمَعْرِفَة شَرعه الَّذِي يَدْعُو بِهِ عباده لَا يلْزَمنِي النّظر فِي معجزك حَتَّى أعلم صدقك وَلَا أعلم صدقك حَتَّى أنظر فِي معجزك بِمن قَالَ لَهُ مُنْذر نَاصح مُشفق تحذيرا لَهُ وَرَاءَك أَفْعَى فاحذر مِنْهَا أَن تلدغك أَو سبع ضار فاحذر مِنْهُ أَن يفترسك وَإِن الْتفت وَرَاءَك وَنظرت عرفت صدقي فَقَالَ لَا ألتفت ورائي وَانْظُر مَا لم يثبت صدقك وَلَا يثبت صدقك مَا لم الْتفت وَأنْظر فَهَل قَائِل هَذَا القَوْل إِلَّا أَحمَق حَيْثُ عرض نَفسه للهلاك وعظيم الْخطر بترك نظر لَيْسَ عَلَيْهِ فِيهِ كلفة وَلَا ضَرَر وَلَو كَانَ لَهُ عقل لبعثه على النّظر فِي ذَلِك وَقَالَ فِي نَفسه يُمكن أَن يكون هَذَا الْمُنْذر صَادِقا فَإِن قبلت نصحه وَنظرت فِيمَا قَالَ وأنذر وحذر واحترزت من الْعَدو الَّذِي ذكر نجوت وَإِن لم أقبل نصحه وتقاعدت عَن الِاحْتِرَاز فَلم أنظر نزل بِي الْهَلَاك من حَيْثُ لَا أشعر وَإِن كَانَ كَاذِبًا فَمَا يضرني النّظر والاحتراز فِي أَمر مُمكن هُوَ عَليّ غَائِب وَلَا يورثني ذَلِك شَيْئا بل زينا إِذْ الِاحْتِرَاز وَالنَّظَر فِي الْأُمُور وَمَا تؤول إِلَيْهِ العواقب من
стр. 37
شِيمَة الْعُقَلَاء أولي الحزم والعزم والحذر من الْغدر والوقوع فِي المعاطب
وَقد قَالَ فِي ذمّ التَّغْرِير الْقَائِل الْخَبِير وَمَا المغرر مَحْمُود وَإِن سلم
قلت وَأما قولي فِي بعض القصائد
(فَمَا فَازَ بالمجد الأثيل من الورى ... سوى من لَدَى الْأَهْوَال بِالنَّفسِ يسمح)
(فَأَما جبان عزت النَّفس عِنْده ... فَذَاك الَّذِي بالذل يُمْسِي وَيُصْبِح)
وَقَوْلِي فِي أُخْرَى
(فمجد الْعلَا مَا ناله غير ماجد ... يخاطر بِالروحِ الخطير فيظفر)
فَإِن هَذَا تغرير بالنفوس فِي طَاعَة الْملك القدوس وفيهَا النجَاة وسعادة الْأَبَد والفوز الْعَظِيم بالنعيم المخلد وَلَيْسَ ذَلِك التَّغْرِير كَذَلِك بل موقع فِي الْهَلَاك
قلت فَإِذا فهم هَذَا الْمثل الْمَذْكُور فليفهم مَا نَحن بصدده من كَون الْعَاقِل يحْتَرز من هَذَا الْمَحْذُور لاحْتِمَال صدق الْمخبر والوقوع فِي الْهَلَاك وَالثُّبُور فَكَذَلِك يَقُول الرَّسُول ﷺ (وراءكم الْمَوْت وَمَا بعده من الْأَهْوَال والشدائد وَالْعِقَاب والوبال وَالْعَذَاب الشَّديد الْأَلِيم وخلود الدَّهْر فِي دَار الْجَحِيم إِن لم تَأْخُذُوا حذركُمْ وتحترزوا مِمَّا أَنْذَرْتُكُمْ وتعرفون صدقي بالالتفات إِلَى معجزتي فَمن الْتفت إِلَيْهَا عرف صدقي وَاحْترز وَنَجَا وَمن لم يلْتَفت إِلَيْهَا لم يعرف صدقي وَلم يحْتَرز من الْمَحْذُور حَتَّى ينزل بِهِ الْهَلَاك والردى)
قلت فقد علم من هَذَا التَّمْثِيل والإيضاح أَنه لَا يتْرك الِاحْتِرَاز بِالنّظرِ فِي المعجز بِسَبَب الدّور من فِيهِ فلاح فَإِن الَّذِي تحدى بِهِ الرَّسُول يُمكن أَن يكون معجزا دَالا على صدقه فِيمَا أخْبرته أَعنِي مُمكنا فِي نفس الْأَمر قبل أَن ينظر فِيهِ غير مَقْطُوع بصدقه وَلَا كذبه
فَيَنْبَغِي أَن ينظر فِيهِ لاحْتِمَال الصدْق الْمَذْكُور خوفًا من الْوُقُوع بترك النّظر فِي الْمَحْذُور فَإِذا نظر فِيهِ حصل لَهُ الْعلم بِكَوْنِهِ معجزا خارقا
стр. 38
للْعَادَة شَاهدا بصدقه فبادر إِلَى التَّصْدِيق ونيل السَّعَادَة فَهَذَا معنى قَول الإِمَام حجَّة الْإِسْلَام الْمُحَقق المتقي والمعجز مُمكن
من مهام الرَّسُول ﷺ
وَأما قَوْله وَالرَّسُول مبلغ فَمَعْنَاه مَا عَلَيْهِ إِلَّا الْبَلَاغ وَلَيْسَ عَلَيْهِ أَن يلْزم الْمُرْسل إِلَيْهِم الْإِيمَان بِمَا أرسل بِهِ وَقد قَالَ الله تَعَالَى ﴿وَمَا على الرَّسُول إِلَّا الْبَلَاغ الْمُبين﴾ وَقَالَ سُبْحَانَهُ ﴿وَمَا أَنْت عَلَيْهِم بوكيل﴾ وَقَالَ ﴿إِنَّمَا أَنْت نَذِير﴾ وَغير ذَلِك مِمَّا يطول ذكره من قَوْله تَعَالَى فِي مُحكم الْآيَات الكريمات فِي هَذَا الْمَعْنى وَقد ضرب ﷺ فِي الحَدِيث الصَّحِيح مثلا لمن صدقه فنجا وَمن كذبه فَهَلَك وتردى
فَقَالَ ﷺ (مثل مَا بَعَثَنِي الله بِهِ كَمثل رجل أَتَى قومه فَقَالَ إِنِّي رَأَيْت الْجِنّ بعيني وَأَنا النذير الْعُرْيَان فالنجاء فأطاعه طَائِفَة من قومه فأدلجوا وَانْطَلَقُوا على مهلهم فنجوا وكذبت طَائِفَة مِنْهُم فَأَصْبحُوا مكانهم فصبحهم الْجَيْش فأهلكهم واجتاحهم فَذَلِك مثل من أَطَاعَنِي وَاتبع مَا جِئْت بِهِ وَمثل من عَصَانِي وَكذب بِمَا جِئْت بِهِ من الْحق أَخْرجَاهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ
стр. 39
قلت وَلَا ضَرَر على النذير إِذا لم يقبل الْمُنْذر التحذير بل الضَّرَر على من لم يقبل النصح والإنذار حَتَّى نزل بِهِ الدمار نسْأَل الله الْكَرِيم الْعَفو والعافية والتوفيق وَحسن الخاتمة لنا ولأحبابنا وَالْمُسْلِمين آمين
فَهَذَا معنى مَا أَشَارَ إِلَيْهِ فِي قَوْله وَالرَّسُول مبلغ
الْعقل باعث
وَأما قَوْله وَالْعقل باعث فَلِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي يفهم كَلَام الْمُنْذر الْمُشْتَمل على الْإِعْلَام بنزول الْهَلَاك إِن لم يصدق وَيقبل وَيبْعَث صَاحبه على الِاحْتِرَاز مِمَّا حذر مِنْهُ وَيحكم بِإِمْكَان وُقُوع ذَلِك فِي الْمُسْتَقْبل
ذكر الْعقل فِي الْقُرْآن فِي معرض الْمَدْح
قلت وَقد ذكر الله تَعَالَى الْعقل فِي الْقُرْآن فِي معرض الْمَدْح لأَهله فِي مَوَاضِع يطول عدهَا وَهُوَ جدير بالمدح الْكَامِل إِذْ بِهِ عرف الْحق سُبْحَانَهُ
ومعرفته تَعَالَى أكمل الْفَضَائِل وَبِه أَيْضا منَاط التَّكْلِيف وزجر النَّفس عَن الْهوى الْموقع لَهَا فِي شقاوة الْأَبَد وحلول دَار الْجَحِيم والجذب لَهَا إِلَى الْخَوْف المفضي بهَا إِلَى سَعَادَة الْأَبَد والفلاح المخلد لَهَا فِي دَار النَّعيم حَيْثُ يَقُول الله الْعَظِيم ﴿فَأَما من طَغى وآثر الْحَيَاة الدُّنْيَا فَإِن الْجَحِيم هِيَ المأوى وَأما من خَافَ مقَام ربه وَنهى النَّفس عَن الْهوى فَإِن الْجنَّة هِيَ المأوى﴾ وَحَيْثُ يَقُول الْعلي الْكَبِير ﴿وَقَالُوا لَو كُنَّا نسْمع أَو نعقل مَا كُنَّا فِي أَصْحَاب السعير﴾
стр. 40
قلت وَمِمَّا يدل أَيْضا على أَن الْعقل سَبَب النجَاة من الْمَحْذُور أَنه لَا يفكر فِي عواقب الْأُمُور وَيخَاف من تقلب الدهور إِلَّا عَاقل حذور بالهموم مغمور وَأما غير الْعَاقِل فَهُوَ سَالَ ساه لاه غافل وَلِهَذَا قَالَ الْقَائِل
(إِذا قل عقل الْمَرْء قلت همومه ... وَمن لم يكن ذَا مقلة كَيفَ يرمد)
وَفِي مدح الْعقل أَيْضا أحسن الْقَائِل وَصدق عَدو عَاقل خير من صديق أَحمَق قلت وَهَذَا معنى مَا أَشَارَ إِلَيْهِ فِي قَوْله وَالْعقل باعث
الطَّبْع قَابل
وَأما قَوْله والطبع قَابل فَهُوَ بِالْبَاء الْمُوَحدَة قبل اللَّام وَيصِح أَن يُقَال بِالتَّاءِ الْمُثَنَّاة من فَوق وَمَعْنَاهُ ظَاهر لما قد علم فِي النَّفس من الطباع الردية الْمُشْتَملَة على الْأَوْصَاف الذميمة المحتاجة فِي إِزَالَتهَا إِلَى الرياضات والمجاهدات الشَّدِيدَة حَتَّى تتبدل بِتَوْفِيق الله سُبْحَانَهُ بِالصِّفَاتِ الحميدة وَإِلَّا فَلَا تزَال بصاحبها إِلَى الْأَهْوَاء مائلة حَتَّى تمسي وَهِي لَهُ قاتلة
وَأما على الْوَجْه الأول أَي بِالْبَاء الْمُوَحدَة وَهُوَ الظَّاهِر الَّذِي هُوَ لَهُ قَاصد حجَّة الْإِسْلَام أَبُو حَامِد فَمَعْنَاه أَنه إِذا فهم الْعقل الْإِنْذَار وَجوز إِمْكَان وُقُوع الأخطار فَإِن الطَّبْع يقبل النصح ويستشعر الْخَوْف فيستحث على الحذر من الْوُقُوع فِي الضَّرَر ثمَّ الضَّرَر الْأَعْظَم مَوْجُود فِي الْجَهْل بِاللَّه تَعَالَى وَمُخَالفَة حكمه الْمُعظم فِي ترك الْوَاجِبَات وارتكاب المنهيات
وَمَعْرِفَة ذَلِك كُله مُسْتَفَاد من الشَّرْع الْمَعْرُوف بالمشرع الْمُدَّعِي الرسَالَة الشاهدة على صدق دَعْوَاهُ معجزته المحتملة قبل النّظر فِيهَا للصدق المفضي ترك النّظر فِيهِ إِلَى الضَّرَر المستحث الطَّبْع على
следующие страницы →