← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 660

فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب

حسن بن علي الفيومي

Полный текст (10 535 стр.). Показаны 10302–10341 · переход к 10307.

стр. 10302

قوله: "وعن أبي سعيد" تقدم الكلام عليه مناقبه، قوله تعالى: ﴿وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ﴾ (١) [قال: تشويه النار فتقلص شفته العليا، الحديث، تقلص أي ترتفع ثم تسترخي. ٥٦٠٣ - وَعَن أبي غَسَّان الضَّبِّيّ قَالَ: قَالَ أَبُو هُرَيْرَة ﵁: بِظهْر الْحيرَة تعرف عبد الله بن خداش وَإِنِّي سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول فَخذه فِي جَهَنَّم مثل أحد وضرسه مثل الْبَيْضَاء قلت لم ذَاك يَا رَسُول الله قَالَ كَانَ عاقا بِوَالِديهِ رَوَاهُ الطَّبَرَانيِّ بِإِسْنَاد لا يحضرني (٢). قوله: وعن أبي غسان الضبي، أبو غسان الضبي، اسمه. قوله: "قال لي أبو هريرة بظهر الحيرة تعرف عبد الله بن خراش؟ قلت: لا. قال: فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: فخذه في جهنم مثل أحد وضرسه مثل البيضاء. قلت لم يا رسول الله؟ قال: كان عاقا لوالديه" الحديث، الحيرة اسم بلد تقدم الكلام عليها في الشفقة على خلق الله خوف مقرون برحمة، فيشفق عليهم من جهة مخالفة الأمر والنهي، مع نوع رحمة، بملاحظة جريان القدر عليهم. قوله: "تعرف عبد الله بن خراش" عبد الله بن خداش (٣).

стр. 10303

قوله: "فخذه في جهنم مثل أحد" تقدم الكلام على أحد في مواضع من هذا التعليق. قوله: "وضرسه مثل البيضاء" البيضاء بلد بينها وبين شيراز منزل، وقيل البيضاء اسم جبل كما تقدم وقيل مدينة من مدائن العرب، وأما العقوق فتقدم الكلام عليه في كتاب البر والصلة مبسوطا والله أعلم. فائدة يختم بها الباب في عبد الله بن جُدعان وكان من رؤساء قريش [وكان] اتخذ للضيفان جفنة يُرقى إليها بسُلّم وكان من بني تيم بن مرة أقرباء عائشة ﵂. قال القاضي عياض (١) ﵀، وقد انعقد الإجماع على أن الكفار لا تنفعهم أعمالهم ولا يثابون عليها بنعيم ولا يخفف عنهم عذاب لكن بعضهم أشد عذابا من بعفبحسب جرائمهم، اهـ. وجُدعان بضم الجيم وإسكان الدال المهملة وبالعين.

стр. 10304

فصل في تفاوته في العذاب وذكر هونهم عذابا ٥٦٠٤ - عن النعمان بن بشير ﵄ عن النبي ﷺ قال: إن أهون أهل النار عذابا رجل في أخمص قدميه جمرتان يغلي منهما دماغه كما يغلي المرجل بالقمقم. رواه البخاري (١) ومسلم (٢) ولفظه: إن أهون أهل النار عذابا من له نعلان وشراكان من نار يغلي منهما دماغه كما يغلي المرجل، ما يرى أن أحدا أشد منه عذابا، وإنه لأهونهم عذابا. قوله: "عن النعمان بن بشير" تقدم الكلام على مناقبه. قوله ﷺ : "أهون أهل النار عذابا رجل في أخمص قدميه جمرتان يغلي منهما دماغه كما يغلي المرجل بالقمقم" الحديث. ورواه مسلم ولفظه: "إن أهون أهل النار عذابا من له نعلان وشركان من نار يغلي منهما دماغه كما يغلي المرجل" الحديث، أخمص القدمين هو بفتح الهمزة وهو المتجافي من الرجل من باطنها عن الأرض فلا تمسّه وأصله من الضمور. وفي النهاية (٣): الأخمص من القدم الموضع الذي لا يلتصق بالأرض منها عند الوطئ، اهـ. وهو بمعناه.

стр. 10305

قوله: "ويغلي منهما دماغه" الغليان معروف وهو شدة اضطراب [الماء] ونحوه [على] (١) النار لشدة إيقادها، يقال: غلت القدر تغلي غليا وغليانا وأغليتها أنا. قوله: "كما يغلي المرجل بالقمقم" والمرجل بكسر الميم وفتح الجيم وهو قدر معروف سواء كان من حديد أو نحاس أو حجارة أو خزف هذا هو الأصح وقيل هو القدر من النحاس يعني خاصة والأول أعرف والميم فيه زائدة كذا في جميع الروايات، [وذكره] ابن الصابوني كما يغلي المرجل والقمقم وهذا بيّن إن ساعدته الرواية. وزعم بعضهم أن الذي في الصحيح مغير ثم تكلف فيه ما يبعد، والقمقم فارسي معرب، [اهـ] (٢). وفي هذا الحديث وما أشبهه تصريح بتفاوت عذاب أهل النار كما أن [نعيم أهل الجنة متفاوت، والله تعالى أعلم. قوله ﷺ في رواية مسلم:] أهون أهل النار عذابا من له نعلان وشراكان من نار، الحديث، والنعل مؤنثة وهي التي تلبس في الرجل والشراك بكسر الشين وهو أحد سيور النعل وهو الذي يكون على وجهها وعلى ظهر القدم [انتهى]. ٥٦٠٥ - وعن أبي سعيد الخدري ﵁ عن النبي ﷺ قال: إن أهون أهل النار عذابا رجل منتعل بنعلين من نار يغلي منهما دماغه مع أجزاء العذاب، ومنهم من في النار إلى كعبيه مع أجزاء العذاب، ومنهم من في النار إلى ركبتيه

стр. 10306

مع أجزاء العذاب، ومنهم من قد اغتمر. رواه أحمد (١) والبزار (٢) ورواته رواة الصحيح، وهو في مسلم (٣) مختصرا: إن أدنى أهل النار عذابا منتعل بنعلين من نار يغلي دماغه من حر نعليه. قوله: "وعن أبي سعيد" هو الخدري، تقدم وتقدم معنى هذا الحديث في الحديث قبله، وكذلك حديث أبي هريرة الذي بعده بمعناه. ٥٦٠٦ - وَعَن أبي هُرَيْرَة ﵁ عَن النَّبِي ﷺ قَالَ إِن أدنى أهل النَّار عذَابا الَّذِي لَهُ نَعْلَانِ من نَار يغلي مِنْهُمَا دماغه رَوَاهُ الطَّبَرَانيِّ بإسْنَاد صَحِيح وَابْن حبَان فِي صَحِيحه (٤). ٥٦٠٧ - وعن ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ قال: إن أهون أهل النار عذابا أبو طالب وهو منتعل بنعلين يغلي منهما دماغه. رواه مسلم. (٥) قوله: "وعن ابن عباس" تقدمت ترجمته. قوله ﷺ : "إن أهون أهل النار عذابا أبو طالب" [الحديث. أبو طالب] اسمه عبد مناف بن عبد المطلب عم

стр. 10307

رسول الله ﷺ مات قبل الهجرة ولرسول الله ﷺ خمسون سنة إلا ثلاثة أشهر وأياما، قاله الكرماني (١). وتقدم معنى النعل وثبت في الصحيح أن العباس (٢) قال لرسول الله ﷺ إن أبا طالب كان يحوطك وينصرك ويغضب لك فهل ينفعه ذلك؟ قال: نعم، وجدته في غمرات من النار فأخرجته إلى ضحضاح. وفي الصحيح أيضا من طريق أبي سعيد (٣) أنه ﷺ قال: لعله تنفعه شفاعتي يوم القيامة فيجعل في ضحضاح من النار يبلغ كعبيه يغلي منهما دماغه. واعلم أن أهل الكفر لا تنفعهم شفاعة الشافعين ونهى عن الاستغفار له ولمثله ولكنه رجى له أن تناله بركته ويخفف عنه بسبب ما كان منه إليه من الحماية والعون على تبليغ الرسالة فيخفف من عذابه فتكون الشفاعة بالحال لا بالمقال. وفي رواية يونس عن أبي إسحاق وهي أنه قال: يغلي منهما دماغه حتى يسيل على قدميه. قوله: "يحوطك" هو بفتح الياء وضم الحاء. قال أهل اللغة. يقال حاطه يحوطه حوطا وحياطة إذا صانه وحفظه وذبّ عنه و [توفر] على مصالحه، والضحضاح بفتح الضادين المعجمتين وسكون الحاء المهملة أي شيء قليل كضحضاح الماء وهو [ما] يبقى منه على وجه الأرض، قاله عياض (٤)، والضحضاح في [الأصل] ما ردق من الماء على وجه الأرض ما يبلغ الكعبين

стр. 10308

وضحضح الشراب إذا رقّ فاستعاره للنار. وفي حديث آخر: إنه لفي ضحضاح من النار ولولاي لكان في الطمطام. الطمطام في الأصل معظم ماء البحر فاستعاره هاهنا لمعظم النار حيث استعار ليسيرها الضحضاح وهو الماء القليل الذي يبلغ الكعبين وأصله من طمّ الشيء إذا عظم وطمّ الماء إذا كثر وهو طام، اهـ. قاله في النهاية (١). وفيه تفاوت عذاب أهل النار كما تقدم. فإن قلت: أعمال الكفرة هباء منثور لا فائدة فيها. قلت: هذا النفع هو ببركة رسول الله ﷺ وخصائصه، اهـ. أقاله الكرماني (٢) في شرح البخاري] (٣) وفي الصحيح (٤) أن رسول الله ﷺ دخل على عمّه أبي طالب عند موته وعنده أبو جهل وعبد الله بن أبي أمية، فقال: يا عم، قل لا إله إلا الله كلمة أشهد لك بها عند الله. فقال له أبو جهل وابن أبي أمية: أترغب عن ملة عبد المطلب؟ فقال: أنا على ملة عبد المطلب، وهذا الحديث يقتضي أن عبد المطلب مات على الشرك، ووجدت في بعض [نسخ] المسعودي اختلافا في عبد المطلب وأنه قد قيل فيه مات مسلمًا لما رأى من الدلائل على نبوة محمد ﷺ وعلم أنه لا يبعث إلا بالتوحيد، ذكره السهيلي في كتاب الروض الأنف على سيرة بن هشام (٥).

стр. 10309

تنبيه: ومن باب النظر في حكمة الله تعالى ومشاكلة الجزاء للعمل أن أبا طالب كان مع رسول الله ﷺ بجملته متحزبا له إلا أنه كان مثبتا لقدميه على ملة عبد المطلب [حتى قال عند الموت أنا على ملة عبد المطلب] (١) فسلط العذاب على قدميه خاصة لتثبته إياهما على ملة آبائه، ثبتنا الله على الصراط المستقيم. ولعل هذا مذكور في الروض الأنف على سيرة ابن هشام. [والله تعالى أعلم]. ٥٦٠٨ - وعن عبيد بن عمير ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : إن أدنى أهل النار عذابا لرجل عليه نعلان يغلي منهما دماغه كأنه مرجل مسامعه جمر، وأضراسه جمر، وأشفاره لهب النار، وتخرج أحشاء جنبيه من قدميه، وسائرهم كالحب القليل في الماء الكثير فهو يفور. رواه البزار (٢) مرسلًا بإسناد صحيح. قوله: "وعن عبيد بن عمير" ابن قتادة الليثي المكي وكنيته أبو عاصم، من الطبقة الأولى من أهل مكة، وقال ابن سعد بإسناده عن ثابت قال: أولى من قص عبيد بن عمير الليثي، على عهد عمر بن الخطاب توفي عبيد بن عمير سنة سبع

стр. 10310

وسبعين بمكة وأسند عن أبي بن كعب، وأبي ذر، وأبي قتادة، وأبي الدرداء، وعبد الله بن عمر، وابن عمرو، وابن عباس، وأبي هريرة، وعائشة ﵃ في آخرين. وروى عنه من كبار التابعين: مجاهد، وعطاء، وأبو حازم. [قال ابن سعد:] وكان ثقة كثير الحديث. قوله ﷺ : "إن أدنى أهل النار عذابا لرجل عليه نعلان يغلي منهما دماغه" الحديث، تقدم تفسير ذلك في أحاديث الباب. قوله ﷺ : "مسامعه جمر وأضراسه جمر وأشفره جمر" مسامعه هي جمع مسمع وهو آلة السمع أو جمع سِمَع على غير قياس كمشابه وملامح والمسمع بالفتح [خرقها] ومنه حديث أبي جهل أن محمدا ترك يثرب وأنه حنق عليكم نفيتموه نفي القراد عن المسامع يعني عن الآذان [قاله في النهاية (١) .. ] وتقدم معنى الأضراس والمراد بالأشفار هدب العينين وهو الشعر المستر سل عليهما. ٥٦٠٩ - وعن سمرة بن جندب ﵁: عن النبي ﷺ قال: منهم من تأخذه النار إلى كعبيه، ومنهم من تأخذه النار إلى ركبتيه، ومنهم من تأخذه النار إلى حجزته، ومنهم من تأخذه النار إلى عنقه، ومنهم من تأخذه النار إلى ترقوته. رواه مسلم (٢). وفي رواية له: منهم من تأخذه النار إلى كعبيه، ومنهم من تأخذه إلى حجزته، ومنهم من تأخذه إلى عنقه.

стр. 10311

قوله: "وعن سمرة بن جندب" تقدم. قوله ﷺ : "ومنهم من تأخذه النار إلى حجزته" هو بضم الحاء واسكان الجيم وفتح الزاي المعجمة، وهو معقد الإزار والسراويل ويجمع على حُجَز، ومنه الحديث: فأنا آخذ بحجزكم عن النار، قاله في النهاية (١). قوله ﷺ : "ومنهم من تأخذه النار إلى ترقوته" والترقوة بفتح التاء وضم القاف وهي العظم الذي بين [ثغرة] النحر والعاتق. وفي حديث آخر ومنهم من تأخذه النار إلى حقويه بفتح الحاء وكسرها أي خاصرتيه وأصله معقد الإزار من الإنسان وهو الخاصرتان وهو بمعنى الحجزة، والمراد هنا ما يحاذي ذلك الموضع من جنبيه. ٥٦١٠ - وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: إن جهنم لما سيق إليها أهلها تلقتهم فلفحتهم لفحة فلم تدع لحما على عظم إلا ألقته على العرقوب. رواه الطبراني في الأوسط (٢) والبيهقي (٣) مرفوعًا، ورواه غيرهما

стр. 10312

موقوفا عليه وهو أصح (١). قوله: "وعن أبي هريرة" تقدم. قوله ﷺ : "إن جهنم لما سيق إليها أهلها تلقتهم فلفحتهم لفحة لم تدع لحما على عظم إلى ألقته على العرقوب" الحديث، تقدم الكلام على جهنم أعاذنا الله منها ولفح النار هو حرها ووهجها. فائدة في الصحيحين (٢) من حديث ابن عمر عن النبي ﷺ : "اشتكت النار إلى ربها فقالت: أي ربي أكل بعضي بعضا فأذن لها بنفسين نفسًا في الشتاء ونفسا في الصيف. فأشد ما تجدون من البرد من زمهريرها وأشد ما تجدون من الحر من سمومها. فقوله: "فقالت النار" الظاهر أن ذلك قول حقيقي إذا لا مانع في أن الله تعالى ينطق النار كما روي أنه لما ناجى موسى عليه اللام اعتزل جبريل ﵇ يبكي ويقول: ما أدري ما يناجيه به، فأنطق الله تعالى جبة موسى ﵊ فقالت لجبريل: أنا أقرب منك إلى جسد موسى ولا أدري ما يناجيه به ولا أسمعه. وأبعدَ بعضهم فحمل القول في الحديث على لسان الحال كقول الشاعر: شكى إليّ جملي طول السُّرى ... صبرا جميلا فكلانا مبتلى والمراد بالزمهرير شدة البرد وهو الذي أعده الله عذابا للكفار في الدار الآخرة. وروي عن ابن عباس ﵄ قال: يستغيث أهل النار من الحر فيغاثون بريح

стр. 10313

باردة يصدع العظام بردها فيسألون الحر (١). وعن مجاهد قال: يهربون إلى الزمهرير فإذا وقعوا فيه حطم عظامهم حتى يسمع لها نقيض (٢). وعن كعب (٣) قال: إن في جهنم بردا هو الزمهرير يسقط اللحم حتى [يستغيثوا] بحر جهنم وعن عبد الملك بن عمير قال (٤): بلغني أن أهل النار سألوا خازنها أن يخرجهم إلى جانبها فأخرجوا فقتلهم البرد والزمهرير حتى رجعوا إليها فدخلوها مما وجدوه من البرد. وقد قال الله تعالى: ﴿لَا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا وَلَا شَرَابًا (٢٤) إِلَّا حَمِيمًا وَغَسَّاقًا﴾ (٥). وقال الله تعلى: ﴿هَذَا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ (٥٧)﴾ (٦)، قال ابن عباس (٧): الغساق الزمهرير البارد الذي يحرق من برده. وقال مجاهد (٨): هو الذي لا يستطيعون أن يذوقوه من برده. وقيل: الغساق البارد المنتن، وتقدم أيضًا ذكر الغساق قريبًا، أجارنا الله من ذلك بمنه وكرمه يا من تتلى عليه أوصاف جهنم ويشاهد تنفّسها كل عام حتى يحس به ويتألم وهو

стр. 10314

مصر على ما يقتضي دخولها مع أنه يعلم، ستعلم إذا جيء بها تقاد بسبعين ألف زمام من يندم ألك صبر على سعيرها وزمهريرها، قل وتكلم، ما كان صلاحك يرجى والله أعلم. قاله ابن رجب (١). ٥٦١١ - وَرُوِيَ عَن ابْن عَبَّاس ﵄ فِي قَوْله تَعَالَى فَيُؤْخَذ بالنواصي والأقدام الرَّحْمَن ١٤ قَالَ يجمع بَين رَأسه وَرجقَيْهِ ثمَّ يقصف كمَا يقصف الْحَطب رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ مَوْقُوفا (٢). ٥٦١٢ - وَرُوِيَ عَن عمر بن الْخطاب ﵁ أَنه قَرَأَ هَذِه الآيَة كلما نَضِجَتْ جُلُودهمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيرهَا ليذوقوا الْعَذَاب النِّسَاء ٦٥ قَالَ يَا كعْب أَخْبرنِي عَن تَفْسِيرهَا فَإِن صدقت صدقتك وَإِن كذبت رددت عَلَيْك فَقَالَ إِن جلد ابْن آدم يحرق ويجدد فِي سَاعَة أَو فِي يَوْم مِقْدَار سِتَّة آلاف مرّة قَالَ صدقت رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ (٣). ٥٦١٣ - وَرُوِيَ أَيْضا عَن الْحسن وَهُوَ الْبَصْرِيّ قَالَ كلما نَضِجَتْ جُلُودهمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيرهَا ليذوقوا الْعَذَاب قَالَ تأكلهم النَّار كلل يَوْم سبعين ألف مرّة كلما أكلتهم قيل لَهُم عودوا فيعودون كمَا كَانُوا (٤).

стр. 10315

٥٦١٤ - وعن أنس ﵁ عن النبي ﷺ قال: يؤتى بأنعم أهل الدنيا من أهل النار فيصبغ في النار صبغة. ثم يقال له: يا ابن آدم هل رأيت خيرا قط؟ هل مر بك نعيم قط؟ فيقول: لا والله يارب، ويؤتى بأشد الناس بؤسا في الدنيا من أهل الجنة فيصبغ صبغة في الجنة، فيقال له: يا ابن آدم هل رأيت بؤسا قط؟ هل مر بك من شدة قط؟ فيقول: لا والله يا رب ما مر بي بؤس قط، ولا رأيت شدة قط. رواه مسلم (١). قوله: "وعن أنس" هو ابن مالك تقدم. قوله ﷺ : "يؤتى بأنعم أهل الدنيا من أهل النار فيصبغ في النار صبغة ثم يقال له: يا ابن آدم هل رأيت خيرا قط؟ هل مر بك نعيم قط؟ فيقول: لا والله يا رب" الحديث، الصبغة بفتح الصاد، ومعنى فيصبغ في النار أي يغمس في النار غمسة كما يغمس الثوب في الصبغ ويجوز أن يكون بمعنى يغير لأنه نقل عن الفراء أنه قال: أصل الصبغ التغيير ونقل الشيء من حال إلى حال. قاله في شرح مشارق الأنوار (٢)، وفي حديث آخر: [أصبغوا] في النار، قاله في النهاية (٣). قوله ﷺ : "ويؤتى بأشد الناس بؤسا في الدنيا من أهل الجنة فيصبغ في الجنة صبغة" الحديث. والبؤس بالهمز هو الشدة وهو ضد النعيم وتقدم الكلام على الصبغ [أنه الغمس] (٤).

стр. 10316

٥٦١٥ - وعن سويد بن غفلة ﵁ قال: إذا أراد الله أن ينسى أهل النار جعل للرجل منهم صندوقا على قدره من نار لا ينبض منه عرق إلا فيه مسمار من نار، ثم تضرم فيه النار، ثم يقفل بقفل من نار، ثم يجعل ذلك الصندوق في صندوق من نار ثم يضرم بينهما نار، ثم يقفل بقفل من نار، ثم يجعل ذلك الصندوق في صندوق من نار ثم يضرم بينهما نار ثم يقفل، ثم يلقى أو يطرح في النار فذلك قوله. من فرقهم ظلل من النار ومن تحتهم ظلل ذلك يخوف الله به عباده يا عباد فاتقون، وذلك قوله: [لهم فيها زفير وهم فيها لا يسمعون] قال: فما يرى أن في النار أحدا غيره. رواه البيهقي (١) بنحوه من حديث ابن مسعود بإسناد منقطع. [قال الحافظ]: سويد بن غفلة ولد في العام الذي ولد فيه النبي ﷺ وهو عام الفيل، وقدم المدينة حين دفنوا النبي ﷺ ولم يره، وتوفي في زمن الحجاج وهو ابن خمس وعشرين، وقيل: سبع وعشرين ومائة. قوله: "وعن سُويد بن غفَلة" [وغَفَلَة] بغين معجمة وفاء مفتوحتين، ومن قال: عقلة بالعين المهملة والقاف فهو تصحيف ظاهر وخطأ بيّن وهو أبو أمية سويد بن غفلة بن عوسجة بن عامر بن وداع الجعفي الكوفي التابعي المخضرم بفتح الراء، أدرك الجاهلية كثيرا وأسلم في حياة رسول الله ﷺ ولم

стр. 10317

يره وأدّى صدقته إلى مُصدّق رسول الله ﷺ ثم قصد المدينة فوصلها في يوم دفن رسول الله ﷺ . روى عن أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وابن مسعود وبلال وأبي ذر وغيرهم. قال هشيم بلغ سويد بن غفلة مائة وثمانيا وعشرين سنة وقال ابن نمير: توفي سنة إحدى وثمانين وله مائة وعشرون سنة، وقيل: توفي ابن مائة وإحدى وثلاثين بالكوفة. والله أعلم. قوله: "إذا أراد الله أن ينسى أهل النار جعل للرجل منهم صندوقا على قدره من نار لا ينبض منه عرق إلا فيه مسمار من نار" الحديث، الصندوق بضم الصاد وفتحها معروف. وقوله: "لا ينبض منه عرق" أي لا يتحرك، قوله: "ثم تضرم بينهما نار" بضم التاء وإسكان الضاد أي تحرق سريعا. قال أهل اللغة: ضرمت الثار بكسر الراء وتضرمت وأضرمت أي التهبت وأضرمتها أنا وضرمتها.

стр. 10318

فصل في بكائهم وشهيقهم ٥٦١٦ - عن عبد الله بن عمرو ﵄. قال: إن أهل النار يدعون مالكا فلا يجيبهم أربعين عاما، ثم يقول: إنكم ماكثون، ثم يدعون ربهم فيقولون: ربنا أخرجنا منها فإن عدنا فإنا ظالمون فلا يجيبهم مثل الدنيا، ثم يقول: [اخسئوا فيها ولا تكلمون]، ثم ييأس القوم فما هو إلا الزفير والشهيق تشبه أصواتهم أصوات الحمير أولها شهيق وآخرها زفير. رواه الطبراني (١) موقوفا ورواته محتج بهم في الصحيح، والحاكم (٢) وقال صحيح على شرطهما. [الشهيق] في الصدر. و [الزفير] في الحلق، وقال ابن فارس: الشهيق ضد الزفير لأن الشهيق رد النفس، والزفير إخراج النفس.

стр. 10319

قوله: "عن عبد الله بن عمرو" تقدم. قوله: "إن أهل النار يدعون مالكا فلا يجيبهم أربعين عاما" ثم يقول: ﴿إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ﴾ (١) "مالك اسمه مشتق من الملك وهو القوة والشدة جث تصرفت حروفه. قال الزمخشري (٢) في تفسير آخر سورة المؤمنين: "عن ابن عباس ﵄: إن لأهل النار ست دعوات إذا دخلوا النار. قالو: ألف سنة ربنا أبصرنا وسمعنا، فينادون -وفي نسخة: فيجابون- حق القول مني. فينادون ألفا سنة ربنا أمتنا اثنتين فيجابون بأنه إذا دعى لله وحده كفرتم فينادون ألفا سنة يا مالك ليقض علينا ربك. فيجابون: ﴿إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ﴾ (٣)، فينادون ألفا سنة: ﴿رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ﴾ (٤)، فينادون ﴿أَوَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ مِنْ قَبْلُ مَا لَكُمْ﴾ (٥) الآية، فينادون: ﴿أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ﴾ (٦) فيجابون ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ]﴾ (٧) الآية، فينادون ألفا سنة ﴿رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ (١٠٧)﴾ (٨)،

стр. 10320

فيجابون ﴿قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾ (١)، وهذا آخر كلام يتكلمون ثم لا كلام بعد ذلك إلا الشهيق والزفير [والعواء كعواء] الكلاب لا يفهمون ولا يفهمون. قلت: وظهر أن الدعوات إنما كانت ستا لأنها لأهل الطبقات الست، أما الطبقة الأولى فإنها للموحدين وهم لا يخلدون بل يخرجون منها وهذه الطبقات الست لكل طبقة دعوة وإجابة ثم لا يتكلمون ولا يجابون. [وانتهى والله تعالى أعلم. والمكث هو اللبث. قوله: "ثم يقول: ﴿قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾ (٢) "، الحديث] يقال: خسأت الكلب إذا طردته فهو متعد وخسأ الكب بنفسه فهو لازم. وقيل هو زجر للكلب وإبعاد له، قال الله تعالى: ﴿قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾ (٣) أي أي ابعدوا بُعد الكلاب ولا تكلمون في رفع العذاب عنكم وكل من عصى الله تعالى سقطت حرمته فجاز خطابه بنحوه من الغلظة والذم ليرجع عن ذلك، قاله الكرماني (٤). وقال غيره: أي تركهم وأعرض عنهم، والله أعلم. قوله: "ثم "ثم ييأس القوم فما هو إلا الزفير والشهيق"، الزفير يكون في الصدر والشهيق في الحلق. وقال ابن [فارس]: "الشهيق ضد الزفير لأن الشهيق رد النفس والزفير إخراج النفس" اهـ، قاله الحافظ.

стр. 10321

٥٦١٧ - وروى الْبَيْهَقِيّ (١) عَن مُعَاوِيَة بن صَالح عَن عَليّ بن أبي طَلْحَة عَن ابْن عَبَّاس فِي قَوْله لَهُم فِيهَا زفير وشهيق قَالَ صَوت شَدِيد وَصَوت ضَعِيف. قَالَ الْحَافِظ وَتقدم حَدِيث أبي الدَّرْدَاء وَفِيه فَيَقُولُونَ ادعوا مَالِكًا فَيَقُولُونَ يَا مَالك ليَقْضِ علينا رَبك قَالَ ﴿إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ﴾ (٢) قَالَ الأعْمَش نبئت أَن بَين دُعَائِهِمْ وَبَين إِجَابَة مَالك لَهُم ألف عَام قَالَ فَيَقُولُونَ ادعوا ربكُم فَلَا أحد خير من ربكُم فَيَقُولُونَ ﴿قَالُوا رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْمًا ضَالِّينَ (١٠٦) رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ﴾ (٣) قَالَ فَيُجِيبهُمْ ﴿قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾ (٤) قَالَ فَعِنْدَ ذَلِك يئسوا من كل خير وَعند ذَلِك يَأْخُذُونَ فِي الزَّفِير والشهيق وَالْويل رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ (٥). ٥٦١٨ - وعن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ يرسل البكاء على أهل النار فيبكون حتى تنقطع الدموع، ثم يبكون الدم حتى يصير في وجوههم كهيئة الأخدود، لو أرسلت فيها السفن لجرت. رواه ابن ماجه وأبو يعلى، ولفظه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: يا أيها الناس ابكوا فإن لم تبكوا فتباكوا فإن أهل النار يبكون في النار حتى تسيل دموعهم في خدودهم

стр. 10322

كأنها جداول حتى تنقطع الدموع فيسيل يعني الدم فيقرح العيون. وفي إسنادهما يزيد الرقاشي وبقية رواة ابن ماجه ثقات احتج بهم البخاري ومسلم. ورواه الحاكم (١) مختصرا عن عبد الله بن قيس مرفوعا قال: إن أهل النار ليبكون حتى لو أجريت السفن في دموعهم لجرت، وإنهم ليبكون الدم مسكان الدمع. وقال: صحيح الإسناد. [الأخدود] بالضم: هو الشق العظيم في الأرض. قوله: "وعن أنس بن مالك" تقدم. قوله ﷺ : "فإن أهل النار يبكون في النار حتى تسيل دموعهم في خدودهم كأنها جداول حتى تنقطع الدموع" الجداول جمع جدول وهو النهر الصغير. قاله الحافظ المقدسي، وقوله: "إن أهل النار ليبكون حتى لو أجريت السفن في دموعهم لجرت" السفن جمع سفينة وهي المراكب، قوله: "كهيئة الأخدود" وقد ذكر الحافظ الأخدود أنه الشق العظيم في الأرض. [والله تعالى أعلم بالصواب].

стр. 10323

الترغيب الجنة ونعيمها ويشتمل على فصول ٥٦١٩ - عَن أبي بكرَة ﵁ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ من قتل نفسا معاهدة بِغَيْر حَقّهَا لم يرح رَائِحَة الْجنَّة فَإِن ريح الْجنَّة ليوجد من مسيرَة مائَة عَام، وَفِي رِوَايَة وَإِن لريحها ليوجد من مسيرَة خَمْسمِائَة عَام. رواه ابن حبان في صحيحه (١). قوله: "عن أبي بكر الصديق" هو أبو بكر الصديق بن أبي قحافة ﵄ تقدم الكلام على مناقبه في عدة مواضع من هذا التعليق. قوله ﷺ : "من قتل نفسا معاهدة بغير حقها لم يرح رائحة الجنة"، المعاهد يجوز أن يكون بكسر الهاء وفتحها على اسم الفاعل والمفعول، وهو في الحديث بالفتح أشهر وأكثر، والمعاهد من بينك وبينه عهد وأكثر ما يطلق في

стр. 10324

الحديث على أهل الذمة وقد يطلق على غيرهم من الكفار إذا صُولحوا على ترك الحرب مدة [ما]. وفي الحديث (١): أيما رجل أمّن رجلا على ذمة ثم قتله فأنا من القاتل بريء وإن كان المقتول كافرا، فالغدر حرام في كل عهد بين المسلم وغيره ولو كان المعاهد كافرا وتقدم الكلام على ضبطه وتفسيره أيضا مبسوطا وذلك مذكور في الترهيب من [الخيانة] والغدر وإنجاز الوعد. وقوله: لم يرح رائحة الجنة، أي لم يشم ريحها، وهو بضم الياء من يرح وكسر الراء عند الكسائي وبفتحها عند أبي عبيد، ومعناهما واحد، وتقدم ذكر ذلك أيضا في أماكن متفرقة من هذا التعليق. قوله ﷺ : "وإن ريح الجنة ليوجد من مسيرة مائة عام" وفي رواية: "وإن ريحها ليوجد من مسيرة خمسمائة عام" وفي حديث جابر الذي بعده: وإن ريح الجنة ليوجد من مسيرة ألف عام، والله لا يجد ريحها عاق ولا قاطع رحم" وفي صحيح البخاري (٢): إن ريح الجنة [تنشق] من

стр. 10325

مسيرة أربعين عاما. وفي رواية للترمذي (١) من مسيرة سبعين خريفا، وغيو ذلك من الأحاديث. وهذه الألفاظ لا تعارض بينها بوجه ويحتمل هذا الاختلاف أن يكون ذلك بحسب اختلاف إدراك أهل الجنة وتفاوت مراتبهم فمن كان أعلى رتبة نشق من مسيرة ألف عام، ويحتمل غير ذلك، [والله تعالى أعلم]، قاله في حادي القلوب (٢). وقال بعض العلماء: والظاهر والله أعلم أن هذا [الاختلاف] بحسب اختلاف درجات أهل الجنة: فمن كان من أهل الدرجات العلى شمّه من ألفط عام، ومن كان دونه فمن مسيرة خمسمائة عام ثم من مائة ثم من سبعين ثم من أربعين. وقال بعض العلماء: ويحتمل [وجوها أخر]: الوجه الأول أنه أوحي إليه ﷺ أن ريح الجنة يوجد من أربعين، ثم أوحي إليه أنه يوجد من سبعين ثم من مائة ثم من خمسائة ثم من ألف، فأخبر كما أوحي إليه. ["قلت وتخصيص هذه الأعداد بالذكر مما لا تدرك حكمته إلا بتوقيف من الشارع صلى لله عليه وسلم أو بطريق الكشف والله أعلم، وما يأتي للمصنف لا يخفى بعده لمن تأمله والله أعلم"] (٣)، [الوجه] الثاني يحتمل أن قاتل المعاهد إذا أراد قتله [وهوانه وتركه خشية من الله سبحانه كان من حسناته] أن يجد ريح الجنة من المدة التي ذكرت واختلاف المدة فيه باعتبار الإيحاء كما تقدم

стр. 10326

[في الوجه الذي كتب] (١)، وكذلك قوله: إذا سألت المرأة [طلاقها] من غير ما بأس، لو تركت [السؤال من غير ما بأس لو تركت السؤال] خشية من الله تعالى ورغبة كان [منزلتها] أنها تجد ريح الجنة من أربعين [عاما] وكذلك من ادعى إلى غير أبيه يجري على هذا المجرى والله تعالى أعلم بمراد رسوله ﷺ . قال في حادي الأرواح (٢): وقد أشهد الله عباده في هذه الدار آثارا من آثار الجنة وأنموذجا منها من الرائحة الطيبة واللذات المشتهاة والمناظر [البهية] والفاكهة الحسنة والنعيم والسرور وقرة العين وغير ذلك. وقد روى أبو نعيم (٣) من حديث الأعمش عن أبي سفيان عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ : يقول الله للجنة طيبي لأهلك فتزداد طيبا فذلك البرد الذي يجده الناس بالسحر من ذلك كما جعل الله [دار] الدنيا وآلامها وغمومها وإحراقها [تذكره بنار الآخرة، قال الله تعالى في هذه النار: ﴿نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً﴾ (٤)، وأخبر النبي ﷺ : أن شدة الحر] والبرد من إنفاس جهنم فلابد أن يُشهد عباده أنفاس جنته وما يذكرهم بها والله

стр. 10327

المستعان. [قاله في حادي الأرواح (١)]، وقال بعض شراح البخاري: حديث عبد الله بن عمرو يدل على أن المسلم إذا قتل ذميا لا يقتل به لأن النبي ﷺ إنما ذكر هذا الوعيد للمسلم وعظم الإثم فيه في الآخرة ولم يذكر بينهما قصاصًا في الدنيا، فقوله ﷺ -لم يرح رائحة الجنة معناه على الوعيد [لا على] التحتم والإلزام وإنما هذا لمن أراد الله تعالى إنفاذ الوعيد عليه: قال: فإن قيل قد جاء في حديث: من ادعى إلى غير أبيه [لم يرح رائحة الجنة و] إن ريحها ليوجد من مسيرة [سبعين عامًا، وفي حديث الموطأ في النساء الكاسيات العاريات: وإن ريحها ليوجد من مسيرة] (٢) خمسمائة عام، فما الحكمة في اختلاف المدد في وجود ريح الجنة؟ فالجواب: يحتمل والله أعلم أن تكون الأربعون هي أقصى أشد العمر في قول أكثر أهل العلم فإذا بلغ ابن آدم زاد [عمله] ويقينه واستحكمت بصيرته في الخشوع لله تعالى والتذلل [له] والندم على ما سلف فكأنه وجد ريح الجنة التي تبعثه على الطاعة وتمكن من قلبه الأفعال الموصلة إلى الجنة فهذا وجد ريحها من مسيرة أربعين وأما السبعون عاما فإنها آخر [المعترك] وهي أعلى منزلة من الأربعين في الاستبصار ويعرض للمرء عندها من الخشية والندم لاقتراب أجله ما لم يعرض له قبل ذلك وتزداد طاعته بتوفيق الله فيجد ريح الجنة من مسيرة سبعين عامًا وأما وجه الخمسمائة عام فهي فترة ما بين نبي [ونبي] فيكون من

стр. 10328

[جاء] في آخر الفترة واهتدى باتباع [النبي] الذي كان قبل الفترة ولم يضره طولها فوجد ريح الجنة على خمسمائة عام (١). ["لعل هذا هو محل قوله حوله، وقال بعض العلماء إلى قوله والله أعلم بمراد رسول الله ﷺ . وقوله: "فوجد ريح الجنة على خمسمائة عام" هذا يقتضي أن أهل الفترة أقوى إدراكا لريح الجنة من آخر هذه الأمة حتى الصحابة فمن عداهم وهذا ومن الصحابة لما حضر أحد قال لصاحبه إذا ذاك إني لأجد ريح الجنة دون أحد، ثم تقدم فقاتل حتى قتل يرحمه الله، خصوا بذلك وإن لم يعيشوا الأربعين والسبعين فضلا عمن أدكرها ويقتضي أيضا قصر ذلك على من عاش هذين السنين من هذه الأمة خاصة ولو شابا نشأ في عبادة الله ولا يخفى ما في ذلك كله والله أعلم"] (٢). واعلم أن اسم الجنة شامل لجميع ما حوته من البساتين والمساكن والقصور وهي جنات [كبيرة] جدًّا كما روى البخاري في صحيحه عن أنس بن مالك أن أم الربيع وهي أم حارثة بن سراقة أنها أتت رسول الله ﷺ فذكر الحديث إلى أن قال: يا أم حارثة إنها جنان في الجنة وإن ابنك أصاب الفردوس الأعلى منها (٣)، اهـ. وللجنة عدة أسماء الأول الجنة وهو الاسم العام المتناول لتلك الدار وما اشتملت عليه من أنواع النعيم واللذة والبهجة والسرور وقرة الأعين

стр. 10329

واشتقاق هذه اللفظة وهي الجنة التي هي دار النعيم في الدار الآخرة من الاجتثان وهو السّتر والتغطية لتكاثف أشجارها وتظليله بالتفاف أغصانها ومنه سمي البستان جنة لأنه يستر داخله بالأشجار ويغطيه فلا يستحق هذا الاسم إلا موضع كثير الشجر مختلف الأنواع ومنه الجنين لاستتاره في بطن أمه، والجان [لاستتارهم] عن العيون واختفائهم عن الأبصار والمجن لستره ووقايته الوجه والمجنون لاستتار عقله وتواريه عنه والجنّان وهي الحية الصغيرة الدقيقة كما ورد به الحديث، ومنه الحديث أيضا جنّ عليه الليل أي ستره. والجُنة بضم الجيم ما يستر به الرأس من ترس أو غيره. ومنه قوله تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً﴾ (١)، ومنه الجنة بالكسر وهم [الجن] كما قال تعالى: ﴿مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ﴾ (٢)، وذهبت طائفة من المفسرين إلى أن الملائكة يسمون جنة واحتجوا بقوله تعالى: ﴿وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا﴾ (٣)، قالوا: وهذا أنسب بقولهم: الملائكة بنات الله (٤). الاسم الثاني: دار السلام: والسلام في الأصل السلامة. [وقد سماها الله تعالى بهذا الاسم في قوله تعالى: ﴿لَهُمْ دَارُ السَّلَامِ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ (٥)، وقوله

стр. 10330

تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ﴾ (١)]. قال قتادة: السلام هو الله ، وداره الجنة وهي أحق بهذا الاسم فإنها دار السلامة من كل بليّة وآفة ومكروه، وهي دار الله واسمه سبحانه السلام الذي سلمها وسلم أهلها وتحيتهم فيها سلام، والرب [يسلم عليهم من فوقهم كما قال تعالى:] ﴿لَهُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ وَلَهُمْ مَا يَدَّعُونَ (٥٧) سَلَامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ﴾ (٢) [و] قيل المراد بالسلام التحية، [سميت الجنة دار السلام] (٣) لأن أهلها يُحيي بعضهم بعضا بالسلام والملائكة [تسلم] عليهم. قال الله تعالى: ﴿وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ (٢٣) سَلَامٌ عَلَيْكُمْ﴾ (٤) [قاله البغوي]. الاسم الثالث: دار الخلد، وسميت بذلك لأن أهلها لا يظعنون عنها أبدا، كما قال تعالى: ﴿عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ (٥)، وقال تعالى: ﴿أُكُلُهَا دَائِمٌ وَظِلُّهَا﴾ (٦)، الاسم الرابع: دار المقامة. قال الله تعالى حكاية عن أهلها: ﴿وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ﴾ إلى قوله: ﴿الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِنْ فَضْلِهِ﴾ (٧).

стр. 10331

قال مقاتل: أنزلنا دار الخلود، وأقاموا فيها أبدا لا يموتون ولا يتحولون منها أبدًا. وقال الفراء والزجاج: المقامة محل الإقامة. يقال: أقمت بالمكان إقامة ومقاما. الاسم الخامس: جنة المأوى، وقال الله تعالى: ﴿عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى (١٥)﴾ (١)، قال عطاء وابن عباس: هي الجنة التي يأوي إليها جبريل والملائكة، وقال مقاتل والكلبي: هي جنة تأوي إليها أرواح الشهداء. وقال كعب جنة المأوى فيها طير خضر ترتعي فيها أرواح الشهدء. وقالت عائشة ﵂ وزر بن حبيش: هي جنة من الجنات، والصحيح أنه اسم من أسماء الجنة كما قال تعالى ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى (٤٠)﴾ [﴿فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى (٤١)﴾] (٢) الآية-، وقال في النار ﴿فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى﴾ (٣) وقال ﴿وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ﴾ (٤) الآية. الاسم السادس جنات عدن فقيل هي اسم لجنة من جملة [الجنات] والصحيح أنه اسم لجملة الجنات [فكلها] جنات عدن التي وعد الرحمن عباده بالغيب. وقال تعالى: ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا﴾ (٥)، وقال تعالى: ﴿وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ﴾ (٦) وهو مشتق من العدون والاشتقاق يدل على أن

стр. 10332

جميعها جنات عدن فإنه من الإقامة والدوام يقال عَدَن بالمكان إذا أقام به ومنه سمي [العَدِن] بكسر الدال لأن الناس يقيمون فيه الصيف والشتاء (١). الاسم السابع دار الحيوان، قال الله تعالى: ﴿وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ﴾ (٢) أي دار الحياة التي لا موت فيها، والمراد الجنة عند أهل التفسير. قالوا: وإن الآخرة يعني الجنة لهي الحيوان لهي الحياة التي لا موت فيها. [فقال الكلبي: هي جنات لا موت فيها]، وقال الزجاج هي دار الحياة الدائمة، وقال أهل اللغة بغير ذلك. الاسم الثامن: الفردوس قال الله تعالى: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ (١٠)﴾ إلى قوله ﴿الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ (٣)، وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا (١٠٧)﴾ (٤) والفردوس اسم يقع على جميع الجنة ويقال على أفضلها وأعلاها كأنه أحق بهذا الاسم من غيره من الجنات وأصل الفردوس في اللغة البستان والفراديس البساتين. قال كعب ﵁: هو البستان الذي فيه الأعناب، وقال الليث الفردوس جنة ذات كروم يقال كرم مفردس أي معرش. وقال الضحاك هي الجنة الملتفة بالأشجار وهو اختيار المبرد وقال الفردوس فيما سمعت من كلام العرب الشجر الملتف والأغلب عليه العنب

стр. 10333

وجمعه الفراديس. قال: وبهذا سمى باب الفراديس بالشام. وقال مجاهد هو البستان بالرومية واختاره الزجاج (١). الاسم التاسع جنات النعيم، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتُ النَّعِيمِ (٨)﴾ (٢) وهذا أيضا اسم جامع لجميع الجنات لما تضمنته من [الأنعام] التي يتنعم بها من المأكول والمشروب والملبوس والصور والرائحة الطيبة والمنظر البهيج والمساكن الواسعة وغير ذلك من النعيم الظاهر والباطن (٣). الاسم العاشر المقام الأمين، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقَامٍ أَمِينٍ (٥١)﴾ (٤) فالمقام موضع الإقامة والأمين الأمين من كل سوء وآفة ومكروه وهو الذي قد جمع صفات الأمن كلها فهو آمن من الزوال والخراب وأنواع النقص وأهله آمنون فيه من الخروج والنغص والنكد والبلد الأمين الذي قد أمن من أهله فيه مما يخاف منه سواهم وتأمل كيف ذكر سبحانه الأمن في قوله تعالى ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقَامٍ أَمِينٍ (٥١)﴾ و وفي قوله ﴿يَدْعُونَ فِيهَا بِكُلِّ فَاكِهَةٍ آمِنِينَ (٥٥)﴾ (٥) فجمع لهم بين أمن المكان وأمن الطعام فلا يخافون

стр. 10334

انقطاع الفاكهة ولا سوء عاقبتها ومضرتها وأمن الخروج منها فلا يخافون ذلك وأمن من الموت فلا يخافون فيها موتًا. الاسم الحادي عشر والثاني عشر مقعد الصدق وقدم الصدق قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ (٥٤) فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ﴾ (١) فسمى الجنة مقعد صدق لحصول كل ما يراد من المقعد الحسن فيها كما يقال مودة صادقة إذا كانت ثابتة تامة وفسر قدم الصدق بالجنة وفسر بالأعمال التي تنالى بها الجنة وله تفاسير كثيرة يطول ذكرها (٢) والله أعلم. تنبيه: قوله ﴿فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ﴾ أي في مكان مرضي حسن والعرب إذا [بالغت] في مدح شيء أضافته إلى الصدق، كقوله تعالى ﴿لِسَانَ صِدْقٍ﴾ (٣) و ﴿قَدَمَ صِدْقٍ﴾ (٤)، وقرئ: في مقاعد صدق، والمقعد أحسن من المجلس لأن القعود هو المكث الطويل فهو أخص من الجلوس. قال عطاء: في جوار الرحمن عند مليك مقتدر عظيم الملك والاقتدار لا شيء إلا هو تحت ملكه وقدرته لا يعجزه شيء فأي منزلة أكرم من تلك المنزلة و [أي كلمة] (٥) عند إشارة إلى الزلفى والكرامة والمعنى في مكان أكرم به أولياءه لا يقدر قدره ولا

стр. 10335

يدرك كنه حسنه [إلا الله تعالى] أنالنا الله [واياكم] إياه بفضل منه ورحمة إنه قريب مجيب، اهـ[قاله في حادي الأرواح (١)]. فائدة: اختلف الناس في الجنة التي أسكنها الله آدم وأهبط منها هل هي جنة الخلد التي يدخلها المؤمنون يوم القيامة أم جنة أخرى في موضع عال من الأرض؟ قال منذر بن سعيد في تفسيره: وأما قوله تعالى لآدم: ﴿اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ﴾ (٢) فقالت طائفة أسكن الله آدم جنة الخلد التي يدخلها المؤمنون يوم القيامة. وقال آخرون: هي جنة غيرها جعلها الله له [وأسكنه] إياها ليست جنة الخلد. وقال أبو الحسن الماوردي في تفسيره (٣): واختلف في الجنة التي أسكناها على قولين: أحدهما: أنها جنة الخلد، الثاني: أنها جنة أعدها الله لهما وجعلها دار ابتلاء وليست جنة الخلد التي جعلها الله دار جزاء، ومن قال بهذا اختلفوا على قولين: أحدهما أنها في السماء لأنه أهبطهما منها، وهذا قول الحسن. الثاني أنها في الأرض لأنه امتحنهما فيها بالنهي عن الشجرة التي نهيا عنها دون غيرها من الثمار وهذا قول ابن بحر وكان ذلك بعد أن أمر إبليس بالسجود لآدم والله أعلم بصواب ذلك، هذا كلامه. وقال ابن الخطيب في تفسيره المشهور واختلفوا في الجنة المذكورة في هذه الآية هل كانت في الأرض أو في السماء وبتقدير أنها كان في السماء فهل هي الجنة

стр. 10336

التي هي دار الثواب وجنة الخلد أو جنة أخرى. فقال أبو القاسم البلخي وأبو مسلم الأصبهاني هذه الجنة في الأرض وحملا الإهباط على الانتقال من بقعة إلى بقعة كما في قوله تعالى: ﴿اهْبِطُوا مِصْرًا﴾ (١) واحتجا عليه بوجوه. القول [الأول]: وهو قول الحماني أن تلك الجنة كافت في السماء السابعة. القول الثالث: وهو قول جمهور أصحابنا أن هذه الجنة هي دار الثواب. قال أبو القاسم الراغب في تفسيره: واختلف في الجنة التي أسكنها آدم فقال بعض المتكلمين كان بستانا جعله الله امتحانا ولم يكن جنة المأوى، وممن ذكر هذا الاختلاف أيضا أبو عيسى الرماني في تفسيره وإخباره أنها جنة الخلد. ثم قال: والمذهب الذي اخترناه قول الحسن وعمرو وواصل وأكثر أصحابنا، وهو قول أبي علي وشيخنا أبي بكر وعليه أهل التفسير واختيار ابن الخطيب التوقف وترك القطع. قال منذر بن سعيد: والقول بأنها جنة في الأرض ليست جنة الخلد هو قول أبي حنيفة وأصحابه (٢) [انتهى]. ولنذكر حجة الفريقين فحجة من اختار أنها جنة التي يدخلها الناس يوم القيامة قالوا: قولنا هذا هذا هو الذي فطر الله عليه الناس صغيرهم وكبيرهم لا يخطر بقلوبهم سواه وأكثرهم لا يعلم في ذلك نزاعا. قالوا: وقد روى مسلم في صحيحه (٣) عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : يجمع

стр. 10337

الله تعالى الناس فيقوم المؤمنون حتى تزلف لهم الجنة فيأتون آدم فيقولون يا آدم استفتح لنا الجنة فيقول: وهل أخرجكم من الجنة إلا خطيئة أبيكم، وذكر الحديث. قالوا: وهذا يدل على أن الجنة التي خرج منها هي بعينها التي يطلب منه أن يستفتحها وكذلك قول آدم للمؤمنين وهل أخرجكم من الجنة إلا خطئية أبيكم، وخطيئته لم تخرجهم من جنان الدنيا. قالوا: وقد قال الله تعالى في سورة البقرة: ﴿وَقُلْنَا يَاآدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ﴾ إلى قوله: ﴿وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ﴾ (١)، فهذا يدل على أن هبوطهم كان من الجنة إلى الأرض من وجهين: أحدهما من لفظة: ﴿اهْبِطُوا﴾ فإنه نزول من علو إلى أسفل، والتاني من قوله: ﴿وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ﴾ و عقيب قوله: ﴿اهْبِطُوا﴾ فدل على أنهم لم يكونوا قبل ذلك في الأرض ثم أكد هذا بقوله في سورة الأعراف: ﴿قَالَ فِيهَا تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ﴾ (٢). ولو كانت الجنة في الأرض لكانت حياتهم فيها قبل الإخراج وبعده والدلائل على هذا كثيرة قالوا وأيضا فهذه القصة في سورة الأعراف ظاهرة جدا في الجنة التي أخرج منها فوق السماء فإنه سبحانه قال: ﴿وَإِذْ قُلْنَا

стр. 10338

لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا﴾ [﴿إِلَّا إِبْلِيسَ﴾] (١) الآية، فهذا إهباط آدم وحواء وإبليس من الجنة ولهذا أتى فيه بضمير الجمع. قالوا: وأيضًا فالجنة جنات معرفة بلام التعريف في جميع المواضع، لقوله له: ﴿اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّة﴾ (٢) ونظائره ولا جنة يعهدها المخاطبون ويعرفونها إلا جنة الخلد التي وعد الرحمن عباده بالغيب فقد صار هذا الاسم علما عليها بالغلبة كالمدينة والنجم والبيت والكتاب ونظائرها فحيث ورد لفظها معرفا انصرف إلى الجنة المعهودة المعلومة في قلوب المؤمنين وأما إن أريد به جنة غيرها فإنها تجيء منكرة أو مقيدة بالإضافة أو مقيدة من السياق بما يدل على أنها جنة في الأرض فالأول كقوله: ﴿جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ﴾ (٣) والثاني كقوله: ﴿وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ﴾ (٤) والثالث كقوله: ﴿إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ﴾ (٥) (٦)، اهـ. وأما حجة الطائفة الأخرى التي قالت ليست جنة الخلد وإنما هي جنة في الأرض، قالوا: قد أخبر الله على لسان جميع رسله أن جنة الخلد إنما يكون الدخول إليها يوم القيامة ولم يأت زمن دخولها بعد وقد

стр. 10339

وصفها الله لنا في كتابه بصفاتها ومحالى أن يصف الله سبحانه شيئا بصفة ثم يكون ذلك الشيء بغير تلك الصفة التي وصفه بها. قالوا: فوجدنا لله تعالى وصف الجنة التي أعدت للمتقين بأنها دار المقامة فمن دخلها أقام بها ولم يقم آدم بالجنة التي دخلها ووصفها بأنها جنة الخلد وآدم لم يخلد فيها ووصفها بأنها دار سلامة مطلقة لا دار ابتلاء وامتحان وقد ابتلي فيها آدم بأعظم الابتلاء ووصفها بأنها ليست دار خوف ولا حزن وقد حصل للأبوين فيها من الخوف والحزن ما حصل فسماها دار السلام ولم يسلم فيها الأبوان من الفتنة، ودار القرار ولم يستقرا فيها، وقال في داخليها: ﴿وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ﴾ (١) وقد أخرج منها الأبوان. قال منذر: وقد روي عن النبي ﷺ أن آدم نام في جنته وجنة الخلد لا نوم فيها بالنص وإجماع المسلمين فإن النبي ﷺ سئل أينام أهل الجنة في الجنة؟ فقال: لا النوم أخو الموت والنوم وفاة، وقد نطق به القرآن والوفاة تقلب. قال: ودار [السلام] مسلمة من تقلب الأحوال والنائم ميت أو كالميت، قلت: الحديث الذي أشار إليه المعروف أنه موقوف من رواية ابن أبي نجيح عن مجاهد والدلائل على احتجاج هذا الفريق كثيرة اختصرنا ذلك، وعلى احتجاج الفريق الأول وما استدلوا به من الآيات والأحاديث اعتراضات كثيرة ذكرها المصنف صاحب حادي الأرواح (٢) لم

стр. 10340

نذكرها والله أعلم. تنبيه: وأما نوم آدم في الجنة فهذا إن ثبت النقل فنوم آدم إنما ينفي النوم عن أهلها يوم دخول الخلود حيث لا يموتون وأما قبل ذلك فلا، قاله أيضا صاحب حادي الأرواح (١). تنبيه أيضًا: في الجنة والنار وأين هما: قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى (١٣) عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى (١٤) عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى (١٥)﴾ (٢) وقد ثبت أن سدرة المنتهى فوق السماء وسميت بذلك لأنه ينتهي إليها ما ينزل من عند الله فيقبض منها وما يصعد إليه فيقبض منها. وروى معمر بن راشد عن محمد بن أبي يعقوب مرفوعًا ثم ساقه إلى أن قال: عن ابن عباس أنه قال الجنة في السماء السابعة ويجعلها حيث شاء يوم القيامة. وقال الحافظ بن مندة حدثنا محمد بن إسحاق إلى أن قال عن أبي الزعراء عن عبد الله قال: الجنة في السماء الرابعة، فإذا كان يوم القيامة جعلها الله حيث شاء والنار في الأرض السفلي فإذا كان يوم القيامة جعلها الله حيث شاء، وقال مجاهد: قلت لابن عباس أين الجنة؟ قال: فوق سبع سماوات. قلت: فأين النار؟ قال: تحت سبعة أبحر مطبقة. رواه ابن مندة (٣).

стр. 10341

٥٦٢٠ - وَعَن جَابر ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ ريح الْجنَّة يُوجد من مسيرَة ألف عَام وَالله لا يجدهَا عَاق وَلا قَاطع رحم رَوَاهُ الطَّبَرَانيِّ من رِوَايَة جَابر الْجعْفِيّ (١) وَتقدم غير مَا حَدِيث فِيهِ ذكر رَائِحَة الْجنَّة فِي أَمَاكِن مُتَفَرِّقَة من هَذَا الْكتاب لم نعدها.
следующие страницы →