Полный текст (263 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.
стр. 211
أرزن الرّوم وَأَخُوهُ وصهره وأحضرهم إِلَى الرُّومِي وتفرق الخوارزميون فِي الْجبَال والأودية والشعاب وبلغوا إِلَى درابزون وَفِي ذَلِك الْوَادي شقيف وَقع فِيهِ مَا يناهز ألفا وَخَمْسمِائة رجل وأبغال بأحمالها وجمال وَصَارَ النَّاس يطلعون مِنْهُ الأجمال والأبغال بأحمالها وفيهَا الْجَوَاهِر والكساوي وَالذَّهَب والأطلس وَغَيره وَكَأن معظمه كَانَ خزانَة للخوارزمي أَو لأَصْحَابه من خواصه
وَبَقِي فِي الطَّرِيق من الْعدَد والآلات والأقمشة مَا لَا يُوصف
وَكسب النَّاس ومسك العربان جمدارية الْخَوَارِزْمِيّ وَمَعَهُمْ أثوابه وتلاكشه جَمِيعهَا مطرزة
стр. 212
وَأما الْخَوَارِزْمِيّ بِنَفسِهِ فَإِنَّهُ فِي يَوْم وَلَيْلَة بلغت هزيمته إِلَى خرتبرت بَات بهَا لَيْلَة
وَدخل الْحمام هُوَ وقلج الْخَادِم وَسَار إِلَى خلاط وَاجْتمعَ بخواجاجهان وزبره وعرفه صُورَة الكسرة وَكَانَ خواجاجهان يحاصر ملازجرد وَقد أشرف على فتحهَا فَسَار عَنْهَا وَترك طَعَامه فِي الْقُدُور
وَحمل الْخَوَارِزْمِيّ بَقِيَّة أثقاله وبيته وَتوجه إِلَى الْعَجم
وَكَانَ علم الدّين منجر الإلفي الأشرفي مُقيما ببدليس فَضرب على الْأَمِير اخْتِيَار الدّين قبض عَلَيْهِ لِأَنَّهُ مَا كَانَ بلغه كسرة الْخَوَارِزْمِيّ
وَلَو كَانَ مَعَ تَقْدِير الله تَسوق العساكر خلف الْخَوَارِزْمِيّ مَا كَانَ يسلم بل ظنُّوا أَن لَهُ عدَّة أمكنة لِأَنَّهُ انْكَسَرَ من غير قتال
فَقَالُوا هَذِه خديعة مَا نثق بكسرته
ثمَّ عيد النَّاس عيد الْفطر وخلع الرُّومِي على الْأَشْرَف وعَلى بَاقِي الْجَمَاعَة وَسَاقُوا إِلَى أرزن الرّوم وكل الْجَمَاعَة قلعوا خلعة الرُّومِي إِلَّا الْأَشْرَف لبسهَا عدَّة أَيَّام وَقد جافت الأودية وَالْجِبَال من رمم الْمَوْتَى
стр. 213
وأركب الرُّومِي صَاحب أرزن الرّوم وأخاه وصهره على أبغال تبن بفردات التِّبْن بالقيود وَسَاقُوا بهم فسبحان مَالك الْملك وَكَذَلِكَ من كبسوه من جمَاعَة الْخَوَارِزْمِيّ مِنْهُم مشَاة وركبان والتواكيل عَلَيْهِم
وَكَانَ قد وصل رَسُول آمد مكاسرة وَيطْلب أَن يحلف لَهُ
فَقيل لَهُ تخْدم صَاحبك وتهنيه بِهَذِهِ الكسرة الَّتِي تعز عَلَيْهِ فَكتبت الْكتب إِلَى الْكَامِل والخليفة وَجَمِيع الْأَطْرَاف ووصلوا إِلَى أرزن الرّوم ونزلوا عَلَيْهَا وأحاط بهَا الْعَسْكَر وشرعوا فِي قتالها وأظهروا الْعِصْيَان والممانعة أول يَوْم وقوتلوا من جمَاعَة بعض قتال ثمَّ سِيرُوا سرا إِلَى الْأَشْرَف فَقَالَ لَهُم أَنا أَدخل فِي الْكَفّ عَنْكُم وَرفع الْأَذَى من السُّلْطَان عَنْكُم
وَأَرْسلُوا الرُّومِي بَاطِنا وَدخل إِلَيْهَا بكرَة هُوَ والأشرف وَإِخْوَته وَالْملك الْمَنْصُور صَاحب حمص إِلَيّ قصرهَا وَذَلِكَ يَوْم الثُّلَاثَاء وَوَقع الْعِوَض عَنْهَا وَحلف لَهُ الرُّومِي بالسلامة على نَفسه أَعنِي لصَاحب أرزن الرّوم وَأخذ زَوجته أُخْت صَاحبهَا وَكَانَ قد مَنعه مِنْهَا وَأَقَامُوا يويمات هُوَ والأشرف فِي أكل وَشرب وَلَذَّة ووداع وَتَقْرِير ممالك
وأجرد الرُّومِي مَعَ الْأَشْرَف
стр. 214
من عسكره خَمْسَة آلَاف فَارس قدم عَلَيْهِم نجم الدّين الجاشنكير وودعه وَسَار الْأَشْرَف وَقد أعطَاهُ جَمِيع الْعجل الَّتِي كَانَ عَلَيْهَا الزردخاناه بإيفادها ذخيرة لخلاط
وَعرض القلاع الَّتِي كَانَت الكرج أَخَذتهَا من خلاط وَهِي جملَة فَمَا أَخذ إِلَّا قلعة ألتي لَا غير وَهِي أَجودهَا ثمَّ سَار الْأَشْرَف وَوصل إِلَى خمربرت فَعرفهُ أَهلهَا بوصول الْخَوَارِزْمِيّ وَأَن قلج كَانَ مَرِيضا وَدخل هُوَ وَهُوَ الْحمام ثمَّ سَار إِلَى ملازجرد فَتَلقاهُ من كَانَ بهَا من أَهلهَا وَعَسْكَره وسير إِلَى خلاط رتبها ورتب واليا وديوانا الشهَاب أَخا الْجمال الْكَاتِب ثمَّ بَقِي
стр. 215
ثَلَاثَة أَيَّام وَسَار إِلَى أرجيش فَتَلقاهُ من بهَا وَوصل إِلَيْهِ فِيهَا الْملك الْمُعظم صَاحب الجزيرة فَأكْرمه غَايَة المكارمة
وفيهَا وصل الْكَمَال بن المُهَاجر وصحبته الْملك الأمجد عَبَّاس بن الْعَادِل وتلقوه كَمَا جرت الْعَادة
وفيهَا رتب الْأَشْرَف اليزك وَذَلِكَ أَن خواجاجهان كَانَ قَرِيبا من بيكري والخوارزمي فِي خوي وَكَانَ قلج الْخَادِم الْمُقدم ذكره الَّذِي يُحِبهُ الْخَوَارِزْمِيّ قد مرض مَرضا شَدِيدا فَمَاتَ بخوي وَجرى عَلَيْهِ مِنْهُ أعظم من كَسرته كَانَ مليح الصُّورَة إِلَى نِهَايَة
وَبَقِي أَيَّامًا لَا يركب وَلَا يرَاهُ أحد وَقيل إِنَّه قطع بعض شعره عَلَيْهِ لحزنه
وهم الْأَشْرَف فِي عبوره بِلَاد الْعَجم ليبلغ أُولَئِكَ وَتارَة يقدم وَتارَة يحجم وَاتفقَ أَنه أحضر اخْتِيَار الدّين الْمُقدم ذكره وَطيب نَفسه وفاوضه وَقَالَ لَهُ كَيفَ نعمل بِجلَال الدّين قَالَ إِذا أذن للمملوك قَالَ مَا عِنْده ثمَّ تَركه وأحضر من كَانَ عِنْده من أسراه من
стр. 216
الخوارزميين يُقَال لَهُ جتر خَان وَأَعْطَاهُ أَمَانًا وَقَالَ تمْضِي إِلَى جلال الدّين تعرفه إحساننا إِلَى من عندنَا مِنْكُم من الأسرى وَمَا لكم من راتب ونفقه وَحُرْمَة ليفعل مَعَ من لنا عِنْده كَذَلِك فَسَار إِلَيْهِ وَاجْتمعَ بِهِ فَطلب الْخَوَارِزْمِيّ رَسُولا من الْأَشْرَف ليحادثه فَلَمَّا عَاد جتر خَان وَذكر قَوْله وَطَلَبه قَالَ الْأَشْرَف لجتر خَان مَا عندنَا مثلك وَأَنت أميننا ونسمع مَا تَقوله
فَلَمَّا عَاد إِلَيْهِ وعرفه قَالَ لَهُ تَقول للأشرف يَا خواند أَنا مَا أَسَأْت أَولا وَلَا شكّ أَنِّي سيرت المجير قَاضِي الممالك إِلَيْكُم فَمَا أحسن السفارة وأفسد بَيْننَا وَمَعَ هَذَا فقد كنت طلبت المسالمة فَمَا أجبتم إِلَيْهَا وَدخل الْحَاجِب بلادي وخربها وَأخذ حرمي وَفعل مَا قد علمتموه
وَطلبت الصُّلْح فَمَا فعل ثمَّ ولي بعده أيبك طلب الصُّلْح مَا فعل وَجرى مَا جرى بِقدر الله وقضائه
وَعِنْدِي الْآن مُلُوك وعندكم مماليك فَإِن اخترتم الصح بِسم الله
فَكَانَ جَوَاب الْأَشْرَف
стр. 217
لجتر خَان ب أَن تخْدم عني الْمولى السُّلْطَان وَتقول يَا خواند أَنْت سُلْطَان وَابْن سُلْطَان وَمَا أردنَا لَك سوءا وَقد بالغت فِيمَا فعلته فِي بِلَادنَا من خراب وَنهب وَقتل
وَالَّذِي كَانَ قصد بلادك كَمَا زعمت فقد قابلناه على فعله وَأَنت فَمَا أبقيت فِي سوء الْمُعَامَلَة وإراقتك الدِّمَاء فبلادنا قد خربَتْ فصلحنا على أَي شَيْء يكون فَإِن أردْت ذَلِك فَانْزِل عَن هَذِه الْبِلَاد الَّتِي مَا كَانَت لَك وَلَا لأَبِيك لنعمر نَحن بالعامر الخراب
وَنحن فَمَا اشتهينا نتمم أذيتك لِأَن خَلفك أَعدَاء كثيرين وَأَنت أَبتر فَهَذَا مُوجب إبقائنا عَلَيْك رَحْمَة
وَأما قَوْلك عنْدك مُلُوك وَعِنْدنَا مماليك فَالَّذِي عنْدك مماليك أَيْضا
وَأخي مجير الدّين أقدر أَنه قد مَاتَ ولي عدَّة إخْوَة وَأَوْلَادهمْ جمَاعَة وَأَهلي مَا يناهز ألفي فَارس من بيتنا
ولي من يكفلني ويخلفني ويكفيني مَا ورائي وَأَنت فمالك أحد
وسير جتر خَان إِلَيْهِ فِي الْجَواب وَكَانَ خواجاجهان نازلا بمنوشهر
стр. 218
وفيهَا كَمَا تقدم كَانَ وصل الْكَمَال بن مهَاجر وصحبته تَقِيّ الدّين
وَحكى أَن زَوْجَة الْخَوَارِزْمِيّ الَّتِي كَانَت عِنْد الْخَلِيفَة كَانَ قد جهزها إِلَيْهِ قبل الكسرة وَأَعْطَاهَا عَطاء لم يسمع بِمثلِهِ وَسلمهَا إِلَى رسل الْخَوَارِزْمِيّ الواصلين إِلَيْهِ بِسَبَبِهَا بعد أَن توثق لَهَا مِنْهُ غَايَة التَّوَثُّق فَلَمَّا وصلوا إِلَى إربل سَمِعت بكسرة الْخَوَارِزْمِيّ فَقَالَت مَا بقيت أروح من هَاهُنَا إِلَى أَيْن
فجهدوا بهَا فَأَبت
فَقَالَ صَاحب إربل لغلمان الْخَوَارِزْمِيّ تروحون من عِنْدِي وَإِلَّا إِن طَلَبكُمْ الْأَشْرَف مَا أقدر أحميكم
ثمَّ نفاهم من عِنْده وعادت زَوْجَة الْخَوَارِزْمِيّ إِلَى الْعرَاق أَقَامَت بِهِ
وفيهَا طلب المظفر غَازِي من الْأَشْرَف أرزن فأنعم عَلَيْهِ بأخذها ورسم بتوقيعها وَوصل قَاضِي أرزن ابْن الشهرزوري الْعِمَاد بهدية إِلَى الْأَشْرَف وتهنئة بالكسرة وَيعْتَذر بمرضه عَن تخلفه فَقبل هديته وَقَالَ لَهُ حديثكم مَعَ أخي المظفر إِن رَضِي فَلَا أَي كَلَام فَلَمَّا توجه هَذَا القَاضِي الْمَذْكُور إِلَى المظفر اعتقله يَوْمَيْنِ ثمَّ قَالَ لَهُ
стр. 219
هَذِه أرزن لي مَا بَقِي فِيهَا كَلَام والمصلحة تَسْلِيمهَا إِلَيّ ونعطيه مَا يتبلغ بِهِ بَقِيَّة عمره
وَأما زَوْجَة صَاحب أرزن ابْنة الأوحد بن الْعَادِل فَمَا رعيت فِي ذَلِك
ثمَّ إِن المظفر سير إِلَيْهَا حاصرها وَنصب مجانيق عَلَيْهَا وسير الْأَشْرَف الْجمال الْكَاتِب إِلَى صَاحبهَا فَمَا أَجَابَهُ فَلَمَّا تَوَاتر الْحصار وعاين أَخذهَا وعجزه قَالَ صَاحبهَا مَا أسلمها إِلَّا إِلَى الْأَشْرَف وثوقا بِأَنَّهُ رُبمَا أبقاها لبيته وَكبره ولأخته ولخدماته حَتَّى إِنَّه أسر بخلاط وَمَشى مُدَّة مَعَ كبره رَاجِلا فِي ركاب الْخَوَارِزْمِيّ
وفيهَا سير الْأَشْرَف شمس الدّين التكريتي إِلَى الكرج وَإِلَى صَاحب الدربند شرْوَان
فَقَالَ لَهُ شرْوَان تعرف صَاحبك أَنه كَانَ عِنْدِي جمَاعَة من الْخَوَارِزْمِيّ ليتناولوا من مغل بلادي الثُّلُث
стр. 220
فقتلتهم جَمِيعهم وَقد سيرت إِلَى الكرج أَيْضا استنجدتهم وَأما الْخَوَارِزْمِيّ فقد توجه إِلَى توريز بعد أَن كَانَ قد جمع واستخدم زِيَادَة على من عِنْده ألف فَارس وَلَا شكّ فِي خَوفه من التتر والتتر قد خَرجُوا عَلَيْهِ فتعرفه ذَلِك
وفيهَا وصل ابْن صَاحب سر مارى الْأصيلِيّ وتلقاه الْحَافِظ وكريم الدّين وقابيا
وفيهَا قبض الْأَشْرَف على حسام الدّين خضر وَابْنه صَاحب سر مارى الْمُقدم ذكره لِأَنَّهُ كَانَ قد أَسَاءَ كثيرا عِنْد تمْلِيك الْخَوَارِزْمِيّ وإعطائه لَهُ أرجيش وَحمله بعد ذَلِك إِلَى دمشق
وفيهَا بأرجيش أَيْضا وصل كتاب إيواني ملك الكرج حمي الْأَشْرَف مضمونه إِن كتاب الْخَوَارِزْمِيّ قد وصلني ابْتِدَاء لَا جَوَابا وَقد سيرته لتقف على مَا فِيهِ
وعَلى رَأس الْكتاب تَرْجَمته
стр. 221
داعيه منكبرتي بن السُّلْطَان مُحَمَّد بن السُّلْطَان سنجر
وَإِنَّمَا ابْنَتي تبْعَث تَقول لي دَار الْخَوَارِزْمِيّ لأجلي وَكَانَ قد بعث إيواني هَذَا سَيْفا للأشرف صُحْبَة الْكتاب لِأَن عَادَة الكرج إِذا ظفر جارهم سِيرُوا لَهُ سَيْفا
وَقَالَ قد عرفتك صُورَة الْحَال وَأَنا على مَا تعهده من المعاهدة
وفيهَا شرع السُّلْطَان الْملك الْمُجَاهِد صَاحب حمص فِي عمَارَة قلعة بِبَلَد سلمية كَانَت قديمَة على رَأس جبل يعرف بشميميش وَمَا طَابَ ذَلِك لصَاحب حماة المظفر واجتهد فِي إِبْطَالهَا ظَاهرا وَبَاطنا فَجمع السُّلْطَان الْملك الْمُجَاهِد غلمانه وَأَصْحَابه وَعَسْكَره ورعيته وَجَمَاعَة من العربان وَكَانَ قد حصل جَمِيع الْآلَات وَشرع فِيهَا جملَة وَاحِدَة بِنَفسِهِ وَأَوْلَاده أَيْضا مَا خلا الْملك الْمَنْصُور ولي عَهده لِأَنَّهُ كَانَ بأرجيش بعسكره وأدارها بالعمارة وتسوير سورها فِي سَبْعَة أَيَّام بِحَيْثُ إِنَّهَا صَارَت تمنع من يقصدها وَدَار الحرس عَلَيْهَا تِلْكَ الْمدَّة ثمَّ بعد ذَلِك كمل عمارتها كَمَا يَنْبَغِي ورتب الْوُلَاة والأجناد وَحمل إِلَيْهَا
стр. 222
الذَّخَائِر فِي تِلْكَ السّنة وسماها ماردين الشَّام وَهِي كَذَلِك لِأَنَّهَا فِي غَايَة المنعة والحصانة وحفر فِيهَا عدَّة آبار وَعمل عدَّة صهاريج وملأها مَاء وَخرب برجا كَانَ قد عمل فِي سلمية قَدِيما فِي وسط الْبَلَد وَكَانَ قد خربه الْملك الْمَنْصُور بن تَقِيّ الدّين ﵀ قَدِيما فَلَمَّا صَارَت سلمية لوَلَده المظفر بِأَمْر السُّلْطَان الْكَامِل أعَاد عِمَارَته كَمَا كَانَ أَولا فَنظر الْملك الْمُجَاهِد فِي أمره فخربه وَنقل حجارته وآلته إِلَى قلعة شميميش وَقد كَانَت سلمية انْتَقَلت من المظفر الْمَذْكُور بِأَمْر الْكَامِل إِلَى الْملك الْمُجَاهِد فعمرها وحصنها وَكم لَهُ من عمارات حميدة وآثارات سديدة
وَكَذَلِكَ عمر قلعة حمص ورفعها عَمَّا كَانَت عَلَيْهِ وحصنها وعمق خندقها وأجرى الْمِيَاه من الزِّرَاعَة إِلَى الْبَلَد نَفسه وَعمل القنوات وأجرى المَاء فِي الْمَدِينَة وَعمل الْبَسَاتِين وتجرفت الْمِيَاه فِي جَمِيع أرْضهَا الغربية وَزرع الْأرز عَلَيْهَا وَغير ذَلِك وأطاعه العَاصِي وَهَذَا لم يقدر عَلَيْهِ سواهُ من الْمُلُوك الَّذين تملكوا حمص
وَكَذَلِكَ عمر قلعة الرحبة كَمَا تقدم وَكَذَلِكَ أنشأ قلعة بتدمر على جبل عَال منيع حُصَيْن وَخرب برجها الَّذِي كَانَ فِي الْمَدِينَة
كل هَذَا خوفًا
стр. 223
على الرعايا وجدد بحمص بيمارستانا عَظِيما ورتب فِيهِ مَا يحْتَاج إِلَيْهِ وأوقف عَلَيْهِ وقوفا وَلم يكن قبل ذَلِك
وَعمر مدرسة جميلَة غير الْمدرسَة النورية أَولا
هَذَا وَكم لَهُ من اصطناع وَصدقَة ومعروف وبر لَا سِيمَا إِلَى من يَقْصِدهُ وَكم لَهُ من وَاقعَة مَعَ الفرنج صَارَت تواريخ وَكَذَلِكَ مَعَ العربان السَّرَايَا وَغَيرهم وأبدا يسْتَردّ مِنْهُم الْغَنَائِم ويطاردهم هُوَ وَأَوْلَاده فِي الْبَريَّة الْيَوْمَيْنِ وَالثَّلَاثَة
وفيهَا بأرجيش كَانَ خواجاجهان قد طلب من يصل إِلَيْهِ يحدثه فِيمَا يتَّفق بَينهم وَاتفقَ الْأَمر على أَن المظفر غَازِي يسير إِلَيْهِ من عِنْده رَسُولا فَعَاد الْمَذْكُور من عِنْد خواجاجهان وصحبته رَسُول من عِنْده وَاتفقَ وُصُول هَذَا الرَّسُول بكرَة نَهَار عيد النَّحْر فَأمر الْأَشْرَف العساكر والملوك وعسكر الرُّومِي أَن يلبسوا ويتجملوا وَأَن يدْخل بَين يَدَيْهِ جَمِيع الأكابر فِي الْحلقَة وَأَن يحضروا رَسُول خواجاجهان لَا عَن قصد وترتيب يتفرج عِنْد وُصُوله برانية من
стр. 224
الطَّرِيق فَحَضَرَ وأوقف بمعزل بِمن مَعَه وَرَأى الْعَالم وكثرته وَحسن ترتيبه ثمَّ حمل إِلَى مخيم المظفر وَنزل الْأَشْرَف بخيمة لباد كَانَ قدمهَا لَهُ الْملك الْمُعظم صَاحب الجزيرة وَحضر النَّاس الخوان ثمَّ انصرفوا وَفِي غَد الْعِيد أحضر رَسُول خواجاجهان عِنْد الْأَشْرَف وَسمع رسَالَته وإخوة الْأَشْرَف كلهم قيام فِي الْخدمَة وأكابر الْأُمَرَاء تَعْظِيمًا لحاله وَصرف الرَّسُول بعد ذَلِك وَاجْتمعَ آراء السلاطين على الْجَواب وسيروا بِهِ الْحَكِيم سعد الدّين بن الْمُوفق الدِّمَشْقِي طَبِيب الْأَشْرَف لِأَنَّهُ يعرف بالعجمي وَسَار إِلَيْهِ
وفيهَا فِي عشْرين ذِي الْحجَّة بأرجيش قبض الْملك الْحَافِظ على كَاتبه مُحَمَّد بن عَليّ بن نظيف الْحَمَوِيّ وَأخذ جَمِيع مَا يملكهُ من مماليك ودواب وَذهب وقماش ورخت وَغَيره وَحمله إِلَى قلعة جعبر لَيْلًا وَذَلِكَ لِكَثْرَة سكره
وَكَانَ سَبَب ذَلِك أَنه طلب أحد مماليكه فَمَا امْتنع عَلَيْهِ
وَقيل لَهُ غير مَا بذله من نَفسه فِي ذَلِك الْقبُول وَوَقع النشب بِهِ فَلَمَّا أَفَاق من سكرته نَدم وَمَا بَقِي يُمكن إِلَّا الْإِتْمَام لما فعله
стр. 225
وَكَانَ هَذَا كُله بعد أَن خلع عَلَيْهِ خلعة الْعِيد وَأَخُوهُ أَيْضا
ثمَّ دخلت سنة ثَمَان وَعشْرين وسِتمِائَة
فِيهَا انْتقل الْأَشْرَف إِلَى خلاط ليرتب أحوالها وينتظر رَسُول الْخَوَارِزْمِيّ فوصل الرَّسُول صُحْبَة الْحَكِيم سعد الدّين وَحلف الْأَشْرَف فِي الْبَلَد
ثمَّ بعد ذَلِك أطلعه القلعة وَشرب مَعَه وأنعم عَلَيْهِ وَأَعَادَهُ
ورتب الْأَشْرَف مماليكه والعسكر والديوان بهَا وَكَانَ قد نقم على حسام الدّين القيمري وَفتح الدّين بن دلدرم الياروقي ففارقاه وخدما لصَاحب آمد ثمَّ توجه الْأَشْرَف إِلَى أرزن فتسلمها وَسلمهَا إِلَى المظفر وَأعْطى دستورا للعساكر وَسَار صحبته الْحَافِظ
стр. 226
وَصَاحب الجزيرة ووزراؤه وفارقه السُّلْطَان الْملك الْمَنْصُور إِلَى الرحبة لِأَن وَالِده السُّلْطَان الْملك الْمُجَاهِد كَانَ قد وصل إِلَيْهَا
فَأَقَامَ الْأَشْرَف بدارا يَوْمَيْنِ ثَلَاثَة ثمَّ انْتقل إِلَى نَصِيبين وَبَقِي كَذَلِك ثمَّ توجه إِلَى سنجار وَبَقِي مُدَّة يفرج بهَا صَاحب الجزيرة وَقَالَ لَهُ تَجِيء إِلَى دمشق فتفرج فِيهَا أَيَّامًا فَمَا أمكنه مُخَالفَته فَسَار مَعَه فَلَمَّا وصل إِلَى قرقيسيا بلغه أَن السُّلْطَان الْملك الْمُجَاهِد وَقع فِي الصَّيْد عَن فرسه فساق إِلَيْهِ جَرِيدَة افتقده فأطلعه إِلَى قلعة الرحبة وَقدم لَهُ كَمَا جرت الْعَادة وَاسْتحْسن القلعة وشكرها كثيرا ثمَّ سَار إِلَى دمشق وفارقه أَخُوهُ الْحَافِظ إِلَى قلعته فَأَقَامَ الْأَشْرَف أَيَّامًا يسيرَة بِدِمَشْق ثمَّ توجه وَبَقِي الْملك الْمُعظم مُقيما بِدِمَشْق يتفرج إِلَى أَن سير إِلَيْهِ استدعاه للطلوع إِلَى مصر فسارا إِلَيْهَا فتلقاهما السُّلْطَان الْملك الْكَامِل وضاعف احترام صَاحب الجزيرة وَأَعْطَاهُ عَطاء كثيرا
стр. 227
ثمَّ ترك والأشرف وَسَار إِلَى الاسكندرية ثمَّ عَاد وَفرج صَاحب الجزيرة فِي دمياط وَغَيرهَا
وفيهَا شفع صَاحب الجزيرة بمصنف هَذَا التَّارِيخ مُحَمَّد بن عَليّ ابْن نظيف إِلَى الْأَشْرَف بمكاتبته إِلَى مخدومه الْحَافِظ بِإِطْلَاقِهِ فَكتب الْأَشْرَف فِي ذَلِك وَأمر الْحَافِظ بِإِعَادَة جَمِيع مَا أَخذ لَهُ عَن آخِره وَأَن يحْسب جَمِيع مَاله ولمماليكه من حِين قبض وَإِلَى حِين الإفراج عَنهُ ويعطاه جملَة ويضاعف حرمته وَمَا كَانَ لَهُ وَلَا تمكنه من الْمُفَارقَة ليضل وتحسن إِلَيْهِ فَقبل شَفَاعَته وَأطْلقهُ بعد تَحْلِيفه أَلا يُفَارق خدمته
وَجَمِيع مَا رد عَلَيْهِ من جَمِيع مَا أَخذه لَهُ مملوكان كبيران لَا غير وَأَرْبَعَة دَوَاب
وَكَانَ كل وَقت يمنيه ويعده فَأطَال عَلَيْهِ وَخَافَ من غدره فتسحب لَيْلًا إِلَى الرحبة من قلعة جعبر فَوجدَ الْمولى السُّلْطَان الْملك الْمَنْصُور نَاصِر الدّين إِبْرَاهِيم ولي عهد وَالِده فِيهَا فَأحْسن إِلَيْهِ وخلع عَلَيْهِ خلعة جميلَة وَحمل لَهُ جَمِيع مَا يَحْتَاجهُ
стр. 228
ورتب لَهُ بعد ذَلِك راتبا مُعْتَبرا من طَعَام وحلاوة وشمع وقصيم دَوَاب ثمَّ كَاتب السُّلْطَان الْملك الْمُجَاهِد بِهِ فوصل كِتَابه إِلَى الْوُلَاة بتقرير راتب كِفَايَته وَزِيَادَة وَأطلق لَهُ أَشْيَاء وَبسط أمله وَأمره بالْمقَام فِيهَا إِلَى حِين وُصُوله فَبَقيَ فِي خدمَة السُّلْطَان الْملك الْمَنْصُور فِي أحسن كَرَامَة إِلَى أَن استدعيا إِلَى حمص
فَتلقى وَلَده السُّلْطَان الْملك الْمُجَاهِد إِلَى سلمية ولقيه الْمَذْكُور فَبسط أمله وَأحسن إِلَيْهِ وَأطلق لَهُ جملَة ورتب راتبه الَّذِي كَانَ لَهُ بالرحبة وأطلقوا لَهُ أَوْلَاده كلهم على طبقاتهم وأحسنوا فِي حَقه إحسانا كثيرا
وَنقل بَيته إِلَى تَحت ظله بحمص ورتب جامكية تكفيه وَزِيَادَة مَعَ الْإِحْسَان إِلَيْهِ المتتابع أَولا وآخرا
وَكم لَهُ مثل هَذَا مَعَ من يَقْصِدهُ
عدنا إِلَى حَدِيث الْأَشْرَف بِمصْر وَصَاحب الجزيرة وهم فِي ضمن لذتهم دخل التتر إِلَى الْبِلَاد فَلَمَّا تحقق الْخَوَارِزْمِيّ قصد التتر لَهُ أطلق مجير الدّين بن الْملك الْعَادِل الَّذِي كَانَ فِي إساره ومملوك الْأَشْرَف بكتمر الْأَحول وسير صحبتهما رسولين من عِنْده وَقَالَ لَهُ نَفسك لَك
стр. 229
فتعرف أَخَاك الْأَشْرَف بالتتر فَمَا هم قَلِيل وهم أَعدَاء الدّين فوصل مجير الدّين وتلقاه صَاحب ماردين وَأحسن إِلَيْهِ ثمَّ تَلقاهُ الْحَافِظ إِلَى قريب حران وَحمله إِلَى قلعته وضاعف إِلَيْهِ الْإِحْسَان وَإِلَى الْأُمَرَاء الخوارزمية ثمَّ سَار بهم قَاصِدا الْأَشْرَف فَأَقَامَ بِدِمَشْق أَيَّامًا ثمَّ طلع إِلَى مصر هُوَ وَأَخُوهُ تَقِيّ الدّين عَبَّاس فَأحْسن السُّلْطَان الْكَامِل إِلَيْهِمَا وَأما الْخَوَارِزْمِيّ فَإِنَّهُ تسحب بِمن كَانَ مَعَه إِلَى آمد من خَوفه من التتر بعد أَن كَانَ قد جمع وعزم على قصد الرُّومِي فأعجله التتر فقصد آمد وَقَالَ لصَاحِبهَا مَا نكلفك نجدة وَلَا إِقَامَة بل إِن تبعنا التتر واحتجنا تكن آمد ظهرنا قَالَ نعم وكرامة فَلَمَّا وصل التتر وأغاروا على الْخَوَارِزْمِيّ وكبسوه لَيْلًا وَمَعَهُ الْآمِدِيّ فِي عدَّة لَهُ يحمل أثقاله وقماشه وَسَار خَائفًا وَتَفَرَّقَتْ أَصْحَابه فِي تِلْكَ
стр. 230
الخطة لَا يَهْتَدُونَ على مسير
أما الْخَوَارِزْمِيّ فَإِنَّهُ مَا علم أَي جِهَة أَخذ وَقَالُوا قتل وَقَالُوا لَا بل فِي الْحَيَاة وتسحب خَاله وَمَعَهُ جمَاعَة إِلَى المظفر غَازِي وَالْبَاقُونَ تشعبوا فِي الْجبَال لَا سِيمَا جبل ليسون
وَزَوْجَة الْخَوَارِزْمِيّ وسراريه وخدامه وَقطعَة كَبِيرَة من عسكره طلبُوا أَمَانًا من صَوَاب
فَأَمنَهُمْ ثمَّ غدر بهم فنهبهم هُوَ وَعَسْكَره وَأخذُوا أَمْوَالهم وأحيط بِزَوْجَتِهِ فِي قلعة حران وَبعد ذَلِك استدعيت إِلَى دمشق أَقَامَت بهَا
وَأما التتر فَإِنَّهُم قصدُوا الْجِهَة الَّتِي قَصدهَا الْخَوَارِزْمِيّ ودخلوا الجزيرة ونهبوا وَقتلُوا وَسبوا وعاثوا فِي الْبِلَاد وَبَلغت غوارتهم إِلَى الْجبَال بسنجار وقاتلوا نَصِيبين
стр. 231
وَجرى لَهُم بسعرد من الْقِتَال وَالْقَتْل والغدر مَا تجَاوز الْحَد
وَمَا يعلم مِقْدَار من قَتَلُوهُ مِنْهَا وَمَا نهبوه وَكَذَلِكَ دنيسر قتلوا أَهلهَا وسبوهم وأحرقوا الْجَامِع وَكَانَ قد احتمى بِهِ جمَاعَة فحرقوهم فِي الْجُمْلَة وعادوا عَن حمية إِلَى مواضعهم وَمَا وجدوا فِي الجزيرة من رد ثمَّ لَهُم نشابا وَقد ذكر أَن هَؤُلَاءِ الغوارة مَا بلغُوا ألف فَارس وفعلوا فِي الْبِلَاد مَا فَعَلُوهُ وأخافوا النَّاس وَارْتَحَلُوا من الجزيرة إِلَى الشَّام وجلا أهل رَأس عين الخابور وَغَيرهم ودر بت دروب أَكثر الْبِلَاد وامتنعوا من فتحهَا وكل هَذَا والأشرف وَصَاحب الجزيرة عِنْد السُّلْطَان الْكَامِل بِمصْر
وفيهَا قفزت الباطنية على أحد رسولين جَاءَا من الْخَوَارِزْمِيّ
стр. 232
أَحدهمَا يُقَال لَهُ المخلص قَتَلُوهُ بِدِمَشْق وَكَانَ لَهُ أَمْوَال فَأخذ الْجَمِيع الْملك الصَّالح وَقَالُوا إِن الباطنية كَانَ بَينهم وَبَين وَالِد المخلص عَدَاوَة أوجبت مَا فَعَلُوهُ
وَاتفقَ وُصُول رسل التتر وَاجْتمعَ بهم السُّلْطَان الْملك الْمُجَاهِد بحمص ووصلوا إِلَى دمشق فخاف عز الدّين بلبان الرَّسُول الآخر من الْخَوَارِزْمِيّ على نَفسه فهرب بِجَمَاعَة مَعَه وتسحب إِلَى شاطئ فرات الرحبة فَنزل عِنْد عرب غدروا بِهِ وَأخذُوا مَا كَانَ مَعَه
وَكَانَ مَعَه جمَاعَة قطعُوا الْفُرَات وَبَقِي هُوَ وسير الصَّالح بن الْعَادِل خَلفه فَقبض بوالي قرقيسيا وَكَانَ السُّلْطَان الْملك الْمَنْصُور فِي الرحبة إِذْ ذَاك فَأحْسن إِلَيْهِ وجهز إِلَى دمشق من الرحبة
وفيهَا وصل رَسُول الْخَلِيفَة إِلَى الديار المصرية بِالْخلْعِ والتقليد بَقِي مُدَّة لم يجْتَمع بالسلطان الْكَامِل وَكَانَ الْغَرَض من تَأْخِيره مَا قد اسْتَوْفَيْنَاهُ فِي تاريخنا الْكَبِير ثمَّ بعد ذَلِك وصل السُّلْطَان الْملك الْكَامِل فِي الْبَحْر وخلع عَلَيْهِ وقلد تقليدا لم يُقَلّد بِهِ غَيره من سَائِر الْمُلُوك
стр. 233
من بَيت الْعَبَّاس وزادوه زيادات عَظِيمَة فِي التقدمة لَهُ وَالْقَوْل وَكَذَلِكَ للأشرف وَكَذَلِكَ لوَلَده الصَّالح وَلمن عينوه وخلعة للوزير
فَقَالَ مَا لي وَزِير قيل هَذِه عادتنا مَعكُمْ فَبَقيَ أَيَّامًا
ثمَّ أَعْطَاهَا لكَاتبه الْفَخر سُلَيْمَان ابْن الخباز الدِّمَشْقِي لِأَن أَبَاهُ كَانَ خبازا بهَا مَشْهُورا
وفيهَا خرج الْملك الْعَزِيز صَاحب حلب وَدَار فِي جَمِيع بِلَاده وَذَلِكَ أول خُرُوجه إِلَى الْبِلَاد
ثمَّ دخلت سنة تسع وَعشْرين وسِتمِائَة
فِيهَا كثر الإرجاف بِعُود التتر إِلَى الجزيرة بعد أَخذهم كنجة وَقتل كل من فِيهَا لأَنهم كَانُوا قد تديروا موغان وَبهَا شتوا وصاروا
стр. 234
يغيرون ويعودون إِلَيْهَا واهتم الْخَلِيفَة اهتماما عَظِيما وَكَثُرت رسله إِلَى الْكَامِل والأشرف فِي نزولهم الشَّام واستخدم الْخَلِيفَة عربانا كَثِيرَة وَغَيرهم من أجناد وبذل الْأَمْوَال وَبَقِي فِي نَفسه فعل التتر فِي بِلَاد الجزيرة
ثمَّ إِن التتر عَادوا إِلَى الجزيرة طَمَعا بِأَهْلِهَا فنهبوا أَيْضا وَقتلُوا وَسبوا ووصلوا إِلَى جسر بدايا وَدخل بَعضهم عَلَيْهِ وأخافوا كل الْبِلَاد من قوتهم وإقدامهم وتسحبوا من بَين أَيْديهم
فَنزل الْأَشْرَف إِلَى الشَّام وصحبته صَاحب الجزيرة وَقد وعده السُّلْطَان الْكَامِل بلحاقه وَتقدم الْكَامِل نزُول العساكر المصرية إِلَى الشَّام وتجهزوا وَقدم عَلَيْهِم فَخر الدّين عُثْمَان أستادداره فَلَمَّا وصل الْأَشْرَف تَلقاهُ إخْوَته وَالسُّلْطَان الْملك الْمُجَاهِد وَأَوْلَاده وَوصل الْملك المظفر صَاحب حماة للقاء الْكَامِل فَلَمَّا وصل الْأَشْرَف قدم لَهُ الْملك الْمُجَاهِد تقدمة حَسَنَة على يَد الْأَمِير صفي الدّين سودان وَفَارق صَاحب الجزيرة الْأَشْرَف عَائِدًا إِلَى بِلَاده وَتحمل للبيكار
وَنزل الْكَامِل فِي هَذَا الشَّهْر إِلَى الشوبك
فَأَقَامَ
стр. 235
بِهِ مُدَّة ثمَّ وصل إِلَى دمشق وتلقاه النَّاس وَأمر المظفر بِأخذ ابْنَته وَالدُّخُول بهَا فِي دمشق فَفعل ذَلِك
ووصلت ابْنَته أَيْضا زَوْجَة صَاحب حلب الْملك الْعَزِيز وَسَار مَعهَا قَاضِي الْعَسْكَر الْمصْرِيّ وفخر الدّين البانياسي وتلقاها عَسْكَر حلب مَعَ بعض أَهلهَا إِلَى حماة فَكَانَ عرسا عَظِيما
وفيهَا استبد الْملك الْعَزِيز صَاحب حلب بِرَأْيهِ وَرفع أتابك شهَاب الدّين يَده وَلسَانه فَقطع الْعَزِيز جمَاعَة أُمَرَاء وَأخذ أخبازهم
وفيهَا صَالح صَاحب الرّوم الأشكري وَأخذ أَمْوَالًا كَثِيرَة من بِلَاده بِسَبَب خُرُوج التتر
وَوصل عَسْكَر الْكَامِل وَفِي مقدمته وَلَده الْملك الصَّالح وَكَانَ فوض ولَايَة الْعَهْد عِنْد نُزُوله من مصر إِلَى ابْنه الصَّغِير الْملك الْعَادِل ورتب وزيره الْمعِين ابْن شيخ الشُّيُوخ
ثمَّ صَارَت العساكر تتبع بَعْضهَا بَعْضًا أَولا فأولا فَأخذ الْملك الْمُجَاهِد دستورا وَتقدم إِلَى
стр. 236
حمص لإتمام أشغاله
وَوصل الْكَامِل إِلَى سلمية
وَحمل لَهُ من الإقامات حاجاته وَكَذَلِكَ حمل إِلَى سَائِر الْمُلُوك
ثمَّ سَار وَعِيد فِي الطَّرِيق وَوصل حران وَنزل بهَا وَوصل عَسْكَر حلب
هَذَا والتتر قد أحاطوا بقلعة خلاط وَلم يبْق إِلَّا تَسْلِيمهَا فرحلوا عَنْهَا يدا وَاحِدَة خوفًا من السُّلْطَان وَنزل من كَانَ بهَا مثل شيرون سبع مجانين أحد الْأُمَرَاء الأشرفية وَقَالَ لَو صَبَرُوا يَوْمَيْنِ ثَلَاثَة أخذوها وَإِنَّمَا فرج الله عَنَّا ببركات السُّلْطَان
وفيهَا سير الْكَامِل عماد الدّين ابْن شيخ الشُّيُوخ إِلَى الْخَلِيفَة من حران
وفيهَا وصل مَمْلُوك فَخر الدّين ابْن شيخ الشُّيُوخ من مَكَّة يخبر أَن صَاحبه أَخذ مَكَّة واستحلفها فَمَا أعجبه وَقَالَ نَحن أمرناه بِأَن يصل الينبع لَا غير من أمره بِأخذ مَكَّة فَمَا طَابَ لَهُ ذَلِك
وفيهَا بحران كتبُوا مهر ابْن سُلْطَان الرّوم الَّذِي من ابْنة الْعَادِل على ابْنة الْأَشْرَف
стр. 237
وفيهَا وصل الْخَبَر بوصول ابْن الْجَوْزِيّ من الْخَلِيفَة فاهتموا بلقائه
وَكَانَ الْأَشْرَف غير طيب الْقلب لصَاحب آمد وَقد نزل الْكَامِل على قَصده وَكَانَ قد سير الْآمِدِيّ وزيره شرف الْعَلَاء إِلَى الْملك الْكَامِل بتقدمة وَإِلَى الْأَشْرَف فقبلها الْكَامِل وَلم يقبلهَا الْأَشْرَف وضبطوا شرف الْعَلَاء عِنْدهم بحران مُدَّة مقامهم وصاروا يهتمون بِقصد آمد وَشرف الْعَلَاء يمغلط مخدومه وَمَا يصدقهُ ذَلِك
والآمدي يواصل بالهدايا وَلَا يحْتَرز لنَفسِهِ وَوصل إِلَيْهِ رَسُول الرُّومِي وَطيب قلبه وَقَالَ لَا تخف أَنا أصل إِلَيْك بنفسي فَلَمَّا كَانَ قويت عزيمتهم على قصد آمد فَسَار السُّلْطَان الْكَامِل إِلَى الرها وَأمر العساكر بالرحيل أَولا فأولا على تعبئتها ميمنة وميسرة وَقَلْبًا
ثمَّ أَمر بتلقي رَسُول الْخَلِيفَة ابْن الْجَوْزِيّ وإتيانه إِلَى أَي مَوضِع كَانَ بِهِ وَهَذَا وَقع إهانة لَهُ فَلم يجْتَمع بِهِ إِلَّا على السويداء على السماط أَيْضا وَلم يخرج
стр. 238
على الطَّرِيق أحد لَهُ وتسحب على السويداء ورحل طَالبا آمد فَحِينَئِذٍ تحقق الْآمِدِيّ الْقَصْد لَهُ
فرتب بَلَده كَمَا جرت الْعَادة من غير أجناد وَلَا رجالة وَلَا من هُوَ طيب قلب مِنْهُ وَوصل رَسُوله إِلَى السُّلْطَان الْملك الْمُجَاهِد ليعْمَل نوبَته مَعَ السُّلْطَان الْكَامِل وَلم يبْذل إِلَّا ذَهَبا وَلَا طلب بعض الْبِلَاد وَلَا نزل عَن شَيْء وَلَو كَانَ طلب ذَلِك لهان وَلم يزل فِي قلَّة عقله إِلَى أَن أحتاطت العساكر بهَا من كل مَكَان وَحمل شرف الْعَلَاء إِلَى الرها تَحت الحوطة فَلَمَّا نزل عَلَيْهَا جَاءَت تقدمة المارديني وَرُسُله ثمَّ وصل من عسكره ألف فَارس كَمَا يَنْبَغِي وبذل من نَفسه أَشْيَاء وسير دسوس خيم مُعْتَبرَة من أكسية مغربية ولباد للسُّلْطَان والأشرف وَالْملك الْمُجَاهِد والناصر بِدِمَشْق ثمَّ شرع الْأَشْرَف فِي عمل آلَات الْحصار والزحف وَكَذَلِكَ الْكَامِل وَالْملك الْمُجَاهِد وكل الْمُلُوك وشرعوا فِي عمَارَة آدر للكامل والأشرف وَفِيمَا هم فِي مثل ذَلِك وَقع عزم السُّلْطَان الْكَامِل على الزَّحْف ورتبوا المجانيق وَاتفقَ الزَّحْف عَلَيْهَا من كل جَانب بعد صَلَاة الظّهْر إِلَى قبل الْعَصْر فَأخذت النقابون النقوب فِي الباشورة وكشف الرُّمَاة
стр. 239
الأسوار بنشاب أَكثر من الْمَطَر بِحَيْثُ دخل معظمه فِي أَحْجَار السُّور ثمَّ شرعوا فِي نقب السُّور الْكَبِير فَطلب أهل الْبَلَد الْأمان واستغاثوا فَوَقَعت الرَّحْمَة لَهُم من الْكَامِل وَمن سَائِر الْمُلُوك وَالنَّاس فآمنهم وَطلب صَاحبهَا الْأمان فَلم يجبهُ ثمَّ بعد ذَلِك سَأَلَ الْأمان لَيْلًا بِصَاحِب حماة المظفر وشمس الدّين صَوَاب على نَفسه فَأَجَابَهُ إِلَى ذَلِك وَأَعْطَاهُ منديله
وَكَانَ النَّاس قد هجموا الْبَلَد ونهبوا معظمه فَخرج المسعود صَاحب آمد ومنديل السُّلْطَان الْكَامِل فِي رقبته وَمَعَهُ صَاحب حماة وصواب وَوصل إِلَى عِنْد الْكَامِل فأمكنه من النُّزُول وتلقاه وأنزله عِنْده أَولا وَصَارَت الْمُلُوك يسلمُونَ عَلَيْهِ عِنْده ثمَّ نَقله بعد ذَلِك إِلَى الْخَيْمَة الَّتِي كَانَ سَيرهَا المارديني للكامل بدهليزها وبيوتها وَكَانَ عِنْده الشهَاب أَحْمد ثمَّ انْتقل الْكَامِل إِلَى الْبَلَد وَنزل فِي آدرها وَكَذَلِكَ الْأَشْرَف وأخلى الْملك الْمُجَاهِد البيمارستان والناصر والعزيز وَدخل الْبَلَد من قدر على دُخُوله
стр. 240
ورتب لصَاحب آمد فِي الخيم مطبخه لم يُغَيِّرهُ وَلَا منع مِنْهُ بعض غلمانه وجمداريته وأمير جانداره وَفرس النّوبَة فِي الكرد آخر كَمَا جرت عَادَته وَكتب لَهُ خطه وَأعْطى السُّلْطَان أوراقا بعلائم قلاعه جَمِيعهَا بِالتَّسْلِيمِ مَا خلا حصن كيفا فَإِنَّهُ قَالَ مَا هُوَ لي وَلَا فِي حكمي وَلَا يقبل شَيْء فِي أمره ثمَّ بعد ذَلِك سير الْكَامِل إِلَى القلاع وتسلم بَعْضهَا وخطر لَهُ أَنه يخرب معظمها وَوصل أَوْلَاد صَاحب ماردين إِلَى الْخدمَة ولي عَهده وَأَخُوهُ للتهنئة فَتَلقاهُمْ وَأكْرمهمْ وأنزلهم عِنْده فِي تِلْكَ الآدر ثمَّ نقل الْملك المسعود صَاحبهَا إِلَى الْبَلَد وأنزله فِي طيارته الَّتِي يُحِبهَا ورتب الجاووش والجاندارية والسنجق
стр. 241
والدوشاخ والجمدارية كعادته
وَبَالغ فِي إكرامه وَصَارَ لَهُ من الرَّاتِب جملَة وَأطلق لَهُ جَمِيع ذخائر القلعة وَكَانَ فِيهَا جملَة فحملها إِلَى بَيته بِالْقصرِ وأباع نوابه جملَة وَكَانَ نازلا فِي القلعة صَاحب الجزيرة وَصَاحب حماة ثمَّ سير الْكَامِل حجارين إِلَى قلعة الْجَبَابِرَة خربها وَإِلَى أكل خربها وَاتفقَ أَن صَاحب الرّوم أفسد عَلَيْهِ قلعة كركر وعصت بعد أَن كَانَ قد سير إِلَيْهَا مِثْقَال الجمدار وَابْن
стр. 242
قيسوم يتسلمانها فعصردا من الْأَشْرَف أَن يسير إِلَيْهِم من عِنْده إِلَى نَائِب صَاحب الرّوم بِحكم الصداقة فسير إِلَى صَاحب السويداء مرَّتَيْنِ فَمَا قبلوا مِنْهُ وَقيل لَهُ إِن الرُّومِي شراها بألفي ألف دِرْهَم وَخمسين ألف دِرْهَم
فعادوا أشاروا على السُّلْطَان الْكَامِل ترك بَاقِي القلاع وَلَا يخربها فَتَركهَا وَنَدم على مَا خربه وَصَارَ الْكَامِل يشرب عِنْد صَاحب آمد ويوعده مِنْهُ إِلَيْهِ بِكُل خير ويطيب قلبه وسير الصّلاح الإربلي والبانياسي بِأَلف فَارس إِلَى حصن كيفا وفاوضهم وَوَعدهمْ بأَشْيَاء يبقيها عَلَيْهِم فَلم يقبلُوا وأصروا على الْعِصْيَان ثمَّ سير صَاحب آمد أمه صُحْبَة قَاضِي الْعَسْكَر الْحُسَيْنِي فشتموها وَمَا
стр. 243
أجابوها وَعَاد قَاضِي الْعَسْكَر مَرِيضا وَصَارَ كلما لجوا فِي الْعِصْيَان حنق الْأَشْرَف والكامل فاقتضت الْحَال التَّضْيِيق على صَاحب آمد والإهانة لَهُ وعصره فَفَعَلُوا بِهِ ذَلِك وعصروه وقيدوه
وهم فِي هَذَا وصل محيي الدّين بن الْجَوْزِيّ من الْخَلِيفَة يهنئ بآمد ويشفع لصَاحب الْموصل وإربل فَقبل الشَّفَاعَة وَحلف لَهُم وَطلب أَبُو فراس أَمِير الْحَاج الْعِرَاقِيّ دستورا إِلَى بَغْدَاد وَقَالَ أُرِيد تظهر آثَار نعْمَة مَوْلَانَا عَليّ فِي الْعرَاق وَكَانَ قبل ذَلِك قد عَاد وَالِده إِلَى الْعرَاق
وَسلم إِلَيْهِ جَمِيع أملاكه فوعده الْكَامِل عِنْد عوده إِلَى الشَّام يُعْطِيهِ دستورا وتجهز رَسُول الْخَلِيفَة عَائِدًا إِلَى بَغْدَاد وَالشَّيْخ عماد الدّين بِبَغْدَاد مَرِيض
ثمَّ إِن السُّلْطَان الْكَامِل حنق على الرُّومِي لِأَشْيَاء مِنْهَا مَنعه التركمان من الْوُصُول بِغنم أَو غلَّة وَقَضِيَّة كركر وكرفازاك وَكَانَ قد عصى مَعَ حصن كيفا عدَّة قلاع مثل الجديدة والقرشية
стр. 244
وقلعة نجم والهيثم وباتاسا وَغير ذَلِك
قَالُوا خُذُوا الْحصن وَنجم تسلم من غير قتال فاتفق الْحَال على الرحيل عَن آمد بعد أَن رتب الْملك الصَّالح فِيهَا وصواب وَتَعْيِين من عينه من العساكر فِيهَا وَالَّذين يستخدمونه عَلَيْهَا وَيتَوَجَّهُ الْملك الْأَشْرَف بِنَفسِهِ إِلَى الْحصن يفاوضهم فَإِن سلموه فَلَا كَلَام وَإِلَّا تركُوا عسكرا ورجالة إِلَى الرّبيع
وَأعْطى السُّلْطَان لعسكر ماردين دستورا قبل بَاقِي العساكر وَاتفقَ أَن السُّلْطَان الْملك الْمُجَاهِد يرحل أَيْضا
أما الْأَشْرَف فَإِنَّهُ قطع الشط سائرا إِلَى الْحصن وَبعده إِلَى سنجار يشتي بهَا وَيعود إِلَى الْحصن وَبَات عِنْده السُّلْطَان الْكَامِل وودعه لَيْلَة مسيره
وَفِي بكرَة تِلْكَ اللَّيْلَة تبعه الْملك الْمُجَاهِد ودعه وَكَانَ قد سَار هُوَ والمظفر والحافظ وَابْن المغيث إِلَى الْحصن فَلَمَّا عَاد الْملك الْمُجَاهِد حمل مَا يناهز مائَة خلعة مُعْتَبرَة لأَصْحَاب السُّلْطَان الْكَامِل بعد إِذْنه لَهُ على يَد بهاء الدّين مَرْوَان
стр. 245
ابْن قابيا وَحملهَا وودع الْكَامِل وَوصل إِلَى رَأس عين الخابور وَمِنْهَا قصد الرحبة وَأعْطى أَصْحَابه دستورا بعد أَن أطلق لَهُم وَأحسن إِلَيْهِم وَسَار هُوَ وَجَمِيع أَوْلَاده إِلَى الرحبة
وَأما السُّلْطَان الْكَامِل فَإِنَّهُ كَانَ قد قدم عَلَيْهِ القَاضِي شهَاب الدّين قَاضِي الرقة فَأحْسن إِلَيْهِ غَايَة الْإِحْسَان وفاوضه فِي أَحْوَال الرقة وظلم الْجواد لأَهْلهَا وَأَنه مَا بَقِي فِيهَا خَمْسمِائَة نفر فَرفع يَد الْجواد مِنْهَا وَسلمهَا إِلَيْهِ وَكتب لَهُ توقيعا بِإِعَادَة من كَانَ نزح مِنْهَا وفاوضه فِي كَمَال الدّين بن شيخ الشُّيُوخ وَذكر أَنه قد عَزله لما قيل عَنهُ من ظلم وَجَهل بِالْعَمَلِ وَأخذ الْأَمْوَال وَغَيرهَا وَالله المطلع على صِحَة ذَلِك وسقمه
ثمَّ سَار الْكَامِل وَترك الْملك الصَّالح مَرِيضا ورتب عِنْده أطباء وَسَار إِلَى السويداء أبصرهَا وتلقاه كَمَال الدّين إِلَيْهَا بالإقامات كَمَا جرت الْعَادة ثمَّ قصد الرها نظر فِي أحوالها وَولى وعزل ورتب ثمَّ وصل
стр. 246
حران فَقبض على كَمَال الدّين ووكل عَلَيْهِ ثمَّ نقل بَيته إِلَى الرها وَنَقله هُوَ إِلَى قلعة حران
وَقبض وَكيل بَيت المَال النَّجْم الْفَقِيه المغربي أَخذ مِنْهُ أَمْوَالًا وَقبض على السامري الَّذِي كَانَ أسلم على يَد الْملك الْأَشْرَف وَأخذ مِنْهُ عشرَة آلَاف دِرْهَم ثمَّ قطع يَده ثمَّ من الْجمال بن الصّلاح شيخ الخوانك ومشهد الذهباني وَأخذ مِنْهُ سِتَّة آلَاف دِرْهَم وَغير هَؤُلَاءِ كل هَذَا بِسَبَب كَمَال الدّين
وَولى الْبِلَاد لتاج الدّين بن شكر والتقي بن حمدَان مُسْتَوْفِي الْبِلَاد
وَمَات فِي هَذِه السّنة فَخر الدّين عُثْمَان أستاذ الدَّار بحران بعد مرض طَوِيل
стр. 247
وَمَات النَّجْم بن الْحِمصِي مشد الدِّيوَان بِمصْر كَانَ ثمَّ بآمد عِنْد فتحهَا
وَابْن الشهَاب أَحْمد
وَمَات وَالِي الْإسْكَنْدَريَّة
وَمَات ابْن الْملك المغيث بن الْعَادِل وَنقل إِلَى دمشق
وَمَات خلائق أخر على آمد
وَمَات شمس الْمُلُوك ابْن ابْن صَلَاح الدّين كَانَ الْكَامِل رباه يُحِبهُ ويثق بِهِ
وَلما دخلت سنة ثَلَاثِينَ وسِتمِائَة
كَانَ السُّلْطَان الْملك الْكَامِل قد رتب وَلَده الصَّالح بهَا كَمَا قد تقدم ذكر هَذَا وَأما الْأَشْرَف فَإِنَّهُ سَار إِلَى حصن كيفا بِمن ذَكَرْنَاهُمْ وَتَبعهُ الصّلاح الإربلي وصحبته صَاحب آمد مُقَيّدا فَلَمَّا حضر عِنْدهم تَحت
стр. 248
الْحصن قَالَ لَهُم سلموه إِلَى نواب السُّلْطَان الْملك الْكَامِل فقد وَالله أحسن إِلَيّ غَايَة الْإِحْسَان ووعدني وعودا جميلَة فَلَا تحرموني إِيَّاهَا وَبَقِيَّة إحسانه فَقَالُوا لَهُ أَنْت أحلفتنا لَك ولولدك أحضر لنا فتيا بِأَن مَا تلزمنا الْيَمين فأحضر لَهُم فتيا فَمَا قبلوا وهم أَرْبَعَة وُلَاة وأركبوا وَلَده فِي الْحصن وَرفعُوا السنجق على رَأسه وسلطنوه وَمَشوا فِي ركابه
ثمَّ اخْتلفُوا على التَّسْلِيم وَعدم التَّسْلِيم وفتحوا الخزانة وَأخذُوا باطية ذهب من سِتِّينَ ألف دِينَار مصرية قطعُوا مِنْهَا قطعا وتقاسموها بِأَمْر أم وَلَده
وَاتفقَ نزُول وَاحِد من الْحصن حضر عِنْد الْأَشْرَف فَأعْطَاهُ عَطاء كثيرا وخلع عَلَيْهِ خلعة عَظِيمَة فَسَار تَحت الْحصن ورأوها عَلَيْهِ فَرمى النَّاس أنفسهم من الْحصن وعلقوا الْملك المسعود بِنَفسِهِ قبالتهم فَأَجَابُوا إِلَى التَّسْلِيم وحثوا الْأَشْرَف على جمع مَا للمسعود فِيهَا من أَمْوَال وعيال وَأَن يرتبهم على أخبازهم فَفعل وحلفوا هم وفتحوا الْحصن وأنزلوا جَمِيع أصاحبهم وطلع الْأَشْرَف إِلَيْهَا دارها
وَمَا بَات بهَا لَيْلَة وتسلمها صَوَاب وَكَذَلِكَ بَقِيَّة الْحُصُون وولوا فِيهَا وُلَاة كَمَا جرت الْعَادة
ووصلت كتب
стр. 249
الْأَشْرَف إِلَى السُّلْطَان الْكَامِل بذلك فتوقف إِلَى أَن وصل الْأَشْرَف وطلع هُوَ وَهُوَ إِلَى دمشق فَأَقَامَ يويمات ثمَّ سَار إِلَى مصر
وَكَانَ قد وصل رَسُول من الفرنج يُقَال لَهُ مسيرريمون على يَده طير يُقَال لَهُ سنقر قَالَ إِنَّه شراه من دَاخل الْبَحْر بثلاثمائة أُوقِيَّة ذهب بِأَمْر الْكَامِل والعهدة عَلَيْهِ فِي قَوْله
وَخبر أَن رسل الأمبراطور وبندقة وجنوة وَغَيرهم فِي الْإسْكَنْدَريَّة من مُدَّة وَخبر أَن كسرة الأمبراطور كَانَت صَحِيحَة غير أَنه مَا بالى بهَا وَأَنه قوي على البابا وَغَيره
والبابا فِي طلب مراضيه
ثمَّ وصل الصّلاح الإربلي وصحبته صَاحب آمد أَقَامَ بِدِمَشْق أَيَّامًا وشرى الْآمِدِيّ فِيهَا دَارا وبستانا وأباع بَقِيَّة تيك الباطية وَقَالَ صَاحب آمد وَالله إِن السَّيْف الْآمِدِيّ رجل عَالم كَانَ قد عزم على الْوُصُول إِلَيْنَا فَلَمَّا سَار عَن دمشق عزل الْأَشْرَف السَّيْف الْآمِدِيّ وَأمر بِخُرُوجِهِ من دمشق فشفع
стр. 250
فِي حَقه فَبَقيَ فِيهَا معزولا وَسكن المزة لَا يدْخل الْبَلَد
وفيهَا كَانَ مَانع بن حَدِيثَة قد خَافَ على نَفسه من الْكَامِل وتسحب إِلَى الْعرَاق وَعمل مَعَه الْخَلِيفَة من المكارمة مَا لَا عمله مَعَ غَيره
وفيهَا كَانَ السُّلْطَان الْكَامِل قد أَمر الْملك المظفر صَاحب حماة بِأخذ بارين وهم فِي آمد فَلَمَّا وصل إِلَى حماة اتّفق نحس صَاحبهَا النَّاصِر وَسُوء مخيلته وبخله فنفر من سَائِر جماعته ونفروا مِنْهُ وانقضوا كلهم عَلَيْهِ مَعَ أَخِيه المظفر وَعمِلُوا العملة ثمَّ سِيرُوا إِلَى المظفر فَحَضَرَ لَيْلًا وَمَا أصبح الصُّبْح إِلَّا وَهُوَ محاصرها وَنصب المجانيق عَلَيْهَا ورتب الرجالة وراسله المظفر بِالتَّسْلِيمِ فَأبى وَعصى تِسْعَة أَيَّام ثمَّ لما عاين الظفر بِهِ طلب الْأمان بِنَفسِهِ وهم برمي نَفسه من القلعة فِي هلعه فَأَمنهُ المظفر وَسكن روعه ووعده بِالْإِقَامَةِ فَأبى وَقَالَ لَا بُد لي من مصر فمكنه من أَخذ أَهله وَسَار إِلَى دمشق فَمَا مكنه الْأَشْرَف من الْمقَام بهَا وَلَا رَآهُ وَقَالَ يمْضِي إِلَى السُّلْطَان الْكَامِل مهما رسم عَملنَا بمرسومه وَقد كَانَ متيمنا إِلَى الْأَشْرَف من حَيْثُ ملك
следующие страницы →