Полный текст (220 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.
стр. 1
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
مُقَدّمَة الْمُؤلف
الْحَمد لله الَّذِي جَمعنَا على محبَّة سيد الْبشر ونفعنا بسيرته الَّتِي حسن مِنْهَا الْمُبْتَدَأ وطاب الْخَبَر وأهلنا لخدمة سنته الشَّرِيفَة وفضلنا بِاتِّبَاع أَحْكَامه المنيرة وأعلامه المنيفة وَالصَّلَاة على نبيه مُحَمَّد صَاحب السِّيرَة السّريَّة وساحب سحائب الْفضل والشرف على سَائِر الْبَريَّة وعَلى آله وَصَحبه المرضية سكنات كل مِنْهُم وحركاته وَعَلِيهِ وَعَلَيْهِم السَّلَام وَرَحْمَة الله وَبَرَكَاته
وَبعد. . فَإِن أحسن الحَدِيث كتاب الله الْكَرِيم وَخير الْهدى مَا نقل عَن الْمَوْصُوف بالخلق الْعَظِيم فالسعيد من امتثل أوَامِر كِتَابه وَرَسُوله واقتفى من أثرهما مَا يبلغ بِهِ غَايَة قَصده وسوله وفقنا الله لاتباع محبته ومراضيه وهدانا فِيمَا بَقِي من الْعُمر وَعَفا عَمَّا جرى فِي ماضيه بمنه وَطوله وقوته وَحَوله
стр. 2
نسب النَّبِي ﷺ
هُوَ أَبُو الْقَاسِم مُحَمَّد بن عبد الله بن عبد الْمطلب بن هَاشم بن عبد منَاف بن قصي بن كلاب بن مرّة بن كَعْب بن لؤَي بن غَالب بن فهر بن مَالك بن النَّضر بن كنَانَة بن خُزَيْمَة بن مدركة ابْن إلْيَاس بن مُضر بن نزار بن معد بن عدنان بن أدد بن
стр. 3
اليسع بن الهميسع بن سلامان بن نبت بن حمل بن قيذار بن إِسْمَاعِيل بن إِبْرَاهِيم بن تارح بن ناحور بن ساروع بن أرعواء بن فالع بن غابر بن شالخ بن أرفخشد بن سَام بن نوح بن لمك بن متوشلح بن أَخْنُوخ بن يرد بن مهلائيل بن قنيان بن أنوش بن شِيث بن آدم أبي الْبشر ﵇
(نسب عَلَيْهِ مهابة وجلالة ... بالمصطفى خير الورى أقْصَى الأرب)
(نسب أَضَاء الْأُفق بِنور من ... لولاه مَا طلع الْهلَال وَلَا غرب)
(نسب رفيع ضم جَامع شَمله ... أَعْيَان سَادَات الْأَعَاجِم وَالْعرب)
стр. 4
تَزْوِيج آمِنَة من عبد الله بن عبد الْمطلب
تزوج عبد الله بن عبد الْمطلب وَالِد ملاذ المقترب وعياذ المغترب آمِنَة أم الإِمَام الْأَعْظَم الَّذِي وفر الله من الْكَرَامَة قسمه وبحياته أقسم
وَهِي بنت وهب بن عبد منَاف بن زهرَة بن كلاب المحمية من أسلحة قَومهَا بالبتر المواضي والصم الصلاب وَكَانَت فِي حجر عَمها وهيب مبرأة من شين الشين وعيب الْعَيْب فَخَطَبَهَا مِنْهُ عبد الْمطلب لوَلَده قَاصِدا جمع الشمل بَين لبوته وأسده فَأحْسن جَوَابه وَقبل خطبَته وخطابه وَمن نجله عبد الله زَوجهَا وبالإكليل الأرضي بل السماوي توجها يَا لَهُ عقدا بلغ بِهِ أهل الْإِيمَان غَايَة الْأَمَانِي وقرانا طارت بأنباء نبوته حمائم التهاني
(واستبشر الْكَوْن وشمس الضُّحَى ... خلقت الْآفَاق بالزعفران)
(والبدر للزهر غَدا قَائِلا ... يَا قوم مَا أسعد هَذَا الْقُرْآن)
стр. 5
حمل آمنهُ بِالنَّبِيِّ ﷺ
لما حملت بِهِ لم تَجِد شَيْئا من الثّقل وَلَا اعتراها بِسَبَبِهِ تبرم وَلَا ملل وأتاها آتٍ حسن الْكَلَام وَهِي مَا بَين الْيَقَظَة والمنام مخبرا أَنَّهَا حملت بِسَيِّد الْأمة ونبيها واشتملت على شمس بكرتها وقمر عشيها
ثمَّ أَتَاهَا حِين دنا وَقت وِلَادَتهَا وتكملت محَاسِن درة وِلَادَتهَا فَقَالَ عوذيه بِالْوَاحِدِ من شَرّ كل حَاسِد وَأمرت أَن تسميه مُحَمَّدًا وَفِي رِوَايَة أَحْمد يَا لَهُ سيف شرفه الْمَشْهُور لَا يغمد
(يَا بنت وهب أَبْشِرِي وتمتعي ... فَلَقَد حملت بِسَيِّد الْأَشْرَاف)
(ذَاك الَّذِي من شَاءَ يعرف قدره ... فَعَلَيهِ بالأنفال والأعراف)
وَفَاة وَالِده عبد الله بن عبد الْمطلب
خرج عبد الله فِي فتية من تجار قُرَيْش إِلَى الشَّام شائما وميض برقة المتألق فِيمَن شام فَلَمَّا فرغوا من قضى أوطارهم وَانْصَرفُوا رَاجِعين إِلَى دِيَارهمْ مروا بِأَكْنَافِ الْمَدِينَة بِمَا مَعَهم من البضائع الثمينة فَتخلف بهَا عِنْد أَخْوَاله من بني النجار واشتغل بِمَرَض نَفسه عَن المتجر والتجار
стр. 6
وَاسْتمرّ موثقًا بِقَيْد الوصب إِلَى أَن حَان أَجله واقترب فَدفن بدار النَّابِغَة وتقلصت طلاله السابغة ومني بعد خمس وَعشْرين بملازمة الضريح وَرَسُول الله ﷺ يَوْمئِذٍ حمل على الصَّحِيح
وَفِيه تَقول آمِنَة من أَبْيَات
(عَفا جَانب الْبَطْحَاء من نجل شيبَة ... وجاور لحدا خَارِجا فِي الغماغم)
(دَعَتْهُ المنايا دَعْوَة فأجابها ... وَمَا تركت فِي النَّاس مثل ابْن هَاشم)
مولد النَّبِي ﷺ عَام الْفِيل
ولد فِي أَيمن طالع وأسعده وَحل فِي أفضل وَقت مَحْمُود بأحمده وَأَقْبل وخيل الْخَيْر تقاد بَين يَدَيْهِ وَقدم قدوم الْغَيْث إِلَى الأَرْض المحتاجة إِلَيْهِ وَذَلِكَ يَوْم الْإِثْنَيْنِ حِين طلع الْفجْر وَمضى اللَّيْل عَازِمًا على الهجر لعشر خلون من ربيع الأول عَام الْفِيل أَهلا بِهِ من عَام بالنجاة زعيم وبالنجاح كَفِيل
стр. 7
وَلم يؤم أمه تَعب وَلَا نصب الدَّهْر لَهَا شرك نصب بل سعدت بِقُرْبِهِ واتصاله وبعدت عَن الْمَشَقَّة فِي حمله وفصاله وَرفعت بِمَا وضعت ولاحت عَلَيْهَا أنوار الْوَقار ولمعت
فَلَمَّا انْفَصل مِنْهَا وانتقل محروسا بِالْمَلَائِكَةِ عَنْهَا برز نظيفا مختونا مَسْرُورا قطع مِنْهُ السِّرّ من اتَّخذهُ محبوبا محبورا وَظهر لَهُ من السِّرّ مَا حير الصَّامِت والمعرب وَخرج مَعَه نور أَضَاء لَهُ مَا بَين الْمشرق وَالْمغْرب حَتَّى بَين أَعْنَاق الْإِبِل ببصرا وزين قُصُور الشَّام فَلم يدع مِنْهَا قصرا
وعَلى الأَرْض وَقع ﷺ رَافعا رَأسه إِلَى السَّمَاء مُعْتَمدًا على يَدَيْهِ ثمَّ أَخذ بكفه قَبْضَة من تُرَاب الأَرْض إِشَارَة إِلَى أَنه يملكهَا كلهَا فِي الطول وَالْعرض
ثمَّ أدَّت مَا حَملته من الْأَمَانَة آمِنَة وَكَانَت مِمَّا تَشْكُو الْحَوَامِل آمِنَة وَقيل لما اشْتَدَّ بهَا طلق النّفاس وَكَانَت فريدة بسطت أكف شكواها إِلَى ذِي
стр. 8
الأيادي الحميدة فَإِن هِيَ بمريم ابْنة عمرَان وآسية بنت مُزَاحم ومعهن جمَاعَة من الْحور الحسان الأعاظم فَحِينَئِذٍ أَسْفر فِي بَيتهَا صبح السَّعَادَة وَذهب عَنْهَا الْحزن وأبدت لَهَا السِّيَادَة
وَكَانَت قابلته الشِّفَاء بنت عَمْرو بن عَوْف وحاضنته أم أَيمن الَّتِي أمنت بِهِ عَظِيم الشدائد وَالْخَوْف فَمَا أكْرم أَيَّام مولده الشريف عِنْد من عرف قدرهَا وَمَا أعظم بركتها عِنْد من عرف سرها ونشرها وحقيق بِيَوْم كَانَ فِيهِ وجود النَّبِي أَن يتَّخذ عيدا وخليق بِوَقْت اسْتَقَرَّتْ فِيهِ غرته أَن يعْقد طالعا سعيدا إِذْ قد انبسق فِيهِ عَن جَوْهَرَة الْكَوْن بيض الشّرف وَفِيه ظَهرت الدرة المصونة من بَاطِن الصدف وأبرز سَابق السعد من كمون الْعَدَم وبمكة المشرفة أنْجز صَادِق الْوَعْد بمضمون الْكَرم
وَقد خصت لَيْلَة ظُهُوره وَيَوْم سطوع ضوء نوره بخصائص لَا تتناهى ومزايا لَا تضاهى وَلَا تباهى إِذْ هُوَ سيد ولد آدم ومعولهم وَخَاتم النَّبِيين وأولهم فصلى الله عَلَيْهِ وعَلى آله الطيبين وَسلم تَسْلِيمًا وعَلى الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ
(بَدَت لنا فِي ربيع طلعة الْقَمَر ... من وَجه من فاق كل البدو والحضر)
(تجمع الْحسن فِيهِ فَهُوَ واحده ... وَكَانَ فِي صُورَة فاقت على الصُّور)
(إِن لم أزر قَبره يَا سعد فِي عمري ... من بعد هَذَا الجفا يَا ضَيْعَة الْعُمر)
стр. 9
(صلى عَلَيْهِ إِلَه الْعَرْش مَا صدحت ... حمائم الْوَرق فِي الآصال وَالْبكْر)
وَمِمَّا مدح بِهِ شهر مولده الشريف
(لهَذَا الشَّهْر فِي الْإِسْلَام فضل ... ومنقبة يفوق على الشُّهُور)
(فمولود بِهِ وَاسم وَمعنى ... وآيات بهرن لَدَى الظُّهُور)
(ربيع فِي ربيع فِي ربيع ... وَنور فَوق نور فَوق نور) وَمن كَلَام سيدنَا الْعَبَّاس عَم رَسُول الله ﷺ
(وَأَنت لما ولدت أشرقت ... الأَرْض وضاءت بنورك الْأُفق)
(فَنحْن فِي ذَلِك الضياء وَفِي ... النُّور وسبل الرشاد نخترق)
стр. 10
الْآيَات الَّتِي ظَهرت بمولده ﷺ
لما ولد الرَّسُول الْمُصْطَفى وقرت بِهِ عُيُون أهل الوفا والصفا وَظهر إِلَى الْوُجُود رَحْمَة إِلَى جَمِيع النَّاس وكسي من أَجله الْوُجُود أَفْخَر لِبَاس وَفتحت أَبْوَاب الْجنان وتزخرفت لقدومه استبشارا وخمدت النيرَان وأغلق مِنْهَا الْأَبْوَاب منَّة وإشعارا وَانْشَقَّ عِنْد ذَاك إيوَان كسْرَى لهيبته حَتَّى سمع الْقَوْم صَوت انصداعه ورجته وَسَقَطت مِنْهُ أَربع عشرَة شرفة كَمَا رَوَاهُ الْقَوْم وَأخْبر من رَآهُ أَن الشق طولا فِي سقفه وَهُوَ بَاقٍ إِلَى الْيَوْم وخمدت نَار فَارس الَّتِي كَانُوا يعبدونها وَلم تخمد قبل ذَلِك بِأَلف عَام بل كَانُوا يوقرونها فَلَمَّا خمدت يَوْم المولد الشريف لم يقدر على إيقادها القوى مِنْهُم وَلَا الضَّعِيف وغاضت بحيرة ساوة بعد أَن كَانَت السفن فِيهَا تركب فأضحت لَيْلَة المولد الشريف وأرضها يابسة وَمِنْهَا يتعجب
وحرست السَّمَاء بِالشُّهُبِ وَمنع مِنْهَا كل شَيْطَان وتكسرت تَعْظِيمًا لَهُ الْأَصْنَام والصلبان
стр. 11
وانفلقت عَنهُ البرمة الَّتِي وضعت عَلَيْهِ فرْقَتَيْن وشق بَصَره ينظر إِلَى السَّمَاء رَأْي الْعين
قَالَت أمه لما وَلدته خرج من فَرجي نور أَضَاء لَهُ قُصُور الشَّام فسبحان من حباه الْهِدَايَة والعناية وَالْبر وَالْإِكْرَام وَقَالَ فِي حَقه إِظْهَارًا لعلو فَضله وتذكيرا ﴿يَا أَيهَا النَّبِي إِنَّا أَرْسَلْنَاك شَاهدا وَمُبشرا وَنَذِيرا وداعيا إِلَى الله بِإِذْنِهِ وسراجا منيرا وَبشر الْمُؤمنِينَ بِأَن لَهُم من الله فضلا كَبِيرا﴾
(وَلكم رَأينَا آيَة مَشْهُورَة ... نَص الْكتاب بهَا غَدا مَشْهُورا)
(خمدت لَهُ نَار الْمَجُوس ونكست ... أصنامهم ودعوا هُنَاكَ ثبورا)
(وأتى بشيرا بالهداية والتقى ... فلكم سيدعو هاديا وبشيرا)
стр. 12
وَمن أحسن مَا نظم
(ومولده قد كَانَ فِيهِ عجائب ... ونكست الْأَصْنَام حَقًا بِلَا مرا)
(وإيوان كسْرَى قد تصدع هَيْبَة ... لطه رَسُول الله أفضل من قرا)
(وأخمدت النيرَان فِي أَرض فَارس ... وبشرت الرهبان قولا تسطرا)
(وأصبحت الأكوان تزهوا تفاخرا ... بوجدان من بِالْفَضْلِ قد زَان الورى)
(فصلى عَلَيْهِ الله رَبِّي مُسلما
( ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... .)
رضاعه ﷺ
لما برز إِلَى الْوُجُود ذَلِك الحبيب المحبوب وَشرح الله بِهِ الصُّدُور وَأنزل حبه فِي الْقُلُوب أَرْضَعَتْه أمه سَبْعَة أَيَّام ثمَّ أَرْضَعَتْه بعد ذَلِك ثويبة لَا على الدَّوَام بل أَتَت حليمة السعدية فتولت رضاعه فَكَانَ لَهَا خير
стр. 13
تِجَارَة وصناعة قَالَت لما وَضعته فِي حجري أقبل عَلَيْهِ ثدياي بِمَا شَاءَ من اللَّبن فَشرب حَتَّى روى مَحْفُوظًا بالعناية محفوفا بالمنن وَشرب أَخُوهُ عبد الله تَعْنِي ابْنهَا ثمَّ نَام وَمَا كَانَ فِي ثديها مَا يغذيه قبل أَن ترْضع خير الْأَنَام وَدرت شياهها بِاللَّبنِ بعد أَن كَانَت لَا تروى ناهلا وأسرعت أتانها فِي السّير بعد الضير وَكَانَت ثاقلا
وَأسْلمت حليمة على الْمَشْهُور وعدت من الصحابيات وحفتها الْعِنَايَة معْجزَة لسَيِّد السادات وَخير البريات
(فازت حليمة من رضَاع مُحَمَّد ... خير الورى طرا بأعظم مقصد)
(نَالَتْ من البركات حِين مَضَت بِهِ ... والسعد قارنها بطلعة أَحْمد)
(قد در مِنْهَا الثدي حِين رضاعه ... أمنت بِهِ من كل جهد مجهد)
(وأتانها للركب قد سبقت بهَا ... فَرحا وتيها بالرسول الأمجد)
(أغنامها صَارَت شباعا كلما ... سرحت تجود لَهَا بدر مُزْبِد)
(وَرَأَتْ من الْخيرَات وَهِي تحفها ... وَالنَّاس فِي مَحل وعيش أنكد)
стр. 14
(نَالَتْ بِهِ كل المسرة والهنا ... فَهُوَ الَّذِي قد سَاد كل مسود) ﷺ ذكر شقّ صَدره الشريف
لما بلغ سنه ﷺ ثَلَاث سِنِين وَقيل أَرْبعا حسب مَا قيل عَمَّن فِي رِوَايَته سعى شقّ صَدره الشريف وَهُوَ فِي دَار بني سعد عِنْد حليمة وحف بالمكارم وملىء بالأخلاق الْعَظِيمَة
ثمَّ لما بلغ من الْعُمر عشرَة أَعْوَام ومنحه الله الْهِدَايَة وَالْبر والإنعام شقّ صَدره الشريف مرّة ثَانِيَة وَغسل وملىء إِيمَانًا وَحِكْمَة زاكية
ثمَّ لما بَعثه الله رَحْمَة للْعَالمين شقّ صَدره وملىء من الْحِكْمَة وَالْيَقِين
وشق رَابِعا فِي لَيْلَة الْإِسْرَاء والمعراج كَمَا سطر وَحصر عِنْد طوائف الْعلمَاء وحرر
وَكَانَ عِنْد شقّ صَدره الشريف يزْدَاد شرفا وَيُعْطِي من الرشاد عزة وتحفا
(وشق صدر الْمُصْطَفى وَهُوَ فِي ... دَار بني سعد بِلَا مرية)
стр. 15
(كشقه وَهُوَ ابْن عشر وَفِي ... معراجه وَقبل فِي الْبعْثَة)
وَفَاة أمه آمِنَة وكفالة جده عبد الْمطلب لَهُ
لما بلغ عمره ﷺ سِتّ سِنِين وقرت بِهِ أعين أَهله الفائزين خرجت بِهِ أمه إِلَى الْمَدِينَة لزيارة أخوال أَبِيه بني النجار ومعهما أم أَيمن حاضنة الرَّسُول الْمُخْتَار فأقاموا شهرا ثمَّ خَرجُوا رَاجِعين إِلَى الْحرم فَلَمَّا كَانُوا بالأبواء مَاتَت أم سيد الْأُمَم فَدخلت بِهِ أم أَيمن إِلَى مَكَّة وضمه جده إِلَيْهِ وَكَانَ يعلى مَنْزِلَته ويرق عَلَيْهِ وَيَقُول إِن لوَلَدي هَذَا شَأْنًا وَقد كَانَ مَا قَالَ وَفَوق مَا تمنى وَلم يزل يكفله إِلَى أَن بلغ ثَمَان سِنِين وَقيل تسعا وَقيل عشرا وَقيل غير ذَلِك كَمَا أثْبته من لَهُ ادّعى وَمَات جده عِنْد ذَلِك وَذهب إِلَى مَوْلَاهُ بعد أَن أوصى أَبَا طَالب بِحِفْظ رَسُول الله
(أصُول الْمُصْطَفى أَصْحَاب مجد ... لَهُم شرف يخص لَدَى الثِّقَات)
(فَمَا مِنْهُم فَتى إِلَّا ويرجى ... لفك شَدَائِد أَو معضلات)
(طَوِيل الباع شيبَة ذَا الْمَعَالِي ... كريم الخيم مَحْمُود الهبات)
стр. 16
(وصُولا لِلْقَرَابَةِ هبرزيا ... وغيثا فِي السنين الممحلات)
(عقيل بني كنَانَة والمرجى ... إِذا مَا الدَّهْر أقبل بالهبات)
ضم أبي طَالب للنَّبِي ﷺ سنة ثَمَان من الْفِيل
فَلَمَّا توفّي عبد الْمطلب ضمه عَمه أَبُو طَالب فظفر مِنْهُ بأفخر الْكُنُوز وأسنى المطالب وَكَانَ يُحِبهُ حبا شَدِيدا ويلقى عَلَيْهِ من الْكَرَامَة ظلا مديدا وَيجمع بِهِ شَمله وَيعرف بركته وفضله ويقدمه على أَوْلَاده وينشرح بمضيه إِلَيْهِ وترداده
وَخرج بِهِ إِلَى الشَّام فِي أَشْيَاخ من قُرَيْش فَذهب عَنْهُم بِصُحْبَتِهِ النصب وطاب لَهُم الْعَيْش ومروا فِي سيرهم بِالرَّاهِبِ الْمُسَمّى بحيرا فَنزل إِلَيْهِم مفارقا لعادته وصنع لَهُم طَعَاما كثيرا وَأخذ بيد سيد الراحلين والقادمين وَقَالَ هَذَا يَبْعَثهُ الله رَحْمَة للْعَالمين وَأخْبرهمْ برفعة نجومه وَسُجُود الْحجر وَالشَّجر عِنْد قدومه وَأَن الغمامة أظلته دون من قبله من الْقَوْم وَبعده وَمَا رَآهُ من صفته الَّتِي كَانَ يجدهَا مَكْتُوبَة عِنْده
وَكَانَ ﷺ إِذْ ذَاك ابْن اثنتى عشرَة سنة وشب مَعَ أبي طَالب يكلأه ويحفظه من لَا يَأْخُذهُ نوم وَلَا سنة لما يُرِيد من كرامته ويختار من نبوته وإمامته حَتَّى كَانَ أفضل قومه مُرُوءَة وجوارا وَأَحْسَنهمْ خلقا وأرفعهم
стр. 17
منارا وأجزلهم عفة وصيانة وأعظمهم حلما وَأَمَانَة لَا يُمَارِي وَلَا يداجي وَلَا يَمِين حَتَّى سمي لما جمع فِيهِ من الْأُمُور الصَّالِحَة بالأمين
(نَبِي بحيرا هام فِي در بحره ... وَفِي الْوَصْف من آيَاته حارت الْفِكر)
(نَبِي أظلته الغمامة إِذْ مَشى ... وَعَن أمره جَاءَت إِلَى نَحوه الشّجر)
(وخاطبه ظَبْي الفلاة وضبها ... ووافى إِلَى الظامي بدعوته الْمَطَر)
(عَلَيْهِ سَلام الله مَا هبت الصِّبَا ... وَمَا غرد الْقمرِي واتسق الْقَمَر)
أعمام النَّبِي ﷺ وعماته (أعمام النَّبِي ﷺ
أَبُو الْفضل الْعَبَّاس الْمَخْصُوص بأنواع من الشّرف وأجناس وَالِد الْخُلَفَاء الْكِرَام الطَّائِف العاكف بِالْبَيْتِ بَيت الله الْحَرَام
وَحَمْزَة أَسد الله وَرَسُوله والناصب للْمُشْرِكين شرك رماحه ونصوله عَاشَ سعيدا وَمَات يَوْم أحد شَهِيدا
والْحَارث أكبر وَلَده وَأول مَعْدُود من أسلحته وعدده حضر حفر
стр. 18
زَمْزَم وَكَانَ بِهِ يتَمَسَّك وَله يلْزم
وَأَبُو طَالب عبد منَاف مَعْدن الْجُود وَمَعْقِل الأضياف وَالِد أَمِير الْمُؤمنِينَ عَليّ وناصر الْمفضل على كل نَبِي وكل ولي
وَأَبُو طَاهِر الزبير الْمَوْصُوف بِدفع الضيم والضير
وحجل الْمُسَمّى بالمغيرة صَاحب الْمَغَانِم الجزيلة والمكارم الغزيرة
وَأَبُو هِنْد الْمُقَوّم الَّذِي مَا نَام عَن حفظ الذمام وَلَا هوم
وَأَبُو نَافِع ضرار الْقَائِل إِذا حمي الْوَطِيس لَا فرار
وَمصْعَب الْمُسَمّى بالغيداق والشهير بِكَثْرَة الْخَيْر وَحسن الْأَخْلَاق
وَعبد الْكَعْبَة كاشف غمام الغموم الصعبة
وَقثم هلك صَغِيرا وَترك عَيْش أَبِيه بعد حلوه مريرا
وَأَبُو لَهب عبد الْعُزَّى الَّذِي كَانَت حمية الْجَاهِلِيَّة تؤزه أزا
عمات النَّبِي ﷺ
صَفِيَّة الوفية المؤمنة المهاجرة الزكية
والبيضاء أم حَكِيم توءمة وَالِد النَّبِي الْكَرِيم
وعاتكة مالكة الصون وَالْقدر وصاحبة الرُّؤْيَا الصادقة فِي وقْعَة بدر
стр. 19
وَأُمَيْمَة أم زَيْنَب الطاهرة زَوْجَة الْمَبْعُوث بِالْآيَاتِ الباهرة
وأروى أم طليب الَّتِي لَا نقص فِي محتدها وَلَا عيب
وبرة أم أبي سَلمَة الَّتِي رفع الْمجد لكل من وَلَدهَا علمه
فَلَقَد أحسن مطرود بن كَعْب الْخُزَاعِيّ حَيْثُ يَقُول من أَبْيَات
(يَا أَيهَا الرجل المحول رَحْله ... هلا سَأَلت عَن آل عبد منَاف)
(المنعمين إِذا النُّجُوم تَغَيَّرت ... والظاعنين لرحلة الإيلاف)
(والمطعمين إِذا الرِّيَاح تناوحت ... حَتَّى تغيب الشَّمْس فِي الرجاف)
стр. 20
حَرْب الْفجار فِي شَوَّال سنة عشْرين من الْفِيل
حضر النَّبِي ﷺ صُحْبَة أَعْمَامه حَرْب الْفجار متدرعا لأمه الشّرف مُتَقَلِّدًا سيف الفخار فَجعل ينبل عَلَيْهِم وَيرد مَا يَقع من سِهَام عدوهم إِلَيْهِم وَكَانَ الَّذِي أوقد النَّار وهيج الضرام قتل البراض بن قيس عُرْوَة الرّحال فِي الشَّهْر الْحَرَام فثارت أعصار الْفِتْنَة وطارت غربان المحنة وتأهب قُرَيْش وَقيس عَاما لهَذِهِ الْحَرْب ثمَّ التقى الْفَرِيقَانِ لَا يفرقون من الطعْن وَالضَّرْب فَقتل مِنْهُم خلق كثير وَكَانَت الكرة على قيس فِي الْأَخير ثمَّ سكنوا وللسلم جنحوا وَاتَّفَقُوا على دِيَة الْقَتْلَى واصطلحوا
وَفِي قتل عُرْوَة يَقُول لبيد بن ربيعَة من أَبْيَات
(وَبلغ إِن عرضت بني ثمير ... وأخوال الْقَتِيل بني هِلَال)
стр. 21
(بِأَن الْوَافِد الرّحال أَمْسَى ... مُقيما عِنْد ثيمن ذِي طلال)
حلف الفضول فِي ذِي الْقعدَة من السّنة الْمَذْكُورَة
ثمَّ حضر ﷺ حلف الفضول وَهُوَ أَمر وَجهه فِي الظَّاهِر مَقْبُول دَعَا إِلَيْهِ الزبير بن عبد الْمطلب ونقم على من يتَخَلَّف عَنهُ من قُرَيْش ويحتجب
فَاجْتمعُوا فِي دَار عبد الله بن جدعَان وأكلوا عِنْده مأدبة خير مطعام ومظعان
ثمَّ تحالفوا وتعاقدوا وَبِاللَّهِ الْخَالِق تَعَاهَدُوا على أَن يَكُونُوا مَعَ الْمَظْلُوم حَتَّى يُؤَدِّي حَقه إِلَيْهِ فَسَمتْهُ قُرَيْش حلف الفضول وَهُوَ مسمي وَقع الإسم عَلَيْهِ
(قل لقريش إِن وَردت حيهم ... يَا أمة سادوا بِخَير الرُّسُل)
стр. 22
(حلف الفضول مِنْكُم قد اغتدى ... بِسَيِّد الكونين حلف الْفضل)
خُرُوج النَّبِي ﷺ إِلَى الشَّام سنة خَمْسَة وَعشْرين من الْفِيل
فَلَمَّا بلغ ﵇ عشْرين وَخَمْسَة أَعْوَام ودارت الْأَقْوَال فِيهِ بَين الأقوام قصد الشَّام بِإِشَارَة عَمه أبي طَالب ورحل فِي تِجَارَة لِخَدِيجَة الطاهرة من المثالب وَخرج مَعَه غلامها ميسرَة وسافر وأوجه الْحَظ لتلقيه مسفرة حَتَّى قدم إِلَى بصرى مَحْفُوظًا بِعَين الْعِنَايَة فِي الْإِقَامَة والمسرى فَنزل فِي ظلّ شَجَرَة هُنَاكَ لَا ينزل تحتهَا إِلَّا من نبأه سامك السماك أخبر بذلك الراهب نسطور حسب مَا هُوَ عِنْده فِي الْكتاب مسطور
وَكَانَ ميسرَة يسر بِمَا يرى من بركته الوافرة ويشاهد ملكَيْنِ يظلانه من الْحر وَقت الهاجرة ثمَّ بَاعَ التِّجَارَة فائزا بِالرِّبْحِ الزَّائِد وَعَاد ولسان الْحَال يَقُول مرْحَبًا بالصلة والعائد
(أما الشآم فَإِن غيث المزن من ... بركاته عَن أرضه لَا يرحل)
стр. 23
(وَالْخَيْر منثال عَلَيْهِ وَكَيف لَا ... وَإِلَيْهِ قد وافى النَّبِي الْمُرْسل)
بِنَاء الْكَعْبَة سنة خَمْسَة وَثَلَاثِينَ من الْفِيل
كَانَ السَّيْل يدْخل الْبَيْت فانصدع فخافوا عَلَيْهِ أَن يتهدم وَيَقَع وَأَقْبَلت فِي الْبَحْر سفينة نفر من الرّوم وَكَانَ رَأْسهمْ بِنَاء يُقَال لَهُ باقوم فدفعتها الرّيح إِلَى الشعيبة فتكسرت فَعلمت قُرَيْش إِذْ ذَاك أَن أُمُور الْبناء تيسرت فابتاعوا من خشبها مَا ارْتَفع ونفع وكلموا الرُّومِي فِي رُجُوعه مَعَهم للْبِنَاء فَرجع فَجمعُوا الْآلَات بالجرم المطهر لِذَوي الزِّيَارَة وَكَانَ النَّبِي ﷺ ينْقل مَعَهم الْحِجَارَة فَلَمَّا فرغوا أَجمعُوا على هدمها فهدموا وحكموا فِي هَذِه الْقَضِيَّة بِمَا ألهموا لَا بِمَا علمُوا
ثمَّ أخذُوا فِي الْعَمَل مبادرين إِلَيْهِ وميزوا الْبَيْت واقترعوا عَلَيْهِ فَوَقع لكل قَبيلَة جِدَار من أَرْبَعَة واجتهدوا فِي بِنَاء بَيت مَا أشرفه وأرفعه فَلَمَّا انْتَهوا إِلَى حَيْثُ يوضع الْحجر طلبت كل قَبيلَة الْفَوْز بِوَضْعِهِ وَالظفر
وَوَقع بَينهم الْخلاف ثمَّ رَضوا بِحكم صَاحب الْعدْل والإنصاف فَحَضَرَ ﷺ وَحكم بَينهم بِمَا جنح كل مِنْهُم إِلَيْهِ وَسلم حملوه بأطراف رِدَاء أَلْقَاهُ
стр. 24
عَلَيْهِ ثمَّ رَفعه مِنْهُ وَوَضعه فِي مَكَانَهُ بيدَيْهِ وشيدوه ورصفوه وَأَقَامُوا عمده وبالخشب سقفوه وَجعلُوا الْحجر من وَرَاء الْجِدَار وأبقوه رفيع الذّكر جليل الْقدر عَليّ الْمنَار
(وَفِي ذَلِك يَقُول الزبير بن عبد الْمطلب من أَبْيَات
(فقمنا حاشدين إِلَى بِنَاء ... لنا مِنْهُ الْقَوَاعِد وَالتُّرَاب)
(أعز بِهِ المليك بني لؤَي ... فَلَيْسَ لأصله مِنْهُم ذهَاب)
(وَقد حشدت هُنَاكَ بَنو عدي ... وَمرَّة قد تقدمها كلاب)
(فبوأنا المليك بِذَاكَ عزا ... وَعند الله يلْتَمس الثَّوَاب)
الْإِنْذَار برَسُول الله ﷺ
أنذر بِهِ ﷺ جمَاعَة من الْكُهَّان وبشرت بظهوره الْأَحْبَار والرهبان واعترف بنبوته العارفون من أهل التَّوْرَاة وَالْإِنْجِيل وَقَامَت الْأَدِلَّة على رسَالَته وَالنَّهَار غير مُحْتَاج إِلَى دَلِيل
стр. 25
فَمن قَول الْحَارِث الرائش
(وَيَأْتِي بعدهمْ رجل عَظِيم ... نَبِي لَا يرخص فِي الْحَرَام)
(يُسمى أحمدا ياليت إِنِّي ... أعمر بعد مبعثه بعام)
وَمن قَول تبع
(شهِدت على أَحْمد أَنه ... نَبِي من الله باري النسم)
(فَلَو مد عمري إِلَى عمره ... لَكُنْت وزيرا لَهُ وَابْن عَم)
(وجاهدت بِالسَّيْفِ أعداءه ... وفرجت عَن صَدره كل غم) وَمن قَول خطر بن مَالك الكاهن
(أَقْسَمت بِالْكَعْبَةِ والأركان ... )
(والبلد المؤتمن السدان ... )
(قد منع السّمع عتاة الجان ... )
(بثاقب من كف ذِي سُلْطَان ... )
стр. 26
(من أجل مَبْعُوث عَظِيم الشان ... )
(يبْعَث بالتنزيل وَالْقُرْآن ... ) وَمن قَوْله
(أرى لقومي مَا أرى لنَفْسي ... )
(أَن يتبعوا خير نَبِي الْإِنْس ... )
(برهانه مثل شُعَاع الشَّمْس ... )
(يبْعَث من مَكَّة دَار الحمس ... )
(بمحكم التَّنْزِيل غير اللّبْس ... ) وَمن قَول سطيح الكاهن لعبد الْمَسِيح
رَسُول كسْرَى عبد الْمَسِيح على جمل مشيح جَاءَ إِلَى سطيح حِين أوفى على الضريح بَعثك ملك ساسان لارتجاس الإيوان وخمود النيرَان ورؤيا الموبذان إِذا كثرت التِّلَاوَة وَظهر صَاحب الهراوة وَغَارَتْ بحيرة ساوة وفاض مَاء السماوة فَلَيْسَتْ الشَّام لسطيح شاما
стр. 27
وَمن قَول سَواد بن قَارب الكاهن
(عجبت للجن وتطلابها ... وشدها العيس بأقتابها)
(تهوي إِلَى مَكَّة تبغي الْهدى ... مَا صَادِق الْجِنّ ككذابها)
(فارحل إِلَى الصفوة من هَاشم ... لَيْسَ قداماها كأذنابها) وَمن قَول ورقة بن نَوْفَل الحبر
(وظني بِهِ أَن سَوف يبْعَث صَادِقا ... كَمَا أرسل العبدان هود وَصَالح)
(ومُوسَى وَإِبْرَاهِيم حَتَّى يرى لَهُ ... بهاء ومنشور من الذّكر وَاضح) وَمِمَّا سمع من جَوف صنم يُقَال لَهُ ضمار
(قل للقبائل من قُرَيْش كلهَا ... أودى ضمار وفاز أهل الْمَسْجِد)
стр. 28
(إِن الَّذِي ورث النُّبُوَّة وَالْهدى ... بعد ابْن مَرْيَم من قُرَيْش مهتدي)
(أودى ضمار وَكَانَ يعبد مرّة ... قبل الْكتاب إِلَى النَّبِي مُحَمَّد)
مبعث النَّبِي ﷺ سنة أَرْبَعِينَ من الْفِيل
بَعثه الله لأربعين سنة من عمره وزين آفَاق النُّبُوَّة بضوء قمره وأتحفه بالكرامة وَألقى عَلَيْهِ مقاليد الزعامة
وبدىء من الْوَحْي بالرؤيا الصادقة وغدت نَفسه إِلَى الْخلْوَة فِي حراء وامقة فَكَانَ يُقيم فِي غاره اللَّيَالِي ذَات الْعدَد وَلم يزل حَتَّى فَجْأَة الْحق من الْفَرد الصَّمد
ثمَّ ظهر لَهُ جِبْرِيل وبشره بالرسالة وأفاض عَلَيْهِ من قبل الله ملابس الْجَلالَة وتلطف بِهِ ليفرق بَينه وَبَين الْفرق وَأخرج لَهُ كتابا فِي نمط وَقَالَ لَهُ ﴿اقْرَأ باسم رَبك الَّذِي خلق﴾ ثمَّ ضرب بِرجلِهِ الأَرْض فتفجرت بِالْعينِ فَعلمه الْوضُوء وَأمره أَن يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ ثمَّ انْصَرف وَمضى وَتَركه مُقيما فِي روض الرضى وَذَلِكَ يَوْم الْإِثْنَيْنِ لسبع عشرَة خلت من رَمَضَان وَملك الْفرس يَوْمئِذٍ أبرويز بن هُرْمُز بن كسْرَى أنو شرْوَان
стр. 29
وَلما بدىء بِالنُّبُوَّةِ وَنزل جِبْرِيل إِلَيْهِ كَانَ لَا يمر بِحجر وَلَا شجر إِلَّا سلم عَلَيْهِ
وَأقَام يَدْعُو إِلَى الله سرا ثَلَاث سِنِين إِلَى أَن أنزل عَلَيْهِ ﴿وأنذر عشيرتك الْأَقْرَبين﴾ فأظهر الدعْوَة وَثَبت أَرْكَان الهمة وَبلغ الرسَالَة وَأدّى الْأَمَانَة ونصح الْأمة
(بعث المقفى من قُرَيْش رَحْمَة ... للْعَالمين وملجأ للنَّاس)
(وافاه جِبْرِيل وَأَقْبل نَحوه ... بِبِشَارَة الْإِكْرَام والإيناس)
(وَعَلِيهِ أسبل خلعة نبوية ... يمحو سناها ظلمَة الأغلاس)
(أكْرم بِهِ من مُرْسل آيَاته ... مَشْهُودَة يَوْم الندى والباس)
ذكر الثَّمَانِية السَّابِقين إِلَى الْإِيمَان
أول ذكر آمن بِاللَّه وَرَسُوله عَليّ بن أبي طَالب وَهَذِه منقبة لَا نَظِير لوجهها النَّضِير فِي المناقب أسلم وَهُوَ ابْن عشر سِنِين وَاتبع من لم يزل بِهِ
стр. 30
أَي ضنين
وَكَانَ يطلع على أسراره فيكتمها ويخفيها ويلازمه حَتَّى فِي شعاب مَكَّة لإِقَامَة الصَّلَاة فِيهَا
ثمَّ أسلم زيد بن حَارِثَة وآمن بِصَاحِب الْأَركان الثَّابِتَة وَالْقَوَاعِد الماكثة وَاخْتَارَهُ على أَبِيه وَأقَام فِي خدمته وَهُوَ الَّذِي لَا يُنكر علو مَنْزِلَته وَلَا فضل قَدمته
ثمَّ أسلم أَبُو بكر الصّديق الَّذِي لَا يعرف معروفه إِلَّا أهل التَّحْقِيق كَانَ رجلا حسن الْأَخْلَاق سهل الإرفاد والإرفاق يمِيل قومه إِلَيْهِ ويلوذون بِهِ ويعكفون عَلَيْهِ فَلَمَّا أسلم أظهر دينه ودعا إِلَى الْإِسْلَام فَأجَاب دَعَاهُ عُثْمَان بن عَفَّان وَالزُّبَيْر بن الْعَوام وَعبد الرَّحْمَن بن عَوْف وَسعد بن أبي وَقاص وَطَلْحَة بن عبيد الله الْمَشْهُور كل مِنْهُم بِالْوَلَاءِ وَالْإِخْلَاص
فجَاء بهم إِلَى رَسُول الله ﷺ فتلفظوا بِالْإِسْلَامِ بَين يَدَيْهِ وَصَدقُوا بِمَا أَتَى بِهِ وصلوا مَعَه صلوَات الله وَسَلَامه عَلَيْهِ
يَا لَهُم ثَمَانِيَة غمرهم الله تَعَالَى بسحائب الْإِحْسَان ونوه بذكرهم فِي قَوْله ﴿رَبنَا اغْفِر لنا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذين سبقُونَا بِالْإِيمَان﴾
(السَّابِقُونَ الْأَولونَ فتية ... عدتهمْ كَمَا أَتَى ثَمَانِيَة)
стр. 31
(منزلهم فِي جنَّة عالية ... قطوفها تهوي إِلَيْهِم دانيه)
إِظْهَار الدعْوَة سنة أَربع من النُّبُوَّة
أَقَامَ النَّبِي ﷺ بِمَكَّة مستخفيا ثَلَاثَة أَعْوَام ثمَّ أعلن فِي الرَّابِعَة دَاعيا إِلَى الْإِسْلَام يعْتَرض الْقَبَائِل الواردين إِلَى الْحجاز ويوافي المواسم بعكاظ ومجنة وَذي الْمجَاز يبلغ النَّاس رسالات ربه ويحثهم على اسْتِمَاع قَوْله ونصرة حزبه ويدعوهم إِلَى الْإِيمَان ويعدهم بالفوز والرضوان وَيطْلب أَن يصدقوه ويتبعوه ويعضدوه حَتَّى يبين عَن الله ويمنعوه فَلَا يجد ناصرا وَلَا معينا وَلَا يرى إِلَّا بَخِيلًا بِمَا يَطْلُبهُ مِنْهُ ضنينا
وَكَانَت قُرَيْش تَأمر النَّاس بِعَدَمِ طَاعَته وتحذرهم من الإصغاء إِلَيْهِ وَإِلَى جماعته
أَقَامَ فيهم على التَّبْلِيغ والإنذار عشر سِنِين مستعينا بِمن أنزل سكينته عَلَيْهِ وعَلى الْمُؤمنِينَ
(أَقَامَ رَسُول الله ينذر قومه ... سِنِين ويدعوهم إِلَى الْفَوْز وَالظفر)
(فَلم يستجب لله إِلَّا صبَابَة ... وَفِي الْبَغي والطغيان زَاد الَّذِي كفر)
стр. 32
(فَلَمَّا أَرَادَ الله إِظْهَار دينه ... على رغم أنف الْمُشْركين بِهِ ظهر)
أَمر قُرَيْش مَعَ أبي طَالب
لما خَاطب النَّبِي ﷺ قومه بِالْإِسْلَامِ وصدع بِمَا أَمر بِهِ من قبل الْملك العلام لم يردوا عَلَيْهِ وَلم يبعدوا مِمَّا جنح إِلَيْهِ فَلَمَّا عَابَ أصنامهم وسفه آراءهم وأحلامهم عادوه وَأَجْمعُوا خِلَافه وناكروه وأضمروا إِتْلَافه فذب عَنهُ عَمه أَبُو طَالب وَمنعه من شَرّ المستخفي مِنْهُم والسارب
فَمشى إِلَيْهِ جمَاعَة من أَشْرَافهم وذكروه بِمَا أَصَابَهُم من سبّ آلِهَتهم وتضليل أسلافهم وكلموه فِي كف ابْن أَخِيه عَنْهُم فردهم بِالَّتِي هِيَ أحسن خيفة مِنْهُم
ثمَّ إِنَّهُم تضاعفوا بعد ذَلِك وأوقعهم الشّرك فِي شرك المهالك فَمَشَوْا إِلَيْهِ مرّة أُخْرَى وَقَالُوا لَا نستطيع على هَذَا صبرا وأغلظوا لَهُ فِي الْمقَال وخيروه بَين الرُّجُوع عَن ابْن أَخِيه والنزال فأظهر لَهُم نجدة وجلدا وَقَالَ وَالله لَا أسلمه لشَيْء أبدا
فحمى وطيس الضراوة وحقب الْأَمر واشتدت الْعَدَاوَة ووثبوا على ضعفاء الْمُسلمين يؤذونهم ويفتنونهم عَن دينهم ويعذبونهم
فَقَامَ أَبُو طَالب فِي بني هَاشم ودعاهم إِلَى نصر الْمَظْلُوم وَكسر الظَّالِم فَأَجَابُوهُ يَسِيرُونَ إِلَى مَا دعاهم إِلَيْهِ سيرا ﴿ورد الله الَّذين كفرُوا بغيظهم لم ينالوا خيرا﴾
стр. 33
وَفِي ذَلِك يَقُول أَبُو طَالب من أَبْيَات
(إِذا اجْتمعت يَوْمًا قُرَيْش لمفخر ... فعبد منَاف سرها وصميمها)
(وَإِن حصلت أَنْسَاب عبد منافها ... فَفِي هَاشم أَشْرَافهَا وقديمها)
(وَإِن فخرت يَوْمًا فَإِن مُحَمَّدًا ... هُوَ الْمُصْطَفى من سرها وكريمها)
(تداعت قُرَيْش غثها وسمينها ... علينا فَلم تظفر وطاشت حلومها) وَفِيه يَقُول من كلمة طَوِيلَة
(كَذبْتُمْ وَبَيت الله يبزي مُحَمَّد ... وَلما نطاعن دونه ونناضل)
(ونسلمه حَتَّى نصرع حوله ... ونذهل عَن أَبْنَائِنَا والحلائل)
(وَمَا ترك قوم لَا أَبَا لَك سيدا ... أَخا ثِقَة حامي الْحَقِيقَة باسل)
стр. 34
(وأبيض يستسقى الْغَمَام بِوَجْهِهِ ... ثمال الْيَتَامَى عصمَة للأرامل)
(لعمري لقد كلفت وجدا بِأَحْمَد ... وَإِخْوَته دأب الْمُحب المواصل)
(فَمن مثله فِي النَّاس أَي مُؤَمل ... إِذا قاسه الْحُكَّام عِنْد التَّفَاضُل)
(حَكِيم رشيد عَادل غير طائش ... يوالي إِلَهًا لَيْسَ عَنهُ بغافل)
قصَّة حَمْزَة بن عبد الْمطلب
لما بلغ حَمْزَة أَن أَبَا جهل شتم النَّبِي ﷺ ونال مِنْهُ بعض مَا يكره وَهُوَ سَاكِت لَا يتَكَلَّم وَكَانَ شَدِيد الْبَأْس صَعب الْخلق والمراس أعز فَتى فِي قُرَيْش لَيْسَ فِي ميزَان عقله خفَّة وَلَا طيش أَخَذته حمية النّسَب وَحَمَلته إِلَى مَحل الْهِدَايَة عاصف الْغَضَب حَتَّى خرج يُهَرْوِل كالأسد وَمضى معدا لأبي جهل لَا يلوي على أحد
فَلَمَّا دخل الْمَسْجِد وَرَآهُ فِي الْقَوْم وَأَقْبل نَحوه لَا يَأْخُذهُ فِيهِ عيب وَلَا لوم فَرفع قوسه وضربه بهَا على هامته فَشَجَّهُ شجة مُنكرَة كَادَت تقيم يَوْم قِيَامَته وخاطبه بِمَا لَا يشتهيه ووبخه على مَا فعل بِابْن أَخِيه وَقَالَ إِنِّي
стр. 35
سَمِعت لَهُ وأطعت فَرد ذَلِك عَليّ إِن اسْتَطَعْت
فَقَامَتْ إِلَيْهِ من بني مَخْزُوم رجال وَارْتَفَعت بَينهم صلصلة القيل والقال فتركهم وَذهب وأودع فِي قُلُوبهم اللهب وَاسْتمرّ ثَابتا على الْإِسْلَام مغتبطا بِمَا منحه الله بِهِ من الْإِكْرَام وَهُوَ الْقَائِل حِين أسلم من أَبْيَات
(حمدت الله حِين هدى فُؤَادِي ... إِلَى الْإِسْلَام وَالدّين الحنيف)
(وَأحمد مصطفى فِينَا مُطَاع ... فَلَا تغشوه بالْقَوْل العنيف)
قصَّة عمر بن الْخطاب
كَانَ عمر بن الْخطاب شرس الْأَخْلَاق شَدِيد الْعَدَاوَة لأَفْضَل الْبشر على الْإِطْلَاق فَخرج متوشحا سَيْفه وَمضى قَاصِدا قَتله حَيْثُ أَرَادَ الله رشده كَمَا أرشد من قبله فَلَقِيَهُ نعيم بن عبد الله النحام وَأخْبرهُ بِدُخُول أُخْته فَاطِمَة وَزوجهَا سعيد فِي الْإِسْلَام وَأَن خباب بن الْأَرَت يقرئهما الْقُرْآن فأسرع فِي الْمُضِيّ إِلَيْهِم ليلقاهم بالظلم والعدوان
فسمعهم يَتلون وَرَأى مَعَهم صحيفَة فسترتها أُخْته عَنهُ حَيْثُ أوجست
стр. 36
مِنْهُ خيفة فضربها وَأخذ الصَّحِيفَة مِنْهَا ثمَّ رق لَهَا بعد ذَلِك وَسكت عَنْهَا
فَلَمَّا قَرَأَ مَا فِيهَا من سُورَة طه وفهمه قَالَ بِلِسَان التَّوْفِيق مَا أحسن هَذَا وأكرمه وسألهم عَن مَوضِع النَّبِي الْمُصْطَفى فَقَالُوا هُوَ فِي بَيت مَعَ نفر من أَصْحَابه عِنْد الصَّفَا
فقصدهم واستأذنهم فِي الدُّخُول فَلَمَّا أذن لَهُ سلم على الْقَوْم وَأسلم على يَد الرَّسُول وَامْتنع الْمُسلمُونَ بِهِ وبحمزة ومنحوا بِإِسْلَامِهِ عزة وَأي عزة وبذل فِي قتال الْمُشْركين لإِظْهَار الدّين كل المجهود وَبِالْجُمْلَةِ كَانَ إِسْلَامه فتحا كَمَا قَالَ عبد الله بن مَسْعُود
(إِذا ذكر الْقَوْم الشهير صَلَاحهمْ ... فَحَيَّهَلا بالزاهد المتقي عمر)
(إِمَام لَهُ فضل أغاث بِهِ الورى ... وَعدل بِهِ أغْنى الْبِلَاد عَن الْمَطَر)
قصَّة باذان ملك الْيمن
لما بعث الرَّسُول الْمُخْتَار وَسَار ذكره فِي سَائِر الأقطار كتب كسْرَى إِلَى باذان ملك الْيمن بَلغنِي أَن رجلا من قُرَيْش يزْعم أَنه نَبِي مؤتمن فاجتهد فِي الْمسير إِلَى مقَامه وَابعث إِلَيّ بِرَأْسِهِ إِن لم يرجع عَن كَلَامه
فَأرْسل باذان كتاب كسْرَى إِلَى النَّبِي ﷺ فَأَجَابَهُ بِأَن الله قد
стр. 37
وَعَدَني بقتْله وَعين لَهُ يَوْم الْحمام
فتوقف باذان لينْظر ويتبين فَقتل الله كسْرَى على يَد وَلَده فِي ذَلِك الْيَوْم الْمعِين وَبعث باذان بِإِسْلَامِهِ وَإِسْلَام أَصْحَابه وَكفى الله شَرّ الطاغية الباحث عَن عَذَابه بكتابه (وَفِي ذَلِك يَقُول خَالِد بن حق
(وكسرى إِذْ تقسمه بنوه ... بأسياف كَمَا اقتسم اللحام)
(تمخضت السنون لَهُ بِيَوْم ... أَتَى وَلكُل حاملة تَمام)
قصَّة الطُّفَيْل بن عَمْرو الدوسي
لما قدم الطُّفَيْل إِلَى مَكَّة الْبَلَد الْحَرَام حذرته قُرَيْش من الإجتماع بِالنَّبِيِّ ﷺ وَكَانَ رجلا جليل الْمِقْدَار لبيبا ماهرا فِي نظم الْأَشْعَار فغدا إِلَى الْمَسْجِد فَوَجَدَهُ قَائِما يُصَلِّي عِنْد الْكَعْبَة وَسمع مِنْهُ كلَاما شرح بِهِ صَدره وسر قلبه فَمَكثَ حَتَّى انْصَرف من صلَاته وَتَبعهُ إِلَى دَاره لنجاحه ونجاته ثمَّ دخل عَلَيْهِ وَقَالَ يَا مُحَمَّد إِن قَوْمك خوفوني سحرك وَقد سَمِعت مِنْك كلَاما حسنا فاعرض عَليّ أَمرك
فَعرض عَلَيْهِ دين الْإِسْلَام وتلا من الْقُرْآن مَا تحير فِيهِ أَرْبَاب الأحلام
стр. 38
فَأسلم فَرحا بدنوه من الْخَيْر واقترابه وَسَأَلَهُ أَن يكون عونا لَهُ على إِسْلَام أَصْحَابه
ثمَّ خرج إِلَى قومه راجيا قربهم من الْهدى وَالصَّلَاح فَلَمَّا قرب مِنْهُم وَقع بِرَأْس سَوْطه نور يضيء كالمصباح فَنزل بهم مُجْتَهدا على دُخُولهمْ فِي الْإِسْلَام بدعائه وَلم يزل حَتَّى قدم إِلَى خَيْبَر فِي سبعين بَيْتا من دوس تَحت لوائه وَاسْتمرّ متلفعا بمروط الْكَرَامَة إِلَى أَن قتل ﵀ شَهِيدا بِالْيَمَامَةِ
(يَا أَيهَا الدوسي أبشر بالرضى ... نلْت الْهدى وجهدت فِي الْإِصْلَاح)
(وأتتك من نَحْو الرَّسُول كَرَامَة ... نور عَلَيْك يضيء كالمصباح)
стр. 39
قصَّة ركَانَة بن عبد يزِيد المطلبي
كَانَ ركَانَة أَشد قُريْشًا بطشا وأرفعهم فِي قُوَّة الْبدن وَالنَّفس عرشا فَخَلا بِهِ النَّبِي ﷺ فِي بعض الشعاب فَكَلمهُ راجيا هدايته إِلَى طَرِيق الصَّوَاب فَقَالَ لَو كنت أعلم صدقك لاتبعتك قَالَ أتعلم أَن مَا أَقُول حق إِن صرعتك ففهم الْخطاب وبذل الْجَواب فَلَمَّا صرعه القوى الْأمين مرَّتَيْنِ وَكَاد فِي بطشه بِهِ يُسلمهُ إِلَى الْحِين قَالَ يَا مُحَمَّد وَالله إِنِّي لأعجب مِمَّا جرى قَالَ واعجب من ذَاك أَنى أَدْعُو لَك هَذِه الشَّجَرَة الَّتِي ترى
فَدَعَاهَا فَأَقْبَلت حَتَّى وقفت بَين يَدَيْهِ ثمَّ قَالَ لَهَا ارجعي إِلَى مَكَانك فَرَجَعت حسب إِشَارَته ﷺ
وَهَذِه زهرَة من روض آيَاته وقطرة من غيث برهانه الَّذِي لَا يدْرك مدى غاياته
(كم للبشير النذير معْجزَة ... مِنْهَا على الْفَوْر طَاعَة الشَّجَرَة)
(أكْرم بهَا دوحة معظمة ... أبقت لَهَا مثل هَذِه الثَّمَرَة)
стр. 40
ذكر الْمُهَاجِرين إِلَى الْحَبَشَة أَولا وَثَانِيا سنة خمس من النُّبُوَّة
خرج من الصَّحَابَة اثْنَا عشر رجلا وَأَرْبع نسْوَة سرا حَيْثُ سمعُوا من قُرَيْش مَا يكْرهُونَ ولقوا مِنْهُم شرا حَتَّى انْتَهوا إِلَى الشعيبة البحرية فوجدوا بهَا قوما ذَوي أثنية عطرية فرفقوا بهم وحملوهم وَإِلَى أَرض الْحَبَشَة فِي السَّفِينَة نقلوهم
وَخرجت قُرَيْش فِي طَلَبهمْ فَلم يصلوا من اللحاق بهم إِلَى إربهم فَلَمَّا قدمُوا إِلَى الأَرْض الْمَذْكُورَة جاوروا ملكا بهَا سيرته مشكورة وَأَقَامُوا آمِنين على أنفسهم وَدينهمْ مشتغلين بِعبَادة هاديهم ومعينهم
ثمَّ سمعُوا أَن قُريْشًا أَسْلمُوا وتأخروا عَن هوة الْهوى وأحجموا فعادوا إِلَى مَكَّة وَرَجَعُوا فَلَمَّا دخلوها وجدوا الْأَمر بِخِلَاف مَا سمعُوا فَاشْتَدَّ عَلَيْهِم الْقَوْم وقابلوهم بالتعنيف واللوم فَأذن لَهُم النَّبِي ﷺ بِالْخرُوجِ فَخَرجُوا وَإِلَى عشهم الَّذِي أَتَوا مِنْهُ درجوا
وَكَانُوا ثَلَاثَة وَثَمَانِينَ من الرِّجَال وثماني عشرَة من ذَوَات الحجال أَقَامُوا عِنْد النَّجَاشِيّ حينا من الدَّهْر وَهُوَ يحسن إِلَيْهِم ويتفضل عَلَيْهِم فِي السِّرّ والجهر
следующие страницы →