Полный текст (220 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
مِنْهُ خيفة فضربها وَأخذ الصَّحِيفَة مِنْهَا ثمَّ رق لَهَا بعد ذَلِك وَسكت عَنْهَا
فَلَمَّا قَرَأَ مَا فِيهَا من سُورَة طه وفهمه قَالَ بِلِسَان التَّوْفِيق مَا أحسن هَذَا وأكرمه وسألهم عَن مَوضِع النَّبِي الْمُصْطَفى فَقَالُوا هُوَ فِي بَيت مَعَ نفر من أَصْحَابه عِنْد الصَّفَا
فقصدهم واستأذنهم فِي الدُّخُول فَلَمَّا أذن لَهُ سلم على الْقَوْم وَأسلم على يَد الرَّسُول وَامْتنع الْمُسلمُونَ بِهِ وبحمزة ومنحوا بِإِسْلَامِهِ عزة وَأي عزة وبذل فِي قتال الْمُشْركين لإِظْهَار الدّين كل المجهود وَبِالْجُمْلَةِ كَانَ إِسْلَامه فتحا كَمَا قَالَ عبد الله بن مَسْعُود
(إِذا ذكر الْقَوْم الشهير صَلَاحهمْ ... فَحَيَّهَلا بالزاهد المتقي عمر)
(إِمَام لَهُ فضل أغاث بِهِ الورى ... وَعدل بِهِ أغْنى الْبِلَاد عَن الْمَطَر)
قصَّة باذان ملك الْيمن
لما بعث الرَّسُول الْمُخْتَار وَسَار ذكره فِي سَائِر الأقطار كتب كسْرَى إِلَى باذان ملك الْيمن بَلغنِي أَن رجلا من قُرَيْش يزْعم أَنه نَبِي مؤتمن فاجتهد فِي الْمسير إِلَى مقَامه وَابعث إِلَيّ بِرَأْسِهِ إِن لم يرجع عَن كَلَامه
فَأرْسل باذان كتاب كسْرَى إِلَى النَّبِي ﷺ فَأَجَابَهُ بِأَن الله قد
стр. 37
وَعَدَني بقتْله وَعين لَهُ يَوْم الْحمام
فتوقف باذان لينْظر ويتبين فَقتل الله كسْرَى على يَد وَلَده فِي ذَلِك الْيَوْم الْمعِين وَبعث باذان بِإِسْلَامِهِ وَإِسْلَام أَصْحَابه وَكفى الله شَرّ الطاغية الباحث عَن عَذَابه بكتابه (وَفِي ذَلِك يَقُول خَالِد بن حق
(وكسرى إِذْ تقسمه بنوه ... بأسياف كَمَا اقتسم اللحام)
(تمخضت السنون لَهُ بِيَوْم ... أَتَى وَلكُل حاملة تَمام)
قصَّة الطُّفَيْل بن عَمْرو الدوسي
لما قدم الطُّفَيْل إِلَى مَكَّة الْبَلَد الْحَرَام حذرته قُرَيْش من الإجتماع بِالنَّبِيِّ ﷺ وَكَانَ رجلا جليل الْمِقْدَار لبيبا ماهرا فِي نظم الْأَشْعَار فغدا إِلَى الْمَسْجِد فَوَجَدَهُ قَائِما يُصَلِّي عِنْد الْكَعْبَة وَسمع مِنْهُ كلَاما شرح بِهِ صَدره وسر قلبه فَمَكثَ حَتَّى انْصَرف من صلَاته وَتَبعهُ إِلَى دَاره لنجاحه ونجاته ثمَّ دخل عَلَيْهِ وَقَالَ يَا مُحَمَّد إِن قَوْمك خوفوني سحرك وَقد سَمِعت مِنْك كلَاما حسنا فاعرض عَليّ أَمرك
فَعرض عَلَيْهِ دين الْإِسْلَام وتلا من الْقُرْآن مَا تحير فِيهِ أَرْبَاب الأحلام
стр. 38
فَأسلم فَرحا بدنوه من الْخَيْر واقترابه وَسَأَلَهُ أَن يكون عونا لَهُ على إِسْلَام أَصْحَابه
ثمَّ خرج إِلَى قومه راجيا قربهم من الْهدى وَالصَّلَاح فَلَمَّا قرب مِنْهُم وَقع بِرَأْس سَوْطه نور يضيء كالمصباح فَنزل بهم مُجْتَهدا على دُخُولهمْ فِي الْإِسْلَام بدعائه وَلم يزل حَتَّى قدم إِلَى خَيْبَر فِي سبعين بَيْتا من دوس تَحت لوائه وَاسْتمرّ متلفعا بمروط الْكَرَامَة إِلَى أَن قتل ﵀ شَهِيدا بِالْيَمَامَةِ
(يَا أَيهَا الدوسي أبشر بالرضى ... نلْت الْهدى وجهدت فِي الْإِصْلَاح)
(وأتتك من نَحْو الرَّسُول كَرَامَة ... نور عَلَيْك يضيء كالمصباح)
стр. 39
قصَّة ركَانَة بن عبد يزِيد المطلبي
كَانَ ركَانَة أَشد قُريْشًا بطشا وأرفعهم فِي قُوَّة الْبدن وَالنَّفس عرشا فَخَلا بِهِ النَّبِي ﷺ فِي بعض الشعاب فَكَلمهُ راجيا هدايته إِلَى طَرِيق الصَّوَاب فَقَالَ لَو كنت أعلم صدقك لاتبعتك قَالَ أتعلم أَن مَا أَقُول حق إِن صرعتك ففهم الْخطاب وبذل الْجَواب فَلَمَّا صرعه القوى الْأمين مرَّتَيْنِ وَكَاد فِي بطشه بِهِ يُسلمهُ إِلَى الْحِين قَالَ يَا مُحَمَّد وَالله إِنِّي لأعجب مِمَّا جرى قَالَ واعجب من ذَاك أَنى أَدْعُو لَك هَذِه الشَّجَرَة الَّتِي ترى
فَدَعَاهَا فَأَقْبَلت حَتَّى وقفت بَين يَدَيْهِ ثمَّ قَالَ لَهَا ارجعي إِلَى مَكَانك فَرَجَعت حسب إِشَارَته ﷺ
وَهَذِه زهرَة من روض آيَاته وقطرة من غيث برهانه الَّذِي لَا يدْرك مدى غاياته
(كم للبشير النذير معْجزَة ... مِنْهَا على الْفَوْر طَاعَة الشَّجَرَة)
(أكْرم بهَا دوحة معظمة ... أبقت لَهَا مثل هَذِه الثَّمَرَة)
стр. 40
ذكر الْمُهَاجِرين إِلَى الْحَبَشَة أَولا وَثَانِيا سنة خمس من النُّبُوَّة
خرج من الصَّحَابَة اثْنَا عشر رجلا وَأَرْبع نسْوَة سرا حَيْثُ سمعُوا من قُرَيْش مَا يكْرهُونَ ولقوا مِنْهُم شرا حَتَّى انْتَهوا إِلَى الشعيبة البحرية فوجدوا بهَا قوما ذَوي أثنية عطرية فرفقوا بهم وحملوهم وَإِلَى أَرض الْحَبَشَة فِي السَّفِينَة نقلوهم
وَخرجت قُرَيْش فِي طَلَبهمْ فَلم يصلوا من اللحاق بهم إِلَى إربهم فَلَمَّا قدمُوا إِلَى الأَرْض الْمَذْكُورَة جاوروا ملكا بهَا سيرته مشكورة وَأَقَامُوا آمِنين على أنفسهم وَدينهمْ مشتغلين بِعبَادة هاديهم ومعينهم
ثمَّ سمعُوا أَن قُريْشًا أَسْلمُوا وتأخروا عَن هوة الْهوى وأحجموا فعادوا إِلَى مَكَّة وَرَجَعُوا فَلَمَّا دخلوها وجدوا الْأَمر بِخِلَاف مَا سمعُوا فَاشْتَدَّ عَلَيْهِم الْقَوْم وقابلوهم بالتعنيف واللوم فَأذن لَهُم النَّبِي ﷺ بِالْخرُوجِ فَخَرجُوا وَإِلَى عشهم الَّذِي أَتَوا مِنْهُ درجوا
وَكَانُوا ثَلَاثَة وَثَمَانِينَ من الرِّجَال وثماني عشرَة من ذَوَات الحجال أَقَامُوا عِنْد النَّجَاشِيّ حينا من الدَّهْر وَهُوَ يحسن إِلَيْهِم ويتفضل عَلَيْهِم فِي السِّرّ والجهر
стр. 41
فَلَمَّا بلغتهم الْهِجْرَة الشَّرِيفَة وأتى لَهُم خبر النقلَة المنيفة رَجَعَ بَعضهم إِلَى ناصب علم تمييزهم وَتَأَخر الْبَاقُونَ إِلَى أَن كتب الْملك بتجهيزهم فحملهم فِي السَّفِينَة حسب الْأَمر إِلَى الْمَدِينَة وَمِمَّا قَالَ عبد الله بن الْحَارِث بِأَرْض الْحَبَشَة
(يَا رَاكِبًا بلغن عني مغلغلة ... من كَانَ يَرْجُو بَلَاغ الله وَالدّين)
(إِنَّا وجدنَا بِلَاد الله وَاسِعَة ... تنجي من الذل والمخزاة والهون)
(فَلَا تُقِيمُوا على ذل الْحَيَاة وخزي ... فِي الْمَمَات وعيب غير مَأْمُون)
(إِنَّا اتَّبعنَا رَسُول الله واطرحوا ... قَول النَّبِي وغالوا فِي الموازين)
стр. 42
أَمر الصَّحِيفَة والشعب فِي الْمحرم سنة سبع من النُّبُوَّة
لما بلغ قُريْشًا إكرام النَّجَاشِيّ للصحابة دهمهم ليل الْغَضَب وَمد عَلَيْهِم سَحَابَة فَكَتَبُوا على بني هَاشم كتابا يتَضَمَّن فصولا من الهجر وأبوابا
وعلقوا الصَّحِيفَة فِي جَوف الْكَعْبَة ثمَّ ألجأوهم إِلَى كل خطة صعبة وحصروهم فِي شعب أبي طَالب وظفروا بالحاضر وجدوا فِي تَحْصِيل الْغَائِب وَقَطعُوا عَنْهُم الْمَادَّة والميرة وَلم يرعوا حق صُحْبَة وَلَا جيرة وأخفوا بروقهم البواسم ومنعوهم من الْخُرُوج إِلَّا فِي المواسم وَلم يمكنوهم من الإنجاد والإتهام وَكَانَت مُدَّة إقامتهم فِيهِ ثَلَاثَة أَعْوَام
ثمَّ اطلع الله رَسُوله على شَأْن الصَّحِيفَة وَأَن الأرضة أكلت مِنْهَا غير أَسمَاء الله الشَّرِيفَة فَلَمَّا بَلغهُمْ من أبي طَالب الْخَبَر كشفوا عَن الْأَمر فوجدوه كَمَا ذكر فسكنت ريحهم وخرس فصيحهم ثمَّ نقضت الصَّحِيفَة وَبَطل مَا فِيهَا من الْبُهْتَان وأخرجهم الله من الشّعب ونجاهم من أهل الظُّلم والعدوان
وَفِي ذَلِك يَقُول أَبُو طَالب
(أَلا أبلغا عني على ذَات بَيْننَا ... لؤيا وخصا من لؤَي بني كَعْب)
стр. 43
(ألم تعلما أَنا وجدنَا مُحَمَّدًا ... نَبيا كموسى خطّ فِي أول الْكتب)
(وَأَن الَّذِي لصقتم من كتابكُمْ ... لكم كَائِن يحسا كراعية الشّعب)
(أفيقوا أفيقوا قبل أَن يحْفر الثرى ... وَيُصْبِح من لم يجن ذَنبا كذي ذَنْب)
(وَلَا تتبعوا أَمر الوشاة وتقطعوا ... أواصرنا بعد الْمَوَدَّة والقرب)
(فلسنا وَرب الْبَيْت نسلم أحمدا ... لعزاء من عض الزَّمَان وَلَا كرب)
(ولسنا نمل الْحَرْب حَتَّى تملنا ... وَلَا نشتكي مَا قد يَنُوب من النكب)
(ولكننا أهل الحفائظ والنهى ... إِذا طَار أَرْوَاح الكماة من الرعب)
стр. 44
خُرُوج النَّبِي ﷺ إِلَى الطَّائِف سنة عشر من النُّبُوَّة
لما مَاتَ عَمه أَبُو طَالب وَزَوجته خَدِيجَة وذوت من شَجَرَة إعانتهما لَهُ أوراقها البهيجة لزم الْبَيْت وَأَقل الْخُرُوج وأسف عَلَيْهِمَا أسفا يضطرب بحره ويموج ونالت مِنْهُ قُرَيْش وقابلوه بالخفة والطيش
فَخرج مَعَه زيد بن حَارِثَة إِلَى الطَّائِف وصدع بالدعوة غير وَجل وَلَا خَائِف فَلم يجبهُ مِنْهُم أحد وَأغْروا بِهِ سُفَهَاء الْبَلَد وتشاءموا بقدوم طَائِره الميمون فَانْقَلَبَ رَاجعا إِلَى مَكَّة وَهُوَ محزون
فَلَمَّا نزل نَخْلَة قَامَ يُصَلِّي من اللَّيْل وَسبب التأييد يتحدر عَلَيْهِ كالسيل وَانْصَرف إِلَيْهِ سَبْعَة من الْجِنّ يَسْتَمِعُون الْقُرْآن فَلَمَّا فرغ ولوا يدعونَ قَومهمْ إِلَى الْإِيمَان ثمَّ دخل مَكَّة فِي جوَار مطعم بن عدي ولسان الْحق يَتْلُو على قُرَيْش ﴿من يهد الله فَهُوَ الْمُهْتَدي﴾
وَفِي مطعم يَقُول حسان بن ثَابت من أَبْيَات
(أجرت رَسُول الله مِنْهُم فَأَصْبحُوا ... عبيدك مَا لبّى مهل وأحرما)
стр. 45
(فَلَو كَانَ مجدا يخلد الدَّهْر وَاحِدًا ... من النَّاس أبقى مجده الدَّهْر مطعما)
الْإِسْرَاء بِالنَّبِيِّ ﷺ سنة اثنتى عشرَة من النُّبُوَّة
طلب إِلَى الحضرة قبل الْهِجْرَة باثنى عشر شهرا وأسري بِهِ من مَكَّة إِلَى بَيت الْمُقَدّس مَيْمُون الطّلب مَحْمُود المسري فصلى بالأنبياء فِي الْمَسْجِد الْأَقْصَى ومنح من النعم مَا لَا يعد وَلَا يُحْصى
ثمَّ ركب الدَّابَّة الْمَعْرُوفَة بِالْبُرَاقِ وعرج إِلَى مَحل طَابَ لَهُ فِيهِ الْوَقْت وراق وَكَانَ جِبْرِيل يستفتح لَهُ الْأَبْوَاب والأنبياء يتلقونه فِي السَّمَوَات بالتحية والترحاب فحظي فِي الْأُفق الْأَعْلَى بالْمقَام الْأَسْنَى ﴿ثمَّ دنا فَتَدَلَّى فَكَانَ قاب قوسين أَو أدنى﴾
وَرَأى سِدْرَة الْمُنْتَهى وَسمع صريف الأقلام وفرضت عَلَيْهِ الصَّلَوَات الْخمس وَرفعت الْأَعْلَام ورفل فِي حلل آلَاء ربه وإحسانه وعاين مَا عاين من آيَاته وَقدرته وسلطانه
وَكَانَ مسراه عِبْرَة لأولي الْأَلْبَاب وتثبيتا لمن تعلق من الْهدى بأوثق الْأَسْبَاب
(فسبحان من أسرى بِهِ وأحله ... محلا علا يسمو على الشَّمْس والبدر)
стр. 46
(وصير جِبْرِيل المقرب خَادِمًا ... لَهُ وحباه بالحماية والنصر)
(نَبِي رقا نَحْو السَّمَاء لفضله ... وَشَاهد مَا فِيهِ تحار أولو الْفِكر)
(وناجاه رب الْعَرْش جلّ ثَنَاؤُهُ ... وأتحفه فِي حَضْرَة الْقُدس بالبشر)
(وَكم مثلهَا من معجزات عَظِيمَة ... وآيات غايات تجل عَن الْحصْر)
الْعقبَة الأولى سنة اثنتى عشرَة من النُّبُوَّة
لما أَرَادَ الله تَعَالَى نصر نبيه وَإِظْهَار دينه وإنجاز مَا وعده بِهِ من رفع ذكره وتمكينه سَاقه إِلَى الْأَوْس والخزرج الَّذين ألْجم التَّوْفِيق خيل جبلتهم وأسرج وانْتهى مِنْهُم إِلَى نفر بزغ نجم سعدهم وَظهر فَجَلَسَ إِلَيْهِم وَأمرهمْ بِالْإِيمَان ودعاهم إِلَى الله وَقَرَأَ عَلَيْهِم الْقُرْآن فتلقوا أمره بِالْقبُولِ واستجابوا لله وَلِلرَّسُولِ ثمَّ انصرفوا فِي أسر الْأَحْوَال وَكَانُوا ثَمَانِيَة أَو سِتَّة على اخْتِلَاف الْأَقْوَال
فَلَمَّا كَانَ الْمَوْسِم الْجَامِع بِمَكَّة عجمه وعربه لقِيه اثنى عشر رجلا مِنْهُم
стр. 47
لَيْلًا عِنْد الْعقبَة فأسلموا وَبَايَعُوا واقتفوا آثَار الْأَبْرَار وتابعوا وَصَدقُوا وآمنوا وعَلى الْبر وَالتَّقوى تعاونوا ثمَّ رجعُوا إِلَى الْمَدِينَة معلنين بِالْإِسْلَامِ فرحين بِمَا حصل لَهُم من الْهِدَايَة والعناية وَالْإِكْرَام
(لقد أحرز الْأَنْصَار مجدا مؤثلا ... وفازوا بخصل السَّبق والمنزل الْأَسْنَى)
(دنوا وأفادوا واستفادوا وَأَقْبلُوا ... على حفظ مَا يبْقى وجادوا بِمَا يفنى)
(وماذا يَقُول النَّاس فِي وصف معشر ... عَلَيْهِم رَسُول الله بِالْخَيرِ قد أثنى)
وَفِيهِمْ يَقُول النُّعْمَان بن كثير
(بهاليل من أَوْلَاد قبْلَة لم يجد ... خليط عَلَيْهِم فِي مُخَالطَة عتبا)
(مساميح أبطال يراجون للندى ... يرَوْنَ عَلَيْهِم فعل آبَائِهِم نحبا)
стр. 48
الْعقبَة الْآخِرَة سنة ثَلَاث عشرَة من النُّبُوَّة
ثمَّ خرج الْمُسلمُونَ أَيَّام الْحَج وهم سَبْعُونَ رجلا يسلكون إِلَى أم الْقرى طلبا للقرى سبلا فَلَمَّا أناخوا بفنائها واستافوا الأرج من أرجائها حَضَرُوا إِلَى النَّبِي ﷺ وَتكلم مَعَه فِي أَمر الْهِجْرَة الشَّرِيفَة من تكلم
فَوَعَدَهُمْ شعب الْعقبَة لَيْلَة النَّفر الأول فَاجْتمعُوا واثقين بوعده الَّذِي بِهِ عَلَيْهِم تطول وأنهوا إِلَيْهِ مَا يبغونه من النَّصْر ويقصدونه وَبَايَعُوهُ على الْوَفَاء والصدق وبذل المهج دونه وَاخْتَارَ مِنْهُم اثنى عشر نَقِيبًا وَجعل كل مِنْهُم على قومه كَفِيلا ورقيبا فَلَمَّا فرغوا من مقالهم أَمرهم بِأَن يَنْفضوا إِلَى رحالهم
وَعلمت قُرَيْش بخبرهم فجدوا فِي اتِّبَاع أَثَرهم فأدركوا سعد بن عبَادَة وأمسكوه وخلص مِنْهُم بعد أَن كَادُوا يهلكوه ثمَّ انصرفوا إِلَى طيبَة الطّيبَة أَجْمَعِينَ متوكلين على كَافِي من عَلَيْهِ يتوكل وَبِه يَسْتَعِين
وَفِي ذَلِك يَقُول كَعْب بن مَالك من أَبْيَات
стр. 49
(شالا أبلغ أَبَيَا أَنه فال رَأْيه ... وحان غَدَاة الشّعب والحين وَاقع) وأبلغ أَبَا سُفْيَان أَن قد بدا لنا ... بِأَحْمَد نور من هدى الله سَاطِع) أَبى الله مَا منتك نَفسك أَنه ... لمرصاد أَمر النَّاس رَاء وسامع)
الْهِجْرَة الشَّرِيفَة سنة ثَلَاث عشرَة من النُّبُوَّة
فَلَمَّا رَحل الْأَنْصَار السبعون وانشرحت الصُّدُور وقرت الْعُيُون وَفهم الْمُسلمُونَ خُرُوج الصَّحَابَة فرموا إِلَى جهتهم سِهَام الْإِصَابَة وضيقوا عَلَيْهِم وضاعفوا الْإِسَاءَة إِلَيْهِم وبالغوا فِي شتمهم وخبطوا فِي ظلمات ظلمهم
فشكوا إِلَى النَّبِي ﷺ ثقلهم واستأذنوه فِي الْهِجْرَة فَأذن لَهُم فَجعلُوا يَتَجَهَّزُونَ ويترافقون وَيخرجُونَ خيفة ويتلاحقون حَتَّى قدمُوا الْمَدِينَة كهولا وفتيانا وطاروا إِلَى أوكار الْأَنْصَار زرافات ووحدانا فآووهم وبغيث الْإِحْسَان غمروهم فَعِنْدَ ذَلِك خَافَ الْمُشْركُونَ خُرُوج الرَّسُول وَعَلمُوا أَن فَرِيضَة الْمُسلمين بهجرته تعول
стр. 50
فَاجْتمعُوا فِي دَار الندوة وَاتَّفَقُوا على قتل من جعله الله للنَّاس قدوة ورصدوه فِي بَيته لَيْلًا وظنوا أَنهم ينالون مِنْهُ نيلا فخابوا وخسروا وبأفهار الْقدْوَة الإلهية كسروا
ثمَّ هَاجر ﷺ وَخرج بِإِذن من أنزل الْقُرْآن وَتكلم فَمضى وَمَعَهُ أَبُو بكر إِلَى غَار ثَوْر وَاشْتَدَّ فِي طلبهما أهل الظُّلم والجور وذهبوا يقصون الْآثَار حَتَّى انْتَهوا إِلَى بَاب الْغَار فَلَمَّا رَأَوْا إِلَى بَيت العنكبوت وعش الْحمام نكصوا على أَعْقَابهم كَأَنَّمَا يساقون إِلَى الْحمام
ثمَّ قوى عزمهما على الترحال بعد مكثهما فِي الْغَار ثَلَاث لَيَال فَأمر عبد الله بن أريقط بِالْمَسِيرِ وصحبا مِنْهُ أَي دَلِيل بالطرق خَبِير وتبعهم عَامر بن فهَيْرَة على سَبِيل الْخدمَة وَسَارُوا مشمولين ببركة من أتم الله عَلَيْهِ النِّعْمَة
فَبَيْنَمَا هم سائرون وَإِلَى جِهَة قصدهم صائرون عرض لَهُم سراقَة بن مَالك فِي الطَّرِيق فرسخت قَوَائِم فرسه معْجزَة لصَاحب الْوَجْه الشريق ثمَّ أطلق ببركة دُعَائِهِ وَالْتزم برد الْمُشْركين المشتدين من وَرَائه
стр. 51
ومروا فِي سيرهم بِأم معبد وَكَانَت مِمَّن يُرْجَى قراه ويقصد فنزلوا فِي ظلّ خيمتها المعقودة وَبَارك ﷺ فِي شَاتِهَا المجهودة فاجترت وَدرت بِاللَّبنِ وَشَرِبُوا حَتَّى ضربوا بِعَطَن
ثمَّ سَارُوا لَا يصعدون جبلا إِلَّا تأرج بعطرهم الفائح وَلَا يقطعون وَاديا إِلَّا كتب لَهُم بِهِ عمل صَالح حَتَّى قدم النَّبِي ﷺ مبارك الْقدَم مَرْفُوع الْعلم مضيء المقياس رَحْمَة عَامَّة على النَّاس فَنزل بقبائها وأناخ بِحَضْرَة فنائها
وَخرج الْمُسلمُونَ إِلَى لِقَائِه وابتهجوا بِمَا ظهر لَهُم من أفق سمائه وهرعوا للسلام عَلَيْهِ وتشرفوا بالمثول بَين يَدَيْهِ وَأقَام بهَا أَرْبَعَة عشر يَوْمًا وتحول وَكَانَ قدومه يَوْم الْإِثْنَيْنِ فِي شهر ربيع الأول
وَلما دخل الْمَدِينَة مضى حَتَّى انْتهى إِلَى مَوضِع مَسْجده وَخرج كل من قبائلها يَدعُوهُ إِلَى عدده وعدده وسروا بمقدمة الميمون وَاسْتَبْشَرُوا بِحِفْظ جوهره الْمكنون
ثمَّ نزل فِي بَيت أبي أَيُّوب وَملك من دَار هجرته عنان الْمَطْلُوب وَحط بهَا رَحْله وَأرْسل إِلَى مَكَّة من أحضر أَهله وآخى بَين الْمُهَاجِرين
стр. 52
وَالْأَنْصَار وَاسْتمرّ مُجْتَهدا فِي طَاعَة من لَا تُدْرِكهُ الْأَبْصَار وَهُوَ يدْرك الْأَبْصَار
وَسمع أهل مَكَّة بعد رحيله هاتفا يَقُول
(جزى الله رب النَّاس خير جَزَائِهِ ... رَفِيقَيْنِ حلا خَيْمَتي أم معبد)
(هما نزلا بِالْبرِّ وارتحلا بِهِ ... فأفلح من أَمْسَى رَفِيق مُحَمَّد)
(لِيهن بني كَعْب مَكَان فَتَاتهمْ ... ومقعدها للْمُؤْمِنين بِمَرْصَد) وَفِي نُزُوله بِالْمَدِينَةِ يَقُول أَبُو قيس الْأنْصَارِيّ من أَبْيَات
(ثوى فِي قُرَيْش بضع عشرَة حجَّة ... يذكر لَو يلقى صديقا مواتيا)
(فَلَمَّا أَتَانَا أظهر الله دينه ... فَأصْبح مَسْرُورا بِطيبَة رَاضِيا)
(يقص لنا مَا قَالَ نوح لِقَوْمِهِ ... وَمَا قَالَ مُوسَى إِذْ أجَاب المناديا)
(نعادي الَّذِي عادى من النَّاس كلهم ... جَمِيعًا وَإِن كَانَ الحبيب الموافيا)
(وَأصْبح لَا يخْشَى من النَّاس وَاحِدًا ... قَرِيبا وَلَا يخْشَى من النَّاس نَائِيا)
стр. 53
بِنَاء الْمَسْجِد بِالْمَدِينَةِ سنة إِحْدَى من الْهِجْرَة
ثمَّ إِن رَسُول الله ﷺ اشْترى المربد وَأمر بِرَفْع مَا فِيهِ من الْقُبُور وَالنَّخْل والغرقد بذل فِيهِ عشرَة دَنَانِير من النضار وَكَانَ لغلامين يتيمين من بني النجار
ثمَّ شرع فِي بِنَاء الْمَسْجِد المؤسس على التَّقْوَى مستعينا بِأَصْحَابِهِ الموصوفين بالجد والجدوى وبناه بِاللَّبنِ وَالْحِجَارَة وكساه بنظره الْبَهْجَة والنضارة وَجعل إِلَى بَيت الْمُقَدّس قبلته وَرفع بَين الْمَسَاجِد المعمورة أثلته ورصف سقفه بِالْجَرِيدِ وحلى جيده بعقده الفريد وَفتح لَهُ ثَلَاثَة أَبْوَاب وَألبسهُ من الْبركَة أحسن الأثواب
ثمَّ بنى إِلَى جَانِبه بُيُوتًا لَهُ وَلِنِسَائِهِ وَسكن بِهن مُقيما على إعلاء كلمة الله فِي صباحه ومسائه وَكَانَ يساعد أَصْحَابه فِي عمَارَة الْمَسْجِد وَيَقُول
(هَذَا الْحمال لَا حمال خَيْبَر ... هَذَا أبر رَبنَا وأطهر)
стр. 54
وَقَالَ عَليّ بن أبي طَالب وَهُوَ مرتجز يعْمل
(لَا يَسْتَوِي من يعمر المساجدا ... )
(يدأب فِيهَا قَائِما وَقَاعِدا ... )
(وَمن يرى عَن التُّرَاب حائدا ... )
أَمر الْأَذَان سنة إِحْدَى من الْهِجْرَة
لما اجْتمع شَمل الْأَنْصَار وارتفع لِوَاء الْإِسْلَام وأقيمت الصَّلَوَات الْخمس وَفرض الْحَلَال وَالْحرَام كَانَ الْمُنَادِي يَقُول يَوْمئِذٍ الصَّلَاة جَامِعَة فيجتمع لأَدَاء الْفَرْض أهل الْقُلُوب الخاشعة
وَكَانَ النَّبِي ﷺ قد أهمه أَمر الْأَذَان وعزم على إِقَامَة رجلَانِ بإطام الْمَدِينَة للإعلان وَذكر عِنْده الناقوس والبوق فكره شعار ذَوي الْعِصْيَان والفسوق حَتَّى أرى عبد الله بن زيد رُؤْيا علم الْأَذَان فِيهَا وَأصْبح ينْقل الْكَلِمَات الطَّيِّبَات لرب الْآيَات الْبَينَات ويرويها فَأمره أَن يلقِي مَا سَمعه على بِلَال وَمثلهَا أرِي عمر الْفَارُوق بَين الْهدى والضلال فَحَمدَ الإِمَام ربه وشكر وابتهج لِاتِّفَاق رُؤْيا عبد الله وَعمر
وَاسْتمرّ بِلَال يشنف بدرر أَذَانه آذان الْقَوْم ثمَّ زَاده فِي الْفجْر قَوْله الصَّلَاة خير من النّوم فأقره على ذَلِك صَاحب الشَّرِيعَة وَقيل لِبلَال
стр. 55
بِلِسَان الْحَال أبشر بِهَذِهِ الْمنزلَة الرفيعة
(إِن الْأَذَان كَلَام كُله حسن ... لطاعة الْوَاحِد القهار ينْتَظر)
(توارد اثْنَان فِي رُؤْيَاهُ واتفقا ... يَا نجل زيد لَك الْحسنى وَيَا عمر)
صرف الْقبْلَة إِلَى الْكَعْبَة سنة اثْنَتَيْنِ من الْهِجْرَة
صلى النَّبِي ﷺ إِلَى بَيت الْمُقَدّس سنة وَثلث سنة وَكَانَ يحب أَن يصرف إِلَى الْكَعْبَة الفائز من من هجر فِي طلبَهَا وسنه
فَجعل يرفع رَأسه إِلَى السَّمَاء فِي صلَاته وينتظر من ربه تَعَالَى جده مواد صلَاته وَلم يزل كَذَلِك حَتَّى جَاءَهُ جِبْرِيل ﵇ وتلا عَلَيْهِ ﴿فول وَجهك شطر الْمَسْجِد الْحَرَام﴾
فَاسْتَدَارَ إِلَى الْكَعْبَة واستقبل الْمِيزَاب وَدَار مَعَه اقْتِدَاء بِهِ أهل السُّور والأحزاب
فَلَمَّا اسْتَقَرَّتْ الصَّلَاة إِلَى الْكَعْبَة المقدسة مضى إِلَى قبَاء فَقدم جِدَار مَسْجِدهَا وأسسه وَنقل مَعَ أَصْحَابه الْحِجَارَة لبنائه وأفاض من أنواره الباهرة على فنائه واطلع لَهُ فِي سَمَاء الْمَسَاجِد نجما ثاقبا وَكَانَ يَأْتِيهِ فِي
стр. 56
كل سبت تَارَة مَاشِيا وَتارَة رَاكِبًا وَرَفعه وَعظم أمره بقوله (من جَاءَ فصلى فِيهِ رَكْعَتَيْنِ كَانَ لَهُ أجر عمْرَة) يَا لَهُ معبدًا أوراق شجرته الْمُبَارَكَة لَا تسْقط وَلَا تدوي ومسجدا كَانَ أَبُو أَيُّوب وَعُرْوَة يَقُولَانِ هُوَ الَّذِي أسس على التَّقْوَى
(كم للنَّبِي الْمُصْطَفى من آيَة ... غراء حَار الْفِكر فِي مَعْنَاهَا)
(لما رأى الْبَارِي تقلب وَجهه ... ولاه أَيمن قبْلَة يرضاها)
أَمر الصَّوْم وَزَكَاة الْفطر والعيد وَالْأُضْحِيَّة سنة اثْنَيْنِ من الْهِجْرَة
فرض الصَّوْم على رَأس ثَمَانِيَة عشر شهرا فاستقر الْإِمْسَاك بِتَقْدِير من جعل لكل شَيْء قدرا
ثمَّ أَمر ﷺ بِزَكَاة الْفطر على الْغَنِيّ للْفَقِير وَأَن يخرج عَن الْحر وَالْعَبْد وَالذكر وَالْأُنْثَى وَالْكَبِير وَالصَّغِير
стр. 57
وَكَانَ يهتم بتحصيل زَكَاته ويقسمها إِذا رَجَعَ من صلَاته لكنه يَأْمر بهَا قبل غدوه إِلَى مَحل الْإِمَامَة وَكَانَ يُصَلِّي الْعِيدَيْنِ قبل الْخطْبَة بِلَا أَذَان وَلَا إِقَامَة
وَأمر بالأضحية وَكَانَ يُضحي فِي كل عَام وضحى بكبشين أَحدهمَا عَن أمته وَالْآخر عَن نَفسه وَآله الْكِرَام
(بِخَير الرُّسُل أَحْمد ذِي الأيادي ... علينا سح وبل الْيمن سَحا)
(سعى فِي نصرنَا وَرمى عدانا ... وعنا يَوْم عيد النَّحْر ضحى)
قصَّة سلمَان الْفَارِسِي
كَانَ سلمَان الْفَارِسِي من أهل فَارس لَا يحْبسهُ عَن الْمَجُوسِيَّة وَعبادَة النَّار حَابِس فلحظ بِعَين الْعِنَايَة وطوق بقلائد الْهِدَايَة وتنقل فِي الْبلدَانِ وخدم الأساقفة والرهبان
ثمَّ طلب الْحجاز فِي الْمسير حِين بلغه قرب زمَان البشير النذير فَلَمَّا كَانَ بوادي الْقرى ظلم وَبيع من بعض الْيَهُود ثمَّ نقل إِلَى الْمَدِينَة يذهب فِي رق الْعُبُودِيَّة وَيعود فَلَمَّا سمع بِهِجْرَة صَاحب الْأَخْلَاق الْعَظِيمَة بَادر إِلَيْهِ وَأسلم على يَده الْكَرِيمَة ثمَّ كَاتب مَوْلَاهُ على ثَلَاثمِائَة ودية وعَلى
стр. 58
ذهب مبلغه أَرْبَعُونَ أُوقِيَّة
فأعانه النَّبِي ﷺ بِمَا وفى الْمبلغ وساعده وَخرج فَوضع لَهُ النّخل بِيَدِهِ فَمَا مَاتَت مِنْهُ ودية وَاحِدَة وَعتق سلمَان وَشهد مَعَه الخَنْدَق حرا وَلم يزل يقربهُ ويدنيه حَتَّى عده من أهل الْبَيْت إحسانا وَبرا
(لقد رقا سلمَان بعد رقة ... منزلَة شامخة الْبُنيان)
(وَكَيف لَا والمصطفى قد عده ... من أهل بَيته الْعَظِيم الشان)
قصَّة عبد الله بن سَلام
كَانَ عبد الله بن سَلام من كبار الْأَحْبَار وَمن أهل الْعلم والمطلعين على مَا فِي كتب الْيَهُود من الْأَخْبَار وَكَانَ عَارِفًا بِصفة النَّبِي ﷺ واسْمه وزمانه صامتا على ذَلِك حَتَّى من أَصْحَابه وأقرانه
وَلم يزل كَاتِما أمره إِلَى أَن حل بِالْمَدِينَةِ صَاحب الْهِجْرَة فَلَمَّا سمع بِخَبَرِهِ كبر وَأظْهر المسرة بقدومه واستبشر وَخرج مُسلما مُسلما إِلَيْهِ وَلم يصغ إِلَى من أنكر من أَهله عَلَيْهِ
ثمَّ تكلم مَعَ الْيَهُود فِيمَا يعلمونه من أمره وَمَا يجدونه مَكْتُوبًا عِنْدهم من صفته ورفعة ذكره فباهتوه وناكروه وقابلوه بالعداوة وجاهروه فَأَعْرض عَن الْكَبِير مِنْهُم وَالصَّغِير وفاز بِمَا فَازَ من صُحْبَة البشير النذير
стр. 59
(بِشِرَاك يَا ابْن سَلام بِالَّذِي ظَفرت ... بِهِ يداك من الْإِسْلَام والشرف)
(أظهرت من وصف خير النَّاس قاطبة ... مَا كَانَ مكتتبا فِي بَاطِن الصُّحُف)
(وَلم تعرج على قَول الْيَهُود وَمَا ... مالوا إِلَيْهِ من الْبُهْتَان والجنف)
قصَّة أبي قيس الْأنْصَارِيّ
كَانَ أَبُو قيس بارعا فِي نظامه صادعا بِالْحَقِّ فِي كَلَامه تعلق بِاللَّه وَتمسك وترهب فِي الْجَاهِلِيَّة وتنسك وَفَارق الْأَوْثَان وَأَقْبل على طَاعَة الديَّان واغتسل من الْجَنَابَة وَاعْتَزل حَتَّى ذَوي الْقَرَابَة وَلبس المسوح وركن إِلَى التَّوْبَة النصوح وَاتخذ مَسْجِدا فِي دَاره واشتغل بأوراده وأذكاره ولازم التَّكْبِير والتهليل وَقَالَ أعبد رب إِبْرَاهِيم وَإِسْمَاعِيل
فَلَمَّا هَاجر النَّبِي ﷺ ذهب إِلَيْهِ فَأسلم على يَده الْكَرِيمَة وَحسن إِسْلَامه وَهُوَ الْقَائِل فِي الْجَاهِلِيَّة من أَبْيَات
(سبحوا الله شَرق كل صباح ... طلعت شمسه وكل هِلَال)
стр. 60
(فَلهُ الطير تستزيد وتأوي ... فِي وَكَون من آمنات الْجبَال)
(وَله الْوَحْش فِي الفلاة ترَاهَا ... فِي حقاف وَفِي طلال الرمال)
(يَا بني الْأَرْحَام لَا تقطعوها ... وصلوها قَصِيرَة من طوال)
(يَا بني الْأَيَّام لَا تأمنوها ... واحذروا مكْرها ومكر اللَّيَالِي)
(واجمعوا أَمركُم على الْبر وَالتَّقوى ... وَترك الْخَنَا وَأخذ الْحَلَال)
ذكر أهل الصّفة
كَانَ أهل الصّفة نَاسا ضعفاء الْحَال لَيْسَ لَهُم عشائر وَلَا منَازِل وَلَا مَال وَكَانُوا يأوون إِلَى الْمَسْجِد وَفِيه ينامون ويجاورن من يظْلمُونَ فِي جواره وَلَا يضامون
وَكَانَ ﷺ يعتني بأمرهم ويتوصل بِكُل طَرِيق إِلَى جبرهم ويدعوهم إِلَى طَعَامه وَيَأْمُر أَصْحَابه برفد كل مِنْهُم وإكرامه وهم الَّذين أَعرضُوا
стр. 61
عَن الْغمر وقنعوا بالبرض وَفِيهِمْ جَاءَ ﴿للْفُقَرَاء الَّذين أحْصرُوا فِي سَبِيل الله لَا يَسْتَطِيعُونَ ضربا فِي الأَرْض﴾ ويكفيهم أَن أَبَا ذَر وَأَبا هُرَيْرَة مِنْهُم تغمدهم الله برحمته الواسعة وَرَضي عَنْهُم
(لأهل الصّفة الماضين فَخر ... بِصُحْبَة أَحْمد القثم النذير) رَضوا بالنزر فِي الدُّنْيَا فَلَمَّا ... قضوا وافوا إِلَى ملك كَبِير)
صفة النَّبِي ﷺ
(صفة جسده ﷺ
كَانَ خَاتم النُّبُوَّة بَين كَتفيهِ مثل بَيْضَة الْحَمَامَة وَقيل كزر الحجلة وَقيل شعر مُجْتَمع وَقيل شامة
وَكَانَ عَظِيم الهامة وَاسع الجبين أَزجّ الحواجب أقنى الْعرنِين
стр. 62
رجل الشّعْر خافض الطّرف مضيء الْعُنُق ندي الْعرف أَشمّ أدعج مفلج الْأَسْنَان أشنب أطول من المربوع وأقصر من المشذب كث اللِّحْيَة سهل الْخَدين ضخم الكراديس بعيد مَا بَين الْمَنْكِبَيْنِ معتدل الْخلق متماسك الْبدن عريض الصَّدْر أَزْهَر اللَّوْن يتلألأ وَجهه تلألأ الْقَمَر لَيْلَة الْبَدْر سَائل الْأَطْرَاف سبط الْقصب إِذا مَشى كَأَنَّمَا ينحط من صبب رحب الراحتين
стр. 63
طَوِيل الزندين شئن الْكَفَّيْنِ مسيح الْقَدَمَيْنِ
(صِفَاته المعنوية وآدابه وسمته ﷺ
وَكَانَ حسن الْخلق لين الحانب لَيْسَ دونه بواب وَلَا حَاجِب يبْدَأ من لقِيه بِالسَّلَامِ ويفتر عَن مثل حب الْغَمَام يُبدل النّظر بالملاحظة والضحك بالتبسم وَيَأْتِي بجوامع الْكَلم حَال التَّلَفُّظ والتكلم يحسن الْحسن ويقويه ويقبح الْقَبِيح ويوهيه يُشِير بكفه إِذا أَشَارَ وَإِذا تعجب قَلبهَا لَا يكترث بالدنيا وَلَا يبخل بهَا على من طلبَهَا إِذا فَرح غض طرفه وَإِذا غضب أعرض وثنى عطفه
وَكَانَ طَوِيل السُّكُوت جزيل الذّكر متواصل الأحزان دَائِم الْفِكر يسكت عَن الْحلم والتدبر ويصمت عَن الحذر والتفكر لَا يخزن على السَّائِل جَوَابه وَلَا يتَكَلَّم إِلَّا فِيمَا يَرْجُو ثَوَابه
стр. 64
لَيْسَ بِفَظٍّ وَلَا غليظ وَلَا صخاب فِي الْأَسْوَاق وَلَا فحاش وَلَا مزاح وَلَا عياب
يتفقد أَصْحَابه ويؤثرهم بخيره وَلَا يقصر عَن الْحق وَلَا يجوزه إِلَى غَيره يُقَابل من استوطن دَار الدُّنْيَا باللوم وَيجْلس حَيْثُ انْتهى بِهِ مجْلِس الْقَوْم لَا يغْضب لنَفسِهِ وَلَا ينتصر لَهَا ويعظم دَقِيق النِّعْمَة ويستبحر وشلها
يكرم كريم كل قوم ويوليه عَلَيْهِم وَيَقْضِي حوائج النَّاس ويتودد إِلَيْهِم ينذرهم ويبشرهم ويؤلفهم وَلَا ينفرهُمْ
مَجْلِسه مجْلِس حَيَاء وحلم وصبر وَأَمَانَة علم يوقر فِيهِ الْكَبِير ويحفظ الْغَرِيب وَيرْحَم الصَّغِير لَا ترفع فِيهِ الْأَصْوَات وَلَا تؤبن الْحرم وَلَا يتنازع فِيهِ الحَدِيث وَلَا تخفر الذمم
إِذا تكلم أطرق جُلَسَاؤُهُ كَأَنَّمَا على رُؤْسهمْ الطير وَإِذا سكت تكلمُوا فِيمَا يجلب لَهُم النَّفْع وَالْخَيْر يبْذل فِي نصح أمته جهده وَالنَّاس فِي الْحق سَوَاء عِنْده لَا يمِيل عَن طَالب الْحَاجة وَلَا ينحرف ويصابر من جالسه أَو قاومه حَتَّى يكون هُوَ المنصرف
стр. 65
لَا يذم أحدا وَلَا يعيره وَلَا يطْلب كشف عَوْرَته ويصبر للغريب على الجفوة فِي مَنْطِقه ومسألته من وَفد عَلَيْهِ غمره بنيل النول وَمن سَأَلَهُ حَاجَة لَا يردهُ إِلَّا بهَا أَو بميسور من القَوْل
كَانَ يشد صلبه بِالْحجرِ من الغرث وَيَأْمُر بكف اللِّسَان عَن اللَّغْو والرفث ويبيت وَلَيْسَ عِنْده سراج ويمسي وَيُصْبِح وَهُوَ إِلَى الطَّعَام مُحْتَاج
وَلَقَد مرت عَلَيْهِ ثَلَاثَة أَيَّام لم يدْخل إِلَى فَمه فِيهَا شَيْء من الطَّعَام وَأَتَتْ عَلَيْهِ شهور لم يشْبع فِيهَا من خبز الْبر وَلَو شَاءَ لأجرى الله مَعَه جبال الْيَاقُوت والدر وَكَانَت تمر بآله الشُّهُور لَا يرى فِي بُيُوتهم جمر إِنَّمَا كَانُوا يعيشون بالأسودين المَاء وَالتَّمْر
وحبب إِلَيْهِ النِّسَاء وَالطّيب وَجعلت قُرَّة عينه فِي الصَّلَاة وَلم يزل على ذَلِك حَتَّى لحق بِمن هُوَ فِي السَّمَاء إِلَه وَفِي الأَرْض إِلَه
(أَوْصَاف خير الْخلق لَيْسَ لندها ... ند وأنجم نَعته لَا تحصر)
стр. 66
(الْقد معتدل عَلَيْهِ جلالة ... والطرف أدعج والمحيا أَزْهَر)
(فاق النَّبِيين الْكِرَام بخلقه ... وبخلقه لكنه لَا يفخر)
(الْفضل فِي الأزمات مِنْهُ يرتجى ... وَالْعدْل وَالْإِحْسَان عَنهُ يُؤثر)
(وَله المقامات الْمُعظم أجرهَا ... وَله الْوَسِيلَة واللوا والكوثر)
(أكْرم بِهِ سَمحا جوادا لم يزل ... من راحتيه ندى المكارم يقطر)
(متفردا بجوامع الْكَلم الَّتِي ... من طيها عرف الْهِدَايَة ينشر)
(صلى عَلَيْهِ الله مَا هَب الصِّبَا ... ومحى كتاب اللَّيْل صبح مُسْفِر)
شعر النَّبِي ﷺ
كَانَ ذَا شعر لَا يُجَاوز أُذُنَيْهِ وَفِي لفظ كَانَ يبلغ أَو يضْرب مَنْكِبَيْه وَكَانَ لَهُ شعر فَوق الوفرة وَدون الجمة وَكَانَت شحمة أُذُنَيْهِ تستر مِنْهُ باللمة وَقدم مَكَّة وَله أَربع غدائر قَالَت أم هانىء رَأَيْت فِي رَأسه أَربع ضفائر
стр. 67
وَكَانَ يفرق شعره وَيَأْمُر بِالْفرقِ يَا لَهُ شعرًا أخجل بضوء فرقة الْوَاضِح وميض الْبَرْق وَمَا شَأْنه الله تَعَالَى بالشيب وَلَا قرن ذَاته الشَّرِيفَة بِنَقص وَلَا عيب كَانَ فِي رَأسه ولحيته شعر مَعْدُود إِذا أدهن وارى الدّهن بياضهن الْمَوْجُود وَنهى عَن نتف الشيب وَقَالَ (هُوَ نور يَوْم الْقِيَامَة) والشيبة فِي الْإِسْلَام ترفع دَرَجَة صَاحبهَا وتحط عَنهُ آثامه
وَقَالَ فِي حَدِيثه الَّذِي يجلي من صدأ الْقُلُوب مَا يجلي (شيبتني هود وَأَخَوَاتهَا) وَمَا فعل بالأمم قبلي
وَجَاء فِي الْخَبَر أَنه خضب بِالْحِنَّاءِ والكتم وَأمر بتغيير الشيب مُخَالفَة للْيَهُود وَالنَّصَارَى والعجم وَكَانَ أَصْحَابه يخضبون بِالْحِنَّاءِ والكتم والصفرة وَنهى عَن الخضاب بِالسَّوَادِ وسَاق فِي معرض الذَّم ذكره
(مَا شان خير الْخلق شيب ... إِنَّمَا هِيَ أنجم تَحت الْغَمَام بواد)
(فاحرص إِذا وافاك شين الشيب ... أَن لَا تخضبن بياضه بسواد)
سواك النَّبِي ﷺ وحجامته
كَانَ النَّبِي ﷺ إِلَى السِّوَاك شَدِيد الْميل وَكَانَ يوضع لَهُ ليستاك بِهِ إِذا قَامَ من اللَّيْل وَمَا اسْتَيْقَظَ فِي ليل أَو نَهَار من كراه إِلَّا وَاسْتعْمل السِّوَاك قبل وضوئِهِ للصَّلَاة
стр. 68
وَكَانَ لَهُ مرْآة ومشط من عاج ومكحلة ومقراض وقدح من زجاج وقدح يدعى الريان وقدح مضبب وثور من حِجَارَة ومغسل من صفر ومخضب
وَكَانَ يكتحل بالأثمد عِنْد النّوم ثَلَاثًا فِي كل عين وَفِي لفظ يكتحل فِي عينه الْيُمْنَى ثَلَاث مَرَّات واليسرى مرَّتَيْنِ
وَكَانَ يقص من شَاربه ويحفيه وَيظْهر علم سنته الزاهرة وَلَا يخفيه
وَحَدِيث حجامته رَوَاهُ عدَّة من النَّاس وَأمره جِبْرِيل بالمغيثة وَهِي الْحجامَة فِي الرَّأْس وَاحْتَجَمَ على الأخدعين اثْنَيْنِ وعَلى الْكَاهِل وَاحِدَة وَقَالَ (خير مَا تداويتم بِهِ الْحجامَة) فطوبى لمن أَخذ بِالْقبُولِ فَوَائده
(واظب على سنَن الرَّسُول وفعلها ... وَمن اقتفاء آثاره كن لاحقا)
(واصبر على شَرط الْحجامَة واكتحل ... وَإِلَى السِّوَاك سواك لَا يَك سَابِقًا)
مِنْبَر النَّبِي ﷺ وخطابته
كَانَ يخْطب يَوْم الْجُمُعَة إِلَى جذع قَائِما فشق عَلَيْهِ أَن يسْتَمر على الْقيام فِي خطبَته دَائِما فَاتخذ لَهُ الْمِنْبَر من أثلة بِالْغَابَةِ بعد أَن شاور فِي عمله
стр. 69
ذَوي الرَّأْي من الصَّحَابَة صنعه غُلَام الْعَبَّاس دَرَجَتَيْنِ ومقعدا وَسَار خَبره فِي النَّاس مُتَّهمًا ومنجدا كَيفَ لَا وَهُوَ على ترعة من ترع الْجنَّة وبذروته تتلى آيَات الْكتاب وَتحفظ أَخْبَار السّنة
وقوائمه مَوْضُوعَة على الْحَوْض وَمن حوله روض نبوي يجل عَن مشابهة الرَّوْض
وَإِلَيْهِ تركن الْمَلَائِكَة وبظله تتفيأ الْأَبْرَار وَمن حلف عَلَيْهِ كَاذِبًا تبوء مَقْعَده من النَّار
وَلما جلس عِنْد الْمِنْبَر فَقده الْجذع الَّذِي كَانَ يقوم إِلَيْهِ فحن حنين العشار وَلم يسكن حَتَّى أَتَاهُ وَوضع يَده عَلَيْهِ
وَكَانَ إِذا خطب يتَوَكَّأ على الْعَصَا وَيُشِير بأصابعه الَّتِي سبح إِلَى جَانبهَا صم الْحَصَا
وَكَانَ لَهُ برد يمنية وَإِزَار من نسج عمان لَا يَلْبسهُمَا إِلَّا يَوْم الْجُمُعَة وَالْعِيدَيْنِ ثمَّ يطويان
(الْجذع حن إِلَى النَّبِي الْمُصْطَفى ... وعَلى الحنين لَهُ دَلِيل ظَاهر)
стр. 70
(لله منبره الَّذِي من حوله ... للجنة الفيحاء روض ناضر)
صَلَاة النَّبِي ﷺ على الْجَنَائِز
كَانَ الْمُسلمُونَ بعد قدومه إِلَى الْمَدِينَة وَتَمام هجرته الزكية يعلمونه إِذا حضر مِنْهُم أحد وأشرف على الْمنية فَيَأْتِي المحتضر ويستغفر لَهُ وَيجْلس عِنْده حَتَّى إِذا قبض انْصَرف أَو قعد إِلَى أَن يدخلوه لحده
فَرُبمَا طَالَتْ الشقة وخافوا أَن تحصل لَهُ الْمَشَقَّة فَكَانُوا يعلمونه بِالْمَيتِ بعد قَضَاء نحبه فيأتيه وَيُصلي عَلَيْهِ ويستغفر لَهُ من ذَنبه ثمَّ ينْصَرف بعد الصَّلَاة أَو يمْكث إِلَى أَن يغيب فِي الفلاة
ثمَّ كَانُوا بعد ذَلِك يحملون الْمَيِّت إِلَيْهِ فَيشْهد جنَازَته وَيُصلي عِنْد بَيته عَلَيْهِ
واستقرت دوائر الْأَمر على هَذِه المراكز فَسُمي الْمَكَان الَّذِي كَانَ يُصَلِّي فِيهِ مَوضِع الْجَنَائِز
(طُوبَى لمن صلى عَلَيْهِ الْمُصْطَفى ... خير الورى من صَحبه الْأَبْرَار)
стр. 71
(فَلَقَد ثوى فِي جنَّة مَرْفُوعَة ... وَلَقَد نجا من شَرّ حر النَّار)
ملابس النَّبِي ﷺ
كَانَ لَهُ برد نجراني غليظ الْحَاشِيَة وكمة بَيْضَاء وقلانس لاطية وعمامة سَوْدَاء صعد بهَا على الْمِنْبَر ولبسها عِنْد دُخُول مَكَّة يَوْم الْفَتْح الْأَكْبَر وقميص من الْقطن قصير الطول وَالْيَدَيْنِ وجبة من الصُّوف وجبة شامية صفيقة الكمين وَبرد من حبرَة لَهُ حاشيتان ورداء حضرمي وَإِزَار من نسج عمان وحلة حَمْرَاء يلبسهَا فِي الْجُمُعَة وَالْعِيدَيْنِ وَكَانَ يكثر القناع ويلبس الجرموقين والنعلين
وَإِذا اعتم سدل عمَامَته بَين كَتفيهِ وأرخاها وَإِذا تَوَضَّأ أَو سجد رَفعهَا عَن جَبينه ونحاها
стр. 72
وَكَانَ يصْبغ ثِيَابه بالزعفران وَيظْهر للنَّاس وَعَلِيهِ بردَان أخضران
وَأمر يلبس الثِّيَاب الْبَيْضَاء وحرض على ترك لبس الْحَرِير كل التحريض
وَكَانَ ضجاعه من أَدَم حشوه لِيف وَقَامَ فِي مرط من صوف لَا لين وَلَا كثيف
وَكَانَت لَهُ ملحفة مصبوغة وَصلى على الْحَصِير والفروة المدبوغة
وَكَانَ يرفع إزَاره من وارئه ويرخيه من بَين يَدَيْهِ وَأخرج يَده للْوُضُوء من تَحت جبته وَأَلْقَاهَا على كَتفيهِ وتوشح بِثَوْب وَاحِد وَقَامَ بِهِ إِلَى الصَّلَاة وَأم الْقَوْم فِي شملة خَالف بَين طرفيها وعقدها فِي قَفاهُ
وَأمر أَن يَقُول الْحَاضِر من أمته عِنْد لبس الْجَدِيد الْآتِي (الْحَمد لله الَّذِي كساني مَا أواري بِهِ عورتي وأتجمل بِهِ فِي حَياتِي)
(لبس الغليظ من البرود مُحَمَّد ... أزكى الورى خير الْأَعَاجِم وَالْعرب)
(وَهُوَ الَّذِي لَو شَاءَ أجْرى الله فِي ... أبياته طَوْعًا لَهُ نهر الذَّهَب)
стр. 73
سلَاح النَّبِي ﷺ
كَانَ لَهُ سيف يُقَال لَهُ الْمَأْثُور وَسيف بالعضب عِنْد الْعَرَب مَشْهُور وَسيف يدعى ذَا الفقار يَصْحَبهُ فِي الْحَرْب وَيشْهد بِهِ مَوَاقِف الطعْن وَالضَّرْب وَسيف يُسمى صمصامة يروع الْقُلُوب وَسيف قلعي والبتار والحتف والرسوب وسيفان يعرفان بالمخذم وبالقضيب هَذِه أسيافه الَّتِي أخذت من صحبته بأوفر نصيب
وَكَانَت لَهُ دروع تسحب على السَّحَاب فضل الذيول وَهن ذَات
стр. 74
الوشاح وَذَات الْحَوَاشِي وَذَات الفضول وَفِضة والسغدية درع دَاوُد ﵇ والبتراء والخرنق وكل مِنْهُنَّ لَا سهم عِنْدهَا للسهام
وَكَانَ لَهُ من القسي الكتوم والزوراء والروحاء والبيضاء والصفراء
وَكَانَ لَهُ كنَانَة يُقَال لَهَا الكافور ونبال تدعى الْمُتَّصِلَة ومنطقة من أَدِيم منشور
وَكَانَ لَهُ ترسان أَحدهمَا يعرف بالزلوق وترس آخر يفخر على سَائِر الجنن ويفوق
وَكَانَ لَهُ مغفران وَخَمْسَة أرماح حربتان إحديهما العنزة المخجلة ضوء الصَّباح
стр. 75
وَكَانَت لَهُ راية سَوْدَاء تسمى الْعقَاب وألوية بَيْضَاء رفيعة الجناب ومحجن وقضيب ومخصرة تسمى العرجون وفسطاط يعرف بالكن ويشتمل على السِّرّ الْمكنون
(بِمُحَمد خير الْبَريَّة يكْتَفى ... يَوْم النزال إِذا اكفهر الْموقف)
(هُوَ أثبت الشجعان عِنْد الْمُلْتَقى ... وَأجل من لبس السِّلَاح وأشرف)
(كم فل جَيْشًا للعداة عرمرما ... صَعب المراس بِغَيْرِهِ لَا يكْشف)
(لله درع لَاحَ فِيهِ ومغفر ... ومهند فِي كَفه ومثقف)
следующие страницы →