Полный текст (263 стр.). Показаны 1–40.
стр. 1
التَّارِيخ المنصوري
стр. 2
بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم
الْحَمد لله الْعلي الْعَظِيم الْوَلِيّ الْحَكِيم الأزلي الْقَدِيم الدَّال على أزليته حُدُوث الْحَوَادِث الْوَاحِد الْأَحَد الْفَرد الصَّمد المنزه عَن الصاحبة وَالْولد وَالثَّانِي وَالثَّالِث محيي الْأَمْوَات ومميت الْأَحْيَاء فَهُوَ الْوَارِث لكل وَارِث خلق السَّمَوَات بِغَيْر عمد ترونها قائمات وأمسكهن أَن يقعن على الأَرْض فهن بقدرته دائمات مواكث ودحا الأَرْض على المَاء وباين بَينهَا فِي السّفل والْعَلَاء والحزون والرمائث
أَحْمَده على نعمه المقيمات اللوابث ودفاعه النائبات الكوارث وَأشْهد أَلا إِلَه إِلَّا الله وَحده لَا شريك لَهُ وَأشْهد أَن مُحَمَّدًا عَبده وَرَسُوله أفضل رَسُول أرْسلهُ
وَبعد فقد قَالَ أَبُو الْجلد الأَرْض أَرْبَعَة وَعِشْرُونَ ألف فَرسَخ اثْنَا عشر ألفا للسودان وَثَمَانِية للروم وَثَلَاثَة لفارس وَألف للْعَرَب
وَقَالَ يحيى بن كثير خلق الله ألف أمة فأسكن سِتّمائَة الْبَحْر وَأَرْبَعمِائَة الْبر وَالله أعلم
فلنذكر الْآن ابْتِدَاء التناسل التناسل بِمُقْتَضى مَا وردني فِي السّير والتواريخ حاكيا مَا ذَكرُوهُ وسطوره كَمَا سطروه وَالله أعلم
стр. 3
سنة تسع وَثَمَانِينَ وَخَمْسمِائة
وفيهَا سَار الْملك الْعَادِل إِلَى بِلَاد الجزيرة بعد وَفَاة أَخِيه صَلَاح الدّين من خَوفه عَلَيْهَا
وَبَقِي سيف الْإِسْلَام على حَاله بِالْيمن
وفيهَا كَانَ إنذار تفاقم أَمر المماليك الصلاحية واتفاقهم وسعادتهم
стр. 4
بالديار المصرية مَعَ الْملك الْعَزِيز
وفيهَا كَانَ الْملك الْعَادِل قد نفذ إِلَى الْملك الْأَفْضَل يطْلب عسكرا مِنْهُ وَمن إخْوَته ليفتح بِلَاد الجزيرة فَجهز لَهُ الْملك الْأَفْضَل الْعَسْكَر وَكَذَلِكَ سير إِلَى الْملك الْعَزِيز فَجهز لَهُ الْعَسْكَر وَكَانَ مقدمه الْأَمِير فَخر الدّين جهاركس مَمْلُوك صَلَاح الدّين فوصل إِلَى دمشق وَالْملك الْعَادِل قد فتح سروج وَأعَاد عَسْكَر الْملك الْأَفْضَل إِلَيْهِ فَعَاد جهاركس بِمن مَعَه إِلَى مصر بَعْدَمَا تقرر مَعَه مَا يشافه بِهِ صَاحبه
стр. 5
وَفِي سنة تسعين وَخَمْسمِائة
وصل الْملك الْعَزِيز إِلَى دمشق وحاصرها وَعَاد عَنْهَا لِاتِّفَاق الْملك الْعَادِل وَالْملك الْأَفْضَل عَلَيْهِ وَلما رَحل عَنْهَا عَائِدًا إِلَى مصر سَار خَلفه واصطلحوا
سنة اثْنَتَيْنِ وَتِسْعين وَخَمْسمِائة
برز الْملك الْعَزِيز إِلَى الْبركَة وسير إِلَى أَخِيه الْملك الْأَفْضَل بِأَن يخْطب لَهُ وَيضْرب السِّكَّة باسمه فَمَا وَافقه على ذَلِك فجَاء إِلَى دمشق وحاصرها وَأَخذهَا مِنْهُ بعملة من أَوْلَاد أبي غَالب الْحِمصِي لأَنهم فتحُوا بَاب شَرْقي
وَلما تَملكهَا سَأَلَ الْملك الْعَادِل أيازكوج أَن يطْلبهَا لَهُ من الْملك الْعَزِيز فطلبها لَهُ فَأعْطَاهُ إِيَّاهَا لوَلَده الْملك الْمُعظم
стр. 6
عِيسَى
وَكَانَ مَعَ يازكوج فِي الحجبة بهَا جهاركس وسنقر الْكَبِير وَعز الدّين أُسَامَة وسراسنقر
وفيهَا بعد عوده من دمشق جد فِي نقض الأهرام وَرمى أحجارها فِي الْبَحْر إِلَى دمياط ليبني بهَا أبراجا
وفيهَا وصل الْملك الْمُعظم وَالْملك الْأَشْرَف من قلعة جعبر إِلَى أَبِيهِمَا الْعَادِل بِدِمَشْق
وفيهَا نزل الفرنج على تبنين وَجرى عَلَيْهَا من الزَّحْف والقتال وَأخذ النقوب مَا لَا يُوصف
وَوصل الْملك الْعَزِيز بعساكره واستنقذها مِنْهُم عنْوَة وَعَاد إِلَى بِلَاده بعد أَن كَانَت أشرفت على الْأَخْذ
стр. 7
وفيهَا سير الْملك الْعَزِيز هَدِيَّة إِلَى ابْن سيف الْإِسْلَام
وفيهَا كَانَ ظهر بِدِمَشْق رجل ادّعى النُّبُوَّة وخيل للنَّاس أَشْيَاء من عمل السيمياء فَقتل لِئَلَّا يفتن النَّاس
سنة ثَلَاث وَأَرْبع وَتِسْعين وَخَمْسمِائة
خاليتان
وَفِي سنة أَربع وَتِسْعين وَخَمْسمِائة
كَانَ الْملك الْمَنْصُور مُحَمَّد بن تَقِيّ الدّين عمل الجسر على حماة خَارج بَلَده بالجانب الشَّرْقِي بِالْمَدِينَةِ السُّفْلى
стр. 8
وَفِي أول سنة خمس وَتِسْعين وَخَمْسمِائة
جَاءَ للْملك الْمُعظم ولد ذكر هُوَ أول أَوْلَاده
وفيهَا مَاتَ الْملك الْعَزِيز بن الْملك النَّاصِر سُلْطَان مصر وَكَانَ سُلْطَانا جوادا حَلِيمًا مليح الصُّورَة حسن السِّيرَة وَكَانَ الْملك الظافر خضر الْمَعْرُوف بالمشمر عِنْده بِمصْر فَاجْتمع الْأُمَرَاء وأقاموه فِي الْبِلَاد سُلْطَانا إِلَى حِين وصل أَخُوهُ الْملك الْأَفْضَل من صرخد لِأَنَّهُ أَقَامَ بهَا وبأهله وعيال صَلَاح الدّين حِين أَخذ الْعَزِيز دمشق مِنْهُ فسيروا أحضروه إِلَيْهِم وَجرى مَا جرى عِنْد وُصُوله من
стр. 9
كَونه لم ينزل عِنْد فَخر الدّين جهاركس أَولا وَنزل فِي خيمة أَخِيه الْملك الْمُؤَيد وَأكل ثمَّ مِنْهَا انْتقل إِلَى خيمة جهاركس
فَمَا طَابَ لجهاركس ذَلِك وخشي من عملة عَلَيْهِ مَعَ المماليك الأَسدِية مثل يازكوج وجماعته من الْأُمَرَاء الأَسدِية
فاتفق جهاركس وزين الدّين قراجا على مُفَارقَة ديار مصر فسارا عَنْهَا وتبعهما سراسنقر
وَهَذَا سَبَب تَفْرِقَة الصلاحية أَولا وتسحبوا وَاحِدًا بعد وَاحِد إِلَى الشَّام
هَذَا وَالْملك الْعَادِل على ماردين يحاصرها
وَكَانَ اجْتِمَاع الْأُمَرَاء عِنْد نزولهم من مصر فِي الْقُدس المحروس فسيروا إِلَيْهِ واستدعوه حَتَّى إِن قراجا وسراسنقر توجها إِلَيْهِ فرتب وَلَده الْملك الْكَامِل مُحَمَّد على ماردين والأمراء عِنْده وَمن جُمْلَتهمْ عماد الدّين بن المشطوب وَتوجه إِلَى دمشق بعد ذَلِك وَكَانَ أهل ماردين قد استنجدوا بأتابك نور الدّين صَاحب الْموصل فَلَمَّا رَحل الْملك الْعَادِل جَاءَ إِلَيْهِم ونجدهم فَرَحل الْملك الْكَامِل عَنْهَا عنْوَة
وَوصل إِلَى حران بعد أَن كَانَ تسحب إِلَى آمد بِمن مَعَه من الْعَسْكَر
стр. 10
وفيهَا وصل الْملك الْأَفْضَل من الديار المصرية بعد تملكه
стр. 11
إِيَّاهَا بيويمات وَنزل على دمشق وَضرب خيمته فِي الميدان وَذَلِكَ فِي رَابِع عشر شعْبَان وَاسْتمرّ الْحصار فسير الْملك الْعَادِل طلب وَلَده الْملك الْكَامِل فَجمع العساكر وَأنْفق الْأَمْوَال وَتوجه قَاصِدا أَبَاهُ وَوصل الْخَبَر إِلَى الْملك الْأَفْضَل وَالْملك الظَّاهِر لِأَنَّهُ كَانَ قد اتّفق مَعَه وَجَاء إِلَيْهِ من حلب فاتفق رأيهما على الرحيل عَن دمشق وَسَار الْملك الظَّاهِر إِلَى بِلَاده وَالْملك الْأَفْضَل عَاد هَارِبا إِلَى ديار مصر بعد
стр. 12
أَشْيَاء جرت وَأُمُور تَجَدَّدَتْ لَيْسَ هَذَا الْمُخْتَصر مَوضِع شرحها لما شرطنا من اختصاره
وَكَانَ الْحصار عَلَيْهَا
وَالْملك الْعَادِل يُقَوي نَفسه ويخبز البقسماط وَيعْمل الْقرب والروايا وَيَقُول لَا بُد لي من ديار مصر
وَالنَّاس يعْجبُونَ من قَوْله وَفعله ويهجنون رَأْيه
فَقدر الله مَا قدره من هروب الْملك الْأَفْضَل وسَاق الْملك الْعَادِل خَلفه وَجمع بَينهمَا السائح وَجرى من الْقِتَال مَا لَا جرى فِي الْإِسْلَام وَكسر الْأَفْضَل وسَاق الْملك الْعَادِل خَلفه إِلَى الْقَاهِرَة وَبَقِي الْملك الْعَادِل عَلَيْهَا ثَمَانِيَة أَيَّام وَصَالح الْملك الْأَفْضَل وَعين لَهُ مَا يعوضه وَحلف لَهُ وَملك الْملك الْعَادِل الديار المصرية
وَكَانَ قد حلف للْملك الْأَفْضَل على ميافارقين وَرَأس عين الخابور
وسميساط وحاني وجبل جور
стр. 13
سنة سِتّ وَتِسْعين وَخَمْسمِائة
فِيهَا تقرر أَن الْملك الْمَنْصُور بن الْملك الْعَزِيز عُثْمَان يكون هُوَ السُّلْطَان وَالْملك الْعَادِل أتابكه فَحلف لَهُ الْملك الْعَادِل على ذَلِك وسلطنه وحملت الغاشية لَهُ كَمَا جرت الْعَادة مُدَّة يسيرَة ثمَّ بعد ذَلِك عَاد الْملك الْعَادِل سير رسله إِلَى الْبِلَاد واستحلف النَّاس لنَفسِهِ وَضرب الْخطْبَة وَالسِّكَّة باسمه فَمَا اخْتلف عَلَيْهِ أحد وأجابه النَّاس كلهم رَغْبَة فِي دينه وتدبيره واسْمه وحزامته
وفيهَا أحضر الْملك الْعَادِل ابْنه الْملك الْكَامِل إِلَى الديار المصرية
стр. 14
ورتبه فِيهَا نَائِبا وَجعله ولي عَهده وَحلف النَّاس لَهُ
وفيهَا حاصر الْأَمِير فَخر الدّين جهاركس بانياس بِأَمْر الْعَادِل وَأَخذهَا من حسام الدّين بِشَارَة
وفيهَا حلف ابْن المشطوب وجهاركس وقراجا وَمَيْمُون القصري على أَن يولوا الْملك الْأَفْضَل وَوصل عز الدّين أُسَامَة من الْحَج فأطلعه الْملك الْأَفْضَل على مَا جرى من الْمَذْكُورين وثوقا مِنْهُ فأظهر لَهُ سُرُورًا وفرحا وَحمد الله على ذَلِك وفارقه وَكَاتب الْملك الْعَادِل بِهِ إِلَى الديار المصرية ثمَّ مَا كَفاهُ ذَلِك حَتَّى سَار بِنَفسِهِ إِلَى ديار مصر عرفه مَا جرى شفاها
стр. 15
وَدخلت سنة سبع وَتِسْعين وَخَمْسمِائة
وَالْحَالة هَكَذَا
وفيهَا قصر النّيل فِي طلوعه إِلَى الْغَايَة فغلت الْغلَّة بِمصْر إِلَى أَن أبيع إِرْدَب الْقَمْح بِخَمْسَة دَنَانِير وَأكل النَّاس بَعضهم بَعْضًا بِحَيْثُ كَانَت الْمَرْأَة تَأْكُل وَلَدهَا بِسَائِر الألوان فانعدم جَمِيع الْأَوْلَاد وخلت مصر والقاهرة من أَكثر أَهلهَا بِحَيْثُ إِن النَّاس يموتون ومالهم من يدفنهم فيبقون على حَالهم شهورا
وَفِي أَوَائِل هَذِه السّنة جلبت الغلال فِي الْبَحْر من الشَّام والساحل وَوَقع الفناء أَيْضا فانقرض النَّاس فنَاء وجوعا
وفيهَا نَدم الْملك الْعَادِل على كَونه مكن جهاركس من أَخذ بانياس وتبنين وَكَذَلِكَ الْملك الْمُعظم فَاطلع جهاركس على ذَلِك فَاجْتمع هُوَ وألطنبا الجحاف وَفَارِس الدّين مَيْمُون القصري وعلاء الدّين شقير وزين الدّين قراجا وَهَؤُلَاء
стр. 16
هم كبار الصلاحية وسيروا إِلَى الْملك الْأَفْضَل وَإِلَى الْملك الظَّاهِر وحثوهما على الْحَرَكَة ليملكوا دمشق للْملك الْأَفْضَل
وَكَانَ إِذْ ذَاك الْملك الْعَادِل بالديار المصرية
وَشرع أُسَامَة يكاتبهم وَيظْهر لَهُم أَنه مَعَهم وَكَانَ كذابا فِي ذَلِك
فتجهز الْملك الْأَفْضَل وَأَخُوهُ الْملك الظَّاهِر وخرجا من حلب بالعساكر ووصلا إِلَى حماة وحاصراها فِي رَمَضَان وقاتلاها قتالا عَظِيما وَمَا حصلا على طائل مِنْهَا لشهامة صَاحبهَا وحمية أَهلهَا وَاتفقَ الْحَال بعد الْإِيَاس مِنْهَا على أَن يحمل الْملك الْمَنْصُور مُحَمَّد صَاحبهَا ثَلَاثِينَ ألف دِينَار وَإِن أخذا دمشق كَانَ فِي خدمتهما فَقبلا ذَلِك مِنْهُ ورحلا قَاصِدين دمشق فجدا تَارَة
стр. 17
وقصرا تَارَة إِلَى أَن وصلاها بعد أَن كَانَا عزما على الْعود عَنْهَا غير مرّة فجدا على قَصدهَا ووصلاها ونازلاها وحاصراها مُدَّة وَلم ينالا مِنْهَا غَرضا وَذَلِكَ لسوء نياتهما وحسد بعضهما بَعْضًا وغدر المماليك الصلاحية بهما لما سمعُوا من الْملك الظَّاهِر وَكَانَ الْملك الْعَادِل مُقيما بنابلس وَكَانَ جهاركس قد أَخذ من الْملك الْأَفْضَل ثَلَاثِينَ ألف دِينَار ورهنا على تَمام أَرْبَعِينَ ألف دِينَار
وَأخذ قراجا صلخد وَأنزل الْملك الْأَفْضَل أمه وعيال أَبِيه مِنْهَا وكل هَذَا رَغْبَة فِي الْملك وَطَمَعًا ولاتقاع جهاركس وقراجا عَلَيْهِ
وَكَانَ فِي الْجُمْلَة قد
стр. 18
قَالَ الْملك الظَّاهِر إِنَّه مَتى أَخذ دمشق مَا يُسَلِّمهَا للْملك الْأَفْضَل فَسمع الْأَفْضَل بذلك فأفكر فِي نَفسه وَأرْسل عَمه السُّلْطَان الْملك الْعَادِل على الصُّلْح مَعَه وَاتفقَ مَعَه على مَا يُعْطِيهِ بَاطِنا وَلم يطلع على ذَلِك سوى عماد الدّين بن المشطوب والمهذب بن نظيف وَكَانَ وزيره يَوْمئِذٍ وَهُوَ حموي ثمَّ شاع ذَلِك فِي المماليك ومحى الْملك الْأَفْضَل مَا قَالَه الظَّاهِر
فأقصروا عَن الْقِتَال حَتَّى إِن الْعَسْكَر كَانَ قد بلغ من دمشق أتم غَرَض بِحَيْثُ إِن بعض الْعَسْكَر كَانَ قد دخل دمشق وَشرب فقاعا وَخرج من بَاب الفراديس وَلم يبْق إِلَّا هجمها فَعَاد الْملك الْأَفْضَل
стр. 19
سير إِلَى الْجَمَاعَة ومنعهم من الْمُبَالغَة فِي الْقِتَال بِحَيْثُ أُعِيد ابْن المشطوب من بَاب الْحَدِيد
فَلَمَّا اجْتمع بِهِ قَالَ لَهُ الْملك الْأَفْضَل قَول الْملك الظَّاهِر
وَكَانَ الظَّاهِر أبدا يكارم فَارس الدّين مَيْمُون ويعظمه ويحترمه
وَهَذَا أَيْضا مِمَّا كَانَ جهاركس ينقمه على الظَّاهِر وَكَذَلِكَ قراجا فانضم جهاركس وقراجا إِلَى الْملك الْأَفْضَل وأطلعهما على قَول الظَّاهِر وشاركاه فِي الَّذِي فعله من رُجُوعه إِلَى عَمه فِي الْبَاطِن
ثمَّ هرب جهاركس وقراجا بمواطأة من الْأَفْضَل وَبِقَوْلِهِ فَعلم الْملك الظَّاهِر وَكَانَ يشرب فِي بَقِيَّة اللَّيْل هربتهم فخاف على نَفسه فشجعه ابْن المشطوب وَأَصْبحُوا وجدوا فِي الْقِتَال ذَلِك النَّهَار واحتاطوا بِدِمَشْق من كل جَانب وَنزل الْملك الظافر وَنصب سنجقه على جسر باناس وَابْن المشطوب عبر جسر الْحَدِيد وَالْملك الْمُعظم فِي دَار الْعدْل وَهُوَ مَرِيض فكفهم الْملك الْأَفْضَل أَيْضا بمجد الدّين مرزبان وعادوا إِلَى خيمهم وَرَجَعُوا عَن غرضهم
ثمَّ جَاءَت رسل السُّلْطَان الْملك الْعَادِل بَاطِنا إِلَى الْملك الْأَفْضَل بِمَا كَانَ عين لَهُ وَهُوَ رَأس عين
стр. 20
الخابور وجملين والموزر وسميساط وميافارقين وحاني وَذُو القرنين وَيحمل إِلَيْهِ فِي كل سنة من مصر قماشا بِخَمْسِينَ ألف دِينَار وَخمسين ألف دِينَار عينا ذَهَبا وَحلف لَهُ سرا وَلم يعلم الْملك الظَّاهِر وَنقل الْملك الْأَفْضَل بَيته وَعِيَاله ووالدته إِلَى حمص
وَكَانَ الْملك الظَّاهِر قد أَخذ من التُّجَّار مائَة ألف دِينَار وَزِيَادَة من القماش وفرقه على الْعَسْكَر وَيكْتب لَهُم خطه ويستوفونه من حلب
وَكَانَ الْملك الظَّاهِر قد اتّفق مَعَ الْجَمَاعَة على استدعاء عز الدّين أُسَامَة إِلَيْهِم إِلَى المخيم فَلَمَّا خرج عاتبوه وَقَالُوا لَهُ كل قَول فَمَا أَفَادَ مَعَه
وَعَاد من عِنْدهم بعد أَن قَالَ للْملك الظَّاهِر أَنْت غدار مَالك قَول وَلَا يَثِق بك أحد أبدا
وَدخل دمشق وَعرف الْملك الْمُعظم
стр. 21
مَا جرى وَكتب إِلَى الْملك الْعَادِل بذلك
وَاتفقَ أَن الجحاف عمل دَعْوَة للْملك الظَّاهِر ولجماعة الْأُمَرَاء فَسَكِرَ الظَّاهِر وطرب وغطى على عقله الشَّرَاب بِحَيْثُ إِنَّه رمى سنورا على الجحاف وأنشده
(ستعلم ليلى أَي دين تدينت ... ) // الطَّوِيل //
ففهم شقير والجحاف ذَلِك فأسراه فِي أَنفسهمَا وتوهما بِأَنَّهُ قد تحقق صُورَة الْحَال مَعَ السُّلْطَان الْملك الْعَادِل فهربا فِي ليلتهما ودخلا دمشق ومعهما ياقوت الْعزي
فَلَمَّا بلغ الْملك الظَّاهِر ذَلِك ركب هُوَ وَمن عِنْده عازمين على الرحيل من دمشق وَركب جَمِيع الْعَسْكَر وسَاق النَّاس على حمية وطلعت شمس نَهَار تِلْكَ اللَّيْلَة وَهُوَ الِاثْنَيْنِ من سنة ثَمَان وَتِسْعين وَخَمْسمِائة
وسَاق الْملك الظَّاهِر بِمن مَعَه
وَفِي الطَّرِيق أقطع ابْن المشطوب منبج وقلعة نجم ولسراسنقر بهسنة وَكَانَ ذَلِك بِوَاسِطَة مَيْمُون القصري
وَكَانَ قبل ذَلِك قد
стр. 22
أعْطى قلعة نجم للْملك الْأَفْضَل
فسير ابْن المشطوب يتسلم قلعة نجم فَمَا سلموها إِلَيْهِ وَسَارُوا ودخلوا فِي السُّوق
فَدخل الْملك الْأَفْضَل إِلَى حمص وَالْملك الظَّاهِر سَاق بِمن مَعَه
وَكَانَ فِرَاق الْملك الْأَفْضَل لِأَخِيهِ الْملك الظَّاهِر من مجمع المروج
ثمَّ نزل الْملك الظَّاهِر على حماة فَقَاتلهُمْ بعض الْجَمَاعَة فسير إِلَيْهِ الْملك الْمَنْصُور وعاتبه على غدره بِيَمِينِهِ لَهُ فَاعْتَذر الظَّاهِر عَن ذَلِك وكف أَصْحَابه وَسَار إِلَى بَلَده بعد أَن كَانَ الْملك الظَّاهِر قد ركب فِي عسكره وجرح فِي رجله الْيُسْرَى فِي هَذِه النّوبَة
وَلما وصل إِلَى حلب طَالبه ابْن المشطوب بوعده لَهُ بمنبج وحصارها وَأَخذهَا لَهُ وَكَانَ قد جَاءَ إِلَى منبج الْملك الفائز بن الْعَادِل وَابْن الجراحي فأخذاها فِي غيبَة الظَّاهِر وَكَانَت إِذْ ذَاك
стр. 23
لِابْنِ الْمُقدم عز الدّين ورثهَا لِأَخِيهِ شمس الدّين عبد الْملك لِأَنَّهَا وَقعت إِلَيْهِم فِي مقايضتهم لصَاحب حماة الْمَنْصُور بن تَقِيّ الدّين ببارين وَكَانَت بارين لَهُم وَكفر طَابَ وأفامية وَقد ذكرنَا ذَلِك مطولا فِي المطول فمغلطه عَنْهَا إِلَى وَقت ثمَّ وفى لَهُ بهَا فَأَخذهَا ابْن المشطوب وَفِي يَده خرب الظَّاهِر قلعتها
стр. 24
وفيهَا وصل الْملك الْمُؤَيد وَالْملك الْمعز ولدا صَلَاح الدّين من حبس الكرك لِأَن الْملك الْعَادِل كَانَ حبسهما فَلَمَّا أَخذ دمشق وَأمن عَلَيْهَا أطلقهما من الْحَبْس
وفيهَا وصل السُّلْطَان الْملك الْعَادِل قَاصِدا حماة ومتوجها إِلَى حلب فَنزل حماة وَصَارَت المراسلات بَينه وَبَين الْملك الظَّاهِر إِلَى أَن وَقع الصُّلْح بَينهمَا
وفيهَا أخرج القَاضِي نجم الدّين عبد الرَّحْمَن بن أبي عصرون من حماة وَكَانَ قاضيها ووزيرها يَوْمئِذٍ إِلَى حلب بعد أَخذ عدَّة دَرَاهِم مِنْهُ وحبسه مُدَّة أشرف فِيهَا على العطب فَأخْرج بشفاعة دلدرم بن ياروق صَاحب تل بَاشر وَذَلِكَ لبغضة السُّلْطَان الْملك الْعَادِل لَهُ
стр. 25
وفيهَا حدث على القَاضِي محيي الدّين بن الزكي قَاضِي دمشق من الْخَلْط مَا شوش عقله وَغَيره وَكَانَ عَالما فَاضلا فَقِيها كَامِلا ذَا عقل ورزانة وورع وديانة وَكَانَ خرج رَاكِبًا فَوَقع عَن دَابَّته فَمَاتَ ﵀
وفيهَا أحضر السُّلْطَان الْملك الْعَادِل وَلَده الْملك الْأَشْرَف مُوسَى من الْقُدس لِأَنَّهُ كَانَ بِهِ مقَامه وَكَذَلِكَ الْملك الْمُعظم وَهَذَا بعد عوده من حماة وَقد عَاد إِلَى حمص
فقرر الْملك الْأَشْرَف بحران والرها وَيكون مُقيما فِي الجزيرة وعساكرها فِي خدمته أُسْوَة بأَخيه الْملك الأوحد كَانَ مُقيما بميافارقين وديار بكر وَعين الْملك الْمُعظم
стр. 26
بِدِمَشْق وَالْملك الْكَامِل بالديار المصرية كَمَا قدمنَا وَهُوَ يتَرَدَّد إِلَى الممالك بِنَفسِهِ
وفيهَا حلف الْملك الظَّاهِر للْملك الْعَادِل أَن لَا يستخدم ابْن المشطوب وَقطع خبزه فوصل إِلَى عِنْد السُّلْطَان فَمَا استخدمه بل أذن للْملك الأوحد أَن يستخدمه فَمَا اتّفق بَينهمَا فاستخدمه الْملك الْأَشْرَف وَأحسن إِلَيْهِ
وفيهَا جَاءَت الزلزلة الْعَظِيمَة الَّتِي أخربت السَّاحِل وَأكْثر بِلَاد الفرنج
وأشرف الفرنج على أَخذ طرابلس بِحَيْثُ إِنَّهُم عبوا قماشهم فِي المراكب للهرب من الْمُسلمين فَمَا أقدم الْمُسلمُونَ عَلَيْهِم
وَدخلت سنة ثَمَان وَتِسْعين وَخَمْسمِائة
فِيهَا طلع النّيل دون كِفَايَة الْبِلَاد وَزرع الزَّرْع وانحطت الأسعار وَصَارَ يزِيد السّعر وَينْقص إِلَى سنة تسع وَتِسْعين وَخَمْسمِائة طلع النّيل وَرويت الْبِلَاد وزرعوا وتباشر النَّاس بهَا
стр. 27
وَفِي سنة ثَمَان وَتِسْعين وَخَمْسمِائة أخرج سيف الْإِسْلَام وَلَده الْملك الْمعز اسماعيل من الْيمن خرجَة ثَانِيَة بَعْدَمَا كَانَ أخرجه إِلَى الشَّام وَعَاد مِنْهُ إِلَيْهِ
وَذَلِكَ كُله خوفًا على نَفسه مِنْهُ فَسَار فاتصل بالسرين من بِلَاد الْيمن وَهِي آخر الْيمن وَأول الْحجاز فَأَقَامَ بهَا أَيَّامًا وَتُوفِّي سيف الْإِسْلَام
فسير جمال الدولة كافور خَادِم أَبِيه إِلَيْهِ ياقوت العجمي وَيَاقُوت الجمالي ومحمود السيرواني والأسعد بن الحارس فَسَارُوا إِلَى الْملك الْمعز عرفوه بِمَوْت أَبِيه واستدعوه إِلَى زبيد فَحَضَرَ مَعَهم وسلموها إِلَيْهِ وَأقَام بهَا أَيَّامًا وسلموا إِلَيْهِ جَمِيع القلاع
ثمَّ توجه مِنْهَا إِلَى قلعة
стр. 28
الْمعز فَأَقَامَ بهَا مُدَّة ثمَّ توجه إِلَى الدملوة فَأَقَامَ بهَا شَهْرَيْن ثمَّ طلع إِلَى حب فَأَقَامَ بهَا ثمَّ توجه إِلَى لحج وَأبين فَأَقَامَ بهَا أَيَّامًا ثمَّ توجه إِلَى عدن فَأَقَامَ بهَا سِتَّة أشهر ثمَّ توجه إِلَى صنعاء
فَلَقِيَهُ الشريف عبد الله بن عبد الله الْحُسَيْنِي فصاففه تَحت حب فَكسر الشريف الْمَذْكُور وَتوجه إِلَى صنعاء فَلَقِيته مماليك أَبِيه عدتهمْ ثَمَانمِائَة مَمْلُوك فَاعْتَصمُوا بِصَنْعَاء وقاتلوه فكسرهم وَأخذ صنعاء وَأقَام بهَا أَرْبَعَة أشهر ثمَّ نزل إِلَى تعز فَأَقَامَ بهَا أَرْبَعِينَ يَوْمًا ثمَّ إِلَى زبيد فَأَقَامَ بهَا أَيَّامًا
ثمَّ اسْتحْلف النَّاس وَفصل لَهُ الثِّيَاب الْخضر والعمائم الْخضر المذهبة واستسلم من كَانَ فِي بِلَاده من النَّصَارَى وَالْيَهُود وخطب لَهُ بالخلافة فِي زبيد وَادّعى أَنه من الأمويين
فَأول خطْبَة خطب الْملك الْمعز الْمَذْكُور فِي دَاره الْمَعْرُوفَة
стр. 29
بِعَبْد النَّبِي بن مهْدي
ثمَّ سير إِلَى الْبِلَاد وَأمرهمْ أَن يخطبوا لَهُ على المنابر بأمير الْمُؤمنِينَ وأبطل الْخطْبَة لبني الْعَبَّاس
وَلم يزل هُوَ يخْطب بِنَفسِهِ مُدَّة حَيَاته وَذَلِكَ فِي تعز وَفِي الدملوة وَفِي كل مَوضِع لَهُ حصن وَكَانَ قد أَقَامَ سُلْطَانا من غير دَعْوَى خلَافَة سنة كَامِلَة وَبَقِي خَليفَة إِلَى أَن مَاتَ أَربع سِنِين وَكَانَت مُدَّة ولَايَته خمس سِنِين وشهيرات
ثمَّ تجهز طَالبا مَكَّة المحروسة وجهز ياقوت الجمالي والمجاهد الجمالي وسنقر الْغَزِّي إِلَى مَكَّة بِأَن تعْمل لَهُ دَار ويقام لَهُ إِقَامَة ليكسو الْبَيْت فَلَمَّا تحقق الشريف أَبُو عَزِيز قَتَادَة ذَلِك أَمر غلمانه أَن ينهبوا جَمِيع من كَانَ من أَصْحَاب الْملك الْمعز وَأسرُوهُمْ فَسمع الْملك الْمعز ذَلِك فشق عَلَيْهِ وتجهز طَالبا مَكَّة إِلَى أَن وصل إِلَى المهجم تقاعد عَنهُ جمَاعَة من أَصْحَابه وخذلته تعكس وتشوش فَعَاد إِلَى الْيمن
стр. 30
إِلَى بلد يُقَال لَهُ الكدرى من أَعمال زبيد فَأَقَامَ بهَا خَمْسَة أَيَّام ثمَّ استدعى مَمْلُوكا يُقَال لَهُ سيف الدّين سنقر واستحضره عِنْده فِي الدَّار بِمحضر من جمَاعَة فَسَقَاهُ الْخمر بعد أَن كَانَ تَركهَا مُدَّة زمانية وَقَالَ لَهُ يَا سنقر قد كبر جوفك وسمنت ودعا بمعتوق الرَّزَّاق الْحلَبِي وَقَالَ لَهُ يَا معتوق طيب لي قَارُورَة نفط فأحضرها بَين يَدَيْهِ وَقَالَ لَهُ قُم يَا سنقر وَأمر معتوق أَن يضْربهُ بهَا فَقَامَ إِلَيْهِ مَمْلُوك يُقَال لَهُ أَبُو شامة كَبِير من مماليك أَبِيه كَأَن لَهُ صنعا فِي حَيَاة وَالِده واستوهبه مِنْهُ فوهبه لَهُ ثمَّ قعدوا على شرابهم سَاعَة ثمَّ دَعَا بسنقر مرّة ثَانِيَة وجذب عَلَيْهِ سكينا وَقَالَ لَهُ أُرِيد أشق مصارينك فَقَالَ لَهُ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ أَنا مَمْلُوك فَعَاتَبَهُ سَاعَة ثمَّ قَامَ سنقر من بَين يَدَيْهِ بعد أَن قبلهَا وَقعد فِي مَكَانَهُ سَاعَة ثمَّ خرج فَقَالَ لَهُ الْملك الْمعز إِلَى أَيْن فَقَالَ فِي حَاجَة يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ إِلَى الْبَريَّة أقضيها وأعود فَقَالَ لَهُ دع رهنك على الْعود كَمَا جرت عَادَة
стр. 31
من يشرب مَعَ الندماء فَترك منديله وَخرج إِلَى خيمته لَقِي جمَاعَة من المماليك فَقَالَ لَهُم قد قتلت الْخَلِيفَة وَكَانَ لَيْلًا فَرَكبُوا فِي خَمْسمِائَة مَمْلُوك ثمَّ دخلُوا إِلَى الكدرى ونهبوها وَأخذُوا خزانتها فَبلغ ذَلِك الْملك الْمعز وَهُوَ على شرابه فَبَطل الشَّرَاب وتجهز فِي ليلته هَارِبا إِلَى زبيد
ثمَّ قصد سنقر موضعا يُقَال لَهُ المهجم فنهبه وَأحرقهُ وَأخذ خزانَة فِيهِ ثمَّ توجه إِلَى المحاليب فأحرقها وَأخذ خزانتها ثمَّ صعد إِلَى الشريف عبد الله بن الله فِي بِلَاده منتصرا بِهِ فَأَقَامَ عِنْده خَمْسَة أَيَّام فتجهز الْملك الْمعز خَلفه فنفذ إِلَيْهِ هَذَا سيف الدّين سنقر الْمَذْكُور وَقَالَ لَهُ بِاللَّه عَلَيْك يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ لَا تخرج إِلَيّ فَإِن الْعَسْكَر مُنَافِق عَلَيْك فوصله الْكتاب وَهُوَ رَاكب فَقَالَ يهددني هَذَا الْفَاعِل الصَّانِع وسَاق من وقته بجيشه إِلَى أَن خرج إِلَى مَوضِع يُقَال لَهُ الجنابذ وَهِي أَرض يُقَال لَهَا عجى فتحالف الْعَسْكَر
стр. 32
عَلَيْهِ وَتَشَاوَرُوا على قَتله وهم كبار الأكراد مثل شمس الدّين الدَّقِيق وجمال الدّين ابْن أَخِيه وَابْن أُخْته وَابْن بَرَكَات وهندو وروبك أَخُوهُ وَسيف الدّين نجد أَمِير آخور وباخل وَمن الأتراك شمس الدّين القرابلي
فَحمل عَلَيْهِ هندو وروبك أَخُوهُ
فَلَمَّا قربا إِلَيْهِ بالحملة قَالَ لَهما لَا تفعلا وأغنكما فجفلت بِهِ البغلة فِي مثل ذَلِك الْوَقْت من الرماح فرمته فَبَقيَ متخبطا فِي ثِيَابه وأكمامه وَذَلِكَ أَن ثِيَاب الْخَلِيفَة كَانَت عَلَيْهِ طول أكمامها كل كم خَمْسَة وَعِشْرُونَ شبْرًا وسع الْكمّ سِتَّة أشبار فسبقه شمس الدّين الدَّقِيق والقرابلي وَابْن بَرَكَات وَهُوَ يخبط فِي ثِيَابه فَقَتَلُوهُ وَأَخذه ابْن بَرَكَات فَقطع رَأسه وَحمله على رمح وَأَعْطَاهُ للداعي الَّذِي كَانَ
стр. 33
بَين يَدَيْهِ
فأقاموا فِي الْمَدِينَة ثَلَاثَة أَيَّام يدورون بِرَأْسِهِ فِي الْبَلَد
ثمَّ نهبت زبيد سَبْعَة أَيَّام نهبا شنيعا ثمَّ اخْتلفت الأكراد لعدم مقدم عَلَيْهِم
هَذَا وَسيف الدّين سنقر لم يعلم بذلك فاتصلت بِهِ الْأَخْبَار
وَعند اخْتِلَاف الأكراد نفذوا إِلَى سنقر إِلَى صعدة باخل الْكرْدِي الْحميدِي فطلبوه لتمليكه فَحَضَرَ إِلَى زبيد ودخلوا بِهِ إِلَى دَار إِلَى الرباع بِبَاب شحاد وَنزل فِي دَار يُوسُف العروي ثمَّ تقدم شمس الدّين القرابلي من الأتراك وَابْن الدَّقِيق من الأكراد وسلطنوا سنقر وحملوا الغاشية بَين يَدَيْهِ وأدخلوه رَاكِبًا إِلَى دَار ابْن سيف الْإِسْلَام
فَأَقَامَ بزبيد ثَلَاثَة أَيَّام
وَأمر جمَاعَة مِنْهُم
ثمَّ عَاد إِلَى تعز وَأقَام بهَا أَربع سِنِين
فَكتب كتابا إِلَى زبيد يطْلب من الأكراد المقيمين بهَا مائَة ألف دِينَار وَكَانَ عِنْد سلطنته قد قنع مِنْهُم بِالِاسْمِ لَا غير وَترك لَهُم الْبَلَد وَقَالَ أقنع بتعز لَا غير فخادعهم إِلَى أَن قوي وجيش وَتمسك بِجَمَاعَة عاهدهم وَنفذ يطْلب المَال فأحضروا خَمْسَة أحمال صناديق وَعمِلُوا فِيهَا اللوالك الْمُقطعَة والخفاف والجلود الْمُقطعَة
стр. 34
وأسنة مكسرة ومسامير وحديد مكسر وختموها وسيروها إِلَيْهِ
فَلَمَّا رَآهَا شقّ عَلَيْهِ ذَلِك وَنفذ فِي الْوَقْت وَالْحَال يعلمهُمْ وُصُوله إِلَيْهِم قبالة هديتهم فَخرج فِي ليلته قَاصِدا زبيد
فَلَمَّا سمع الأكراد خُرُوجه خَرجُوا إِلَى ضَيْعَة يُقَال لَهَا المعزية كَانَ بناها الْملك الْمعز بن سيف الْإِسْلَام وسماها الْقَاهِرَة المعزية وَهِي ضَيْعَة كَبِيرَة جَيِّدَة كَثِيرَة الْخيرَات
فوصل سيف الدّين سنقر إِلَيْهَا فَلَمَّا قرب مِنْهَا انهزم الأكاريد ونزلوا فِي ضَيْعَة يُقَال لَهَا الزريبة فأقاموا بهَا خَمْسَة أَيَّام ورحلوا مِنْهَا إِلَى زبيد ورحل سنقر طالبهم إِلَى زبيد فَنزل وخيم عَلَيْهَا وقفلوا أَبْوَابهَا
وَكَانَ قد ذكر لأَصْحَابه أَنه إِذا أَخذهَا بِالسَّيْفِ انهبوها فَخرج الأكراد وقاتلوه يَوْمَيْنِ
فَمَا مِنْهُم يَوْم إِلَّا ويخسرون فِيهِ
فَلَمَّا كَانَ الْيَوْم الثَّالِث ركب سنقر بجماعته
وزحف إِلَى بَاب يُقَال لَهُ بَاب القرتب فَوَقَعت إِحْدَى البواشير فقفز سيف
стр. 35
الدّين سنقر هُوَ وَبدر الدّين بن تميرك فَقَالَ سنقر عِنْد ذَلِك الْحَمد لله رب الْعَالمين وَهُوَ وَاقِف فِي وسط الثلمة وَقَالَ للعسكر يَا أَصْحَابنَا كُنَّا قد أمرنَا أَنكُمْ إِذا أَخَذْتُم هَذِه الْمَدِينَة بِالسَّيْفِ انهبوها وَقد عمل الله لنا مَا لَا كَانَ فِي حسابنا من هدم هَذِه الثلمة
فَأَنا أَشْتَرِي مِنْكُم نهبها بِمِائَة ألف دِينَار فَأَبَوا إِلَّا نهبها فَزَادَهُم خمسين ألف دِينَار وحلفهم بِالطَّلَاق أَنه إِن سمع أَنهم تعرضوا لنهب أَو غَيره من أذية الْبَلَد آذاهم
ثمَّ دخل مَدِينَة زبيد وَأقَام بهَا فَخرجت الأكراد من بَاب وَلَا فقه ثمَّ قصدُوا ضَيْعَة يُقَال لَهَا الحصبى فنزلوا عِنْد رجل يُقَال لَهُ عَليّ الْكِنَانِي وَهُوَ من غفراء الْبَحْر فأضافهم وَأحسن ضيافتهم فطلبوا مِنْهُ نبيذا يشربونه فأحضر لَهُم نَبِيذ النّخل وَهُوَ يُقَال لَهُ الفضح فَشَرِبُوا مِنْهُ وَسَكِرُوا ورقدوا فَقَامَ مضيفهم عَليّ الْكِنَانِي وَأخذ خيولهم وربط غلمانهم وَأخذ مَا كَانَ مَعَهم من المَال وكتف الأكراد إِلَى أَن أصبح الصَّباح وَاجْتمعَ قومه بَنو كنَانَة وَسَارُوا بهم على الْإِبِل فِي المحائر إِلَى أَن وصلوا بهم إِلَى زبيد فشنق سنقر عَليّ الْكِنَانِي وأخاه مُحَمَّدًا وَقَالَ لَهُم
стр. 36
قبحكم الله غدرتم بضيوفكم
ثمَّ أَخذ جمَاعَة الأكراد وَرَمَاهُمْ الْحَبْس واستدعى بهم فِي الْيَوْم الثَّالِث إِلَى الْقصر فنصب لسيف الدّين سنقر شبْرمَة وَهِي قَاعِدَة من خيزران مثل السرير
واستحضر ولد سيف الْإِسْلَام يُقَال لَهُ الْملك النَّاصِر كَانَ صَغِير السن واستدعى الدَّقِيق فَضرب رقبته ثمَّ من بعده علم الدّين ابْن أَخِيه ثمَّ من بعده هندو ثمَّ بعده روبك ثمَّ بعده عِيسَى بن أجول الزرزاري وَسَبْعَة من إخْوَته ثمَّ بعده النظام بن عِيسَى الْجَزرِي وَجَمَاعَة فَكَانَت الْقَتْلَى فِي ذَلِك النَّهَار سبعماية نفس بالضبط
وَعَفا عَن القرابلي وَأَوْلَاده وَعَن باخل وَعَن ابْن بَرَكَات ثمَّ قعد فِي مَمْلَكَته وَفعل من الْعدْل وَحسن السِّيرَة مَالا رَآهُ أهل الْيمن وَلَا رعية وسلطن الْملك النَّاصِر وَصَارَ هُوَ أتابكه وخطب للْملك النَّاصِر فِي بِلَاد الْيمن ثمَّ بَقِي فِي السلطنة والأتابكية أَربع سِنِين إِلَى أَن توفّي بتعز فَجْأَة وَذَلِكَ أَنه كَانَ لَيْلَة مَوته قد أكل لحم فرس وَلحم بقر وَشرب عَلَيْهِ شرابًا مطبوخا فَغسل وَدفن فِي جَامع تعز وَخلف ولدا أخرس
стр. 37
وَولدا آخر من أم الْملك النَّاصِر لِأَنَّهَا كَانَت زَوجته ثمَّ تزوج إِبْرَاهِيم غَازِي بن جِبْرَائِيل أم الْملك النَّاصِر بعد وَفَاة سيف الدّين سنقر وَصَارَ أتابكا أَيْضا للْملك النَّاصِر
وَبَقِي الْملك النَّاصِر مُدَّة ثمَّ توفّي فِي الْجند وَحمل إِلَى تعز فَدفن فِيهَا
وَكَانَ سَبَب مَوته أَن غَازِي بن جِبْرَائِيل سمه بكوز فقاع فَبَقيَ غَازِي صَاحب الْبِلَاد مُدَّة يسيرَة وَقتل فِي حب فَقتله حمير وخولان وَبَنُو عبد الْوَهَّاب ورموا بِرَأْسِهِ من قلعة حب وَسبب ذَلِك اتهامهم لَهُ بقتل الْملك النَّاصِر
стр. 38
فَبَقيت الْبِلَاد بِلَا صَاحب إِلَّا الخواتين لَا غير
فجَاء الشريف عبد الله بن عبد الله بِخلق كثير وَملك زبيد مُدَّة يسيرَة ثمَّ سمع بركب الْحجاز ووصوله فَقَالَ فِي نَفسه لَا يَخْلُو هَذَا الركب من أحد من بني أَيُّوب فخاف على نَفسه وَعَاد إِلَى بِلَاده
وَوصل ركب الْحجاز إِلَى زبيد فَنزل المهتار كدكل العزيزي من عِنْد أم الْملك النَّاصِر بطرِيق الِاتِّفَاق يتفقد الركب الْحِجَازِي فلقي سُلَيْمَان شاه بن سعد الدّين بن الْملك المظفر تَقِيّ الدّين بن شاهان شاه بن أَيُّوب فَتحدث مَعَه وَسَأَلَهُ عَن أَحْوَاله وَفِي وقته كتب كتابا إِلَى أم الْملك النَّاصِر يخبرها بِخَبَرِهِ وَقَالَ لَهَا هَذَا من بني أَيُّوب وَهُوَ حسن الشَّبَاب فأحضرته وخلعت عَلَيْهِ وَتَزَوَّجت بِهِ وسلطن وَملك الْبِلَاد وملأها فسقا وجورا وفجورا وَأخذ نسَاء النَّاس وَمَا شكر مَا أنعم الله عَلَيْهِ بِهِ فَإِنَّهُ كَانَ
стр. 39
فَقِيرا لَا يملك درهما بِحَيْثُ حج مَاشِيا مَعَ الْفُقَرَاء يكدون ويطعمونه فَلَمَّا بغى سلبه الله مَا كَانَ خوله بعد أَن وصلت مكتوباته إِلَى السُّلْطَان الْملك الْعَادِل وَإِلَى عَمه الْملك الْمَنْصُور صَاحب حماة جهز الْملك الْكَامِل وَلَده الْملك المسعود إِلَيْهِ وَأخذ الْبِلَاد مِنْهُ عنْوَة
وَقد ذكرنَا ذَلِك مفصلا فِي تاريخنا الْكَبِير المرسوم بِالْبَيَانِ فِي حوادث الزَّمَان وَإِنَّمَا ذكرنَا هَذِه اللمْعَة لسياقة الحَدِيث وَالله أعلم
وَدخلت سنة تِسْعَة وتسع وَخَمْسمِائة
وَالْملك الْأَشْرَف قد تجهز لقصد ماردين واستخدم ابْن المشطوب وسير إِلَى الْملك الْأَفْضَل يحضرهُ من سميساط إِلَى البيكار عِنْده
ووردت الْأَخْبَار بِأَنَّهُم قد تأهبوا فِي ماردين للحصار واللقاء
стр. 40
وَوصل الْملك الْأَفْضَل إِلَى حران
ورحلوا وَأخذُوا رَأس عين الخابور وَسلمهَا الْملك الْأَشْرَف للْملك الْأَفْضَل وَسَارُوا إِلَى ماردين فراسل أهل ماردين السُّلْطَان الْملك الْعَادِل على أَن يحملوا للْملك الْأَشْرَف خمسين ألف دِينَار فعجلوا ذَلِك
فَعَاد الْملك الْأَشْرَف عَنْهُم رَاجعا إِلَى حران وَأعْطى الْملك الْأَفْضَل جملين
وفيهَا نزل الْملك الْعَادِل على خربة اللُّصُوص بِسَبَب الفرنج
وفيهَا أخذُوا رَأس عين الخابور من الْملك الْأَفْضَل وَكَذَلِكَ جملين بكذبة كذبوها عَلَيْهِ لاستعادة الْبِلَاد مِنْهُ وَلم يبقوا سوى سميساط لَا غير وأعطوا رَأس عين لِابْنِ المشطوب
وفيهَا كَانَ عِنْد أتابك نور الدّين صَاحب الْموصل عدَّة أُمَرَاء
следующие страницы →