← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 6555

مرهم العلل المعضلة في الرد على أئمة المعتزلة

اليافعي

Полный текст (146 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

وَجَابِر بن عبد الله ١١ - وَجَابِر بن سَمُرَة ١٢ - وَعبادَة بن الصَّامِت ١٣ - وَسَهل بن سعد ١٤ - وَعَمْرو بن الْعَاصِ ١٥ - وَأَبُو عزة ١٦ - وَعَائِشَة بنت أبي بكر وروى أَئِمَّة الحَدِيث فِي ذَلِك أَحَادِيث أُخْرَى أَيْضا عَن خلائق من الصَّحَابَة غير الْمَذْكُورين مِنْهُم أَبُو بكر الصّديق وَعبد الله بن عمر ابْن الْعَاصِ وَأنس بن مَالك ومعاذ بن جبل وَأبي بن كَعْب وَأَبُو سعيد وَأَبُو الدَّرْدَاء وخباب بن الْأَرَت وَابْن حميد السَّاعِدِيّ وعدي ابْن حَاتِم وَأَبُو سريحَة الْغِفَارِيّ وَذُو اللِّحْيَة الكلَاعِي وسراقة بن جعْشم وَأَبُو خزامة وَأَسْمَاء بنت أبي بكر وَهَؤُلَاء خَمْسَة عشر الْجُمْلَة فَيحصل فِي الْمَجْمُوع أحد وَثَلَاثُونَ صحابيا مَعَ غَيرهم ﵃ أَجْمَعِينَ وَجَعَلنَا لهديهم متبعين وبدينهم الْحق ندين وَجمع بَيْننَا وَبينهمْ يَوْم الدّين مَعَ سَائِر الأحباب والمحبين آمين قلت فَمَا تَقول أَيهَا المعتزلي فِي مَجْمُوع هَذِه الْأَخْبَار الَّتِي رَوَاهَا أَئِمَّة الحَدِيث الْأَعْلَام الْأَحْبَار عَن الثِّقَات والسادات والأخيار عَن الْمُصْطَفى المكرم ﷺ مَعَ كثرتها وَكَثْرَة مخرجها وشهرتها وحسنها وصحتها وَكَثْرَة طرقها وصريح منطوقها الظَّاهِر فِي إِثْبَات الْقدر وَوُجُوب الْإِيمَان بِهِ على طَرِيق التَّوَاتُر أيترك الْأَخْذ بهَا وَالْإِيمَان بمقتضاها ويقتصر على مَحْض حكم الْعُقُول ونرمي بِحكم الشَّرْع وَسنة الرَّسُول وَالله يَقُول فِي مُحكم كِتَابه الَّذِي على سَائِر الْكتب يزهو ﴿وَمَا آتَاكُم الرَّسُول فَخُذُوهُ وَمَا نهاكم عَنهُ فَانْتَهوا﴾ فَأَي دين يبْقى لنا إِذا رمينَا سنة نَبينَا ونبذناها وَرَاء ظُهُورنَا وَدِيننَا

стр. 72

إِنَّمَا هُوَ متلقى مِنْهَا إِذْ مرجوع بَيَان أَحْكَام الْكتاب إِلَيْهَا قَالَ الله الْعَظِيم لنَبيه الْكَرِيم عَلَيْهِ أفضل الصَّلَاة وَالتَّسْلِيم ﴿وأنزلنا إِلَيْك الذّكر لتبين للنَّاس مَا نزل إِلَيْهِم﴾ هَذَا وآيات الْكتاب الْمُقدمَات وَغَيرهَا موافقات للأحاديث الْمَذْكُورَات فِي إِثْبَات الْقدر كَمَا مر وَكَذَا إِجْمَاع سلف الْأمة أهل الِاتِّبَاع قبل ظُهُور الابتداع وَكَذَا النّظر الصَّحِيح من الْعقل لَا يجيل مَا ورد فِي ذَلِك من النَّقْل وَمن الْإِجْمَاع الْمَذْكُور اتِّفَاق السّلف فأظنه على قَول مَا شَاءَ الله كَانَ وَمَا لم يَشَأْ لم يكن وَفِي هَذَا الْمَعْنى أنْشد الحبر الْفَاضِل بَحر الْفَضَائِل السَّيِّد الْمُعظم وَالْإِمَام الْمُقدم صَاحب الْمرتبَة الْعلية والمشهود لَهُ عِنْد مَوته بالقطبية مُحَمَّد بن إِدْرِيس الشَّافِعِي الْقرشِي المطلبي ﵁ وأرضاه وَجعل فِي علا الْجنَّة مَأْوَاه (مَا شِئْت كَانَ وَإِن لم أشأ ... وَمَا شِئْت إِن لم تشأ لم يكن) ( (خلقت الْعباد على مَا علمت ... وَفِي الْعلم يجْرِي الْفَتى والمسن) (على ذَا أمننت وَهَذَا خذلت ... وَهَذَا أعنت وَذَا لم تعن) (فَمنهمْ شقي وَمِنْهُم سعيد ... وَمِنْهُم قَبِيح وَمِنْهُم حسن) (وَمِنْهُم فَقير وَمِنْهُم غَنِي ... وكل بِأَعْمَالِهِ مُرْتَهن) روى ذَلِك عَنهُ صَاحِبَاه الْمُزنِيّ وَالربيع وَأما مَا ذكرنَا من اتصافه بالقطبية فَذَلِك مَا رَوَاهُ الشَّيْخ الإِمَام شهَاب الدّين بن ... . عَن الشَّيْخ الإِمَام تَاج الدّين بن عَطاء الله عَن الشَّيْخ الإِمَام الْعَارِف بِاللَّه أبي الْعَبَّاس المرسي عَن الشَّيْخ الإِمَام الْعَارِف بِاللَّه شيخ الشُّيُوخ الْمَشْهُود لَهُ بالقطبية أبي الْحسن الشاذلي رَضِي الله

стр. 73

عَنْهُم أَجْمَعِينَ مَعَ مَا شهد بِهِ الْخضر ﵇ قبل ذَلِك بِزَمَانِهِ أَنه من الْأَوْتَاد وَذَلِكَ فِي قصيدة مَشْهُورَة رويناها فِي رِسَالَة الإِمَام الْقشيرِي الْمَشْهُورَة قلت وَفِي قرب الْأَشْيَاء من الْوُقُوع بسوق الْقدر وَبعدهَا عَنهُ إِذا لم يقدر أحسن الْقَائِل الآخر (الْجد أنهض بالفتى من عقله ... فانهض بجدك فِي الْحَوَادِث أَو ذَر) (مَا أقرب الْأَشْيَاء حِين تسوقها ... قدر وأبعدها إِذا لم تقدر) وَلما كتب هَذَا الْمَذْكُور جمع فِيهِ بَين الْجد والمقدور خطر لي أَن أنْشد فِي ذَلِك وَأَقُول (أتظن جدك للفوائت لاحقا ... وشريف عزمك للسوابق سَابِقًا) (وَحميد رَأْيك للحوادث قائدا ... ثمَّ التَّمَنِّي للأماني سائقا) (هَيْهَات كل للمرام مُخَالف ... لحكم حق لَا يزَال مُوَافقا) (كل أبي ينقاد غير الْقَائِد ... مَقْدُور خلاق تبَارك خَالِقًا) قلت وَهَذِه الأبيات كالمعارضة للبيت الأول مِنْهُمَا فَإِنَّهُ وَإِن كَانَ حسنا وَلَكِن على إِيجَابه الروحاني الأول ثمَّ إِيجَاب الروحاني مَا دونه هَل هَذَا إِلَّا بِحكم لَا معدول لَهُ ثمَّ تكلم مَعَهم فِي الطبائع واجتماع العناصر وَاسْتدلَّ على بطلَان مَذْهَبهم الْمَقْطُوع بِكُفْرِهِ بِمَا لَا حَاجَة إِلَى ذكره إِذْ كفرهم ظَاهر لَا يحْتَاج إِلَى نظر ثمَّ انْتقل إِلَى الْكَلَام فِي الِاسْتِدْلَال على بطلَان التحسين والتقبيح العقليين وَقَالَ فِي أثْنَاء ذَلِك وسبيلنا أَن نوجز عَلَيْهِم القَوْل فَنَقُول مَا ادعيتم حسنه أَو قبحه ضَرُورَة فَأنْتم فِيهِ منازعون وَعَن دعواكم مدفوعون وَإِذا بَطل ادِّعَاء الضَّرُورَة فِي الْأُصُول بَطل رد النظريات إِلَيْهَا

стр. 74

قَالَ وَهَذِه الطَّرِيقَة على اتخاذها يهدم أصُول الْمُعْتَزلَة فِي التحسين والتقبيح وَإِذا تناقصت هَذِه الْأُصُول وَقَوْلهمْ فِي الصّلاح وَالثَّوَاب وَالْعِقَاب وَغَيرهَا مِنْهَا فتحسم عَلَيْهِم أَبْوَاب الْكَلَام فِي التَّعْدِيل والتجويز قلت يَعْنِي فِي جَمِيع مَا حكمُوا فِيهِ الْعقل من التحسين والتقبيح وَمَا بنوا على ذَلِك من وجوب الصّلاح والإصلاح واللطف والتعويض على الآلام على الله تَعَالَى ومنشعب من ذَلِك مَذْهَب أهل التناسخ قَالَ فَيُقَال لَهُم لم ادعيتم الْعلم الضَّرُورِيّ بالْحسنِ والقبح مَعَ علمكُم بِأَن مخالفيكم طبقوا وَجه الأَرْض وَأَقل شرذمة مِنْهُم يربون على عدد التَّوَاتُر وَلَا يسوع اخْتِصَاص طَائِفَة من الْعُقَلَاء بِضَرْب من الْعُلُوم الضرورية دون بعض مَعَ اسْتِوَاء الْجَمِيع فِي مداركها قَالَ وَمِمَّا يُوضح الْحق فِي دربهم عَن دَعْوَى الضَّرُورَة أَن الَّذِي ادعوهُ قبيحا على البديهة قد أطبق مخالفوهم على تجويزه وَاقعا من أَفعَال الله تَعَالَى مَعَ الْقطع بِكَوْنِهِ حسنا فَإِنَّهُم قَالُوا الرب تَعَالَى أَن يؤلم عبدا من عبيده من غير اسْتِحْقَاق وَلَا تعويض على الْأَلَم وَمن غير جلب نفع وَدفع ضَرَر موقنين على الْأَلَم ثمَّ كَمَا قطعُوا بتجويز ذَلِك فِي أَحْكَام الله تَعَالَى قطعُوا بِأَنَّهُ لَو وَقع لَكَانَ حسنا وَهَذَا مَا لَا سَبِيل إِلَى دَفعه وَفِيه فرض تَحْسِين فِي الصُّورَة الَّتِي ادّعى الْمُعْتَزلَة الْعلم الضَّرُورِيّ بالقبح فِيهَا قَالَ وَرُبمَا بِالرُّجُوعِ إِلَى الْعَادَات وَيَقُولُونَ الْعُقَلَاء يستحسنون الْإِحْسَان وإنقاذ الغرقى وتخليص الهلكى ويستقبحون الظُّلم والعدوان وَأَن لم يخْطر لَهُم السّمع

стр. 75

قلت يَعْنِي بِالسَّمْعِ حكم الشَّرْع قَالَ وَهَذَا تَدْلِيس وتلبيس فَإنَّا لَا ننكر ميل الطباع إِلَى اللَّذَّات ونفورها عَن الْأَلَم وَالَّذِي استشهدون من هَذَا الْقَبِيل وَإِنَّمَا كلامنا فِي مَا يحسن من حكم الله تَعَالَى وَفِيمَا يقبح فِيهِ وَالدَّلِيل على مَا قُلْنَاهُ أَن الْعَادة كَمَا اطردت على زعمهم فِي استقباح الْعُقَلَاء واستحسانهم فَكَذَلِك اسْتمرّ دأب أَرْبَاب الْأَلْبَاب فِي تقبيح تخلية العبيد وَإِلَّا مَا يفخرون بَعضهم بِبَعْض على مرأى من السَّادة ومسمع وهم متمكنون من حجر بَعضهم عَن بعض فَإِذا تركوهم سدى وَالْحَالة هَذِه كَانَ ذَلِك مستقبحا على الطَّرِيقَة الَّتِي مهدوها مَعَ الْقطع بِأَن ذَلِك لَا يقبح فِي حكم الْإِلَه سُبْحَانَهُ قلت يَعْنِي أَن ذَلِك وَاقع ومشاهد من عبيد الله الفاخرين بَعضهم بِبَعْض مَعَ علمه تَعَالَى بهم وَقدرته على مَنعهم فوقوعه من أظهر الْأَدِلَّة القاطعة على عدم قبحه فِي حكم الْمولى جلّ وَعلا وَإِن كَانَ قبيحا فِي حكم الْعباد فَلَا يُقَاس الْغَائِب على الشَّاهِد أَعنِي لَا يُقَاس حكم الله على حكم عبيده إِذْ لَا يتَصَوَّر الْقَبِيح فِي حكمه أصلا لَا شرعا وَلَا عقلا قَالَ وَرُبمَا يسوغون لاثبات وجوب شكر الْمُنعم عقلا على صَنِيعه فَيَقُولُونَ إِن الْعَاقِل إِذا علم أَن لَهُ رَبًّا جوز فِي ابْتِدَاء نظره أَن يُرِيد مِنْهُ الرب الْمُنعم شكرا أَو لَهُ شكره لأثابه وَأكْرم مثواه وَلَو كفر لعاقبه وأرداه فَإِذا نظر لَهُ الجائزان فالعقل يرشده إِلَى إِثْبَات مَا يُؤَدِّي إِلَى الْأَمْن من الْعقَاب وارتقاب الثَّوَاب وضربوا لذَلِك مثلا فَقَالُوا من يتَصَدَّى لَهُ فِي سفرته مسلكان

стр. 76

يُؤَدِّي كل وَاحِد إِلَى مقْصده وَأَحَدهمَا خلي عَن المخاوف عري عَن المتالف وَالثَّانِي يَشْمَل على المعاطب واللصوص وضواري السبَاع وَلَا غَرَض لَهُ فِي السَّبِيل الْمخوف فالعقل يقْضِي بسلوك السَّبِيل الْمَأْمُون قَالَ وَهَذَا الَّذِي ذَكرُوهُ لَهُ مَا قَالُوهُ فَإِنَّهُ يُعَارضهُ خاطر آخر يناقضه وَذَلِكَ أَن يخْطر للعاقل أَنه عبد مَمْلُوك مخترع مربوب وَأَن لَيْسَ للملوك إِلَّا مَا أذن لَهُ مَالِكه وَلَو أتعب نَفسه وانصبها لَصَارَتْ مكدودة مجهودة من غير إِذن رَبهَا وَقد يعْتَقد هَذَا الخاطر عِنْده بِأَن الرب غَنِي عَن شكر الشَّاكِرِينَ متعال عَن الِاحْتِيَاج وَأَن تَعَالَى كَمَا يسدي النعم قبل اسْتِحْقَاقهَا لَا يَبْتَغِي بَدَلا عَلَيْهَا فَإِذا عَارض هَذَا الخاطر مَا ذَكرُوهُ قضى الْعقل بتوقف من خطر لَهُ الخاطران قَالَ وَمِمَّا يُؤَكد مَا قُلْنَاهُ أَن الْملك الْعَظِيم إِذا منح عبدا من عبيده كسرة من رغيف ثمَّ أَرَادَ ذَلِك العَبْد أَن يَدُور فِي الْمَشَارِق والمغارب ويثني على الْملك بِمَا حباه ويشكر عطاءه وينص على إنعامه فَلَا يعد ذَلِك مستحسنا فَإِن مَا صدر من الْملك بِالْإِضَافَة إِلَى قدره نزير مستحقر تافه مستصغر وَجُمْلَة النعم بِالْإِضَافَة إِلَى قدر الله تَعَالَى أقل وأحقر من كسيرة رغيف بِالْإِضَافَة إِلَى ملك ملك قَالَ فَإِن أردنَا أَن ينْقض عَلَيْهِم مَا ذَكرُوهُ من وَجه آخر فَرضنَا الْكَلَام فِيمَن لم يخْطر لَهُ الْمُنعم أَو لَا فَنَقُول هَذَا قَوْلكُم فِيمَن خطرت لَهُ الْفِكر وعنت لَهُ العبر فَمَا قَوْلكُم فِي الْعَاقِل الذاهل الَّذِي لم يخْطر بِبَالِهِ شَيْء فَهَذَا قد فقد الطَّرِيق إِلَى الْعلم بِالْوُجُوب وَالشُّكْر حتم عَلَيْهِ قَالَ وَهَذَا عَظِيم موقعه على الْخُصُوم فَإِن قَالُوا لَا بُد أَن يخْطر الله تَعَالَى ببال الْعَاقِل فِي أول كَمَال عقله مَا ذَكرْنَاهُ فَهَذَا تلاعب بِالدّينِ فكم من عَاقل متماد فِي غوايته مُسْتَمر على غرته لم يخْطر لَهُ قطّ مَا ذَكرُوهُ ثمَّ هَذِه الخواطر فِي ابْتِدَاء النّظر شكوك وَالشَّكّ

стр. 77

فِي الله تَعَالَى كفر والرب تَعَالَى لَا يخلق الْكفْر على أصولهم فَإِن قَالُوا يبْعَث الله تَعَالَى إِلَى كل عَاقل ملكا يخْتم على قلبه وَيَقُول فِي نَفسه قولا يسمعهُ فَهَذَا بهت عَظِيم وَإِثْبَات كَلَام لم يسمعهُ ذُو عقل وَفِيه نقض أصلهم فِي استبعاد الْكَلَام سوى الْحُرُوف والأصوات القَوْل فِي الْهدى والضلال والختم والطبع وَقَالَ أَيْضا فِي الْهدى والضلال والختم والطبع اعْلَم وفقك الله لمرضاته أَن كتاب الله الْعَزِيز اشْتَمَل على آي من الْقُرْآن دَالَّة على تفرد الرب ﵎ بهداية الْخلق وإضلالهم والطبع على قُلُوب الْكَفَرَة مِنْهُم هِيَ نُصُوص من إبِْطَال مَذَاهِب مخالفي أهل الْحق وَنحن نذْكر عَن ميامن آيَات الْهدى والضلال ثمَّ نتبعها بِالْآيِ المحتوية على ذكر الْخَتْم والطبع فمما يعظم موقعه عَلَيْهِم قَوْله تَعَالَى ﴿وَالله يَدْعُو إِلَى دَار السَّلَام وَيهْدِي من يَشَاء إِلَى صِرَاط مُسْتَقِيم﴾ وَقَوله تَعَالَى ﴿إِنَّك لَا تهدي من أَحْبَبْت وَلَكِن الله يهدي من يَشَاء﴾ وَقَوله تَعَالَى ﴿من يهد الله فَهُوَ الْمُهْتَدي وَمن يضلل فَأُولَئِك هم الخاسرون﴾ وَاعْلَم أَن الْهدى فِي هَذِه الْآي لَا يتَّجه حمله إِلَّا على خلق الْإِيمَان وَكَذَلِكَ لَا يتَّجه حمل الضلال على غير خلق الضلال ولسنا ننكر وُرُود الْهِدَايَة فِي كتاب الله على غير هَذَا الْمَعْنى الَّذِي ذكرنَا فقد ترد وَالْمرَاد بهَا الدعْوَة

стр. 78

قَالَ الله تَعَالَى ﴿وَإنَّك لتهدي إِلَى صِرَاط مُسْتَقِيم﴾ مَعْنَاهُ وَإنَّك لتدعو وَقد ترد الْهِدَايَة وَالْمرَاد بهَا إرشاد الْمُؤمنِينَ إِلَى مسالك الْجنان والطرق المفضية إِلَيْهَا يَوْم الْقِيَامَة قَالَ الله تَعَالَى ﴿فَلَنْ يضل أَعْمَالهم سيهديهم وَيصْلح بالهم﴾ فَذكر تَعَالَى الْمُجَاهدين فِي سَبيله وعنى بهم الْمُهَاجِرين وَالْأَنْصَار ثمَّ قَالَ سيهديهم فَتعين حمل الْهِدَايَة على مَا ذَكرْنَاهُ وَقَالَ تَعَالَى ﴿فاهدوهم إِلَى صِرَاط الْجَحِيم﴾ مَعْنَاهُ اسلكوا بهم إِلَيْهَا وَالْمعْنَى بقوله تَعَالَى ﴿وَأما ثَمُود فهديناهم﴾ الدعْوَة وَمعنى الْآيَة إِنَّا دعوناهم فاستحبوا الْعَمى على مَا دعوا إِلَيْهِ من الْهدى قَالَ وَإِنَّمَا أَشَرنَا إِلَى انقسام معنى الْهدى والضلال ليحيطوا علما بِأَنا لَا ننكر وُرُود الْهدى والضلال على غير معنى الْخلق وَلَكنَّا خصصنا استدلالنا بِالْآيِ الَّتِي صدرنا الْفَصْل بهَا وَلَا سَبِيل إِلَى حمله على الدعْوَة فَإِنَّهُ تَعَالَى فصل بَين الدعْوَة وَالْهِدَايَة فَقَالَ ﴿وَالله يَدْعُو إِلَى دَار السَّلَام وَيهْدِي من يَشَاء﴾ فخصص الْهِدَايَة وعمم الدعْوَة وَهَذَا مُقْتَضى مَا استدللنا بِهِ من الْآيَات وَلَا وَجه بحملها على الْإِرْشَاد إِلَى طَرِيق الْجنان فَإِنَّهُ تَعَالَى علق الْهِدَايَة على مَشِيئَته واختياره وكل من يسْتَوْجب الْجنان فحتم على الله عِنْد الْمُعْتَزلَة أَن يدْخلهُ الْجنَّة وَقَوله تَعَالَى ﴿فَمن يرد الله أَن يهديه يشْرَح صَدره لِلْإِسْلَامِ﴾ مُصَرح بِأَحْكَام الدُّنْيَا وَشرح الصَّدْر وحرجه وَذكر

стр. 79

الْإِسْلَام من أصدق الْآيَات على مَا قُلْنَا وَإِن اسْتشْهد الْمُعْتَزلَة فِي روم حمل الْهِدَايَة على الدعْوَة أَو غَيرهَا مِمَّا يُطَابق معتقدهم بِالْآيَاتِ الَّتِي يتلونها فَالْوَجْه أَن تَقول لَا بعد فِي حمل مَا استشهدتم بِهِ على مَا ذكرتموه وَإِنَّمَا استدللنا بِالْآيَاتِ المفصلة المخصصة للهدى بِقوم والضلال بِآخَرين مَعَ التَّنْصِيص على ذكر الْإِسْلَام وَشرح الصَّدْر لَهُ وَلَا مجَال لتأويلاتهم المزخرفة فِي النُّصُوص الَّتِي استدللنا بهَا قَالَ وَأما آيَات الطَّبْع والختم فَمِنْهَا قَوْله تَعَالَى ﴿ختم الله على قُلُوبهم﴾ وَقَوله تَعَالَى ﴿بل طبع الله عَلَيْهَا بكفرهم﴾ وَقَوله تَعَالَى ﴿وَجَعَلنَا قُلُوبهم قاسية﴾ قَالَ وَقد حارت الْمُعْتَزلَة فِي هَذِه الْآيَات واضطربت لَهَا آراؤهم فَذَهَبت طَائِفَة من الْبَصرِيين إِلَى تَسْمِيَة الرب تَعَالَى الْكَفَرَة بنبذ الْكفْر والضلال قَالُوا فَهَذَا معنى الطَّبْع قَالَ وَلَا خَفَاء بِسُقُوط هَذَا الْكَلَام فَإِن الرب تَعَالَى تمدح بِهَذِهِ الْآيَات وإثباتها عَن اقتهاره واقتداره على ضمائر العَبْد وإسراره وَبَين أَن الْقُلُوب بِحكمِهِ يقلبها كَيفَ شَاءَ وَصرح بذلك فِي قَوْله تَعَالَى ﴿ونقلب أفئدتهم وأبصارهم﴾ فَكيف يستجاز حمل هَذِه الْآيَات على تَسْمِيَة وتلقيب وَكَيف يسوغ ذَلِك اللبيب وَالْوَاحد منا لَا يعجز عَن التسميات والتلقيبات فَمَا وَجه استيثار الرب بسلطانه قَالَ وَجَهل الجبائي وَابْنه هَذِه الْآيَات على محمل بشع مُؤذن

стр. 80

بقلة إكرامهما بِالدّينِ وَذَلِكَ أَنَّهُمَا قَالَا من كفر وسم الله قلبه بسمة يعلمهَا الْمَلَائِكَة فَإِذا ختموا على الْقُلُوب تميزت لَهُم قُلُوب الْكفَّار من أَفْئِدَة فَهَذَا معنى الْخَتْم عِنْدهمَا وَمَا ذكرَاهُ مُخَالفَة لنَصّ الْكتاب وفحوى الْخطاب فَإِن الْآيَات نُصُوص فِي أَن الله تَعَالَى يصرف بالطبع والختم عَن سَبِيل الرشاد من أَرَادَ صرفه من الْعباد فَإِنَّهُ تَعَالَى قَالَ ﴿وَجَعَلنَا على قُلُوبهم أكنة أَن يفقهوه﴾ فاقتضت الْآيَة كَون الأكنة مَانِعَة من إِدْرَاك الْحق والسمة الَّتِي اخترعوا القَوْل بهَا لَا يمْنَع من الْإِدْرَاك وَإِلَى مَتى نتعدى غرضنا فِي الِاخْتِصَار وَقد وضح الْحق وحصحص واستبان عناد الْمُخَالفين من تأويلاتهم وَالله الْمُوفق للصَّوَاب ثمَّ قَالَ فِي الِاسْتِطَاعَة وَحكمهَا العَبْد قَادر على كَسبه وَقدرته بانية عَلَيْهِ وَذَهَبت الجبرية إِلَى نفي الْقُدْرَة وَزَعَمُوا أَن مَا يُسمى كسبا للْعَبد أَو فعلا لَهُ فَهُوَ على سَبِيل التَّجَوُّز والتوسع فِي الْإِطْلَاق والحركات الإرادية بِمَثَابَة الرعدة والرعشة قَالَ الدَّلِيل على إِثْبَات الْقُدْرَة أَن العَبْد إِذا ارتعدت يَده ثمَّ حركها قصدا فَإِنَّهُ يفرق بَين حالتيه فِي الْحَرَكَة الضرورية وَالْحَرَكَة الَّتِي اخْتَارَهَا واكتسبها والتفرقة بَين حالتي الِاضْطِرَار وَالِاخْتِيَار مَعْلُومَة على الضَّرُورَة ويستحيل رُجُوعهَا إِلَى اخْتِلَاف الحركتين فَإِن الضَّرُورَة مماثلة الاختيارية قطعا وَلكُل وَاحِدَة من الحركتين ذهَاب من جِهَة وَاحِدَة وانتقال إِلَيْهَا وَلَا وَجه فِي ادِّعَاء افتراقها بِصفة مَجْهُولَة يدعى فَإِن ذَلِك يحسم طَرِيق الْعَمَل متماثل كل مثلين فَإِذا لم ترجع التَّفْرِقَة إِلَى الحركتين تعين صرفهَا إِلَى صفة المتحرك وَلَيْسَ ذَلِك إِلَّا الْقُدْرَة ثمَّ نسلك بعد ذَلِك سَبِيل السبر والتقسيم فِي إِثْبَات الْقُدْرَة فَنَقُول يَسْتَحِيل رُجُوع التَّفْرِقَة إِلَى نفس الْقَائِل من غير مزِيد فَإِن

стр. 81

الْأَمر لَو كَانَ كَذَلِك لاستمرت صفة النَّفس مَا دَامَت النَّفس فَإِذا رجعت التَّفْرِقَة إِلَى زَائِد على النَّفس لم يخل ذَلِك الزَّائِد من أَن يكون حَالا أَو عرضا وباطل أَن يكون حَالا فَإِن الْحَال الْمُجَرَّدَة لَا تطرأ على الْجَوْهَر بل تتبع مَوْجُودا طارئا وَإِن كَانَ ذَلِك الزَّائِد عرضا فَتعين كَونه قدرَة فَإِنَّهُ مَا من صفة من صِفَات المكتسب عِنْد الْقُدْرَة إِلَّا وَيتَصَوَّر ثُبُوتهَا مَعَ الاقتدار وينتفي مُعظم الصِّفَات الْمُغَايرَة للقدرة مَعَ ثُبُوت الْقُدْرَة وَالْقُدْرَة الْحَادِثَة عرض من الْأَعْرَاض وَهِي غير بَاقِيَة وَهَذَا حكم جَمِيع الْأَعْرَاض عندنَا وأطبقت الْمُعْتَزلَة على بَقَاء الْقُدْرَة الدَّلِيل على اسْتِحَالَة بَقَاء جَمِيع الْأَعْرَاض وَالدَّلِيل على اسْتِحَالَة بَقَاء جَمِيع الْأَعْرَاض أَنَّهَا لَو بقيت لاستحال عدمهَا مَا يفرضه هَذَا الدَّلِيل فِي الْقَدَرِيَّة قَالَ ويفرض هَذَا الدَّلِيل فِي الْقُدْرَة ثمَّ سنبين اطراده فِيمَا عداهُ فَنَقُول لَو بقيت الْقُدْرَة ثمَّ قدر عدمهَا لم يخل القَوْل فِي ذَلِك إِمَّا أَن يقدر انتفاؤها بضد وَهُوَ مَذْهَب الْمُخَالفين وَإِمَّا أَن يقدر انتفاؤها بِانْتِفَاء شَرط لَهَا وباطل تَقْدِير عدمهَا بطريان ضد فَإِنَّهُ لَيْسَ الضِّدّ الطَّارِئ بِنَفْي الْقُدْرَة أولى من رد الْقُدْرَة الضِّدّ ومنعها إِيَّاه من الطريان ثمَّ إِذا تعاقب الضدان فَالثَّانِي يُوجد فِي حَال عدم الأول فَإِذا تحقق عَدمه فَلَا حَاجَة إِلَى الضِّدّ وَقد يصرم مَا قبله وباطل أَن يُقَال تَنْتفِي الْقُدْرَة بِانْتِفَاء شَرطهَا فَإِن شَرطهَا لَا يَخْلُو إِمَّا أَن يكون عرضا وَإِمَّا أَن يكون جوهرا فَإِن كَانَ عرضا فَالْكَلَام فِي بَقَائِهِ وانتفائه كَالْكَلَامِ فِي الْقُدْرَة

стр. 82

وَإِن كَانَ جوهرا فَلَا يتَصَوَّر مَعَ القَوْل بِبَقَاء الْأَعْرَاض انْتِفَاء الْجَوَاهِر فَإِن سَبِيل انتفاءها قطع الْأَعْرَاض عَنْهَا فَإِذا قضى بَقَاء الْأَعْرَاض لم يتَصَوَّر عدمهَا فَإِذا امْتنع تَقْدِير عدمهَا امْتنع عدم الْجَوْهَر وَبَطل الْمصير إِلَى أَن الْقُدْرَة تعدم بإعدام الله تَعَالَى إِيَّاهَا فَإِن الإعدام هُوَ الْعَدَم والعدم نفي مَحْض ويستحيل أَن يكون الْمَقْدُور نفيا إِذْ لَا فرق بَين أَن يُقَال لَا مَقْدُور للقدرة وَبَين أَن يُقَال مقدورها مُنْتَفٍ علاقَة الْقُدْرَة بالحدوث قَالَ وَإِذا ثَبت اسْتِحَالَة بَقَاء الْقُدْرَة الْحَادِثَة فَإِنَّهَا يُقَارب حُدُوث مقدوراتها وَلَا يتَقَدَّم عَلَيْهِ وَلَو قَدرنَا سبق الِاعْتِقَاد إِلَى بَقَاء الْقُدْرَة لما اسْتَحَالَ تقدمها على وُقُوع مقدوراتها وَلذَلِك يجب الْقطع بِعَدَمِ الْقُدْرَة الأزلية على وُقُوع المقدورات وَلما ثَبت أَن الْقُدْرَة الْحَادِثَة لَا تبقى ترَتّب على ذَلِك اسْتِحَالَة تقدمها على الْمَقْدُور فَإِنَّهَا لَو تقدّمت عَلَيْهِ لوقع الْمَقْدُور مَعَ انْتِفَاء الْقُدْرَة وَذَلِكَ مُسْتَحِيل والحادث فِي حَال حُدُوثه مَقْدُور بِالْقُدْرَةِ الْقَدِيمَة وَإِن كَانَ مُتَعَلقا للقدرة الْحَادِثَة فَهُوَ مَقْدُور بهَا وَإِذا بَقِي مَقْدُور من مقدورات الْبَارِي تَعَالَى وَهُوَ الْجَوْهَر إِذْ لَا يبْقى غَيره من الْحَوَادِث فَلَا يَتَّصِف فِي حَال بَقَائِهِ واستمرار وجوده بِكَوْنِهِ مَقْدُورًا إِجْمَاعًا وَذَهَبت الْمُعْتَزلَة إِلَى أَن الْحَادِث فِي حَال حُدُوثه يَسْتَحِيل أَن يكون مَقْدُورًا للقديم والمحدث وَهُوَ بِمَثَابَة الْبَاقِي المستمر وَإِنَّمَا يتَعَلَّق الْقُدْرَة بالمقدور فِي حَال عَدمه وَقَالُوا على طرد ذَلِك يجب تقدم الِاسْتِطَاعَة على الْمَقْدُور وَيجوز مُقَارنَة ذَات الْقُدْرَة ذَات الْمَقْدُور من غير أَن يكون مُتَعَلقَة بِهِ حَالَة وُقُوعه

стр. 83

فال وَالدَّلِيل على أَن الْحَادِث مَقْدُور وَأَن الِاسْتِطَاعَة تقارن الْفِعْل أَن نقُول الْقُدْرَة من الصِّفَات الْمُتَعَلّقَة ويستحيل تقديرها دون مُتَعَلق لَهَا فَإِذا فَرضنَا قدرَة مُتَقَدّمَة وفرضنا مَقْدُورًا بعْدهَا فِي حالتين متعاقبتين وَلَا يَتَقَرَّر على أصُول الْمُعْتَزلَة تعلق الْقُدْرَة بالمقدور فَإنَّا إِن نَظرنَا إِلَى الْحَالة الأولى فَلَا يتَصَوَّر فِيهَا وُقُوع وَإِن نَظرنَا إِلَى الْحَالة الثَّانِيَة فَلَا تعلق للمقدور فِيهَا فَإِذا لم يتَحَقَّق فِي الْحَالة الأولى إِمْكَان وَلم يَتَقَرَّر فِي الثَّانِيَة اقتدار فَلَا يبْقى لتَعلق الْقُدْرَة معنى ويعضد ذَلِك بِوَجْهَيْنِ أَحدهمَا إِن الْمَقْدُور لَا يَخْلُو إِمَّا أَن يكون عدما وَإِمَّا أَن يكون مَوْجُودا ويستحيل كَونه عدما فَإِنَّهُ نفي مَحْض والوجود عِنْد الْمُخَالفين غير مَقْدُور وَالْوَجْه الثَّانِي أَنهم إِنَّمَا زَعَمُوا أَن الْحَادِث بِمَثَابَة الْبَاقِي فِي اسْتِحَالَة كَونه مَقْدُورًا ثمَّ لَا إِمْكَان فِي الْحَالة الأولى من وجود الْقُدْرَة وَالْحَالة المتوقعة بعْدهَا لَيست حَالَة تعلق الْقُدْرَة فَإِن شاع ذَلِك فَلْيَكُن الثَّانِي مَقْدُورًا فِي الْحَالة الأولى من الْقُدْرَة وَلَا مخلص عَن ذَلِك وَقَالَ أَيْضا فِي الرَّد على الْقَائِلين بالتولد الْقُدْرَة الْحَادِثَة لَا تتَعَلَّق إِلَّا بقائم بمحلها وَمَا يَقع مناسبا لمحل الْقُدْرَة فَلَا يكون مَقْدُورًا بهَا بل يَقع فعلا للباري من غير اقتدار للْعَبد عَلَيْهِ فَإِذا انْدفع الْحجر عِنْد اعْتِمَاد مُعْتَمد عَلَيْهِ فاندفاعه غير مَقْدُور للْعَبد عِنْد أهل الْحق وَذَهَبت الْمُعْتَزلَة إِلَى أَن مَا يَقع مناسبا لمحل الْقُدْرَة يجوز وُقُوعه متولدا عَن سَبَب مَقْدُور مبَاشر بِالْقُدْرَةِ ثمَّ الْمُتَوَلد عِنْدهم فعل لفاعل السَّبَب وَهُوَ مَقْدُور بتوسط السَّبَب وَمن المتولدات مَا يقوم عِنْدهم بِمحل الْقُدْرَة كَالْعلمِ النظري الْمُتَوَلد

стр. 84

عَن النّظر الْقَائِم بِمحل الْقُدْرَة فِي خبط وتفصيل طَوِيل وَاخْتِلَاف فِيمَا تولد وَفِيمَا يتَوَلَّد قَالَ وَلَيْسَ من غرضنا التَّعَرُّض لتفاصيل مَذْهَبهم وَالدَّلِيل على مَا صَار إِلَيْهِ أهل الْحق أَن الَّذِي وصفوه بِكَوْنِهِ متولدا لَا يَخْلُو من أَن يكون مَقْدُورًا أَو غير مَقْدُور فَإِن كَانَ مَقْدُورًا كَانَ بَاطِلا من وَجْهَيْن أَحدهمَا أَن السَّبَب على أصلهم مُوجب للمسبب عِنْد تَقْدِير ارْتِفَاع الْمَوَانِع فَإِذا كَانَ الْمُسَبّب وَاجِبا عِنْد وجود السَّبَب أَو بعده فَيَنْبَغِي أَن يسْتَقلّ بِوُجُوبِهِ ويستغني عَن مآثر الْقُدْرَة فِيهِ وَلَو تخيلنا اعْتِقَاد مَذْهَب التولد وخطر وجود السَّبَب وارتفاع الْمَوَانِع واعتقدنا مَعَ ذَلِك انْتِفَاء الْقُدْرَة أصلا فيوجد الْمُسَبّب بِوُجُود السَّبَب جَريا على مَا قدرناه من الاعتقادات وَالْوَجْه الثَّانِي أَن الْمُسَبّب لَو كَانَ مَقْدُورًا لتصور وُقُوعه دون تصور السَّبَب وَالدَّلِيل عَلَيْهِ أَنه لم وَقع مَقْدُورًا للباري تَعَالَى إِذا لم ينْسب العَبْد إِلَيْهِ فَإِنَّهُ يَقع مَقْدُورًا لَهُ تَعَالَى من غير افتقار إِلَى توَسط سَبَب وَقَالَ الإِمَام فَخر الدّين الرَّازِيّ احْتج أَصْحَابنَا أَنه لَو صَحَّ القَوْل بالتولد للَزِمَ وُقُوع الْأَثر الْوَاحِد بمؤثرين مستقلين بالتأثير وَهَذَا محَال فَالْقَوْل بالتولد محَال بَيَان الْمُلَازمَة أَنه إِذا الْتَصق جَوْهَر فَرد بكف رجلَيْنِ ثمَّ أَن أَحدهمَا جذب الْكَفّ فِي حَال مَا دفع الآخر أَيْضا كَفه فَلَو صَحَّ القَوْل بالتولد كَانَ الجذب مولدا للحركة فِي ذَلِك الْجَوْهَر الْفَرد كَمَا أَن الدّفع مولد للحركة فِيهِ فإمَّا أَن يتَوَلَّد من كل وَاحِد مِنْهُمَا حَرَكَة على حِدة أَو يتَوَلَّد مِنْهُمَا مَعًا حَرَكَة وَاحِدَة وَالْأول بَاطِل لِأَنَّهُ يَقْتَضِي حُصُول الْجِسْم الْوَاحِد فِي الْآن الْوَاحِد فِي الحيز الْوَاحِد مرَّتَيْنِ وَهَذَا غير مَعْقُول وَأَيْضًا فعلى هَذَا التَّقْدِير تكون الحركتان

стр. 85

متماثلتين فَلَيْسَ إِسْنَاد أَحدهمَا إِلَى الجذب وَالثَّانيَِة إِلَى الدّفع أولى من الْعَكْس فَلَزِمَ استناد كل وَاحِدَة مِنْهُمَا إِلَى الجذب وَالدَّفْع فَيَعُود الْأَمر إِلَى وُقُوع الْأَثر الْوَاحِد بمؤثرين مستقلين وَلما بَطل هَذَا الْقسم ثَبت أَنه حصل فِي ذَلِك الْجَوْهَر الْفَرد حَرَكَة وَاحِدَة وَتلك الْحَرَكَة الْوَاحِدَة حصلت بعد الجذب وَبعد الدّفع ثمَّ كل وَاحِدَة من هَاتين العلتين مُسْتَقلَّة باقتضاء هَذَا الْأَثر مَعَ القَوْل بالتولد فَيلْزم حُصُول الْأَثر الْوَاحِد لمؤثرين مستقلين وَذَلِكَ لِأَن ذَلِك الْأَثر يَسْتَغْنِي بِهَذَا عَن ذَاك وبذاك عَن هَذَا فَلَمَّا اجْتمعَا عَلَيْهِ لزم أَن يَسْتَغْنِي كل وَاحِد مِنْهُمَا عَن كل وَاحِد مِنْهُمَا وَهُوَ محَال واستدلال الْمُعْتَزلَة على القَوْل بالتولد إِنَّمَا هُوَ لحسن الْمَدْح والذم وَالثَّوَاب وَالْعِقَاب وَالْجَوَاب عَنهُ فِي مَسْأَلَة خلق الْأَفْعَال وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق وَقَالَ إِمَام الْحَرَمَيْنِ أَيْضا فِي إِرَادَة الكائنات مَذْهَبنَا أَن كل حَادث مُرَاد الله تَعَالَى حُدُوثه وَلَا يخْتَص تعلق مَشِيئَة الْبَارِي تَعَالَى بصنف من الْحَوَادِث دون صنف بل هُوَ تَعَالَى مُرِيد لوُقُوع جَمِيع الْحَوَادِث خَيرهَا وشرها نَفعهَا وضرها قَالَ ثمَّ من أَئِمَّتنَا من أطلق ذَلِك عَاما وَلم يُطلقهُ تَفْصِيلًا فَإِذا سُئِلَ عَن كَون الْكفْر مُرَاد الله تَعَالَى لم يخصص فِي الْجَواب ذكر مَا تتَعَلَّق الْإِرَادَة بِهِ وَإِن كَانَ يَعْتَقِدهُ وَلكنه يجْتَنب إِطْلَاقه لما فِيهِ من إِيهَام الزلل إِذْ قد يتَوَهَّم كثير من النَّاس أَن مَا يُريدهُ الله يَأْمر بِهِ ويحرص عَلَيْهِ وَلَفظ يُطلق عَاما وَلَا يفصل فَإنَّك تَقول الْعَالم بِمَا فِيهِ لله تَعَالَى وَلَو فرض سُؤال فِي ولد أَو زَوْجَة لم يقل الْوَلَد وَالزَّوْجَة لله تَعَالَى قَالَ وَمن حقق من أَئِمَّتنَا أضَاف تعلق الْإِرَادَة إِلَى كل حَادث معمما ومخصصا مُجملا ومفصلا وَاسْتدلَّ على صِحَة مَذْهَب أهل

стр. 86

الْحق وَبطلَان مَذْهَب الْمُعْتَزلَة من وافقهم على نفس الْقدر بِمَا لَا يحْتَمل إِيرَاده هَذَا الْمُخْتَصر ثمَّ قَالَ وَمِمَّا يُقَوي التَّمَسُّك بِهِ إِجْمَاع السّلف الصَّالِحين قبل ظُهُور الْأَهْوَاء واضطراب الآراء على كلمة غير مَعْدُودَة من المجملات وَهِي قَوْلهم مَا شَاءَ الله كَانَ وَمَا لم يَشَأْ لم يكن وَتكلم على ذَلِك مَا تمسك بِهِ أَئِمَّة أهل السّنة ثمَّ قَالَ وَمِمَّا تمسك بِهِ أَئِمَّتنَا أَيْضا أَن قَالُوا الْأَفْعَال المحكمة دَالَّة على علم من يخترعها فَإِنَّمَا يَتَقَرَّر ذَلِك على مَذْهَب أهل الْحق الصابرين إِلَى أَن مخترع الْأَفْعَال الرب تَعَالَى وَهُوَ عَالم بحقائقها وَمن ذهب إِلَى أَن العَبْد مخترع أَفعاله وَهُوَ غير عَالم بهَا فقد اخْرُج الْأَحْكَام عَن كَونه دَالا على علم المخترع وَذَلِكَ نقض الْأَدِلَّة الْعَقْلِيَّة قلت وَقد قدمت قَول صَاحبه الإِمَام حجَّة الْإِسْلَام أبي حَامِد الْغَزالِيّ ﵁ فِي هَذَا وَذكره مَا يصدر من النَّحْل وَالْعَنْكَبُوت وَسَائِر الْحَيَوَانَات من لطيف الصناعات مَا تتحير فِيهِ عقول ذَوي الْأَلْبَاب فَكيف انْفَرَدت هِيَ باختراعها دون رب الأرباب قَالَ إِمَام الْحَرَمَيْنِ وَمِمَّا يطيش عُقُولهمْ اتِّفَاق الْعلمَاء قاطبة على أَن الْمَدْيُون الْقَادِر على بَرَاءَة ذمَّته إِذْ قَالَ وَالله لأقضين حق غريمي غَدا إِن شَاءَ الله فَإِذا تصرم الأمد الْمَضْرُوب وَالْأَجَل المرقوب فَلَا يَحْنَث الْحَالِف لاستثنائه مَشِيئَة الله تَعَالَى وَينزل ذَلِك منزلَة مَا لَو قَالَ لأقضين حق غريمي غَدا إِن شَاءَ زيد ثمَّ شَاءَ زيد وَلم يقضه فَيحنث لَا محَالة قَالَ وَمِمَّا يُقَوي إلزامهم أَن يَقُول الرب تَعَالَى عنْدكُمْ مُرِيد إِيمَان الْكَافرين وَذَلِكَ وَاجِب فِي حكمه فبينوا معاشر الْمُعْتَزلَة مَا نسألكم

стр. 87

عَنهُ وأوضحوا الْوَقْت الَّذِي تقدم الْإِرَادَة فِيهِ والارادة حَادِثَة عنْدكُمْ فَلَا يكادون يضبطون فِي ذَلِك وقتا موقوتا وَلَا يلقون لأَنْفُسِهِمْ بُيُوتًا ثمَّ ذكر أَن الْمُعْتَزلَة استدلوا بظواهر من كتاب الله تَعَالَى لم يحيطوا بفحواها وَلم يدركوا مَعْنَاهَا مِنْهَا قَوْله تَعَالَى ﴿وَلَا يرضى لِعِبَادِهِ الْكفْر﴾ قَالَ وَفِي الْجَواب عَن هَذِه الْآيَة مسلكان أَحدهمَا الجري على مُوجبهَا والتمسك بِمذهب من فصل بَين الرضى والإرادة وَالْوَجْه الثَّانِي حمل الْعباد على الموفقين للْإيمَان الملهمين بالإتقان وَهُوَ المشرفون بِالْإِضَافَة إِلَى الله ذكرا وَهَذِه الْآيَة تجْرِي مجْرى قَوْله تَعَالَى ﴿عينا يشرب بهَا عباد الله﴾ وَلَيْسَ المُرَاد جَمِيع الْعباد بل المُرَاد المصطفون قلت وَيُؤَيّد الأول مَا سَيَأْتِي ذكره عَن زين العابدين وَيُؤَيّد مَا سَيَأْتِي عَن ابْن عَبَّاس فِي تَفْسِير هَذِه الاية أَنهم المخلصون وَفِي رِوَايَة أُخْرَى عَنهُ أَي لَا أرْضى لأوليائي وَأهل طَاعَتي هَذِه رِوَايَة عَطاء وَالْأولَى رِوَايَة الْوَالِي وَقَالَ السّديّ لَا يرضى لِعِبَادِهِ الْمُؤمنِينَ أَن يكفروا قَالَ الإِمَام أَبُو الْحسن الواحدي وَهَذَا طَرِيق من قَالَ بالتخصيص فِي هَذِه الْآيَة وَمن أَخذ أَنَّهَا على الْعُمُوم قَالَ الْكفْر غير مرضِي لله من الْكَافِر وَإِن كَانَ بإرادته وَمَعْنَاهُ وعَلى هَذَا لَا يمدحه وَلَا يثني عَلَيْهِ وَقَالَ بعض أَئِمَّتنَا أَي لَا يثيبه قَالَ بَعضهم أَي لَا يُحِبهُ

стр. 88

قَالَ إِمَام الْحَرَمَيْنِ وَمِمَّا يستروحون إِلَيْهِ قَوْله تعال ﴿لَو شَاءَ الله مَا أشركنا﴾ الْآيَة قَالُوا وَالدَّلِيل مِنْهَا أَن الرب سُبْحَانَهُ تَعَالَى أخبر عَنْهُم وَبَين أَنهم قَالُوا لَو شَاءَ الله مَا أشركنا ثمَّ وبخهم ورد مقالهم وَلَو كَانُوا ناطقين بِحَق مفصحين بِصدق لما قرعوا قُلْنَا إِنَّمَا استوجبوا التوبيخ لأَنهم كَانُوا يستهزءون بِالدّينِ ويبغون رد دَعْوَة الْأَنْبِيَاء وَكَانَ قد قرع مسامعهم من شرائع الرُّسُل تَفْوِيض الْأَمر إِلَى الله فَلَمَّا طولبوا بِالْإِسْلَامِ والتزام الْأَحْكَام تعللوا بِمَا احْتَجُّوا بِهِ على النَّبِيين قَالُوا لَو شَاءَ الله مَا يشبه اما لم يكن من غرضهم ذكر مَا ينطوي على عقيدتهم وَالدَّلِيل على ذَلِك قَوْله تَعَالَى فِي سِيَاق الْآيَة ﴿قل هَل عنْدكُمْ من علم فتخرجوه لنا إِن تتبعون إِلَّا الظَّن﴾ قَالَ وَكَيف لَا يكون الْأَمر كَذَلِك وَالْإِيمَان بِصِفَات الله فرع الْإِيمَان لله تَعَالَى والمقرعون بِالْآيَةِ كفرة بِاللَّه تَعَالَى قلت وَهَذَا الَّذِي قَالَه ظَاهر وَهَا أَنا أضْرب لَهُ مثلا آخر أظهر وأخصر وَهُوَ أَن ذَلِك كَمثل فَاجر نهي عَن فجوره فَقَالَ هَذَا عَليّ مَقْدُور مَعَ أَنه صَادِق فِي قَوْله هَذَا وَلكنه تعلل بِالْقدرِ مَعَ مُخَالفَته ظَاهر الشَّرْع فيوجه عَلَيْهِ الملام والتقريع والردع وَأرى مَعَ هَذَا أَن يعارضوه بقوله تَعَالَى ﴿وَلَو شَاءَ الله مَا أشركوا﴾

стр. 89

فَهَذِهِ الْآيَة مِمَّا يُحَقّق مَا تقدم من تَأْوِيل الْآيَة الَّتِي احْتَجُّوا بهَا وَصِحَّة معتقدنا وَالْحَمْد لله وَلَا وَجه للاستدلال بِالْآيَةِ الَّتِي ذكرُوا مَعَ وجود هَذِه الْآيَة فَإِن الْحق يَقُول ﴿وَلَو شَاءَ الله مَا أشركوا﴾ بالْقَوْل الصَّرِيح الْمفصل الَّذِي لَيْسَ للتأويل فِيهِ مدْخل رَجعْنَا إِلَى كَلَام إِمَام الْحَرَمَيْنِ ﵁ قَالَ وَمِمَّا يستدلون بِهِ الْعَوام الِاسْتِدْلَال بقوله تَعَالَى ﴿وَمَا خلقت الْجِنّ وَالْإِنْس إِلَّا ليعبدون﴾ وَهِي عَامَّة فِي صفتهَا متعرضة لقبُول التَّخْصِيص عِنْد الْقَائِلين بِالْعُمُومِ مجملة عِنْد مُنكر الْعُمُوم وَلَا يسوغ الِاسْتِدْلَال فِي الْقطعَة بِمَا يتَعَرَّض للاحتمال أَو يتَعَدَّى للإجمال وَمذهب الْمُعْتَزلَة أَن الْعُمُوم إِذا دخله التَّخْصِيص صَار مُجملا فِي بَقِيَّة المسميات وَلَا خلاف أَن الصّبيان والمجانين مستثنون وَذَلِكَ مُوجب الْآيَة تَخْصِيصًا وأصل الْعِبَادَة التذلل وَالطَّرِيق المعبدة هِيَ المذللة بالدوس قَالَ فَالْمُرَاد بِالْآيَةِ وَمَا خلقهمْ إِلَّا ليذلوا ثمَّ من منع فقد أبدى تذلله وَمن عبد فشواهد الْفطْرَة وَاضِحَة على تذلله وَإِن تعرض وافترى قَالَ وَالْحمل على ذَلِك أمثل من الْحمل على تنَاقض فَإِن الرب تَعَالَى علم أَن مُعظم الخليقة سيكفرون فَيكون التَّقْدِير وَمَا خلقت من علمت أَنه يكفر إِلَّا ليؤمن وَهَذَا لَا وَجه لَهُ قلت وَهَذَا ظَاهر لِأَنَّهُ يصير التَّقْدِير وَمَا خلقت من علمت أَنه لَا يُؤمن إِلَّا ليؤمن إِذْ قد علم سُبْحَانَهُ أَن الْكَافرين لَا يُؤمنُونَ

стр. 90

مَا عرضت لَهُ هَذِه الْآيَة وَأرى خَمْسَة أَشْيَاء قد عرضت لهَذِهِ الْآيَة مَانِعَة من عُمُوم الِاسْتِدْلَال بهَا بَعْضهَا مَا ذكره إِمَام الْحَرَمَيْنِ فِي كَلَامه هَذَا الأول مِنْهَا أَن الْمُفَسّرين اخْتلفُوا فِي معنى قَوْله تَعَالَى يعْبدُونَ الثَّانِي أَن الْآيَة مجملة عِنْد بعض الْعلمَاء الثَّالِث أَنه دَخلهَا التَّخْصِيص باستثناء الْمَذْكُورين الرَّابِع أَن أصل الْعِبَادَة التذلل كَمَا ذكر وعمومها على هَذَا الْوَجْه مُمكن لقَوْله تَعَالَى ﴿وَإِن من شَيْء إِلَّا يسبح بِحَمْدِهِ﴾ وَقَوله ﷺ (الْمَوْلُود يُولد على الْفطْرَة) الْخَامِس مَا يَئُول إِلَيْهِ مَا ذَكرُوهُ فِي الْعُمُوم من التَّنَاقُض الْمَذْكُور قلت وَمَعَ هَذِه كلهَا يَنْبَغِي أَن يعارضوا بقوله ﴿وَلَقَد ذرأنا لِجَهَنَّم كثيرا من الْجِنّ وَالْإِنْس﴾ الْآيَة وَوجه الِاسْتِدْلَال بهَا أَن المخلوقين لِجَهَنَّم لَيْسُوا مخلوقين لِلْعِبَادَةِ لِأَن المخلوقين لِلْعِبَادَةِ هم الَّذين سبقت لَهُم الْحسنى بالسعادة وَقد قَالَ الله تَعَالَى فيهم ﴿أُولَئِكَ عَنْهَا مبعدون﴾ قَالَ وَمِمَّا يستدلون بِهِ قَوْله تَعَالَى ﴿مَا أَصَابَك من حَسَنَة فَمن الله وَمَا أَصَابَك من سَيِّئَة فَمن نَفسك﴾

стр. 91

قُلْنَا فِي الْآيَة الْمُتَقَدّمَة على هَذِه دلَالَة قَاطِعَة على بطلَان مذهبكم يَعْنِي قَوْله ﴿قل كل من عِنْد الله﴾ وَتكلم على ذَلِك ثمَّ قَالَ فِي آخر كَلَامه على أَن الْمُعْتَزلَة لَا يَقُولُونَ بِظَاهِر الْآيَة يَعْنِي الْآيَة الَّتِي احْتَجُّوا بهَا إِذْ الْخَيْر وَالشَّر من أَفعَال الْعباد واقعان بقدرة الْعباد خارجان عَن مَقْدُور الله تَعَالَى فيهمَا جَمِيعًا بِالْعَبدِ عِنْدهم انْتهى كَلَامه قلت جَمِيع مَا ذكرت عَن إِمَام الْحَرَمَيْنِ الْمَشْهُور بجودة النّظر والانتقاد اختصرته وَجمعته من مَوَاضِع مُتَفَرِّقَة من كِتَابه الْإِرْشَاد وَقد كنت قدمت شَيْئا من الْمَعْقُول على مَا استشهدت بِهِ من الْمَنْقُول أردفناه بِكَلَام إِمَام الْحَرَمَيْنِ الْمَذْكُور المرتضى وَهَا أَنا أورد شَيْئا من الْأَدِلَّة الْعَقْلِيَّة أَيْضا وَاقْتصر مِنْهَا على أَرْبَعَة أَشْيَاء محصورة التعداد الْعلم وَالْقُدْرَة والإرادة وَخلق أَفعَال الْعباد فَأَقُول هَل علم الْحق سُبْحَانَهُ كفر الْكَافِر قبل خلقه أم لَا أنصفني وَإِلَّا اعتزل مسائلي أَيهَا المعتزلي فَإِن قلت لم يعلم ذَلِك فقد هديته إِلَى الْجَهْل تَعَالَى الله عَن ذَلِك وكذبت فِيمَا صدق أصدق الْقَائِلين ﴿وَلَا رطب وَلَا يَابِس إِلَّا فِي كتاب مُبين﴾ وَقَوله ﴿لَا يعزب عَنهُ مِثْقَال ذرة فِي السَّمَاوَات وَلَا فِي الأَرْض وَلَا أَصْغَر من ذَلِك وَلَا أكبر﴾ وَقَوله الْكَرِيم ﴿وَهُوَ بِكُل شَيْء عليم﴾ وَغير ذَلِك من الْآيَات وَالذكر الْحَكِيم الَّتِي تكذيبها كفر بِاللَّه الْعَظِيم وَإِن قلت علمه قلت فَهَل قدر على مَنعه مِنْهُ أم لَا فَإِن قلت

стр. 92

لم يقدر فقد نسبته إِلَى الْعَجز تَعَالَى الله عَن ذَلِك وَمثلك فِي ذَلِك مثل من هرب من الرشاش فَوَقع تَحت الوابل بل غرق فِي بَحر لَيْسَ لَهُ سَاحل أَعنِي أَنَّك هربت مِمَّا توهمت أَنه يكون ظلما فِي حَقه تَعَالَى وَوَقعت فِيمَا هُوَ أعظم وَهُوَ نسبته إِلَيْهِ من الْجَهْل وَالْعجز تَعَالَى الله عَن ذَلِك علوا كَبِيرا وَإِن قلت قدر على مَنعه من ذَلِك وَلم يمنعهُ فقد نسبت الرب الْقَدِير الْحَكِيم الْخَبِير سُبْحَانَهُ إِلَى الرضى بالقبيح الَّذِي زعمت أَنه لَا ينْسب إِلَى الله تَعَالَى إِذا يصير مُقَدرا عَلَيْهِ مَعَ الْقُدْرَة على الْمَنْع مِنْهُ وعَلى أَن لَا يكون شَيْء من الْقَبِيح فِي مَمْلَكَته ونقضت أصلك وهدمت مذهبك بل نقضت ذَلِك وهدمته بِمَا هُوَ أعظم وأوضح وَأجلى مِمَّا لَيْسَ لَك عَنهُ محيد وَلَا مَحِيض أصلا وَهُوَ قَوْلك بِوُجُوب الْأَصْلَح على الله عز وَعلا وتقدس على ذَلِك تَعَالَى فبالله عَلَيْك هَل الْأَصْلَح عدم الالتحاد للْكفَّار أم التحادهم مَعَ تخليدهم فِي النَّار أم مَوْتهمْ فِيهَا أم بقاؤهم على تعاقب الدهور فِي الْعَذَاب الشَّديد وَالْوَيْل وَالثُّبُور وحرمان الْقُصُور وَسَائِر اللَّذَّات وَالسُّرُور فِي دَار الْكَرَامَة وَالنَّعِيم الْمُقِيم مَعَ رضوَان الله وَجوَار الْمولى الْكَرِيم والتعوض عَن ذَلِك بسخط الْجَبَّار وعذابه الْأَلِيم نسْأَل الله الْكَرِيم الْعَفو والعافية من ذَلِك وَمن جَمِيع البلايا والمهالك لنا ولأحبابنا الْمُسلمين آمين وَإِلَى نفي الْوُجُوب على الله أَشرت فِي بعض القصائد بِقَوْلِي (وَمَا من وَاجِب بل زاغ حمق ... وَضَلُّوا باعتزال عَن صَوَاب) (عَلَيْهِ أوجبوا أشيا وَلم يبْق ... إِلَّا أَن يقومُوا للعقاب) (وَمَا لِلْعَقْلِ حكم بل لشرع علا ... فِي منصب على انتصاب) (فَفِي سُبْحَانَ لَا تَعْذِيب إِلَّا ... ببعث الرُّسُل فِي نَص الْكتاب) ثمَّ أَقُول بعد هَذَا وَإِذا اعْترفت بِالْحَقِّ من أَنه سُبْحَانَهُ علم كفر الْكَافِر قبل خلقه قلت لَك هَل أَرَادَ صُدُور الْكفْر مِنْهُ أم لم يردهُ

стр. 93

فَإِن قلت أَرَادَهُ فقد حصل المُرَاد ووافقتنا وَذَلِكَ هُوَ المُرَاد وَيُمكن إِن نقضت أصلك وَلزِمَ كَون مذهبك غير صَحِيح بتجويزك وَإِرَادَة مَا زعمت من الْقَبِيح وَأَقُول إِن لم يرد ذَلِك بل أَرَادَ مِنْهُ الْإِيمَان فَقضيت بِوُجُود مَا لم يرد وَعدم مَا أَرَادَ فَصَارَ على حكمك هُنَا مَا شَاءَ الله لم يكن وَمَا لم يَشَاء كَانَ عكس مَا أجمع عَلَيْهِ السّلف الصَّالح وَصَارَ الْملك القهار على هَذَا مقهورا وَحِينَئِذٍ يكون الْوَاقِع على وفْق إِرَادَة عَدو الله إِبْلِيس أَكثر من الْوَاقِع على وفْق إِرَادَته تَعَالَى إِذْ الْمعاصِي أغلب من الطَّاعَات لقَوْله تَعَالَى ﴿إِلَّا الَّذين آمنُوا وَعمِلُوا الصَّالِحَات وَقَلِيل مَا هم﴾ وَقَوله ﴿وَلَا تَجِد أَكْثَرهم شاكرين﴾ قلت وعَلى هَذَا قَالَ الإِمَام حجَّة الْإِسْلَام أَبُو حَامِد ﵁ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَلَقَد ذرأنا لِجَهَنَّم كثيرا من الْجِنّ وَالْإِنْس﴾ يَقُول خلقنَا وَفِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَلَا يزالون مُخْتَلفين إِلَّا من رحم رَبك وَلذَلِك خلقهمْ﴾ يَقُول فريقين فريقا يرحم فَلَا يخلف وفريقا لَا يرحم فيخلف وَذَلِكَ قَوْله ﴿فَمنهمْ شقي وَسَعِيد﴾ وَفِي قَوْله تَعَالَى ﴿إِن الخاسرين الَّذين خسروا أنفسهم وأهليهم يَوْم الْقِيَامَة﴾ قَالَ وهم الْكفَّار الَّذين خلقهمْ الله للنار وَخلق النَّار

стр. 94

لَهُم فَزَالَتْ عَنْهُم الدُّنْيَا وَحرمت عَلَيْهِم الْجنَّة قَالَ الله تَعَالَى ﴿خسر الدُّنْيَا وَالْآخِرَة﴾ وَفِي قَوْله تَعَالَى ﴿كَمَا بَدَأَكُمْ تعودُونَ فريقا هدى وفريقا حق عَلَيْهِم الضَّلَالَة﴾ قَالَ إِن الله تَعَالَى بَدَأَ خلق بني آدم مُؤمنا وكافرا كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿هُوَ الَّذِي خَلقكُم فمنكم كَافِر ومنكم مُؤمن﴾ ثمَّ يعيدهم يَوْم الْقِيَامَة كَمَا بَدَأَ خلقا مُؤمنا وكافرا وَفِي قَوْله تَعَالَى ﴿واجعلنا لِلْمُتقين إِمَامًا﴾ يَقُول أَئِمَّة تهتدي بِنَا وَلَا تجعلنا أَئِمَّة ضلالا لِأَنَّهُ قَالَ لأهل السَّعَادَة ﴿وجعلناهم أَئِمَّة يهْدُونَ بأمرنا﴾ وَقَالَ لأهل الشقاوة ﴿وجعلناهم أَئِمَّة يدعونَ إِلَى النَّار﴾ وَفِي قَوْله تَعَالَى ﴿يحول بَين الْمَرْء وَقَلبه﴾ يَقُول يحول بَين الْمُؤمن وَبَين الْكفْر ويحول بَين الْكَافِر وَبَين الْإِيمَان وَفِي قَوْله تَعَالَى ﴿قَالَ رب بِمَا أغويتني﴾ أَي أضللتني

стр. 95

وَفِي قَوْله تَعَالَى ﴿فَإِنَّكُم وَمَا تَعْبدُونَ مَا أَنْتُم عَلَيْهِ بفاتنين إِلَّا من هُوَ صال الْجَحِيم﴾ يَقُول لَا تصلونَ أَنْتُم وَلَا أصل مِنْكُم إِلَّا من قضيت لَهُ أَنه صال الْجَحِيم وَفِي قَوْله تَعَالَى ﴿إِنَّا جعلنَا فِي أَعْنَاقهم أغلالا﴾ وَفِي قَوْله تَعَالَى ﴿أَغْفَلنَا قلبه عَن ذكرنَا﴾ وَقَوله تَعَالَى ﴿وَلَو شَاءَ رَبك لآمن من فِي الأَرْض كلهم جَمِيعًا﴾ وَنَحْو هَذَا من الْقُرْآن قَالَ إِن رَسُول الله ﷺ كَانَ يحرص على أَن يُؤمن جَمِيع النَّاس ويتابعوه على الْهدى فَأخْبر الله تَعَالَى أَنه لَا يُؤمن إِلَّا من سبق لَهُ من الله السَّعَادَة فِي الذّكر الأول وَلَا يضل إِلَّا من يسْبق لَهُ من الله الشقاوة فِي الذّكر الأول ثمَّ قَالَ الله لنَبيه ﷺ ﴿لَعَلَّك باخع نَفسك أَلا يَكُونُوا مُؤمنين إِن نَشأ ننزل عَلَيْهِم من السَّمَاء آيَة﴾ وَفِي قَوْله تَعَالَى ﴿أمرنَا مُتْرَفِيهَا﴾ يَقُول سلطنا شِرَارهَا فعصوا فِيهَا فَإِذا فعلوا ذَلِك أهلكناهم بِالْعَذَابِ وَهُوَ قَوْله تَعَالَى ﴿وَكَذَلِكَ جعلنَا فِي كل قَرْيَة أكَابِر مجرميها ليمكروا فِيهَا﴾ وَفِي رِوَايَة أُخْرَى عَنهُ أكبرنا فساقها وَفِي قَوْله تَعَالَى ﴿أَفلا يتوبون إِلَى الله ويستغفرونه﴾ قَالَ

стр. 96

قد دَعَا الله تَعَالَى إِلَى التَّوْبَة وَلَكِن لَا يقدر العَبْد أَن يَتُوب حَتَّى يَتُوب الله عَلَيْهِ قَالَ تَعَالَى ﴿ثمَّ تَابَ عَلَيْهِم ليتوبوا﴾ وَفِي قَوْله تَعَالَى ﴿قل كل من عِنْد الله﴾ يَقُول الْحَسَنَة والسيئة من عِنْد الله أما الْحَسَنَة فأنعم الله بهَا عَلَيْك وَأما السَّيئَة فابتلاء الله بهَا وَفِي قَوْله تَعَالَى ﴿إِن تكفرُوا فَإِن الله غَنِي عَنْكُم﴾ يَعْنِي الْكفَّار ﴿الَّذين لم يرد الله أَن يطهر قُلُوبهم﴾ فيقولوا لَا إِلَه إِلَّا الله ثمَّ قَالَ ﴿وَلَا يرضى لِعِبَادِهِ الْكفْر﴾ وهم عباده المخلصون الَّذين قَالَ تَعَالَى ﴿إِن عبَادي لَيْسَ لَك عَلَيْهِم سُلْطَان﴾ فأكرمهم بِشَهَادَة أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وحسبها إِلَيْهِم وَفِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَأما ثَمُود فهديناهم﴾ يَقُول بَينا لَهُم وَفِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَقضى رَبك أَلا تعبدوا إِلَّا إِيَّاه﴾ يَقُول أَمر وَفِي قَوْله تَعَالَى ﴿وأضله الله على علم﴾ يَقُول أضلّهُ فِي سَابق علمه

стр. 97

وَفِي قَوْله تَعَالَى ﴿ونبلوكم بِالشَّرِّ وَالْخَيْر فتْنَة﴾ يَقُول نبتليكم بالشدة والرخا وَالصِّحَّة والسقم والغنى والفقر والحلال وَالْحرَام وَالطَّاعَة وَالْمَعْصِيَة وَالْهدى والضلالة وَفِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَمن يرد الله فتنته فَلَنْ تملك لَهُ من الله شَيْئا﴾ يَقُول من يرد الله ضلالته لم يغن عَنهُ شَيْئا كل هَذَا الْمَذْكُور رَوَاهُ الإِمَام الْبَيْهَقِيّ بِسَنَدِهِ كَمَا ذكرنَا وروى الإِمَام الْحَاكِم أَبُو عبد الله من حَدِيث عَطاء بن السَّائِب عَن مقسم عَنهُ قَالَ أول مَا خلق الله تَعَالَى الْقَلَم خلقه من هجاء قبل اللف وَاللَّام فتصور قَلما مِمَّن نور فَقيل لَهُ أجر فِي اللَّوْح قَالَ يَا رب بِمَاذَا قَالَ لما يكون إِلَى يَوْم الْقِيَامَة فَلَمَّا خلق الله الْخلق وكل لَهُم حفظَة يحفظون عَلَيْهِم أَعْمَالهم فَإِذا قَامَت الْقِيَامَة وَعرضت عَلَيْهِم أَعْمَالهم وَقيل ﴿هَذَا كتَابنَا ينْطق عَلَيْكُم بِالْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخ مَا كُنْتُم تَعْمَلُونَ﴾ عرض بالكتابين فَكَانَا سَوَاء قَالَ ابْن عَبَّاس ألستم عربا هَل يكون النُّسْخَة إِلَّا من كتاب رَوَاهُ الْحَاكِم عَنهُ كَمَا ذكرنَا وَقَالَ صَحِيح وَعَن طَاوس قَالَ كنت عِنْد ابْن عَبَّاس ومعنا رجل من الْقَدَرِيَّة فَقلت إِن نَاسا يَقُولُونَ لَا قدر قَالَ أوفي الْقَوْم أحد مِنْهُم قلت لَو كَانَ مَا كنت تصنع بِهِ قَالَ لَو كَانَ فيهم أحد مِنْهُم لجذبت بِرَأْسِهِ ثمَّ قَرَأت عَلَيْهِ أَنه

стр. 98

كَذَا وَكَذَا ﴿وقضينا إِلَى بني إِسْرَائِيل فِي الْكتاب لتفسدن فِي الأَرْض مرَّتَيْنِ﴾ الْآيَة رَوَاهُ الْحَاكِم من حَدِيث الْأَعْمَش عَن عبد الله بن ميسرَة عَن طَاوس وَقَالَ على شَرط البُخَارِيّ وَمُسلم وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ أَيْضا بِسَنَدِهِ الصَّحِيح قَالَ طَاوس فتمنيت أَن كل قدري كَانَ عندنَا وَمن حَدِيث عِكْرِمَة عَنهُ قَالَ كَانَ الهدهد يدل سُلَيْمَان على المَاء فَقلت وَكَيف ذَلِك قَالَ ينصب لَهُ الفخ يلقِي عَلَيْهِ التُّرَاب فَقَالَ إِذا جَاءَ القضا ذهب الْبَصَر قلت وَفِي نَحْو هَذَا مثل يذكر إِذا نزل الْقدر عمي الْبَصَر وَلم ينفع الحذر وَفِي حَدِيث سعيد بن جُبَير عَنهُ إِن الْقدر إِذا جَاءَ حَال دون الْبَصَر قَالَ الْحَاكِم على شَرطهمَا وروى البهيقي أَيْضا كل هَذِه الْمَذْكُورَات وَغَيرهَا مِمَّا يطول ذكره وَجَمِيع هَذَا الْمَذْكُور عَن ابْن عَبَّاس من رِوَايَات الْأَئِمَّة الْمَذْكُورين هُوَ من تَفْسِيره وَأما مَا رَوَاهُ عَن رَسُول الله ﷺ فقد قدمت عَنهُ مَا أخرجه البُخَارِيّ وَمُسلم فِي صَحِيحَيْهِمَا من قَوْله ﷺ فِي أَوْلَاد الْمُشْركين لما سُئِلَ عَنْهُم (الله أعلم إِذْ خلقهمْ بِمَا كَانُوا عاملين) وَفِي صَحِيح مُسلم عَن سعيد بن جُبَير عَن ابْن عَبَّاس عَن ابْن كَعْب قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ (الْغُلَام الَّذِي قَتله الْخضر طبع كَافِرًا وَلَو عَاشَ لأزهى أَبَوَيْهِ طغيانا وَكفرا) وَمِمَّا روى ابْن عَبَّاس

стр. 99

أَيْضا خطْبَة النَّبِي لضماد (من يهدي الله فَلَا مضل لَهُ وَمن يضلله فَلَا هادي لَهُ) وَرُوِيَ أَيْضا حَدِيث (وَاعْلَم أَن الْأمة لَو اجْتَمعُوا على أَن ينفعوك بِشَيْء لم ينفعوك إِلَّا بِشَيْء قد كتبه الله لَك وَإِن اجْتَمعُوا على أَن يضروك بِشَيْء لم يضروك إِلَّا بِشَيْء قد كتب الله عَلَيْك رفعت الأقلام وجفت الصُّحُف) الحَدِيث رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَصَححهُ وَمن رِوَايَة غير التِّرْمِذِيّ وَاعْلَم أَن مَا أخطأك لم يكن ليصيبك وَأما أَصَابَك لم يكن ليخطئك وَمَا رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ بِسَنَدِهِ إِلَى ابْن الجوزاء عَنهُ عَن النَّبِي ﷺ عَن جِبْرِيل ﵇ عَن الله ﵎ قَالَ يَقُول الله (يَا ابْن آدم أَنا خلقت الْخَيْر وَالشَّر فطوبى لعبد قدرت على يَدَيْهِ الْخَيْر وويل لعبد قدرت الشَّرّ على يَدَيْهِ) وروى الطَّبَرِيّ بِسَنَدِهِ إِلَى عَطاء بن أبي رَبَاح قَالَ (كنت عِنْد ابْن عَبَّاس فَجَاءَهُ رجل فَقَالَ أَرَأَيْت من مدنِي عَن الْهدى وأوردني دَار الضلال والردى لَا ترَاهُ قد ظَلَمَنِي قَالَ إِن كَانَ الْهدى شمالك عِنْده فقد ظلمك وَإِن كَانَ الْهدى هُوَ لَهُ يؤتيه من يَشَاء فَلم يظلمك وَلَا تجالسني) وروى الطَّبَرِيّ بِسَنَدِهِ الصَّحِيح إِلَى مَيْمُون بن مهْرَان قَالَ قَالَ لي ابْن عَبَّاس ﵄ احفظ عني ثَلَاثًا إياك وَالنَّظَر فِي البحور فَإِنَّهَا تَدْعُو إِلَى الكهانة وَإِيَّاك وَالْقدر فَإِنَّهُ يَدْعُو إِلَى الزندقة وَإِيَّاك وَشتم أحد من أَصْحَاب رَسُول الله ﷺ فكبك الله فِي النَّار على وَجهك وَغير ذَلِك مِمَّا رُوِيَ عَنهُ حذفته إيثارا للاختصار والاكتفاء لما فِيهِ كِفَايَة لأهل الِاعْتِبَار وَمِنْهُم عبد الله بن عمر ﵄ قد يقدم قَوْله فِي الحَدِيث الصَّحِيح (إِذا لقِيت أُولَئِكَ فَأخْبرهُم إِلَى أَنِّي بَرِيء مِنْهُم وَأَنَّهُمْ برءاء مني وَالَّذِي كلف بِهِ عبد الله بن عمر

стр. 100

لَو أَن لأَحَدهم مثل أحد ذَهَبا فأنفقه مَا قبل الله مِنْهُ حَتَّى يُؤمن بِالْقدرِ الحَدِيث وَفِيه قَوْله ﷺ (ويؤمن بِالْقدرِ خَيره وشره) وروى الطَّبَرِيّ بِسَنَدِهِ إِلَى نَافِع أَن ابْن عمر قَالَ لَهُ رجل أَن قوما يَتَكَلَّمُونَ فِي الْقدر فَقَالَ أُولَئِكَ يصيرون إِلَى أَن يَكُونُوا مجوس هَذِه الْأمة فَمن زعم أَن مَعَ الله تَعَالَى قَاضِيا أَو قَادِرًا أَو رازقا أَو قَالَ أَو مَالِكًا لنَفسِهِ ضرا ونفعا أَو حَيَاة أَو نشورا لَعنه الله وأخرس لِسَانه وأعمى بَصَره وَجعل حَيَاته وقيامه هباء وَقطع لَهُ الْأَسْبَاب وكبه على وَجهه فِي النَّار وَمِنْهُم عبد الله بن مَسْعُود ﵁ وَقد قدمت عَنهُ حَدِيث الصَّحِيحَيْنِ وَغَيرهمَا الَّذِي قَالَ فِيهِ فوالذي لَا إِلَه غَيره إِن أحدكُم ليعْمَل بِعَمَل أهل الْجنَّة حَتَّى مَا يكون بَينه وَبَينهَا إِلَّا ذِرَاع فَيَسْبق عَلَيْهِ الْكتاب الحَدِيث إِلَى آخِره وَقَوله فِي الحَدِيث الصَّحِيح الَّذِي أخرجه مُسلم (الشقي من شقي فِي بطن أمه) وَفِي الْمُسْتَدْرك على الصَّحِيحَيْنِ عَن عبد الله قَالَ وَالَّذِي لَا إِلَه غَيره مَا فِي الأَرْض نفس إِلَّا الْمَوْت خير لَهَا إِن كَانَ مُؤمنا فَإِن الله تَعَالَى يَقُول ﴿لَكِن الَّذين اتَّقوا رَبهم لَهُم جنَّات﴾ وَإِن كَانَ فَاجِرًا فَإِن الله تَعَالَى يَقُول ﴿إِنَّمَا نملي لَهُم ليزدادوا إِثْمًا﴾ رَوَاهُ الْحَاكِم وَقَالَ على شَرطهمَا وَمِنْهُم عبد الله بن عمر ﵄ وروى الْحَاكِم أَبُو

стр. 101

عبد الله فِي الْمُسْتَدْرك على الصَّحِيحَيْنِ عَنهُ قَالَ سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول (إِن الله خلق خلقه فِي ظلمَة وَألقى عَلَيْهِم من نوره فَمن أَصَابَهُ من ذَلِك النُّور يَوْمئِذٍ شَيْء اهْتَدَى وَمن اخطأه ضل فَلذَلِك أَقُول جف الْقَلَم على علم الله) قَالَ الْحَاكِم على شَرطهمَا وَلَا عِلّة لَهُ وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ عَن الْحَاكِم وَأخرجه أَبُو حَاتِم بن حبال بِكَسْر الْحَاء الْمُهْملَة وَتَشْديد الْمُوَحدَة قَالَ الإِمَام الْبَيْهَقِيّ ألْقى عَلَيْهِ من نوره أَي فَمن علم الله إيمَانه وَأمر الْقَلَم فَجرى بِهِ وَكتب من السُّعَدَاء أَصَابَهُ من ذَلِك النُّور فاهتدى وَمن علم الله كفره وَأمر الْقَلَم فَجرى بِهِ وَكتب من الأشقيا أخطأه ذَلِك النُّور قَالَ الله تَعَالَى ﴿أَو من كَانَ مَيتا فأحييناه وَجَعَلنَا لَهُ نورا يمشي بِهِ فِي النَّاس كمن مثله فِي الظُّلُمَات لَيْسَ بِخَارِج مِنْهَا﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿الله ولي الَّذين آمنُوا يخرجهم من الظُّلُمَات إِلَى النُّور﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿وأضله الله على علم﴾ وَمِنْهُم عبد الله بن الزبير ﵄ روى الإِمَام مَالك ﵁ فِي الْمُوَطَّأ عَن عَمْرو بن دِينَار قَالَ سَمِعت عبد الله ابْن الزبير يَقُول فِي خطبَته إِن الله هُوَ الْهَادِي والفاتر وَمِنْهُم عمرَان بن حُصَيْن ﵁ روى البُخَارِيّ وَمُسلم عَنهُ قَالَ قيل يَا رَسُول الله علم أهل الْجنَّة من أهل النَّار قَالَ

стр. 102

نعم قيل فَفِيمَ يعْمل الْعَامِلُونَ قَالَ كل ميسر لما خلق لَهُ قلت وَقد قدمت عَنهُ نَحوا من هَذَا من حَدِيث البُخَارِيّ وروى الْبَيْهَقِيّ بِسَنَدِهِ الصَّحِيح إِلَى ابْن الْأسود الديلمي قَالَ قلت لعمران بن حُصَيْن إِنِّي جَلَست مَجْلِسا ذكرُوا فِيهِ الْقدر فَقَالَ عمرَان الله الَّذِي لَا إِلَه إِلَّا هُوَ لَو أَن الله عذب أهل السَّمَاوَات وَالْأَرْض عذبهم وَهُوَ غير ظَالِم حِين يعذبهم وَلَو رَحِمهم كَانَت رَحمته أوسع لَهُم وسنقدم الْمَدِينَة فنسأل ابْن مَسْعُود وَأبي بن كَعْب فَسَأَلَهُمَا فَقَالَا مثل ذَلِك وَرَوَاهُ الطَّبَرِيّ بِسَنَد صَحِيح عَنهُ وَزَاد فِيهِ وَلَو أَن لرجل مثل أحد ذَهَبا يُنْفِقهُ فِي سَبِيل الله لَا يُؤمن بِالْقدرِ خَيره وشره لَا يقبل مِنْهُ وَمِنْهُم عمار بن يَاسر ﵁ روى عبد لله بن الْمُبَارك بِسَنَدِهِ عَنهُ قَالَ قَالَ مُوسَى يَا رب خلقت خلقا خلقهمْ للنار فَأوحى الله إِلَيْهِ أَن ازرع زرعا فزرعه وسقاه وَقَامَ عَلَيْهِ حَتَّى حصده وداسه قَالَ مَا فعل زرعك قَالَ رفعته قَالَ مَا بَركت مِنْهُ قَالَ مَا لَا خير فِيهِ وَقَالَ فَإِنِّي لَا أَدخل النَّار إِلَّا مَا لَا خير فِيهِ وَمِنْهُم أَبُو هُرَيْرَة ﵁ روى الإِمَام أَحْمد بِسَنَدِهِ إِلَى عمار مولى بني هَاشم قَالَ سَأَلت أَبَا هُرَيْرَة عَن الْقدر فَقَالَ كَيفَ بآخر سُورَة الْقَمَر وَقد قدمت عَنهُ أَحَادِيث صَحِيحَة فِي الْقدر من ذَلِك قَوْله ﷺ (كتب على ابْن آدم حَظه من الزِّنَا) حَدِيث البُخَارِيّ وَقَوله ﷺ قَالَ (قدر الله وَمَا شَاءَ فعل) حَدِيث مُسلم وَغير ذَلِك وَمِنْهُم أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيّ ﵁ روى الْحَافِظ ابْن حبَان عَنهُ عَن النَّبِي ﷺ قَالَ (خلق الله آدم من أَدِيم الأَرْض كلهَا

стр. 103

فَخرجت ذُريَّته على حسب ذَلِك فَمنهمْ الْأسود والأبيض والأحمر والأصفر وَمِنْهُم بَين ذَلِك وَمِنْهُم السهل وَمِنْهُم الْحزن والخبيث وَالطّيب وروى نَحوه أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَصَححهُ وَلَفظه (إِن الله خلق آدم من قَبْضَة قبضهَا من جَمِيع الأَرْض فجَاء بَنو آدم على قدر الأَرْض الحَدِيث) وروى ابْن حبَان أَيْضا فِي صَحِيحه عَنهُ ﷺ أَنه قَالَ (خلق الله آدم ثمَّ أَخذ الْخلق من ظَهره فَقَالَ هَؤُلَاءِ فِي الْجنَّة وَلَا أُبَالِي وَهَؤُلَاء فِي النَّار وَلَا أُبَالِي فَقَالَ قَائِل يَا رَسُول الله فعلى مَاذَا الْعَمَل قَالَ على مواقع الْقدر) وروى نَحوه أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَالْحَاكِم وَقَالَ على شَرطهمَا وَلَفظه إِن الله خلق آدم ثمَّ مسح على ظَهره بِيَمِينِهِ فاستخرج مِنْهُ ذُرِّيَّة فَقَالَ خلقت هَؤُلَاءِ للجنة وبعمل أهل الْجنَّة يعْملُونَ ثمَّ مسح ظهر فاستخرج مِنْهُ ذُرِّيَّة فَقَالَ خلقت هَؤُلَاءِ للنار وبعمل أهل النَّار يعْملُونَ) الحَدِيث وَمِنْهُم سلمَان الْفَارِسِي ﵁ روى الْبَيْهَقِيّ بِسَنَدِهِ الصَّحِيح إِلَى حجاج الْأَزْدِيّ قَالَ سَأَلنَا سلمَان مَا الْإِيمَان بِالْقدرِ قَالَ أَن تعلم أَن مَا أَصَابَهُ لم يكن ليخطئه وَأَن مَا أخطأه لم يكن ليصيبه وروى الطَّبَرِيّ عَنهُ أَنه قَالَ إِن الله تَعَالَى لما خلق آدم مسح ظَهره فَاخْرُج مِنْهُ مَا هُوَ ذاري إِلَى يَوْم الْقِيَامَة وَكتب الْآجَال والأعمال والأرزاق والشقاوة والسعادة

стр. 104

وَمِنْهُم أَبُو الدَّرْدَاء ﵁ روى الْبَيْهَقِيّ عَنهُ بِسَنَد حسن أَنه قَالَ كل يعْمل فِي ثَوَاب أعد لَهُ قلت هَكَذَا هُوَ فِي الأَصْل الْمَنْقُول مِنْهُ وَلَعَلَّه فِي ثَوَاب أَو عِقَاب أعد لَهُ وَالله أعلم وَمِنْهُم أبي بن كَعْب وَزيد بن ثَابت وحنيفة بن النُّعْمَان وَعَمْرو ابْن الْعَاصِ وَعَائِشَة بنت أبي بكر ﵃ أَجْمَعِينَ روى الْحَافِظ أَبُو حَاتِم بن حبَان بِسَنَدِهِ الصَّحِيح إِلَى ابْن الديلمي قَالَ أتيت أبي بن كَعْب فَقلت لَهُ وَقع فِي نَفسِي شَيْء من الْقدر فَحَدثني بِشَيْء لَعَلَّ الله يذهبه من قلبِي قَالَ لَو أَن الله عذب أهل سماواته وَأهل أرضه عذبهم وَهُوَ غير ظَالِم لَهُم وَلَو رَحِمهم كَانَت رَحمته لَهُم خيرا من أَعْمَالهم وَلَو أنفقت مثل أحد فِي سَبِيل الله مَا قبله الله مِنْك حَتَّى تؤمن بِالْقدرِ وَتعلم أَن مَا أَصَابَك لم يكن ليخطئك وَمَا أخطأك لم يكن ليصيبك وَلَو مت على غير هَذَا لدخلت النَّار قَالَ أتيت عبد الله بن مَسْعُود فَقَالَ مثل ذَلِك ثمَّ أتيت زيد بن ثَابت فَحَدثني عَن رَسُول الله ﷺ مثل ذَلِك وروى الْبَيْهَقِيّ بِسَنَدِهِ إِلَى زيد بن أسلم قَالَ قَالَ عمر بن الْخطاب لعَمْرو بن الْعَاصِ لقد عجبت لَك فِي ذهنك وعقلك كَيفَ لم يكن من الْمُهَاجِرين الْأَوَّلين فَقَالَ لَهُ عَمْرو وَمَا أعْجبك يَا عمر من رجل قلبه بيد غَيره لَا يَسْتَقِيم أَو قَالَ لَا يَسْتَطِيع أَو قَالَ لَا يَسْتَطِيع التَّخَلُّص مِنْهُ إِلَّا إِلَى مَا أَرَادَ الَّذِي بِيَدِهِ فَقَالَ عمر صدقت وروى الْحَاكِم والطبري بِسَنَدَيْهِمَا عَن عَمْرو بن الْعَاصِ قَالَ عجبت من الرجل يفر من الْقدر وَهُوَ بواقعه وَمن الرجل يرى الْقَنَاة فِي عين

стр. 105

أَخِيه ويدع الْجذع فِي عَيْنَيْهِ وَقد قدمت عَنهُ أَيْضا حديثين فِي الْقدر رَوَاهُمَا التِّرْمِذِيّ وروى الْبَيْهَقِيّ بِسَنَد صَحِيح إِلَى خشمة عَن عَطِيَّة قَالَ دخلت وَأَنا مَسْرُوق على عَائِشَة ﵂ فَذكر وَأَقُول عبد الله يَعْنِي ابْن مَسْعُود من أحب لِقَاء الله أحب الله تَعَالَى لقاءه وَمن كره لِقَاء الله كره الله لقاءه قَالَ ﵀ على ابْن أم عبد حَدثكُمْ أول حَدِيث لم تسألوه عَن آخِره أَن الله إِذا أَرَادَ العَبْد خيرا قيض لَهُ قبل مَوته بعام ملكا يسدده وينسره حَتَّى يَمُوت وَهُوَ خير مَا كَانَ يَقُول النَّاس مَاتَ فلَان وَهُوَ خير مَا كَانَ فَإِذا احْتضرَ وَرَأى ثَوَابه من الْجنَّة جعل يودع نَفسه وود لَو خرجت قبل ذَلِك حِين أحب لِقَاء الله وَأحب الله لقاه وَأَن الله إِذا أَرَادَ بِعَبْد شرا قيض لَهُ شَيْطَانا قبل مَوته بعام يفتنه ويصده ويضله حَتَّى يَمُوت حِين يَمُوت وَهُوَ شَرّ مَا كَانَ وَيَقُول للنَّاس مَاتَ فلَان وَهُوَ شَرّ مَا كَانَ فَإِذا احْتضرَ وَرَأى مَا أعد لَهُ فِي النَّار جعل يتبلغ نَفسه كَرَاهَة الْخُرُوج فَعِنْدَ ذَلِك يبغض لِقَاء الله وَالله للقائه أبْغض وروى البهيقي أَيْضا عَنْهُمَا أَنه ذكر لَهما خروجهما فَقَالَت كَانَ يقدر قلت يَعْنِي خُرُوجهَا إِلَى الْبَصْرَة حَتَّى جرى يَوْم الْجمل مَا جرى وروى الطَّبَرِيّ بِسَنَدِهِ إِلَى هِشَام بن عُرْوَة عَن عَائِشَة أَن العَبْد ليعْمَل الزَّمَان بِعَمَل أهل الْجنَّة وَأَنه عِنْد الله مَكْتُوب من أهل النَّار الحَدِيث وَرَوَاهُ ابْن حَاتِم بن حبَان فِي صَحِيحه وَلَفظه عَن عَائِشَة أَن النَّبِي ﷺ قَالَ (أَن الرجل ليعْمَل بِعَمَل أهل الْجنَّة وَإنَّهُ لمكتوب فِي الْكتاب أَنه من أهل النَّار فَإِذا كَانَ قبل مَوته بحول يعْمل بِعَمَل أهل النَّار فَيدْخل

стр. 106

النَّار وَإِن كَانَ الرجل ليعْمَل بِعَمَل أهل النَّار وَإنَّهُ مَكْتُوب فِي الْكتاب أَنه من أهل الْجنَّة فَإِذا كَانَ قبل مَوته بحول فَعلم بِعَمَل أهل الْجنَّة فَمَاتَ فَدخل الْجنَّة) اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْأَلك حسن الخاتمة مَعَ الْعَفو والعافية فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة بِنَا ولأحبابنا وَالْمُسْلِمين آمين قلت فَهَذَا مَا اقتصرت على ذكره عَن هَؤُلَاءِ السَّادة الْمَذْكُورين الَّذين اقتصرت من سَادَات الصَّحَابَة عَلَيْهِم وَقد قدمت أَن أَحَادِيث الْقدر رَوَاهَا فَوق ثَلَاثِينَ صحابيا وَمن التَّابِعين زين العابدين عَليّ بن الْحُسَيْن رضوَان الله عَلَيْهِ وعَلى آبَائِهِ روى الطَّبَرِيّ بِسَنَدِهِ أَن رجلا من الْبَصْرَة جَاءَ إِلَيْهِ فَقَالَ لَهُ يَا سَيِّدي إِنِّي وَافد أهل الْبَصْرَة إِلَيْك قَالَ الْقدر قد فَنَشَأَ بهَا وارتد أَكثر النَّاس فَقَالَ لَهُ سل فَقَالَ للخير فَقَالَ اكْتُبْ علم وقضا وَقدر وساء وَأَرَادَ وَلم يرض وَلم يجب فَرجع إِلَى الْبَصْرَة فَقَرَأَ على النَّاس مَا كتب فَرجع أَكْثَرهم وروى عَنهُ أَقْوَال أُخْرَى غَلِيظَة فِي تَكْفِير أَصْحَاب الْقدر رَوَاهَا الإِمَام الْبَيْهَقِيّ وَغَيره بأسانيدهم قلت وَهَذَا صَرِيح من زين العابدين فِي التَّفْرِيق بَين الْإِرَادَة وَالرِّضَا وَهُوَ مُوَافق لما قَدمته من قَول بعض أَئِمَّتنَا وَمِنْهُم عمر بن عبد الْعَزِيز ﵁ روى الإِمَام الْبَيْهَقِيّ بِسَنَدِهِ إِلَى الإِمَام مَالك قَالَ إِن عمر بن عبد الْعَزِيز كَانَ حكيما يَقُول لَو أَرَادَ الله أَن يعْصى مَا خلق إِبْلِيس قلت وَقد ذكر الإِمَام الثعالبي رِوَايَة أَن آدم ﵇ التقى بإبليس فِي الأَرْض فلامه على صَنِيعه وَقَالَ يَا مَلْعُون أَنْت الَّذِي أخللت بِي

стр. 107

وغررتني وأخرجتني من الْجنَّة وَفعلت وَفعلت قَالَ فَبكى إِبْلِيس وَقَالَ يَا آدم أَنا فعلت بك مَا تَقول وأنزلتك هَذِه الْمنزلَة فَمن فعل مَا أَنا فِيهِ وأحلني هَذِه الْمنزلَة رَجعْنَا إِلَى كَلَام عمر بن عبد الْعَزِيز وَكَانَ يَقُول إِن فِي كتاب الله لهَؤُلَاء الْقَدَرِيَّة علما بَينا علمه من علمه وجهله من جَهله قَوْله تَعَالَى ﴿فَإِنَّكُم وَمَا تَعْبدُونَ مَا أَنْتُم عَلَيْهِ بفاتنين إِلَّا من هُوَ صال الْجَحِيم﴾ وروى سعيد ين مَنْصُور فِي تَفْسِيره قَالَ حَدثنَا عَمْرو بن دِينَار قَالَ خرجت وافدا إِلَى عمر بن عبد الْعَزِيز فِي نفر من أهل الْكُوفَة وَكَانَ مَعنا صَاحب لنا يتَكَلَّم فِي الْقدر فسألنا عمر بن عبد الْعَزِيز حوائجنا ثمَّ ذكرنَا لَهُ الْقدر فَقَالَ لَو أَرَادَ الله أَن لَا يعْصى مَا خلق إِبْلِيس ثمَّ قَالَ قد بَين أَنه ذَلِك فِي كِتَابه ﴿فَإِنَّكُم وَمَا تَعْبدُونَ﴾ الْآيَة فَرجع صاحبنا ذَلِك عَن الْقدر وَرَوَاهُ الطَّبَرِيّ بِسَنَدِهِ إِلَى عمر ابْن ذَر وَزَاد لَو أَن الله تَعَالَى كلف الْعباد على قدر عَظمته لما قَامَت لذَلِك سَمَاء الأَرْض وَلَا جبل وَلَا شَيْء من الْأَشْيَاء وَلكنه أَخذ مِنْهُم الْيَسِير وَلَو أَرَادَ وَأحب أَن لَا يعْصى لم يخلق إِبْلِيس راس الْمعْصِيَة قَالَ بعض الْأَئِمَّة الْمُتَأَخِّرين رَحْمَة الله على عمر لقد أَتَانَا أحسن دَلِيل وأخصر وَلِهَذَا قَالَ مَالك إِنَّه كَانَ حكيما وروى عَنهُ سعيد بن مَنْصُور بِسَنَدِهِ أَنه قَالَ يَا أَيهَا النَّاس اتَّقوا الله من أحسن فليحمد الله وَمن أَسَاءَ فليستغفر الله فَإِنَّهُ الله لَا بُد لأقوام أَن يعملوا أعمالا كتبهَا الله عَلَيْهِم ووضعها فِي رِكَابهمْ وَقَالَ أَيْضا فِيمَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد من رِوَايَة سُفْيَان الثَّوْريّ وَغَيره عَنهُ مَا اعْلَم النَّاس وَحدث النَّاس من محدثة وَلَا ابتدعوا من بِدعَة هِيَ

стр. 108

أبين أمرا وَلَا أَبَت أمرا من الأقدار بِالْقدرِ لقد كَانَ ذكره فِي الْجَاهِلِيَّة الجهلاء يَتَكَلَّمُونَ بِهِ فِي كَلَامهم وَفِي شعرهم يعزون بِهِ أنفسهم على مَا فاتهم ثمَّ لم يزده الْإِسْلَام إِلَّا شدَّة وَلَقَد ذكره رَسُول الله ﷺ فِي غير حَدِيث وَلَا حديثين قد سَمعه مِنْهُ الْمُسلمُونَ فتكلموا بِهِ فِي حَيَاته وَبعد وَفَاته يَقِينا وتسليما لرَبهم وتضعيفا لأَنْفُسِهِمْ أَن يكون شَيْء لم يحط بِهِ علمه وَلم يَخُصُّهُ كِتَابه وَلم يمض فِيهِ قدرته وَإنَّهُ لمع ذَلِك فِي مُحكم كِتَابه لمنه اقتبسوه ولمنه تعلموه وَلَئِن قُلْتُمْ أنزل الله كَذَا وَثمّ قَالَ كَذَا لقد قرءوا مِنْهُ مَا قَرَأْتُمْ وَعَلمُوا من تَأْوِيله مَا جهلتم وَقَالُوا بعد ذَلِك كُله بِكِتَاب وقدروا مَا يقدر يكن وَمَا شَاءَ الله كَانَ وَمَا لم يَشَأْ لم يكن وَلَا يملك لأنفسنا نفعا وَلَا ضرا ثمَّ رَغِبُوا وَبعد ذَلِك ذَهَبُوا روى الإِمَام الطَّبَرِيّ بِسَنَدِهِ الصَّحِيح إِلَى الإِمَام الْأَوْزَاعِيّ قَالَ كتب عمر بن عبد الْعَزِيز إِلَى ابْن لَهُ كتابا فَكَانَ فِيمَا كتب إِنِّي أسأَل الله تَعَالَى الَّذِي بِيَدِهِ الْقُلُوب يضع فِيهَا مَا يَشَاء من هدى وضلال وروى الإِمَام أَحْمد بن حَنْبَل ﵁ بِسَنَدِهِ عَنهُ أَنه دعِي غيلَان لشَيْء بلغه عَن الْقدر فَقَالَ يَا غيلَان مَا هَذَا الَّذِي بَلغنِي عَنْك قَالَ يكذب عَليّ قَالَ مَا تَقول فِي الْعلم قَالَ هَذَا الْعلم قَالَ اذْهَبْ الْآن فَقل مَا شِئْت يَا غيلَان إِنَّك إِن قررت بِالْعلمِ خصمت وَإِن جحدته كفرت وَإنَّك إِن تقربه فتخصم خير لَك من أَن تجحده فتكفر ثمَّ قَالَ اقْرَأ يس قَالَ نعم فَقَرَأَ يس إِلَى قَوْله تَعَالَى ﴿لَا يُؤمنُونَ﴾ قَالَ كَيفَ ترى قَالَ كَأَنِّي لم أَقرَأ هَذِه الْآيَات قطّ إِنِّي أعَاهد الله أَن لَا أَتكَلّم فِي شَيْء مِمَّا كنت أَتكَلّم فِيهِ أبدا قَالَ اذْهَبْ فَلَمَّا ولي قَالَ اللَّهُمَّ إِن كَانَ كَاذِبًا فأذقه حر السِّلَاح فَلم يتَكَلَّم فِي زمن عمر فَلَمَّا كَانَ زمن يزِيد بن عبد الْملك تكلم فَلَمَّا ولي هِشَام أرسل إِلَيْهِ وَقَالَ أَلَيْسَ قد كنت عَاهَدت الله لعمر بن

стр. 109

عبد الْعَزِيز أَن لَا تَتَكَلَّم فِي شَيْء من هَذَا أبدا قَالَ أَقلنِي فوَاللَّه لَا أَعُود قَالَ لَا قَالَ لَا أقالني الله إِن أَقْتلك أتعرف فَاتِحَة الْكتاب قَالَ نعم قَالَ اقْرَأ فقرا ﴿الْحَمد لله رب الْعَالمين﴾ إِلَى ﴿إياك نعْبد وَإِيَّاك نستعين﴾ قَالَ قف على مَا استعنته على أَمر بِيَدِهِ لَا يستطيعه أَو على أَمر بِيَدِك اذْهَبُوا فَاقْطَعُوا بيدَيْهِ وَرجلَيْهِ واضربوا عُنُقه واصلبوه قَالَ الْأَئِمَّة هَذَا الحَدِيث إِسْنَاده صَحِيح وَقد روى الْعلمَاء عَن عمر بن عبد الْعَزِيز ﵁ إِثْبَات الْقدر وَالْإِيمَان بِهِ وتضليل منكريه والتغليظ على الْقَدَرِيَّة مَا يطول ذكره من ذَلِك مَا روى الإِمَام الْبَيْهَقِيّ بِسَنَدِهِ عَنهُ أَن أَصْحَاب الْقدر يستتابون فَإِن تَابُوا وَإِلَّا نفوا من ديار الْمُسلمين وَمن التَّابِعين أَيْضا الْحسن الْبَصْرِيّ ﵁ روى الْبَيْهَقِيّ بِسَنَدِهِ الصَّحِيح إِلَى حميد قَالَ قدم الْحسن مَكَّة فكلمني فُقَهَاء مَكَّة أَن ُأكَلِّمهُ فيجلس لَهُم يَوْمًا فكلمته فَقَالَ نعم فَاجْتمعُوا وَهُوَ على سَرِير فَقَالَ لَهُ رجل يَا أَبَا سعيد من خلق الشَّيْطَان قَالَ سُبْحَانَ الله ﴿هَل من خَالق غير الله﴾ خلق الشَّيْطَان وَخلق الْخَيْر وَخلق الشَّرّ وروى أَيْضا بِسَنَدِهِ الصَّحِيح إِلَى حَمَّاد بن زيد عَن خَالِد قَالَ قلت لِلْحسنِ يَا أَبَا سعيد آدم خلق للْأَرْض أم للسماء فَقَالَ خلق للْأَرْض فَقلت أَرَأَيْت لَو أَنه استعصم فَلم يَأْكُل من الشَّجَرَة قَالَ لم يكن لَهُ بُد من أَن يَأْكُل مِنْهَا لِأَنَّهُ خلق للْأَرْض وروى أَيْضا بِسَنَدِهِ الصَّحِيح إِلَى حميد قَالَ قَرَأت الْقُرْآن كُله

стр. 110

على الْحسن ففسره على الْإِثْبَات فَسَأَلته عَن قَوْله تَعَالَى ﴿كَذَلِك سلكناه فِي قُلُوب الْمُجْرمين﴾ قَالَ الشّرك بِاللَّه سلكه فِي قُلُوبهم وَسَأَلته عَن قَوْله تَعَالَى ﴿وَلَهُم أَعمال من دون ذَلِك هم لَهَا عاملون﴾ قَالَ أَعمال سيعملونها وَسَأَلته عَن قَوْله تَعَالَى ﴿مَا أَنْتُم عَلَيْهِ بفاتنين إِلَّا من هُوَ صال الْجَحِيم﴾ وروى أَيْضا بِسَنَدِهِ الصَّحِيح إِلَى خَالِد عَنهُ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَلذَلِك خلقهمْ﴾ قَالَ خلق هَؤُلَاءِ للجنة وَهَؤُلَاء للنار وَبِسَنَدِهِ الصَّحِيح إِلَى الْأَشْهب عَنهُ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وحيل بَينهم وَبَين مَا يشتهون﴾ قَالَ بَينهم وَبَين الْإِيمَان وَبِسَنَدِهِ الصَّحِيح إِلَى أَبى مَرْوَان مولى هِنْد بنت الْمُهلب قَالَ دَعَا معبد إِلَى الْقدر عَلَانيَة فَمَا كَانَ أحد أَشد عَلَيْهِ فِي التَّفْسِير وَالرِّوَايَة وَالْكَلَام من الْحُسَيْن فغبت ثمَّ قدمت فَألْقى معبدًا فَقَالَ لي أما شَعرت أَن الشَّيْخ وَافقنِي يَعْنِي الْحسن فَاصْنَعُوا بعد مَا شِئْتُم فأتينه فَقلت يَا أَبَا سعيد قَول الله تَعَالَى ﴿تبت يدا أبي لَهب وَتب مَا أغْنى عَنهُ مَاله وَمَا كسب سيصلى نَارا ذَات لَهب﴾ كَانَ فِي أم الْكتاب قبل أَن يخلق الله أَبَا لَهب فَقَالَ سُبْحَانَ الله مَا شَأْنك نعم وَالله أَن يخلق أَبَا أَبِيه فَقلت فَهَل كَانَ أَبُو لَهب يَسْتَطِيع أَن
следующие страницы →