Полный текст (130 стр.). Показаны 1–40.
стр. 1
(بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم)
(وَهُوَ تَعَالَى حسبي)
قَالَ الشَّيْخ الإِمَام الْعَالم الْكَبِير حَافظ الشَّام أَبُو بكر شمس الدّين مُحَمَّد بن أبي بكر عبد الله الشهير بِابْن نَاصِر الدّين الدِّمَشْقِي الشَّافِعِي، رَحمَه الله تَعَالَى:
(مُقَدّمَة الْمُؤلف)
الْحَمد لله الْحَيّ الْبَاقِي على الدَّوَام؛ الْمُنْفَرد بالعز والقهر والجلال وَالْإِكْرَام؛ الْحَاكِم بالحمام على الْخَاص ووالعام، فَلَا محيد لأحد عَنهُ وَلَو عمر ألف عَام، جعل الزَّرْع البشري بمنجل الْمَوْت حصيداً، وَفِي بيدر الأجداث بدياس البلى فقيداً، ويقسمه يَوْم يذرؤه
стр. 2
خلقا جَدِيدا: فريقاً فِي الْجنَّة، وفريقاً فِي دَار الانتقام، فسبحانه من وَاحِد قهار جواد، وَارِث الْعباد والبلاد، باعث الرفات للمعاد، جَامع النَّاس ليَوْم تدحض فِيهِ الْأَقْدَام. نحمده على مَا سَاءَ وسر /، ونشكره على مَا حلا وَمر، ونؤمن بِمَا قدر من خير وَشر، ونسأله الرضى بِمَا قضى، وسطرته الأقلام. ونشهده أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَحده لَا شريك لَهُ، ذُو الْقُدْرَة الباهرة، والسطوة الباطشة الْقَاهِرَة، المعيد خلقه بعد الفناء؛ فَإِذا هم بالساهرة فِي يَوْم لَا كالأيام، ونشهد أَن سيدنَا مُحَمَّدًا عَبده الْأمين، وَرَسُوله الْمَأْمُون، الَّذِي أنزل عَلَيْهِ فِي كِتَابه الْمكنون، مُخَاطبا لَهُ بقوله تَعَالَى: ﴿إِنَّك ميت وَإِنَّهُم ميتون﴾ . وَاخْتَارَ لَهُ على هَذِه الدُّنْيَا الدنية
стр. 3
الْوَسِيلَة فِي دَار السَّلَام، صلى الله أشرف الصَّلَوَات عَلَيْهِ، وسَاق من التَّحِيَّات أفضلهَا إِلَيْهِ، وأنزله الْمنزل المقرب لَدَيْهِ، وبلغه نِهَايَة المرام، وَأَعْلَى الْإِكْرَام، وَرَضي الله عَن آله الْأَشْرَاف / السَّادة، وَأَصْحَابه الْأَعْلَام القادة، وتابعيهم فِي الْهدى وَالْعِبَادَة، وَعَلَيْهِم من رَبنَا السَّلَام.
стр. 4
(قصيدة فِي موت النَّبِي [ ﷺ ] )
شعر: [من السَّرِيع] :
(مَا الْأَمر فِي ذِي الدَّار إِلَّا مَنَام ... كل سيدري حِين يَأْتِي الْحمام)
(يَقُول يَا لَيْت وأنى لَهُ ... وَالْمَوْت قد أطلق فِيهِ السِّهَام /)
(يود لَو أمهله لَحْظَة ... يَتُوب فِيهَا عَن ركُوب الْحَرَام)
(أَنى لَهُ التوب وَقد حشرجت ... فِي الصَّدْر مِنْهُ النَّفس للاصطلام)
(يَا نائمين انتبهوا طالما ... غر الأولى الماضين طول الْمقَام /)
(بَينا هم فِي غَفلَة إِذْ أَتَى ... مَا كفهم عَن فعلهم وَالْكَلَام)
(وأسكنوا فِي حُفْرَة أذهبت ... لحومهم لم تبْق غير الْعِظَام)
(بل أسحقت تِلْكَ الْعِظَام الَّتِي ... وجوهها كَانَت تنير الظلام)
(يَا حسن مَا كُنَّا جَمِيعًا فمذ ... ترحلوا عَنَّا أَقَامَ الغرام)
(وَكلما مر حَدِيث لَهُم ... تضَاعف الشوق وَزَاد الهيام)
стр. 5
(لله هَذَا الْمَوْت لم يبْق ذَا ... تقوى لتقواه وَلَا ذَا اجترام)
(وَلَو يحاشي أحدا فِي الورى ... حاشى نَبِي الله ذَا الاحترام /)
(لكنه أنهله كأسه ... وَهُوَ حبيب الله خير الْأَنَام)
(فماجت الأَرْض بِمن فَوْقهَا ... لمَوْته وانهل صوب الْغَمَام)
(وكل عين أنزفت دمعها ... وأهون الدمع عَلَيْهِ انسجام)
(وَأصْبح الْمَسْجِد من فَقده ... يشكو كَذَاك الْبَيْت ثمَّ الْمقَام)
(بل كل أَرض عَمها فَقده ... وَقد علاها بعد نور قتام)
(وَلم يجد خلق كأصحابه ... إِذْ أودعوه تَحت تِلْكَ السَّلَام)
стр. 6
(وَانْصَرفُوا عَنهُ وكل لَهُ ... حزن وهم لَا يُطيق الْكَلَام /)
(لله موت الْمُصْطَفى إِنَّه ... رزء عَظِيم لَا يضاهي الْعِظَام)
(فموته الْخطب الْجَلِيل الَّذِي ... هان بِهِ رزء الْجِيَاد الْكِرَام)
(لكنه حَيّ وَفِي رَوْضَة ال ... وَسِيلَة الْعُظْمَى بِأَعْلَى مقَام)
(عَلَيْهِ صلى الله من فَضله ... وسَاق تَسْلِيمًا إِلَيْهِ دوَام)
(ثمَّ على الْآل وَأَصْحَابه ... وَالتَّابِعِينَ الأطيبين السَّلَام)
(الْإِشَارَة إِلَى دنو أَجله [ ﷺ ] )
قَالَ الله تَعَالَى مُخَاطبا لنَبيه الْكَرِيم عَلَيْهِ أفضل الصَّلَاة وَالتَّسْلِيم: بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم: ﴿إِذا جَاءَ نصر الله وَالْفَتْح﴾ إِلَى آخر السُّورَة.
المُرَاد بِالْفَتْح: فتح مَكَّة وَمَا داناها. وبالناس: فِيمَا قيل أهل الْيمن وَمَا والاها، لِأَنَّهُ لما / بَلغهُمْ هَذَا الْفَتْح الْمُبين قَالُوا: لَوْلَا أَن مُحَمَّدًا [ ﷺ ] رَسُول من رب الْعَالمين، لصده عَن بَيته الْحَرَام، وَلم يبلغهُ من فَتحه المرام كَمَا فعل بتبع، وَأَصْحَاب
стр. 7
الْفِيل مِمَّن جعل كيدهم فِي تضليل؛ فَأَيْقنُوا حِينَئِذٍ برسالته احتجاجاً، ودخلوا طائعين فِي دين الله أَفْوَاجًا، وَأسْلمت الْقَبَائِل فُرَادَى وأزواجاً، وَلما شَاهد النَّبِي [ ﷺ ] ذَلِك وَرَآهُ علم أَن الْأَجَل قريب، فَاسْتَبْشَرَ بلقاء الله. وَهَذِه السُّورَة الشَّرِيفَة نزلت آخر السُّور الْعَظِيمَة، وفيهَا نعيت إِلَى / النَّبِي، [ ﷺ ] ، نَفسه الْكَرِيمَة.
[كَثْرَة استغفاره [ ﷺ ]]
خرج أَبُو الْقَاسِم الطَّبَرَانِيّ فِي مُعْجَمه الْأَوْسَط عَن ابْن عَبَّاس [﵄] فِي قَول الله : ﴿إِذا جَاءَ نصر الله / وَالْفَتْح﴾ قَالَ: فتح مَكَّة، نعيت لرَسُول الله [ ﷺ ] نَفسه، فَاسْتَغْفر الله رَبك، وَاعْلَم أَنه قد حضر أَجلك.
стр. 8
وَهُوَ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَن ابْن عَبَّاس بِمَعْنَاهُ. وَفِي الْبَاب أَحَادِيث سواهُ. فامتثل [ ﷺ ] بِمَا أَمر بِهِ سَرِيعا. وسارع إِلَى مَا ندب إِلَيْهِ مُطيعًا.
روى الْحسن بن سُفْيَان من طَرِيق أبي مُجَاهِد عبد الله بن كيسَان الْمروزِي عَن عِكْرِمَة عَن ابْن عَبَّاس [﵄] قَالَ: " لما أقبل رَسُول الله [ ﷺ ] من غَزْوَة حنين، وَأنزل الله عَلَيْهِ: ﴿إِذا جَاءَ نصر الله﴾ قَالَ: يَا عَليّ بن أبي طَالب، وَيَا فَاطِمَة: قد جَاءَ نصر الله وَالْفَتْح، وَرَأَيْت النَّاس يدْخلُونَ فِي دين الله أَفْوَاجًا، فسبحان رَبِّي وَبِحَمْدِهِ، وأستغفره إِنَّه كَانَ تَوَّابًا " أَكثر [ ﷺ ] / على هَذَا الذّكر الْمُوَاظبَة، وَاسْتَعْملهُ بِهَذَا اللَّفْظ وَمَا قاربه.
стр. 9
قَالَت عَائِشَة [﵂] مَا صلى النَّبِي [ ﷺ ] صَلَاة بعد أَن أنزلت عَلَيْهِ: ﴿إِذا جَاءَ نصر الله وَالْفَتْح﴾ إِلَّا يَقُول فِيهَا: " سُبْحَانَكَ رَبنَا وَبِحَمْدِك، اللَّهُمَّ اغْفِر لي ". وَصَحَّ عَنْهَا أَيْضا أَنَّهَا قَالَت: كَانَ رَسُول الله [ ﷺ ] يكثر من قَول: " سُبْحَانَ الله وَبِحَمْدِهِ، أسْتَغْفر الله وَأَتُوب إِلَيْهِ " فَقلت: يَا رَسُول الله، أَرَاك تكْثر من قَول سُبْحَانَ الله وَبِحَمْدِهِ وَأَسْتَغْفِر الله وَأَتُوب إِلَيْهِ. فَقَالَ: " خبرني رَبِّي [ ] أَنِّي سأرى عَلامَة فِي أمتِي، فَإِذا رَأَيْتهَا أكثرت من قَول: سُبْحَانَ / الله وَبِحَمْدِهِ، أسْتَغْفر الله وَأَتُوب إِلَيْهِ، فقد رَأَيْتهَا: ﴿إِذا جَاءَ نصر الله وَالْفَتْح﴾ فتح مَكَّة ﴿وَرَأَيْت النَّاس يدْخلُونَ فِي دين الله أَفْوَاجًا﴾ إِلَى آخر السُّورَة.
стр. 10
ويروى عَن أم سَلمَة ﵂ قَالَت: " وَكَانَ النَّبِي [ ﷺ ] فِي آخر عمره لَا يقوم وَلَا يقْعد / وَلَا يذهب وَلَا يَجِيء إِلَّا قَالَ: " سُبْحَانَ الله وَبِحَمْدِهِ " فَذكرت ذَلِك لَهُ فَقَالَ: " إِنِّي أمرت بذلك " وتلا هَذِه السُّورَة ".
بعْدهَا عَاشَ النَّبِي [ ﷺ ] سنتَيْن فِيمَا شاع.
[تَارِيخ نزُول سُورَة النَّصْر]
وَقيل: نزلت فِي أَوسط أَيَّام التَّشْرِيق من حجَّة الْوَدَاع.
стр. 11
وَذكر مقَاتل فِي تَفْسِير سُورَة النَّصْر جزما أَن النَّبِي ﷺ َ - عَاشَ بعْدهَا ثَمَانِينَ يَوْمًا.
وَالْمَشْهُور فِي هَذِه الْمدَّة يَقِينا أَنَّهَا بعد قَوْله تَعَالَى: ﴿الْيَوْم أكملت لكم دينكُمْ وَأَتْمَمْت عَلَيْكُم نعمتي ورضيت لكم الْإِسْلَام دينا﴾ .
حدث هَارُون ابْن أبي وَكِيع عنترة بن عبد الرَّحْمَن الشَّيْبَانِيّ الْكُوفِي عَن أَبِيه عَن عمر [رَضِي الله عَنهُ] قَالَ: لما نزلت: ﴿الْيَوْم أكملت لكم دينكُمْ وَأَتْمَمْت عَلَيْكُم نعمتي ورضيت لكم الْإِسْلَام دينا﴾ بَكَى عمر [﵁] ، وَقَالَ: يَا رَسُول الله، كُنَّا فِي
стр. 12
/ زِيَادَة من ديننَا، فَلَمَّا أَن أكمل فَلَيْسَ بعد الْإِكْمَال إِلَّا النُّقْصَان. قَالَ: " صدقت ".
[فراسة عمر ﵁]
نظر [عمر ﵁] إِلَى سنة الله فِي عباده من نقص الشَّيْء بعد كَمَال ازدياده، وَعلم أَن نُقْصَان الدّين / موت خَاتم النَّبِيين صلى الله [عَلَيْهِ و] عَلَيْهِم أَجْمَعِينَ، فَبكى لذَلِك وازداد نحيباً، وَوَقع مَا علمه عمر قَرِيبا، لكنه خَفِي عَلَيْهِ لما وَقع بعد أَيَّام، لينفرد الصّديق بالتصديق قَائِما ذَلِك الْمقَام.
[مرض النَّبِي [ ﷺ ]]
وَبعد نزُول آيَة الْإِكْمَال المتينة، رَجَعَ النَّبِي [ ﷺ ] من حجَّته إِلَى الْمَدِينَة، فَوجدَ يَوْم قدم صداعاً فِي رَأسه، وَفِي بدنه
стр. 13
فَتْرَة. وَكَانَ كالمتحلل من آثَار السفرة، ثمَّ عوفي وَمرض فِي صفر سنة إِحْدَى عشرَة.
روى أَبُو مُحَمَّد الْمُعْتَمِر بن سُلَيْمَان بن طرخان التَّيْمِيّ الْبَصْرِيّ عَن أَبِيه قَالَ: إِن النَّبِي [ ﷺ ] مرض لاثْنَتَيْنِ وَعشْرين لَيْلَة من صفر، وَبَدَأَ وَجَعه عِنْد وليدة لَهُ يُقَال لَهَا: رَيْحَانَة، / - كَانَت من سبي الْيَهُود - وَكَانَ أول يَوْم مَرضه يَوْم السبت، فِي لَيْلَة هَذَا السبت الْمَذْكُور خرج النَّبِي [ ﷺ ] إِلَى البقيع، فَاسْتَغْفر لأهل الْقُبُور.
[زيارته مَقْبرَة البقيع]
وروى سيف بن عمر فِي الْفتُوح عَن مُبشر بن الْفضل
стр. 14
وَابْن اسحاق عَن عبد الله بن عمر العبلي - وَاللَّفْظ لَهُ - جَمِيعًا عَن عبيد بن جُبَير عَن عبد الله بن عَمْرو بن الْعَاصِ [﵄] عَن أبي مويهبة مولى رَسُول الله [ ﷺ ] قَالَ: بَعَثَنِي رَسُول الله [ ﷺ ] من جَوف اللَّيْل، فَقَالَ: " يَا أَبَا مويهبة إِنِّي أمرت أَن أسْتَغْفر لأهل البقيع، فَانْطَلق معي ". قَالَ: فَانْطَلَقت مَعَه،، قَالَ: فَلَمَّا وقف بَين أظهرهم، قَالَ: " السَّلَام عَلَيْكُم يَا أهل الْمَقَابِر، لِيهن لكم مَا أَصْبَحْتُم مِمَّا أصبح فِيهِ النَّاس، لَو تعلمُونَ مَا نجاكم الله مِنْهُ، أَقبلت الْفِتَن كَقطع اللَّيْل المظلم يتبع أخراها / أولاها. الْآخِرَة شَرّ من الأولى ". ثمَّ أقبل عَليّ فَقَالَ: يَا أَبَا مويهبة / هَل علمت أَنِّي قد أُوتيت مَفَاتِيح خَزَائِن الدُّنْيَا والخلد فِيهَا ثمَّ الْجنَّة؟ خيرت بَين ذَلِك وَبَين لِقَاء رَبِّي وَالْجنَّة ". قَالَ: قلت: بِأبي أَنْت وَأمي فَخذ مَفَاتِيح خَزَائِن الدُّنْيَا والخلد فِيهَا ثمَّ الْجنَّة. قَالَ: " لَا وَالله يَا أَبَا مويهبة، لقد اخْتَرْت لِقَاء رَبِّي وَالْجنَّة ". قَالَ: ثمَّ اسْتغْفر لأهل البقيع، ثمَّ انْصَرف؛ فَبَدَأَ رَسُول الله [ ﷺ ] فِي وَجَعه الَّذِي قَبضه الله فِيهِ حِين
стр. 15
أصبح. خرجه الإمامان أَحْمد والدارمي فِي مسنديهما لِابْنِ إِسْحَاق.
[وجع النَّبِي [ ﷺ ]]
وَحدث ابْن إِسْحَاق عَن الزُّهْرِيّ وَيزِيد بن رُومَان وَأبي بكر بن عبد الله: " أَن الَّذِي كَانَ، ابتدئ بِهِ رَسُول الله ﷺ من وَجَعه الَّذِي لزمَه أَن دخل على عَائِشَة [﵂] ، وَهُوَ يجد صداعاً، فَوَجَدَهَا تصدع / وَتقول: وَا رأساه، فَقَالَ [ ﷺ ] : " بل أَنا وَالله يَا عَائِشَة وَا رأساه " قَالَت:
стр. 16
فوَاللَّه لطار عني مَا أجد، وكدت أَن أستطار، فسكنني بالمزاح على تجشم مِنْهُ، فَقَالَ: " وَمَا ضرك يَا عَائِشَة لَو مت قبلي فأقوم عَلَيْك وأليك، وأصلي عَلَيْك؟ ! قَالَت: فتفاءلت لَهُ: فَمَا نجاني مِمَّا خشيت الحذر، وَقلت: أجل وَالله لكَأَنِّي بك قد فعلت وَقد أعرست بِبَعْض نِسَائِك فِي بَيْتِي من آخر ذَلِك الْيَوْم. فَتَبَسَّمَ رَسُول الله [ ﷺ ] ثمَّ تَمَادى بِهِ وَجَعه، وَهُوَ فِي ذَلِك يدورعلى نِسَائِهِ حَتَّى اسْتعزَّ برَسُول الله [ ﷺ ] ، وَهُوَ فِي بَيت مَيْمُونَة [﵂] قَالَت: فَلَمَّا رَأَوْا مَا بِهِ اجْتمع رَأْي من فِي الْبَيْت على أَن يلدوه وتخوفوا / أَن يكون بِهِ ذَات الْجنب، فَفَعَلُوا، ثمَّ فرج عَن رَسُول الله [ ﷺ ] ،
стр. 17
وَقد لدوه، فَقَالَ من فعل / هَذَا فهبنه واعتللن بِالْعَبَّاسِ [﵁] ، فَاتخذ جَمِيع من فِي الْبَيْت الْعَبَّاس سَببا، وَلم يكن لَهُ فِي ذَلِك رَأْي. فَقَالُوا: يَا رَسُول الله، عمك الْعَبَّاس أَمر بذلك، وتخوفنا أَن تكون بك ذَات الْجنب. فَقَالَ: " أَنَّهَا من الشَّيْطَان. وَلم يكن الله [ ] ليسلطه عَليّ، وَلَا ليرميني بهَا، وَلَكِن هَذَا عمل النِّسَاء، لَا يبْقى فِي الْبَيْت أحد إِلَّا لد إِلَّا عمي الْعَبَّاس، فَإِن يَمِيني لَا تناله "، فلدوا كلهم، ولدت مَيْمُونَة، وَكَانَت صَائِمَة لقَوْل رَسُول الله [ ﷺ ] .
ثمَّ خرج رَسُول الله [ ﷺ ] إِلَى بَيت عَائِشَة - وَكَانَ يَوْمهَا - بَين الْعَبَّاس وَعلي وَالْفضل مُمْسك بظهره، وَرجلَاهُ تخطان فِي الأَرْض حَتَّى دخل على عَائِشَة فَلم يزل عِنْدهَا مَغْلُوبًا لَا يقدر على الْخُرُوج، وَغير مغلوب وَهُوَ يقدر على الْخُرُوج / من بَيتهَا إِلَى غَيره ". غَلَبَة النَّبِي [ ﷺ ] فِي شكواه كَانَت من شدَّة حماه.
стр. 18
[شدَّة الْحمى الَّتِي نزلت بِالنَّبِيِّ [ ﷺ ]]
خرج الإِمَام أَحْمد فِي الْمسند، وَكتاب الزّهْد، وَابْن سعد فِي الطَّبَقَات، وَابْن أبي الدُّنْيَا فِي كتاب الْمَرَض وَالْكَفَّارَات، وَالْحَاكِم فِي مُسْتَدْركه، وَصَححهُ، وَاللَّفْظ لِأَحْمَد من حَدِيث أبي سعيد الْخُدْرِيّ [﵁] قَالَ: وضع رجل يَده على النَّبِي [ ﷺ ] فَقَالَ: وَالله مَا أُطِيق أَن أَضَع يَدي عَلَيْك من شدَّة حماك فَقَالَ النَّبِي صلى الله / عَلَيْهِ وَسلم: إِنَّا معشر الْأَنْبِيَاء يُضَاعف لنا الْبلَاء كَمَا يُضَاعف لنا الْأجر. إِن كَانَ
стр. 19
النَّبِي [ ﷺ ] من الْأَنْبِيَاء [عَلَيْهِم الصَّلَاة وَالسَّلَام] ليبتلى بالقمل حَتَّى يقْتله، وَإِن النَّبِي [[ ﷺ ]] من الْأَنْبِيَاء [عَلَيْهِم الصَّلَاة وَالسَّلَام] ليبتلى بالفقر حَتَّى يَأْخُذ العباءة فيجوبها، وَإِن كَانُوا ليفرحون بالبلاء كَمَا يفرحون بالرخاء " وَله شَاهد من حَدِيث عمر بن الْخطاب، وَابْن مَسْعُود، وَأبي
стр. 20
الدَّرْدَاء، وَعَائِشَة، وَفَاطِمَة / بنت الْيَمَان [﵃] .
[رَغْبَة أبي بكر فِي تمريض النَّبِي [ ﷺ ]]
وَحين أصَاب النَّبِي [ ﷺ ] من وعكه شدَّة، سَأَلَهُ أَبُو بكر [﵁] أَن يمرضه عِنْده.
روى سيف فِي الْفتُوح عَن ابْن عمر [رضى الله عَنْهُمَا] ، قَالَ: جَاءَ أَبُو بكر [﵁] إِلَى النَّبِي [ ﷺ ] فَقَالَ: يَا رَسُول الله، إيذن لي فأمرضك وأكون الَّذِي أقوم عَلَيْك. فَقَالَ: " يَا أَبَا بكر إِن لم تحمل أزواجي وبناتي علاجي ازدادت مصيبتي عَلَيْهِم عظما، وَقد وَقع أجرك على الله تَعَالَى ". وَكَانَ عَلَيْهِ أفضل الصَّلَاة وَالسَّلَام يقسم بَين نِسَائِهِ حظهن من
стр. 21
الْأَيَّام إِلَى أَن ضعف عَن الْمَشْي من شدَّة بلائه، فَكَانَ يحمل فِي ثوب ليقضي نوب نِسَائِهِ.
[تمريضه فِي بَيت عَائِشَة]
قَالَت عَائِشَة [﵂] لما اشْتَكَى رَسُول الله [ ﷺ ] جعل يَدُور بَين نِسَائِهِ ويتحامل، فَقَالَ يَوْمًا لَهُنَّ وَهن مجتمعات / عِنْده: " قد تَرين مَا قد أصابني من الشكوى، وَهُوَ يشْتَد عَليّ / أَن أدور بينكن، فَلَو أذنتن لي فَكنت فِي بَيت إحداكن حَتَّى أعلم مَا يصنع الله بِي ". فَقَالَت إِحْدَاهُنَّ: أَي نَبِي الله قد أذنا لَك، وعرفنا الْبَيْت الَّذِي تُرِيدُ، فتحول إِلَيْهِ فالزمه؛ فَإنَّا لَو قَدرنَا أَن نفديك بِأَنْفُسِنَا فَدَيْنَاك، وسررناك. قَالَ: " فَأَي بَيت هُوَ "؟ قَالَت: بَيت عَائِشَة لَا تعدل بِهِ. قَالَ: " صدقت ". قَالَت: فتحول إِلَى بَيْتِي.
стр. 22
تحول إِلَى بَيت عَائِشَة ﵂، بِمَا بِهِ من غمَّة مُتكئا على عَليّ وَالْعَبَّاس ﵄، وَالْفضل بن الْعَبَّاس آخذ بظهره، وَرجلَاهُ تخطان الأَرْض من شدَّة ضره. فَكَانَت عَائِشَة ﵂ تعالجه بالأدوية الموصوفة، وتعوذه بالمعوذات الشَّرِيفَة الْمَعْرُوفَة.
قَالَت عَائِشَة ﵂: إِن رَسُول الله / ﷺ كَانَ إِذا أَوَى إِلَى فرَاشه، جمع كفيه ثمَّ نفث فيهمَا ب: ﴿قل هُوَ الله أحد﴾ و ﴿قل أعوذ بِرَبّ الفلق﴾ و ﴿قل أعوذ بِرَبّ النَّاس﴾ ثمَّ يمسح بهما مَا اسْتَطَاعَ من جسده، يبْدَأ بهما على رَأسه وَوَجهه وَمَا أقبل من جسده، فيفعل ذَلِك ثَلَاث مَرَّات.
стр. 23
قَالَت عَائِشَة [﵂] : فَلَمَّا اشْتَكَى رَسُول الله [ ﷺ ] كَانَ يَأْمُرنِي أَن أفعل ذَلِك بِهِ.
[رقية السيدة عَائِشَة ﵂ النَّبِي [ ﷺ ]]
وَفِي مُسْند الإِمَام أَحْمد عَن ابْن أبي مليكَة، قَالَ: قَالَت عَائِشَة [﵂] : مرض رَسُول الله [ ﷺ ] فَوضعت يَدي على صَدره، فَقلت: أذهب الباس رب النَّاس، أَنْت الطَّبِيب، وَأَنت الشافي وَكَانَ رَسُول الله ﷺ يَقُول /: " وألحقني بالرفيق الْأَعْلَى، وألحقني بالرفيق الْأَعْلَى ".
стр. 24
[مسارة النَّبِي [ ﷺ ] لفاطمة]
وَصَحَّ عَن عَائِشَة ﵂ قَالَت: إِن كُنَّا أَزوَاج النَّبِي / [ ﷺ ] عِنْده جَمِيعًا، لم تغادر منا وَاحِدَة، فَأَقْبَلت فَاطِمَة تمشي، لَا وَالله مَا تخفى مشيتهَا من مشْيَة رَسُول الله [ ﷺ ] ، فَلَمَّا رَآهَا رحب، وَقَالَ: " مرْحَبًا بِابْنَتي "، ثمَّ أَجْلِسهَا عَن يَمِينه أَو عَن شِمَاله، ثمَّ سَارهَا فَبَكَتْ بكاء شَدِيدا، فَلَمَّا رأى حزنها سَارهَا، فَإِذا هِيَ تضحك. فَقلت لَهَا - أَنا من بَين
стр. 25
نِسَاءَهُ -: خصك رَسُول الله [ ﷺ ] بالسر من بَيْننَا، ثمَّ أَنْت تبكين؟ ! فَلَمَّا قَامَ رَسُول الله [ ﷺ ] سَأَلتهَا: عَم سارك؟ قَالَت: مَا كنت لأفشي على رَسُول الله [ ﷺ ] سره، فَلَمَّا توفّي [ ﷺ ] ، قلت: عزمت عَلَيْك بِمَا لي عَلَيْك من الْحق أَلا أَخْبَرتنِي؟ قَالَت: أما الْآن، فَنعم. فأخبرتني، قَالَت: أما حِين سَارَّنِي فِي الْأَمر الأول فَإِنَّهُ أَخْبرنِي / أَن جِبْرِيل [ ﷺ ] كَانَ يُعَارضهُ بِالْقُرْآنِ كل سنة مرّة، وَإنَّهُ قد عارضني بِهِ الْعَام مرَّتَيْنِ، فَلَا أرى الْأَجَل إِلَّا قد اقْترب، فاتقي الله واصبري، فَإِنِّي نعم السّلف أَنا لَك. قَالَت: فَبَكَيْت بُكَائِي الَّذِي رَأَيْت. فَلَمَّا رأى جزعي سَارَّنِي الثَّانِيَة، فَقَالَ: يَا فَاطِمَة أَلا ترْضينَ أَن تَكُونِي سيدة نسَاء الْمُؤمنِينَ، أَو سيدة نسَاء هَذِه الْأمة؟ .
[الْكتاب الَّذِي أَرَادَ النَّبِي [ ﷺ ] أَن يَكْتُبهُ لأمته]
وَمن حرصه [ ﷺ ] على الائتلاف أَرَادَ أَن يكْتب لأمته مَا يرفع بعده الِاخْتِلَاف.
صَحَّ عَن عبيد الله بن عبد الله بن عتبَة عَن ابْن عَبَّاس
стр. 26
[﵄] أَنه قَالَ: " يَوْم الْخَمِيس وَمَا يَوْم الْخَمِيس " ثمَّ بَكَى حَتَّى بل دمعه الْحَصَى. قَالَ: " لما حضر رَسُول الله ﷺ وَفِي الْبَيْت رجال، فَقَالَ النَّبِي ﷺ /: " هلموا أكتب لكم كتابا لَا تضلوا بعده ". فَقَالَ بَعضهم: إِن رَسُول الله [ ﷺ ] قد غَلبه الوجع وعندكم الْقُرْآن، حَسبنَا كتاب الله، فَاخْتلف أهل الْبَيْت واختصموا، فَمنهمْ من يَقُول: قربوا يكْتب لكم كتابا لَا تضلوا بعده، وَمِنْهُم من يَقُول غير ذَلِك. فَلَمَّا أَكْثرُوا اللَّغْو وَالِاخْتِلَاف، قَالَ رَسُول الله [ ﷺ ] : " قومُوا ".
стр. 27
قَالَ عبيد الله: فَكَانَ يَقُول ابْن عَبَّاس: " إِن الرزية كل الرزية مَا حَال بَين رَسُول الله [ ﷺ ] وَبَين أَن يكْتب لَهُم ذَلِك الْكتاب لاختلافهم ولغطهم ".
[الْإِشَارَة الصَّرِيحَة فِي اسْتِخْلَاف الصّديق]
وَخرج الإِمَام أَحْمد فِي مُسْنده عَن ابْن أبي مليكَة عَن عَائِشَة [﵂] قَالَت: لما ثقل رَسُول الله [ ﷺ ]
стр. 28
قَالَ لعبد الرَّحْمَن بن أبي بكر: " ايتني بكتف أَو لوح حَتَّى أكتب / لأبي بكر كتابا لَا يخْتَلف عَلَيْهِ ". فَلَمَّا ذهب عبد الرَّحْمَن ليقوم، قَالَ: " أَبى الله والمؤمنون أَن يخْتَلف عَلَيْك يَا أَبَا بكر ". وَجَاء من طَرِيق مُحَمَّد بن ثَابت عَن أَبِيه عَن أنس مَرْفُوعا بِنَحْوِهِ.
وَجَاءَت الْإِشَارَة الصَّرِيحَة إِلَى خلَافَة الصّديق الصَّحِيحَة، مِنْهَا مَا ثَبت عَن عَائِشَة ﵂، قَالَت:
стр. 29
ثقل رَسُول الله [ ﷺ ] فَقَالَ: " أصلى النَّاس "؟ قُلْنَا: لَا. هم ينتظرونك يَا رَسُول الله. قَالَ: " ضَعُوا لي مَاء فِي المخضب ". قَالَت فَفَعَلْنَا، فاغتسل، فَذهب لينوء فَأُغْمِيَ عَلَيْهِ، ثمَّ أَفَاق، فَقَالَ: " أصلى النَّاس "؟ قُلْنَا: لَا. هم ينتظرونك يَا رَسُول الله. قَالَ: ضَعُوا مَاء فِي المخضب، فَفَعَلْنَا، فاغتسل ثمَّ ذهب لينوء، فَأُغْمِيَ عَلَيْهِ، ثمَّ أَفَاق، فَقَالَ: أصلى النَّاس؟ قُلْنَا: لَا. هم ينتظرونك يَا رَسُول الله. وَالنَّاس عكوف فِي الْمَسْجِد ينتظرون النَّبِي [ ﷺ ] لصَلَاة الْعشَاء الْآخِرَة. فَأرْسل النَّبِي [ ﷺ ] إِلَى أبي بكر ﵁ بِأَن يُصَلِّي بِالنَّاسِ. فَأَتَاهُ الرَّسُول / فَقَالَ: إِن رَسُول الله ﷺ يَأْمُرك أَن تصلي بِالنَّاسِ. فَقَالَ أَبُو بكر وَكَانَ رجلا رَقِيقا: يَا عمر، صل بِالنَّاسِ. فَقَالَ لَهُ عمر: أَنْت أَحَق بذلك. فصلى أَبُو
стр. 30
بكر تِلْكَ الْأَيَّام. كَانَ فِي هَذِه الْأَيَّام إِلَى حِين الْوَفَاة سبع عشرَة صَلَاة، عشَاء الْآخِرَة من لَيْلَة الْجُمُعَة ابْتِدَاؤُهَا، وَصَلَاة الصُّبْح من يَوْم الِاثْنَيْنِ انتهاؤها.
[خبر الشَّاة المسمومة]
وَلَقَد حصلت للنَّبِي [ ﷺ ] الشَّهَادَة، وَهِي على مَا أكْرمه الله [تَعَالَى] زِيَادَة.
خرج الدَّارمِيّ فِي مُسْنده عَن أبي هُرَيْرَة ﵁ قَالَ: " كَانَ رَسُول الله [ ﷺ ] يَأْكُل الْهَدِيَّة وَلَا يقبل الصَّدَقَة. وأهدت لَهُ امْرَأَة من يهود خَيْبَر شَاة مصلية فَتَنَاول مِنْهَا وَتَنَاول بشر بن الْبَراء [﵄] ، ثمَّ رفع رَسُول الله صلى الله
стр. 31
عَلَيْهِ وَسلم يَده ثمَّ قَالَ: " إِن هَذِه خبرتني أَنَّهَا مَسْمُومَة " فَمَاتَ بشر بن الْبَراء / فَأرْسل إِلَيْهَا النَّبِي [ ﷺ ] /: " مَا حملك على مَا صنعت "؟ فَقَالَت: إِن كنت نَبيا لم يَضرك شَيْء، وَإِن كنت ملكا أرحت النَّاس مِنْك. فَقَالَ فِي مَرضه: " مَا زلت من الْأكلَة الَّتِي أكلت بِخَيْبَر، فَهَذَا أَوَان انْقِطَاع أَبْهَري ". هَذِه الَّتِي سمت النَّبِي [ ﷺ ] هِيَ: زَيْنَب بنت الْحَارِث امْرَأَة سَلام بن مشْكم، عَفا عَنْهَا فِي الِابْتِدَاء، ثمَّ قَتلهَا ببشر بن الْبَراء.
خرج الإِمَام أَحْمد فِي مُسْنده عَن عبد الله هُوَ ابْن مَسْعُود [﵁] قَالَ: لِأَن أَحْلف بِاللَّه تسعا أَن رَسُول الله صلى الله
стр. 32
عَلَيْهِ وَسلم قتل قتلا أحب إِلَيّ من أَن أَحْلف وَاحِدَة، وَذَلِكَ بِأَن الله اتَّخذهُ نَبيا وَجعله شَهِيدا. وَرَوَاهُ ابْن سعد فِي الطَّبَقَات، وَيَعْقُوب بن شيبَة فِي مُسْنده.
وَخرج الْحَاكِم فِي مُسْتَدْركه من طَرِيق عبد الْملك بن أبي نَضرة عَن أَبِيه عَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ [﵁] : أَن / يَهُودِيَّة أَهْدَت شَاة إِلَى رَسُول الله [ ﷺ ] سميطاً، فَلَمَّا بسط الْقَوْم أَيْديهم، قَالَ لَهُم رَسُول الله [ ﷺ ] : " كفوا أَيْدِيكُم فَإِن عضوا من أعضائها يُخْبِرنِي أَنَّهَا مَسْمُومَة ". قَالَ: فَأرْسل إِلَى صاحبتها: " أَسممت طَعَامك هَذَا "؟ قَالَت: نعم. أَحْبَبْت إِن كنت كَاذِبًا أَن أُرِيح النَّاس مِنْك، وَإِن كنت صَادِقا علمت أَن الله سيطلعك عَلَيْهِ. فَقَالَ رَسُول الله ﷺ : " اذْكروا اسْم الله وكلوا ". قَالَ: فأكلنا، فَلم يضر أحدا منا شَيْئا. // (صحّح الْحَاكِم إِسْنَاده) //.
стр. 33
[تصدقه بِمَا عِنْده]
وروى ابْن سعد فِي الطَّبَقَات عَن أبي حَازِم / عَن سهل بن سعد [﵁] ، قَالَ: كَانَت عِنْد رَسُول الله ﷺ سَبْعَة دَنَانِير وَضعهَا عِنْد عَائِشَة [﵂] فَلَمَّا كَانَ فِي مَرضه، قَالَ: " يَا عَائِشَة، ابعثي بِالذَّهَب إِلَى عَليّ " [﵁] . ثمَّ أُغمي على رَسُول الله [ ﷺ ] وشغل عَائِشَة [﵂] مَا بِهِ حَتَّى / قَالَ ذَلِك ثَلَاث مَرَّات، كل ذَلِك يغمى عَلَيْهِ، ويشغل عَائِشَة مَا بِهِ. فَبعثت يَعْنِي بِهِ إِلَى عَليّ فَتصدق بِهِ. ثمَّ أَمْسَى رَسُول الله [ ﷺ ] لَيْلَة الِاثْنَيْنِ فِي جَدِيد الْمَوْت، وَأرْسلت عَائِشَة إِلَى امْرَأَة من
стр. 34
النِّسَاء بمصباحها، فَقَالَت لَهَا: أقطري لنا فِي مصباحنا من عكتك السّمن، فَإِن رَسُول الله [ ﷺ ] أَمْسَى فِي جَدِيد الْمَوْت. وخرجه ابْن سعد أَيْضا، وَالْإِمَام أَحْمد فِي مُسْنده، وهناد بن السّري فِي الزّهْد، والخليل بن أَحْمد السجْزِي فِي الْآدَاب، وَغَيرهم من حَدِيث عَائِشَة.
[خفَّة النَّبِي [ ﷺ ] من مَرضه]
وَقَالَ أنس بن مَالك [﵁] : لما كَانَ يَوْم الِاثْنَيْنِ الَّذِي قبض الله فِيهِ رَسُوله [ ﷺ ] ، خرج إِلَى النَّاس وهم يصلونَ الصُّبْح، فَرفع السّتْر، وَفتح الْبَاب، فَخرج رَسُول الله صلى الله / عَلَيْهِ وَسلم حَتَّى قَامَ على بَاب عَائِشَة [رَضِي الله
стр. 35
عَنْهَا] ، فكاد الْمُسلمُونَ أَن يفتتنوا فِي صلَاتهم برَسُول الله [ ﷺ ] حِين رَأَوْهُ، فَأَشَارَ إِلَيْهِم أَن اثبتوا على صَلَاتكُمْ. قَالَ: وَتَبَسم رَسُول الله [ ﷺ ] سُرُورًا لما رأى من هيئتهم فِي صلَاتهم، وَمَا رَأَيْت رَسُول الله ﷺ أحسن هَيْئَة من تِلْكَ السَّاعَة. قَالَ: ثمَّ رَجَعَ رَسُول الله [ ﷺ ] وَانْصَرف النَّاس وهم يرَوْنَ أَن رَسُول الله [ ﷺ ] قد أَفَاق من وَجَعه. // (خرج فِي الصَّحِيحَيْنِ بِنَحْوِهِ) //.
[صَلَاة أبي بكر بِالنَّاسِ]
وَخرج ابْن سعد فِي الطَّبَقَات عَن عَائِشَة [﵂]
стр. 36
قَالَت: لما كَانَت لَيْلَة الِاثْنَيْنِ بَات رَسُول الله [ ﷺ ] دنفاً، فَلم يبْق رجل وَلَا امْرَأَة إِلَّا أصبح فِي الْمَسْجِد؛ لوجع رَسُول الله [ ﷺ ] ، فَأَتَاهُ الْمُؤَذّن / يُؤذنهُ بالصبح، فَقَالَ: " قل لأبي بكر يصل بِالنَّاسِ "، فَكبر أَبُو بكر فِي صلَاته، فكشف رَسُول الله [ ﷺ ] السّتْر فَرَأى النَّاس يصلونَ، فَقَالَ: " إِن الله جعل قُرَّة عَيْني فِي الصَّلَاة ". وَأصْبح يَوْم الِاثْنَيْنِ مفيقاً، فَخرج يتَوَكَّأ على الْفضل بن الْعَبَّاس وعَلى ثَوْبَان غُلَامه [﵃] حَتَّى دخل الْمَسْجِد وَقد سجد النَّاس مَعَ أبي بكر سَجْدَة من الصُّبْح، وهم قيام فِي الْأُخْرَى، فَلَمَّا رَآهُ النَّاس فرحوا بِهِ، فجَاء حَتَّى قَامَ عِنْد أبي بكر [﵁] ، فاستأخر أَبُو بكر [﵁] فَأخذ النَّبِي [ ﷺ ] بِيَدِهِ فقدمه فِي مُصَلَّاهُ، فصفا جَمِيعًا، رَسُول الله [ ﷺ ] جَالس، وَأَبُو بكر [﵁] قَائِم على رُكْنه الْأَيْسَر يقْرَأ الْقُرْآن، فَلَمَّا قضى أَبُو بكر السُّورَة سجد سَجْدَتَيْنِ ثمَّ جلس يتَشَهَّد [فَلَمَّا
стр. 37
سلم، صلى النَّبِي [ ﷺ ] الرَّكْعَة الْآخِرَة] ثمَّ انْصَرف. وَحدث بِهِ / مُوسَى بن عقبَة فِي الْمَغَازِي عَن ابْن شهَاب قَوْله. وخرجه يَعْقُوب بن شيبَة فِي مُسْنده من حَدِيث عبد الرَّحْمَن بن الْقَاسِم عَن أَبِيه من قَوْله.
[تحذير النَّبِي [ ﷺ ] أمته من الْفِتَن]
وَخرج هَذِه الْقِصَّة خَيْثَمَة بن سُلَيْمَان فِي كِتَابه:
стр. 38
" فَضَائِل الصَّحَابَة " [﵃] من طَرِيق عبيد بن عُمَيْر عَن عَائِشَة ﵂ قَالَت: أَمر / رَسُول الله ﷺ أَبَا بكر [﵁] أَن يُصَلِّي بِالنَّاسِ صَلَاة الصُّبْح، ثمَّ وجد رَسُول الله [ ﷺ ] خفَّة فَخرج تفرج لَهُ الصُّفُوف، وَكَانَ أَبُو بكر [﵁] لَا يلْتَفت إِذا صلى، فَلَمَّا سمع أَبُو بكر الْحس من وَرَائه عرف أَنه لَا يتَقَدَّم من ذَلِك الْمَكَان إِلَّا رَسُول الله [ ﷺ ] ، فَتَأَخر إِلَى الصَّفّ، وَتقدم رَسُول الله [ ﷺ ] إِلَى مَكَانَهُ وَقعد إِلَى جنب أبي بكر [﵁] فَافْتتحَ الصَّلَاة، فَجعل رَسُول الله ﷺ يُصَلِّي، وَأَبُو بكر ﵁ / يَقْتَدِي بِهِ، وَالنَّاس يقتدون
стр. 39
بِأبي بكر [﵁] ، فَلَمَّا فرغ قَامَ إِلَى جنب حجرته يُحَذرهُمْ الْفِتَن، فَقَالَ: " يَا فَاطِمَة بنت مُحَمَّد، وَيَا صَفِيَّة عمَّة رَسُول الله [ ﷺ ] اعملا لما عِنْد الله تَعَالَى، فَإِنِّي لَا أُغني عنكما من الله شَيْئا ". حَتَّى نسْمع صَوته خَارِجا من الْمَسْجِد. فَقَالَ أَبُو بكر [﵁] يَا رَسُول الله! إِنَّك قد أَصبَحت الْيَوْم صَالحا، وَهَذَا يَوْم بنت خَارِجَة، فَأذن رَسُول الله [ ﷺ ] لأبي بكر [﵁] ، فَأتى أَهله. قَالَ: فَمَا انتصف النَّهَار من ذَلِك الْيَوْم حَتَّى قبض رَسُول الله [ ﷺ ] .
[اسْتِئْذَان الصّديق بِالْخرُوجِ]
وروى مُوسَى بن عقبَة عَن ابْن شهَاب أَن رَسُول الله ﷺ لما دخل يَوْم الِاثْنَيْنِ بَيت عَائِشَة [﵂] ، دخل أَبُو بكر على ابْنَته عَائِشَة، فَقَالَ: قد أصبح رَسُول الله صلى الله
стр. 40
عَلَيْهِ وَسلم مفيقاً، وَأَرْجُو أَن يكون الله [ ] قد شفَاه، ثمَّ ركب / فلحق بأَهْله بالسنح، وهنالك كَانَت امْرَأَته / حَبِيبَة بنت خَارِجَة بن أبي زُهَيْر أخي بني الْحَارِث بن الْخَزْرَج، وانقلبت كل امْرَأَة من نسَاء رَسُول الله [ ﷺ ] إِلَى بَيتهَا، وَذَلِكَ يَوْم الِاثْنَيْنِ.
[اسْتِئْذَان أُسَامَة بِالْبَقَاءِ فِي الْمَدِينَة]
وَرُوِيَ عَن الزُّهْرِيّ أَيْضا أَن النَّبِي [ ﷺ ] لما خرج يَوْم الِاثْنَيْنِ وَأَبُو بكر يُصَلِّي بِالنَّاسِ الصُّبْح انْصَرف النَّبِي ﷺ إِلَى جذع من جُذُوع الْمَسْجِد، قَالَ: فَجَلَسَ رَسُول الله [ ﷺ ] إِلَى تِلْكَ الْجذع، وَاجْتمعَ إِلَيْهِ الْمُسلمُونَ يسلمُونَ عَلَيْهِ، وَيدعونَ لَهُ بالعافية، ودعا رَسُول الله ﷺ أُسَامَة فَقَالَ: " اغْدُ على بركَة الله والنصر والعافية، ثمَّ أغر حَيْثُ أَمرتك أَن تغير ". فَقَالَ أُسَامَة بن زيد [رَضِي الله
следующие страницы →