Полный текст (196 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
قد سبقت لَهُ عناية بِأَنَّهُ لَا يُعَاقب وجد الله غَفُورًا رحِيما فَبَدَا لَهُ من الله مَا لم يكن يحتسبه
أَقُول هَذَا أَيْضا من جملَة تَحْرِيف الْآيَات افتراء على الله تَعَالَى فَإِن الْآيَة سيقت فِي حق الْكفَّار قَالَ الله تَعَالَى ﴿وَإِذا ذكر الله وَحده اشمأزت قُلُوب الَّذين لَا يُؤمنُونَ بِالآخِرَة وَإِذا ذكر الَّذين من دونه إِذا هم يستبشرون قل اللَّهُمَّ فاطر السَّمَاوَات وَالْأَرْض عَالم الْغَيْب وَالشَّهَادَة أَنْت تحكم بَين عِبَادك فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ وَلَو أَن للَّذين ظلمُوا مَا فِي الأَرْض جَمِيعًا وَمثله مَعَه لافتدوا بِهِ من سوء الْعَذَاب يَوْم الْقِيَامَة وبدا لَهُم من الله مَا لم يَكُونُوا يحتسبون وبدا لَهُم سيئات مَا كسبوا وحاق بهم مَا كَانُوا بِهِ يستهزؤون﴾
فالآية نزلت تخويفا للْكفَّار الْآمنينَ من الْآخِرَة وعذابها لَا تأمينا للخائفين الَّذين قَالَ الله تَعَالَى مادحا لَهُم ﴿ذَلِك لمن خَافَ مقَامي وَخَافَ وَعِيد﴾
وَمَا أحقه وطائفته بِهَذِهِ الْآيَة فَإِنَّهُم أولى بهَا من الْكفَّار الَّذين نزلت فِي حَقهم فَإِنَّهُم أَشد النَّاس أمنا من عَذَاب الله تَعَالَى ووعيده على مَا لَا يخفى
فَإِذا مَاتُوا بدا لَهُم من الله مَا لم يَكُونُوا يحتسبون من خلف الْوَعيد وَجعل الْعَذَاب عذبا ونعيما ﴿وَسَيعْلَمُ الْكفَّار لمن عُقبى الدَّار﴾
ثمَّ بنى على مَا أسلف من قَاعِدَته الخبيثة إِلَى أَن قَالَ غير أَن
стр. 72
صَاحب التَّحْقِيق يرى الْكَثْرَة فِي الْوَاحِد كَمَا يعلم أَن مَدْلُول الْأَسْمَاء الإلهية وَإِن اخْتلفت حقائقها وَكَثُرت أَنَّهَا عين وَاحِدَة
فَهَذِهِ كَثْرَة معقولة فِي وَاحِد الْعين
فَيكون فِي التجلي كَثْرَة مَشْهُودَة فِي عين وَاحِدَة كَمَا أَن الهيلولي تُؤْخَذ فِي حد كل صُورَة وَهِي مَعَ كَثْرَة الصُّور واختلافها ترجع فِي الْحَقِيقَة إِلَى جَوْهَر وَاحِد وَهُوَ هيولاها
فَمن عرف نَفسه بِهَذِهِ الْمعرفَة فقد عرف ربه فَإِنَّهُ على صورته خلقه بل هُوَ عين هويته وَحَقِيقَته
وَلِهَذَا مَا عثر أحد من الْعلمَاء على معرفَة النَّفس وحقيقتها إِلَّا الإلهيون من الرُّسُل والصوفية
أَقُول انْظُر كَيفَ يفتري على الرُّسُل عَلَيْهِم الصَّلَاة وَالسَّلَام أَنهم عرفُوا النَّفس كمعرفته المبنية على قَاعِدَته الخبيثة أَن الْحق كالهيولي يُؤْخَذ فِي حد كل صُورَة من صور الْعَالم تَعَالَى الله عَمَّا يَقُول الظَّالِمُونَ علوا كَبِيرا
قَالَ وَأما أَصْحَاب النّظر وأرباب الْفِكر من القدماء والمتكلمين فِي كَلَامهم فِي النَّفس وماهيتها فَمَا مِنْهُم من عثر على حَقِيقَتهَا وَلَا يُعْطِيهَا النّظر الفكري أبدا
فَمن طلب الْعلم بهَا من طَرِيق النّظر الفكري فقد استسمن ذَا ورم وَنفخ فِي غير ضرم وَلَا جرم أَنهم من ﴿الَّذين ضل سَعْيهمْ فِي الْحَيَاة الدُّنْيَا وهم يحسبون أَنهم يحسنون صنعا﴾ فَمن
стр. 73
طلب الْأَمر من غير طَرِيقه فَمَا ظفر بتحقيقه
أَقُول أما قَوْله وَلَا جرم أَنهم من الَّذين ضل سَعْيهمْ إِلَخ
فَمُسلم لأَنهم أضاعوا زمانهم فِي غير طَاعَة الله تَعَالَى فَإِنَّهُ مَا أَمرهم بمعرفتها والتفحص عَنْهَا وَلكنه هُوَ أَيْضا مِنْهُم بخوضه فِي ذَلِك وتضييع وقته فِيهِ بل أَشد بأضعاف مضاعفة لبنائه ذَلِك على الْقَاعِدَة الخبيثة المباينة لما أرسل الله تَعَالَى بِهِ رسله وَأنزل بِهِ كتبه وأشنع من ذَلِك إِسْنَاده إِلَى رَسُول الله ﷺ أَنه أمره بِهِ
قَالَ وَمَا أحسن مَا قَالَ الله تَعَالَى فِي حق الْعَالم وتبدله مَعَ الأنفاس ﴿لفي خلق جَدِيد﴾ فِي عين وَاحِدَة فَقَالَ فِي حق طَائِفَة بل أَكثر الْعَالم ﴿بل هم فِي لبس من خلق جَدِيد﴾
فَلَا يعْرفُونَ تَجْدِيد الْأَمر مَعَ الأنفاس
أَقُول هَذَا أَيْضا من الْإِلْحَاد فِي آيَات الله تَعَالَى وَالْكذب على الله تَعَالَى فَإِنَّهُ مَا قَالَه إِلَّا فِي حق الْكفَّار المنكرين للمعاد بعد الْمَوْت بقَوْلهمْ ﴿أئذا متْنا وَكُنَّا تُرَابا ذَلِك رَجَعَ بعيد﴾
فَإِن تَجْدِيد الْخلق فِي الدُّنْيَا لم يُنكره أحد لما يُشَاهد من توالد الْحَيَوَان وتجدد النَّبَات وَغير ذَلِك
وَلم يرد بِهِ تَعَالَى قطّ تجدّد الْأَعْيَان وَلَا الْأَعْرَاض كَمَا قَصده هَذَا الضال فَقَالَ لَكِن قد عثرت عَلَيْهِ الأشاعرة فِي بعض الموجودات وَهِي الْأَعْرَاض وعثرت
стр. 74
عَلَيْهِ الحسبانية فِي الْعَالم كُله
وجهلهم أهل النّظر بأجمعهم
أَقُول الحسبانية نِسْبَة إِلَى الحسبان بِكَسْر الْحَاء بِمَعْنى الظَّن وَأَرَادَ بهم السوفسطائية فَإِن مَذْهَبهم وَمذهب النظام أَن الْأَعْيَان لَا تبقى زمانين بل بَقَاؤُهَا بتجدد الْأَمْثَال كَمَا قَالَه الأشاعرة فِي الْأَعْرَاض وَهُوَ مَرْدُود بِأَنَّهُ لَو كَانَ كَذَلِك لم يتَصَوَّر الْمَوْت والحياة ولكان المعاقب غير العَاصِي والمنعم غير الطائع وفساده ظَاهر غَايَة الظُّهُور فالعجب كَيفَ يكون المكابر فِيهِ وليا
ثمَّ قَالَ وَلَكِن أَخطَأ الْفَرِيقَانِ أما خطأ الحسبانية فبكونهم مَا عثروا مَعَ قَوْلهم بالتبدل فِي الْعَالم بأسره على أحدية الْجَوْهَر الْمَعْقُول الَّذِي قبل هَذِه الصُّورَة وَلَا يُوجد إِلَّا بهَا كَمَا لَا تعقل إِلَّا بِهِ
فَلَو قَالُوا بذلك فازوا بِدَرَجَة التَّحْقِيق فِي الْأَمر
أَقُول هَذَا تلويح بل تَصْرِيح بِأَنَّهُ تَعَالَى جَوْهَر مَعْقُول لَا يُوجد إِلَّا بالصورة وَلَا تعقل الصُّورَة إِلَّا بِهِ وَصرح بِهِ شَارِحه الجامي
стр. 75
فَقَالَ وَذَلِكَ الْجَوْهَر هُوَ عين الْحق الَّذِي بتجليه وجد الْعَالم وَأي كفر أقبح من هَذَا على أَنه نَاقض فِيهِ نَفسه فِي قَوْله فِي الْكَلِمَة الهودية فَهُوَ حق مشهود فِي خلق متوهم فالخلق مَعْقُول وَالْحق محسوس مشهود عِنْد الْمُؤمنِينَ وَأهل الْكَشْف والوجود وَمَا عدا هذَيْن الصِّنْفَيْنِ فَالْحق عِنْدهم مَعْقُول والخلق مشهود وَانْظُر إِلَى مَا بعده ترى الْعجب حَيْثُ قَالَ وَأما الأشاعرة فَمَا علمُوا أَن الْعَالم كُله مَجْمُوع أَعْرَاض فَهُوَ يتبدل فِي كل زمَان إِذْ الْعرض لَا يبْقى زمانين
أَقُول فَيُقَال يَا أَيهَا السَّفِيه الضال فَإِذا كَانَ الْعَالم جَمِيعه أعراضا وَالْعرض لَا قيام لَهُ بِنَفسِهِ وَلَا يبْقى زمانين فقيامه بِمَاذَا وبقاؤه بِمَاذَا فَالْأول لَا جَوَاب لَك عَنهُ وَالثَّانِي إِن قلت بَقَاؤُهُ بتجدد الْأَمْثَال
يُقَال لَك مَا المجدد والمؤثر لذَلِك التجدد
فَإِن قلت كل سَابق يُؤثر فِي لاحقه نتكلم فِي الَّذِي لَا سَابق لَهُ فَيرجع السُّؤَال إِلَى الأول وَلَا جَوَاب لَك عَنهُ لِأَن الْمَفْرُوض أَنه عرض وَأَنه لَا قيام لَهُ بِنَفسِهِ على أَن الْكَلَام مَعَك ضائع لاعترافك بِالْخرُوجِ عَن دَائِرَة الْعقل وَلَا يُفِيد مَعَك إِلَّا الضَّرْب الوجيع أَو الحرق بالنَّار كالسوفسطائية
هَذَا وَقد كَابر وحاول الْجَواب عَنْهُمَا حَيْثُ قَالَ وَيظْهر ذَلِك فِي الْحُدُود للأشياء فَإِنَّهُم إِذا حدوا الشَّيْء تبين فِي حَدهمْ كَونه الْأَعْرَاض وَأَن هَذِه الْأَعْرَاض الْمَذْكُورَة فِي حَده عين هَذَا الْجَوْهَر
стр. 76
وَحَقِيقَته الْقَائِم بِنَفسِهِ
وَمن حَيْثُ هُوَ عرض لَا يقوم بِنَفسِهِ فقد جَاءَ من مَجْمُوع مَا لَا يقوم بِنَفسِهِ من يقوم بِنَفسِهِ
أَقُول هَذِه من جملَة مغاليطه فَإِن الْحَد لفظ وَهُوَ عرض والمحدود الشَّخْص وَهُوَ جَوْهَر وحصوله من حَيْثُ الْمَوْجُود لَيْسَ من الْحَد وَإِنَّمَا الْحَد للإطلاع على حَقِيقَته لَا حَقِيقَته وَإِلَّا لاحترق من حد النَّار فَقَوله إِن الْأَعْرَاض الْمَذْكُورَة فِي حد عينه وَحَقِيقَته مغلطة وَكذب ثمَّ إِنَّه نَاقض نَفسه حَيْثُ اعْترف أَنه قد جَاءَ من مَجْمُوع مَا لَا يقوم بِنَفسِهِ من يقوم بِنَفسِهِ مَعَ أَن الْحَاصِل من الْمَجْمُوع لَا شكّ أَنه من جملَة الْعَالم
فقد نَاقض قَوْله إِن الْعَالم كُله مَجْمُوع أَعْرَاض فَتَأمل
ثمَّ قَالَ وَلَيْسَ التحيز وَالْقَبُول بِأَمْر زَائِد على عين الْجَوْهَر الْمَحْدُود لِأَن الْحُدُود الذاتية هِيَ عين الْمَحْدُود وهويته فقد صَار مَا لَا يقوم بِنَفسِهِ يقوم بِنَفسِهِ
أَقُول هَذِه أَيْضا مغلطة من جنس مَا تقدم وتناقض بِعَين مَا تقدم كَمَا لَا يخفى على من لَهُ أدنى مسكة وإنصاف
ثمَّ قَالَ وَلَا يَشْعُرُونَ لما هم عَلَيْهِ وَهَؤُلَاء هم فِي لبس من خلق جَدِيد
أَقُول هَذَا كذب على الله فِي مُرَاده
وَإِنَّمَا أَرَادَ بِهِ سُبْحَانَهُ الْكفَّار الَّذين لَا يعترفون بالخلق الْجَدِيد بعد الْمَوْت لَا الْمُؤمنِينَ الَّذين لَا يعترفون بالمحال وَهُوَ تجدّد الْأَعْيَان وَجعلهَا
стр. 77
أعراضا فَإِنَّهُ سفسطة ومحال ببديهة الْعقل
قَالَ وَأما أهل الْكَشْف فَإِنَّهُم يرَوْنَ أَن الله تَعَالَى يتجلى فِي كل نفس وَلَا يُكَرر التجلي ويرون أَيْضا شُهُودًا أَن كل تجل يُعْطي خلقا جَدِيدا وَيذْهب بِخلق فذهابه هُوَ الفناء عِنْد التجلي والبقاء لما يُعْطِيهِ التجلي الآخر فَافْهَم
أَقُول هَذَا نفر عَنْهُم فِي زندقتهم إِذْ يدعونَ مَا يحيله الْعقل فيستدلون عَلَيْهِ بالكشف وَالشُّهُود وَالشُّهُود إِنَّمَا يدْرك مَا لَا يُدْرِكهُ الْعقل كالوجدانيات المعقولة الَّتِي يقبلهَا الْعقل عِنْد وجودهَا لَا مَا يحيله الْعقل وَلَا وجود لَهُ أصلا وَيَتَرَتَّب عَلَيْهِ عِنْد فَرْضه محَال كَمَا زَعمه هَذَا الْقَائِل من أَن كل تجل يذهب بِخلق وَيَأْتِي بِغَيْرِهِ إِذْ يلْزم مِنْهُ مَا قدمْنَاهُ من عدم تصور الْمَوْت والحياة بعده وتعذيب غير المذنب وإثابة غير الْمُطِيع وَغير ذَلِك من الْمَفَاسِد
قَالَ فِي الْكَلِمَة اللوطية وَزَاد فِي سُورَة الْقَصَص ﴿وَهُوَ أعلم بالمهتدين﴾
أَي بالذين أَعْطوهُ الْعلم بهدايتهم فِي حَال عدمهم بأعيانهم الثَّابِتَة
فَأثْبت أَن الْعلم تَابع للمعلوم
فَمن كَانَ مُؤمنا فِي ثُبُوت عينه وَحَال عَدمه ظهر بِتِلْكَ الصُّورَة فِي حَال وجوده
وَقد علم الله تَعَالَى ذَلِك مِنْهُ أَنه هَكَذَا يكون فَلذَلِك قَالَ ﴿وَهُوَ أعلم بالمهتدين﴾
стр. 78
فَلَمَّا قَالَ مثل هَذَا أَيْضا ﴿مَا يُبدل القَوْل لدي﴾
لِأَن قولي على حد علمي فِي خلقي ﴿وَمَا أَنا بظلام للعبيد﴾ أَي مَا قدرت عَلَيْهِم الْكفْر الَّذِي يشقيهم ثمَّ طلبتهم بِمَا لَيْسَ فِي وسعهم أَن يَأْتُوا بِهِ
بل مَا عاملناهم إِلَّا بِحَسب مَا علمناهم وَمَا علمناهم إِلَّا بِمَا أعطونا من نُفُوسهم مِمَّا هم عَلَيْهِ فَإِن كَانَ ظلم فهم الظَّالِمُونَ إِلَخ
أَقُول قد تَكَرَّرت مِنْهُ هَذِه الْقَاعِدَة وَيَزْعُم أَنَّهَا سر الْقدر لَكِن يُقَال لَهُ الْحَال الَّذِي هم عَلَيْهِ حَال عدمهم هَل هُوَ بِجعْل جَاعل أم لَا بِجعْل فَإِن قَالَ لَا بِجعْل
فَهُوَ بَاطِل لِأَنَّهُ وجود شَيْء بِغَيْر عِلّة
على أَنه لَا تصح نِسْبَة الظُّلم إِلَيْهِم وَلَا تكليفهم بِالْأَمر وَالنَّهْي لعدم الْقُدْرَة والإختيار
وَإِن قَالَ بِجعْل جَاعل نقلنا الْكَلَام إِلَى الْجَاعِل فَإِن زعم أَنه غير الْحق فقد أثبت مَعَه شَرِيكا فِي الإيجاد مَعَ ادعائه التَّوْحِيد ويتأتى عَلَيْهِ أَيْضا مَا تقدم من عدم صِحَة نِسْبَة الظُّلم إِلَيْهِم وَإِن قَالَ هُوَ الْحق فقد وَقع فِيمَا هرب مِنْهُ
فَعلم من هَذَا أَن مَا ذكره لَيْسَ سر الْقدر الَّذِي ادّعى علمه وَأَن الحكم لله تَعَالَى وَحده ﴿لَا يسْأَل عَمَّا يفعل وهم يسْأَلُون﴾ وَمن هَذِه الْقَاعِدَة أَيْضا مَا ذكر فِي الْكَلِمَة العزيرية حَيْثُ قَالَ اعْلَم أَن الْقَضَاء حكم الله تَعَالَى فِي الْأَشْيَاء على حد علمه بهَا وفيهَا
стр. 79
وَعلم الله تَعَالَى فِي الْأَشْيَاء على مَا أَعطَتْهُ المعلومات مِمَّا هِيَ عَلَيْهِ فِي نَفسهَا
وَالْقدر تَوْقِيت مَا هِيَ عَلَيْهِ الْأَشْيَاء فِي عينهَا من غير مزِيد فَمَا حكم الْقَضَاء على الْأَشْيَاء إِلَّا بهَا وَهَذَا هُوَ عين سر الْقدر لمن كَانَ لَهُ قلب أَو ألْقى السّمع وَهُوَ شَهِيد
فَللَّه الْحجَّة الْبَالِغَة فالحاكم فِي التَّحْقِيق تَابع لعين الْمَسْأَلَة الَّتِي يحكم فِيهَا بِمَا تَقْتَضِيه ذَاتهَا فالمحكوم عَلَيْهِ بِمَا هُوَ فِيهِ حَاكم على الْحَاكِم أَن يحكم عَلَيْهِ بذلك
فَكل حَاكم مَحْكُوم عَلَيْهِ بِمَا حكم بِهِ وَفِيه كَانَ الْحَاكِم من كَانَ فتحقق هَذِه الْمَسْأَلَة فَإِن الْقدر مَا جهل إِلَّا لشدَّة ظُهُوره فَلم يعرف وَكثر فِيهِ الطّلب والإلحاح
أَقُول يَتَأَتَّى عَلَيْهِ الْكَلَام السَّابِق آنِفا
وَأما قَوْله فالحاكم فِي التَّحْقِيق إِلَخ
قُلْنَا هَذَا فِي الْحَاكِم الَّذِي يتَصَوَّر أَن يكون مَحْكُومًا عَلَيْهِ كالمخلوق الْمَأْمُور بالحكم بِمَا أَمر بِهِ فَإِنَّهُ مَحْكُوم عَلَيْهِ بِحكم الْمَسْأَلَة الَّتِي طلب مِنْهُ الحكم فِيهَا
وَلَا يتم ذَلِك فِي حَقه تَعَالَى فَإِنَّهُ لَا حكم عَلَيْهِ وَلَا جبر فَقَوله كَانَ الْحَاكِم من كَانَ خطأ وَإِن سلمنَا فرضا مَا قَالَ من أَن ذَوَات الْأَشْيَاء تَقْتَضِي ذواتها حَال عدمهَا مَا تُوجد عَلَيْهِ من الْأَحْوَال
فَعلمه بذلك لَا يَقْتَضِي أَن يكون مجبورا على إيجادها بل يوجدها بِاخْتِيَارِهِ فيتأتى السُّؤَال الَّذِي
стр. 80
أوردهُ الْأَشْعَرِيّ على الجبائي حَيْثُ قَالَ فَلَو قَالَ الْفَاسِق فلأي شَيْء لم تمتني قبل الْبلُوغ كَيْلا أعصيك بعد الْبلُوغ كَمَا أمت أخانا الصَّغِير لذَلِك فها هُنَا أَيْضا لَو قَالَ الشقي حَيْثُ علمت أَن ذاتي تَقْتَضِي الشَّقَاء إِذا أفيض عَلَيْهِمَا الْوُجُود فلأي شَيْء أوجدتني وَلم تتركني فِي الْعَدَم فيقف حمَار الشَّيْخ النجدي وَلَا يبْقى لَهُ إِلَّا أَن يَقُول لَهُ إِنَّه تَعَالَى مجبور على إيجاده وَلَا يُمكنهُ أَن يتْركهُ فِي الْعَدَم فيكفر بل يُشْرك أَو يَقُول كَمَا يَقُول الْمُسلمُونَ إِنَّه سُبْحَانَهُ ﴿فعال لما يُرِيد﴾ ﴿لَا يسْأَل عَمَّا يفعل وهم يسْأَلُون﴾
وَتبطل دَعْوَاهُ الْوُصُول الى سر الْقدر والاطلاع عَلَيْهِ ﴿وَمن يضلل الله فَمَا لَهُ من هاد﴾
ثمَّ إِنَّه مَشى وَفرع على مَا ذكر من هَذِه الْقَاعِدَة الْفَاسِدَة وتمدح بهَا إِلَى أَن قَالَ وَلما كَانَت الْأَنْبِيَاء صلوَات الله تَعَالَى عَلَيْهِم
стр. 81
وَسَلَامه لَا تَأْخُذ علومها إِلَّا من الْوَحْي الْخَاص الإلهي فقلوبهم ساذجة من النّظر الْعقلِيّ لقُصُور الْعقل من حَيْثُ نظره الفكري عَن إِدْرَاك الْأُمُور على مَا هِيَ عَلَيْهِ
والإخبار أَيْضا يقصر عَن إِدْرَاك مَا لَا ينَال إِلَّا بالذوق
فَلم يبْق الْعلم الْكَامِل إِلَّا فِي التجلي الإلهي وَمَا يكْشف الْحق عَن أعين البصائر والأبصار من الأغطية فتدرك الْأُمُور قديمها وحديثها وَعدمهَا ووجودها ومحالها وواجبها وجائزها على مَا هِيَ عَلَيْهِ فِي حقائقها وأعيانها
فَلَمَّا كَانَ مطلب العزير على الطَّرِيقَة الْخَاصَّة لذَلِك وَقع العتب عَلَيْهِ كَمَا ورد فِي الْخَبَر
فَلَو طلب الْكَشْف الَّذِي ذَكرْنَاهُ رُبمَا كَانَ لَا يَقع عَلَيْهِ العتب فِي ذَلِك
وَالدَّلِيل على سذاجة قلبه قَوْله فِي بعض الْوُجُوه ﴿أَنى يحيي هَذِه الله بعد مَوتهَا﴾ أما عندنَا فصورته ﵊ فِي قَوْله هَذَا كصورة قَول إِبْرَاهِيم ﵇ ﴿أَرِنِي كَيفَ تحيي الْمَوْتَى﴾ وَيَقْتَضِي ذَلِك الْجَواب بِالْفِعْلِ الَّذِي أظهره الْحق فِيهِ فِي قَوْله ﴿فأماته الله مائَة عَام ثمَّ بَعثه﴾ فَقَالَ لَهُ ﴿وَانْظُر إِلَى الْعِظَام كَيفَ ننشزها ثمَّ نكسوها لَحْمًا﴾
فعاين كَيفَ تنْبت الْأَجْسَام مُعَاينَة تَحْقِيق فَأرَاهُ الْكَيْفِيَّة فَسَأَلَ عَن الْقدر الَّذِي لَا يدْرك إِلَّا بالكشف للأشياء فِي حَال ثُبُوتهَا فِي عدمهَا فَمَا أعطي ذَلِك فَإِن ذَلِك من خَصَائِص الإطلاع الإلهي فَمن الْمحَال
стр. 82
أَن يُعلمهُ إِلَّا هُوَ فَإِنَّهَا المفاتح الأول أَعنِي مفاتح الْغَيْب الَّتِي لَا يعلمهَا إِلَّا هُوَ
أَقُول هَذَا من جملَة الْمَوَاضِع الَّتِي يُشِير فِيهَا إِلَى تَفْضِيل نَفسه الخبيثة وطواغيته على الْأَنْبِيَاء ظلما وعلوا وَمُجَرَّد دَعْوَى كَاذِبَة وتوهمات فَاسِدَة
أَولهَا قَوْله وَقع العتب عَلَيْهِ كَمَا ورد فِي الْخَبَر إِلَخ
وَثَانِيها قَوْله إِنَّه كَقَوْل إِبْرَاهِيم ﵇ ﴿أَرِنِي كَيفَ تحيي الْمَوْتَى﴾ وَلَيْسَ كَذَلِك فَإِن العزير ﵇ لم يسْأَل بقوله ﴿أَنى يحيي هَذِه الله بعد مَوتهَا﴾ شَيْئا
وَإِنَّمَا كَلَامه تعجب وتفكر فِي قدرَة الله تَعَالَى واستعظام لَهَا وَثَالِثهَا قَوْله فَسَأَلَ عَن الْقدر إِلَخ
وَهَذَا أبعد شَيْء عَن مُرَاده ﵇
وَأَيْنَ كَيْفيَّة الْإِحْيَاء من معنى الْقدر وَرَابِعهَا مَا يُشِير إِلَيْهِ من تَفْضِيل نَفسه فِي قَوْله ﴿فأماته الله مائَة عَام ثمَّ بَعثه﴾ إِلَخ
ثمَّ قَالَ فِي آخِره وَقد يطلع الله من يَشَاء من عباده على بعض الْأُمُور من ذَلِك وخامسها قَوْله بعد ذَلِك فَلَمَّا رَأينَا عتب الْحق لَهُ ﵇ فِي سُؤَاله فِي الْقدر أَنه طلب هَذَا الإطلاع أَن يكون لَهُ قدرَة تتَعَلَّق بالمقدور وَمَا يَقْتَضِي ذَلِك إِلَّا من لَهُ الْوُجُود الْمُطلق إِلَخ
أَقُول انْظُر إِلَى هَذَا الْبُهْتَان الْعَظِيم على أَنْبيَاء الله تَعَالَى أَن العزير ﵇ طلب بقوله ﴿أَنى يحيي هَذِه الله بعد مَوتهَا﴾
قدرَة تتَعَلَّق بالمقدور وَلَيْسَ فِي كَلَامه هَذَا مَا يشْعر بذلك بِوَجْه من الْوُجُوه
стр. 83
بل دأبه الإفتراء على خَواص عباد الله تَعَالَى ليعترض عَلَيْهِم ويتمدح بذلك فَالله تَعَالَى يُقَابله بذلك
وسادسها مَا قَالَ وَأما مَا روينَاهُ مِمَّا أوحى الله تَعَالَى بِهِ إِلَيْهِ لَئِن لم تَنْتَهِ لأمحون اسْمك من ديوَان النُّبُوَّة
أَي أرفع عَنْك طَرِيق الْخَبَر وَأُعْطِيك الْأُمُور على التجلي والتجلي لَا يكون إِلَّا بِمَا أَنْت عَلَيْهِ من الاستعداد الَّذِي بِهِ يَقع الْإِدْرَاك الذوقي فتعلم أَنَّك مَا أدْركْت إِلَّا بِحَسب استعدادك إِلَخ
أَقُول هَذَا افتراء على الله أَنه أوحى للعزير ﵇ ذَلِك ثمَّ تَحْرِيف الْمَعْنى إِلَى مَا لايدل عَلَيْهِ الْكَلَام لَو ثَبت فَإِن مثل هَذَا الْكَلَام لَا يُقَال إِلَّا للتخويف من حط الْمرتبَة وَكَيف يكون إِعْطَاء الْأُمُور على التجلي أحط رُتْبَة من إعطائها بالإخبار والإخبار يُوجب علم الْيَقِين والكشف بالتجلي يُوجب علم الْيَقِين بل حق الْيَقِين وَمن جملَة زعم هَذِه الطَّائِفَة الْفَاسِد أَن النُّبُوَّة مقتصرة على الْإِخْبَار بِالْوَحْي دون الذَّوْق الكشفي
وَهَذَا من أعظم الْبُهْتَان وأقبح الحسبان بل النَّبِي لَهُ الْحَظ الأوفر من كل من الْأَمريْنِ والورد الأصفى من كل من المشربين وَلَكِن عين الْحَسَد فِي غشاء وغطاء من ذَلِك
﴿وَمن لم يَجْعَل الله لَهُ نورا فَمَا لَهُ من نور﴾ ثمَّ اعْترف فِي هَذِه الْكَلِمَة أَيْضا بِمَا اعْترف بِهِ فِي الشعيبية من أَن الاستعداد عطائي
стр. 84
فَقَالَ عقيب ذَلِك فتنظر فِي هَذَا الْأَمر الَّذِي طلبت فَإِذا لم تره تعلم أَنه لَيْسَ عنْدك الاستعداد الَّذِي تطلبه وَأَن ذَلِك من خَصَائِص الذَّات الإلهية وَقد علمت أَن الله تَعَالَى أعْطى كل شَيْء خلقه وَلم يعطك هَذَا الاستعداد الْخَاص فَمَا هُوَ خلقك وَلَو كَانَ خلقك لأعطاكه الْحق الَّذِي أعْطى كل شَيْء خلقه
فَتكون أَنْت الَّذِي تَنْتَهِي عَن مثل هَذَا السُّؤَال من نَفسك لَا تحْتَاج فِيهِ إِلَى نهي إلهي إِلَخ
أَقُول هَذَا يُنَاقض مَا قدمه أَن الْأَشْيَاء حاكمة بِمَا هِيَ عَلَيْهِ على الْحَاكِم عَلَيْهَا أَن يحكم عَلَيْهَا بِهِ فَانْظُر إِلَى كَثْرَة تناقضاته مَعَ ادعائه الْكَشْف الْمنَافِي للتناقض وَإِلَى هَذِه الترهات الَّتِي أسْند الْأَمر بهَا إِلَى النَّبِي ﷺ فِي ديباجة الْكتاب العاري عَن الصَّوَاب الْمُوجب للشَّكّ والإرتياب
قَالَ وَاعْلَم أَن الْولَايَة هِيَ الْفلك الْمُحِيط الْعَام وَلِهَذَا لم تَنْقَطِع وَلها الإنباء الْعَام
وَأما نبوة التشريع والرسالة فمنقطعة
وَفِي مُحَمَّد ﷺ قد انْقَطَعت فَلَا نَبِي بعده يَعْنِي مشرعا أَو مشرعا لَهُ وَلَا رَسُول وَهُوَ المشرع
وَهَذَا الحَدِيث قَصم ظُهُور أَوْلِيَاء الله تَعَالَى لِأَنَّهُ يتَضَمَّن انْقِطَاع ذوق الْعُبُودِيَّة الْكَامِلَة التَّامَّة فَلَا ينْطَلق عَلَيْهِ
стр. 85
اسْمهَا الْخَاص بهَا فَإِن العَبْد يُرِيد أَن لَا يُشَارك سَيّده وَهُوَ الله تَعَالَى فِي اسْم وَالله تَعَالَى لم يتسم بِنَبِي وَلَا رَسُول وَتسَمى بالولي إِلَخ
أَقُول انْظُر إِلَى مَا يُشِير إِلَيْهِ فِي هَذَا الْكَلَام وَيُصَرح بِغَيْرِهِ وَالله ولي النيات الْعَالم بِذَات الصُّدُور
ثمَّ قَوْله إِن انْقِطَاع النُّبُوَّة والرسالة يتَضَمَّن انْقِطَاع ذوق الْعُبُودِيَّة الْكَامِلَة غير مُسلم أَن ذَلِك لانْقِطَاع الِاسْم بل لانْقِطَاع الْمحل فِي غير النَّبِي وَالرَّسُول فَالله تَعَالَى أعلم حَيْثُ يَجْعَل رسَالَته
فقد علم أَنه لم يبْق لَهَا مَحل فَلذَلِك قطعهَا لانْقِطَاع محلهَا
فَلَو علم سُبْحَانَهُ أَنه قد بَقِي لَهَا مَحل لما قطعهَا كَمَا لم يقطعهَا قبل مُحَمَّد ﵊
وَانْقِطَاع الِاسْم وَعَدَمه لَا مدْخل لَهُ فِي ذَلِك
وَأما قَوْله فَإِن العَبْد يُرِيد أَن لَا يُشَارك سَيّده فِي اسْم إِلَى آخِره فَإِن أَرَادَ بِهِ أَن لَا يُطلق على العَبْد اسْم صفة تطلق على السَّيِّد فَغير مُسلم فَإِنَّهُ قد أطلق على العَبْد أَسمَاء صِفَات كَثِيرَة مِمَّا يُطلق على الله تَعَالَى لَكِن بِإِذْنِهِ وَعدم مَنعه من ذَلِك
وَإِن أَرَادَ أَن العَبْد يُرِيد أَن يخْتَص باسم لَا يُطلق على سَيّده كالنبي وَالرَّسُول وَهُوَ الظَّاهِر وَقد صرح بِهِ بعد هَذَا فِي قَوْله فَلم يبْق اسْم يخْتَص بِهِ العَبْد دون الْحق
فَذَلِك لم يَنْقَطِع بِانْقِطَاع النَّبِي وَالرَّسُول بل للْعَبد أَسمَاء كَثِيرَة يخْتَص بهَا كَالْعَبْدِ وَالْفَقِير والذليل
стр. 86
وَنَحْو ذَلِك مِمَّا لَا يُحْصى كَثْرَة نعم قَصم ظُهُور مثل هَذَا المتصلف وطائفته حَيْثُ صَارُوا لَا يقدرُونَ على ادِّعَاء النُّبُوَّة كَمَا رُوِيَ عَن بَعضهم وَهُوَ ابْن سبعين أَنه قَالَ لقد حجر ابْن آمِنَة وَاسِعًا حَيْثُ قَالَ لَا نَبِي بعدِي
قَالَ إِلَّا أَن الله تَعَالَى لطيف لطف بعباده فأبقى لَهُم النُّبُوَّة الْعَامَّة الَّتِي لَا تشريع فِيهَا إِلَى أَن قَالَ فَإِذا رَأَيْت النَّبِي يتَكَلَّم بِكَلَام خَارج عَن التشريع فَمن حَيْثُ هُوَ ولي عَارِف وَلِهَذَا مقَامه من حَيْثُ هُوَ عَالم أتم أكمل من حَيْثُ هُوَ رَسُول الله أَو ذُو تشريع وَشرع
فَإِذا سَمِعت أحدا من أهل الله تَعَالَى يَقُول أَو ينْقل إِلَيْك عَنهُ أَنه قَالَ الْولَايَة أَعلَى من النُّبُوَّة فَلَيْسَ يُرِيد ذَلِك الْقَائِل إِلَّا مَا ذَكرْنَاهُ
أَو يَقُول إِن الْوَلِيّ فَوق النَّبِي وَالرَّسُول فَإِنَّهُ يَعْنِي بذلك فِي شخص وَاحِد
وَهُوَ أَن الرَّسُول ﵇ من حَيْثُ هُوَ ولي أتم مِنْهُ من حَيْثُ هُوَ نَبِي وَرَسُول إِلَى آخر مَا قَالَ
أَقُول لَهُ لَا دَلِيل لَك على ذَلِك بل الْأَمر معكوس عَلَيْك
стр. 87
وَهُوَ أَنه من حَيْثُ هُوَ نَبِي وَرَسُول أتم فِي الْعلم وَالْحَال من كَونه وليا إِذْ هما خصوصيتان عَطاء من الله تَعَالَى لَا ينالهما أحد بِاجْتِهَادِهِ بِخِلَاف الْولَايَة فَإِنَّهُ قد تنَال بالإجتهاد كَمَا ورد فِي الصَّحِيح (وَلَا يزَال عَبدِي يتَقرَّب إِلَيّ بالنوافل حَتَّى أحبه) الحَدِيث
وَإِن انْقَطَعت الرسَالَة فِي الْآخِرَة لعدم التَّكْلِيف فَلَا يتم انْقِطَاع النُّبُوَّة إِذْ النَّبِي فعيل بِمَعْنى مفعول أَي المنبأ من الْفَيْض الإلهي بالعلوم فَهُوَ أولى باستلزام الْعلم من الْوَلِيّ بِالنّظرِ إِلَى الْمَعْنى
ولكونه بِمَعْنى الْمَفْعُول لم يُطلق على الله تَعَالَى وَلَو كَانَ بِمَعْنى الْفَاعِل لأطلق عَلَيْهِ سُبْحَانَهُ بِخِلَاف الْوَلِيّ فَإِنَّهُ بِمَعْنى الْقَرِيب فَلذَلِك أطلق عَلَيْهِ تَعَالَى
وَأما قَوْله فَإِذا رَأَيْت النَّبِي يتَكَلَّم بِكَلَام خَارج عَن التشريع الخ فَكَلَام لَا طائل تَحْتَهُ إِذْ غير مُسلم أَنه يتَكَلَّم بِمَا هُوَ خَارج عَن التشريع بل جَمِيع أَقْوَاله وأفعاله حركاته وسكناته تشريع
قَالَ لَا أَن الْوَلِيّ التَّابِع لَهُ أَعلَى مِنْهُ فَإِن التَّابِع لَا يدْرك الْمَتْبُوع أبدا فِيمَا هُوَ تَابع لَهُ فِيهِ إِذْ لَو أدْركهُ لم يكن تَابعا فَافْهَم
أَقُول انْظُر إِلَى قَوْله فَافْهَم وافهم أَن مُرَاده أَن التَّابِع قد يكون
стр. 88
أَعلَى فِي غير مَا هُوَ تَابع فِيهِ كَمَا صرح بِهِ فِي غير هَذَا الْموضع وَجل مُرَاده الْإِشَارَة إِلَى ترفعه وتفضله
ثمَّ قَالَ فَقَوله للعزير لَئِن لم تَنْتَهِ عَن السُّؤَال عَن مَاهِيَّة الْقدر لأمحون اسْمك من ديوَان النُّبُوَّة فيأتيك الْأَمر على الْكَشْف بالتجلي وَيَزُول عَنْك اسْم النَّبِي وَالرَّسُول وَتبقى لَهُ ولَايَته
أَقُول كَأَنَّهُ يزْعم بِهَذَا التَّأْوِيل أَن النَّبِي ﵊ مَا دَامَ نَبيا لَا يُمكن أَن يطلعه الله تَعَالَى على سر الْقدر على الْكَشْف بالتجلي بِخِلَاف الْوَلِيّ وَهُوَ زعم فَاسد لَا دَلِيل عَلَيْهِ بل الدَّلِيل يدل على فَسَاده فَإِن النَّبِي لَهُ الْولَايَة التَّامَّة فَمن أَي جِهَة يمْنَع عَن الْكَشْف وَمن أَيْن يَقْتَضِي وجود النُّبُوَّة عدم الْكَشْف بالتجلي وحصوله بِالْولَايَةِ الْعَارِية عَن النُّبُوَّة وَهل هَذَا إِلَّا إِشَارَة إِلَى حط رُتْبَة النُّبُوَّة مُطلقًا عَن الْولَايَة الصرفة وَأَن تصريحه بِخِلَاف ذَلِك إِنَّمَا هُوَ للستر على أَن الَّذِي رُوِيَ فِي ذَلِك مَا ذكره أَبُو الْفرج بن الْجَوْزِيّ فِي تَارِيخه الْمُسَمّى بالمنتظم عَن دَاوُد بن أبي هِنْد قَالَ سَأَلَ عُزَيْر عيه السَّلَام ربه عَن الْقدر فَأوحى إِلَيْهِ سَأَلتنِي عَن علمي فعقوبتك
стр. 89
أَن لَا أسميك فِي الْأَنْبِيَاء فَلم يذكر مَعَ الْأَنْبِيَاء انْتهى فَهَذَا يدل على استبشاره تَعَالَى بذلك فَكيف يَنَالهُ الْوَلِيّ بالكشف مَعَ ذَلِك
ثمَّ إِنَّه حاول الْجَواب عَن مَا اعْترض على قَوْله ذَلِك أَنه وَعِيد وَمَا ذكرت لَا يصلح أَن يكون وعيدا حَيْثُ قَالَ إِلَّا أَنه لما دلّت قرينَة الْحَال أَن هَذَا الْخطاب جرى مجْرى الْوَعيد علم من اقترنت عِنْده هَذِه الْحَالة مَعَ الْخطاب أَنه وَعِيد بِانْقِطَاع خُصُوص بعض مَرَاتِب الْولَايَة فِي هَذِه الدَّار إِذْ النُّبُوَّة والرسالة خُصُوص مرتبَة فِي الْولَايَة على بعض مَا تجْرِي عَلَيْهِ الْولَايَة من الْمَرَاتِب
فَيعلم أَنه أعطي أَعلَى من الْوَلِيّ الَّذِي لَا نبوة تشريع عِنْده وَلَا رِسَالَة
وَمن اقترنت عِنْده حَالَة أُخْرَى تقتضيها أَيْضا مرتبَة النُّبُوَّة يثبت عِنْده أَن هَذَا وعد لَا وَعِيد
فَإِن سُؤَاله ﵇ مَقْبُول إِذْ النَّبِي هُوَ الْوَلِيّ الْخَاص وَيعرف بِقَرِينَة الْحَال أَن النَّبِي من حَيْثُ لَهُ ولَايَة هَذَا الِاخْتِصَاص محَال أَن يقدم على مَا يعلم أَن الله تَعَالَى يكرههُ مِنْهُ أَو يقدم على مَا يعلم أَن حُصُوله محَال فَإِذا اقترنت هَذِه الْأَحْوَال عِنْد من اقترنت عِنْده وتقررت عِنْده أخرج هَذَا الْخطاب الإلهي عِنْده فِي قَوْله لأمحون اسْمك من ديوَان النُّبُوَّة مخرج
стр. 90
الْوَعْد وَصَارَ يدل على علو مرتبَة بَاقِيَة وَهِي الْمرتبَة الْبَاقِيَة على الْأَنْبِيَاء وَالرسل فِي الدَّار الْآخِرَة الَّتِي لَيست بِمحل لشرع يكون عَلَيْهِ أحد من خلق الله تَعَالَى فِي جنَّة وَلَا نَار بعد الدُّخُول فيهمَا
أَقُول حَاصله أَن ثمَّ حالتين حَالَة تَقْتَضِي أَن هَذَا الْخطاب وَعِيد وَهِي انْقِطَاع مرتبَة خَاصَّة فِي هَذِه الدَّار وَهِي نبوة التشريع
وَحَالَة تَقْتَضِي انه وعد
وَهِي أَن النَّبِي ﵇ من حَيْثُ أَنه لَهُ هَذَا الِاخْتِصَاص فِي الْولَايَة عَالم بِمَا يكرههُ الله سُبْحَانَهُ وَبِمَا هُوَ عَلَيْهِ محَال فَلَا يسْأَل ذَلِك وَلَا يقدم
وَحَيْثُ سَأَلَهُ لقد علم أَنه غير مَكْرُوه لَهُ تَعَالَى وَلَا محَال عَلَيْهِ وَأَن سُؤَاله قد قبل
وَأَن الله تَعَالَى قد وعده بإبقاء الْمرتبَة الْبَاقِيَة على الْأَنْبِيَاء وَالرسل عِنْد انْقِطَاع الرُّتْبَة الْخَاصَّة بِهَذِهِ الدَّار وَهِي النُّبُوَّة والرسالة
وَمرَاده إِثْبَات كَون الْولَايَة الْمُجَرَّدَة لَو فرضت لِأَن النُّبُوَّة مَانِعَة مِمَّا خصوصياته الْولَايَة وَهُوَ الإطلاع على سر الْقدر على الْكَشْف بالتجلي لَكِن هَذَا المُرَاد لَا تَشْتُم لَهُ رَائِحَة مَا من ذَلِك التَّرْكِيب الْخطابِيّ
ثمَّ يُقَال لَا يخرج أَن العزير ﵇ لم ينْتَه وَأَنه مُحي من ديوَان النُّبُوَّة وَأَنه خلاف الْإِجْمَاع أَو أَنه انْتهى وَلم يسْأَل بعده
стр. 91
وَهُوَ يُنَافِي كَونه وَعدا على أَن كَونه وَعدا على مَا قدره إِنَّمَا يَتَأَتَّى على تَقْدِير أَن بعض الْأَنْبِيَاء لَا تبقى لَهُ تِلْكَ الْمرتبَة الْبَاقِيَة الْمشَار إِلَيْهَا وَذَلِكَ غير مُسلم بل هُوَ مَمْنُوع كالمحال
وَقَوله محَال أَن يقدم على مَا يعلم أَن الله تَعَالَى يكرههُ مُسلم وَلَكِن لَا يتم أَن الْوَلِيّ أَو النَّبِي يعلم جَمِيع مَا يكرههُ الله سُبْحَانَهُ لوُرُود سُؤال مثل ذَلِك من بعض أكَابِر الْأَنْبِيَاء كنوح ﵇ فِي حق ابْنه فَبَطل مَا حاوله من الْجَواب واضمحل وَالله تَعَالَى الْمُوفق للصَّوَاب
قَالَ فِي الْكَلِمَة العيسوية وَخرج عِيسَى ﵊ من التَّوَاضُع إِلَى أَن شرع لأمته أَن يُعْطوا الْجِزْيَة عَن يَد وهم صاغرون أَقُول انْظُر إِلَى هَذَا البله والسفه وَهل يكون إِعْطَاء الْجِزْيَة شَرِيعَة من الشَّرَائِع قطّ مَعَ أَنه إِنَّمَا هُوَ عوض فِي مُقَابلَة عدم الْقَتْل مَعَ الْبَقَاء على الْكفْر
فَهَل شرع لَهُم ﵊ أَن يصيروا على الْكفْر بِمُحَمد ﷺ ويعطوا الْجِزْيَة فَانْظُر أَي حَمَاقَة وَبطلَان ينْسبهُ إِلَى النَّبِي ﷺ أَنه أمره أَن يخرج بِهِ إِلَى أمته
قَالَ وَإِن أحدهم أَي وَشرع لأمته أَن أحدهم إِذا لطم فِي خَدّه وضع الخد الآخر لمن لطمه وَلَا يرْتَفع عَلَيْهِ وَلَا يطْلب الْقصاص مِنْهُ
هَذَا لَهُ من جِهَة أمه إِذْ الْمَرْأَة لَهَا السّفل إِلَخ
أَقُول أما كَون التَّوَاضُع شَرِيعَة فَمُسلم لِأَنَّهُ من الْأَخْلَاق الْحَسَنَة الْمَنْدُوب إِلَيْهَا فِي كل الشَّرَائِع
стр. 92
وَأما قَوْله إِنَّه من جِهَة أمه إِلَخ
فَغير مُسلم لعدم الِاخْتِصَاص بِهِ بل سَائِر الْأَنْبِيَاء مَعَ أَن لَهُم جِهَات الْآبَاء أَيْضا قد شرعوا ذَلِك قَالَ ﷺ (من تواضع لله رَفعه الله) والأدلة على ذَلِك لَا تحصر كَثْرَة
ثمَّ سَاق الْكَلَام فِي كَون عِيسَى ﵇ روحا من الله تَعَالَى وكلمته إِلَى أَن قَالَ فالموجودات كلهَا كَلِمَات الله الَّتِي لَا تنفد فَإِنَّهَا عَن كن وَكن كلمة الله
فَهَل تنْسب الْكَلِمَة إِلَيْهِ بِحَسب مَا هُوَ عَلَيْهِ فَلَا تعلم مَا هيتها أَو ينزل هُوَ تَعَالَى إِلَى صُورَة من يَقُول كن فَيكون قَول كن حَقِيقَة لتِلْك الصُّورَة الَّتِي نزل إِلَيْهَا وَظهر فِيهَا فبعض العارفين يذهب إِلَى الطّرف الْوَاحِد وَبَعْضهمْ إِلَى الطّرف الآخر وَبَعْضهمْ يحار فِي الْأَمر وَلَا يدْرِي وَهَذِه مَسْأَلَة لَا تعرف إِلَّا ذوقا كَأبي يزِيد حِين نفخ فِي النملة الَّتِي قَتلهَا فحييت فَعلم عِنْد ذَلِك بِمن ينْفخ فَنفخ فَكَانَ عيسوي المشرب
أَقُول قد اعْترف هَا هُنَا أَن الْحق من حَيْثُ مَا
стр. 93
هُوَ عَلَيْهِ لَا تعلم ماهيته مَعَ ادعائه فِي غير هَذَا الْموضع أَن الْعَالم هويته وماهيته فَلْينْظر وَزعم أَن التكوين قد يصدر من صُورَة ينزل الْحق إِلَيْهَا ثمَّ بنى على قَاعِدَته الْمَعْلُومَة مَا ذكر بعده إِلَى أَن قَالَ
(فلولاه ولولانا ... لما كَانَ الَّذِي كَانَا)
(فَإنَّا أعبد حَقًا ... وَإِن الله مَوْلَانَا)
(وَإِنَّا عينه حَقًا ... إِذا مَا قلت إنْسَانا)
(فَلَا تحجب بِإِنْسَان ... فقد أَعْطَاك برهانا)
(فَكُن حَقًا وَكن خلقا ... تكن بِاللَّه رحمانا)
(وعد خلقه مِنْهُ ... تكن روحا وريحانا)
(فأعطيناه مَا يَبْدُو ... بِهِ فِينَا وأعطانا)
(فَصَارَ الْأَمر مقسوما ... بإياه وإيانا)
(فأحياه الَّذِي يدْرِي ... بقلبي حِين أَحْيَانًا)
(فَكُنَّا فِيهِ أكوانا ... وأعيانا وأزمانا)
(وَلَيْسَ بدائم فِينَا ... وَلَكِن ذَاك أَحْيَانًا)
أَقُول هَذَا كُله شرك ظَاهر على قَوَاعِده المتكررة فِي الْكتاب الَّذِي أسْند الْأَمر بِإِخْرَاجِهِ للْأمة إِلَى رَسُول الله ﷺ الَّذِي هُوَ أحرص الْخلق على أمته عَن مُوجبَات الشَّك والشبه فِي دينهم
ثمَّ قَالَ وَمِمَّا يدل على مَا ذَكرْنَاهُ فِي أَمر النفخ الروحاني مَعَ
стр. 94
صُورَة الْبشر العنصري هُوَ أَن الْحق وصف نَفسه بِالنَّفسِ الرحماني وَلَا بُد لكل مَوْصُوف بِصفة أَن يتبع الصّفة جَمِيع مَا تستلزمه تِلْكَ الصّفة وَقد عرفت أَن النَّفس فِي المتنفس مَا يستلزمه
فَلذَلِك قبل النَّفس الرحماني صُورَة الْعَالم فَهُوَ لَهَا كالجوهر الهيولاني وَلَيْسَ إِلَّا عين الطبيعة
فالعناصر صُورَة من صور الطبيعة
وَمَا فَوق العناصر وَمَا تولد عَنْهَا فَهُوَ أَيْضا من صور الطبيعة وَهِي الْأَرْوَاح العلوية الَّتِي فَوق السمواتالسبع
وَأما أَرْوَاح السَّمَوَات وأعيانها فَهِيَ عنصرية وَمَا تكون عَن كل سَمَاء من الْمَلَائِكَة فَهُوَ مِنْهَا فهم عنصريون وَمن فَوْقهم طبيعيون ثمَّ سَاق أنواعا من الخرافات إِلَى أَن قَالَ فَمَا فضل الْإِنْسَان غَيره من الْأَنْوَاع العنصرية إِلَّا بِكَوْنِهِ بشرا من طين فَهُوَ أفضل نوع من كل مَا خلق من العناصر من غير مُبَاشرَة
فالإنسان فِي الرُّتْبَة فَوق الْمَلَائِكَة الأرضية والسماوية وَالْمَلَائِكَة العالون خير من هَذَا النَّوْع بِالنَّصِّ الإلهي
أَقُول انْظُر كَيفَ نَاقض نَفسه فِيمَا قَالَ فِي الْكَلِمَة الإسحاقية حَيْثُ جعل الجماد هُنَاكَ أَعلَى الْكل وَالْإِنْسَان أدنى الْكل وَجعله هُنَا أَعلَى من جَمِيع العنصريات وَهل هَذَا إِلَّا وساوس وخيالات
стр. 95
تعتريه تارات أَو فِي حالات مُخْتَلفَة فَمَا أبعده عَن الْكَشْف الَّذِي يَدعِيهِ وَقَوله بِالنَّصِّ الإلهي أَرَادَ بِهِ مَا قَرَّرَهُ فِي قَوْله فَقَالَ لمن أَبى عَن السُّجُود لَهُ ﴿مَا مَنعك أَن تسْجد لما خلقت بيَدي أستكبرت﴾
على من هُوَ مثلك يَعْنِي عنصريا أم كنت من العالين عَن العنصر وَلست كَذَلِك
وَيَعْنِي بالعالين من علا بِذَاتِهِ عَن أَن يكون فِي نشأته النورية عنصريا وَإِن كَانَ طبيعيا انْتهى
ثمَّ إِنَّه سَاق الهذيان بِنَاء على قَوَاعِده الْبَاطِلَة فِي تَحْرِيف تَفْسِير قَوْله تَعَالَى ﴿أَأَنْت قلت للنَّاس﴾
إِلَى آخر السُّورَة حَتَّى قَالَ ﴿فَلَمَّا توفيتني﴾ أَي رفعتني إِلَيْك وحجبتهم عني وحجبتني عَنْهُم ﴿كنت أَنْت الرَّقِيب عَلَيْهِم﴾ فِي غير مادتي بل فِي موادهم إِذْ كنت بصرهم الَّذِي يَقْتَضِي المراقبة
فشهود الْإِنْسَان نَفسه شُهُود الْحق إِيَّاه
أَقُول انْظُر إِلَى هَذَا الْكفْر الصَّرِيح والإلحاد الَّذِي هُوَ أقبح من كل قَبِيح حَيْثُ يَجْعَل الْحق سُبْحَانَهُ بصر الْكفَّار الَّذين اتَّخذُوا عِيسَى وَأمه إِلَهَيْنِ ثمَّ سَاق الهذيان إِلَى أَن قَالَ ثمَّ قَالَ كلمة عيسوية ومحمدية أما كَونهَا عيسوية فَإِنَّهَا قَول عِيسَى ﵇ بِإِخْبَار الله تَعَالَى عَنهُ فِي كِتَابه وَأما كَونهَا محمدية فلموقعها من مُحَمَّد ﷺ بِالْمَكَانِ الَّذِي وَقعت مِنْهُ فَقَامَ بهَا لَيْلَة كَامِلَة يُرَدِّدهَا لم يعدل إِلَى غَيرهَا حَتَّى طلع الْفجْر ﴿إِن تُعَذبهُمْ فَإِنَّهُم عِبَادك وَإِن تغْفر لَهُم فَإنَّك أَنْت الْعَزِيز الْحَكِيم﴾
стр. 96
) وهم ضمير الْغَائِب كَمَا أَن هُوَ ضمير الْغَائِب كَمَا قَالَ ﴿هم الَّذين كفرُوا﴾ بضمير الْغَائِب فَكَانَ الْغَيْب سترا لَهُم عَمَّا يُرَاد بالمشهود الْحَاضِر
فَقَالَ ﴿إِن تُعَذبهُمْ﴾ بضمير الْغَائِب وَهُوَ عين الْحجاب الَّذِي هم فِيهِ عَن الْحق
فَذكرهمْ الله تَعَالَى قبل حضورهم حَتَّى إِذا حَضَرُوا تكون الخميرة قد تحكمت فِي الْعَجِين فصيرته مثلهَا ﴿فَإِنَّهُم عِبَادك﴾ فأفرد الْخطاب للتوحيد الَّذِي كَانُوا عَلَيْهِ
وَلَا ذلة أعظم من ذلة العبيد لأَنهم لَا تصرف لَهُم فِي أنفسهم
فهم بِحكم مَا يُريدهُ مِنْهُم سيدهم وَلَا شريك لَهُ فيهم فَإِنَّهُ قَالَ ﴿عِبَادك﴾ فأفرد وَالْمرَاد بِالْعَذَابِ إذلالهم وَلَا ذل أذلّ مِنْهُم لكَوْنهم عبادا
فذواتهم تَقْتَضِي أَنهم أذلاء فَلَا تذلهم فَإنَّك لَا تذلهم بأدون مِمَّا هم فِيهِ من كَونهم عبيدا
﴿وَإِن تغْفر لَهُم﴾ أَي تسترهم عَن إِيقَاع الْعَذَاب الَّذِي يستحقونه بمخالفتهم أَي تجْعَل لَهُم غفرا يسترهم عَن ذَلِك ويمنعهم مِنْهُ
﴿فَإنَّك أَنْت الْعَزِيز﴾ أَي المنيع الْحمى
إِلَى آخر مَا خرف
стр. 97
أَقُول انْظُر إِلَى هَذَا الْإِلْحَاد فِي آيَات الله تَعَالَى والتعصب للْكفَّار وَإِلَى هَذِه التأويلات الرَّكِيكَة فِي قَوْله هم ضمير الْغَائِب فَيُقَال لَهُ يَا أَيهَا الأحمق فَهَل كَانَ الْمقَام يَقْتَضِي تكلما أَو خطابا وَكَذَا فِي قَوْله ﴿فَإِنَّهُم عِبَادك﴾ فأفرد الْخطاب هَل الْمقَام يَقْتَضِي غير الْإِفْرَاد وَانْظُر إِلَى الْكَذِب وَبعد الْمُنَاسبَة فِي قَوْله للتوحيد الَّذِي كَانُوا عَلَيْهِ وهم الَّذين اتَّخذُوا عِيسَى ﵇ وَأمه إِلَهَيْنِ وَانْظُر إِلَى بعده عَن الْحق والحقائق فِي قَوْله وَلَا ذلة أعظم من ذلة العبيد وَقَوله المُرَاد بِالْعَذَابِ إذلالهم وَلَا ذل أذلّ مِنْهُم لكَوْنهم عبادا فَيُقَال لَهُ يَا أَيهَا المتصلف بالتصوف والدعاوى العريضة فِيهِ مَتى كَانَت عبودية الله ذلا بل هِيَ كَمَال الْعِزَّة وعينها بهَا افتخر من افتخر ﴿قَالَ إِنِّي عبد الله﴾ ﴿وَأَنه لما قَامَ عبد الله﴾ فَهَل جعل الله تَعَالَى أنبياءه وخواصه فِي الْعَذَاب والذل مَعَ أَنه أنكر وعذب من كذب من هُوَ عَبده فَقَالَ تَعَالَى ﴿فكذبوا عَبدنَا﴾ إِلَخ إِنَّمَا الذل فِي عبودية الْمَخْلُوق
بل إِذا كَانَ السَّيِّد من المخلوقين من الْأَغْنِيَاء تعزز بِهِ عبيده بِقدر ارتفاعه فِي الْغناء
وَهَذَا أَمر ظَاهر لَا يُنكره إِلَّا معاند مثلك دأبه المغالطة والبهتان
стр. 98
وَأما عدم التَّصَرُّف فِي أنفسهم فَلَيْسَ ذلة كَيفَ ومؤنتهم وكفايتهم على سيدهم الْغَنِيّ الْقَادِر الْجواد الْكَرِيم فَانْظُر أَيهَا الْمنصف إِلَى مثل هَذِه الأباطيل الَّتِي أَتَى بهَا فِي هَذَا الْكتاب فالويل كل الويل لمن اطلع هَذَا الْإِلْحَاد ثمَّ يَعْتَقِدهُ مُسلما فضلا عَن اعْتِقَاده وليا
ثمَّ كذب على النَّبِي ﷺ حَيْثُ قَالَ فَكَانَ سؤالا من النَّبِي ﷺ وإلحاحا مِنْهُ على ربه فِي الْمَسْأَلَة ليلته الْكَامِلَة إِلَى طُلُوع الْفجْر يُرَدِّدهَا طلبا للإجابة أَقُول لَا شكّ أَن الضَّمِير فِي تُعَذبهُمْ وَتغْفر لَهُم رَاجع إِلَى النَّاس الَّذين اتَّخذُوا عِيسَى وَأمه إِلَهَيْنِ من دون الله فَكيف يَدْعُو لَهُم رَسُول الله ﷺ ويلح وَقد نَهَاهُ الله تَعَالَى عَن الاسْتِغْفَار للْمُشْرِكين وَأخْبرهُ أَنه ﴿لَا يغْفر أَن يُشْرك بِهِ﴾ نعم إِن قصد ﷺ عصاة أمته فَلَا حَاجَة
قَالَ فِي الْكَلِمَة السليمانية بِنَاء على قَاعِدَته الخبيثة وَالْعَمَل مقسم على ثَمَانِيَة أَعْضَاء من الْإِنْسَان
وَقد أخبر الْحق أَنه تَعَالَى هوية كل عُضْو مِنْهَا فَلم يكن الْعَامِل غير الْحق وَالصُّورَة للْعَبد والهوية مدرجة فِيهِ أَي فِي اسْمه لَا غير لِأَنَّهُ تَعَالَى عين مَا ظهر وَسمي خلقا
ثمَّ قَالَ بعد ذَلِك فقيد رَحْمَة الْوُجُوب وَأطلق رَحْمَة الامتنان فِي قَوْله ﴿ورحمتي وسعت كل شَيْء﴾
حَتَّى الْأَسْمَاء الإلهية
стр. 99
أَعنِي حقائق النّسَب
فامتن عَلَيْهَا بِنَا
فَنحْن نتيجة رَحْمَة الامتنان بالأسماء الإلهية وَالنّسب الربانية
ثمَّ أوجبهَا على نَفسه بظهورنا لنا وَأَعْلَمنَا أَنه هويتنا لنعلم أَنه مَا أوجبهَا على نَفسه إِلَّا لنَفسِهِ
فَمَا خرجت الرَّحْمَة عَنهُ
فعلى من امتن وَمَا ثمَّ إِلَّا هُوَ إِلَّا أَنه لَا بُد من حكم لبَيَان التَّفْصِيل لما ظهر من تفاضل الْخلق فِي الْعُلُوم حَتَّى يُقَال إِن هَذَا أعلم من هَذَا مَعَ أحدية الْعين وَمَعْنَاهُ معنى نقص تعلق الْإِرَادَة عَن تعلق الْعلم فَهَذِهِ مفاضلة فِي الصِّفَات الإلهية وَكَمَال تعلق الْإِرَادَة وفضلها وزيادتها على تعلق الْقُدْرَة إِلَخ
أَقُول أما قَاعِدَته الْمَذْكُورَة فمعلومة وَأما قَوْله بِنَقص تعلق الْإِرَادَة عَن تعلق الْعلم فَصَحِيح
وَأما قَوْله بتفضيل تعلق الْإِرَادَة وزيادتها على تعلق الْقُدْرَة فَغير صَحِيح بل كذب قَبِيح فَإِنَّهُ قَادر على كل مَا يُرِيد
قَالَ تَعَالَى ﴿فعال لما يُرِيد﴾
فَلَا يُمكن أَن يُرِيد شَيْئا وَهُوَ غير قَادر عَلَيْهِ فَإِن ذَلِك من صِفَات المحدثات بل السُّفَهَاء تَعَالَى الله تَعَالَى عَن ذَلِك علوا كَبِيرا
بل الْأَمر عكس مَا قَالَه فَإِن الْقُدْرَة أَزِيد من الْإِرَادَة فَإِنَّهُ قَادر على كل مَا يُرِيد وَلَا يُرِيد كل مَا يقدر عَلَيْهِ كَمَا لَا يخفى على أَنه مناتقض نَفسه فِيمَا قَالَ فِي الْكَلِمَة الإبراهيمية فَمَا شَاءَ فَمَا هدَاهُم فَهَل
стр. 100
يَشَاء هَذَا مَا لَا يكون
فمشيئته أحدية التَّعَلُّق وَهِي نِسْبَة تَابِعَة للْعلم وَالْعلم نِسْبَة تَابِعَة للمعلوم فَإِنَّهُ صَرِيح فِي أَنه لَا يُرِيد مَا لَا يكون وَهُوَ كثير التناقضات مَعَ ادعائه الْكَشْف الْمنَافِي لَهَا
قَالَ وَكَذَلِكَ السّمع الإلهي وَالْبَصَر وَجَمِيع الْأَسْمَاء الإلهية على دَرَجَات فِي تفاضل بَعْضهَا على بعض
كَذَلِك تفاضل مَا ظهر فِي الْخلق من أَن يُقَال هَذَا أعلم من هَذَا مَعَ أحدية الْعين
وكما أَن كل اسْم إلهي إِذا قَدمته سميته بِجَمِيعِ الْأَسْمَاء ونعته بهَا كَذَلِك فِيمَا ظهر من الْخلق فِيهِ أَهْلِيَّة كل مَا فوضل بِهِ
فَكل جُزْء من الْعَالم هُوَ مَجْمُوع الْعَالم أَي هُوَ قَابل لحقائق مُفْرَدَات الْعَالم كُله
أَقُول هَذَا مُنَاقض لما يكرره كثيرا أَن الْأَشْيَاء لَهَا استعدادات حَال عدمهَا فَكل مِنْهَا يقبل من فيض وجود الْحق على حسب استعداده فَتنبه لتناقضه
ثمَّ قَالَ فَلَا يقْدَح قَوْلنَا إِن زيدا دون عَمْرو فِي الْعلم أَن تكون هوية الْحق عين زيد وَعَمْرو وَتَكون فِي عَمْرو أكمل وَأعلم مِنْهُ فِي زيد كَمَا تفاضلت الْأَسْمَاء الإلهية وَلَيْسَت غير الْحق فَهُوَ تَعَالَى من حَيْثُ هُوَ عَالم أَعم مِنْهُ من حَيْثُ مَا هُوَ مُرِيد وقادر وَهُوَ هُوَ لَيْسَ غَيره
فَلَا تعلمه هُنَا يَا ولي الله وتجهله هُنَا وتثبته هُنَا وتنفيه هُنَا إِلَّا إِن أثْبته بِالْوَجْهِ الَّذِي أثبت نَفسه ونفيته عَن كَذَا بِالْوَجْهِ
стр. 101
الَّذِي نفى نَفسه كالآية الجامعة للنَّفْي وَالْإِثْبَات فِي حَقه حِين قَالَ ﴿لَيْسَ كمثله شَيْء﴾ فنفى ﴿وَهُوَ السَّمِيع الْبَصِير﴾ فَأثْبت بِصفة تعم كل سميع وبصير من حَيَوَان وَمَا ثمَّ إِلَّا حَيَوَان إِلَخ
أَقُول أما الْقَاعِدَة الْمَعْلُومَة فَلَا حَاجَة للْكَلَام فِيهَا
وَأما قَوْله أثبت نَفسه وَنفى نَفسه فَغير صَحِيح فَإِنَّهُ فِي الْآيَة الْمَذْكُورَة إِنَّمَا نفى الْمثل وَلم ينف نَفسه وَإِنَّمَا أثبت السّمع وَالْبَصَر أَي كمالهما لنَفسِهِ
وَنَفسه لم تكن منتفية قطّ ليثبتها تَعَالَى وَكَذَلِكَ سَمعه وبصره إِلَّا أَنه حصرهما فِيهِ لِأَنَّهُمَا فِي غَيره كَالْعدمِ وَهُوَ من قبيل ﴿كل شَيْء هَالك إِلَّا وَجهه﴾ لَا أَنه كَمَا زعم عين كل من يسمع ويبصر حَتَّى الجماد على مَا تكلّف من التَّأْوِيل على تَقْدِير تَسْلِيمه أَيْضا
ثمَّ قَالَ ثمَّ كَيفَ يقدم سُلَيْمَان اسْمه على اسْم الله تَعَالَى كَمَا زَعَمُوا وَهُوَ من جملَة من أوجدته الرَّحْمَة فَلَا بُد أَن يتَقَدَّم الرَّحْمَن الرَّحِيم ليَصِح استناد المرحوم
هَذَا عكس الْحَقَائِق تَقْدِيم من يسْتَحق التَّأْخِير وَتَأْخِير من يسْتَحق التَّقْدِيم فِي الْموضع الَّذِي يسْتَحقّهُ
أَقُول هَذَا اعْتِرَاض على سُلَيْمَان ﵊ لَكِن
стр. 102
قَوْله كَمَا زَعَمُوا إِشَارَة إِلَى أَنه إِنَّمَا يتَوَجَّه على زعم من زعم أَنه غير هوية الْحق لَا على قَول من زعم أَنه عينهَا إِذْ لَا يتَصَوَّر التَّقْدِيم الْمَذْكُور على ذَلِك التَّقْدِير إِذْ هُوَ كَقَوْلِه إِنَّه من الله والذات مُتَقَدّمَة على الصّفة بالرتبة
وَلقَائِل أَن يَقُول إِن اعْتبرت جِهَة الْكَثْرَة فالإعتراض بِحَالهِ على زعمك أَيْضا وَهُوَ من جملَة إساءتك الْأَدَب مَعَ أَنْبيَاء الله تَعَالَى عَلَيْهِم الصَّلَوَات وَالسَّلَام
وَإِن اعْتبر جِهَة الْوحدَة فالكاتب والمكتوب إِلَيْهِ وَمَا إِلَى ذَلِك وَاحِد فَلَا يتَصَوَّر تَقْدِيم وَلَا تَأْخِير إِذْ سُلَيْمَان والرحمن وَغَيرهمَا وَاحِد
قَالَ فَكَانَ عين قَول آصف بن برخيا عين الْفِعْل فِي الزَّمن الْوَاحِد
فَرَأى فِي ذَلِك الزَّمَان بِعَيْنِه سُلَيْمَان عرش بلقيس مُسْتَقرًّا عِنْده لِئَلَّا يتخيل أَنه أدْركهُ وَهُوَ فِي مَكَانَهُ من غير انْتِقَال وَلم يكن عندنَا باتحاد الزَّمَان انْتِقَال وَإِنَّمَا كَانَ إعدام وإيجاد من حَيْثُ لَا يشْعر أحد بذلك إِلَّا من عرفه وَهُوَ قَوْله تَعَالَى ﴿بل هم فِي لبس من خلق جَدِيد﴾
стр. 103
إِلَى آخر مَا ذكر إِلَى أَن قَالَ فَلم يكن لآصف من الْفضل إِلَّا حُصُول التَّجْدِيد فِي مجْلِس سُلَيْمَان ﵇
فَمَا قطع الْعَرْش مَسَافَة وَلَا زويت لَهُ أَرض وَلَا خرقها لمن فهم مَا ذَكرْنَاهُ
أَقُول هَذَا إِعَادَة لما ذكر فِي الْكَلِمَة الشعيبية من القَوْل بتجدد الْأَعْيَان وَلَو صَحَّ هَذَا لما كَانَ الرَّائِي للعرش هُوَ الْقَائِل ﴿أَيّكُم يأتيني بِعَرْشِهَا﴾
وَلَا الْآتِي بِهِ هُوَ الْقَائِل ﴿أَنا آتِيك بِهِ﴾ بل وَلَا هُوَ آتٍ بِهِ إِلَى مَا لَا يخفى من المحالات على أَنه يُقَال لَهُ هَل مَا زعمت من الإعدام والإيحاد باقتضاء ذَات الشَّيْء أم بِالْغَيْر وَالْأول محَال
وَالثَّانِي إِمَّا أَن يكون الْحق سُبْحَانَهُ أَو غَيره وَالثَّانِي محَال لِأَنَّهُ شرك
وَالْأول يَقْتَضِي الغيرية وَلست تَقول بهَا إِلَّا بِاعْتِبَار الْوُجُود والأعيان الَّتِي تزْعم أَن لَهَا ثبوتا فِي الْعَدَم فَمَا الْمُخَصّص بِزَمَان دون زمَان وَمَكَان دون مَكَان إِمَّا نفس الْأَعْيَان أَو نفس الْوُجُود
وعَلى كلا التَّقْدِيرَيْنِ لَا يَصح أَن يسند الشَّخْص ذَلِك التَّخْصِيص إِلَى نَفسه
وَكَذَا إِن أُرِيد الْمركب مِنْهُمَا على مَا زعمت من التَّجْدِيد
وَإِذا تَأَمَّلت كَلَامه ظهر لَك أَنه لَيْسَ إِلَّا خيالات لَا حَقِيقَة
واستدلاله بِالْآيَةِ كذب صَرِيح على مَا ذَكرْنَاهُ فِيمَا سبق
стр. 104
قَالَ وَسبب ذَلِك كَون سُلَيْمَان عَلَيْهِ الصَّلَاة هبة الله تَعَالَى لداود عَلَيْهِ الصَّلَاة إِلَخ
أَقُول لَيْسَ لفظ الْهِبَة مُخْتَصًّا بِسُلَيْمَان ﵇ لداود عَلَيْهِ الصَّلَاة بل عَام قَالَ تَعَالَى ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاق وَيَعْقُوب﴾
وَقَالَ ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ يحيى﴾
وَقَالَ تَعَالَى ﴿يهب لمن يَشَاء إِنَاثًا ويهب لمن يَشَاء الذُّكُور﴾
قَالَ وَلما رَأَتْ بلقيس عرشها مَعَ علمهَا ببعد الْمسَافَة واستحالة انْتِقَاله فِي تِلْكَ الْمدَّة عِنْدهَا ﴿قَالَت كَأَنَّهُ هُوَ﴾ وصدقت بِمَا ذَكرْنَاهُ من تَجْدِيد الْخلق بالأمثال وَهُوَ هُوَ
وَصدق الْأَمر كَمَا أَنَّك فِي زمَان التجدبد عين مَا أَنْت فِي الزَّمَان الْمَاضِي
أَقُول كَأَنَّهُ يحاول بِهَذَا الْجَواب عَمَّا يرد عَلَيْهِ من الاعتراضات الَّتِي ذكرنَا بَعْضهَا
وَلَا يخفى مَا فِيهِ من التَّنَاقُض فِي قَوْله بالأمثال
وَقَوله عين مَا أَنْت فِي الزَّمَان الْمَاضِي فَإِن الْمثل غير الْعين لَا يُقَال يُرِيد بالخلق الْمَعْنى المصدري لَا الْمَخْلُوق فالمتجدد أَمْثَال الْمصدر لَا مَا وَقع عَلَيْهِ الْمصدر بل مَا وَقع عَلَيْهِ الْمصدر عين وَاحِدَة يَتَجَدَّد أَمْثَال الْخلق عَلَيْهَا فَلَا تنَاقض لأَنا نقُول هَذَا أَيْضا
стр. 105
محَال إِذْ هُوَ خلق الْمَخْلُوق وَتَحْصِيل الْحَاصِل ومناقض لقَوْله هُنَا وَإِنَّمَا كَانَ إِيجَاد وإعدام وَلقَوْله فِي الشعيبية إِن كُله مَجْمُوع أَعْرَاض فَهُوَ يتبدل فِي كل زمَان إِلَخ
ثمَّ إِنَّه خبط العشواء تَابعا قَوَاعِده الْبَاطِلَة إِلَى أَن قَالَ فَكَانَ إِسْلَام بلقيس إِسْلَام سُلَيْمَان إِذْ قَالَت ﴿مَعَ سُلَيْمَان﴾ فتبعته
فَمَا يمر بِشَيْء من العقائد إِلَّا مرت بِهِ معتقدة ذَلِك
كَمَا نَحن على الصِّرَاط الْمُسْتَقيم الَّذِي الرب عَلَيْهِ لكَون نواصينا فِي يَده ويستحيل مفارقتنا إِيَّاه
فَنحْن مَعَه بالتضمين وَهُوَ مَعنا بالتصريح فَإِنَّهُ قَالَ ﴿وَهُوَ مَعكُمْ أَيْن مَا كُنْتُم﴾
وَنحن مَعَه بِكَوْنِهِ آخِذا بنواصينا فَهُوَ تَعَالَى مَعَ نَفسه حَيْثُ مَا مَشى بِنَا من صراطه
فَمَا بَقِي من الْعَالم إِلَّا على صِرَاط مُسْتَقِيم وَهُوَ صِرَاط الرب تَعَالَى
أَقُول هَذَا إِعَادَة لما ذكره فِي الْكَلِمَة الهودية
أما قَوْله فَمَا يمر بِشَيْء من العقائد إِلَخ فَصَحِيح من حَيْثُ أَن
стр. 106
سُلَيْمَان عَلَيْهِ الصَّلَاة لَا يمر إِلَّا على العقائد الصَّحِيحَة لَا من حَيْثُ مَا قَصده من عُمُوم جَمِيع العقائد وَمن أَيْن يدل رب الْعَالمين على أَن جَمِيع عقائد الْعَالمين حق وَالله سُبْحَانَهُ يَقُول ﴿فَمَاذَا بعد الْحق إِلَّا الضلال﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَإِن الَّذين لَا يُؤمنُونَ بِالآخِرَة عَن الصِّرَاط لناكبون﴾
وَقِيَاس العقائد على الْمَشْي الْحسي من مغاليطه الْبَاطِلَة وَإِلَّا فَلَا خَفَاء فِي مُخَالفَة الْمُنَافِقين وَنَحْوهم وَإِن مَشوا مَعَ الْمُؤمنِينَ بأقدامهم فِي طَرِيق على أَن المُرَاد بِالْآيَةِ أَنه مالكهم ومتصرف فيهم كَيفَ شَاءَ لَا أَنه مجبرهم على اتِّبَاع الْحق
وَلَو كَانَ كَمَا زعم فَمن هم الضالون المذكورون فِي الْقُرْآن
قَالَ فِي الْكَلِمَة الداودية بعد مَا ذكر أَمر الْخلَافَة إِلَى أَن قَالَ وَللَّه تَعَالَى فِي الأَرْض خلائف عَن الله وهم الرُّسُل
وَأما الْخلَافَة الْيَوْم فَعَن الرُّسُل لَا عَن الله فَإِنَّهُم مَا يحكمون إِلَّا بِمَا شرع لَهُم الرَّسُول لَا يخرجُون عَن ذَلِك
غير أَن هُنَا دقيقة لَا يعلمهَا إِلَّا أمثالنا وَذَلِكَ فِي أَخذ مَا يحكمون بِهِ مِمَّا هُوَ شرع للرسول ﵇ فالخليفة عَن الرَّسُول من يَأْخُذ الحكم بِالنَّقْلِ عَنهُ ﷺ أَو الإجتهاد الَّذِي أَصله أَيْضا مَنْقُول عَنهُ ﷺ وَفينَا من
стр. 107
يَأْخُذهُ عَن الله تَعَالَى فَيكون خَليفَة عَن الله تَعَالَى بِعَين ذَلِك الحكم إِلَخ
أَقُول لَا بُد لَهُ حَيْثُ لَا يجد مُخَالفَة وَلَا اعتراضا من ترفع وتمدح دَعْوَى مُجَرّدَة عَن الْبُرْهَان
ثمَّ قَالَ وَلِهَذَا مَاتَ رَسُول الله ﷺ وَمَا نَص بخلافة عَنهُ إِلَى أحد
وَلَا عينه لعلمه أَن فِي أمته من يَأْخُذ الْخلَافَة عَن ربه فَيكون خَليفَة عَن الله تَعَالَى مَعَ الْمُوَافقَة فِي الحكم الْمَشْرُوع إِلَى آخر مَا قَالَه
أَقُول هَذَا غير صَحِيح بل إِنَّمَا لم ينص لعلمه أَن الله تَعَالَى يؤلف قُلُوب الْمُؤمنِينَ حَتَّى يجمعوا على خلَافَة أبي بكر رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ وَنبهَ على ذَلِك ﷺ بقوله (يَأْبَى الله تَعَالَى وَيدْفَع الْمُؤْمِنُونَ إِلَّا أَبَا بكر)
وَلم يدع أَبُو بكر وَلَا غَيره لَهُ أَنه أَخذ الْخلَافَة عَن ربه بِالْمَعْنَى الَّذِي تزْعم وَلَا ضَرُورَة إِلَى ذَلِك وَلَا دَلِيل على وُقُوعه حَيْثُ حصلت الْمُوَافقَة والمخالفة مَرْدُودَة
قَالَ وَإِنَّمَا تنقص أَو تزيد على الشَّرْع الَّذِي تقرر بالإجتهاد
стр. 108
لَا على الشَّرْع الَّذِي شوفه بِهِ مُحَمَّد ﷺ فقد يظْهر من الْخَلِيفَة مَا يُخَالف حَدِيثا مَا فِي الحكم فيتخيل أَنه من الإجتهاد وَلَيْسَ كَذَلِك وَإِنَّمَا هَذَا الإِمَام لم يثبت عِنْده من جِهَة الْكَشْف ذَلِك الْخَبَر عَن النَّبِي ﷺ وَلَو ثَبت لحكم بِهِ
وَإِن كَانَ الطَّرِيق فِيهِ الْعدْل عَن الْعدْل فَمَا هُوَ مَعْصُوم من الْوَهم وَلَا من النَّقْل بِالْمَعْنَى فَمثل هَذَا يَقع من الْخَلِيفَة الْيَوْم
أَقُول انْظُر مَا أمكره فِي ترويج باطله بادعائه أَن الْأَحَادِيث الصَّحِيحَة قد تكون غير ثَابِتَة فِي نفس الْأَمر فَيطلع على ذَلِك هُوَ وَأَمْثَاله كشفا فيخالفوننا وَأَنت خَبِير بِأَن هَذِه دَعْوَى مُجَرّدَة لَا دَلِيل عَلَيْهَا إِذْ الْكَشْف لَيْسَ دَلِيلا وَإِلَّا لفسد نظام الشَّرْع إِذْ لَا يعجز أحد عَن ادِّعَاء مثل ذَلِك فَيعْمل كل ذِي هوى بِمُقْتَضى هَوَاهُ وَيَدعِي فِيهِ الْكَشْف وَأي فَسَاد أعظم من ذَلِك وَالله الْمُوفق
ثمَّ بعد مَا قرر أَنه لَا ينفذ حكم إِلَّا لله تَعَالَى سَوَاء كَانَ على وفْق الشَّرْع أَو لم يكن مُوَافقا لِلْأَمْرِ أم لَا إِذْ الْكل بمشيئته وَصدق فِي ذَلِك
قَالَ فَلَمَّا كَانَ الْأَمر فِي نَفسه على مَا قَرَّرْنَاهُ كَانَ مآل الْخلق إِلَى السَّعَادَة على اخْتِلَاف أَنْوَاعهَا فَعبر عَن هَذَا الْمقَام بِأَن الرَّحْمَة وسعت كل شَيْء
стр. 109
أَقُول هَذَا كذب بَاطِل فَإِن السَّعَادَة مُتَعَلقَة بموافقة الْأَمر لَا بموافقة مُطلق الْمَشِيئَة
وَقد صرح سُبْحَانَهُ بِأَنَّهُ يَكْتُبهَا للَّذين يَتَّقُونَ وَيُؤْتونَ الزَّكَاة ويتبعون النَّبِي الْأُمِّي إِلَى آخر مَا ذكر تَعَالَى فَعلم أَن من لَيْسَ كَذَلِك لم يكْتب لَهُ
قَالَ فِي الْكَلِمَة اليونسية وَأما أهل النَّار فمآلهم إِلَى النَّعيم وَلَكِن فِي النَّار إِذْ لابد لصورة النَّار بعد انْتِهَاء مُدَّة الْعَذَاب أَن تكون بردا وَسلَامًا على من فِيهَا فنعيم أهل النَّار بعد اسْتِيفَاء الْحُقُوق نعيم خَلِيل الله تَعَالَى حِين ألقِي فِي النَّار فَإِنَّهُ ﵊ تعذب برؤيتها وَبِمَا تعود فِي علمه وتقرر من أَنَّهَا صُورَة تؤلم من جاورها من الْحَيَوَان
وَمَا علم مُرَاد الله تَعَالَى فِيهَا وَمِنْهَا فِي حَقه فَبعد وجود هَذِه الآلام وجدهَا بردا وَسلَامًا مَعَ شُهُود الصُّورَة اللونية فِي حَقه وَهِي نَار فِي عُيُون النَّاس
أَقُول هَذَا مذْهبه على مَا تقدم وَلَا دَلِيل عَلَيْهِ إِلَّا مَا قَرَّرَهُ قبله من سبق الرَّحْمَة وَمن مُرَاعَاة الْإِبْقَاء على هَذِه النشأة إِلَى آخر مَا ذكر
وَهُوَ مُخَالف لمَذْهَب أهل السّنة وَلقَوْله تَعَالَى ﴿فَلَا يُخَفف عَنْهُم الْعَذَاب﴾
стр. 110
و ﴿وَلَا يُخَفف عَنْهُم من عَذَابهَا﴾ ﴿لَا يفتر عَنْهُم وهم فِيهِ مبلسون﴾ ﴿كلما خبت زدناهم سعيرا﴾ ﴿كلما نَضِجَتْ جُلُودهمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيرهَا ليذوقوا الْعَذَاب﴾
فَيكون مَا ذهب إِلَيْهِ قِيَاسا لمقابلة النَّص
فَإِن اسْتدلَّ بقوله تَعَالَى ﴿أحقابا﴾
قُلْنَا هُوَ مُحْتَمل لكَونه جمع حقب بِسُكُون الْقَاف ظرفا
ولكونه جمع حقبة بِكَسْرِهَا حَالا فَلَا يُعَارض النُّصُوص الصَّرِيحَة القطعية الدَّالَّة
وَلَا يُمكنهُ أَن يخصصه بِالْقِيَاسِ الَّذِي ذكره وَإِن أَخذ الْعَذَاب من العذوبة عنادا كَمَا ذكره فِي الإسماعلية ورد عَلَيْهِ السعير
قَالَ فِي الْكَلِمَة الأيوبية قَالَ تَعَالَى لأيوب ﵊ ﴿اركض برجلك هَذَا مغتسل﴾ يَعْنِي مَاء بَارِد لما كَانَ عَلَيْهِ من إفراط حرارة الْأَلَم فسكنه الله تَعَالَى بِبرد المَاء
وَلِهَذَا كَانَ الطِّبّ النَّقْص من الزَّائِد وَالزِّيَادَة فِي النَّاقِص فالمقصود طلب الإعتدال وَلَا سَبِيل إِلَيْهِ إِلَّا أَنه يُقَارِبه وَإِنَّمَا قُلْنَا لَا سَبِيل إِلَيْهِ أَعنِي إِلَى الإعتدال من أجل أَن الْحَقَائِق وَالشُّهُود يُعْطي التكوين مَعَ الأنفاس على الدَّوَام
следующие страницы →