Полный текст (196 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
الَّذِي للربوبية
وَإِذ قد علق الربوبية على ظُهُور السِّرّ الَّذِي هُوَ كل عين مُخَاطبَة وكل مُخَاطبَة لَا شكّ أَنَّهَا ظَاهِرَة فَيلْزم بطلَان الربوبية لَكِن قَالَ شراحه إِن ظهر هُنَا بِمَعْنى زَالَ
وَالظَّاهِر أَن مُرَاده بِنَاء على قَاعِدَته ظُهُور كل عين أَنه هُوَ الله تَعَالَى فَهِيَ تبطل الربوبية وَمَا لم يظْهر ذَلِك فَلَا بطلَان وَهَذَا المُرَاد لَا يُريدهُ سهل رح وَلَا غَيره من الْمُسلمين فضلا عَمَّن هُوَ من أَوْلِيَاء الله تَعَالَى
وَقَوله كل فَاعل وصانع رَاض عَن فعله وصنعته كذب
بل كثيرا مَا يفعل الْفَاعِل فعلا لَا يرتضيه بل يكرههُ خُصُوصا على قَاعِدَته الْفَاسِدَة أَنه تَعَالَى إِنَّمَا يفعل بِحَسب استعداد الْأَعْيَان
وَقَوله وَفِي صَنعته حق مَا هِيَ عَلَيْهِ إِلَخ
يُؤَيّد هَذَا
وَقَوله أَي بَين أَنه أعْطى كل شَيْء خلقه
فِيهِ دَلِيل على الرِّضَا وَالْكتاب وَالسّنة ناطقان بِأَنَّهُ تَعَالَى كَارِه وَغير رَاض لكثير من أَفعَال الْعباد وَهُوَ الَّذِي خلقهَا وأوجدها
قَالَ فَكَانَ إِسْمَاعِيل بعثوره على مَا ذَكرْنَاهُ عِنْد ربه مرضيا وَكَذَا كل مَوْجُود عِنْد ربه مرضِي
وَلَا يلْزم إِذا كَانَ كل مَوْجُود عِنْد ربه مرضيا على مَا بَيناهُ أَن يكون مرضيا عِنْد رب عبد آخر لِأَنَّهُ مَا أَخذ الربوبية إِلَّا من كل لَا من وَاحِد فَمَا تعين من الْكل إِلَّا مَا يُنَاسِبه فَهُوَ ربه خَاصَّة وَلَا يَأْخُذ أحد من حَيْثُ أحديته وَلِهَذَا منع أهل الله تَعَالَى التجلي فِي الأحدية إِلَى آخر مَا ذكر
стр. 37
أَقُول قَوْله بعثوره يُنَافِي كَون الرِّضَا لأجل كَونه فعله وصنعته أَي لأجل أَنه يبقي عَلَيْهِ ربوبيته
وَقَوله عِنْد رب عبد آخر يُشِير إِلَى تعدد الأرباب بِالنّظرِ إِلَى تعدد مفاهيم الْأَسْمَاء فيسند الربوبية إِلَى مَفْهُوم الصّفة لَا إِلَى ذَات الْمَوْصُوف فَيلْزم أَن لَا يكون الذَّلِيل عبد الْعَزِيز وَبِالْعَكْسِ لِأَن الذَّلِيل مَا أَخذ من الْعَزِيز شَيْئا وَبِالْعَكْسِ وَكَذَا الْكَلَام فِي المرحوم والمنتقم مِنْهُ وَغير ذَلِك فَانْظُر إِلَى هَذَا الخرف الَّذِي يسْندهُ إِلَى النَّبِي ﷺ
وَقَوله وَلَا يَأْخُذهُ أحد من حَيْثُ أحديته
نقُول لَهُ فَمَا تَقول فِي قَوْله تَعَالَى ﴿رَبنَا الَّذِي أعْطى كل شَيْء خلقه﴾
هَل الَّذِي أعْطى كل شَيْء خلقه إِلَّا الله الْأَحَد الصَّمد وكونهم منعُوا التجلي فِي الأحدية لَا يسْتَلْزم امْتنَاع إِسْنَاد الربوبية إِلَيْهَا وَلَئِن سلم على مَا هُوَ اصْطِلَاحه من الْفرق بَين الأحدية والواحدية فلأي شَيْء لَا تُؤْخَذ الربوبية من الواحدية مَعَ أَن الْأَدِلَّة ناطقة بذلك صرائح ودلالات فَمن أَيْن يكون كل أحد مرضيا عِنْد الرب الْوَاحِد وَهل هَذَا إِلَّا انسلاخ من الدّين وَإِبْطَال لشرائع الْمُرْسلين
ثمَّ نقُول كَون الذَّلِيل مرضيا عِنْد ربه المذل على زعمك الْفَاسِد والمنتقم مِنْهُ مرضيا عِنْد ربه المنتقم من أَيْن يكون سَببا لسعادته عِنْده وَالْفَرْض أَنه ذليل ومنتقم مِنْهُ وربه مذل أَو منتقم
стр. 38
وَلَيْسَ عِنْد المذل والمنتقم من حَيْثُ أَنه مذل أَو منتقم سَعَادَة بل لَو قصد سعادته لما ربه بل تَركه ليربه الْمعز والرحيم
فَإِن قلت إسعاده إِنَّمَا قبل ذَلِك
قُلْنَا لَك فَمن أَيْن يلْزم الرِّضَا وَإِن لزم لأجل إبْقَاء ربوبيته على زعمك الْفَاسِد فَلَا نسلم لُزُوم السَّعَادَة لِئَلَّا تزيل الربوبية
وَالرِّضَا لَا يزِيل الشقاوة بل يحققها
ثمَّ قَالَ فَرضِي الله تَعَالَى عَن عبيده فهم مرضيون وَرَضوا عَنهُ فَهُوَ مرضِي إِلَخ
أَقُول إِن أَرَادَ بالعبيد الموصوفين بالعبودية المطيعين لرَبهم الْمَذْكُورين فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَعباد الرَّحْمَن﴾
إِلَى آخر الْآيَات فَمُسلم وَإِن أَرَادَ الْعُمُوم فَهُوَ كذب على الله لثُبُوت المغضوب عَلَيْهِم بالنصوص القطعية والأدلة اليقينية
قَالَ الثَّنَاء بِصدق الْوَعْد لَا بِصدق الْوَعيد والحضرة الإلهية تطلب الثَّنَاء الْمَحْمُود بِالذَّاتِ فيثنى عَلَيْهَا بِصدق الْوَعْد لَا بِصدق الْوَعيد بل بالتجاوز ﴿فَلَا تحسبن الله مخلف وعده رسله﴾
لم يقل ووعيده بل قَالَ ﴿ونتجاوز عَن سيئاتهم﴾ مَعَ أَنه توعد على ذَلِك
فَأثْنى على إِسْمَاعِيل بِأَنَّهُ كَانَ صَادِق الْوَعْد وَقد زَالَ الْإِمْكَان
стр. 39
فِي حق الْحق لما فِيهِ من طلب الْمُرَجح
أَقُول الثَّنَاء من الله سُبْحَانَهُ قد ورد بِصدق الْوَعْد وبصدق الْوَعيد مَعًا فَإِن الْخلف كذب وَهُوَ تَعَالَى منزه عَن الْكَذِب وَإِنَّمَا حسن الْكَذِب فِي الْوَعيد من الْخلق لأَنهم جاهلون بالعواقب قابلون للتغير والبداء
يحملهم على الْوَعيد سُورَة الْغَضَب بِخِلَاف الْحق سُبْحَانَهُ فَلَا يُقَاس عَلَيْهِم
وتمدحه تَعَالَى بِصدق الْوَعْد فِي الْآيَة الْمَذْكُورَة عين تمدحه بِصدق الْوَعيد فَإِنَّهُ سُبْحَانَهُ قَالَ ﴿فَأوحى إِلَيْهِم رَبهم لَنهْلكَنَّ الظَّالِمين ولنسكننكم الأَرْض من بعدهمْ﴾
ثمَّ قَالَ سُبْحَانَهُ ﴿فَلَا تحسبن الله مخلف وعده رسله﴾
ووعده رسله هُوَ إهلاك الظَّالِمين وَهُوَ وَعِيد لَهُم فَلم يخلف الْوَعْد وَلم يخلف الْوَعيد استلزاما هَذَا فِي الدُّنْيَا
وَقَالَ تَعَالَى فِي الْآيَة الْأُخْرَى الَّتِي هِيَ فِي الْأُخْرَى ﴿قَالَ قرينه رَبنَا مَا أطغيته وَلَكِن كَانَ فِي ضلال بعيد قَالَ لَا تختصموا لدي وَقد قدمت إِلَيْكُم بالوعيد مَا يُبدل القَوْل لدي وَمَا أَنا بظلام للعبيد﴾
فقد نفى سُبْحَانَهُ عَن ذَاته المقدسة تَبْدِيل القَوْل وَهُوَ عَام متناول للوعيد تناولا أوليا لقُرْبه مِنْهُ وإردافه بقوله ﴿وَمَا أَنا بظلام للعبيد﴾
على أَن الْحق أَن اللَّام عهدية مُخْتَصَّة بالوعيد الْمَذْكُور
وَقَوله تَعَالَى ﴿ونتجاوز عَن سيئاتهم﴾ الْآيَة فِي حق الْمُؤمنِينَ الْقَائِل كل مِنْهُم
стр. 40
﴿رب أوزعني أَن أشكر نِعْمَتك الَّتِي أَنْعَمت عَليّ وعَلى وَالِدي﴾
الآيه فِي حق الْكفَّار المتمردين المكذبين لله وَرُسُله الْقَائِل كل مِنْهُم لوَالِديهِ ﴿أُفٍّ لَكمَا﴾
الْآيَة فَإِن أُولَئِكَ قد قَالَ فِي حَقهم أصدق الْقَائِلين ﴿أُولَئِكَ الَّذين حق عَلَيْهِم القَوْل فِي أُمَم قد خلت من قبلهم من الْجِنّ وَالْإِنْس إِنَّهُم كَانُوا خاسرين﴾
وَقَوله وَقد زَالَ الْإِمْكَان إِلَخ
كذب
قَوْله لما فِيهِ من طلب الْمُرَجح
قُلْنَا الْمُرَجح فِي حَقه تَعَالَى لَيْسَ أمرا خارجيا بل هُوَ إِرَادَته ومشيئته لَا يسْأَل عَمَّا يفعل بل أسماؤه وَصِفَاته الَّتِي اقْتَضَت ذَلِك كالمنتقم لِئَلَّا تَزُول ربوبيته على زعمك ثمَّ ذكر الأبيات الَّتِي هِيَ من أخزى الأبيات
فَقَالَ والصدق إِثْبَات
(فَلم يبْق إِلَّا صَادِق الْوَعْد وَحده ... وَمَا لوعيد الْحق عين تعاين)
(وَإِن دخلُوا دَار الشَّقَاء فَإِنَّهُم ... على لَذَّة فِيهَا نعيم مباين)
(نعيم جنان الْخلد فَالْأَمْر وَاحِد ... وَبَينهمَا عِنْد التجلي تبَاين)
стр. 41
(يُسمى عذَابا من عذوبة طعمه ... وَذَاكَ لَهُ كالقشر والقشر صائن)
أَقُول هَذَا مُخَالفَته للشرائع ظَاهر بِلَا خَفَاء وَإِلَّا فلأي شَيْء يَقُولُونَ ﴿رَبنَا غلبت علينا شِقْوَتنَا وَكُنَّا قوما ضَالِّينَ رَبنَا أخرجنَا مِنْهَا فَإِن عدنا فَإنَّا ظَالِمُونَ﴾ ﴿وَنَادَوْا يَا مَالك ليَقْضِ علينا رَبك قَالَ إِنَّكُم مَاكِثُونَ﴾ إِلَى غير ذَلِك من الْآيَات
فَهَل من يكون فِي اللَّذَّة يتَمَنَّى الْخُرُوج مِنْهَا وَالْمَوْت ثمَّ نقُول لَهُ جعلك الله تَعَالَى فِي تِلْكَ اللَّذَّة إِن كنت مت على هَذَا الِاعْتِقَاد
قَالَ فِي الْكَلِمَة اليعقوبية وَبَيَانه أَن الْمُكَلف إِمَّا منقاد بالموافقة وَإِمَّا مُخَالف فالموافق الْمُطِيع لَا كَلَام فِيهِ لبيانه وَأما الْمُخَالف فَإِنَّهُ يطْلب بِخِلَافِهِ الْحَاكِم عَلَيْهِ من الله تَعَالَى أحد أَمريْن إِمَّا التجاوز وَالْعَفو وَإِمَّا الْأَخْذ على ذَلِك وَلَا بُد من أَحدهمَا لِأَن الْأَمر حق فِي نَفسه فعلى كل حَال قد صَحَّ انقياد الْحق إِلَى عَبده لأفعاله وَمَا هُوَ عَلَيْهِ من الْحَال فالحال هُوَ الْمُؤثر فَمن هُنَا كَانَ الدّين
أَقُول انْظُر إِلَى قبح قَوْله فالحال هُوَ الْمُؤثر فَإِنَّهُ يسْتَلْزم أَن الْحَال مُؤثر فِيمَا يَفْعَله الله تَعَالَى بِعَبْدِهِ وَهِي قَاعِدَته الخبيثة
فَيُقَال لَهُ من أوجد ذَلِك الْحَال فَإِن قَالَ وجد بِنَفسِهِ فقد أشرك وناقض نَفسه فِي أَن الاستعداد عطائي كَمَا ذكره فِي الْكَلِمَة العزيرية
стр. 42
وَإِن قَالَ هُوَ عَطاء من الله تَعَالَى كَمَا ذكره هُنَاكَ فَكيف تثبت لَهُ المؤثرية وَهل يُؤثر الْمَخْلُوق فِي فعل الْخَالِق وَقَوله قد صَحَّ انقياد الْخَالِق إِلَى عَبده لأفعاله بَاطِل لِأَنَّهُ مَبْنِيّ على مَا ذكر من الْبَاطِل
وَقَوله إِن الْمُخَالف يطْلب بِخِلَافِهِ إِمَّا الْعَفو وَإِمَّا الْأَخْذ أَيْضا كذب إِذْ لَيْسَ كل مُخَالف كَذَلِك بل أَكْثَرهم مُنكر للجزاء بِالْكُلِّيَّةِ وَكَذَلِكَ الْمُعْتَرف بِهِ لَا يطْلب الْأَخْذ وَإِنَّمَا يجوزه وَيخَاف مِنْهُ ثمَّ بنى على هَذِه الْقَاعِدَة الخبيثة مَا قَالَ هَذَا لِسَان الظَّاهِر فِي هَذَا الْبَاب وَأما سره وباطنه فَإِنَّهُ تجل فِي مرْآة وجود الْحق فَلَا يعود على الممكنات من الْحق إِلَّا مَا تعطيه ذواتهم فِي أحوالها فَإِن لَهُم فِي كل حق صُورَة فتختلف صورهم لاخْتِلَاف أَحْوَالهم فيختلف التجلي لاخْتِلَاف الْحَال فَيَقَع الْأَثر فِي العَبْد بِحَسب مَا يكون فَمَا أعطَاهُ الْخَيْر سواهُ وَلَا أعطَاهُ ضد الْخَيْر غَيره بل هُوَ منعم ذَاته ومعذبها فَلَا يذمن إِلَّا نَفسه وَلَا يحمدن إِلَّا نَفسه فَالله الْحجَّة الْبَالِغَة فِي علمه بهم إِذْ الْعلم يتبع الْمَعْلُوم
أَقُول نعيد عَلَيْهِ السُّؤَال السَّابِق هَل اخْتِلَاف الْأَحْوَال صادر عَن أَنْفسهَا أَو لاخْتِلَاف الْأَزْمِنَة أَو بِفعل الْحق سُبْحَانَهُ
فَإِن قَالَ بِفعل الْحق فقد أبطل قَاعِدَته وَبنى عَلَيْهَا
وَإِن قَالَ بِغَيْر ذَلِك فقد أشرك وناقض نَفسه على مَا سبق
стр. 43
على مَا فِيهِ من إساءة الْأَدَب فِي قَوْله فَلَا يحمدن إِلَّا نَفسه وَالنَّبِيّ ﷺ يَقُول عَن الله تَعَالَى فِي الحَدِيث الْقُدسِي (فَمن وجد خيرا فليحمد الله تَعَالَى)
قَالَ ثمَّ السِّرّ الَّذِي فَوق هَذَا فِي مثل هَذِه الْمَسْأَلَة أَن الممكنات على أَصْلهَا من الْعَدَم وَلَيْسَ وجود إِلَّا وجود الْحق بصور أَحْوَال مَا هِيَ عَلَيْهِ الممكنات فِي أَنْفسهَا وأعيانها فقد علمت من يلتذ وَمن يتألم إِلَى آخر مَا خرف من الهذيان
أَقُول السُّؤَال السَّابِق على حَاله فِي الْأَحْوَال وَانْظُر إِلَى قبح مَا بنى على ذَلِك من قَوْله فقد علمت من يلتذ وَمن يتألم فَانْظُر إِلَى هَذِه الهذيانات الَّتِي أسندها إِلَى النَّبِي ﷺ ثمَّ جَمِيع مَا قَالَ إِن الرُّسُل خادموا الْأَمر الإلهي وهم فِي نفس الْأَمر خادموا أَحْوَال الممكنات إِلَى آخِره وتشبيهه ذَلِك بِخِدْمَة الطَّبِيب للطبيعة إِلَى آخِره كُله بِنَاء على الْقَاعِدَة الْمَذْكُورَة الْبَاطِلَة
والمبني على الْبَاطِل بَاطِل ثمَّ إِنَّه ختم هَذِه المقالات الْبَاطِلَة بِمَا قَالَ فالرسول مبلغ وَلِهَذَا قَالَ ﷺ (شيبتني هود وَأَخَوَاتهَا) لما تحتوي عَلَيْهِ من قَوْله تَعَالَى ﴿فاستقم كَمَا أمرت﴾
فشيبه قَوْله تَعَالَى
стр. 44
﴿كَمَا أمرت﴾ فَإِنَّهُ لَا يدْرِي هَل أَمر بِمَا يُوَافق الْإِرَادَة فَيَقَع أَو بِمَا يُخَالف الْإِرَادَة فَلَا يَقع
وَلَا يعرف أحد حكم الْإِرَادَة إِلَّا بعد وُقُوع المُرَاد إِلَّا من كشف الله تَعَالَى عَن عين بصيرته فَأدْرك أَعْيَان الممكنات فِي حَال ثُبُوتهَا على مَا هِيَ عَلَيْهِ إِلَخ
أَقُول إِن أَرَادَ معنى الْأَمر فَهُوَ غير مُخْتَصّ بِسُورَة هود فَلَا يُنَاسب تخصيصها بِالذكر أَن يَقُول شيبتني الْأَوَامِر والنواهي فَأَرَادَ الْأَمر المقترن بقوله ﴿فاستقم﴾
أَو نفس اسْتَقِم فَلَيْسَ لسورة هود أَخَوَات فِي ذَلِك إِنَّمَا ذكر فِيهَا وَفِي الشورى وَهِي أُخْت وَاحِدَة على أَن الحَدِيث مَعَ اضطرابه قد وَردت الْأَخَوَات فِيهِ مفسرة بِغَيْر ذَلِك عَن ابْن عَبَّاس رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ قَالَ قَالَ أَبُو بكر رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ يَا رَسُول الله قد شبت فَقَالَ (شيبتني هود والواقعة والمرسلات وَعم يتساءلون وَإِذا الشَّمْس كورت)
صَححهُ الْحَاكِم كَذَلِك مَرْفُوعا
وَقَالَ التِّرْمِذِيّ // حسن غَرِيب //
وَأكْثر رواياته مُرْسلا وَمُسْندًا مفسرة بذلك وَلم يرد تَفْسِير الْأَخَوَات قطّ بِمَا فِيهِ لفظ الاسْتقَامَة فِي شَيْء من رواياته
وَقَوله فَأدْرك أَعْيَان الممكنات إِلَخ من جملَة ترهاتهه وَرُبمَا
стр. 45
قصد الْإِشَارَة إِلَى ادِّعَاء ذَلِك لنَفسِهِ بتخيلاته الْبَاطِلَة وَفِيه تَفْضِيل نَفسه على أشرف الْمُرْسلين حَيْثُ شَيْبه ذَلِك لِأَنَّهُ لَا يدْرِي هَل أَمر بِمَا يُوَافق الْإِرَادَة أم لَا وَلم يطلع على الْمُوَافقَة وَعدمهَا إِذْ لَو اطلع لما شَيْبه وَقد كشف تَعَالَى عَن بَصِيرَة غَيره فَأدْرك ذَلِك بِإِدْرَاك أَعْيَان الممكنات فِي حَال ثُبُوتهَا فَانْظُر إِلَى هَذَا الاجتراء
قَالَ فِي الْكَلِمَة اليوسفية تَقول عَائِشَة رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا أول مَا بديء بِهِ رَسُول الله ﷺ من الْوَحْي الرُّؤْيَا الصادقة فَكَانَ لَا يرى رُؤْيا إِلَّا جَاءَت مثل فلق الصُّبْح تَقول لَا خَفَاء بهَا
وَإِلَى هُنَا بلغ علمهَا لَا غير وَكَانَت الْمدَّة لَهُ فِي ذَلِك سِتَّة أشهر ثمَّ جَاءَهُ الْملك وَمَا علمت أَن رَسُول الله ﷺ قد قَالَ (النَّاس نيام فَإِذا مَاتُوا انتبهوا وكل مَا يرى فِي حَال النّوم فَهُوَ من ذَلِك الْقَبِيل وَإِن اخْتلفت الْأَحْوَال فَمضى قَوْلهَا سِتَّة أشهر بل عمره كُله فِي الدُّنْيَا بِتِلْكَ المثابة إِنَّمَا هُوَ مَنَام فِي مَنَام
وكل مَا ورد من هَذَا الْقَبِيل فَهُوَ الْمُسَمّى عَالم الخيال إِلَى آخر مَا هذى فِي خياله
стр. 46
أَقُول الحَدِيث لَا أصل لَهُ عَن النَّبِي ﷺ وَإِنَّمَا ذكر فِي كَلِمَات عَليّ وَالْمرَاد بِهِ أَنهم فِي غَفلَة كالنوم لَا أَنهم نيام حَقِيقَة وَأَن أَحْوَالهم خيالات كَمَا تخيله هَذَا ثمَّ بنى على خياله الكاسد الرَّد على نَبِي الله تَعَالَى يُوسُف الْكَرِيم بن الْكَرِيم بن الْكَرِيم صلوَات الله تَعَالَى عَلَيْهِ وعَلى آبَائِهِ
حَيْثُ قَالَ ثمَّ قَالَ يُوسُف بعد ذَلِك فِي آخر الْأَمر ﴿هَذَا تَأْوِيل رُؤْيَايَ من قبل قد جعلهَا رَبِّي حَقًا﴾ أَي أظهرها فِي الْحس بعد مَا كَانَت فِي صُورَة الخيال فَقَالَ لَهُ مُحَمَّد ﷺ (النَّاس نيام) فَكَانَ قَول يُوسُف ﵇ ﴿قد جعلهَا رَبِّي حَقًا﴾ بِمَنْزِلَة من رأى فِي نَومه أَنه قد اسْتَيْقَظَ من رُؤْيا رَآهَا ثمَّ عبرها وَلم يعلم أَنه فِي النّوم عينه مَا برح فَإِذا اسْتَيْقَظَ يَقُول رَأَيْت كَذَا وَرَأَيْت كَأَنِّي استيقظت وَأَوَّلْتهَا بِكَذَا هَذَا مثل ذَلِك
فَانْظُر كم بَين إِدْرَاك مُحَمَّد ﷺ وَبَين إِدْرَاك يُوسُف ﵇ فِي آخر أمره حِين قَالَ ﴿قد جعلهَا رَبِّي حَقًا﴾ مَعْنَاهُ حسا أَي محسوسا وَمَا كَانَ إِلَّا محسوسا فَإِن الخيال لَا يُعْطي أبدا إِلَّا المحسوسات غير ذَلِك لَيْسَ لَهُ
فَانْظُر مَا أشرف
стр. 47
علم وَرَثَة مُحَمَّد ﷺ
أَقُول انْظُر إِلَى هَذِه التخيلات الَّتِي تخيلها فِي مَنَامه على زَعمه كَيفَ كذب بهَا على النَّبِي ﷺ وَطعن بهَا فِي إِدْرَاك يُوسُف الصّديق ﷺ وَأَشَارَ بهَا إِلَى تَفْضِيل نَفسه عَلَيْهِ وَالله هُوَ الْمُسْتَعَان
ثمَّ بنى على ذَلِك تكَلمه فِي الظل إِلَى أَن قَالَ وَإِذا كَانَ الْأَمر على مَا قَرَّرْنَاهُ فَاعْلَم أَنَّك خيال وَجَمِيع مَا تُدْرِكهُ مِمَّا تَقول فِيهِ لَيْسَ أَنا خيال فالوجود كُله خيال فِي خيال إِلَى آخر مَا ذكر
أَقُول فَيُقَال لَهُ فتؤاخذ أَنْت بإقرارك وَيُقَال لَك أَنْت خيال وكلامك خيال ومحال فَلَا اعْتِبَار بِهِ فَلَا يُفِيد فِيك كَمَا فِي حزبك السوفسطائية إِلَّا الحرق بالنَّار وَنَحْوه
ثمَّ إِنَّه فِي الْكَلِمَة الهودية بعد مَا تكلم على قَاعِدَته الخبيثة قَالَ فَلَا ينْتج هَذَا الشُّهُود فِي أَخذ النواصي بيد من هُوَ على صِرَاط مُسْتَقِيم إِلَّا هَذَا الْفَنّ الْخَاص من عُلُوم الأذواق فيسوق الْمُجْرمين وهم الَّذين استحقوا الْمقَام الَّذِي ساقهم إِلَيْهِ برِيح الدبور الَّتِي أهلكهم عَن نُفُوسهم بهَا فَهُوَ يَأْخُذ بنواصيهم وَالرِّيح الَّذِي تسوقهم وَهُوَ عين الْأَهْوَاء الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا إِلَى جَهَنَّم وَهِي الْبعد الَّذِي كَانُوا يتوهمونه
فَلَمَّا ساقهم إِلَى ذَلِك الموطن حصلوا فِي عين الْقرب فَزَالَ
стр. 48
الْبعد فَزَالَ مُسَمّى جَهَنَّم فِي حَقهم ففازوا بنعيم الْقرب من جِهَة الِاسْتِحْقَاق لأَنهم مجرمون فَمَا أَعْطَاهُم هَذَا الْمقَام الذوقي اللذيذ من جِهَة الْمِنَّة وَإِنَّمَا أَخَذُوهُ بِمَا استحقته حقائقهم من أَعْمَالهم الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا
أَقُول انْظُر إِلَى هَذَا التحريف والإلحاد فِي آيَات الله تَعَالَى وقلب مَعَاني مَا أَرَادَهُ الله تَعَالَى بهَا من الذَّم والتحريف إِلَى الْمَدْح والأمن فَمَا تَحْرِيف الْيَهُود التَّوْرَاة فِي جنب هَذَا التحريف مَعَ اعْتِقَادهم بُطْلَانه إِلَّا كذرة فِي الصَّحرَاء لَا ترى أطرافها
ثمَّ يُقَال لَهُ جعلك الله تَعَالَى فِي ذَلِك الْمقَام الَّذِي مدحته إِن كنت مت على هَذَا الِاعْتِقَاد لِأَنَّك مُسْتَحقّه
قَالَ وَكَانُوا فِي السَّعْي فِي أَعْمَالهم على صِرَاط الرب الْمُسْتَقيم لِأَن نواصيهم كَانَت بيد من لَهُ هَذِه الصّفة
أَقُول كَأَنَّك عميت وصممت عَن قَوْله تَعَالَى ﴿وَإِن الَّذين لَا يُؤمنُونَ بِالآخِرَة عَن الصِّرَاط لناكبون﴾ وَقَوله تَعَالَى ﴿اهدنا الصِّرَاط الْمُسْتَقيم صِرَاط الَّذين أَنْعَمت عَلَيْهِم غير المغضوب عَلَيْهِم وَلَا الضَّالّين﴾
وَإِذا لم يكن قوم هود مغضوبا عَلَيْهِم وَلَا ضَالِّينَ فَمن المغضوب عَلَيْهِم والضالون وهم الَّذين قَالَ فِي حَقهم ﴿وَتلك عَاد جَحَدُوا بآيَات رَبهم وعصوا رسله وَاتبعُوا أَمر كل جَبَّار عنيد﴾
стр. 49
وأتبعوا فِي هَذِه الدُّنْيَا لعنة وَيَوْم الْقِيَامَة أَلا إِن عادا كفرُوا رَبهم أَلا بعدا لعاد قوم هود)
لَكِن الْكَلَام مَعَ من يُؤمن بِالْقُرْآنِ وَلَا يَجعله خيالا ومناما وَالله الْمُسْتَعَان
ثمَّ تمم مَا تقدم حَيْثُ قَالَ
فَيُقَال لَهُ أوصلك الله تَعَالَى إِلَى مَا وصلوا وَأما تناقضه فِي قَوْله هُنَا بالجبر وَفِي غير مَوضِع بِأَنَّهُم المتصرفون فِيهِ سُبْحَانَهُ بِحَسب مَا يَقْتَضِيهِ استعدادهم فَهُوَ لَا يتحاشى مِنْهُ وَسَيَأْتِي الْتِزَامه جَمِيع العقائد
ثمَّ قَالَ فالقرب الإلهي من العَبْد لَا خَفَاء بِهِ فِي الْإِخْبَار الإلهي فَلَا قرب أقرب من أَن تكون هويته عين أَعْضَاء العَبْد وَقواهُ وَلَيْسَ العَبْد سوى هَذِه الْأَعْضَاء والقوى فَهُوَ حق مشهود فِي خلق متوهم فالخلق مَعْقُول وَالْحق محسوس مشهود عِنْد الْمُؤمنِينَ وَأهل الْكَشْف والوجود
وَمَا عدا هذَيْن الصِّنْفَيْنِ فَالْحق عِنْدهم مَعْقُول والخلق مشهود فهم بِمَنْزِلَة المَاء الْملح الأجاج والطائفة الأولى بِمَنْزِلَة المَاء العذب الْفُرَات السائغ لشاربه
أَقُول ﴿سيعلمون غَدا من الْكذَّاب الأشر﴾ ﴿وَسَيعْلَمُ الْكفَّار لمن عُقبى الدَّار﴾ ﴿وَسَيعْلَمُ الَّذين ظلمُوا أَي مُنْقَلب يَنْقَلِبُون﴾ وَقد
стр. 50
علمت وتحققت من الْملح الأجاج وَمن العذب الْفُرَات عِنْد هلاكك وَلَكِنَّك منعت النُّطْق كَمَا مَنعه أهل القليب وَالله تَعَالَى يقابلك بِمَا قلت والْحَدِيث فِي آيَاته وإخباراته على أَلْسِنَة أنبيائه فَإِذا قَالَ (وَلَا يزَال عَبدِي يتَقرَّب إِلَيّ بالنوافل حَتَّى أحبه فَإِذا أحببته كنت سَمعه وبصره) إِلَخ مجَاز عَن إعانته فِي جَمِيع أَحْوَاله مَشْرُوطًا بالمحبة المسببة عَن التَّقَرُّب بالنوافل جعلته أَنْت أَيهَا الضال المضل عين الْكفَّار والفساق وَغير ذَلِك من الْمَخْلُوقَات مستدلا بِهَذَا الحَدِيث غير الدَّال فِي ذَلِك إِذْ لَو سلم أَنه سُبْحَانَهُ أَرَادَ الْحَقِيقَة على زعمك الْبَاطِل لدل على انتفائها عِنْد انْتِفَاء الشَّرْط الَّذِي هُوَ الْمحبَّة الْمرتبَة على التَّقَرُّب بالنوافل ثمَّ زَاد فِي الهذيان إِلَى أَن قَالَ أَلا ترى عادا قوم هود كَيفَ قَالُوا ﴿هَذَا عَارض مُمْطِرنَا﴾
فظنوا خيرا بِاللَّه وَهُوَ عِنْد ظن عَبده بِهِ فَأَضْرب لَهُم الْحق عَن هَذَا القَوْل فَأخْبرهُم بِمَا هُوَ أتم وَأَعْلَى فِي الْقرب فَإِنَّهُ إِذا أمطرهم فَذَلِك
стр. 51
حَظّ الأَرْض وَسقي الْحبَّة فَمَا يصلونَ إِلَى نتيجة ذَلِك الظَّن إِلَّا عَن بعد فَقَالَ لَهُم ﴿بل هُوَ مَا استعجلتم بِهِ ريح فِيهَا عَذَاب أَلِيم﴾ فَجعل الرّيح إِشَارَة إِلَى مَا فِيهَا من الرَّاحَة لَهُم فَإِن بِهَذِهِ الرّيح أراحهم من هَذِه الهياكل الْمظْلمَة والمسالك الوعرة والسدف المدلهمة وَفِي هَذِه الرّيح عَذَاب أَي أَمر يستعذبونه إِذا ذاقوه إِلَّا أَنه يوجعهم لفرقة المألوف إِلَى آخر مَا خرف
أَقُول جعلك الله تَعَالَى فِي تِلْكَ الرَّاحَة الَّتِي حصلت لَهُم كَيفَ تقلب مُرَاد الله تَعَالَى من كَلَامه وتحرفه وتلحد فِي آيَاته وإخباراته وَمن أَيْن عرف أُولَئِكَ الْكَفَرَة الفجرة الله تَعَالَى حَتَّى ظنُّوا بِهِ خيرا وَهل كَانَ نظرهم إِلَّا إِلَى مَحْض الْحَيَاة الدُّنْيَا أَو عرفُوا غَيرهَا وَهل يفهم من كلامك هَذَا إِلَّا تَكْذِيب الشَّرَائِع فَالله تَعَالَى يقابلك ﴿وَلَا تحسبن الله غافلا عَمَّا يعْمل الظَّالِمُونَ﴾
ثمَّ تَمَادى على هَذَا الْبَاطِل إِلَى أَن قَالَ وَاعْلَم أَنه لما أطلعني الْحق وأشهدني على أَعْيَان رسله وأنبيائه كلهم ﵈ من آدم إِلَى مُحَمَّد ﵉ فِي مشْهد قُمْت فِيهِ بقرطبة سنة سِتّ وَثَمَانِينَ وَخَمْسمِائة مَا
стр. 52
كلمني أحد من تِلْكَ الطَّائِفَة إِلَّا هود ﵊ فَإِنَّهُ أَخْبرنِي بِسَبَب جمعيتهم ورأيته رجلا ضخما فِي الرِّجَال حسن الصُّورَة لطيف المحاورة عَارِفًا بالأمور كاشفا لَهَا
ودليلي على كشفه لَهَا قَوْله ﴿مَا من دَابَّة إِلَّا هُوَ آخذ بناصيتها إِن رَبِّي على صِرَاط مُسْتَقِيم﴾
وَأي بِشَارَة لِلْخلقِ أعظم من هَذِه ثمَّ من امتنان الله تَعَالَى علينا أَن أوصل إِلَيْنَا هَذِه الْمقَالة عَنهُ فِي الْقُرْآن ثمَّ تممها الْجَامِع للْكُلّ مُحَمَّد ﷺ بِمَا أخبر بِهِ عَن الْحق بِأَنَّهُ عين السّمع وَالْبَصَر
أَقُول هَذَا أَيْضا من جملَة الخيالات والكذبات الَّتِي حرف فِيهَا كَلَام رب الْعَالمين وألحد فِيهِ وَفِي معنى حَدِيث سيد الْمُرْسلين فَإِنَّهُ ﷺ لم يخبر عَن الْحق أَنه عين السّمع وَالْبَصَر وَالْيَد وَالرجل لجَمِيع الْخلق حَتَّى مثل قوم هود الَّذين ذمهم الله تَعَالَى بِمَا ذمّ وعاقبهم بِمَا عاقب بل وَلَا أَرَادَ ﷺ حَقِيقَة ذَلِك قطّ
وَإِنَّمَا كنى بِهِ عَن معونته لعَبْدِهِ على مَا لَا يخفى لمن كَانَ مُسلما
وَالله تَعَالَى هُوَ الْهَادِي المضل وَإِلَيْهِ يرجع الْأَمر كُله
قَالَ قابله الله تَعَالَى وَمَا رَأينَا قطّ من عِنْد الله تَعَالَى فِي حَقه تَعَالَى فِي آيَة أنزلهَا أَو إِخْبَار عَنهُ أوصله إِلَيْنَا فِيمَا يرجع إِلَيْهِ إِلَّا بالتحديد تَنْزِيها كَانَ أَو غير تَنْزِيه
أَوله العماء الَّذِي مَا فَوْقه هَوَاء
стр. 53
وَمَا تَحْتَهُ هَوَاء
فَكَانَ الْحق فِيهِ قبل أَن يخلق الْخلق
ثمَّ ذكر أَنه اسْتَوَى على الْعَرْش فَهَذَا أَيْضا تَحْدِيد ثمَّ ذكر أَنه ينزل إِلَى السَّمَاء الدُّنْيَا فَهَذَا تَحْدِيد ثمَّ ذكر أَنه فِي السَّمَاء وَأَنه فِي الأَرْض وَأَنه أَيْنَمَا كُنَّا إِلَى أَن أخبرنَا أَنه عيننا وَنحن محدودون فَمَا وصف نَفسه إِلَّا بِالْحَدِّ
أَقُول انْظُر كَيفَ يفتري على الله الْكَذِب ويتمسك فِي الْمُتَشَابه فَلَا شكّ أَنه من الَّذين أخبر عَنْهُم الله تَعَالَى بقوله ﴿فَأَما الَّذين فِي قُلُوبهم زيغ فيتبعون مَا تشابه مِنْهُ ابْتِغَاء الْفِتْنَة﴾
وَأي فتْنَة أعظم من اعْتِقَاد أَن الله تَعَالَى مَحْدُود وَوَصفه بِمَا لم يصف بِهِ نَفسه وَلم يَأْذَن بِهِ وَقَالَ النَّبِي ﷺ لعَائِشَة رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا وَعَن أَبِيهَا (فَإِذا رَأَيْت الَّذين يتبعُون مَا تشابه مِنْهُ فَأُولَئِك الَّذين سمى الله تَعَالَى فاحذروهم)
ثمَّ نقُول إِن المُرَاد بالعماء لَا يُمكن أَن يكون حَقِيقَته وَهُوَ السَّحَاب رَقِيقا أَو كثيفا أَو غير ذَلِك مِمَّا فسر بِهِ فِي اللُّغَة لِأَنَّهُ يُنَاقض قَوْله قبل أَن يخلق الْخلق وَكَذَلِكَ لَا يُمكن أَن يُرَاد بِمَا الموصولة للُزُوم ذَلِك بل المُرَاد بالعماء مَا لَا يدْرك بِشَيْء من
стр. 54
المدارك وَيكون مَا للنَّفْي حق يَصح بِهِ الْمَعْنى وَلَا يُنَاقض الْجَواب السُّؤَال فِي الحَدِيث الْمَذْكُور عَن أبي رزين ﵁ أَنه قَالَ قلت يَا رَسُول الله أَيْن كَانَ رَبنَا قبل أَن يخلق خلقه قَالَ كَانَ فِي عماء مَا تَحْتَهُ هَوَاء وَمَا فَوْقه هَوَاء وَخلق عَرْشه على المَاء وَلِهَذَا قَالَ يزِيد بن هَارُون أَي لَيْسَ مَعَه شَيْء وَأما بَقِيَّة المتشابهات فمعلوم أمرهَا عِنْد أهل السّنة من التَّسْلِيم أَو التَّأْوِيل وَأما قَوْله إِلَى أَن أخبر أَنه عيننا فَإِنَّهُ كذب على مَا قدمْنَاهُ آنِفا
قَالَ وَقَوله ﴿لَيْسَ كمثله شَيْء﴾
حد أَيْضا إِن أَخذنَا الْكَاف زَائِدَة لغير الصّفة وَمن تميز عَن الْمَحْدُود فَهُوَ مَحْدُود بِكَوْنِهِ
стр. 55
لَيْسَ عين هَذَا الْمَحْدُود فالإطلاق عَن التقيد تَقْيِيد وَالْمُطلق مُقَيّد بِالْإِطْلَاقِ لمن فهم إِلَى آخِره
أَقُول لَا يتم أَن الْإِطْلَاق تقيد للتناقض وَإِنَّمَا الْإِطْلَاق عدم التقيد وَالْمُطلق مَا لَيْسَ مُقَيّدا لِأَن الْقَيْد مَا يُغير أول الْكَلَام وَذكر الْإِطْلَاق لَا يُغَيِّرهُ بل يقرره على مَا فهم مِنْهُ وَلَا يتم أَن غير الْمَحْدُود مَحْدُود للتناقض أَيْضا يُوضحهُ أَنا إِذا فَرضنَا أَشْيَاء لَهَا أعداد مُعينَة فَهِيَ محدودة بهَا وَأَشْيَاء لَيْسَ لَهَا أعداد مُعينَة لَا تكون محدودة إِذْ لَا تعين فَلَا حد
مِثَاله أنفاس أهل الدُّنْيَا محدودة للتعين وأنفاس أهل الْجنَّة غير محدودة لعدم التعين
فَعلم أَن قَوْله لمن فهم إِنَّمَا هُوَ مغلطة مِنْهُ وتلبيس وإيهام
وَقَوله وَإِن جعلنَا الْكَاف للصفة فقد حددناه يَعْنِي إِن جعلناها بِمَعْنى الْمثل فقد حددناه بإثباتنا الْمثل لَهُ
وَهَذِه أَيْضا مغلطة إِذْ لَو أثبتنا الْمثل لما صَحَّ النَّفْي إِذْ هُوَ مثل مثله ضَرُورَة
قَالَ وَإِن أَخذنَا ﴿لَيْسَ كمثله شَيْء﴾ على نفي الْمثل تحققنا بِالْمَفْهُومِ وبالإخبار الصَّحِيح أَنه عين الْأَشْيَاء والأشياء محدودة وَإِن اخْتلفت حُدُودهَا
فَهُوَ مَحْدُود بِحَدّ كل مَحْدُود فَمَا يحد شَيْء إِلَّا وَهُوَ حد الْحق إِلَخ
أَقُول أما كَون الْكَلَام لنفي الْمثل فَهُوَ الْحق الَّذِي مَا عداهُ بَاطِل وضلال
وَأما قَوْله تحققنا بِالْمَفْهُومِ أَي بِمَفْهُوم أَنه مُمَيّز عَن الْمَحْدُود والمميز عَن الْمَحْدُود مَحْدُود بتميزه عَن الْمَحْدُود فَهُوَ مغلطة وَكذب كَمَا تقدم
стр. 56
وَقَوله وبالإخبار الصَّحِيح أَي وتحققنا بالإخبار الصَّحِيح إِلَخ
فَهُوَ غير صَحِيح بل هُوَ كذب صَرِيح وبهتان قَبِيح كَمَا تقدم تَعَالَى الله عَمَّا يَقُول الظَّالِمُونَ علوا كَبِيرا حَيْثُ يصفونه بالسفه لكَونه يسفه نَفسه ويكذبها ويجهلها ويذمها بأنواع الذَّم ويعذبها بأنواع الْعَذَاب فِي الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَة وَالله تَعَالَى عَزِيز ذُو انتقام
ثمَّ قَالَ فَلَمَّا أوجد الصُّور فِي النَّفس وَظهر سُلْطَان النّسَب الْمعبر عَنْهَا بالأسماء صَحَّ النّسَب الإلهي للْعَالم فانتسبوا إِلَيْهِ تَعَالَى فَقَالَ (الْيَوْم أَضَع نسبكم وَأَرْفَع نسبي)
أَي آخذ عَنْكُم انتسابكم إِلَى
стр. 57
أَنفسكُم وأردكم إِلَى انتسابكم إِلَيّ
أَيْن المتقون أَي الَّذين اتَّخذُوا الله وقاية فَكَانَ الْحق ظَاهِرهمْ أَي عين صورهم الظَّاهِرَة وَهُوَ أعظم النَّاس وأحقهم وَأَقْوَاهُمْ عِنْد الْجَمِيع
وَقد يكون المتقي من جعل نَفسه وقاية للحق بصورته إِذْ هوية الْحق قوى العَبْد
فَجعل مُسَمّى العَبْد وقاية لمسمى الْحق على الشُّهُود حَتَّى يتَمَيَّز الْعَالم من غير الْعَالم إِلَى آخر مَا ذكر
أَقُول انْظُر إِلَى هَذَا التَّنَاقُض فَإِنَّهُ إِذا كَانَ الْكل حُدُوده وهويته وصوره فَمن هُوَ الْجَاعِل نَفسه أَو ربه وقاية وَمن هُوَ غير الْجَاعِل وَمن جملَة ذَلِك قَوْله ﴿إِنَّمَا يتَذَكَّر أولُوا الْأَلْبَاب﴾ وهم الناظرون فِي لب الشَّيْء الَّذِي هُوَ الْمَطْلُوب من الشَّيْء فَمَا سبق مقصر مجدا وَلَا يماثل أجِير عبدا وَفِي نُسْخَة كَذَلِك لَا يماثل أجِير عبدا
قَالَ شَارِحه القيصري فَإِن الْأَجِير لَا يزَال نظره إِلَى الْأُجْرَة وَالْعَبْد لَا يعْمل للأجرة بل للعبودية
ثمَّ قَالَ وَإِذا كَانَ الْحق وقاية للْعَبد بِوَجْه وَالْعَبْد وقاية للحق
стр. 58
بِوَجْه فَقل فِي الْكَوْن مَا شِئْت إِن شِئْت قلت هُوَ الْخلق وَإِن شِئْت قلت هُوَ الْحق وَإِن شِئْت قلت هُوَ الْحق الْخلق وَإِن شِئْت قلت لَا حق من كل وَجه وَلَا خلق من كل وَجه وَإِن شِئْت قلت بِالْحيرَةِ فِي ذَلِك فقد بَانَتْ المطالب بتعيينك الْمَرَاتِب
أَقُول إِن الْعَالم من حَيْثُ تعدد صوره غير الْحق وَمن حَيْثُ حَقِيقَته وهويته هُوَ عين الْحق فَصحت الإطلاقات الَّتِي ذكرهَا وَلَكِن الْمَبْنِيّ على الْفَاسِد فَاسد وَأما مَا ذكر من تحول الصُّورَة وخلعها فَهُوَ من الْمُتَشَابه الَّذِي لَا يتبعهُ إِلَّا من فِي قلبه زيغ وَقد حذرنا مِنْهُ رَسُول الله على مَا تقدم
ثمَّ قَالَ وَبِالْجُمْلَةِ فَلَا بُد لكل شخص من عقيدة فِي ربه يرجع بهَا إِلَيْهِ ويطلبه فِيهَا عرفه وأقربه
وَإِن تجلى لَهُ فِي غَيرهَا نكره وتعوذ مِنْهُ وأساء الْأَدَب عَلَيْهِ فِي نفس الْأَمر وَهُوَ عِنْد نَفسه أَنه قد تأدب مَعَه
فَلَا يعْتَقد مُعْتَقد إِلَهًا بِمَا جعل فِي نَفسه فالإله فِي الإعتقاديات بالجعل فَمَا رَأَوْا إِلَّا نُفُوسهم وَمَا جعلُوا فِيهَا
فَانْظُر مَرَاتِب النَّاس فِي الْعلم بِاللَّه تَعَالَى هُوَ عين مَرَاتِبهمْ فِي
стр. 59
الرُّؤْيَة يَوْم الْقِيَامَة وَقد أعلمتك بِالسَّبَبِ الْمُوجب لذَلِك فإياك أَن تتقيد بِعقد مَخْصُوص وتكفر بِمَا سواهُ فيفوتك خير كثير بل يفوتك الْعلم بِالْأَمر على مَا هُوَ عَلَيْهِ
فَكُن فِي نَفسك هيولى لصور المعتقدات آخر مَا قَالَ
أَقُول هَذَا هُوَ الْغَايَة فِي الإنسلاخ من الدّين والشرائع كلهَا وَمُخَالفَة جَمِيع كتب الله تَعَالَى وَرُسُله عَلَيْهِم الصَّلَوَات وَالسَّلَام وَسَائِر أهل الْأَدْيَان والتزام كفر كل كَافِر وَجمع بَين الأضداد فَإِن اعْتِقَاد أَن الْإِلَه وَاحِد يضاد اعْتِقَاد أَنه اثْنَان واعتقاد كَونه اثْنَيْنِ يضاد اعْتِقَاد كَونه ثَلَاثَة أَو أَكثر واعتقاد وجوده يضاد اعْتِقَاد عدم وجوده واعتقاد الْإِحْيَاء بعد الْمَوْت وَأَن الْقِيَامَة تقوم وَأَنه يَقع مَا أخبر الله تَعَالَى وَرُسُله من الْجنَّة وَالنَّار والحساب وَالثَّوَاب وَالْعِقَاب وَنَحْوهَا يضاد اعْتِقَاد عدم ذَلِك
ثمَّ يُقَال لهَذَا الضال هَب أَنَّك اعتقدت هَذِه المتضادات فَجمعت بَينهَا فِي اعتقادك الَّذِي هُوَ مجعول نَفسك فَكيف يمكنك الْجمع بَينهَا يَوْم الْقِيَامَة بِمُقْتَضى الحَدِيث الَّذِي استدللت بِهِ على تحول الصُّور وخلعها وَهُوَ قَوْله ﷺ فِي (إِذا كَانَ يَوْم الْقِيَامَة أذن مُؤذن لتتبع كل أمة مَا كَانَت تعبد فَلَا يبْقى أحد كَانَ يعبد غير الله تَعَالَى من الأنصاب والأصنام إِلَّا يتساقطون فِي النَّار حَتَّى لم يبْق إِلَّا من كَانَ يعبد الله تَعَالَى) . . الحَدِيث
стр. 60
فَإِذا اعتقدت صِحَة عبَادَة الْأَصْنَام فتبعتها وَسَقَطت فِي النَّار فَكيف تتبع بعد ذَلِك الصُّورَة الْمَعْرُوفَة أَو الْمُنكرَة فِي دُخُول الْجنَّة حَال مَا أَنْت فِي النَّار بِمُقْتَضى عبادتك الْأَصْنَام وَمَعْلُوم أَن من دخل النَّار بِسَبَب عبَادَة الْأَصْنَام فَإِنَّهُ لَا يخرج مِنْهَا أبدا على أَن الحَدِيث الْمَذْكُور قد فرق بَين من عبد غير الله تَعَالَى وَبَين من عبد الله تَعَالَى ثمَّ بعد ذَلِك قَالَ وَمَا ثمَّ إِلَّا الاعتقادات فَالْكل مُصِيب وكل مُصِيب مأجور سعيد وكل سعيد مرضِي عَنهُ وَإِن شقي زَمَانا فِي الدَّار الْآخِرَة فقد مرض وتألم أهل الْعِنَايَة إِلَخ
أَقُول هَذَا مُخَالف لقَوْله تَعَالَى ﴿فَمَاذَا بعد الْحق إِلَّا الضلال فَأنى تصرفون﴾
وَأي ضلال أعظم من جعل عباد الْأَصْنَام والثنوية والمثلثة والمعطلة مصيبين
ثمَّ قَالَ وَمَعَ هَذَا لَا يقطع أهل الْعلم الَّذين كشفوا الْأَمر على مَا هُوَ عَلَيْهِ أَنه لَا يكون لَهُم فِي تِلْكَ الدَّار يَعْنِي جَهَنَّم نعيم خَاص بهم إِمَّا بفقد ألم كَانُوا يجدونه فارتفع عَنْهُم فَيكون نعيمهم راحتهم من وجدان ذَلِك الْأَلَم أَو يكون لَهُ نعيم مُسْتَقل زَائِد كنعيم أهل الْجنان فِي الْجنان
أَقُول هَذَا مُخَالف لقَوْله تَعَالَى ﴿وَلَا يُخَفف عَنْهُم من عَذَابهَا﴾
стр. 61
فَإِن زعم أَنه من العذوبة رددناه بآيَات التضجر والاستغاثة كَمَا تقدم فَإِن كَابر وَقَالَ قد يستغاث ويتضجر من زِيَادَة اللَّذَّة قُلْنَا لَهُ وَلم يتضجر أهل الْجنَّة من ذَلِك فَإِن زعم أَن لذتهم أعظم من لَذَّة أهل الْجنَّة قُلْنَا لَهُ خلدك الله تَعَالَى فِي ذَلِك أَبَد الآبدين حَيْثُ كنت لَهُ من المعتقدين
قَالَ فِي الْكَلِمَة الصالحية اعْلَم وفقك الله تَعَالَى أَن الْأَمر مَبْنِيّ فِي نَفسه على الفردية وَلها التَّثْلِيث فَهِيَ من الثَّلَاثَة فَصَاعِدا
فالثلاثة أول الْإِفْرَاد
وَعَن هَذِه الحضرة الإلهية وجد الْعَالم فَقَالَ تَعَالَى ﴿إِنَّمَا قَوْلنَا لشَيْء إِذا أردناه أَن نقُول لَهُ كن فَيكون﴾
فَهَذِهِ ذَات ذَات إِرَادَة وَقَول
فلولا هَذِه الذَّات وإرادتها وَهِي نِسْبَة التَّوَجُّه بالتخصيص لتكوين أَمر مَا ثمَّ قَوْله عِنْد هَذَا التَّوَجُّه كن كَذَلِك الشَّيْء مَا كَانَ ذَلِك الشَّيْء ثمَّ ظَهرت الفردية الثلاثية أَيْضا فِي ذَلِك الشَّيْء وَبهَا من جِهَته صَحَّ تكوينه واتصافه بالوجود وَهِي شيئيته وسماعه وامتثاله أَمر مكونه بالإيجاد
فقابل ثَلَاثَة بِثَلَاثَة ذَاته الثَّابِتَة فِي حَال عدمهَا فِي موازنة ذَات موجدها وسماعه فِي موازنة إِرَادَة موجده وقبوله بالامتثال لما أمره بِهِ من التكوين فِي موازنة قَوْله كن فَكَانَ هُوَ فنسب التكوين إِلَيْهِ فلولا أَنه فِي قُوَّة التكوين عِنْد هَذَا القَوْل مَا تكون فَمَا أوجد هَذَا الشَّيْء بعد أَن لم يكن عِنْد الْأَمر
стр. 62
بالتكوين إِلَّا نَفسه
فَأثْبت الْحق التكوين للشَّيْء نَفسه لَا للحق وَالَّذِي للحق فِيهِ أمره خَاصَّة إِلَى آخر مَا خرف
أَقُول غير مُسلم أَن الْمَعْدُوم حَال عَدمه شَيْء وَإِنَّمَا سَمَّاهُ سُبْحَانَهُ شَيْئا بِاعْتِبَار مَا يؤل لقَوْله تَعَالَى ﴿أعصر خمرًا﴾
وَقَوله ﵊ (من قتل قَتِيلا) ثمَّ أَشد من ذَلِك حَمَاقَة وسفها إثْبَاته للمعدوم سَمَاعا وامتثالا ثمَّ أظهر من ذَلِك بطلانا وشركا نِسْبَة الإيجاد إِلَيْهِ وَجعل الْكَوْن المطاوع للتكوين تكوينا ونفيه عَن الْحق أقبح وأقبح تَعَالَى سُبْحَانَهُ عَمَّا يَقُول الْمُلْحِدُونَ علوا كَبِيرا
ثمَّ قِيَاسه على الْمَوْجُود حَيْثُ قَالَ كَمَا يَقُول الْآمِر الَّذِي يخَاف وَلَا يعْصى لعَبْدِهِ قُم فَيقوم العَبْد امتثالا إِلَخ من مغاليطه وتلبيساته الَّتِي لَا يقبلهَا عَاقل ثمَّ غَايَة مُرَاده بِهَذِهِ الْمُقدمَات الْبَاطِلَة مَا بنى عَلَيْهَا حَيْثُ قَالَ فِي آخر الْكَلِمَة فَمن فهم هَذِه الْحِكْمَة وقررها فِي نَفسه وَجعلهَا مَشْهُودَة لَهُ أراح نَفسه من التَّعَلُّق بِغَيْرِهِ وَعلم أَنه لَا يُؤْتى عَلَيْهِ بِخَير وَلَا بشر إِلَّا مِنْهُ
ثمَّ قَالَ وَيُقِيم صَاحب هَذَا الشُّهُود معاذير الموجودات
стр. 63
كلهَا عَنْهُم وَإِن لم يعتذروا وَيعلم أَنه مِنْهُ كَانَ كل مَا هُوَ فِيهِ
أَقُول هَذِه الْقَاعِدَة الخبيثة الَّتِي يكررها وبطلانها أظهر من الشَّمْس وَكَذَا مَا بنى عَلَيْهَا من إِقَامَة الْأَعْذَار وَقد قدمنَا أَنه مُخَالف لقَوْله تَعَالَى ﴿قل كل من عِنْد الله﴾ ﴿وَمَا بكم من نعْمَة فَمن الله﴾ وَأَنه مُنَاقض نَفسه لما يذكرهُ قَرِيبا فِي الْكَلِمَة الشعيبية من أَن الاستعداد من عَطاء الله تَعَالَى على أَنه لَو سلم لاقتضى عكس مَا ذهب إِلَيْهِ وَأَن لَيْسَ لَهُم عذر إِذْ كَانَ الشَّرّ الْحَاصِل لَهُم من عِنْد أنفسهم
وَإِنَّمَا يتَوَجَّه إِقَامَة المعاذير إِذا كَانَ الْكل من الله تَعَالَى وَكَانُوا مجبورين على ذَلِك كَمَا ذهب إِلَيْهِ الْمُجبرَة فَإِن قيل إِنَّمَا لَا يعذرُونَ إِذا كَانَ من أنفسهم أَن لَو كَانَ باختيارهم
أما إِذا لم يكن عذروا قُلْنَا إِذا لم يكن باختيارهم إِلَخ
إِمَّا أَن يكون بِجعْل الله تَعَالَى فَيَقَع فِيمَا هرب مِنْهُ وَإِمَّا أَن لَا يكون بِجعْل أحد وَهُوَ بَاطِل وتناقض على مَا ذكر وَلقَوْله فَيَقُول لنَفسِهِ إِذا جَاءَهُ مَا لَا يُخَالف غَرَضه يداك أوكتا وفوك نفخ إِذْ يفهم مِنْهُ الِاخْتِيَار
قَالَ فِي الْكَلِمَة الشعيبيه وَلَيْسَت الْحَقَائِق الَّتِي تطلبها الْأَسْمَاء
стр. 64
إِلَّا الْعَالم فالألوهية تطلب المألوه والربوبية تطلب المربوب وَإِلَّا فَلَا عين لَهَا إِلَّا بِهِ وجودا أَو تَقْديرا
وَالْحق من حَيْثُ ذَاته غَنِي عَن الْعَالمين
والربوبية مَالهَا هَذَا الحكم
فَبَقيَ الْأَمر بَين مَا تطلبه الربوبية وَبَين مَا تستحقه الذَّات من الْغنى عَن الْعَالم وَلَيْسَت الربوبية على الْحَقِيقَة والإنصاف إِلَّا عين هَذِه الذَّات
أَقُول آل أمره إِلَى أَن جعل الذَّات محتاجة ثمَّ أَنَّهَا عين الذَّات تَعَالَى الله عَن زَعمه علوا كَبِيرا
ثمَّ سَاق الهذيان إِلَى أَن قَالَ وَإِذا كَانَ الْحق يتنوع تجليه فِي الصُّور فبالضرورة يَتَّسِع الْقلب ويضيق
بِحَسب الصُّورَة الَّتِي يَقع فِيهَا التجلي الإلهي فَإِن الْقلب من الْعَارِف أَو الْإِنْسَان الْكَامِل
بِمَنْزِلَة مَحل فص الْخَاتم من الْخَاتم لَا يفضل بل يكون على قدره وشكله
ثمَّ قَالَ وَهَذَا عكس مَا تُشِير إِلَيْهِ الطَّائِفَة من أَن الْحق يتجلى على قدر استعداد العَبْد
وَلَيْسَ كَذَلِك فَإِن العَبْد يظْهر للحق على قدر الصُّورَة الَّتِي يتجلى لَهُ فِيهَا الْحق
وتحرير هَذِه الْمَسْأَلَة أَن لله تجليين تجلي غيب وتجلي شَهَادَة فَمن تجلي الْغَيْب يُعْطي الاستعداد الَّذِي يكون على الْقلب وَهُوَ التجلي الذاتي الَّذِي الْغَيْب حَقِيقَته وَهُوَ
стр. 65
الهوية الَّتِي يَسْتَحِقهَا بقوله هُوَ
فَلَا يزَال هُوَ لَهُ دَائِما أبدا
فَإِذا حصل لَهُ أَعنِي للقلب هَذَا الاستعداد تجلى لَهُ التجلي الشهودي فِي الشَّهَادَة فَرَآهُ فَظهر بِصُورَة مَا تجلى لَهُ كَمَا ذَكرْنَاهُ
فَهُوَ تَعَالَى أعطَاهُ الاستعداد بقوله ﴿أعْطى كل شَيْء خلقه﴾
أَقُول هَذَا اعْتِرَاف بِأَن الاستعداد عَطاء من الله تَعَالَى
قَالَ ثمَّ هدى ثمَّ رفع الْحجاب بَينه وَبَين عَبده فَرَآهُ فِي صُورَة معتقده فَهُوَ عين اعْتِقَاده
فَلَا يشْهد الْقلب وَلَا الْعين أبدا إِلَّا صُورَة معتقده فِي الْحق
فَالْحق الَّذِي فِي المعتقد هُوَ الَّذِي وسع الْقلب صورته وَهُوَ الَّذِي يتجلى لَهُ فيعرفه فَلَا ترى الْعين إِلَّا الْحق الاعتقادي
وَلَا خَفَاء بتنوع الإعتقادات فَمن قَيده أنكرهُ فِي غير مَا قيد بِهِ وَأقر بِهِ فِيمَا قيد بِهِ إِذا تجلى
وَمن أطلقهُ عَن التَّقْيِيد لم يُنكره وَأقر بِهِ فِي كل صُورَة يتَحَوَّل فِيهَا وَيُعْطِيه من نَفسه قدر صُورَة مَا تجلى لَهُ فِيهَا إِلَى مَا لَا يتناهى إِلَى آخر مَا خرف
أَقُول انْظُر إِلَى هَذِه الأباطيل الَّتِي ينسبها إِلَى النَّبِي ﷺ أَنه أمره بِأَن يخرج بهَا إِلَى أمته وَهِي أَن أَي شَيْء اعتقده الْإِنْسَان فَهُوَ صُورَة الْحق وَأَن الْحق مُتَعَدد إِلَى مَا لَا يتناهى وَالله يَقُول ﴿فَمَاذَا بعد الْحق إِلَّا الضلال﴾ ﴿وَأَن هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبعُوهُ وَلَا تتبعوا السبل فَتفرق بكم عَن سَبيله﴾
стр. 66
ثمَّ أنهى هذيانه إِلَى أَن قَالَ قَالَ تَعَالَى ﴿إِن فِي ذَلِك لذكرى لمن كَانَ لَهُ قلب﴾
لتقلبه فِي أَنْوَاع الصُّور وَالصِّفَات وَلم يقل لمن كَانَ لَهُ عقل فَإِن الْعقل قيد فيحصر الْأَمر فِي نعت وَاحِد والحقيقة تأبى الْحصْر فِي نفس الْأَمر فَمَا هُوَ ذكرى لمن كَانَ لَهُ عقل وهم أَصْحَاب الإعتقادات الَّذين يكفر بَعضهم بَعْضًا ويلعن بَعضهم بَعْضًا وَمَا لَهُم من ناصرين
أَقُول أَخذ الْقلب وَالْعقل بِالْمَعْنَى المصدري من قلب يقلب وعقل يعقل أَي قيد وربط وَهَذَا خلاف المُرَاد من الْآيَة
فقد قلب معنى الْآيَة وربطه وَقَيده باعتقاده الْخَبيث وَإِنَّمَا المُرَاد فِيهَا بِالْقَلْبِ الْعقل من الْمحل وَإِرَادَة الْحَال فَإِن الْقلب وَهُوَ الْعُضْو الْمَعْرُوف مَحل العقد وَهُوَ النُّور الَّذِي خص الله تَعَالَى بِهِ نوع الْإِنْسَان وشرفه بِهِ وَجعله منَاط تَوْجِيه الْأَمر وَالنَّهْي والإبانة والعقوبة
وَبِه تقع الذكرى قَالَ تَعَالَى ﴿إِن فِي ذَلِك لذكرى لأولي الْأَلْبَاب﴾
أَي أَصْحَاب الْعُقُول فَقلب هَذَا الزنديق معنى الْقلب وَمعنى الْعقل عَن مَا أَرَادَ الله تَعَالَى بهما وقلب مَحل الذكرى وَهُوَ الْعُقَلَاء إِلَى القلابين وقلب معنى آيَة اللَّعْن الْمَذْكُورَة فِي حق الْكفَّار الْمَقُول لَهُم ﴿إِنَّمَا اتخذتم من دون الله أوثانا مَوَدَّة بَيْنكُم فِي الْحَيَاة الدُّنْيَا ثمَّ يَوْم الْقِيَامَة يكفر بَعْضكُم بِبَعْض ويلعن بَعْضكُم بَعْضًا ومأواكم النَّار وَمَا لكم من ناصرين﴾
стр. 67
فَجَعلهَا فِي حق أهل الْإِسْلَام الَّذين يَعْتَقِدُونَ أَن الْحق عِنْد الله تَعَالَى وَاحِد وَمَا عداهُ ضلال وَكفر لقَوْله تَعَالَى ﴿فَمَاذَا بعد الْحق إِلَّا الضلال﴾
وَقَوله تَعَالَى ﴿إِن الدّين عِنْد الله الْإِسْلَام﴾ ﴿وَمن يبتغ غير الْإِسْلَام دينا فَلَنْ يقبل مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَة من الخاسرين﴾
إِلَى غير ذَلِك من الْأَدِلَّة والبراهين
فَانْظُر إِلَى هَذَا التحريف والزندقة الَّتِي نَسَبهَا إِلَى رَسُول الله ﷺ فَالله تَعَالَى يجازيه على ذَلِك ﴿وَلَا تحسبن الله غافلا عَمَّا يعْمل الظَّالِمُونَ﴾
ثمَّ تمم هذيانه بِنَاء على مَا قبله من المُرَاد بِالْآيَةِ الْمَذْكُورَة إِلَى أَن قَالَ فَلهَذَا قَالَ ﴿لمن كَانَ لَهُ قلب﴾ فَعلم تقلب الْحق فِي الصُّور بتقليبه فِي الأشكال
فَمن نَفسه عرف نَفسه وَلَيْسَت نَفسه بِغَيْر لهوية الْحق وَلَا شَيْء من الْكَوْن مِمَّا هُوَ كَائِن وَيكون بِغَيْر لهوية الْحق بل هُوَ عين الهوية فَهُوَ الْعَارِف والعالم وَالْمقر فِي هَذِه الصُّورَة وَهُوَ الَّذِي لَا عَارِف وَلَا عَالم وَهُوَ الْمُنكر فِي هَذِه الصُّورَة الْأُخْرَى هَذَا حَظّ من عرف الْحق من التجلي وَالشُّهُود فِي عين الْجمع وَهُوَ قَوْله ﴿لمن كَانَ لَهُ قلب﴾ يتنوع فِي تقليبه
أَقُول هَذِه قَاعِدَته الْمَشْهُورَة الخبيثة القبيحة الشنعاء الْمُقْتَضِيَة
стр. 68
لكَون القردة والخنازير وَالْكلاب وَسَائِر الْخَبَائِث والقاذورات لَيست مُغَايرَة لهوية الْحق وَهَذَا كفر أقبح من كل كفر كفر بِهِ كَافِر مُخَالف لقَوْله ﴿وَلَا أَنْتُم عَابِدُونَ مَا أعبد﴾
بل مُخَالف لجَمِيع الْكتب الْمنزلَة وَالرسل الْمُرْسلَة
ثمَّ قَالَ وَأما أهل الْإِيمَان وهم المقلدون الَّذين قلدوا الْأَنْبِيَاء وَالرسل فِيمَا أخبروا بِهِ عَن الْحق لَا من قلد أَصْحَاب الأفكار والمتأولين الْأَخْبَار الْوَارِدَة بحملها على أدلتهم الْعَقْلِيَّة فَهَؤُلَاءِ الَّذين قلدوا الرُّسُل المرادون بقوله ﴿ألْقى السّمع﴾ لما وَردت بِهِ الْأَخْبَار الإلهية على أَلْسِنَة الْأَنْبِيَاء عَلَيْهِم الصَّلَاة وَالسَّلَام
أَقُول فِي هَذَا الْكَلَام إِشَارَة ظَاهِرَة إِلَى أَنه وطائفته مستقلون بالوصول إِلَى الْحق بِدُونِ تَقْلِيد الْأَنْبِيَاء وَالرسل وَلَقَد عرض لي فِي بعض الْأَيَّام التفكر فِي كَلَام هَذَا الزنديق وَمَا يَقْتَضِيهِ تمدحه واعتراضه على بعض الْأَنْبِيَاء وإعجابه بِمَا هُوَ عَلَيْهِ فَقلت فِي نَفسِي لَو كَانَ هَذَا الشَّخْص فِي زمن نَبِي من الْأَنْبِيَاء لما اتبعهُ وترفع عَن اتِّبَاعه كَمَا رُوِيَ عَن سقراط الْحَكِيم أَنه سمع بمُوسَى ﵇ وَقيل لَهُ لَو هَاجَرت إِلَيْهِ فَقَالَ نَحن قوم مهديون فَلَا حَاجَة بِنَا إِلَى من يهدينا فَلم يمض ذَلِك الْيَوْم الَّذِي عرض فِيهِ هَذَا الْفِكر حَتَّى نظرت إِلَى هَذَا الْمحل من هَذِه الْكَلِمَة فَعلمت أَن ذَلِك الْفِكر حق فَإِنَّهُ من جَانب الله تَعَالَى
ثمَّ تَأَكد ذَلِك بِمَا اطَّلَعت من كَلَام بعض طائفته وَهُوَ الْعَفِيف التلمساني فِي شرح مَوَاقِف النفري حَيْثُ قَالَ فِيهِ
стр. 69
وَذَلِكَ أَن السالكين إِمَّا بِالْعبَادَة وهم أهل التَّقْلِيد وَإِمَّا بالفكر وهم الفلاسفة والمتكلمون وَإِمَّا بالمعرفة وهم أهل الأذواق من الصُّوفِيَّة إِلَى أَن قَالَ والتعرف بِالْكَرمِ على نَوْعَيْنِ نوع يتلقونه بالتقليد فِيمَا نقلت الْأَنْبِيَاء عَلَيْهِم الصَّلَاة وَالسَّلَام انْتهى
ففهم من كَلَامه هَذَا أَن أهل الأذواق من الصُّوفِيَّة لَيْسُوا مِمَّن يُقَلّد الْأَنْبِيَاء لجعلهم قسيما لَهُم وَكفى بِهَذَا الزَّعْم والاعتقاد ضلالا مُبينًا
ثمَّ إِنَّه خص مقلدي الْأَنْبِيَاء بالذين يحملون مَا ورد من الْأَنْبِيَاء من المتشابهات على ظَاهرهَا كَمَا يفعل هُوَ وَأَتْبَاعه بِنَاء على قَاعِدَته الخبيثة دون الَّذين قلدوا الْأَنْبِيَاء فِي تَنْزِيه الله تَعَالَى عَن مماثلة المحدثات وحملوا الْمُتَشَابه على محامل تلِيق بِاللَّه أَو آمنُوا بهَا مُسلمين من غير اعْتِقَاد ظواهرها كفريقي أهل السّنة من الْمسلمَة والمؤلة وَهَذَا كُله دَعْوَى مِنْهُ من غير دَلِيل إِلَّا اتِّبَاع مَا تشابه الدَّال على زيغ الْقلب وَالله تَعَالَى الْمُوفق
ثمَّ بِنَاء على مَا أس
قَالَ وَمن قلد صَاحب نظر فكري وتقيد بِهِ فَلَيْسَ هُوَ الَّذِي
стр. 70
ألْقى السّمع فَإِن هَذَا الَّذِي ألْقى السّمع لابد أَن يكون شَهِيدا لما ذَكرْنَاهُ
وَمَتى لم يكن شَهِيدا لما ذَكرْنَاهُ فَمَا هُوَ المُرَاد بِهَذِهِ الْآيَة
فَأُولَئِك الَّذين قَالَ الله تَعَالَى فيهم ﴿إِذْ تَبرأ الَّذين اتبعُوا من الَّذين اتبعُوا﴾ وَالرسل لَا يتبرءون من أتباعهم الَّذين اتَّبَعُوهُمْ
أَقُول هَذَا من جملَة إلحاده فِي آيَات الله تَعَالَى وتقليبه مُرَاد الله تَعَالَى فَإِن المُرَاد بالمتبعين والمتبعين فِي الْآيَة الْكفَّار لَا كل من قلد وقلد فَإِن أهل السّنة هم المقلدون للأنبياء عَلَيْهِم الصَّلَوَات وَالسَّلَام حَقًا فَلَا يتبرءون من أتباعهم كَمَا لَا يتبرأ الْأَنْبِيَاء مِنْهُم
قَوْله لابد أَن يكون شَهِيدا لما ذَكرْنَاهُ إِلَخ
دَعْوَى مِنْهُ كَاذِبَة دلّ على بُطْلَانهَا براهين الْكتاب وَالسّنة والمعقول
قَالَ فحقق يَا ولي مَا ذكرته لَك فِي هَذِه الْحِكْمَة القلبية
وَأما اختصاصها بشعيب فَلَمَّا فِيهَا من التشعب أَي شعبها لَا تَنْحَصِر لِأَن كل اعْتِقَاد شُعْبَة فَهِيَ شعب كلهَا أَعنِي الاعتقادات فَإِذا انْكَشَفَ الغطاء انْكَشَفَ لكل أحد بِحَسب معتقده وَقد ينْكَشف بِخِلَاف معتقده فِي الحكم وَهُوَ قَوْله ﴿وبدا لَهُم من الله مَا لم يَكُونُوا يحتسبون﴾
فأكثرها فِي الحكم كالمعتزلي يعْتَقد فِي الله نُفُوذ الْوَعيد فِي العَاصِي إِذا مَاتَ على غير تَوْبَة
فَإِذا مَاتَ وَكَانَ مرحوما عِنْد الله تَعَالَى
стр. 71
قد سبقت لَهُ عناية بِأَنَّهُ لَا يُعَاقب وجد الله غَفُورًا رحِيما فَبَدَا لَهُ من الله مَا لم يكن يحتسبه
أَقُول هَذَا أَيْضا من جملَة تَحْرِيف الْآيَات افتراء على الله تَعَالَى فَإِن الْآيَة سيقت فِي حق الْكفَّار قَالَ الله تَعَالَى ﴿وَإِذا ذكر الله وَحده اشمأزت قُلُوب الَّذين لَا يُؤمنُونَ بِالآخِرَة وَإِذا ذكر الَّذين من دونه إِذا هم يستبشرون قل اللَّهُمَّ فاطر السَّمَاوَات وَالْأَرْض عَالم الْغَيْب وَالشَّهَادَة أَنْت تحكم بَين عِبَادك فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ وَلَو أَن للَّذين ظلمُوا مَا فِي الأَرْض جَمِيعًا وَمثله مَعَه لافتدوا بِهِ من سوء الْعَذَاب يَوْم الْقِيَامَة وبدا لَهُم من الله مَا لم يَكُونُوا يحتسبون وبدا لَهُم سيئات مَا كسبوا وحاق بهم مَا كَانُوا بِهِ يستهزؤون﴾
فالآية نزلت تخويفا للْكفَّار الْآمنينَ من الْآخِرَة وعذابها لَا تأمينا للخائفين الَّذين قَالَ الله تَعَالَى مادحا لَهُم ﴿ذَلِك لمن خَافَ مقَامي وَخَافَ وَعِيد﴾
وَمَا أحقه وطائفته بِهَذِهِ الْآيَة فَإِنَّهُم أولى بهَا من الْكفَّار الَّذين نزلت فِي حَقهم فَإِنَّهُم أَشد النَّاس أمنا من عَذَاب الله تَعَالَى ووعيده على مَا لَا يخفى
فَإِذا مَاتُوا بدا لَهُم من الله مَا لم يَكُونُوا يحتسبون من خلف الْوَعيد وَجعل الْعَذَاب عذبا ونعيما ﴿وَسَيعْلَمُ الْكفَّار لمن عُقبى الدَّار﴾
ثمَّ بنى على مَا أسلف من قَاعِدَته الخبيثة إِلَى أَن قَالَ غير أَن
стр. 72
صَاحب التَّحْقِيق يرى الْكَثْرَة فِي الْوَاحِد كَمَا يعلم أَن مَدْلُول الْأَسْمَاء الإلهية وَإِن اخْتلفت حقائقها وَكَثُرت أَنَّهَا عين وَاحِدَة
فَهَذِهِ كَثْرَة معقولة فِي وَاحِد الْعين
فَيكون فِي التجلي كَثْرَة مَشْهُودَة فِي عين وَاحِدَة كَمَا أَن الهيلولي تُؤْخَذ فِي حد كل صُورَة وَهِي مَعَ كَثْرَة الصُّور واختلافها ترجع فِي الْحَقِيقَة إِلَى جَوْهَر وَاحِد وَهُوَ هيولاها
فَمن عرف نَفسه بِهَذِهِ الْمعرفَة فقد عرف ربه فَإِنَّهُ على صورته خلقه بل هُوَ عين هويته وَحَقِيقَته
وَلِهَذَا مَا عثر أحد من الْعلمَاء على معرفَة النَّفس وحقيقتها إِلَّا الإلهيون من الرُّسُل والصوفية
أَقُول انْظُر كَيفَ يفتري على الرُّسُل عَلَيْهِم الصَّلَاة وَالسَّلَام أَنهم عرفُوا النَّفس كمعرفته المبنية على قَاعِدَته الخبيثة أَن الْحق كالهيولي يُؤْخَذ فِي حد كل صُورَة من صور الْعَالم تَعَالَى الله عَمَّا يَقُول الظَّالِمُونَ علوا كَبِيرا
قَالَ وَأما أَصْحَاب النّظر وأرباب الْفِكر من القدماء والمتكلمين فِي كَلَامهم فِي النَّفس وماهيتها فَمَا مِنْهُم من عثر على حَقِيقَتهَا وَلَا يُعْطِيهَا النّظر الفكري أبدا
فَمن طلب الْعلم بهَا من طَرِيق النّظر الفكري فقد استسمن ذَا ورم وَنفخ فِي غير ضرم وَلَا جرم أَنهم من ﴿الَّذين ضل سَعْيهمْ فِي الْحَيَاة الدُّنْيَا وهم يحسبون أَنهم يحسنون صنعا﴾ فَمن
стр. 73
طلب الْأَمر من غير طَرِيقه فَمَا ظفر بتحقيقه
أَقُول أما قَوْله وَلَا جرم أَنهم من الَّذين ضل سَعْيهمْ إِلَخ
فَمُسلم لأَنهم أضاعوا زمانهم فِي غير طَاعَة الله تَعَالَى فَإِنَّهُ مَا أَمرهم بمعرفتها والتفحص عَنْهَا وَلكنه هُوَ أَيْضا مِنْهُم بخوضه فِي ذَلِك وتضييع وقته فِيهِ بل أَشد بأضعاف مضاعفة لبنائه ذَلِك على الْقَاعِدَة الخبيثة المباينة لما أرسل الله تَعَالَى بِهِ رسله وَأنزل بِهِ كتبه وأشنع من ذَلِك إِسْنَاده إِلَى رَسُول الله ﷺ أَنه أمره بِهِ
قَالَ وَمَا أحسن مَا قَالَ الله تَعَالَى فِي حق الْعَالم وتبدله مَعَ الأنفاس ﴿لفي خلق جَدِيد﴾ فِي عين وَاحِدَة فَقَالَ فِي حق طَائِفَة بل أَكثر الْعَالم ﴿بل هم فِي لبس من خلق جَدِيد﴾
فَلَا يعْرفُونَ تَجْدِيد الْأَمر مَعَ الأنفاس
أَقُول هَذَا أَيْضا من الْإِلْحَاد فِي آيَات الله تَعَالَى وَالْكذب على الله تَعَالَى فَإِنَّهُ مَا قَالَه إِلَّا فِي حق الْكفَّار المنكرين للمعاد بعد الْمَوْت بقَوْلهمْ ﴿أئذا متْنا وَكُنَّا تُرَابا ذَلِك رَجَعَ بعيد﴾
فَإِن تَجْدِيد الْخلق فِي الدُّنْيَا لم يُنكره أحد لما يُشَاهد من توالد الْحَيَوَان وتجدد النَّبَات وَغير ذَلِك
وَلم يرد بِهِ تَعَالَى قطّ تجدّد الْأَعْيَان وَلَا الْأَعْرَاض كَمَا قَصده هَذَا الضال فَقَالَ لَكِن قد عثرت عَلَيْهِ الأشاعرة فِي بعض الموجودات وَهِي الْأَعْرَاض وعثرت
стр. 74
عَلَيْهِ الحسبانية فِي الْعَالم كُله
وجهلهم أهل النّظر بأجمعهم
أَقُول الحسبانية نِسْبَة إِلَى الحسبان بِكَسْر الْحَاء بِمَعْنى الظَّن وَأَرَادَ بهم السوفسطائية فَإِن مَذْهَبهم وَمذهب النظام أَن الْأَعْيَان لَا تبقى زمانين بل بَقَاؤُهَا بتجدد الْأَمْثَال كَمَا قَالَه الأشاعرة فِي الْأَعْرَاض وَهُوَ مَرْدُود بِأَنَّهُ لَو كَانَ كَذَلِك لم يتَصَوَّر الْمَوْت والحياة ولكان المعاقب غير العَاصِي والمنعم غير الطائع وفساده ظَاهر غَايَة الظُّهُور فالعجب كَيفَ يكون المكابر فِيهِ وليا
ثمَّ قَالَ وَلَكِن أَخطَأ الْفَرِيقَانِ أما خطأ الحسبانية فبكونهم مَا عثروا مَعَ قَوْلهم بالتبدل فِي الْعَالم بأسره على أحدية الْجَوْهَر الْمَعْقُول الَّذِي قبل هَذِه الصُّورَة وَلَا يُوجد إِلَّا بهَا كَمَا لَا تعقل إِلَّا بِهِ
فَلَو قَالُوا بذلك فازوا بِدَرَجَة التَّحْقِيق فِي الْأَمر
أَقُول هَذَا تلويح بل تَصْرِيح بِأَنَّهُ تَعَالَى جَوْهَر مَعْقُول لَا يُوجد إِلَّا بالصورة وَلَا تعقل الصُّورَة إِلَّا بِهِ وَصرح بِهِ شَارِحه الجامي
стр. 75
فَقَالَ وَذَلِكَ الْجَوْهَر هُوَ عين الْحق الَّذِي بتجليه وجد الْعَالم وَأي كفر أقبح من هَذَا على أَنه نَاقض فِيهِ نَفسه فِي قَوْله فِي الْكَلِمَة الهودية فَهُوَ حق مشهود فِي خلق متوهم فالخلق مَعْقُول وَالْحق محسوس مشهود عِنْد الْمُؤمنِينَ وَأهل الْكَشْف والوجود وَمَا عدا هذَيْن الصِّنْفَيْنِ فَالْحق عِنْدهم مَعْقُول والخلق مشهود وَانْظُر إِلَى مَا بعده ترى الْعجب حَيْثُ قَالَ وَأما الأشاعرة فَمَا علمُوا أَن الْعَالم كُله مَجْمُوع أَعْرَاض فَهُوَ يتبدل فِي كل زمَان إِذْ الْعرض لَا يبْقى زمانين
أَقُول فَيُقَال يَا أَيهَا السَّفِيه الضال فَإِذا كَانَ الْعَالم جَمِيعه أعراضا وَالْعرض لَا قيام لَهُ بِنَفسِهِ وَلَا يبْقى زمانين فقيامه بِمَاذَا وبقاؤه بِمَاذَا فَالْأول لَا جَوَاب لَك عَنهُ وَالثَّانِي إِن قلت بَقَاؤُهُ بتجدد الْأَمْثَال
يُقَال لَك مَا المجدد والمؤثر لذَلِك التجدد
فَإِن قلت كل سَابق يُؤثر فِي لاحقه نتكلم فِي الَّذِي لَا سَابق لَهُ فَيرجع السُّؤَال إِلَى الأول وَلَا جَوَاب لَك عَنهُ لِأَن الْمَفْرُوض أَنه عرض وَأَنه لَا قيام لَهُ بِنَفسِهِ على أَن الْكَلَام مَعَك ضائع لاعترافك بِالْخرُوجِ عَن دَائِرَة الْعقل وَلَا يُفِيد مَعَك إِلَّا الضَّرْب الوجيع أَو الحرق بالنَّار كالسوفسطائية
هَذَا وَقد كَابر وحاول الْجَواب عَنْهُمَا حَيْثُ قَالَ وَيظْهر ذَلِك فِي الْحُدُود للأشياء فَإِنَّهُم إِذا حدوا الشَّيْء تبين فِي حَدهمْ كَونه الْأَعْرَاض وَأَن هَذِه الْأَعْرَاض الْمَذْكُورَة فِي حَده عين هَذَا الْجَوْهَر
следующие страницы →