← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 660

فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب

حسن بن علي الفيومي

Полный текст (10 535 стр.). Показаны 10337–10376 · переход к 10342.

стр. 10337

الله تعالى الناس فيقوم المؤمنون حتى تزلف لهم الجنة فيأتون آدم فيقولون يا آدم استفتح لنا الجنة فيقول: وهل أخرجكم من الجنة إلا خطيئة أبيكم، وذكر الحديث. قالوا: وهذا يدل على أن الجنة التي خرج منها هي بعينها التي يطلب منه أن يستفتحها وكذلك قول آدم للمؤمنين وهل أخرجكم من الجنة إلا خطئية أبيكم، وخطيئته لم تخرجهم من جنان الدنيا. قالوا: وقد قال الله تعالى في سورة البقرة: ﴿وَقُلْنَا يَاآدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ﴾ إلى قوله: ﴿وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ﴾ (١)، فهذا يدل على أن هبوطهم كان من الجنة إلى الأرض من وجهين: أحدهما من لفظة: ﴿اهْبِطُوا﴾ فإنه نزول من علو إلى أسفل، والتاني من قوله: ﴿وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ﴾ و عقيب قوله: ﴿اهْبِطُوا﴾ فدل على أنهم لم يكونوا قبل ذلك في الأرض ثم أكد هذا بقوله في سورة الأعراف: ﴿قَالَ فِيهَا تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ﴾ (٢). ولو كانت الجنة في الأرض لكانت حياتهم فيها قبل الإخراج وبعده والدلائل على هذا كثيرة قالوا وأيضا فهذه القصة في سورة الأعراف ظاهرة جدا في الجنة التي أخرج منها فوق السماء فإنه سبحانه قال: ﴿وَإِذْ قُلْنَا

стр. 10338

لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا﴾ [﴿إِلَّا إِبْلِيسَ﴾] (١) الآية، فهذا إهباط آدم وحواء وإبليس من الجنة ولهذا أتى فيه بضمير الجمع. قالوا: وأيضًا فالجنة جنات معرفة بلام التعريف في جميع المواضع، لقوله له: ﴿اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّة﴾ (٢) ونظائره ولا جنة يعهدها المخاطبون ويعرفونها إلا جنة الخلد التي وعد الرحمن عباده بالغيب فقد صار هذا الاسم علما عليها بالغلبة كالمدينة والنجم والبيت والكتاب ونظائرها فحيث ورد لفظها معرفا انصرف إلى الجنة المعهودة المعلومة في قلوب المؤمنين وأما إن أريد به جنة غيرها فإنها تجيء منكرة أو مقيدة بالإضافة أو مقيدة من السياق بما يدل على أنها جنة في الأرض فالأول كقوله: ﴿جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ﴾ (٣) والثاني كقوله: ﴿وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ﴾ (٤) والثالث كقوله: ﴿إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ﴾ (٥) (٦)، اهـ. وأما حجة الطائفة الأخرى التي قالت ليست جنة الخلد وإنما هي جنة في الأرض، قالوا: قد أخبر الله على لسان جميع رسله أن جنة الخلد إنما يكون الدخول إليها يوم القيامة ولم يأت زمن دخولها بعد وقد

стр. 10339

وصفها الله لنا في كتابه بصفاتها ومحالى أن يصف الله سبحانه شيئا بصفة ثم يكون ذلك الشيء بغير تلك الصفة التي وصفه بها. قالوا: فوجدنا لله تعالى وصف الجنة التي أعدت للمتقين بأنها دار المقامة فمن دخلها أقام بها ولم يقم آدم بالجنة التي دخلها ووصفها بأنها جنة الخلد وآدم لم يخلد فيها ووصفها بأنها دار سلامة مطلقة لا دار ابتلاء وامتحان وقد ابتلي فيها آدم بأعظم الابتلاء ووصفها بأنها ليست دار خوف ولا حزن وقد حصل للأبوين فيها من الخوف والحزن ما حصل فسماها دار السلام ولم يسلم فيها الأبوان من الفتنة، ودار القرار ولم يستقرا فيها، وقال في داخليها: ﴿وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ﴾ (١) وقد أخرج منها الأبوان. قال منذر: وقد روي عن النبي ﷺ أن آدم نام في جنته وجنة الخلد لا نوم فيها بالنص وإجماع المسلمين فإن النبي ﷺ سئل أينام أهل الجنة في الجنة؟ فقال: لا النوم أخو الموت والنوم وفاة، وقد نطق به القرآن والوفاة تقلب. قال: ودار [السلام] مسلمة من تقلب الأحوال والنائم ميت أو كالميت، قلت: الحديث الذي أشار إليه المعروف أنه موقوف من رواية ابن أبي نجيح عن مجاهد والدلائل على احتجاج هذا الفريق كثيرة اختصرنا ذلك، وعلى احتجاج الفريق الأول وما استدلوا به من الآيات والأحاديث اعتراضات كثيرة ذكرها المصنف صاحب حادي الأرواح (٢) لم

стр. 10340

نذكرها والله أعلم. تنبيه: وأما نوم آدم في الجنة فهذا إن ثبت النقل فنوم آدم إنما ينفي النوم عن أهلها يوم دخول الخلود حيث لا يموتون وأما قبل ذلك فلا، قاله أيضا صاحب حادي الأرواح (١). تنبيه أيضًا: في الجنة والنار وأين هما: قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى (١٣) عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى (١٤) عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى (١٥)﴾ (٢) وقد ثبت أن سدرة المنتهى فوق السماء وسميت بذلك لأنه ينتهي إليها ما ينزل من عند الله فيقبض منها وما يصعد إليه فيقبض منها. وروى معمر بن راشد عن محمد بن أبي يعقوب مرفوعًا ثم ساقه إلى أن قال: عن ابن عباس أنه قال الجنة في السماء السابعة ويجعلها حيث شاء يوم القيامة. وقال الحافظ بن مندة حدثنا محمد بن إسحاق إلى أن قال عن أبي الزعراء عن عبد الله قال: الجنة في السماء الرابعة، فإذا كان يوم القيامة جعلها الله حيث شاء والنار في الأرض السفلي فإذا كان يوم القيامة جعلها الله حيث شاء، وقال مجاهد: قلت لابن عباس أين الجنة؟ قال: فوق سبع سماوات. قلت: فأين النار؟ قال: تحت سبعة أبحر مطبقة. رواه ابن مندة (٣).

стр. 10341

٥٦٢٠ - وَعَن جَابر ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ ريح الْجنَّة يُوجد من مسيرَة ألف عَام وَالله لا يجدهَا عَاق وَلا قَاطع رحم رَوَاهُ الطَّبَرَانيِّ من رِوَايَة جَابر الْجعْفِيّ (١) وَتقدم غير مَا حَدِيث فِيهِ ذكر رَائِحَة الْجنَّة فِي أَمَاكِن مُتَفَرِّقَة من هَذَا الْكتاب لم نعدها.

стр. 10342

فصل في صفة دخول أهل الجنة الجنة وغير ذلك ٥٦٢١ - عَن عَليّ ﵁ أَنه سَأل رَسُول الله ﷺ عَن هَذِه الأيَة ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا (٨٥)﴾ (١) إِلَى آخرهَا قَالَ قلت يَا رَسُول الله مَا الْوَفْد إِلَّا ركب قَالَ النَّبِي ﷺ وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ إِنَّهُم إِذا خَرجُوا من قُبُورهم استقبلوا بِنُوق بيض لَهَا أَجْنِحَة عَلَيْهَا رحال الذَّهَب شرك نعَالهمْ نور يتلألأ كل خطْوَة مِنْهَا مثل مد الْبَصَر وينتهون إِلَى بَاب الْجنَّة فَإِذا حَلقَة من ياقوتة حَمْرَاء على صَفَائِح الذَّهَب وَإِذا شَجَرَة على بَاب الْجنَّة يَنْبع من أَصْلهَا عينان فَإِذا شربوا من أَحدهمَا جرت فِي وُجُوههم بنضرة النَّعيم وَإِذا توضؤوا من الأخْرَى لم تشعث أشعارهم أبدا فيضربون الْحلقَة بالصفيحة فَلَو سَمِعت طنين الْحلقَة يَا عَليّ فَيبلغ كل حوراء أَن زَوجهَا قد أقبل فتستخفها العجلة فتبعث قيمها فَيفتح لَهُ الْبَاب فلولا أَن الله عرفه نَفسه لخر لَهُ سَاجِدا مِمَّا يرى من النُّور والبهاء فَيَقُول أَنا قيمك الَّذِي وكلت بِأَمْرك فيتبعه فيقفو أثره فَيَأْتِي زَوجته فتستخفها العجلة فَتخرج من الْخَيْمَة فتعانقه وَتقول أَنْت حبي وَأَنا حبك وَأَنا الراضية فَلَا أَسخط أبدا وَأَنا الناعمة بِلَا أبأس أبدا وَأَنا الخالدة فَلَا أظعن أبدا فَيدْخل بَيْتا من أساسه إِلَى سقفه مائَة ألف ذِرَاع مَبْنيّ على جندل اللُّؤْلُؤ والياقوت طرائق خضر وطرائق صفر مَا مِنْهَا طَريقَة تشاكل صاحبتها فَيَأْتِي الأريكة فَإِذا عَلَيْهَا سَرِير على السرير سَبْعُونَ فراشا على كل

стр. 10343

فرَاش سَبْعُونَ زَوْجَة على كل زَوْجَة سَبْعُونَ حلَّة يرى مخ سَاقهَا من بَاطِن الْحلَل يقْضِي جماعهن فِي مِقْدَار لَيْلَة تجْرِي من تَحْتهم أَنهَار مطردَة أَنهَار من مَاء غير آسن صَاف لَيْسَ فِيهِ كدر وأنهار من عسل مصفى لم يخرج من بطُون النَّحْل وأنهار من خمر لَذَّة للشاربين لم تعصره الرِّجَال بأقدامها وأنهار من لبن لم يتَغَيَّر طعمه لم يخرج من بطُون الْمَاشِيَة فَإِذا اشتهوا الطَّعَام جَاءَتْهُم طير بيض فَترفع أَجْنِحَتهَا فَيَأْكلُونَ من جنوبها من أَي الألوان شاؤوا ثمَّ تطير فتذهب وفيهَا ثمار متدلية إِذا اشتهوها انْبَعَثَ الْغُصْن إِلَيْهِم فَيَأْكلُونَ من أَي الثِّمَار شاؤوا إِن شَاءَ قَائِما وَإِن شَاءَ مُتكئا وَذَلِكَ قَوْله ﴿وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ دَانٍ﴾ (١) وَبَين أَيْديهم خدم كَاللُّؤْلُؤِ رواه ابن أبي الدنيا في كتاب صفة الجنة (٢) عن الحارث، وهو الأعور عن علي مرفوعا هكذا، ورواه ابن أبي الدنيا (٣) أيضًا والبيهقي (٤) وغيرهما عن عاصم بن ضمرة عن علي موقوفا عليه بنحوه

стр. 10344

وهو أصح وأشهر. وَلَفظ ابْن أبي الدُّنْيَا قَالَ يساق الَّذين اتَّقوا رَبهم إِلَى الْجنَّة زمرا حَتَّى إِذا انْتَهوا إِلَى بَاب من أَبْوَابهَا وجدوا عِنْده شَجَرَة يخرج من تَحت سَاقهَا عينان تجريان فعمدوا إِلَى إِحْدَاهمَا كَأَنَّمَا أمروا بهَا فَشَرِبُوا مِنْهَا فأذهبت مَا فِي بطونهم من أَذَى أَو قذى أَو بَأْس ثمَّ عَمدُوا إِلَى الأخْرَى فتطهروا مِنْهَا فجرت عَلَيْهِم بنضرة النَّعيم فَلَنْ تَتَغَيَّر أبشارهم تغيرا بعْدهَا أبدًا وَلنْ تشعث أشعارهم كَأَنَّمَا دهنوا بالدهان ثمَّ انْتَهوا إِلَى خَزَنَة الْجنَّة فَقَالُوا ﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ﴾ الزمر ٣٧ قَالَ ثمَّ تلقاهم أَو يلقاهم الْولدَان يطيفون بهم كمَا يطِيف ولدان أهل الدُّنْيَا بالحميم يقدم من غيبته فَيَقُولُونَ أبشر بِمَا أعد الله لَك من الْكَرَامَة قَالَ ثمَّ ينْطَلق غُلَام من أُولَئِكَ الْولدَان إِلَى بعض أَزوَاجه من الْحور الْعين فَيَقُول قد جَاءَ فلَان باسمه الَّذِي يدعى بِهِ فِي الدُّنْيَا فَتَقول أَنْت رَأَيْته فَيَقُول أَنا رَأَيْته وَهُوَ ذَا بإثري فيستخف إِحْدَاهُنَّ الْفَرح حَتَّى تقوم على أُسْكُفَّة بَابهَا فَإِذا انْتهى إِلَى منزله نظر إِلَى أَي شَيْء أساس بُنْيَانه فَإِذا جندل اللُّؤْلُؤ فَوْقه صرح أَخْضَر وأصفر وأحمر وَمن كل لون ثمَّ رفع رَأسه فَنظر إِلَى سقفه فَإِذا مثل الْبَرْق لَوْلا أَن الله قدر لَهُ الألَم أَن يذهب ببصره ثمَّ طأطأ رَأسه فَنظر إِلَى أَزوَاجه وأكواب مَوْضُوعَة ونمارق مصفوفة وزرابي

стр. 10345

مبثوثة فنظروا إِلَى تِلْكَ النِّعْمَة ثمَّ اتكئوا ﴿وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ﴾ الأعْرَاف ٣٤ الآيَة ثمَّ يُنَادي مُنَاد تحيون فَلَا تموتون أبدا وتقيمون فَلا تظعنون أبدا وتصحون أرَاهُ قَالَ فَلا تمرضون أبدا. [الجندل]: الحجر. [الآسن] بمد الهمزة وكسر السين المهملة: هو المتغير. [الحميم]: القريب. [الأكواب]: جمع كوب، وهو كوز لا عروة له، وقيل: لا خرطوم له، فإذا كان له خرطوم فهو إبريق. [النمارق]: الوسائد، واحدها نمرقة. [الزرابي]: البسط الفاخرة، واحدها زريبة. ما بين مصراعين في الجنة كمسيرة أربعين سنة. قوله: "عن علي ﵁"- تقدم الكلام على مناقبه وسبب قتله في أول كتاب النكاح. قوله ﵁: "أنه سأل رسول الله ﷺ عن هذه الآية: ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا (٨٥) وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا (٨٦)﴾ (١) الآية"، الوفد جمعه وفود والوفود قي اللغة القوم المكرمون يفدون من بلادهم جماعتهم إلى ملكهم فيُنزلهم ويُكرمهم. وقال المفسرون: ﴿وَفْدًا﴾ ركبانا، وهي عادة الوفود لأنهم سراة الناس، فشبه أهل الجنة بأولئك كرامة

стр. 10346

لهم، وعن علي: يحشرون على النوق المحلاة بحلية الجنة خطمها من ياقو وزبرجد. وروي أن كلا منهم يركب ما أحب فمنهم من يركب الخيل ومنهم من يركب السفن فتجيء عائمة بهم. وأما قوله: ﴿وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا (٨٦)﴾ (١) [أي مشاة على وجوههم عطاشا ولفظ السوق يتضمن الهوان] (٢) فيساقون كما تساق الإبل وغيرها من الأنعام تسوقهم الملائكة بسياط النار إلى النار كأنهم نعم عطاش تساق إلى الماء. [انتهى.] [قال الزمخشري: وحقيقة الورد المسير إلى الماء، قال: ردى ردى ورد قطاة صما ... كدرية أعجبها برد الما فسمى به الواردون. وقرأ الحسن: يحشر المتقون، ويساق المجرمون] (٣) وقال البغوي: الورد جماعة يردون الماء ولا يرد أحد الماء إلا بعد العطش، اهـ. قوله: "شرك نعالهم نور يتلألأ" الشرك جمع شراك، والشراك بكسر الشين وهو أحد سيور النعل وهو الذي يكون على وجهها وعلى ظهر القدم، وتقدم ذكره في مواضع. قوله: "وينتهون إلى باب الجنة" الحديث، وفي رواية الحاكم: "حتى [يقرعوا] باب الجنة" هذا محمول على الباب المخصوص بجنات المؤمن ولا يكون المراد به الباب الكبير الجامع الشامل لجميع جنات المؤمنين الذي هو باب الجنة الكبرى فإن ذلك الباب يفتحه النبي ﷺ

стр. 10347

[أولا] كما تقرر في الأحاديث ثم يصير مفتوحا للمؤمنين، [وأما أول من يدخل الجنة من هذه الأمة فقد روى أبو داود في سننه أن النبي ﷺ قال لأبي بكر: أما إنك يا أبا بكر أول من يدخل الجنة من أمتي وأنا أول من يدخل بعد أبي بكر، قاله (١) في حادي [الأرواح] (٢). ومنهم من يدخل الجنة من أي [بابها] شاء ومنهم [من يختص بباب] ويشارك غيره فيما عداه مع ما يقترن بذلك من تسليم الملائكة عليهم وملاقاة أهاليهم وحورهم وولدانهم وهدايتهم إلى قصورهم وسرورهم بقصورهم وما تشتمل عليه مساكنهم من عجائب الغرف والتحف وارتفاعها [واتساعها] وغزارة أزهارها والتفاف أشجارها [وتنوع ثمارها] وملابسهم وحللهم وحليهم وأوانيهم الذهب والفضة وحسن هيئاتهم [وكمال] ارجهم وطيب عرفهم وصفاء أوقاتهم وسلامة [عيشهم] من التنغصات واجتماعهم مع أحبابهم في أنعم الحالات وأكمل المسرات وجلوسهم على الأرائك ومنابر النور ومرفقتهم للنبيين والصديقين والشهداء وتنعمهم بمشاهدتهم و [بـ] مجالستهم وزيارتهم لربهم وأحضورهم، عنده في مقعد صدق ومشاهدتهم لجمال وجهه الكريم وتشنف سماعهم بمخاطباته تعالى لهم وكمال طمأنينتهم برضاه تعالى عنهم واستقرار البسط التام بدوام رضاه

стр. 10348

سبحانه عنهم ودوام خلودهم في الجنة ما اشتملت عليه من النعم والكرامات إلى غير ذلك مما لا يدخل تحت حصر النقول ولا إحصاء العقول وكيف يحاط بالجنة علما على جهة التفصيل والحق يقول في كتابه العزيز ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ (١) وثبت أن النبي ﷺ أخبر عن الله تعالى أنه قال: أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، اهـ. قوله: "فإذا حلقة من ياقوتة حمراء" الحلقة بسكون اللام وفتحها لغتان وتقدم الكلام عليها. قوله: "لم تشعث أبدا" الشعث هو ترك الدهن [والطيب]. قوله: "فيبلغ كل حوراء أن زوجها قد أقبل " الحديث، الحوراء هي المرأة الشابة الحسناء الجميلة البيضاء شديدة سواد العين وسيأتي الكلام على الحوراء العين مبسوطا إن شاء الله تعالى. قوله: "فيتبعه ويقفو أثره" فيه لغتان فصيحتان مشهورتان كسر الهمزة وإسكان الثاء المثلثة وبفتحهما والله أعلم. قوله: "فتخرج من الخيمة فتعانقه" سيأتي الكلام على ذكر الخيمة والخيام في بابه قريبا إن شاء الله تعالى. والمعانقة المحاضنة. قوله: "مبني على جندل اللؤلؤ والياقوت طرائق حمر وطرائق صفر" الحديث، الجندل هو الحجر، قاله الحافظ.

стр. 10349

قوله: "فيأتي الأريكة فإذا عليها سرير على السرير سبعون فراشا" الحديث. الأريكة قال الأزهوي (١) كل ما يتكأ عليه فهو أريكة. قال الله تعالى. ﴿عَلَى الْأَرَائِكِ مُتَّكِئُونَ﴾ (٢) وتجمع الأريكة على أرائك والأرائك هي السرر التي تكون في الحجال والحجال هي البشاخين. وقال مجاهد، عن ابن عباس في تفسير الأرائك قال: لا تكون أريكة حتى يكون السرير في الحجلة فإن كان سرير بغير حجلة لا يكون أريكة وإن كان حجلة بغير سرير [لم تكن] أريكة، في الحديث أن خاتم النبوة كان مثل زر الحجلة وهو الزر الذي يجمع به بين طرفيها من جملة أزرارها. وقال الجوهوي في صحاحه (٣): الأريكة سرير منجد مزين في قبة أو بيت ومقتضى كلام الجوهوي هذا أن الأريكة مجموعة من ثلاثة أشياء وهي السرير والفرش والقبة أو البيت وبه قال السهيلي وغيره [فقال: قلت: ههنا ثلاثة أشياء: أحدها السرير والثاني الحجلة وهي البشخانة التي تعلق فوقه والثالث الفراش الذي على السرير ولا يسمى السرير أريكة حتى يجمع ذلك كله، والسرير يجمع أسرّة وسُرُر بضمتين وجاء فتح الراء، وقيل هو مأخوذ من السرور لأنه مجلس السرور. قوله ﷺ : "أنهار من ماء غير آسن"، الآسن قد ضبطة الحافظ وفسّره

стр. 10350

فقال: وهو المتغير. قوله تعالى: ﴿وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ دَانٍ﴾ (١)، الجنى ما يجتنى من شجر الجنة، ودان أي القريب، وهذا الحديث يعني حديث علي وإن كان إسناده ضعيفا والمعروف أنه موقوف على عليّ، فله شواهد من الأحاديث الصحيحة كما سيأتي إن شاء الله تعالى، وإنما صدر بذكره قبل غيره لكونه جامعا لكثير من أمور الجنة، والله تعالى أعلم. قوله: "يساق الذين اتقوا ربهم إلى الجنة زمرًا"، الزمر جمع زمرة وهي الجماعة. قوله: "حتى إذا انتهوا إلى باب من أبوابها"، الحديث ... واعلم أن أبواب الجنة بعضها فوق بعض كما أن الجنان بعضها فوق بعض، وقد صرح بذلك علي بن أبي طالب ﵁ في ارتفاع أبواب الجنة بأن بعضها فوق بعض، وإذا كان كذلك فالظاهر كما نبه عليه بعضهم أيضا أن باب الجنة المرتفع أوسع من باب الجنة التي تحتها، والله تعالى أعلم ... : عدد أبواب الجنة ثمانية: فقد صح أن النبي ﷺ قال: "والجنة ثمانية أبواب": باب يسمى الريان لا يدخل منه إلا الصائمون، وفي حديث آخر: فقال أبو بكر رضي الله تعالى عنه: بأبي أنت وأمي يا رسول الله: ما على من دعي من تلك الأبواب من ضرورة، فهل يدعى أحد من تلك الأبواب كلها؟ قال: نعم وأرجو أن تكون منهم. وقد ورد عدد أبواب الجنة الثمانية في غير ما حديث. واعلم أن لهذه الأمة بابا يخصها وإن كانوا شركاء غيرهم فيما عداه من الأبواب، فقد أخرج الإمام

стр. 10351

أحمد في مسنده (١) أن النبي ﷺ قال: باب أمتي الذي يدخلون منه الجنة عرضه مسيرة الراكب ثلاثمائة أنهم لينضغطون عليه حتى تكاد مناكبهم تزول، وروى أبو نعيم (٢) أيضًا يرفع إلى النبي ﷺ قال: الباب الذي يدخل منه أهل الجنة مسيرة الراكب المجد ثلاثا ثم أياما وليال، قوله- ﷺ : "ثم إنهم لينضغطون"، هو من ضغطه يضغطه ضغطا زحمه إلى حائط ونحوه، والمعنى ينضمون. واعلم أنه لا يدخل أحد الجنة المرتفعة إلا بجوار من الله كما أخرجه الطبراني في معجمه بسند إلى سلمان الفارسي قال: قال رسول الله ﷺ :"لا يدخل الجنة أحد إلا بجوار بسم الله الرحمن الرحيم هذا كتاب من الله تعالى لفلان بن فلان أدهلوه جنة عالية قطوفها دانية". وعن أبي عثمان النهدى رحمه الله تعالى عن سلمان الفارسي (٣) أيضا

стр. 10352

رضي الله تعالى عنهم أن النبي ﷺ قال: يعطى المؤمن جوازا على الصراط: بسم الله الرحمن الرحيم هذا كتاب من الله العزيز الحكيم لفلان: أدخلوه جنة عالية قطوفها دانية. وانظر إلى كون المؤمن يكتب له السعادة والجنة في مواطن منها أنه كتب في قبضة اليمين حين قبض الحق قبضتي الجنة والنار كما في الحديث، ومنها عند نفخ الروح فيه، ومنها أنه يكتب عند موته في ديوان أهل الجنة، ومنها أنه يعطى الجواز المذكور قبل دخول الجنة، ثم يعطى هذا المنشور يوم القيامة، فما أسعد المؤمنين بفضل الله ، قاله في حادي القلوب إلى لقاء المحبوب (١). قوله في حديت علي حتى إذا انتهى إلى باب من أبوابها وجدوا شجرة تخرج من تحت ساقها عينان تجريان، فعمدوا إلى إحداهما كأنما أمروا بها فشربوا منها ثم عمدوا إلى أخرى، الحديث؛ عمدوا أي قصدوا وهي بفتح الميم في الماضي وكسرها في المضارع. قوله صلى الله تعالى عليه وسلم: "ثم انتهوا إلى خزنة الجنة"، والخزنة جمع خازن، مثل حفظة وحافظ، وهو المؤتمن على الشيء الذي قد استحفظه، وكبير الخزنة اسمه رضوان، وهو اسم مشتق من الرضا.

стр. 10353

وقوله: "فقالوا: سلام عليكم طبتم فادخلوها خالدين"، فبدءوهم بالسلام المتضمن للسلامة من كل شيء مكروه، أي سلمتم فلا يلحقكم بعد اليوم ما تكرهون. ثم قالوا لهم: ﴿طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ﴾ (١)، أي سلامتكم ودخولها بطيبكم، فإن الله تعالى لو حرمها إلا على الطيبين فبشروهم بالسلامة وبأطيب الدخول والخلود. قوله صلى الله تعالى عليه وسلم: "تلقاهم أو يلقاهم الولدان يطيفون بهم كما يطيف ولدان أهل الدنيا بالحميم "، وقد اختلف العلماء في هؤلاء الولدان هل هم من ولدان الدنيا أم أنشأهم الله تعالى في الجنة إنشاء على قولين، فقال علي بن أبي طالب والحسن البصري: هم أولاد المسلمين الذين يموتون ولا حسنة لهم ولا سيئة يكونون خدم أهل الجنة وولدانهم إذ الجنة لا ولادة فيها. قال الحاكم (٢): أخبرنا عبد الرحمن بن الحسن فذكره إلى أن قال: حدثنا المبارك بن فضالة عن الحسن في قوله تعالى: ﴿وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ﴾ (٣)، قال: لم يكن لهم حسنات فيجزون بها ولا سيئات فيعاقبون عليها، فوضعوا بهذا الموضع، ومن أصحاب هذا القول من قال: هم أطفال المشركين يجعلهم الله تعالى خدما لأهل الجنة، وقيل غير ذلك، وتقدم الكلام: هل الولدان في حديث

стр. 10354

الخليل في ترك الصلاة، واختلاف العلماء في ذلك مبسوطا. والأشبه أن هؤلاء الولدان مخلوقون من الجنة كالحور العين خدما لهم وغلمانا كما قال الله تعالى: ﴿وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ غِلْمَانٌ لَهُمْ كَأَنَّهُمْ لُؤْلُؤٌ مَكْنُونٌ (٢٤)﴾ (١)، وهؤلاء غير أولادهم فإن من تمام كرامة الله تعالى لهم أن جعل أبناءهم مخدومين معهم، لا يجعلهم غلمانا لهم، واللؤلؤ المكنون المستور الذي لم تبتذله الأيدي، والله تعالى أعلم، قاله في حادي الأرواح (٢). قوله: "يطيفون بهم كما يطيف ولدان أهل الدنيا بالحميم يقدم من غيبته"، الحميم القريب، قاله الحافظ رحمه الله تعالى. قوله: "وهو ذا بأثري" تقدم الكلام على لفظ الأثر. قوله صلى الله تعالى عليه وسلم: "فيستخف إحداهن الفرح حتى تقوم على أسكفة بابها" الحديث، أسكفة الباب عتبته السفلى التي توطؤهن، وهي بضم الهمزة والكاف وتشديد الفاء. قال أبو سليمان الداراني رحمه الله تعالى: تبعث الحوراء من الحور العين الوصيف من وصائفها فتقول: ويحك انظر ما فُعل بولي الله تعالى، فتستبطئه فتبعث وصيفا آخر تم آخر، فيأتي الأول فيقول تركته عند الميزان، فيأتي الثاني فيقول: تركته عند الصراط، ويأتي الثالث فيقول: قد دخل باب الجنة، فيستقبله الفرح، فيقف على باب الجنة فإذا أتاها اعتنقته، فيدخل خياشيمه من ريحها ما لا يخرج أبدا.

стр. 10355

قوله: "فإذا جندل اللؤلؤ فوقه صرح أخضر"، وتقدم أن الجندل الحجر. قوله: " فنظر إلى أزواجه وأكواب موضوعة ونمارق مصفوفة وزرابي مبثوثة" الحديث، الأكواب جمع كوب وهو كوز لا عروة له، وقيل لا خرطوم له فإذا كان له خرطوم فهوو، (١) إبريق، اهـ، قاله الحافظ. قوله: "ونمارق مصفوفة" النمارق الوسائد أي المخدات [واحدها نمرقة، انتهى]. قاله الحافظ، وقال الواحدي: هي الوسائد في قول الجميع، واحدها نمرقة بضم النون، وحكى الفراء نمرقة بكسرها. قال الكلبي: وسائد مصفوفة بعضها إلى بعض. وقال مقاتل: هي الوسائد مصفوفة على الطنافس. قوله: "وزرابي مبثوثة" الزاربي البسط الفاخرة واحدها زربية، اهـ. قاله الحافظ. وقال بعضهم: هي البسط الفاخرة والطنافس واحدها زربية في قول جميع أهل اللغة والتفسير ومبثوثة معناه مبسوطة منشورة. وقيل أي منسوجة بالدر والياقوت، وتأمل [يا عبد الله] كيف وصف الله الفرش [أنها] مرفوعة والزرابي بأنها مبثوثة والنمارق بأنها مصفوفة فرفع الفرش دال على سمكها ولينها وبثّ الزرابي دال على كثرتها وأنها في كل موضع لا يختص بها صدر المجلس دون مؤخره وجوانبه وصفّ المساند يدل على أنها مهيأة للاستناد إليها دائما ليست مخبة تصف في وقت دون وقت والله أعلم. قوله: "ثم اتكئوا، وقالوا الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله، الآية ".

стр. 10356

تنبيه: قد أخبر الله عن أهل الجنة أن لهم خمس تحميدات: [الأولى] (١) قال الله تعالى: ﴿وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ﴾ (٢)، الثانية: ﴿وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ﴾ (٣)، الثالثة: ﴿وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ﴾ (٤)، الرابعة: ﴿وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (٥)، الخامسة: ﴿وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (٦) وإنما كان لهم خمس تحميدات لأخهم لما قالوا لا إله إلا الله محمد رسول الله ربحوا أنفسهم وأولادهم وأموالهم ودنياهم وآخرخهم فثبت بهذا الدليل أن الشكر أفضل من الصبر والله أعلم. ٥٦٢٢ - وَعَن خَالِد بن عُمَيْر قَالَ خَطَبنَا عتبَة بن غَزوَان ﵁. فَحَمدَ الله وَأثْنى عَلَيْهِ ثمَّ قَالَ أما بعد فَإِن الدُّنْيَا قد آذَنت بِصرْم وَوَلَّتْ حذاء وَلم يبْق مِنْهَا إِلَّا صبَابَة كصُبَابَةِ الإِنَاء يصطبها صَاحبهَا وَإِنَّكُمْ منتقلون مِنْهَا إِلَى دَار لا زَوَال لَهَا فانتقلوا بِخَير مَا يحضرنكم وَلَقَد ذكر لنا أَن مصراعين من مصاريع الْجنَّة بَينهمَا مسيرَة أَرْبَعِينَ سنة وليأتين عَلَيْهِ يَوْم وَهُوَ كظيط من الزحام رواه

стр. 10357

مسلم (١) هكذا موقوفا، وتقدم بتمامه في الزهد. ورواه أحمد (٢) وأبو يعلى (٣) من حديث أبي سعيد الخدري عن رسول الله ﷺ مختصرًا، قال: ما بين مصراعين في الجنة كمسيرة أربعين سنة وفي إسناده اضطراب. قوله: "وعن خالد بن عمير قال: خطبنا عتبة بن غزوان " فذكر الحديث وفيه: "فإن الدنيا قد آذنت بصرم وولّت حداء ولم يبق منها إلا صبابة كصبابة الإناء يصطبها صاحبها وإنكم منتقلون منها إلى دار لا زوال لها" تقدم الكلام على عتبة بن غزوان قريبا. قوله: "إن الدنيا قد آذنت بصرم" [معنى] أي أشعرت وأعلمت بزوال وانقطاع. [والصرم الانقطاع]، قوله: "وولت حذاء" أي مدبرة سريعة خفيفة ومنه قيل [للقطا حذاء] أي منقطعة الذنب قصيرته. ويقال حمار [أحذّ] إذا كان قصير الذنب، حكاه أبو عبيد، وهذا مثل كأنه قال: إن الدنيا قد انقطعت مسرعة. قوله: "ولم يبق منها إلا صبابة كصبابة الإناء يتصابها صاحبها" الصبابة بضم الصاد البقية اليسيرة من الشراب تبقى في أسفل الإناء وأما الصبابة بفتح

стр. 10358

الصاد فهي رقة الشوق ولطيف المحبة ويتصابها يوم صبها على قلة الماء وضعفه. قوله: "وإنكم منتقلون منها إلى دار لا زوال لها فانتقلوا إلى خير ما بحضرتكم " [أي ارتحلوا إلى الآخرة بخير ما بحضرتكم من أعمال البر جعل الخير المتمكن منه كالحاضر، قوله صلى الله تعالى عليه وسلم: "] وليأتين عليكم يوم وهو كظيظ من الزحام " أي ممتلئ يقال كظه الشراب كظيظا والكظيظ الزحام ويقال كظه [الغيظ] (١) إذا ملأ صدره ويقال رأيت على بابه كظيظا أي [زحاما]، اهـ. وفي حديث علي قال: ألا وإن الدنيا قد ارتحلت مدبرة والآخرة قد أقبلت مقبلة ولكل واحدة منهما بنون فكونوا من أبناء الآخرة، ولا تكونوا من أبناء الدنيا. ألا وإن اليوم عمل ولا حساب وغدا حساب ولا عمل، ألا وإن أشد ما أخاف عليكم خصلتين الأمل واتباع الهوى. [أما] طول الأمل فإنه ينسي الآخرة وأما اتباع الهوى فإنه يصد عن سبيل الله، قاله في كتاب العاقبة (٢). قوله في حديث خالد بن عمير: ولقد ذكر لنا أن مصراعين من مصاريع الجنة بينهما مسيرة أربعين سنة. وفي حديث أبي هريرة الذي بعده: إن ما بين مصراعين من مصاريع الجنة لكما بين مكة وهجر أو هجر ومكة، ورواه ابن حبان مختصرا إلا أنه قال: لكما بين مكة وهجر أو كما بين مكة وبصرى. وفي

стр. 10359

لفظ آخر خارج عن الصحيحين (١): إن ما بين عضادتي الباب لكما بين مكة وهجر (٢). والمصراعان جانبا الباب ومصاريع الجنة أبوابها ولا يقال مصراع حتى يكونا اثنين وعضادتي الباب بكسر العين. قال الجوهري (٣) عضادتا الباب خشبتاه من جانبيه وأعضاد كل شيء ما يسدّ حواليه من البناء وغيره كأعضاد الحوض وهي حجارة تنصب حول شفيره وقوله فيحديث أبي هريرة (٤): والذي نفس محمد بيده إن ما بين مصراعين من مصاريع الجنة لكما بين مكة وهجر، الحديث. وهجر بفتح الهاء والجيم وهي مدينة عظيمة باليمن هي قاعدة البحرين وقيل قرية من جانب البحرين والمسافة من هجر إلى مكة اثنا عشر يوما. قال الجوهري في صحاحه (٥): هجر اسم بلد [مذكر] مصروف وهجر هذه غير هجر المذكورة في حديث: إذا بلغ الماء قلتين بقلال هجر بلدة قريبة من قرى المدينة كانت القلال تصنع بها وهي غير مصروفة وأما مكة فمعروفة مشهورة ولها أسماء كثيرة تقدم ذكرها في الحج وغيره. وأما بصرى فبضم الباء وهي مدينة معروفة أيضا بينها وبين دمشق [نحو] (٦) ثلاث مراحل وهي

стр. 10360

مدينة حوران وبينها وبين مكة شهر وتقدم الكلام عليها في مواضع من هذا التعليق فحديث خالد بن عمير العدوي موقوف وحديث أبي هريرة [مرفوع] فإن كان رسول الله ﷺ هو الذاكر لهم ذلك كان هذا سعة باب من أبوابها ولعله الباب الأعظم وإن كان الذاكر ذلك غير رسول الله ﷺ لم يقدم على حديث أبي هريرة ولكن قد روى الإمام أحمد في مسنده (١) من حديث حماد بن سلمة فذكره إلى أن قال [عن حكيم بن معاوية عن أبيه أن رسول الله ﷺ قال] (٢): أنتم توفّون سبعين أمة أنتم خيرها وأكرمها على الله تعالى، وما بين مصراعين من مصاريع الجنة مسيرة أربعين عاما وليأتين عليه يوم وله كظيظ. وحديث أبي هريرة أصح، وروى أبو الشيخ (٣) عن سالم بن عبد الله عن أبيه

стр. 10361

أن النبي ﷺ قال: الباب الذي يدخل منه أهل الجنة مسيرة الراكب المجد ثلاثا ثم إنهم ليضطغطون عليه حتى تكاد مناكبهم تزول، رواه أبو نعيم، وهذا مطابق للحديت المتفق عليه أن ما بين مصراعين من مصاريع الجنة كما بين مكة وبصرى فإن الراكب المجد غاية الجد [فيه] على أسرع مجرى لا يفتر ليلا ولا نهارا يقطع هذه المسافة في هذا القدر أو قريب منه ولما كانت الجنان درجات بعضها فوق بعض وكانت أبوابها كذلك وباب الجنة العالية فوق باب الجنة التي تحتها وكلما علت الجنة اتسعت فعاليها أوسع [مما] دونه وسعة الباب بحسب وسع الجنة ولعل هذا وجه الاختلاف الذي جاء في مسافة ما بين مصراعي الباب فإن أبوابها بعضها أعلى من بعض ولهذه الأمة باب مختص يدخلون منه دون سائر الأمم كما في المسند (١) من حديث ابن عمر عن النبي ﷺ قال: باب أمتي الذي يدخلون مثه الجنة عرضه مسيرة الراكب المجد ثلاثا، الحديث. تقدم وفيه من حديث أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: أتاني جبريل ﵇ فأخذ بيدي فأراني باب الجنة الذي تدخل منه أمتي، الحديث. فائدة: [ورد] في الحديث أن للجنة ثمانية أبواب ما منهن بابان إلا يسير الراكب بينهما سبعين عاما، وهذا الحديث في معجم الطبراني (٢).

стр. 10362

بطوله وهذا الظاهر منه أن هذه المسافة بين الباب والباب لأن ما بين مكة وبصرى لا يحتمل التقدير بسبعين عاما ولا يمكن حمله على باب معين لقوله ﷺ : ما منهن بابان إلا يسير الراكب بينهما سبعين عاما، وذكر عن خليد عن قتادة قال: أبواب يرى ظاهرها من باطنها وباطنها من ظاهرها تكلم وتُكلم وتفهم ما يقال لها انفتحى انغلقي. وقال أبو الشيخ (١): حدثنا أحمد بن أبي الحواري حدثنا عبد الله بن غياث عن الفزاري قال: لكل مؤمن في الجنة أربعة أبواب باب يدخل منه زواره من الملائكة وباب تدخل عليه أزواجه من الحور العين وباب مقفل فيما بينه وبين أهل النار يفتحه إذا شاء ينظر إليهم لتعظم النعمة عليه وباب فيما بينه وبين دار السلام يدخل فيه على ربه إذا شاء، اهـ. قاله في حادي الأرواح إلى

стр. 10363

بلاد الأفراح. (١) لطيفة في فتح أبواب الجنة الثمانية في قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا﴾ (٢) فإن في تفتيح الأبواب لأهل الجنة [إشارة] إلى تصرفهم وذهابهم وإيابهم وتبوئهم من الجنة جتا شاءوا ودخول الملائكة عليهم كل وقت بالتحف والألفاظ من ربهم ودخول ما يسرهم عليهم كل وقت وأيضا إشارة إلى أنها دار لا يحتاجون فيها إلى غلق الأبواب كما كانوا يحتاجون إلى ذلك في الدنيا. قاله في حادي الأرواح (٣). ٥٦٢٣ - وَعَن أبي هُرَيْرَة ﵁ عَن النَّبِي ﷺ قَالَ وَالَّذِي نفس مُحَمَّد بِيَدِهِ إِن مَا بَين مصراعين من مصاريع الْجنَّة لَكمَا بَين مَكَّة وهجر وهجر وَمَكَّة رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم فِي حَدِيث وَابْن مَاجَه مُخْتَصرا إِلَّا أَنه قَالَ لَكمَا بَين مَكَّة وهجر أَو كمَا بَين مَكَّة وَبصرى (٤). ٥٦٢٤ - وَعَن سهل بن سعد ﵁ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ ليدخلن الْجنَّة من أمتِي سَبْعُونَ ألفا أَو سَبْعمِائة ألف متماسكون آخذ بَعضهم بِبَعْض لا يدْخل أَوَّلهمْ حَتَّى يدْخل آخِرهم وُجُوههم على صُورَة الْقَمَر لَيْلَة الْبَدْر. رواه

стр. 10364

البخاري (١) ومسلم (٢). قوله: "وعن سهل بن سعد الساعدي " تقدم الكلام على مناقبه. قوله ﷺ : "ليدخلن الجنة من أمتي سبعون ألفا أو سبع مائة ألف متماسكون آخذ بعضهم ببعض لا يدخل أولهم حتى يدخل آخرهم " الحديث. هكذا هو في معظم الأصول متماسكون بالواو وآخذ بالرفع ووقع في بعض الأصول متماسكين وآخذا بالباء والألف [وكلاهما صحيح ومعنى بعضهم بيد بعض ويدخلون الجنة معترضين صفا واحدا بعضهم بجنب بعض] (٣) فهذه هي الزمرة الأولى كما في صحيح مسلم [زمرة] واحدة وهم يدخلونها بغير حساب وهذا تصريح بعظم سعة باب الجنة، نسأل الله الكريم رضاه والجنة لنا ولأحبابنا ولسائر المسلمين. وفي هذا الحديث عظيم ما أكرم الله به نبيه ﷺ وأمته زادها الله فضلا وشرفًا. وقد جاء في صحيح مسلم: سبعون ألفا مع كل واحد منهم سبعون ألفًا. قاله النووي في شرح مسلم (٤). وفي الغيلانيات (٥) عن أبي بكر الصديق أن النبي ﷺ قال: أعطيت سبعين

стр. 10365

ألفا من أمتي يدخلون الجنة بغير حساب وجوههم كالقمر ليلة البدر وقلوبهم على قلب رجل واحد فاستزدت ربي فزادني مع كل واحد سبعين ألفا. قال: وفي حفظي قديما أن البزار (١) رواه كذلك وعدد هؤلاء المذكورين أربعة اَلاف ألف وتسعمائة وسبعون ألفا وهذا لا ينافي الحديث الذي ذكر فيه السبعين فقط لأنه أعم من أن يكون معهم غيرهم أم لا وهذا الحديث يبين أن معهم ما ذكر، اهـ. قوله ﷺ : "وجوههم على صورة القمر ليلة البدر"، الحديث. أي [على] (٢) صفته أي أنهم في إشراق وجوههم على [صورة القمر ليلة تمامه وكماله وهي ليلة أربع عشرة وبذلك سمي] (٣) [صفة] القمر بدرا في تلك الليلة وقد ورد في المعنى ما يقتضي ما هو أبلغ من ذلك، ذكره العراقي في شرح الأحكام (٤) والله تعالى أعلم. ٥٦٢٥ - وَعَن أبي هُرَيْرَة ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ إِن أول زمرة يدْخلُونَ الْجنَّة على صُورَة الْقَمَر لَيْلَة الْبَدْر وَالَّذين يَلُونَهُمْ على أَشد كَوْكَب دري فِي السَّمَاء إضاءة لا يَبُولُونَ وَلا تتَغَوَّطُونَ وَلا يَمْتَخِطُونَ وَلا تتْفلُونَ أمشاطهم الذَّهَب ورشحهم الْمسك ومجامرهم الألوة أَزوَاجهم الْحور الْعين

стр. 10366

أَخْلَاقهم على خلق رجل وَاحِد على صُورَة أَبِيهِم آدم سِتُّونَ ذِرَاعا فِي السَّمَاء. ٥٦٢٦ - وَفِي رِوَايَة قَالَ رَسُول الله ﷺ أول زمرة تلج الْجنَّة صورهم على صُورَة الْقَمَر لَيْلَة الْبَدْر لا يبصقون فِيهَا وَلا يَمْتَخِطُونَ وَلا ئتَغَوَّطُونَ آنيتهم فِيهَا الذَّهَب أمشاطهم من الذَّهَب وَالْفِضَّة ومجامرهم الألوة ورشحهم الْمسك لكل وَاحِد مِنْهُم زوجتان يرى مخ سوقهما من وَرَاء اللَّحْم من الْحسن لا اخْتِلَاف بَينهم وَلا تباغض قُلُوبهم قلب وَاحِد يسبحون الله بكرَة وعشيا. رواه البخاري (١) ومسلم (٢) واللفظ لهما، والترمذي (٣) وابن ماجه (٤). ٥٦٢٧ - وَفِي رِوَايَة لمُسلم (٥): أَن النَّبِي ﷺ قَالَ أول زمرة يدْخلُونَ الْجنَّة من أمتِي على صُورَة الْقَمَر لَيْلَة الْبَدْر ثمَّ الَّذين يَلُونَهُمْ على أَشد نجم فِي السَّمَاء إضاءة ثمَّ هم بعد ذَلِك منَازِل فَذكر الحَدِيث وَقَالَ قَالَ ابْن أبي شيبة على خلق رجل يَعْني بِضَم الْخَاء وَقَالَ أَبُو كريب على خلق يَعْني بِفَتْحِهَا. [الألوة] بفتح الهمزة وضمها وبضم اللام وتشديد الواو وفتحها: من أسماء العود الذي يتبخر به. قال الأصمعي: أراها كلمة فارسية عربت.

стр. 10367

قوله: "وعن أبي هريرة" تقدم الكلام على مناقبه ﵁. قوله ﷺ : "إن أول زمرة يدخلون الجنة على صورة القمر ليلة البدر والذين يلونهم على أشد كوكب دري في السماء إضاءة" الحديث. والزمرة الجماعة في تفرقة بعضها إثر بعض. وفي صحيح البخاري (١): ليدخلن من أمتى الجنة سبعون ألفا أو سبع مائة ألف لا يدخل أولهم حتى يدخل آخرهم، الحديث. والغرض منه أنهم يدخلون الجنة كلهم معا صفا واحدا كما تقدم في الكلام على الحديث قبله فتبين بهذه الرواية عدد هذه الزمرة وفيه دليل على دخول أهل الجنة جماعة بعد جماعة وقد صرح به في قوله تعالى: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا﴾ (٢) وذلك بحسب الفضل وتفاوت الدرجات فمن كان أفضل كان إلى الجنة أسبق وأول من يدخل الجنة نبينا محمد- ﷺ . وفي الحديث الصحيح (٣): آتي يوم القيامة باب الجنة فأستفتح فيقول الخازن من أنت؟ [فأقول] محمد. فيقول بك أمرت أن لا أفتح لأحد قبلك. الحديث. تنبيه: وتأمل ما في سوق الفريقين إلى الدارين زمرا من فرحة هؤلاء بإخوانهم وسيرهم معهم كل زمرة على حدة مشتركين في عمل متصاحبين فيه على زمرتهم وجماعتهم مستبشرين أقوياء القلوب كما كانوافيالدنيا وقت اجتماعهم على [الخير]، كذلك يؤنس بعضهم بعضا ويفرح بعضهم ببعض

стр. 10368

وكذلك أصحاب الدار الأخرى يساقون إليها [زمرا] يلعن بعضهم بعضا [ويتأذى] بعضهم ببعض وذلك أبلغ في الخزي والفضيحة والهتيكة من أن يساقوا واحدا واحدا فلا تهمل تدبر قوله: ﴿زُمَرًا﴾ اهـ. قاله في حادي الأرواح (١). قوله ﷺ : "على صورة القمر ليلة البدر" الحديث، وسمى القمر قمرا لبياضه ومنه خمار أقمر أي أبيض. وقوله: "ليلة البدر" منصوب على الظرفية وكل شيء تم فهو بدر ومنه البدر لتمامه والزمرة التي تليها كالكوكب [الدري] ودري مضموم الدال معناه شديد [الإضاءة] وهو منسوب إلى الدر في صفائه وحسنه وإنما كان الكوكب أكثر ضوءا من الدر وإنما قيل [ككوكب] دري ولم يقل شمس درية أو قمر دري لأن الشمس والقمر يلحقهما الكسوف والخسوف ولا كذلك الكوكب الدري، قاله في شرح مشاردتى الأنوار. قوله ﷺ : "لا يبولون ولا يتغوطون ولا يتمخطون ولا يتفلون " الحديث، [لا يتبولون من] (٢) البول. قوله: "ولا يتغوطون" من الغائط وهو كناية عن الخارج من السبيلين [جميعا] (٣)، فأهل الجنة يأكلون فيها ويشربون ويتنعمون بذلك وبغيره من ملاذها وأنواع نعيمها تنعما دائما لا آخر له ولا انقطاع أبدا وإن تنعمهم بذلك

стр. 10369

على هيئة تنعم أهل الدنيا إلا ما بينهما من التفاضل في اللذة والنفاسة التي لا تشارك نعيم الدنيا إلا في التسمية، وأصل الهيئة، وإلا فإنهم لا يبولون ولا يتغوطون ولا يمتخطون ولا يبصقون ودلت دلائل الكتاب والسنة أن نعيم الجنة دائم لا انقطاع له، اهـ. [قوله: "لا يبولون ولا يتغوطون "، وهو كناية عن الخارج من السبيلين جميعا]، قوله: "ولا يمتخطون " من المخاط. قوله: "ولا يتفلون " بضم الفاء وكسرها حكاهما الجوهري وغيره، أي لا يبصقون ولما كانت أغذية الجنة في غاية اللطافة والاعتدال لا عجم ولا تفل لم يكن لها فضلة تستقذر بل تستطاب وتستلذ فعبر عنها بالمسك بقوله: "ورشحهم المسك " الذي هو أطيب طيب الدنيا. قوله: "وأمشاطهم الذهب" وفي الرواية الأخرى: أمشاطهم من الذهب والفضة، الحديث يحتمل أن لكل واحد منهم النوعين ويحتمل أن لبعضهم الذهب ولبعضهم الفضة. وفي الحديث الصحيح جنتان من ذهب آنيتهما وما فيهما وجنتان من فضة آنيتهما وما فيهما. قال أبو العباس القرطبي (١): قد يقال هنا أي حاجة في الجنة للأمشاط ولا تتلبد شعورهم ولا تتسخ وأي حاجة للبخور وريحهم أطيب من المسك؟ ويجاب عن ذلك بأن نعيم أهل الجنة وكسوتهم ليس عن دفع ألم اعتراهم فليس أكلهم عن جوع ولا شربهم عن ظمأ ولا تطيبهم عن نتن إونما هي لذات متوالية ونعم متتابعة ألا ترى قوله

стр. 10370

تعالى: ﴿إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى (١١٨) وَأَنَّكَ لَا تَظْمَأُ فِيهَا وَلَا تَضْحَى (١١٩)﴾ (١) وحكمة ذلك أن الله تعالى نعمهم في الجنة بنوع ما كانوا يتنعمون به في الدنيا وزادهم على ذلك ما لا يعلمه إلا الله، اهـ. فمائدة: ويقال كل شيء في الجنة له نظير في الدنيا فأهل الجنة يأكلون ويشربون ولا يتغوطون نظيره في الدنيا الولد في بطن أمه وأهل الجنة لهم خدم إذا [تمنى الرجل] شيئا جاءوا به قبل أن يأمرهم فيعرفون حاجته قبل أن يتكلم، نظيره في الدنيا أعضاؤه إذا احتاج الإنسان إلى شيء عرف ذلك أعضاؤه ويفعلون ذلك من غير أن يأمرهم ويكلمهم؛ وفي الجنة شجرة يقال لها طوبى أصلها في دار محمد ﷺ وأصلها وأغصانها في كل دار وفي كل موضع نظيها في الدنيا الشمس قد وصل ضوءها في كل دار وفي كل موضع، والجنة لا ينقطع طعامها وإن أكلوا منها ولا ينقص مثه شيء نظيره في الدنيا القرآن يتعلمه الناس ويعلمونه وهو على حاله لا ينقص منه شيء؟ وفي الجنة ظل ممدود ونظيره في الدنيا الوقت الذي قبل طلوع الشمس، روي عن النبي ﷺ أنه قال: ألا أنبئكم بساعة هي أشبه بساعة أهل الجنة هي التي قبل طلوع الشمس ظلها دائم [كثيرة] باسطة وبركتها واسعة أعظيمة،، اهـ. قاله أبو الليث السمرقندي (٢). قوله: "ورشحهم المسك" هو بفتح الراء المهملة وإسكان الشين

стр. 10371

المعجمة وبالحاء المهملة أي أن العرق الذي يترشح منهم له رائحة كرائحة المسك وهو قائم مقام التغوط والبول من غيرهم والله أعلم. قوله: "ومجامرهم الألوة" الألوة بفتح الهمزة وبضم اللام وتشديد الواو وفتحها من أسماء العود الذي يتبخر به. وقال الأصمعي: وأراها كلمة فارسية عربت، اهـ. قاله الحافظ. وحكى الأزهري كسر اللام، قال القاضي عياض، وحكى عن الكسائي آلية. قال القاضي [عياض] (١)، قال غيره وتشدد وتخفف وتكسر الهمزة وتضم وقيل لوة وليّة [وفي حديث: وقود مجامرهم الألوة، كأنه أراد الجمر الذي يطرح على البخور، والألوّة العود الذي يتبخر به] والله أعلم (٢). تنبيه: فإن قلت: المجامر جمع والألوة مفرد فلا مطابقة بين المبتدأ والخبر، قلت: الألوة جنس. فإن قلت: مجامر الدنيا كلها أيضا كذلك. قلت: لا إذ في الجنة نفس المجمرة هي العود، اهـ، قاله الكرماني (٣). قوله: أخلاقهم على خلق رجل واحد. قال ابن أبي شيبة على خلق رجل واحد يعني بضم الخاء وقال أبو كريب على خلق رجل واحد يعني بفتحها. قاله الحافظ. قال في حادي الأرواح (٤): والرواية على خلق

стр. 10372

بفتح الخاء وسكون اللام وكلاهما صحيح، قال والمراد تساويهم في العرض والطول والسن وإن تفاوتوا في الحسن والجمال ولهذا فسره بقوله أصلى الله تعالى عليه وسلم، على صورة أبيهم آدم ستون ذراعا في السماء. وأما أخلاقهم وقلوبهم ففي الصحيحين لا اختلاف بينهم ولا تباغض قلوبهم على قلب رجل واحد بمعنى أنهم على خلق واحد من التودد والتوافق ليس في واحد منهم خلق [يذم]. [وفي حديث (١): وقود مجامرهم الألوة كأنه أراد المجمر الذي يطرح على البخور والألوة العود الذي يتبخر به والله أعلم] (٢). واعلم أن وصف الله نساءهم بأنهن أتراب أي في سن واحد ليس فيهن العجائز والشواب وفي هذا الطول والعرض والسن من الحكمة ما لا يخفى فإنه أبلغ وأكمل في استيفاء اللذة لأنه أكمل بين القوة مع عظم آلات اللذة [و] باجتماع الأمرين يكون كمال اللذة وقوتها بحيث يصل في اليوم الواحد إلى مائة عذراء كما سيأتي إن شاء الله تعالى ولا يخفى التناسب الذي بين هذا الطول والعرض وأنه لو زاد أحدهما على الآخر فات الاعتدال، وتناسب الخلقة ويصير طولا مع دقة أو غلظا مع قصر وكلاهما غير مناسب، والله أعلم. قاله في حادي الأرواح (٣).

стр. 10373

تنبيه فإن قلت كيف يكونون على صورة القمر وعلى صورة آدم؟ قلت: هم الزمرة الأولى وهؤلاء غيرهم أو الكل على صورة في الطول والخلقة وبعضهم في الحسن كصورة القمر نورا وإشراقا، اهـ، قاله الكرماني (١). قوله في الرواية الأخرى: لكل واحد منهم زوجتان، هكذا هو في هذه الرواية في جميع الطرق بالتاء وهي لغة متكررة في الأحاديث وكلام العرب والأشمهر حذفها وبه جاء القرآن العزيز وأكثر الأحاديث واستدل به أبو هريرة على أن النساء في الجنة أكثر من الرجال، ففي صحيح مسلم (٢) عن محمد بن سيرين قال: إما تفاخروا وإما تذاكروا الرجال أكثر في الجنة أم النساء؟ فقال أبو هريرة: أو لم يقل أبو القاسم ﷺ : إن أول زمرة تدخل الجنة على صورة القمر ليلة البدر والتي تليها على أضوء كوكب دري في السماء لكل امرئ منهم زوجتان اثنتان يرى مخ سوقهما من وراء اللحم، وما في الجنة أعزب فإذا [خلت] الجنة من العزاب [قوله ﷺ :] ولكل واحد منهم زوجتان، كأن النساء مثلي الرجال، ويعارضه الحديث الآخر: إني رأيتكن أكثر أهل النار. وفي الحديث الآخر: اطلعت في النار فرأيت أكثر أهلها النساء، والجمع بينهما أنهن أكثر [أهل الجنة وأكثر] (٣) أهل النار لكثرتهن. قال القاضي

стр. 10374

عياض (١): يخرج من مجموع هذا أن النساء أكثر ولد آدم. قال: وهذا كله في الآدميات وإلا فقد يكون للواحد في الجنة من الحور العين العدد الكثير، قاله العراقي في شرح الأحكام. [قوله: "أعزب"] (٢)] (٣) هكذا في جميع النسخ بالألف وهي لغة والمشهور في اللغة عزب بغير ألف، ونقل القاضي أن جميع رواتهم رووه وما في الجنة عزب بغير ألف إلا العذري فرواه بالألف. قال القاضي: وليس بشيء. والعزب من لا زوجة له وسمي عزبا لبعده عن النساء. واعلم أنه لم يثبت في الصحيح إلا أن لكل واحد من أهل الجنة زوجتين، وقد قرر بعض العلماء أن ذلك محمول على الزوجتين من بنات آدم، وله في الحديث شواهد والله تعالى أعلم. وإذا تأملت الأحاديث الواردة في الزوجات ظهر لك أن الزوجتين من الآدميات [مما] هو واقع في الجنة لعموم المؤمنين بحيث لا يخلو واحد منهم من ذلك وليس في الأحاديث ما يمنع الزيادة لأفاضل أهل الجنة على الزوجتين والله أعلم، ولا يزال المؤمن في الجنة في نعيمه المقيم مع أهله وحوره وقصوره وحبوره وغلمانه وولدانه يرفل في أنواع كرم الله وامتنانه حتى تتعدد لديه المطربات وتغنيه العذارى بمحاسن تلك الأصوات ويزيده الله تعالى

стр. 10375

[مع] تلك المادة وما جاءت به الأحاديث المرويات. قوله: "قلوبهم على قلب رجل واحد" بالإضافة وترك التنوين: أي على قلب شخص واحد يريد أنها مطهرة عن مذموم الأخلاق مكملة بمحاسنها. قوله: "يسبّحون الله بكرة وعشيا" أي بقدرهما فأوقات الجنة من الأيام والساعات تقديرات فإن ذلك "يعني البكرة والعشية" (١) إنما يجيء من اختلاف الليل والنهار وسير الشمس والقمر وليس في الجنة شيء من ذلك. قال أبو العباس القرطبي (٢): هذا التسبيح ليس عن تكليف و [لا] (٣) إلزام لأن الجنة ليست بمحل للتكليف إونما هي محل جزاء وإنما هو عن تيسير وإلهام كما قال في الرواية الأخرى: يلهمون التسبيح والتحميد والتكبير كما يلهمون النفس ووجه التشبيه أن تنفس الإنسان لابد له منه ولا كلفة عليه ولا مشقة في فعله آحاد التنفسات [مكتسبات] للإنسان وجملتها ضرورية في حقه إذ يتمكن من ضبط قليل الأنفاس ولا يتمكن من [جملتها] فكذلك يكون ذكر الله تعالى على ألسنة أهل الجنة وسر ذلك أن قلوبهم تنورت بمعرفته وأبصارهم قد تمتعت برؤيته وقد غمرتهم سوابغ نعمه وامتلأت أفئدتهم بمحبته ومخاللته فألسنتهم ملازمة ذكره ورهبنة شكره فإن من أحب شيئا أكثر من ذكره، اهـ.

стр. 10376

قاله ابن العماد في شرح الأحكام. قوله في رواية مسلم: أول زمرة يدخلون الجنة من أمتي على صورة القمر ليلة البدر ثم الذين يلونهم على أشد نجم في السماء ثم هم بعد ذلك منازل، الحديث، تقدم الكلام على الزمرة، وقد ورد في معنى الحديث ما يقضي ما هو أبلغ من ذلك، [فروى] الترمذي (١) من حديث سعد بن أبي وقاص مرفوعا إلى النبي ﷺ : لو أن رجلا من أهل الجنة اطلع فبدا سواره لطمس ضوء الشمس كما تطمس الشمس ضوء النجوم. وقوله: "ثم هم بعد ذلك منازل" بيّن بذلك أن درجاهم في إشراق اللون متقاربة بحسب علو درجاتهم وتفاوت فضلهم. سؤال: هل الملائكة ينعّمون في الجنة أو لا؟ قال شيخ الإسلام العسقلاني المشهور بابن حجر: قال بعض أشياخنا لم أر فيه نقلا صريحا وإنما يمكن التمسك فيه بالعمومات الواردة في الصالحين وهم منهم، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا (١٠٧)﴾ (٢)، وقال ﷺ : لما علم أصحابه التشهد: فإذا قلتموها- يعني السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين- أصابت كل عبد صالح لله في السموات والأرض فدخل في ذلك الملائكة جزما. وأخرج أبو الشيخ في كتاب العظمة (٣) من رواية الضحاك عن ابن عباس ﵄
следующие страницы →