Полный текст (146 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
عَلَيْهِ أَي أقعدهم بِالرَّدِّ عَلَيْهِم وصيرهم مضطجعين غير قَائِمين بِحجَّة وَأَنِّي تقوم حجَّة للمبتدعين
قَالَ أَبُو حَامِد الْمَذْكُور الطَّبْع قَابل وَالْعقل باعث والمعجز مُمكن وَالرَّسُول مبلغ
قلت وَهَا أَنا أنبه على معنى هَذَا الْكَلَام بِعِبَارَة وَاضِحَة للأفهام اجْمَعْ فِيهَا بَين تفهيمهم مَا لم يفهموه من الْمَعْنى وَدفع الْإِلْزَام الَّذِي ألزموه لنا
اعْلَم أَن كَلَامه هَذَا ﵁ فِي غَايَة الْحسن والمناسبة لما نَحن بصدده من مَسْأَلَة الْمعرفَة اللَّازِم فِيهَا الإفحام للُزُوم الدّور الْمَذْكُور وَذَلِكَ أَنه ﵁ مثل الْمُكَلف الْقَائِل للرسول المستدعي النّظر فِي المعجز المتحدى بِهِ الشَّاهِد بِصدق رسَالَته الْمُشْتَملَة على معرفَة الله تَعَالَى وَمَعْرِفَة شَرعه الَّذِي يَدْعُو بِهِ عباده لَا يلْزَمنِي النّظر فِي معجزك حَتَّى أعلم صدقك وَلَا أعلم صدقك حَتَّى أنظر فِي معجزك بِمن قَالَ لَهُ مُنْذر نَاصح مُشفق تحذيرا لَهُ وَرَاءَك أَفْعَى فاحذر مِنْهَا أَن تلدغك أَو سبع ضار فاحذر مِنْهُ أَن يفترسك وَإِن الْتفت وَرَاءَك وَنظرت عرفت صدقي فَقَالَ لَا ألتفت ورائي وَانْظُر مَا لم يثبت صدقك وَلَا يثبت صدقك مَا لم الْتفت وَأنْظر فَهَل قَائِل هَذَا القَوْل إِلَّا أَحمَق حَيْثُ عرض نَفسه للهلاك وعظيم الْخطر بترك نظر لَيْسَ عَلَيْهِ فِيهِ كلفة وَلَا ضَرَر وَلَو كَانَ لَهُ عقل لبعثه على النّظر فِي ذَلِك وَقَالَ فِي نَفسه يُمكن أَن يكون هَذَا الْمُنْذر صَادِقا فَإِن قبلت نصحه وَنظرت فِيمَا قَالَ وأنذر وحذر واحترزت من الْعَدو الَّذِي ذكر نجوت وَإِن لم أقبل نصحه وتقاعدت عَن الِاحْتِرَاز فَلم أنظر نزل بِي الْهَلَاك من حَيْثُ لَا أشعر وَإِن كَانَ كَاذِبًا فَمَا يضرني النّظر والاحتراز فِي أَمر مُمكن هُوَ عَليّ غَائِب وَلَا يورثني ذَلِك شَيْئا بل زينا إِذْ الِاحْتِرَاز وَالنَّظَر فِي الْأُمُور وَمَا تؤول إِلَيْهِ العواقب من
стр. 37
شِيمَة الْعُقَلَاء أولي الحزم والعزم والحذر من الْغدر والوقوع فِي المعاطب
وَقد قَالَ فِي ذمّ التَّغْرِير الْقَائِل الْخَبِير وَمَا المغرر مَحْمُود وَإِن سلم
قلت وَأما قولي فِي بعض القصائد
(فَمَا فَازَ بالمجد الأثيل من الورى ... سوى من لَدَى الْأَهْوَال بِالنَّفسِ يسمح)
(فَأَما جبان عزت النَّفس عِنْده ... فَذَاك الَّذِي بالذل يُمْسِي وَيُصْبِح)
وَقَوْلِي فِي أُخْرَى
(فمجد الْعلَا مَا ناله غير ماجد ... يخاطر بِالروحِ الخطير فيظفر)
فَإِن هَذَا تغرير بالنفوس فِي طَاعَة الْملك القدوس وفيهَا النجَاة وسعادة الْأَبَد والفوز الْعَظِيم بالنعيم المخلد وَلَيْسَ ذَلِك التَّغْرِير كَذَلِك بل موقع فِي الْهَلَاك
قلت فَإِذا فهم هَذَا الْمثل الْمَذْكُور فليفهم مَا نَحن بصدده من كَون الْعَاقِل يحْتَرز من هَذَا الْمَحْذُور لاحْتِمَال صدق الْمخبر والوقوع فِي الْهَلَاك وَالثُّبُور فَكَذَلِك يَقُول الرَّسُول ﷺ (وراءكم الْمَوْت وَمَا بعده من الْأَهْوَال والشدائد وَالْعِقَاب والوبال وَالْعَذَاب الشَّديد الْأَلِيم وخلود الدَّهْر فِي دَار الْجَحِيم إِن لم تَأْخُذُوا حذركُمْ وتحترزوا مِمَّا أَنْذَرْتُكُمْ وتعرفون صدقي بالالتفات إِلَى معجزتي فَمن الْتفت إِلَيْهَا عرف صدقي وَاحْترز وَنَجَا وَمن لم يلْتَفت إِلَيْهَا لم يعرف صدقي وَلم يحْتَرز من الْمَحْذُور حَتَّى ينزل بِهِ الْهَلَاك والردى)
قلت فقد علم من هَذَا التَّمْثِيل والإيضاح أَنه لَا يتْرك الِاحْتِرَاز بِالنّظرِ فِي المعجز بِسَبَب الدّور من فِيهِ فلاح فَإِن الَّذِي تحدى بِهِ الرَّسُول يُمكن أَن يكون معجزا دَالا على صدقه فِيمَا أخْبرته أَعنِي مُمكنا فِي نفس الْأَمر قبل أَن ينظر فِيهِ غير مَقْطُوع بصدقه وَلَا كذبه
فَيَنْبَغِي أَن ينظر فِيهِ لاحْتِمَال الصدْق الْمَذْكُور خوفًا من الْوُقُوع بترك النّظر فِي الْمَحْذُور فَإِذا نظر فِيهِ حصل لَهُ الْعلم بِكَوْنِهِ معجزا خارقا
стр. 38
للْعَادَة شَاهدا بصدقه فبادر إِلَى التَّصْدِيق ونيل السَّعَادَة فَهَذَا معنى قَول الإِمَام حجَّة الْإِسْلَام الْمُحَقق المتقي والمعجز مُمكن
من مهام الرَّسُول ﷺ
وَأما قَوْله وَالرَّسُول مبلغ فَمَعْنَاه مَا عَلَيْهِ إِلَّا الْبَلَاغ وَلَيْسَ عَلَيْهِ أَن يلْزم الْمُرْسل إِلَيْهِم الْإِيمَان بِمَا أرسل بِهِ وَقد قَالَ الله تَعَالَى ﴿وَمَا على الرَّسُول إِلَّا الْبَلَاغ الْمُبين﴾ وَقَالَ سُبْحَانَهُ ﴿وَمَا أَنْت عَلَيْهِم بوكيل﴾ وَقَالَ ﴿إِنَّمَا أَنْت نَذِير﴾ وَغير ذَلِك مِمَّا يطول ذكره من قَوْله تَعَالَى فِي مُحكم الْآيَات الكريمات فِي هَذَا الْمَعْنى وَقد ضرب ﷺ فِي الحَدِيث الصَّحِيح مثلا لمن صدقه فنجا وَمن كذبه فَهَلَك وتردى
فَقَالَ ﷺ (مثل مَا بَعَثَنِي الله بِهِ كَمثل رجل أَتَى قومه فَقَالَ إِنِّي رَأَيْت الْجِنّ بعيني وَأَنا النذير الْعُرْيَان فالنجاء فأطاعه طَائِفَة من قومه فأدلجوا وَانْطَلَقُوا على مهلهم فنجوا وكذبت طَائِفَة مِنْهُم فَأَصْبحُوا مكانهم فصبحهم الْجَيْش فأهلكهم واجتاحهم فَذَلِك مثل من أَطَاعَنِي وَاتبع مَا جِئْت بِهِ وَمثل من عَصَانِي وَكذب بِمَا جِئْت بِهِ من الْحق أَخْرجَاهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ
стр. 39
قلت وَلَا ضَرَر على النذير إِذا لم يقبل الْمُنْذر التحذير بل الضَّرَر على من لم يقبل النصح والإنذار حَتَّى نزل بِهِ الدمار نسْأَل الله الْكَرِيم الْعَفو والعافية والتوفيق وَحسن الخاتمة لنا ولأحبابنا وَالْمُسْلِمين آمين
فَهَذَا معنى مَا أَشَارَ إِلَيْهِ فِي قَوْله وَالرَّسُول مبلغ
الْعقل باعث
وَأما قَوْله وَالْعقل باعث فَلِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي يفهم كَلَام الْمُنْذر الْمُشْتَمل على الْإِعْلَام بنزول الْهَلَاك إِن لم يصدق وَيقبل وَيبْعَث صَاحبه على الِاحْتِرَاز مِمَّا حذر مِنْهُ وَيحكم بِإِمْكَان وُقُوع ذَلِك فِي الْمُسْتَقْبل
ذكر الْعقل فِي الْقُرْآن فِي معرض الْمَدْح
قلت وَقد ذكر الله تَعَالَى الْعقل فِي الْقُرْآن فِي معرض الْمَدْح لأَهله فِي مَوَاضِع يطول عدهَا وَهُوَ جدير بالمدح الْكَامِل إِذْ بِهِ عرف الْحق سُبْحَانَهُ
ومعرفته تَعَالَى أكمل الْفَضَائِل وَبِه أَيْضا منَاط التَّكْلِيف وزجر النَّفس عَن الْهوى الْموقع لَهَا فِي شقاوة الْأَبَد وحلول دَار الْجَحِيم والجذب لَهَا إِلَى الْخَوْف المفضي بهَا إِلَى سَعَادَة الْأَبَد والفلاح المخلد لَهَا فِي دَار النَّعيم حَيْثُ يَقُول الله الْعَظِيم ﴿فَأَما من طَغى وآثر الْحَيَاة الدُّنْيَا فَإِن الْجَحِيم هِيَ المأوى وَأما من خَافَ مقَام ربه وَنهى النَّفس عَن الْهوى فَإِن الْجنَّة هِيَ المأوى﴾ وَحَيْثُ يَقُول الْعلي الْكَبِير ﴿وَقَالُوا لَو كُنَّا نسْمع أَو نعقل مَا كُنَّا فِي أَصْحَاب السعير﴾
стр. 40
قلت وَمِمَّا يدل أَيْضا على أَن الْعقل سَبَب النجَاة من الْمَحْذُور أَنه لَا يفكر فِي عواقب الْأُمُور وَيخَاف من تقلب الدهور إِلَّا عَاقل حذور بالهموم مغمور وَأما غير الْعَاقِل فَهُوَ سَالَ ساه لاه غافل وَلِهَذَا قَالَ الْقَائِل
(إِذا قل عقل الْمَرْء قلت همومه ... وَمن لم يكن ذَا مقلة كَيفَ يرمد)
وَفِي مدح الْعقل أَيْضا أحسن الْقَائِل وَصدق عَدو عَاقل خير من صديق أَحمَق قلت وَهَذَا معنى مَا أَشَارَ إِلَيْهِ فِي قَوْله وَالْعقل باعث
الطَّبْع قَابل
وَأما قَوْله والطبع قَابل فَهُوَ بِالْبَاء الْمُوَحدَة قبل اللَّام وَيصِح أَن يُقَال بِالتَّاءِ الْمُثَنَّاة من فَوق وَمَعْنَاهُ ظَاهر لما قد علم فِي النَّفس من الطباع الردية الْمُشْتَملَة على الْأَوْصَاف الذميمة المحتاجة فِي إِزَالَتهَا إِلَى الرياضات والمجاهدات الشَّدِيدَة حَتَّى تتبدل بِتَوْفِيق الله سُبْحَانَهُ بِالصِّفَاتِ الحميدة وَإِلَّا فَلَا تزَال بصاحبها إِلَى الْأَهْوَاء مائلة حَتَّى تمسي وَهِي لَهُ قاتلة
وَأما على الْوَجْه الأول أَي بِالْبَاء الْمُوَحدَة وَهُوَ الظَّاهِر الَّذِي هُوَ لَهُ قَاصد حجَّة الْإِسْلَام أَبُو حَامِد فَمَعْنَاه أَنه إِذا فهم الْعقل الْإِنْذَار وَجوز إِمْكَان وُقُوع الأخطار فَإِن الطَّبْع يقبل النصح ويستشعر الْخَوْف فيستحث على الحذر من الْوُقُوع فِي الضَّرَر ثمَّ الضَّرَر الْأَعْظَم مَوْجُود فِي الْجَهْل بِاللَّه تَعَالَى وَمُخَالفَة حكمه الْمُعظم فِي ترك الْوَاجِبَات وارتكاب المنهيات
وَمَعْرِفَة ذَلِك كُله مُسْتَفَاد من الشَّرْع الْمَعْرُوف بالمشرع الْمُدَّعِي الرسَالَة الشاهدة على صدق دَعْوَاهُ معجزته المحتملة قبل النّظر فِيهَا للصدق المفضي ترك النّظر فِيهِ إِلَى الضَّرَر المستحث الطَّبْع على
стр. 41
الحذر الدَّاعِي إِلَى النّظر الْمُؤَدِّي إِلَى معرفَة صدق المشرع المستلزم التَّصْدِيق بِهِ المفضي إِلَى السَّلامَة من الْمَحْذُور وسعادة الْأَبَد ودوام السرُور فِي جوَار الْمولى الْكَرِيم الغفور
فَهَذَا معنى مَا أَشَارَ إِلَيْهِ الإِمَام حجَّة الْإِسْلَام الْفَاضِل ﵁ فِي قَوْله والطبع قَابل وَفِي كَون الطَّبْع قَابلا للخير وتبديل الصِّفَات الذميمات بِالصِّفَاتِ الحميدات قلت هَذِه الأبيات
(تعود فعال الْخَيْر مَعَ كل فَاعل ... بتبديل طبع للتبدل قَابل)
(فَنَفْس الْفَتى إِن راضها مهرت بهَا ... نجاة وَعز واكتساب فَضَائِل)
(وَإِن لم يرضها كلب مزبلة بهَا ... هَلَاك وذل واكتساب رذائل)
قلت وَإِذا كَانَ الطَّبْع غير قَابل بِالْمُوَحَّدَةِ فَلَا شكّ أَنه قَاتل بالمثناه من فَوق كَمَا ذكرت فِيمَا تقدم وَالله أعلم
فَهَذَا مَا اقتصرت عَلَيْهِ من التَّنْبِيه على الْمَقَاصِد الْمُشْتَملَة عَلَيْهَا الْأَرْبَع الْكَلِمَات الْمَذْكُورَات فِي قَول الإِمَام أبي حَامِد ﵁ الَّتِي ذكر السَّائِل أَنه لم يفهمها عَالم زمانهم الْفَاضِل
بسط الْكَلَام فِي مَعَاني كَلِمَات أبي حَامِد يَسْتَدْعِي تصنيف كتاب كَامِل
ولعمري إِن بسط الْكَلَام فِيهَا يَسْتَدْعِي تصنيف كتاب كَامِل وَفِيمَا ذكرنَا من ذَلِك كِفَايَة عَن التوغل فِي ميدان بعيد الْغَايَة
ولنعد على الْفَوْر إِلَى مَا كُنَّا بصدده من ذكر الدّور
قَالَ بعض أَئِمَّتنَا لَيْسَ فِي هَذِه الْمَسْأَلَة دور لِأَن معجزات الْأَنْبِيَاء ﵈ تبهر عقول الْأَنَام فَمن رَآهَا وَسمع بهَا وَلم يجب إِلَيْهَا وَلَا نظر فِيهَا فَهُوَ مقصر لِأَن ظُهُورهَا مُوجب للنَّظَر وَالشَّرْع ثَابت بظهورها وَإِن لم يثبت عِنْده وَالْوُجُوب مُتَوَقف على ثُبُوت الشَّرْع
стр. 42
بالمعجزات لَا على الْعلم بِثُبُوتِهِ فكم من وَاجِب يتَوَجَّه على الْمُكَلف وَهُوَ غير عَالم بِهِ انْتهى معنى كَلَامه مُخْتَصرا
قلت وَهَذَا نَحْو مِمَّا أَشَارَ إِلَيْهِ إِمَام الْحَرَمَيْنِ ﵁ فِي هَذِه الْمَسْأَلَة حَيْثُ قَالَ شَرط الْوُجُوب عندنَا ثُبُوت السّمع الدَّال عَلَيْهِ مَعَ تمكن الْمُكَلف من الْوُصُول إِلَيْهِ وَقَالَ أَيْضا مُخَاطبا للخصوم هَذَا الَّذِي ألزمتمونا فِي الْمَنْقُول ينعكس عَلَيْكُم فِي قضايات الْعُقُول فَإِن الْموصل إِلَى الْعلم يُوجب النّظر فِي مجاري العبر عنْدكُمْ أَن الْعَاقِل يخْطر بِبَالِهِ تَجْوِيز مَانع يطْلب مِنْهُ مَعْرفَته وشكره على نعمه
وَلَو عرفه وشكره لنجا وَرَجا الثَّوَاب وَلَو كفر واستكبر لتصدى لاسْتِحْقَاق الْعقَاب
فَإِذا تقَابل عِنْده الجائزان وتعارض لَدَيْهِ الاحتمالان فالعاقل يقْضِي بِاخْتِيَار مَا يتَوَقَّع فِيهِ النَّعيم الْمُقِيم وَاجْتنَاب مَا يخْشَى فِيهِ الْعَذَاب الْأَلِيم
فَكَذَلِك المعجزة إِذا ظَهرت وَتمكن الْعَاقِل من دركها كَانَت بِمَثَابَة جَرَيَان الخاطرين على زعم الْخصم فَإِذا جَريا فإمكان النّظر فِي اخْتِيَار أَحدهمَا كإمكان النّظر فِي المعجزة عِنْد ظُهُورهَا
قَالَ وَيلْزم الْخُصُوم فِي مدارك الْعُقُول عِنْد الْغَفْلَة والذهول مَا ألزمونا فِي مُقْتَضى الْمَنْقُول
فَإِن من ذهل عَن هَذِه الخواطر وغفل عَن هَذِه الضمائر لَا يكون عَالما بِوُجُوب النّظر هَذَا مَا اختصرته من كَلَامه غير مُلْتَزم للفظه بل معنى مرامه مَعَ تَقْدِيم وَتَأْخِير مُخَالف لسلك نظامه
طَرِيق الْهدى فِي اتِّبَاع السّنة
قلت وَبعد هَذَا كُله فَاعْلَم أَيهَا السَّائِل أَن من شرح الله صَدره إِلَى الْإِسْلَام وحبب إِلَيْهِ الْإِيمَان ووفقه لسلك طَرِيق الْهدى وَترك الردى لَا يسْلك فِي طلب معرفَة الله طَرِيق أهل المراء والجدال حَتَّى يَقُول لَا أنظر فِي المعجزة أَو فِي الْأَدِلَّة السمعية حَتَّى أعلم صدق صَاحبهَا وَلَا أعلم صدقه حَتَّى أنظر فِيهَا وَنَحْو ذَلِك من مدافعة
стр. 43
الْحق ودعاة من لَيْسَ بموفق واصطلاح من لَيْسَ فِيهِ صَلَاح وَلَا لَاحَ عَلَيْهِ فلاح بل يُبَادر إِلَى النّظر فِيهَا لاحْتِمَال صدقهَا الْمُتَرَتب على التَّصْدِيق بِهِ السَّعَادَة الْكُبْرَى وعَلى التَّكْذِيب بِهِ الشقاوة الْعُظْمَى فَإِذا علم صدقهَا سارع إِلَى التَّصْدِيق بهَا وَالْعلم النافع وَالْعَمَل وَلم يشْتَغل بِعلم المغالطات والتشدق بالجدل كاشتغال الخالين عَن الْخَوْف والوجل الناسين لذكر الله
تعقيب
فَهَذَا كَاف فِي دفع مَا ذكرت من الشُّبْهَة الأولى فِي الْوَجْه الأول وشاف فِيمَا طلبت من فتق صميمها وقشر أديمها لمستبصر فِي طَرِيق الْهِدَايَة موفق بتأييد الْعِنَايَة لم تترو عروقه من منهل الْبِدْعَة والغواية
فَإِن تروت من لَك المنهل الوخم فاغسلا يدك من صِحَة شَاربه السقيم ووصوله إِلَى منهل السّنة العذب ذِي النَّعيم وَأنْشد على رُؤُوس الملا متمثلا
(فبدونك يَا مَاء العذيب تعرضت ... مياه رخيمات عَن الْوَصْل صدت)
الشُّبْهَة الثَّانِيَة
أما مَا ذكرت من الشُّبْهَة الثَّانِيَة فِي الْوَجْه الثَّانِي بِقَوْلِك إِنَّمَا يَصح الِاسْتِدْلَال بِكَلَام الله تَعَالَى مهما كَانَ عدلا حكيما لَا يفعل الْقَبِيح وَلَا يُريدهُ فَأَما مَعَ تجويزكم الْقَبِيح عَلَيْهِ وإرادته بِكُل الكائنات من وُجُوه الْفساد من كفر وظلم وسواه فَمَا الثِّقَة بِكَلَامِهِ إِلَى آخِره فَاعْلَم وَمَا أَظُنك تعلم لما خالطك من الوخم فَأعمى وأصم أَنه تَعَالَى لَا ينْسب إِلَيْهِ قبح وَلَا ظلم لَا يتصوران مِنْهُ بِدَلِيل الْعقل وَالنَّقْل
стр. 44
الْأَدِلَّة الْعَقْلِيَّة على عدم نسب الْقبْح إِلَى الله
أما الْعقل فها أَنا أقدم طرفا مِنْهُ كالتوطئة والتمهيد ثمَّ أذكر بعد النَّقْل مِنْهُ طرفا ردا لَهُ وردفا
فَأَقُول وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق أما دلَالَة الْعقل على ذَلِك فَلِأَن الظَّالِم هُوَ الْمُتَصَرف فِي ملك غَيره
هَذَا قَول جَمِيع أَئِمَّة الْهدى والإتباع وَعَلِيهِ انْعَقَد الْإِجْمَاع قبل ظُهُور الابتداع
قلت أَو فِي ملكه على وَجه مُخَالف لحكم حَاكم عَلَيْهِ يلْزمه طَاعَته وَلَيْسَ الله تَعَالَى متصرفا فِي ملك غَيره وَلَا مُخَالفا لحكم من يلْزمه طَاعَته إِذْ لَا مَالك سواهُ ينْسب الْملك إِلَيْهِ وَلَا حَاكم غَيره يحكم عَلَيْهِ بل هُوَ الْمَالِك للعبيد وَالْحَاكِم بِمَا يُرِيد
لَهُ الْخلق وَالْأَمر والعزة والقهر وَالْعَظَمَة والكبرياء وَالْقُدْرَة والْعَلَاء وَالْعلم وَالْحكمَة وَالسُّلْطَان والسطوة لَا يجْرِي فِي ملكه إِلَّا مَا يَشَاء وَلَا يُوجد إِلَّا مَا سبق بِهِ الْقَضَاء يُعْطي وَيمْنَع ويضر وينفع ويخفض وَيرْفَع ويجلب وَيدْفَع وَيفرق وَيجمع كل نعْمَة مِنْهُ فضل وكل نقمة مِنْهُ عدل لَا يسْأَل عَمَّا يفعل وَهُوَ يسْأَلُون والقبح وَالْحسن يطلقان على معَان مُخْتَلفَة مِنْهَا أَن يُوصف الشَّيْء الملائم للطبع بالْحسنِ وَغير الملائم بالقبح وَمِنْهَا أَن يُوصف الشَّيْء الْكَامِل بالْحسنِ والناقص بالقبح
فهذان المعنيان عقليان بِلَا خلاف وَلَكِن لَيْسَ المُرَاد هُنَا وَإِنَّمَا المُرَاد مَا يتَعَلَّق بِهِ فِي الْأَجَل ثَوَاب أَو عِقَاب فَهَذَا الحكم فِيهِ للشَّرْع دون الْعقل لوجوه الأول مَا تقدم من قَوْله تَعَالَى ﴿وَمَا كُنَّا معذبين حَتَّى نبعث رَسُولا﴾
الثَّانِي أَن الْعقل لَا مجَال لَهُ فِي الاهتداء إِلَى معرفَة الْآخِرَة وَمَا فِيهَا من الثَّوَاب وَالْعِقَاب
стр. 45
الثَّالِث أَن الْفِعْل الْقَبِيح كالكذب مثلا قد يَزُول قبحه وَيحسن عِنْد اشتماله على مصلحَة راجحة على مفسدته وَالْأَحْكَام البديهية ككون الْكل أعظم من جزئه لَا تَزُول بِسَبَب أصلا فَقَوْل الْمُعْتَزلَة إِن بديهة الْعقل تحكم بالتحسين والتقبيح لَيْسَ بِصَحِيح
الرَّابِع أَن أَفعَال الْخلق قد دلّ الدَّلِيل على وُقُوعهَا بقدرة الله تَعَالَى وإرادته وَأَن الْمَخْلُوق غير مستبد بالاختراع
قَالَ أَئِمَّتنَا ﵃ وَمِنْهُم الإِمَام حجَّة الْإِسْلَام أَبُو حَامِد الْغَزالِيّ وَهَذَا لَفظه وَكَيف يكون الْحَيَوَان مستبدا بالاختراع ويصدر من العنكبوت والنحل وَسَائِر الْحَيَوَانَات من لطائف الصناعات مَا تتحير فِيهِ عقول ذَوي الْأَلْبَاب فَكيف انْفَرَدت هِيَ باختراعها دون رب الأرباب وَهِي غير عَالِمَة بتفعيل مَا يصدر مِنْهَا من الأكساب هَيْهَات هَيْهَات ذلت الْمَخْلُوقَات وَتفرد بِالْملكِ والملكوت جَبَّار السَّمَاوَات
قلت وَإِلَى صُدُور ذَلِك عَن اختراع الْإِلَه الْوَاحِد أَشرت بِقَوْلِي فِي بعض القصائد فِي تَوْحِيد الرب الْمَاجِد منتقلا من ذكر الْغَزل إِلَى وصف الله
(خليلي مَا نعمى ونعمان والحمى ... وليلى وَمَا ذكري للبنى ولبنان)
(دَعَاهَا فمقصودي سواهَا وَإِنَّمَا ... أكني بهَا عَن عالي الْوَصْف والشان)
(إِلَه تَعَالَى عَن ثَنَا وصف واصف ... مجيد وَذي جود رَحِيم ورحمان)
(تقدس فِي أَسْمَائِهِ وَصِفَاته ... وَفِي ذَاته عَن كل عيب ونقصان)
(عليم بِكُل الكائنات وخالق ... لَهَا باختراع مِنْهُ من غير أعوان)
(فَكُن كَون الأكوان من غير حَاجَة ... إِلَى فعل آلَات وَقَول وأزمان)
(إِلَه الْحَمد حَقًا وَحده دون غَيره ... على ذَاك قد دلّت قواطع برهَان)
(وَيَكْفِي دَلِيلا قَوْلنَا الْحَمد والثنا ... لوصفين محمودين حسن وإحسان)
(وَلَيْسَ كلا الوصفين إِلَّا لصانع ... حَكِيم جواد وَاحِد مَا لَهُ ثَان)
(فَكل جميل أَو جمال فجوده ... وصنعته عَن حِكْمَة ذَات إتقان)
стр. 46
(وَذَلِكَ كل الكائنات جمادها ... ومائعها مَعَ كل نَام وحيوان)
(فَلَا عرض أَو جَوْهَر غير خلقه ... وَلَا جسم إِلَّا خلق خلاق أكوان)
(فَمَا النَّحْل ثمَّ العنكبوت لتهتدي ... إِلَى صَنْعَة من غير إلهام رحمان)
(وَلَا فطنة فِي صَنْعَة ثمَّ حِكْمَة ... وَعلم أَتَت إِلَّا بتعليم منان)
(وَلَا قدرَة عِنْد الورى أَو إِرَادَة ... سوى خلق سُلْطَان علا كل سُلْطَان)
(فحاشاه من وجدان مَا لَا يُريدهُ ... على ملكه يَعْلُو إِذا ملك شَيْطَان)
(وأفعاله فضل وَعدل تَصرفا ... بِملك يرَاهُ لَيْسَ بالظالم الْجَانِي)
(وَلَيْسَ بذا قبح كَمَا ظن جَاهِل ... نحا باعتزال نَحْو مَذْهَب خذلان)
(وَلَكِن فِيهِ حِكْمَة أَي حِكْمَة ... فَلَا نقمة إِلَّا بهَا سر ديان)
(وَلَا نعْمَة إِلَّا وَمن عِنْده أَتَت ... إِلَيْك وَإِن جاءتك من عِنْد إِنْسَان)
(فيا رب وفقنا لشكر لنا بِهِ ... مزِيد من النعماء فِي نَص قُرْآن)
(واكمل لنا دينا إِلَيْك مقربا ... بتحقيق إِيمَان وإيقان عرفان)
(وصل على زين الْوُجُود مُحَمَّد ... إِمَام الورى مَا غردت ورق أَغْصَان)
قلت وَسَيَأْتِي ذكر مبَاحث عقلية أَيْضا بعد الْأَدِلَّة النقلية إِن شَاءَ الله تَعَالَى أَعنِي مَا وعدت بِهِ أَن يكون ردفا هُوَ الْوَعْد يَنْبَغِي فِيهِ الْوَفَاء
الْأَدِلَّة النقلية على إِجْمَاع الْأمة بِأَن أَفعَال الْعباد وَاقعَة بقدرة الله تَعَالَى وإرادته
الْأَدِلَّة من الْقُرْآن الْكَرِيم
فَأَما النَّقْل فنصوص الْكتاب وَالسّنة ناطقة مَعَ اجماع الْأمة قبل ظُهُور الْبِدْعَة أَن أَفعَال الْعباد وَاقعَة بقدرة الله تَعَالَى وإرادته والاستشهاد من ذَلِك بِالْقَلِيلِ يخرجنا إِلَى حيّز التَّطْوِيل فليقتصر من ذَلِك على مَا يحصل بِهِ الْكِفَايَة فِي الْإِرْشَاد إِلَى الْإِيمَان بِهِ وَالله ولي الْهِدَايَة
стр. 47
١ - فَمن ذَلِك قَوْله تَعَالَى ﴿الله خَالق كل شَيْء﴾
٢ - وَقَوله سُبْحَانَهُ ﴿وَالله خَلقكُم وَمَا تَعْمَلُونَ﴾
٣ - وَقَوله تَعَالَى ﴿أَلا لَهُ الْخلق وَالْأَمر﴾
٤ - وَقَوله سُبْحَانَهُ ﴿أَلا يعلم من خلق وَهُوَ اللَّطِيف الْخَبِير﴾
٥ - وَقَوله تَعَالَى ﴿إِنَّا كل شَيْء خلقناه بِقدر﴾
٦ - وَقَوله سُبْحَانَهُ ﴿من يشإ الله يضلله وَمن يَشَأْ يَجعله على صِرَاط مُسْتَقِيم﴾
٧ - وَقَوله ﵎ ﴿أُولَئِكَ الَّذين لم يرد الله أَن يطهر قُلُوبهم﴾
٨ - وَقَوله ﷻ ﴿ختم الله على قُلُوبهم وعَلى سمعهم وعَلى أَبْصَارهم غشاوة﴾
٩ - وَقَوله سُبْحَانَهُ ﴿وَجَعَلنَا على قُلُوبهم أكنة أَن يفقهوه﴾
стр. 48
١٠ - وَقَوله عز من قَائِل ﴿إِن الَّذين سبقت لَهُم منا الْحسنى أُولَئِكَ عَنْهَا مبعدون﴾
١١ - وَقَوله ﵎ ﴿فَلَا يَأْمَن مكر الله إِلَّا الْقَوْم الخاسرون﴾
١٢ - وَقَوله تَعَالَى ﴿سنستدرجهم من حَيْثُ لَا يعلمُونَ﴾
١٣ - وَقَوله سُبْحَانَهُ ﴿وأضله الله على علم﴾
١٤ - وَقَوله ﴿وَمن يضلل الله فَمَا لَهُ من هاد﴾
١٥ - وَقَوله ﵎ ﴿وَلَو أننا نزلنَا إِلَيْهِم الْمَلَائِكَة وكلمهم الْمَوْتَى وحشرنا عَلَيْهِم كل شَيْء قبلا مَا كَانُوا ليؤمنوا إِلَّا أَن يَشَاء الله﴾
١٦ - وَقَوله سُبْحَانَهُ ﴿وَلَو شَاءَ الله مَا أشركوا﴾
١٧ - وَقَوله ﴿وَلَو شَاءَ رَبك مَا فَعَلُوهُ﴾
١٨ - وَقَوله تَعَالَى ﴿وَمَا تشاؤون إِلَّا أَن يَشَاء الله رب الْعَالمين﴾
стр. 49
١٩ - وَقَوله جلّ وَعلا ﴿وَلَو شَاءَ رَبك لآمن من فِي الأَرْض كلهم جَمِيعًا﴾
٢٠ - وَقَوله سُبْحَانَهُ ﴿وَلَو شِئْنَا لآتينا كل نفس هداها﴾
٢١ - وَقَوله تَعَالَى ﴿أتريدون أَن تهدوا من أضلّ الله﴾
٢٢ - وَقَوله ﴿مَا أصَاب من مُصِيبَة فِي الأَرْض وَلَا فِي أَنفسكُم إِلَّا فِي كتاب من قبل أَن نبرأها﴾
٢٣ - وَقَوله تَعَالَى ﴿كَذَلِك زينا لكل أمة عَمَلهم﴾
٢٤ - وَقَوله سُبْحَانَهُ ﴿وَإِذا أردنَا أَن نهلك قَرْيَة أمرنَا مُتْرَفِيهَا ففسقوا فِيهَا فَحق عَلَيْهَا القَوْل فدمرناها تدميرا﴾
جَاءَ فِي التَّفْسِير أمرنَا أَي كَثرْنَا تَقول أَمر بَنو فلَان بِكَسْر الْمِيم إِذا كَثُرُوا
قلت وَمن ذَلِك قَول مُوسَى ﵇ ﴿لقد جِئْت شَيْئا إمرا﴾ أَي كَبِيرا بِالْيَاءِ الْمُوَحدَة وَقَول أبي سُفْيَان لقد أَمر ابْن أبي كَبْشَة أَي كبر وَعظم
٢٥ - وَقَوله حاكيا عَن الْخضر ﵇ ﴿لقيا غُلَاما فَقتله﴾
стр. 50
وَفِي الحَدِيث الصَّحِيح (أَنه طبع يَوْم طبع كَافِرًا)
٢٦ - وَقَوله تَعَالَى حاكيا قَول الكليم عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالتَّسْلِيم ﴿إِن هِيَ إِلَّا فتنتك تضل بهَا من تشَاء وتهدي من تشَاء﴾
٢٧ - وَقَوله ﵎ حاكيا قَول الْخَلِيل المكرم ﷺ (تعذب من تشَاء وترحم من تشَاء)
٢٨ - وَقَوله سُبْحَانَهُ حاكيا قَول شُعَيْب ﵇ ﴿قد افترينا على الله كذبا إِن عدنا فِي ملتكم بعد إِذْ نجانا الله مِنْهَا وَمَا يكون لنا أَن نعود فِيهَا إِلَّا أَن يَشَاء الله رَبنَا وسع رَبنَا كل شَيْء علما﴾
٢٩ - وَقَوله تَعَالَى حاكيا قَول نوح ﷺ لِقَوْمِهِ ﴿وَلَا ينفعكم نصحي إِن أردْت أَن أنصح لكم إِن كَانَ الله يُرِيد أَن يغويكم هُوَ ربكُم وَإِلَيْهِ ترجعون﴾
قلت وَفِي قَوْله هُوَ ربكُم إِشَارَة إِلَى مَا ذكرت أَولا من أَن تصرف الْمَالِك فِي ملكه لَيْسَ فِيهِ ظلم إِذْ الرب فِي وضع اللُّغَة الْمَالِك وَهَذَا إِنَّمَا ظهر لي عِنْد وضع هَذَا الْكَلَام أَعنِي كَون هَذِه الْإِشَارَة ظَاهِرَة فِي التَّعْلِيل
وَكَذَلِكَ قَول عِيسَى بن مَرْيَم ﴿إِن تُعَذبهُمْ فَإِنَّهُم عِبَادك﴾ فَإِن الْإِشَارَة إِلَى التَّعْلِيل الْمَذْكُور أَيْضا مفهومة من قَوْله فَإِنَّهُم عِبَادك
стр. 51
٣٠ - وَقَوله مخبرا عَن أولي الْأَلْبَاب ومعلما لنا الدُّعَاء والآداب ﴿رَبنَا لَا تزغ قُلُوبنَا بعد إِذْ هديتنا وهب لنا من لَدُنْك رَحْمَة إِنَّك أَنْت الْوَهَّاب﴾
قلت وَهَذِه الْآيَة الْكَرِيمَة خَاتِمَة آيَات ثَلَاثِينَ نسْأَل الله الْكَرِيم أَن يخْتم لنا بهَا ولأحبابنا وَالْمُسْلِمين آمين
وَهَذَا مَا اقتصرت عَلَيْهِ من الْكتاب الْمُبين مِمَّا خطر بالبال وَحضر فِي الْحَال
الْأَدِلَّة النقلية من السّنة على أَن أَفعَال الْعباد وَاقعَة بقدرة الله تَعَالَى وإرادته
وَأما الْأَحَادِيث فاقتصر مِنْهَا أَيْضا على ثَلَاثِينَ حَدِيثا محذوفة الْأَسَانِيد وطرق الرِّوَايَات منسوبة إِلَى الْكتب السِّتَّة الَّتِي هِيَ الْأُصُول لكتب الحَدِيث والأمهات وَالْمُعْتَمد عَلَيْهَا فِي النَّقْل وَالِاسْتِدْلَال فِي جَمِيع الْجِهَات وَهِي صَحِيحا البُخَارِيّ وَمُسلم وموطأ مَالك وَسنَن أبي دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ ﵃ أَجْمَعِينَ
الحَدِيث الأول روينَا فِي صحيحي البُخَارِيّ وَمُسلم وَسنَن أبي
стр. 52
دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ عَن ابْن مَسْعُود ﵁ قَالَ حَدثنَا رَسُول الله ﷺ وَهُوَ الصَّادِق المصدوق (إِن أحدكُم يجمع خلقه فِي بطن أمه أَرْبَعِينَ يَوْمًا ثمَّ يكون علقَة مثل ذَلِك ثمَّ يكون مُضْغَة مثل ذَلِك ثمَّ يُرْسل الْملك فينفخ فِيهِ الرّوح وَيُؤمر بِأَرْبَع كَلِمَات يكْتب رزقه وَعلمه وأجله وشقي أَو سعيد فوالذي لَا إِلَه غَيره إِن أحدكُم ليعْمَل بِعَمَل أهل الْجنَّة حَتَّى مَا يكون بَينه وَبَينهَا إِلَّا ذِرَاع فَيَسْبق عَلَيْهِ الْكتاب فَيعْمل بِعَمَل أهل النَّار فيدخلها وَإِن أحدكُم ليعْمَل بِعَمَل أهل النَّار حَتَّى مَا يكون بَينه وَبَينهَا إِلَّا ذِرَاع فَيَسْبق عَلَيْهِ الْكتاب فَيعْمل بِعَمَل أهل الْجنَّة فيدخلها
الحَدِيث الثَّانِي وروينا فِي صَحِيح مُسلم عَن جَابر ﵁ قَالَ (جَاءَ سراقَة بن مَالك بن جعْشم فَقَالَ يَا رَسُول الله بَين لنا ديننَا كأنا خلقنَا الْآن فِيمَا الْعَمَل الْيَوْم فِيمَا جَفتْ بِهِ الأقلام وَجَرت
стр. 53
بِهِ الْمَقَادِير أم فِيمَا يسْتَقْبل قَالَ بل فِيمَا جَفتْ بِهِ الأقلام وَجَرت بِهِ الْمَقَادِير قَالَ فَفِيمَ الْعَمَل قَالَ اعْمَلُوا فَكل ميسر لما خلق لَهُ وكل عَامل بِعَمَلِهِ)
الحَدِيث الثَّالِث روينَا فِي صَحِيح مُسلم أَيْضا عَن أبي هُرَيْرَة ﵁ قَالَ قَالَ ﷺ (إِن الرجل يعْمل الزَّمن الطَّوِيل بِعَمَل أهل الْجنَّة ثمَّ يخْتم لَهُ عمله بِعَمَل أهل النَّار وَإِن الرجل ليعْمَل الزَّمن الطَّوِيل بِعَمَل أهل النَّار ثمَّ يخْتم لَهُ عمله بِعَمَل أهل الْجنَّة)
الحَدِيث الرَّابِع روينَا فِي صَحِيح مُسلم وجامع التِّرْمِذِيّ عَن
стр. 54
عَمْرو بن الْعَاصِ ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ (كتب الله مقادير الْخَلَائق قبل أَن يخلق السَّمَاوَات وَالْأَرْض بِخَمْسِينَ ألف سنة وعرشه على المَاء)
قَالَ الْعلمَاء المُرَاد تَحْدِيد وَقت الْكِتَابَة فِي اللَّوْح الْمَحْفُوظ أَو غَيره لَا أصل التَّقْدِير فَإِن ذَلِك لَا أول لَهُ
الحَدِيث الْخَامِس روينَا فِي صَحِيح مُسلم عَن أبي هُرَيْرَة ﵁ قَالَ قَالَ ﷺ (الْمُؤمن الْقوي خير وَأحب إِلَى الله من الْمُؤمن الضَّعِيف فِي كل خير احرص على مَا ينفعك واستعن بِاللَّه وَلَا تعجز وَإِن أَصَابَك شَيْء فَلَا تقل لَو أَنِّي فعلت لَكَانَ كَذَا وَكَذَا وَلَكِن قل قدر الله وَمَا شَاءَ فعل فَإِن لَو تفتح عمل الشَّيْطَان)
قَالَ الْعلمَاء وَالْمرَاد بِالْقُوَّةِ عَزِيمَة النَّفس فِي أُمُور الْآخِرَة وَمَا يتَعَلَّق بِالدّينِ من الْإِقْدَام فِي الْجِهَاد وَالْأَمر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَن الْمُنكر وَالصَّبْر على الْأَذَى وأنواع الْبلَاء وَاحْتِمَال المشاق فِي الطَّاعَات والنشاط فِي الْعِبَادَات من الْأَذْكَار وَالصَّوْم والصلوات وَغير ذَلِك من الْمُهِمَّات
الحَدِيث السَّادِس روينَا فِي صَحِيح مُسلم وَسنَن أبي دَاوُد وَالنَّسَائِيّ عَن عَائِشَة ﵂ قَالَت توفّي صبي فَقلت طُوبَى لَهُ عُصْفُور من عصافير الْجنَّة فَقَالَ ﷺ (أَولا تدرين أَن الله خلق الْجنَّة وَخلق النَّار فخلق لهَذِهِ أَهلا ولهذه أَهلا)
стр. 55
الحَدِيث السَّابِع روينَا فِي الصَّحِيحَيْنِ وَسنَن أبي دَاوُد وَالنَّسَائِيّ عَن ابْن عَبَّاس ﵄ قَالَ سُئِلَ ﷺ عَن أَوْلَاد الْمُشْركين فَقَالَ (الله أعلم إِذْ خلقهمْ بِمَا كَانُوا عاملين)
قلت وَسَيَأْتِي فِي آخر الْكتاب ذكر خلاف فيهم من أهل السّنة وَالصَّحِيح أَنهم فِي الْجنَّة لحَدِيث صَحِيح يَأْتِي ذكره هُنَالك
الحَدِيث الثَّامِن عَن أبي هُرَيْرَة ﵁ قَالَ قَالَ ﷺ (حَاج آدم مُوسَى فَقَالَ أَنْت الَّذِي أخرجت النَّاس من الْجنَّة بذنبك وأشقيتهم فَقَالَ آدم لمُوسَى أَنْت الَّذِي اصطفاك الله برسالته وبكلامه أتلومني على أَمر كتبه الله تَعَالَى قبل أَن يخلقني أَو قدره عَليّ قبل أَن يخلقني قَالَ ﷺ فحج آدم مُوسَى)
стр. 56
أخرجه البُخَارِيّ وَمُسلم وَمَالك وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ
قلت وَإِنَّمَا حجه لِأَنَّهُ لامه على ذَنبه بعد التَّوْبَة مِنْهُ والذنب بعد التَّوْبَة غير مواخذ بِهِ بِفضل الله تَعَالَى
وَأما قبل التَّوْبَة فالقدر لَا يقوم بِهِ حجَّة للمذنبين لأَنهم مواخذون بِعدْل الله تَعَالَى
стр. 57
الحَدِيث التَّاسِع روينَا فِي صَحِيح البُخَارِيّ عَن عَائِشَة ﵂ قَالَت سُئِلَ ﷺ عَن الطَّاعُون فَقَالَ (كَانَ عذَابا يَبْعَثهُ الله على من كَانَ قبلكُمْ فَجعله رَحْمَة للْمُؤْمِنين مَا من عبد يكون فِي بلد يكون فِيهِ الطَّاعُون فيمكث فِيهِ وَلَا يخرج صَابِرًا محتسبا يعلم أَنه لَا يُصِيبهُ إِلَّا مَا كتب الله لَهُ إِلَّا كَانَ لَهُ مثل أجر شَهِيد
الحَدِيث الْعَاشِر روينَا فِي صَحِيح البُخَارِيّ أَيْضا عَن أبي هُرَيْرَة ﵁ قَالَ قَالَ ﷺ (تعوذوا بِاللَّه من جهد الْبلَاء ودرك الشَّقَاء وَسُوء الْقَضَاء وشماتة الْأَعْدَاء)
الحَدِيث الْحَادِي عشر روينَا فِي صَحِيح البُخَارِيّ أَيْضا عَن سهل بن سعد ﵁ أَنه ﷺ قَالَ (إِن العَبْد ليعْمَل عمل
стр. 58
أهل النَّار وَهُوَ من أهل الْجنَّة وَيعْمل عمل أهل الْجنَّة وَهُوَ من أهل النَّار وَإِنَّمَا الْأَعْمَال بالخواتيم)
الحَدِيث الثَّانِي عشر روينَا فِي صَحِيح البُخَارِيّ أَيْضا عَن أبي هُرَيْرَة ﵁ قَالَ قَالَ ﷺ (جف الْقَلَم بِمَا أَنْت لَاق)
الحَدِيث الثَّالِث عشر روينَا فِي صَحِيح البُخَارِيّ أَيْضا عَن عمرَان بن الْحصين ﵁ قَالَ قَالَ ﷺ (كل يعْمل لما خلق لَهُ أَو لما تيَسّر لَهُ)
الحَدِيث الرَّابِع عشر روينَا فِي صَحِيح البُخَارِيّ أَيْضا عَن أبي هُرَيْرَة ﵁ قَالَ قَالَ ﷺ (إِن الله كتب على ابْن آدم حَظه من الزِّنَا أدْرك ذَلِك لَا محاله فزنا الْعين النّظر وزنا اللِّسَان الْمنطق وَالنَّفس تتمنى وتشتهي والفرج يصدق ذَلِك أَو يكذبهُ)
стр. 59
الحَدِيث الْخَامِس عشر روينَا فِي صَحِيح البُخَارِيّ وَمُسلم وَسنَن أبي دَاوُد عَن عَليّ كرم الله وَجهه قَالَ كُنَّا فِي جَنَازَة ببقيع الْغَرْقَد فَأَتَانَا رَسُول الله ﷺ فَقعدَ وقعدنا حوله وَبِيَدِهِ مخصرة فَجعل ينكت بهَا الأَرْض وَفِي رِوَايَة بَعضهم عود فَقَالَ مَا مِنْكُم من أحد إِلَّا وَقد كتب مَقْعَده من النَّار أَو من الْجنَّة فَقَالَ رجل من الْقَوْم لَا نَتَّكِل يَا رَسُول الله قَالَ لَا اعْمَلُوا فَكل ميسر وَفِي رِوَايَة بَعضهم فَقَالُوا يَا رَسُول الله أَفلا نَتَّكِل على كتَابنَا فَقَالَ اعْمَلُوا فَكل ميسر لما خلق لَهُ) الحَدِيث
الحَدِيث السَّادِس عشر روينَا فِي صَحِيح مُسلم عَن يحيى بن يعمر رَحمَه الله تَعَالَى قَالَ (كَانَ أول من قَالَ بِالْقدرِ فِي الْبَصْرَة معبد الْجُهَنِيّ فَانْطَلَقت أَنا وَحميد بن عبد الرَّحْمَن الْحِمْيَرِي حاجين أَو معتمرين فَقُلْنَا لَو لَقينَا أحدا من أَصْحَاب رَسُول الله ﷺ فَسَأَلْنَاهُ عَمَّا يَقُول هَؤُلَاءِ فِي الْقدر فوفق لنا عبد الله بن عمر بن الْخطاب ﵄ دَاخِلا الْمَسْجِد فاكتنفته أَنا وصاحبي أَحَدنَا عَن يَمِينه وَالْآخر عَن شِمَاله فَظَنَنْت أَن صَاحِبي سيكل الْكَلَام إِلَيّ فَقلت أَبَا عبد الرَّحْمَن إِنَّه قد ظهر قبلنَا نَاس يقرءُون الْقُرْآن ويتقفرون الْعلم وَذكر من شَأْنهمْ وَأَنَّهُمْ يَزْعمُونَ أَن لَا قدر وَأَن الْأَمر أنف قَالَ فَإِذا لقِيت أُولَئِكَ فَأخْبرهُم أَنِّي بَرِيء مِنْهُم وَأَنَّهُمْ برءاء مني وَالَّذِي يحلف بِهِ عبد الله بن عمر لَو أَن لأَحَدهم مثل أحد ذَهَبا فأنفقه مَا قبل الله مِنْهُ حَتَّى يُؤمن بِالْقدرِ
стр. 60
ثمَّ قَالَ حَدثنِي أبي عمر بن الْخطاب قَائِلا بَيْنَمَا نَحن جُلُوس عِنْد رَسُول الله ﷺ ذَات يَوْم إِذْ طلع علينا رجل شَدِيد بَيَاض الثِّيَاب شَدِيد سَواد الشّعْر لَا يرى عَلَيْهِ أثر السّفر وَلَا يعرفهُ منا أحد حَتَّى جلس إِلَى النَّبِي ﷺ فاسند رُكْبَتَيْهِ إِلَى رُكْبَتَيْهِ وَوضع كفيه على فَخذيهِ وَقَالَ يَا مُحَمَّد أَخْبرنِي عَن الْإِسْلَام فَقَالَ ﷺ (الْإِسْلَام أَن تشهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَأَن مُحَمَّدًا رَسُول الله وتقيم الصَّلَاة وتؤتي الزَّكَاة وتصوم رَمَضَان وتحج الْبَيْت إِن اسْتَطَعْت إِلَيْهِ سَبِيلا فَقَالَ صدقت فعجبنا لَهُ يسْأَله ويصدقه قَالَ فَأَخْبرنِي عَن الْإِيمَان فَقَالَ أَن تؤمن بِاللَّه وَمَلَائِكَته وَكتبه وَرُسُله وَالْيَوْم الآخر وتؤمن بِالْقدرِ خَيره وشره قَالَ صدقت قَالَ وَأَخْبرنِي عَن الْإِحْسَان قَالَ أَن تعبد الله كَأَنَّك ترَاهُ فَإِن لم تكن ترَاهُ فَإِنَّهُ يراك قَالَ فَأَخْبرنِي عَن السَّاعَة قَالَ مَا الْمَسْئُول عَنْهَا بِأَعْلَم من السَّائِل قَالَ فَأَخْبرنِي عَن أمارتها قَالَ أَن تَلد الْأمة رَبهَا وَأَن ترى الحفاة العراة العالة رعاء الشَّاء يتطاولون فِي الْبُنيان قَالَ ثمَّ أَنطلق فَلَبثت مَلِيًّا ثمَّ قَالَ أَتَدْرِي من السَّائِل قلت الله وَرَسُوله أعلم قَالَ فَإِنَّهُ جِبْرِيل أَتَاكُم يعلمكم دينكُمْ) أخرجه البُخَارِيّ وَمُسلم وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ وَالْبَيْهَقِيّ وَغَيرهم
وَقَوله يتقفرون هُوَ بِتَقْدِيم الْقَاف على الْفَاء وَمَعْنَاهُ يطلبونه ويتبعونه هَذَا هُوَ الْمَشْهُور وَقيل مَعْنَاهُ يجمعونه وَرَوَاهُ بَعضهم بِتَقْدِيم الْفَاء وَهُوَ صَحِيح أَيْضا وَمَعْنَاهُ يبحثون عَن غامضه ويستخرجون خُفْيَة
وَرُوِيَ فِي غير مُسلم يقتفون بِتَقْدِيم الْقَاف وَحذف الرَّاء وَهُوَ صَحِيح أَيْضا وَمَعْنَاهُ أَيْضا يتبعونه وَقَالَ بَعضهم يتقعرون بِالْعينِ وَفَسرهُ بِأَنَّهُم يطْلبُونَ قَعْره أَي غامضه وخفيه وَمِنْه متقعر فِي كَلَامه إِذا جَاءَ بالغريب مِنْهُ وَفِي رِوَايَة بَعضهم يتفقهون بِزِيَادَة الْهَاء وَهُوَ ظَاهر
стр. 61
قلت هَذَا مُخْتَصر كَلَام شرَّاح الحَدِيث رَحِمهم الله تَعَالَى
وَقَوله يَزْعمُونَ أَن لَا قدر وَأَن الْأَمر أنف هُوَ بِضَم الْهمزَة وَالنُّون أَي مُسْتَأْنف لم يسْبق بِهِ قدر وَلَا علم من الله وَإِنَّمَا يُعلمهُ بعد وُقُوعه
قَالَ أَئِمَّتنَا وَهَذَا قَول غلاتهم وَلَيْسَ قَول جَمِيع الْقَدَرِيَّة وَكذب قَائِله وضل وافترى
قلت يعنون أَن الْقَدَرِيَّة صنفان أَحدهمَا يَنْفِي الْقدر وَالْعلم مَعًا وَالثَّانِي يَنْفِي الْقدر فَحسب وَسَيَأْتِي إِن شَاءَ الله إِيضَاح ذَلِك وَبَيَان حكم الصِّنْفَيْنِ فِي التَّكْفِير وَأَن الأول مِنْهُمَا كَافِر بِلَا خلاف وهم الَّذين أَرَادَ ابْن عمر وَكَلَامه ظَاهر فِي تكفيرهم وَفِي الثَّانِي اخْتِلَاف بَين أَئِمَّة أهل الْحق وَالله أعلم
الحَدِيث السَّابِع عشر روينَا فِي صَحِيح مُسلم وجامع التِّرْمِذِيّ عَن أبي هُرَيْرَة ﵁ قَالَ جَاءَ مشركو قُرَيْش يُخَاصِمُونَ رَسُول الله ﷺ فِي الْقدر فَنزلت ﴿يَوْم يسْحَبُونَ فِي النَّار على وُجُوههم ذوقوا مس سقر إِنَّا كل شَيْء خلقناه بِقدر﴾
قلت فَهَذِهِ سَبْعَة عشر حَدِيثا كلهَا فِي الْقدر وَكلهَا صِحَاح رويناها فِي الصَّحِيحَيْنِ مَعًا وَبَعضهَا فِي أَحدهمَا كَمَا ترى مَعَ زِيَادَة مَا ذكرت من رِوَايَة مَا فِي الْكتب السِّتَّة الَّتِي هِيَ أصُول الْإِسْلَام وَأُمَّهَات الْأَخْبَار ورواتها الَّذين ذكرتهم من سَادَات الصَّحَابَة ﵃ عشرَة عمر وَعلي وَابْن عَبَّاس وَابْن مَسْعُود وَأَبُو هُرَيْرَة وَعمْرَان بن الْحصين وَجَابِر بن عبد الله وَسَهل بن سعد وَعَمْرو بن الْعَاصِ وَعَائِشَة زوج النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم
стр. 62
وَهَا أَنا أردفها بِأَحَادِيث أُخْرَى فِي الْقدر أَيْضا مِمَّا أخرجه أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَهِي ثَلَاثَة عشر تَتِمَّة الثَّلَاثِينَ الَّتِي وعدت بهَا
الحَدِيث الثَّامِن عشر روينَا فِي سنَن أبي دَاوُد عَن عَليّ ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ (لَا يُؤمن عبد حَتَّى يُؤمن بِأَرْبَع يشْهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَأَنِّي مُحَمَّد رَسُول الله بَعَثَنِي بِالْحَقِّ ويؤمن بِالْمَوْتِ ويؤمن بِالْبَعْثِ بعد الْمَوْت ويؤمن بِالْقدرِ)
الحَدِيث التَّاسِع عشر روينَا فِي سنَن أبي دَاوُد عَنهُ ﷺ (أَنه سَأَلَهُ رجل من مزينة أَو جُهَيْنَة فَقَالَ يَا رَسُول الله فِيمَا يعْمل فِي شَيْء خلا وَمضى أَو شَيْء يسْتَأْنف الْآن قَالَ فِي شَيْء خلا وَمضى فَقَالَ الرجل أَو قَالَ بعض الْقَوْم فَفِيمَ الْعَمَل قَالَ إِن أهل الْجنَّة ميسرون لعمل أهل الْجنَّة وَأَن أهل النَّار ميسرون لعمل أهل النَّار)
الحَدِيث الْعشْرُونَ روينَا فِي جَامع التِّرْمِذِيّ عَن جَابر بن سَمُرَة
стр. 63
رَضِي الله عَنهُ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ (لَا يُؤمن عبد حَتَّى يُؤمن بِالْقدرِ خَيره وشره وَحَتَّى يعلم أَن مَا أَصَابَهُ لم يكن ليخطئه وَمَا أخطأه لم يكن ليصيبه)
الحَدِيث الْحَادِي وَالْعشْرُونَ روينَا فِي سنَن أبي دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ عَن عبَادَة بن الصَّامِت ﵁ أَنه قَالَ لِابْنِهِ عِنْد الْمَوْت يَا بني إِنَّك لن تَجِد طعم الْإِيمَان حَتَّى تعلم أَن مَا أَصَابَك لم يكن ليخطئك وَمَا أخطأك لم يكن ليصيبك فَإِنِّي سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول (إِن أول مَا خلق الله الْقَلَم قَالَ لَهُ اكْتُبْ فَقَالَ يَا رب وماذا أكتب قَالَ اكْتُبْ مقادير كل شَيْء حَتَّى يَوْم الْقِيَامَة فَإِنِّي سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول من مَاتَ عل غير هَذَا فَلَيْسَ مني)
الحَدِيث الثَّانِي وَالْعشْرُونَ روينَا فِي كتاب التِّرْمِذِيّ عَن عَمْرو ابْن الْعَاصِ ﵁ قَالَ خرج علينا رَسُول الله ﷺ وَفِي يَده كِتَابَانِ فَقَالَ أَتَدْرُونَ مَا هَذَانِ الكتابان فَقُلْنَا يَا رَسُول الله إِلَّا أَن تخبرنا فَقَالَ للَّذي فِي يَده الْيُمْنَى هَذَا كتاب من رب الْعَالمين فِيهِ أَسمَاء أهل الْجنَّة وَأَسْمَاء آبَائِهِم وقبائلهم ثمَّ أجمل على آخِرهم فَلَا يُزَاد فيهم وَلَا ينقص مِنْهُم أبدا وَقَالَ للَّذي فِي شِمَاله هَذَا كتاب من رب الْعَالمين فِيهِ أَسمَاء أهل النَّار وَأَسْمَاء آبَائِهِم وقبائلهم ثمَّ اجمل على آخِرهم فَلَا يُزَاد فيهم وَلَا ينقص مِنْهُم أبدا فَقَالَ أَصْحَابه فَفِيمَ الْعَمَل يَا رَسُول الله إِن كَانَ أَمر قد فرغ مِنْهُ فَقَالَ سددوا وقاربوا فَإِن صَاحب الْجنَّة يخْتم لَهُ بِعَمَل أهل الْجنَّة وَإِن عمل أَي عمل وَإِن
стр. 64
صَاحب النَّار يخْتم لَهُ بِعَمَل أهل النَّار وَإِن عمل أَي عمل ثمَّ قَالَ ﷺ بيدَيْهِ فنبذهما ثمَّ قَالَ فرغ ربكُم من الْعباد فريق فِي الْجنَّة وفريق فِي السعير)
قَالَ التِّرْمِذِيّ وَفِي الْبَاب عَن ابْن عمر هَذَا حَدِيث حسن صَحِيح غَرِيب
الحَدِيث الثَّالِث وَالْعشْرُونَ وروينا فِي كتاب التِّرْمِذِيّ عَن ابْن مَسْعُود ﵁ أَنه ﷺ قَالَ (إِن الله خلق كل نفس وَكتب حَيَاتهَا وَرِزْقهَا ومصائبها ومحابها) وَهَذَا بعض الحَدِيث
стр. 65
الحَدِيث الرَّابِع وَالْعشْرُونَ روينَا فِي كتاب التِّرْمِذِيّ أَيْضا عَن عَمْرو بن الْعَاصِ ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ (إِن الله خلق خلقه فِي ظلمَة وَألقى عَلَيْهِم من نوره فَمن أَصَابَهُ ذَلِك النُّور فهادى وَمن أخطأه ضل فَلذَلِك أَقُول جف الْقَلَم على علم الله)
الحَدِيث الْخَامِس وَالْعشْرُونَ فِي الرضاء بِالْقدرِ روينَا فِي جَامع التِّرْمِذِيّ أَيْضا عَن سعد بن أبي وَقاص ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ (من سَعَادَة ابْن آدم رِضَاهُ بِمَا قضى الله وَمن شقاوة ابْن آدم تَركه استخارة الله وَمن شقاوة ابْن آدم سخطه بِمَا قضى الله)
الحَدِيث السَّادِس وَالْعشْرُونَ فِي ذمّ الْقَدَرِيَّة روينَا فِي سنَن أبي دَاوُد عَن حُذَيْفَة ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ (لكل أمة مجوس ومجوس هَذِه الْأمة الْقَدَرِيَّة الَّذين يَقُولُونَ لَا قدر من مَاتَ
стр. 66
مِنْهُم فَلَا تشهدوا جنَازَته وَمن مرض مِنْهُم فَلَا تعودوه فهم شيعَة الدَّجَّال وَحقّ على الله أَن يلحقهم بالدجال زَاد فِي رِوَايَة فَلَا تُجَالِسُوهُمْ وَلَا تفاتحوهم الْكَلَام)
الحَدِيث السَّابِع وَالْعشْرُونَ روينَا فِي كتاب التِّرْمِذِيّ عَن ابْن عَبَّاس ﵄ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ (صنفان من أمتِي لَيْسَ لَهما فِي الْإِسْلَام نصيب المرجئة والقدرية)
الحَدِيث الثَّامِن وَالْعشْرُونَ روينَا فِي سنَن أبي دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ (يكون فِي هَذِه الْأمة خسف ومسخ وَذَلِكَ فِي المكذبين بِالْقدرِ) رَوَاهُ ابْن عمر ﵄ قَالَ وَعَن يافع أَن رجلا أَتَى ابْن عمر فَقَالَ إِن فلَانا يقْرَأ عَلَيْك السَّلَام الرجل من أهل الشَّام فَقَالَ ابْن عمر إِنَّه بَلغنِي أَنه قد أحدث التَّكْذِيب بِالْقدرِ فَإِن كَانَ قد أحدث فَلَا تقرئه مني السَّلَام فَإِنِّي سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول (يكون فِي هَذِه الْأمة خسف ومسخ) الحَدِيث
الحَدِيث التَّاسِع وَالْعشْرُونَ روينَا فِي كتاب التِّرْمِذِيّ عَن أبي
стр. 67
عزة ﵁ أَنه ﷺ قَالَ (إِذا قضى الله لعبد أَن يَمُوت بِأَرْض جعل لَهُ إِلَيْهَا حَاجَة)
قلت وَمن هَذَا نقل أَنه جَاءَ بعض النَّاس إِلَى سُلَيْمَان بن دَاوُد ﵉ وَقَالَ لَهُ يَا نَبِي الله أُرِيد مِنْك أَن تَأمر الرّيح تحملنِي إِلَى بِلَاد الْهِنْد فَإِن لي فِيهَا حَاجَة فِي هَذِه السَّاعَة وألح عَلَيْهِ فِي ذَلِك فَقَالَ لَهُ نعم وَأمر الرّيح أَن تحمله فَلَمَّا خرج من عِنْده الْتفت سُلَيْمَان فَرَأى ملك الْمَوْت ﵇ قَائِما عِنْده وَرَآهُ مُتَبَسِّمًا فَسَأَلَهُ عَن تبسمه فَقَالَ يَا نَبِي الله تعجبت من هَذَا الرجل فَإِنِّي أمرت بِقَبض روحه فِي أَرض الْهِنْد فِي هَذِه السَّاعَة فَبَقيت مفكرا كَيفَ يصل إِلَى بِلَاد الْهِنْد فِي هَذِه السَّاعَة فَلَمَّا سَأَلَك أَن تَأمر الرّيح تعجبت من ذَلِك انْتهى
وَفِي هَذَا الْمَعْنى قلت
(فَمن لم تأته منا المنايا ... إِلَى أوطانه يَوْمًا أَتَاهَا)
(كَمَا قَالَ الَّذِي عزى نفوسا ... وقوى فِي توكلها قواها)
(فَمن كَانَت منيته بِأَرْض ... فَلَيْسَ يَمُوت فِي أَرض سواهَا)
عَن الإِمَام مَالك ﵁ أَنه بلغه أَنه قيل لإياس مَا رَأْيك فِي الْقدر فَقَالَ لَا يعلم سره إِلَّا الله وَكَانَ يضْرب بِهِ الْمثل فِي الْفَهم
قلت وَمِمَّا ضرب الْمثل بِهِ قَول أبي تَمام يمدح بعض الْخُلَفَاء قيل هُوَ الْمَأْمُون وَقيل هُوَ المعتصم بِشعر من جملَته قَوْله
(أَقْدَام عَمْرو فِي سماحة حَاتِم ... فِي حلم أحنف فِي ذكاء إِيَاس)
شبهه فِي الشجَاعَة بِعَمْرو بن معدي كرب وَفِي الْكَرم بحاتم طي الْمَشْهُور وَفِي الْحلم بالسيد الْجَلِيل الْأَحْنَف بن قيس وَفِي الذكاء
стр. 68
بإياس بن مُعَاوِيَة بن قُرَّة الإِمَام المشكور فَغَضب بعض جلساء الممدوح من كبراء دولته من تشبه إِيَّاه بِعَمْرو وحاتم فِي شجاعته وسماحته وَتكلم عَلَيْهِ فِي ذَلِك مُصَغرًا لَهُ لَهما جنبه ومنكرا بالتشبيه بِأَهْل الْكفْر الَّذِي لَا يحمد فَأَطْرَقَ أَبُو تَمام مفكرا فِي ذَلِك ثمَّ أنْشد
(لَا تعجبوا من ضربي لَهُ من دونه مثلا ... شرودا فِي الندى والباس)
(فَالله قد ضرب الْأَقَل لنوره ... مثلا من الْمشكاة والنبراس)
قلت يَعْنِي أَن الله تَعَالَى قد ضرب النُّور الْأَقَل مثلا لنوره الْعَظِيم الْأَجَل وَذَلِكَ قَوْله سُبْحَانَهُ ﴿الله نور السَّمَاوَات وَالْأَرْض مثل نوره كمشكاة فِيهَا مِصْبَاح﴾ الْآيَة
فَزَالَ الْغَضَب وتعجبوا من براعة فطنته واتقاد قريحته غَايَة الْعجب وسألوه عَن إطراقه وسكوته
فَذكر كلَاما مَعْنَاهُ أَنه فكر فِي شَاهد يشْهد لَهُ من كَلَام الْعَرَب فَلم يجده فَاسْتَفْتَحَ كَلَام الله فَوجدَ فِيهِ مَا طلب
قلت لما لحقته فِي ذَلِك الْمَلَامَة فكر فِي شَاهد يشْهد لكَلَامه بالاستقامة فالتمس ذَلِك فِي كَلَام الْعَرَب فَلم يحصل لَهُ فِيهِ إرب فارتحل بفكره وانتقل إِلَى كَلَام الله وغاص فِي بَحر جَوَاهِر علومه على عجل فِي غوصه حَتَّى انْتهى إِلَى بَحر جَوَاهِر النُّور فاستخرج مِنْهُ جَوْهَرَة الشَّاهِد الْمَذْكُور
قلت وَالْكَلَام فِي هَذَا وأشباهه يطول ويخرجنا مِمَّا نَحن لَهُ قاصدون
فَلهَذَا اخْتَرْت الإضراب عَن ذكر شَيْء من المحاسن والآداب وحلم
стр. 69
الْأَحْنَف بن قيس الْمَذْكُور وَمَا ذكر من تعلمه ذَلِك من قيس بن عَاصِم الْمَشْهُور
رَجعْنَا إِلَى مَا كُنَّا بصدده وَعَن الإِمَام مَالك أَيْضا أَنه سَأَلَهُ رجل عَن الْقدر فَقَالَ أَلَسْت تؤمن بِهِ قَالَ بلَى فَقَالَ حَسبك حَدثنِي عَليّ بن الْحُسَيْن عَن أَبِيه رضوَان الله عَلَيْهِمَا أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ (من حسن إِسْلَام الْمَرْء تَركه مَا لَا يعنيه)
وبلغه أَيْضا أَنه قيل للقمان رضوَان الله عَلَيْهِ مَا بلغ بك إِلَى مَا يرى قَالَ أَدَاء الْأَمَانَة وَصدق الحَدِيث وتركي مَا لَا يعنيني
وَقَالَ الإِمَام محيي الدّين النَّوَوِيّ ﵁ قَالَ الإِمَام أَبُو المظفر السَّمْعَانِيّ ﵁ سَبِيل معرفَة هَذَا الْبَاب التَّوْفِيق من الْكتاب وَالسّنة دون مَحْض الْقيَاس وَمُجَرَّد الْعُقُول فَمن عدل عَن التَّوْفِيق فِيهِ ضل وتاه فِي بحار الْحيرَة وَلم يبلغ شفا النَّفس وَلَا يصل إِلَى مَا يطمئن بِهِ الْقلب لِأَن الْقدر سر من أسرار الله تَعَالَى ضربت دونه الأستار واختص الله تَعَالَى بِهِ وحجبه عَن عقول الْخلق ومعارفهم لما علمه من الْحِكْمَة
وواجبنا أَن نقف حَيْثُ حد لنا وَلَا نتجاوزه وَقد طوى الله تَعَالَى علم الْقدر عَن الْعَالم فَلم يُعلمهُ نَبِي مُرْسل وَلَا ملك مقرب وَقيل إِن سر الْقدر ينْكَشف لَهُم إِذا دخلُوا الْجنَّة وَلَا ينْكَشف قبل دُخُولهَا
الحَدِيث الثَّلَاثُونَ روينَا فِي كتاب التِّرْمِذِيّ عَن أبي هُرَيْرَة
стр. 70
رَضِي الله عَنهُ قَالَ خرج علينا رَسُول الله ﷺ وَنحن نتنازع فِي الْقدر فَغَضب حَتَّى احمر وَجهه حَتَّى كَأَنَّمَا فقئ فِي وجنته حب الرُّمَّان وَقَالَ (أَبِهَذَا أمرْتُم أم بِهَذَا أرْسلت إِلَيْكُم إِنَّمَا هلك من كَانَ قبلكُمْ حِين تنازعوا فِي هَذَا الْأَمر عزمت عَلَيْكُم أَن لَا تتنازعوا فِيهِ)
إِيضَاح وتعقيب
قلت فَهَذِهِ ثَلَاثُونَ حَدِيثا فِي الْقدر جمعتها من الصَّحِيحَيْنِ وَبَاقِي الْكتب السِّتَّة الَّتِي فَضلهَا أشهر أخرجهَا كل إِمَام حَافظ نقاد خَبِير رووها بِالْأَسَانِيدِ الْمُتَّصِلَة وَرَوَاهَا عَنْهُم الجم الْغَفِير فَهِيَ الْأُمَّهَات كَمَا قدمت لكتب الحَدِيث وَالْأُصُول والوسيلة الَّتِي يحصل بهَا إِلَى معرفَة السّنة الْوُصُول عَلَيْهَا اعْتمد الْعلمَاء فِي جَمِيع الْأَعْصَار وَبهَا اسْتدلَّ الْفُقَهَاء فِي جَمِيع الْأَمْصَار
وَقد وقدمت أَن سَبْعَة عشر حَدِيثا من الثَّلَاثِينَ الْمَذْكُورَة كلهَا صِحَاح روينَا بَعْضهَا فِي الصَّحِيحَيْنِ مَعًا وَبَعضهَا فِي أَحدهمَا مَعَ مَا ذكرت من زِيَادَة رِوَايَة بَاقِي الْكتب السِّتَّة الصِّحَاح وَذكرت أَيْضا أَن رواتها عشرَة من سَادَات الصَّحَابَة ﵃ وسميتهم وَقد زَاد مَعَهم فِي رُوَاته الثَّالِثَة عشر سِتَّة مِنْهُم
من هم رُوَاة أَحَادِيث الْقدر من الصَّحَابَة
فَجَمِيع رُوَاة أَحَادِيث الْقدر الَّتِي ذكرتها فِي هَذَا الْمُخْتَصر من الصَّحَابَة ﵃ سِتَّة عشر وَجَمِيع رواياتهم فِيهِ مُسندَة لنا مسموعة وَهَذِه أَسمَاؤُهُم ﵃ مَجْمُوعَة ١ - عمر بن الْخطاب ٢ - وَعلي بن أبي طَالب ٣ - وَسعد بن أبي وَقاص ٤ - وَعبد الله ابْن عَبَّاس ٥ - وَعبد الله بن عمر ٦ - وَعبد الله بن مَسْعُود ٧ - وَحُذَيْفَة بن الْيَمَان ٨ - وَأَبُو هُرَيْرَة ٩ - وَعمْرَان بن حُصَيْن ١٠ -
стр. 71
وَجَابِر بن عبد الله ١١ - وَجَابِر بن سَمُرَة ١٢ - وَعبادَة بن الصَّامِت ١٣ - وَسَهل بن سعد ١٤ - وَعَمْرو بن الْعَاصِ ١٥ - وَأَبُو عزة ١٦ - وَعَائِشَة بنت أبي بكر
وروى أَئِمَّة الحَدِيث فِي ذَلِك أَحَادِيث أُخْرَى أَيْضا عَن خلائق من الصَّحَابَة غير الْمَذْكُورين مِنْهُم أَبُو بكر الصّديق وَعبد الله بن عمر ابْن الْعَاصِ وَأنس بن مَالك ومعاذ بن جبل وَأبي بن كَعْب وَأَبُو سعيد وَأَبُو الدَّرْدَاء وخباب بن الْأَرَت وَابْن حميد السَّاعِدِيّ وعدي ابْن حَاتِم وَأَبُو سريحَة الْغِفَارِيّ وَذُو اللِّحْيَة الكلَاعِي وسراقة بن جعْشم وَأَبُو خزامة وَأَسْمَاء بنت أبي بكر
وَهَؤُلَاء خَمْسَة عشر الْجُمْلَة فَيحصل فِي الْمَجْمُوع أحد وَثَلَاثُونَ صحابيا مَعَ غَيرهم ﵃ أَجْمَعِينَ وَجَعَلنَا لهديهم متبعين وبدينهم الْحق ندين وَجمع بَيْننَا وَبينهمْ يَوْم الدّين مَعَ سَائِر الأحباب والمحبين آمين
قلت فَمَا تَقول أَيهَا المعتزلي فِي مَجْمُوع هَذِه الْأَخْبَار الَّتِي رَوَاهَا أَئِمَّة الحَدِيث الْأَعْلَام الْأَحْبَار عَن الثِّقَات والسادات والأخيار عَن الْمُصْطَفى المكرم ﷺ مَعَ كثرتها وَكَثْرَة مخرجها وشهرتها وحسنها وصحتها وَكَثْرَة طرقها وصريح منطوقها الظَّاهِر فِي إِثْبَات الْقدر وَوُجُوب الْإِيمَان بِهِ على طَرِيق التَّوَاتُر أيترك الْأَخْذ بهَا وَالْإِيمَان بمقتضاها ويقتصر على مَحْض حكم الْعُقُول ونرمي بِحكم الشَّرْع وَسنة الرَّسُول وَالله يَقُول فِي مُحكم كِتَابه الَّذِي على سَائِر الْكتب يزهو ﴿وَمَا آتَاكُم الرَّسُول فَخُذُوهُ وَمَا نهاكم عَنهُ فَانْتَهوا﴾ فَأَي دين يبْقى لنا إِذا رمينَا سنة نَبينَا ونبذناها وَرَاء ظُهُورنَا وَدِيننَا
стр. 72
إِنَّمَا هُوَ متلقى مِنْهَا إِذْ مرجوع بَيَان أَحْكَام الْكتاب إِلَيْهَا قَالَ الله الْعَظِيم لنَبيه الْكَرِيم عَلَيْهِ أفضل الصَّلَاة وَالتَّسْلِيم ﴿وأنزلنا إِلَيْك الذّكر لتبين للنَّاس مَا نزل إِلَيْهِم﴾
هَذَا وآيات الْكتاب الْمُقدمَات وَغَيرهَا موافقات للأحاديث الْمَذْكُورَات فِي إِثْبَات الْقدر كَمَا مر وَكَذَا إِجْمَاع سلف الْأمة أهل الِاتِّبَاع قبل ظُهُور الابتداع وَكَذَا النّظر الصَّحِيح من الْعقل لَا يجيل مَا ورد فِي ذَلِك من النَّقْل وَمن الْإِجْمَاع الْمَذْكُور اتِّفَاق السّلف فأظنه على قَول مَا شَاءَ الله كَانَ وَمَا لم يَشَأْ لم يكن
وَفِي هَذَا الْمَعْنى أنْشد الحبر الْفَاضِل بَحر الْفَضَائِل السَّيِّد الْمُعظم وَالْإِمَام الْمُقدم صَاحب الْمرتبَة الْعلية والمشهود لَهُ عِنْد مَوته بالقطبية مُحَمَّد بن إِدْرِيس الشَّافِعِي الْقرشِي المطلبي ﵁ وأرضاه وَجعل فِي علا الْجنَّة مَأْوَاه
(مَا شِئْت كَانَ وَإِن لم أشأ ... وَمَا شِئْت إِن لم تشأ لم يكن)
(
(خلقت الْعباد على مَا علمت ... وَفِي الْعلم يجْرِي الْفَتى والمسن)
(على ذَا أمننت وَهَذَا خذلت ... وَهَذَا أعنت وَذَا لم تعن)
(فَمنهمْ شقي وَمِنْهُم سعيد ... وَمِنْهُم قَبِيح وَمِنْهُم حسن)
(وَمِنْهُم فَقير وَمِنْهُم غَنِي ... وكل بِأَعْمَالِهِ مُرْتَهن)
روى ذَلِك عَنهُ صَاحِبَاه الْمُزنِيّ وَالربيع
وَأما مَا ذكرنَا من اتصافه بالقطبية فَذَلِك مَا رَوَاهُ الشَّيْخ الإِمَام شهَاب الدّين بن ... . عَن الشَّيْخ الإِمَام تَاج الدّين بن عَطاء الله عَن الشَّيْخ الإِمَام الْعَارِف بِاللَّه أبي الْعَبَّاس المرسي عَن الشَّيْخ الإِمَام الْعَارِف بِاللَّه شيخ الشُّيُوخ الْمَشْهُود لَهُ بالقطبية أبي الْحسن الشاذلي رَضِي الله
стр. 73
عَنْهُم أَجْمَعِينَ مَعَ مَا شهد بِهِ الْخضر ﵇ قبل ذَلِك بِزَمَانِهِ أَنه من الْأَوْتَاد وَذَلِكَ فِي قصيدة مَشْهُورَة رويناها فِي رِسَالَة الإِمَام الْقشيرِي الْمَشْهُورَة
قلت وَفِي قرب الْأَشْيَاء من الْوُقُوع بسوق الْقدر وَبعدهَا عَنهُ إِذا لم يقدر أحسن الْقَائِل الآخر
(الْجد أنهض بالفتى من عقله ... فانهض بجدك فِي الْحَوَادِث أَو ذَر)
(مَا أقرب الْأَشْيَاء حِين تسوقها ... قدر وأبعدها إِذا لم تقدر)
وَلما كتب هَذَا الْمَذْكُور جمع فِيهِ بَين الْجد والمقدور خطر لي أَن أنْشد فِي ذَلِك وَأَقُول
(أتظن جدك للفوائت لاحقا ... وشريف عزمك للسوابق سَابِقًا)
(وَحميد رَأْيك للحوادث قائدا ... ثمَّ التَّمَنِّي للأماني سائقا)
(هَيْهَات كل للمرام مُخَالف ... لحكم حق لَا يزَال مُوَافقا)
(كل أبي ينقاد غير الْقَائِد ... مَقْدُور خلاق تبَارك خَالِقًا)
قلت وَهَذِه الأبيات كالمعارضة للبيت الأول مِنْهُمَا فَإِنَّهُ وَإِن كَانَ حسنا وَلَكِن على إِيجَابه الروحاني الأول ثمَّ إِيجَاب الروحاني مَا دونه هَل هَذَا إِلَّا بِحكم لَا معدول لَهُ ثمَّ تكلم مَعَهم فِي الطبائع واجتماع العناصر وَاسْتدلَّ على بطلَان مَذْهَبهم الْمَقْطُوع بِكُفْرِهِ بِمَا لَا حَاجَة إِلَى ذكره إِذْ كفرهم ظَاهر لَا يحْتَاج إِلَى نظر ثمَّ انْتقل إِلَى الْكَلَام فِي الِاسْتِدْلَال على بطلَان التحسين والتقبيح العقليين وَقَالَ فِي أثْنَاء ذَلِك وسبيلنا أَن نوجز عَلَيْهِم القَوْل فَنَقُول مَا ادعيتم حسنه أَو قبحه ضَرُورَة فَأنْتم فِيهِ منازعون وَعَن دعواكم مدفوعون وَإِذا بَطل ادِّعَاء الضَّرُورَة فِي الْأُصُول بَطل رد النظريات إِلَيْهَا
стр. 74
قَالَ وَهَذِه الطَّرِيقَة على اتخاذها يهدم أصُول الْمُعْتَزلَة فِي التحسين والتقبيح
وَإِذا تناقصت هَذِه الْأُصُول وَقَوْلهمْ فِي الصّلاح وَالثَّوَاب وَالْعِقَاب وَغَيرهَا مِنْهَا فتحسم عَلَيْهِم أَبْوَاب الْكَلَام فِي التَّعْدِيل والتجويز
قلت يَعْنِي فِي جَمِيع مَا حكمُوا فِيهِ الْعقل من التحسين والتقبيح وَمَا بنوا على ذَلِك من وجوب الصّلاح والإصلاح واللطف والتعويض على الآلام على الله تَعَالَى ومنشعب من ذَلِك مَذْهَب أهل التناسخ
قَالَ فَيُقَال لَهُم لم ادعيتم الْعلم الضَّرُورِيّ بالْحسنِ والقبح مَعَ علمكُم بِأَن مخالفيكم طبقوا وَجه الأَرْض وَأَقل شرذمة مِنْهُم يربون على عدد التَّوَاتُر وَلَا يسوع اخْتِصَاص طَائِفَة من الْعُقَلَاء بِضَرْب من الْعُلُوم الضرورية دون بعض مَعَ اسْتِوَاء الْجَمِيع فِي مداركها
قَالَ وَمِمَّا يُوضح الْحق فِي دربهم عَن دَعْوَى الضَّرُورَة أَن الَّذِي ادعوهُ قبيحا على البديهة قد أطبق مخالفوهم على تجويزه وَاقعا من أَفعَال الله تَعَالَى مَعَ الْقطع بِكَوْنِهِ حسنا فَإِنَّهُم قَالُوا الرب تَعَالَى أَن يؤلم عبدا من عبيده من غير اسْتِحْقَاق وَلَا تعويض على الْأَلَم وَمن غير جلب نفع وَدفع ضَرَر موقنين على الْأَلَم
ثمَّ كَمَا قطعُوا بتجويز ذَلِك فِي أَحْكَام الله تَعَالَى قطعُوا بِأَنَّهُ لَو وَقع لَكَانَ حسنا وَهَذَا مَا لَا سَبِيل إِلَى دَفعه وَفِيه فرض تَحْسِين فِي الصُّورَة الَّتِي ادّعى الْمُعْتَزلَة الْعلم الضَّرُورِيّ بالقبح فِيهَا
قَالَ وَرُبمَا بِالرُّجُوعِ إِلَى الْعَادَات وَيَقُولُونَ الْعُقَلَاء يستحسنون الْإِحْسَان وإنقاذ الغرقى وتخليص الهلكى ويستقبحون الظُّلم والعدوان وَأَن لم يخْطر لَهُم السّمع
стр. 75
قلت يَعْنِي بِالسَّمْعِ حكم الشَّرْع
قَالَ وَهَذَا تَدْلِيس وتلبيس فَإنَّا لَا ننكر ميل الطباع إِلَى اللَّذَّات ونفورها عَن الْأَلَم وَالَّذِي استشهدون من هَذَا الْقَبِيل وَإِنَّمَا كلامنا فِي مَا يحسن من حكم الله تَعَالَى وَفِيمَا يقبح فِيهِ
وَالدَّلِيل على مَا قُلْنَاهُ أَن الْعَادة كَمَا اطردت على زعمهم فِي استقباح الْعُقَلَاء واستحسانهم فَكَذَلِك اسْتمرّ دأب أَرْبَاب الْأَلْبَاب فِي تقبيح تخلية العبيد وَإِلَّا مَا يفخرون بَعضهم بِبَعْض على مرأى من السَّادة ومسمع وهم متمكنون من حجر بَعضهم عَن بعض فَإِذا تركوهم سدى وَالْحَالة هَذِه كَانَ ذَلِك مستقبحا على الطَّرِيقَة الَّتِي مهدوها مَعَ الْقطع بِأَن ذَلِك لَا يقبح فِي حكم الْإِلَه سُبْحَانَهُ
قلت يَعْنِي أَن ذَلِك وَاقع ومشاهد من عبيد الله الفاخرين بَعضهم بِبَعْض مَعَ علمه تَعَالَى بهم وَقدرته على مَنعهم فوقوعه من أظهر الْأَدِلَّة القاطعة على عدم قبحه فِي حكم الْمولى جلّ وَعلا
وَإِن كَانَ قبيحا فِي حكم الْعباد فَلَا يُقَاس الْغَائِب على الشَّاهِد أَعنِي لَا يُقَاس حكم الله على حكم عبيده إِذْ لَا يتَصَوَّر الْقَبِيح فِي حكمه أصلا لَا شرعا وَلَا عقلا
قَالَ وَرُبمَا يسوغون لاثبات وجوب شكر الْمُنعم عقلا على صَنِيعه فَيَقُولُونَ إِن الْعَاقِل إِذا علم أَن لَهُ رَبًّا جوز فِي ابْتِدَاء نظره أَن يُرِيد مِنْهُ الرب الْمُنعم شكرا أَو لَهُ شكره لأثابه وَأكْرم مثواه وَلَو كفر لعاقبه وأرداه فَإِذا نظر لَهُ الجائزان فالعقل يرشده إِلَى إِثْبَات مَا يُؤَدِّي إِلَى الْأَمْن من الْعقَاب وارتقاب الثَّوَاب
وضربوا لذَلِك مثلا فَقَالُوا من يتَصَدَّى لَهُ فِي سفرته مسلكان
следующие страницы →