← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 660

فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب

حسن بن علي الفيومي

Полный текст (10 535 стр.). Показаны 117–156 · переход к 122.

стр. 117

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ اللهم يسر وأعن .. يقول مؤلفه: حسن بن علي الفيومي، المقيم بالجامع الزاهدي بالمقسم - عفا الله عنه -: الحمد لله رب العالمين، أكمل الحمد على كلّ حال، والصلاة والسلام الأتمان الأكملان على سيد المرسلين كلما ذكره الذاكرون وكلما غفل عن ذكره الغافلون، اللهم صل وسلم عليه وعلى آله وسائر النبيين وكل وسائر الصالحين نهاية ما ينبغي أن يسأله السائلون. أما بعد]،، فإن "كتاب الترغيب والترهيب" إملاء الشيخ العلم العالم رحلة الحُفَّاظ والمحدّثين إمام وقته وفريد عصره الحافظ أبي محمد زكي الدين عبد العظيم بن عبد القوي بن عبد الله بن سلامة المنذري الشافعي من الكتب المباركات النافعات مما ينبغي الاعتناء به لا يستغني طالب العلم عنه، وقد اشتهر بين الناس غاية الإشتهار وألفوا قراءته وسماعه في جميع البلدان والأمصار ولاسيما في الأشهر الثلاثة أشهر العبادة والغفران وهي رجب وشعبان ورمضان، وقد حصل بقراءته وسماعه [النفع] التام لكونه محذوف الأسانيد، [واضح] يفهمه الخاص والعام لكن فيه ألفاظ غريبة تحتاج إلى الكشف عنها من كتب اللغة و [غريب] الحديث والشروح، وكل من سألت فيه عن شيء مما يتعلق بهذا العلم العظيم الشأن لم يجبني جوابًا شافيًا يحصل به الحجة الواضحة والبرهان، ولم أر [تعرض] لشرحه من علماء

стр. 118

هذا الزمان، فألهمتني المقادير الربانية المطالعة في شرح الأحاديث النبوية وفي مناقب الصحابة والتابعين والسادة المرضية، فله الحمد على ما أنعم والشكر على ما أولانا من النعم فجمعت عليه فوائد جمة لا يقدر على تحصيلها إلا من عنده [عزيمة] وذكاء وهمة، وليس قصدي بذلك التبجح والإشاعة وإنما قصدت بذلك النفع والثواب، وإلى اللّه أمد أكف الضراعة ولم يكن لي يد في هذه الصناعة لاشتغالي عن العلم بالسعي على العيال خوف الإضاعة ولكني أرجو من اللّه التوفيق والاستطاعة. فطالعت عليه كتاب شرح مسلم (١)، وتهذيب الأسماء واللغات (٢) والأذكار (٣) والرياض (٤) وبستان العارفين في التصوف (٥)، كلها للشيخ الإمام قطب زمانه يحيى النووي (٦)، وكتاب شرح مشارق الأنوار للشيخ [﵀] وكتاب التناقيح على المصابيح لقاضي القضاة صدر الدين المناوي (٧)

стр. 119

وكتاب [تهذيب النفوس] للشيخ الإمام شمس الدين السعودي الحنفي (١) وكتاب سلاخ المؤمن للشيخ تقي الدين [ابن الإمام] (٢) وكتاب حادي الأرواح وكتاب الروح و [كلاهما] لابن قيم الجوزية (٣) وكتاب الجهاد (٤) وهو [قبل] أذكار النووي في الجهاد خاصة وكتاب تنبيه الغافلين في الأمر بالمعروف (٥) [وكلاهما] لابن [النحاس] المقتول شهيدًا المدفون بثغر دمياط - قدس اللّه روحه - وكتاب حادي المحبوب إلى لقاء المحبوب لقاضي القضاة ابن الميلق (٦) وهو كتاب نافع جدًّا في الشهيد مع [شرحه]

стр. 120

وذكر نتائجه وفوائده، وكتاب التذكرة (١) وكتاب التذكار (٢) وكلاهما للإمام القرطبي، وشرح الأحكام لقاضي القضاة العراقي (٣)، وكتاب شرح أحكام عبد الحق لابن عقيل البالسي (٤)، وكتاب المتجر الرابح في العمل الصالح للحافظ شرف الدين الدمياطي تلميذ الحافظ المنذري (٥) وكتاب اللطائف في الموسم العام من الوظائف وشرح الأربعين النواوية وكلاهما

стр. 121

لابن رجب الحنبلي (١) وكتاب شرح الأربعين النواوية أيضًا للطوفي (٢) وكتاب المغيث في غريب القرآن والحديث لأبي القاسم [الأصفهاني] (٣) وكتاب شرح الأربعين الودعاني للأصفهاني (٤) وكتاب قمع النفوس (٥) وشيئًا من سير السلوك (٦) وكلاهما للشيخ تقي الدين الحسني وكتاب حدائق الأولياء وشيئًا يسيرًا من شرح عمدة الأحكام كلاهما لابن الملقن (٧) وكتاب شرح عمدة الأحكام وكتاب كشف الأسرار فيما خفى من الأفكار وتسهيل

стр. 122

المقاصد لزوار المساجد وكتاب القدوة فيما يتعلق بالإمام والمأموم وكلاهما لابن العماد (١) وكتاب النهاية في الحديث لابن الأثير (٢)، وكتاب العلم المشهور في فضل الشهور لأبي الخطاب السبتي المشهور بابن دحية الكلبي (٣)، وكتاب شرح البخاري للكرماني (٤)، وكتاب مختصر مجمع الأحباب وكتاب إعلام الساجد بأحكام المساجد لأبي عبد اللّه الزركشي الشافعي (٥)، وكتاب الديباجة في شرح ابن ماجة للكمال الدميري (٦)، وكتاب

стр. 123

المشارق للقاضي عياض (١) وكلتاب تاريخ كنز الدرر وتاريخ طالعت منه إلى آخر خلافة بني أمية (٢) وكتاب شرح الإلمام للشيخ شهاب الدين العرياني الشافعي (٣) وغير ذلك من الكتب التي لا أستحضرها الآن وكل من نقلت عنه شيئًا من هذه الكتب المذكورة عزوته إليه ولا أترك بعد ذلك إلا سهوًا أو لشهرته عند العُلماء أو لعسر الكشف عنه الآن وقد تتبعت أبواب هذا الكتاب بابًا بابًا وحديثًا حديثًا على الترتيب، وأذكر بعد كلّ حديث ما يتعلق به من ضبط وتفسير واختلاف مذاهب العُلماء في ذلك، وأذكر كلّ صحابي ونسبه ومولده ووفاته وكم روى من الأحاديث وأذكر بعضى رجال الحديث وأسماء أصحاب السنن ومولدهم ووفاتهم على سبيل الاختصار وجعلت فيه فروعا

стр. 124

تتعلق بالفقه وفوائد وحكم ولطائف وتنبيهات وأسئلة لها موقع في أماكنها لا يستغني الإنسان عنها، وإذا ذكرت شيئًا من الأحاديث والفوائد لم أعده إلا لفائدة لم تذكر فيما مضى. [سميت] هذا التعليق المبارك "فتح القريب المجيب على الترهيب والترغيب" وأنا أستمد من اللّه [المدد] على إكماله ليحصل به النفع ولطلب ثواب [اللّه] ونواله، وأسأل اللّه تعالى بكرمه أن يجعله خالصا لوجهه الكريم مخلصا من شوائب الرياء ودواعي التعظيم وأن ينفع به مؤلفه وكاتبه ومن سمعه، وأن يعمنا بفضله العظيم وهو حسبي ونعم الوكيل.

стр. 125

فصل فيما يتعلق بما [يخصه] قوله: "الحمد للّه " إنما افتتح كتابه بحمد اللّه تعالى بعد البسملة للاقتداء بكتاب اللّه تعالى إن اللّه تعالى ابتدأ كتابه العزيز بالحمد للّه، وللامتثال: لقد أمر اللّه تعالى نبيه ﷺ بذلك قال اللّه تعالى: ﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى﴾ (١)، وقال تعالى: ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ سَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ﴾ (٢)، وقال تعالى: ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا﴾ (٣) (٤). قال العُلماء: فيستحب البداءة بالحمد للّه لكل مصنف ودارس ومدرس وخطيب وخاطب وبين يدي سائر الأمور المهمة لفظًا، وفي الحديث عن النبي ﷺ : "كلّ أمر ذي بال لا يبدؤ فيه بحمد اللّه تعالى فهو أقطع" (٥) وفي رواية: "الحمد للّه فهو أجذم" وفي رواية:

стр. 126

"فهو أبتر" وفي رواية: "فهو أكتع"؛ ومعنى: "ذو بال" أي له حال يهتم به قاله النووي (١)، وقال في النهاية (٢): البال: الحال والشأن، وأمر ذو بال أي شريف يحتفل له ويهتم به. والبال في غير هذا: القلب. قوله: "أقطع" أي ناقص قليل البركة؛ و "أجذم" بالجيم والذال المعجمة بمعناه، وكذلك أبتر، والبتر القطع قاله ابن الأثير (٣). وكذلك أكتع أي ناقص أبتر، والمكتع: الذي قطعت يداه قاله ابن الأثير (٤) أيضًا. قال النووي (٥): روينا كلّ هذه الألفاظ سوى أبتر وأكتع في كتاب الأربعين للحافظ عبد القادر الرهاوي، ورويناه أيضًا من رواية كعب بن مالك الصحابي، والمشهور من رواته أي: هو من رواه أبو داود وابن ماجة والنسائي في كتاب عمل اليوم والليلة وصححه أبو عوانة وابن حبان وروي موصولًا ومرسلًا وإسناده جيد.

стр. 127

والمراد بحمد اللّه تعالى المذكور في الحديث ذكر اللّه تعالى وجاء في الحديث أيضًا بذكر اللّه، قال العُلماء ﵃: أو ما في معناه، وقد جاء في رواية: "لا يبدأ فيه ببسم اللّه الرحمن الرحيم" (١) خرجها ابن حبان من طريقين، قال ابن الصلاح: والحديث حسن (٢) فالتسمية من أبلغ الثناء (٣)، وقد جاء في كتاب النبي ﷺ أتى هرقل عظيم الروم أنه كتب إليه يدعوه إلى الإسلام فإذا فيه: بسم اللّه الرحمن الرحيم، من محمد بن عبد اللّه ورسوله إلى هرقل عظيم الروم سلام على من اتبع الهدي، وفيه أيضًا: ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا﴾ (٤) (٥). تنبيه: استحباب تصدير الكتاب ببسم اللّه الرحمن الرحيم بكمالها ولو لأهل الذمة، وأولى من كتبها في رسائله سليمان ﵊، وكان أولا يكتب باسمك اللهم حتى نزلت آية النمل فكتبها ﵊ بكمالها نقله الواحدي عن ميمون بن مهران (٦)، وأصل ذلك أن الكفار كانوا

стр. 128

يبتدؤون بأسماء آلهتهم في كتبهم تبركا وطلبا لتهوين الأمر المطلوب عليهم، فالمؤمن أولى أن يبتدأ في كتابه باسم اللّه تعالى طلبًا لذلك كذلك قاله في الديباجة، وكان رسم المتقدمين أيضًا إذا كتبوا أن يبدؤوا بأنفسهم من فلان إلى فلان وبذلك جاءت الآثار (١). قال ابن سيرين: قال النبي ﷺ : "إن أهل فارس إذا كتبوا بدؤوا بعظمائهم فلا يبدأ الرجل إلا بنفسه" (٢)، ولكن المصطلح عليه الآن في المكاتبة أن يكتب اسمه تحت سطر البسملة ليكون شبيها بالقصة ثم يكتب المرسل إليه، واستقرت الأمة على كتابة البسملة في أول كلّ كتاب من كتب العلم والرسائل، فإن كان الكتاب [مطولات] شعر فذهب إلى كتابتها في أول الشعر سعيد بن جبير وتابعه على ذلك [الترمذي]؟ قال أبو بكر الخطيب: وهو الذي نختاره ونستحبه. روى الحاكم في المستدرك من حديث طاوس عن ابن عباس أن عثمان بن عفان سأل رسول اللّه ﷺ عن بسم اللّه الرحمن الرحيم؟ فقال: "هو اسم من أسماء اللّه تعالى وما بينه وبين اسم اللّه الأعظم إلا كما بين سواد العين وبياضها من القرب" (٣) ثم قال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه.

стр. 129

وقوله في حديث هرقل عظيم الروم أنه كتب إليه أمر بذلك لأن من صفته ﵊ أنه النبي الأمي الذي لا يحسن الكتابة، قال اللّه تعالى: ﴿وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ﴾ (١)، نعم قال القرطبي (٢): إن الكتابة وقعت على سبيل المعجزة في قصة الحديبية، فإن فيها: فأخذ النبي ﷺ الكتاب وليس يحسن أن يكتب فكتب: هذا ما قاضي عليه محمد بن عبد اللّه والمسألة عزيزة، وقد وقع فيها نزاع عظيم بها بلاد المغرب وأرسلوا إلى علماء الإسلام يسألون عنها ولها قصة غريبة. قوله: عظيم الروم، دليل على أن مثل ذلك جائز مطلوب للمصلحة والتآلف لأنه أدعى للقبول وهي حكاية مصطلحهم في الألقاب على أن إضافة عظمته إلى الروم مشعرة بأنه بضدها عند المسلمين. وقوله: من محمد بن عبد الله إلى آخره فيه إشارة إلى عز العبودية وشرفها في مقابلتها بتسمية هرقل بعظيم الروم أي فالشرف والعزة في هذه النسبة لا في تلك واللّه أعلم قاله في شرح الإلمام (٣). قوله: يا أهل الكتاب، ففيه أن فضيلة أهل الكتاب وهم اليهود والنصارى أعلى درجة من مخاطبة المشركين أهل الأوثان لما سبق لكم من شرف العلم بكتابهم وخاطبهم بذلك فرجعوا إلى ما فيه شواهد نبوته ﵇، وفيه:

стр. 130

تقريع لهم لأن خالفوه وتحسير عليهم في خروجهم عنه بعد ما أعطوه. وقوله: ﴿تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ﴾ هي التوحيد كما فسرها بعد وسماها كلمة كما يطلق على القصيدة كلمة ونحو ذاك لاتحاد معناها وإن تعددت كلماتها وفي قوله: ﴿سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ﴾ أي إنا كلنا كذلك فلا ندعوكم إلى ما نخالفكم فيه بل نختار لكم ما اخترناه لأنفسنا. تنبيه: نهي عن المسافرة بالقرآن إلى بلاد العدو (١)، فإن قيل: قد كتب النبي ﷺ إلى هرقل بالقرآن وهو قوله: قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ الآية، فما وجه التوفيق بينه وبين النهي عن المسافرة به؟ الجواب: أن النبي ﷺ إنما نهى عن المسافرة بالكل إذا ذاك المكتوب لم يكن إلا مختلطا من القرآن وغيره وما كان فيه غير الآية فلم يتمحض ولم يقصد بها التلاوة واللّه أعلم. فرع في المعنى أيضًا: يجوز أن يكتب كتابا إلى الكافر فيه آية يدعوه بها إلى الإسلام لحديث هرقل المتقدم، وقال في القبس (٢): قال علماؤنا: إنما كتب لهم بالآية والآيتين على معنى الوعظ، وحرمة الآية والآيتين كحرمة الألفين. لكن علماءنا لم يجعلوا للقليل في ذلك حكم الكثير ولأجله جوَّزوا للجُنُب أن يقرأ الآيات اليسيرة على معنى التعوُّذ، انتهى. وهذا الكتاب يعني كتاب هرقل كان ذا بالٍ بل من المهمات وبدأ بالبسملة

стр. 131

دون الحمد، [ذكره] النووي في شرح مسلم (١)، وفي هذا الكتاب جمل من القواعد. وأنواع من الفوائد منها: استحباب تصدير الكتاب ببسم اللّه الرحمن الرحيم، ومنها: التبرك بذكر اللّه تعالى في أول كتابه، ومنها: شكر اللّه تعالى على ما أولاه من النعم حيث يرفعه من درجة التعلم إلى التعليم. فائدة في ذكر رسله ﷺ إلى الملوك والقبائل (٢): أما الرسل فعدتهم أحد عشر، منهم: عمرو بن أمية الضمري أرسله إلى النجاشي فأخذ الكتاب ووضعه على عينيه ونزل عن سريره فجلس على الأرض وأسلم وحسن إسلامه وصلى عليه النبي ﷺ صلاة الغائب، وروي أنه كان لا يزال يرى على قبره النور. ومنهم: دحية بن خليفة الكلبي، بعثه رسول اللّه إلى قيصر ملك الروم واسمه هرقل فسأله عن النبي ﷺ وثبت عنده صحة نبوته فهم بالإسلام فلم توافقه الروم وخاف على ملكه فأمسك. ومنهم: عبد اللّه بن حذافة السهمي بعثه رسول اللّه ﷺ إلى كسرى ملك فارس فمزق الكتاب فقال ﷺ : "مزق اللّه ملكه" فمزق اللّه ملكه وملك قومه:

стр. 132

﴿فَهَلْ تَرَى لَهُمْ مِنْ بَاقِيَةٍ﴾ (١). ومنهم: عمرو بن العاصي بعثه رسول اللّه ﷺ إلى ملكي عمان وهما من الأسد فأسلما وصدقا وخليا بين عمرو وبين الصدقة والحكم فيما بينهم، فلم يزل عندهم حتى توفي النبي ﷺ . ومنهم: أبو موسى الأشعري بعثه إلى اليمن ومعاذ بن جبل رفيقه فكانا جميعا في جملة اليمن داعيين إلى الإسلام فأسلم عامة أهل اليمن ملوكهم وعامتهم طوعا من غير قتال انتهى قاله في كنز الدرر (٢). فائدة آخرى في ذكر كُتَّابه ﷺ وهم ثلاثة عشر: أبو بكر الصديق، وعمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان، وعلي بن أبي طالب، وعامر بن فهيرة، وعبد اللّه بن الأرقم، وأبيُّ بن كعب، وثابت بن قيس، وخالد بن سعيد، وحنظلة بن الربيع الأسدي، وزيد بن ثابت، ومعاوية بن أبي سفيان، وشرحبيل بن حسنة، وكان معاوية وزيد بن ثابت ألزمهم وأخصهم به، انتهى قاله في تاريخ كنز الدرر (٣). تنبيه: هرقل: بكسر الهاء وفتح وإسكان الراء وكسر القاف حكاه الجوهري في صحاحه (٤) وهو اسم علم له غير منصرف للعلمية والعجمة وهو صاحب حروب الشام ملك إحدى وثلاثين سنة وفي ملكه مات النبي

стр. 133

- ﷺ ولقبه قيصر (١) أرسل إلى أبي سفيان يطلبه إلى مجلسه ليفحص عن حال النبي ﷺ فقال أبو سفيان: إنه يأمرنا بالصلاة ونحوها وهو مذكور في حديث في أول صحيح البخاري. فائدة: كلّ من ملك الروم يقال له قيصر قال المطرز وابن خالويه وآخرون من الأئمة كلّ من ملك المسلمين يقال له أمير المؤمنين، ومن ملك الحبشة يقال له النجاشي، ومن ملك الروم يقال له قيصر، ومن ملك الفرس يقال له كسري، ومن ملك الترك يقال له خاقان، ومن ملك القبط يقال له فرعون ومن ملك مصر يقال له العزيز ومن ملك اليمن يقال له تبع ومن ملك حمير يقال له القَيْلُ بفتح القاف، وقيل: القيل أول درجة من الملك (٢)، انتهى. سؤال: لم كانت بسم اللّه الرحمن الرحيم تسعة عشر حرفا؟ فالجواب: إنما كانت تسعة عشر حرفًا. قيل: لأن اللّه تعالى خلق رؤساء الزبانية على جهنم تسعة عشر ملكًا كما قال اللّه تعالى: ﴿عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ﴾ (٣) وأتباعهم لا يحصيهم إلا اللّه تعالى فمن قرأ بسم اللّه الرحمن الرحيم كفاه اللّه بكل حرف منها واحدًا من الزبانية التسعة عشر ولم يسلطهم عليه ببركة ذكر اسمه تعالى انتهى قاله في كشف

стр. 134

الأسرار (١)، ذكره النووي في شرح مسلم عن رويفع عن الأعمش عن أبي وائل عن عبد اللّه بن مسعود قال: من أراد أن ينجيه اللّه تعالى من الزبانية التسعة عشر فليقرأ بسم اللّه الرحمن الرحيم ليجعل اللّه تعالى له بكل حرف منها وقاية من كلّ واحد (٢)، قال اللّه تعالى: ﴿عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ﴾ وهم يقولون في أفعالهم ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾. تنبيه: الرحمن صفة مبالغة من الرحمة بنيت على فعلان لأن رحمته وسعت كلّ شيء، والرحيم يقال لمن كثر منه ذلك، وقال الفارسي: إنما جيء بالرحيم بعد استغراق الرحمن بمعنى الرحمة لتخصيص المؤمنين به في قوله: ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ (٣) كما قال تعالى: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (٢)﴾ (٤) فخص بعد أن عم لما في الإنسان من أنواع الحكمة انتهي، قاله الكمال الدميري (٥). تنبيه أيضًا: يتعلق ببسم اللّه الرحمن الرحيم: قال النووي في شرح مسلم (٦): قال الكتاب من أهل العربية إذا قيل باسم اللّه تعين كتبه بالألف وإنما تحذف الألف إذا كتب بسم اللّه الرحمن الرحيم بكمالها وقال غيره

стр. 135

لكثرة تكررها كذا علله أهل الأدب والكلام الآن على الحمد من وجوه، أحدها: في حد الحمد، والحمد هو الثناء الكامل على المحمود بذكر صفته الجميلة وأفعاله الحميدة سواء كان في مقابلة نعمة أم لا. وقال الإمام فخر الدين في تفسيره (١): هو عبارة عن كلّ فعل يشعر بتعظيم المنعم لكونه منعما، والفعل إما بالقلب وهو اعتقاد كونه موصوفا بصفات الجلال، وإما باللسان وهو أن يذكر ألفاظًا دالة على اتصافه بصفات الكمال، وإما بالجوارح وهو أن يأتي بأفعال دالة على ذلك انتهي، الثاني: اختلف العُلماء هل الحمد المقيد أفضل أم المطلق؟ فذهب جمع من الخراسانيين إلى تفضيل الأول كقوله: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ﴾ (٢)، وقالوا: من حلف ليحمدن اللّه بأجل المحامد فطريقه أن يقول: الحمد للّه حمدًا يوافي نعمه ويكافئ مزيده، وذهبت طائفة من متكلمي المغاربة إلى ترجيح المطلق لتشعب جميع المحامد به، الوجه الثالث: التحميد أكمل من التسبيح كما قال الإمام فخر الدين، وأجاب عن تقديم التسبيح على التحميد في قوله ﵊ سبحان اللّه والحمد للّه بأن الحمد يدلّ على التسبيح لأن معنى التسبيح التنزيه من النقائص والتحميد فيه مع ذلك أنه محسن إلى خلقه فهو أكمل، الوجه الرابع: نبه الإمام فخر الدين. في تفسيره على أن من قال: الحمد للّه فتحت له أبواب الجنة الثمانية لأن الحمد

стр. 136

للّه ثمانية أحرف وأبواب الجنة ثمانية لذلك الخامس في أحكام الحمد للّه وهو ينقسم أربعة أقسام واجب ومندوب ومكروه وحرام، أما الأول: فهو واجب في الجملة [تعلقا أي يتعلق بأسمع]، وعند المعتزلة عقلا، ومن أمثلة هذا القسم الابتداء به في الخطبة فإنه ركن فيها، وأما الثاني: وهو المندوب فمن أمثلته الخُطبة عند الخِطبة وعند العقد وعند ابتداء الدعاء وبعد الأكل والشرب والعطاس والخروج من الخلاء وعند النوم واليقظة ونحو ذلك، وأما الثالث وهو المكروه فمن أمثلته الأماكن المستقذرة تنزيها لها كالمزبلة والمجزرة والأحوال المستكرهة كفرط الشبع والنوم ومدافعة الأخبثين، وقد نص القرافي (١) ﵀ على كراهة الدعاء في ذلك كلّه، وما أحسن ما حكي عن سري السقطي أنه بقي يستغفر اللّه تعالى ثلاثين سنة في قوله الحمد للّه لوقوع حريق ببغداد أتى على دورها ودكاكينها فبلغه أن دكانه سلم فحمد اللّه تعالى على ذلك ثم راجع نفسه وقال: كان الواجب أن يحزنني ما أصاب إخواني المؤمنين؟ وأما الرابع: فهو حرام على الفرج بوقوع معصية وأوجب بعض العُلماء في الأمور الدنيوية ليكون لها عاقبة محمودة واستحبه في الدينية لأنها طاعة. قوله: اللّه: هو اسم للمعبود بحق الجامع لصفات الإلهية (٢) وهو الباري وهو أعظم الأسماء وأجمعها وأكثرها استعمالا ولذلك لم

стр. 137

يثن ولم يجمع وذكر في القرآن في ألفين وثلاثمائة وستينا موطنا وأشهر الأقوال أنه مشتق (١) قال العُلماء: واللام فيه لام الإضافة ولها معان الملك والاختصاص وغير ذلك (٢) فجاءت هنا إشارة إلى استحقاقه تعالى لذلك وإخلاص العبودية له دون من سواه انتهى قاله في شرح الإلمام. وقرن الحمد للّه دون أسمائه لأنه اسم الذات بخلاف الرحمن وغيره فيستحق جميع صفاته الحسنى، قال البندنيجي: وأكثر أهل العلم على أن هذا الاسم هو الاسم الأعظم ومن خواص هذا الاسم أنك متى حذفت من خطه حرف بقي دالا عليه ﵎ فإن حذفت الألف بقي للّه، وإن حذفت اللام الأولى وأبقيت الألف بقي إله، وإن حذفتهما معا بقي: ﴿لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ] (٣) وإن حذفت الثلاثة بقي هو الحي القيوم لا إله إلا هو. قوله: المبدئ المعيد، من أسمائه تعالى لأنه هو الذي أنشأ الأشياء واخترعها ابتداء من غير سابق مثال قاله في النهاية (٤)، وقال القشيري في شرح الأسماء الحسنى (٥): المبدئ معناه الموجد لكن الإيجاد إذا لم يكن مسبوقًا بمثله سمي إبداء وإذا كان مسبوقا بمثله سمي إعادة واللّه تعالى بدأ خلق

стр. 138

الناس ثم هو الذي يعيدهم أي يحشرهم والأشياء كلها منه بدأت وإليه تعود وبه بدأت وبه تعود. تنبيه: المبدئ من العبيد هو الذي أطلعه اللّه على إبدائه فهو يشهد ابتداء الخلق فيبدئ بإذنه ما يبدئ من الخيرات قاله القشيري (١). قوله: المعيد، المعيد: هو الذي يعيد الخلق ويبعثهم يوم القيامة قاله القشيري (٢)، وقال في النهاية (٣): المعيد هو الذي يعيد الخلق بعد الحياة إلى الممات في الدنيا وبعد الممات إلى الحياة يوم القيامة، ومنه الحديث: "إن اللّه يحب الرجل القوي المبدئ المعيد على الفرس المبدئ المعيد" أي: الذي أبدأ في غزوه وأعاد فغزى مرة بعد مرة أو جرب الأمور طورًا بعد طور والفرس المبدئ المعيد هو الذي غزى عليه صاحبه مرة بعد آخرى. وقيل: هو الذي قد ريض وأدب فهو طوع راكبه ومنه الحديث "واصلح لي آخرتي التي فيها معادي" (٤) أي: ما نعود إليه يوم القيامة، انتهى. تنبيه: المعيد من العبيد هو الذي أطلعه اللّه تعالى على إعادته الخلق، والأمور كلها إليه فيعيد بإذنه ما يجب إعادته عليه ويشهد عاقبته ومعاده في عافية وسعادة على أحسن ما يكون (٥).

стр. 139

قوله: الغني، قال في النهاية (١): الغني: هو الذي لا يحتاج إلى أحد في شيء، وكل أحد يحتاج إليه، وهذا هو الغني المطلق، ولا يشارك اللّه تعالى فيه غيره، ومن أسمائه "المغني" وهو الذي يغني من يشاء من عباده. انتهى. تنبيه: الغني من العبيد: هو الذي أغناه اللّه عن جميع الخلائق وأعطاه كلما احتاج إليه من غير مسألة منه إلا بلسان الاستعداد لتحققه بفقره الذاتي وافتقاره إليه بجوامع هممه (٢)، انتهى قاله القشيري. قوله: الحميد، أي المحمود على كلّ حال فعيل بمعنى مفعول قاله في النهاية (٣)، وقال القشيري: الحميد هو المحمود المثنى عليه واللّه تعالى هو الحميد بحمده لنفسه أزلًا وبحمد عباده له أبدًا ويرجع بهذا إلى صفات الجلال والعلو والكمال فالحميد المطلق هو اللّه تعالى (٤). تنبيه: الحميد من العبيد من حمدت عقائده وأخلاقه وأعماله من غير مثنوية وذلك محمد ﷺ ومن يقرب منه من الأنبياء ومن عداهم من الأولياء والعلماء وكل واحد منهم حميد بقدر ما يحمد به من عقائده وأخلاقه وأعماله وأقواله [وإذا كان لا يخلوا واحد عن مذمة ونقص وإن كثرت محامده]، فالحميد المطلق هو اللّه تعالى (٥) انتهى كلام القشيري.

стр. 140

قوله: ومن أرشده إلى سبل النجاة ووفقه الرشد والإرشاد، والرشاد: نقيض الغي، والسبل: الطرق، والنجاة ضد الهلكة. قوله: ووفقه، التوفيق خلق قدرة الطاعة وتسهيل سبل الخير، وعكسه الخذلان وهو خلق قدرة المعصية فالموفق في شيء لا يعصي اللّه فيه، وفي الحديث "لا يتوفق عبد حتى يوفقه اللّه تعالى" (١)، ولما كان التوفيق عزيزًا لم يذكر في القرآن إلا في قوله تعالى: ﴿وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ﴾ (٢)، و ﴿إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا﴾ (٣) و ﴿إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا﴾ (٤) وفي أوائل الإحياء: أن النبي ﷺ قال: "قليل من التوفيق خير من كثير من العلم" (٥) وذكره صاحب الفردوس: من حديث أبي الدرداء وقال: "العقل بدل العلم" (٦). لطيفة: اللطف أيضًا من اللّه التوفيق والعصمة، ومن أسمائه تعالى اللطيف وهو الرفيق بعباده، قال السهيلي: لما جاء البشير إلى يعقوب وهو يهوذا

стр. 141

أعطاه يعقوب في البشارة كلمات كان يرويها عن أبيه عن جدّه عليهما الصلاة والسلام وهي: يا لطيفًا فوق كلّ لطيف ألطف بي في أموري كلها كما أحب ورضني في دنياي وآخرتي؛ ولما خرج يوسف ﵇ من السجن ودخل على ملك مصر [الريان بن الوليد] قال: اللهم إني أسألك بخيرك من خيره وأعوذ بعزتك وقدرتك من شره انتهى قاله الكمال الدميري (١). قوله: وما هجس وما كمن، أي ما يخطر ويدور في الضمائر من الأحاديث والأفكار، ومنه قوله في الحديث: "وما هو إلا شيء هجس في نفسي" قاله في النهاية (٢). قوله: وهو أقرب إلى كلّ مريد من حبل الوريد أقرب معناه أعلم به من حبل الوريد لأن أبعاضه وأجزاءه يحجب بعضها بعضًا ولا يحجب علم اللّه شيء، وحبل الوريد: هو الوريد أضيف إلى نفسه لاختلاف اللفظين (٣) والوريدان عرقان بين الأوداج وبين الكتفين (٤) وهما صفحتا العنق تزعم العرب أنه من الوتين (٥)، والوتين عرق مستبطن القلب أبيض غليظ كأنه قصبة معلق بالقلب يسقي كلّ عرق في الإنسان (٦) وهو المذكور في قوله

стр. 142

تعالى: ﴿ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ (٤٦)﴾ (١)، ويقال لمتعلق القلب من الوتين النياط وسمي نياطا لتعلقه بالقلب وسمي الوريد وريدا لأن الروح ترده (٢) وحبل الوريد إذا قطع مات صاحبه (٣) واللّه أعلم. قوله: أحمده، وهو أهل الحمد والتمجيد وقال المولى العلامة فخر الدين محمد الرازي (٤): الحمد للّه أولى من أحمد اللّه لأنه أعم فائدة لأنه تعالى كان محمودا قبل حمد الحامدين بخلاف الثاني فإنه يفيد حمده فقط والألف واللام في الحمد للّه لاستغراق الجنس أي الحمد على تنوعه للّه وهو يقتض الذم وتقدم على الحمد مبسوطًا. قوله: وأشكره، الشكر مثل الحمد إلا أن الحمد أعم منه فإنك تحمد الإنسان على صفاته الجميلة وعلى معروفه ولا تشكره إلا على معروفه دون طبقاته، والشكر مقابلة النعم بالقول والفعل والنية فيثني على المنعم بلسانه ويذيب نفسه في طاعته ويعتقد أنه موليها وهو من شكرت الإبل يشكر إذ إصابت مرعى فسمنت عليه قاله في النهاية (٥)، وقال في شرح الإلمام (٦): والذي يتحرر أن الشكر يطلق على الفعل والقول جميعا لقوله تعالى:

стр. 143

﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا﴾ (١)، ولقوله ﵊ حين ذكر له عمله في قيام الليل "أفلا أكون عبدًا شكورًا" (٢) فالشكر مقابلة النعمة بالقول والعمل في الاعتقاد، قال الشاعر: أفادتكم النعماء مني ثلاثة ... يدي ولساني والضمير المحجبا وبينه وبين الحمد عموم وخصوص من وجه، ومنه: الحمد رأس الشكر، ما شكر الله عبد لا يحمده، كما أن كلمة الإخلاص رأس الإيمان وإنما كان رأس الشكر لأن فيه إظهار النعمة أو الإشادة، بها، ولأنه أعم منه فهو شكر وزيادة، وفي حديث الدعاء: سبحانك اللهم وبحمدك انتهى. فائدة: قال في تهذيب النفوس الشكر من أعلى المقامات وهو فوق الرضا فإنه يتضمن الرضا وزيادة، والإيمان نصفان نصف شكر ونصف صبر (٣) وحقيقته في العبودية ظهور أثر نعمة الله على [لسان] عبده ثناء واعترافا وعلى قلبه شهودًا ومحبة وعلى جوارحه انقيادًا وطاعة (٤)، وحد الشكر الاعتراف بنعمة المنعم على وجه الخضوع، وقيل: الثناء على المحسن بذكر إحسانه (٥)، وقال الجنيد: الشكر أن لا ترى نفسك أهلا للنعمة فشكر العامة على المنعم والملبس وقوت الأبدان وشكر الخاصة على التوحيد والإيمان وقوت القلوب (٦) انتهى، وقال

стр. 144

داود ﵊: يارب كيف أشكرك وشكري نعمة علي من عندك تستوجب بها شكرًا فقال: [الآن شكرتني يا داود] (١). وفي خبر آخر إسرائيلي: أن موسى ﵊ قال: يارب خلقت آدم بيدك وأنفخت فيه من روحك وأسجدت له ملائكتك وعلمته أسماء كل شيء وفعلت وفعلت، فكيف إطلاق شكرك، فقال الله : "علم أن ذلك مني فكانت معرفته بذلك شكرًا لي" (٢). وفي أثر إلهي يقول الله تعالى: أهل ذكري أهل مجالستي وأهل شكري أهل زيادتي وأهل طاعتي أهل كرامتي وأهل معصيتي لا أقنطهم من رحمتي إن ماتوا فأنا أحييهم وإن لم يتوبوا فأنا طبيبهم أبتليهم بالمصائب لأطهرهم من المعايب (٣). وقيل: من كتم النعمة فقد كفرها ومن ذكرها ونشرها فقد شكرها (٤)، وهذا من قوله ﷺ : "إن الله إذا أنعم على عبد نعمة أحب أن يرى أثر نعمته على عبده" (٥). وفي هذا قيل (٦):

стр. 145

ومن الرزيّة أنّ شكري صامت ... عما فعلت وأنّ برّك ناطق أأرى الصنيعة منك ثم أسرّها ... إني إذن ليد الكريم لسارق قوله: والشكر لديه من أسباب المزيد، ولديه بمعنى عنده. قوله: وأشهد الشهادة تكون بمعنى الحضور ومنه قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ﴾ (١) أي لا يحضرون مواضع الزور كأعياد اليهود والنصارى، قاله ابن عباس (٢)، ومنه قوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ (٣) أي من حضر [بمكة] رؤية الشهر فيلصمه قاله المبرد (٤) وتكون بمعنى القول الملزم عند الحاكم فيكون بمعنى العلم وهو المراد هنا ومعنى أشهد أعلم وأتبين، روى أبو داود والترمذي بإسناد صحيح عن أبي هريرة أن النبي قال: "كل خطبة ليس فيها تشهد فهي كاليد الجذماء" (٥) أي المقطوعة قاله في النهاية (٦). قوله: أن لا إله إلا الله، الإله: هو المعبود بحق وهو من أعظم أسماء الله

стр. 146

الحسنى، وقال ﷺ : "مفتاح الجنة لا إله إلا الله" (١)، وفي البخاري (٢): قيل لوهب أليس مفتاح الجنة لا إله إلا الله، قال: بلى ولكن ليس مفتاح إلا وله أسنان، فإن جئت بمفتاح له أسنان فتح لك وإلا لم يفتح لك"، وفي رواية غيره أن ابن عباس ذكر له قول وهب: فقال: صدق ولكن أنا أخبركم عن الأسنان ما هي، فذكر الصلاة والزكاة وشرائع الإسلام (٣). فائدة: وفي كلمة لا إله إلا الله أسرار، منها: أن جميع حروفها جوف ليس فيها حرف شفهي إشارة إلى الإتيان بها من خالص الجوف وهو القلب، ومنها: أنه ليس فيها حرف معجم إشارة إلى التجرد عن كل معبود سواه، ومنها: أنها اثنا عشر حرفا كشهور السنة منها أربعة حرم وهي الجلالة حرف فرد وثلاثة سرد وهي أفضل كلماتها كما أن الحرم أفضل السنة فمن قالها مخلصًا كفرت عنه ذنوب سنة، ومنها: أن الليل والنهار أربع وعشرون ساعة وهي ومحمد رسول الله أربعة وعشرون حرفًا كل حرف منها يكفر ذنوب ساعة (٤). فائدة أيضًا: كلمة لا إله إلا الله فيها إثبات بعد نفي فلم كان النفي متقدمًا على الإثبات، وهل لا قدم الإثبات على النفي، فقيل: الله لا إله إلا هو، وقيل

стр. 147

عنه جوابان، الأول: أنه إنما بدئ بالنفي ردًّا على زاعم الشريك ومدعيه لأنه المناسب في اللسان أن يجاب مدعي الإثبات بالنفي ومدعي النفي بالإثبات، الجواب الثاني: إنما قدم النفي على الإثبات ليُفَرِّغَ الموحدُ قلبه مما سوى الله تعالى بلسانه كما فرغه بقلبه ليواطئ اللسان القلب فإذا فرغه أثبت فيه الله حتى لا يكون مع الله غيره ومتى شغل قلبه بغيره لم يصح توحيده لأنه ليس لله شريك والقلب المشغول بغير الله لا يصح شغله بالله في حال شغله بغير الله إذ المشغول لا يشغل، فالله تعالى يقول: "من شغله ذكري عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين" (١) قاله في كشف الأسرار (٢). سؤال فيه بشرى: لم كانت لا إله إلا الله أربع كلمات فيظهر في الجواب أنه لما كان النهار نصفين والليل نصفين كانت الأنصاف الأربعة فكانت الكلمات بعدد هذه الأنصاف ليكون لمن قالها في اليوم والليلة مغفورا له ذنوب ما عمل فيها قاله في الكشف أيضًا، قال السمرقندي: في كتاب الأربعين: ويقال: من قال لا إله إلا الله هدمت عنه أربعة آلاف سيئة كل كلمة تكفر ألف سيئة (٣).

стр. 148

سؤال آخر يتعلق بقول لا إله إلا الله محمد رسول الله فيه بشرى أيضًا: لم كانت سبع كلمات ولم كانت أربعة وعشرين حرفًا؟ فالجواب إنما كانت لا إله إلا الله محمد رسول الله سبع كلمات لتكون بعدد أبواب جهنم فمن قالها كفى شر أبواب جهنم السبعة، قال الإمام فخر الدين: وإنما كانت أربعة وعشرين حرفا لتكون بعدد ساعات اليوم والليل إذ هي أربع وعشرون ساعة فمن قالها كتب له بعدد كل حرف عبادة ساعة وغفرت له ذنوب ساعة اليوم والليلة أجمع (١)، انتهى. لطيفة: وجد على حاشية في كتاب الشفا أن ببلاد الهند ريحان أحمر مكتوب على ورقه لا إله إلا الله محمد رسول الله بأبيض بقلم القدرة (٢) انتهى. لطيفة أخرى: حكي في عجائب المخلوقات عن عبد الرحمن بن هارون المغربي قال: ركبت بحر المغرب فوصلنا إلى موضع يقال له البرطون وكان معنا غلام صقلي معه صنارة فألقاها في البحر فصاد بها سمكة نحو الشبر فنظرنا فإذا خلف أذنها اليمنى مكتوب لا إله إلا الله وفي قفاها محمد وخلف أذنها اليسرى محمد رسول الله انتهى، قاله في حياة الحيوان (٣). قوله: وحده: هو مصدر في موضع نصب على الحال أي منفردا والواحد

стр. 149

المنفرد الذي لا مثل له ولا نظير له وهو أعظم أسماء الله الحسنى (١). قوله: لا شىريك له، معناه: لا مشارك له في ملكه ولا في ذاته ولا في صفاته (٢) فالشريك هو [المقارن] في الإيجاد والعدم تعالى عن ذلك، ولقد أحسن أبو العتاهية في شعره حيث قال (٣): أَيَا عَجَبًا كيْفَ يُعْصَى الإِلَهُ ... أَمْ كَيْفَ يَجْحَدُهُ جَاحِدُ وَللَّهِ فِي كُلِّ تَحْرِيكَةٍ ... عَلَيْكَ وَتَسْكِينَةٍ شَاهِدُ وَفِي كُلِّ شَيْءٍ لَهُ اَيَةٌ ... تَدُلَّ عَلَى أَنَّهُ وَاحِدُ (٤) قوله: شهادة كافلة لي عنده بأعلى درجات أولى التوحيد كافلة، أي ضامن والكفالة الضمان. قوله: في دار القرار والتأبيد، ودار القرار هي الآخرة لأنها لا تزول. وقوله وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله هذا اللفظ ورد في صحيح مسلم (٥) في التشهد، والعرب تقول مررت برجل محمدي أي كثير الخصال الحميدة وألهم الله أهله أن يسموه ولما علم من حميد صفاته وفي المثل المشهور الألقاب تنزل من السماء وسمي نبينا محمدًا ﷺ لكثرة خصاله المحمودة (٦).

стр. 150

سؤال: لم كان اسم محمد ﷺ أربعة أحرف ولم كان [م ح م د] ولم كان على هذا الترتيب والشكل الخاص؟ الجواب: أما الأول وهو أن جعل اسمه أربعة أحرف فقال النيسابوري: لأنَّ اسم الله تعالى أربعة أحرف فجعل اسمه أربعة أحرف ليوافق اسم الله تعالى، وقد قرن الله تعالى اسم محمد ﷺ باسمه في الشهادتين أثنى عليه بذلك في قوله تعالى: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ (١)﴾ (١) أي لا أذكر إلا وتذكر معي، وقال حسان في هذا المعنى بمدحه ﷺ : أغر عَلَيْهِ للنبوة خَاتم ... من الله من مشهود يلوح وَيشْهد وَضم الإلَه اسم النَّبِي إِلَى اسْمه ... إِذا قَالَ فِي الْخمس الْمُؤَذّن اشْهَدْ وشق لَهُ من اسْمه ليجله ... فذو الْعَرْش مَحْمُود وَهَذَا مُحَمَّد (٢) وأما حروف اسمه ومعانيها فقال قوم: إن معنى الميم محق الكفر بالإسلام أو محو سيئات من أتبعه، وقيل: الميم منة الله على المؤمنين بمحمد ﷺ دل عليه قوله تعالى: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ (٣)، وقيل: منذر ومبشر، وقيل: الميم ملك أمته، وقيل: الميم المقام المحمود، وأما الحاء قيل لحكمه بين الخلق بحكم الله، قال تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ

стр. 151

وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٦٥)﴾ (١)، وقيل: الحاء حياة أمته به، وأما الميم الثانية مغفرة الله لأمته وقيل الميم الثانية منادي الموحدين وقيل ملك به وأما الدال فهو الداعي إلى الله قال: الله تعالى: ﴿وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ﴾ (٢)، فهو دليلهم في الدنيا ودليلهم في الآخرة إلى الجنة ذكره النيسابوري وأما وقوع هذه الأحرف على هذا الترتيب والشكل الخاص فقيل لأن الله تعالى خلق الخلق على سورة محمد ﷺ فالميم بمنزلة رأس الإنسان والحاء بمنزلة اليدين وباطن الحاء كالبطن وظاهرها كالظهر والميم مجمع الإليتين والمخرج وطرفا الدال كالرجلين شعر: له اسم صوّر الرّحمن ربّي ... خلائقه عليه كما تراه له رجل وفوق الرّجل ظهرٌ ... وتحت الرّأس قد خلقت يداه (٣) وفي اسمه ﷺ عشر خصائص أضاف الله تعالى اسمه إلى نفسه. والثانية تخليقه الخلق على سورة اسمه. والثالثة: قرن اسمه مع اسمه. والرابعة: كتب اسمه على ساق العرش، ويروى أنه تعالى لما خلق العرش اضطرب فلما كتب عليه اسم محمد سكن، وفيه تنبيه على أن هذا المخلوق الأكبر لم يسكن حتى كتب عليه اسم هذا المخلوق الأكبر.

стр. 152

والخامسة: اشتق اسمه من اسمه المحمود. والسادسة: جري سفينة نوح باسمه. والسابعة: وافق اسمه اسم الله تعالى في عدد الحروف. والثامنة: سخرت الشياطين لسليمان بذكر اسمه. والتاسعة: تاب الله على آدم باسمه لقوله تعالى: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ ... ﴾ (١) الآية، روي أن آدم ﵇ لما رأى اسم محمد ﷺ مكتوبا على العرش قال: اللهم إني أسألك بحق محمد أن تتوب علي فتاب عليه (٢). والعاشرة: كني آدم ﵇ بأبي محمد دون سائر أولاده تكنى بأشرف بنيه وولد عبده (٣)، قال الواسطي في تفسيره: العبودية أشرف من الرسالة ولهذا قدم ذكر العبودية في قوله وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، وقال: أبو علي الدقاق لا يوجد شيء أشرف من العبودية ولا اسم أتم للمؤمن من الوصف بها كما قيل أنه قال: لا تدعني إلا بيا عبدها فإنه أشرف أسمائي، ولذلك دعي به النبي ﷺ في مقام تنزل الوحي ومقام الإسراء (٤).

стр. 153

فائدة: سمى الله تعالى نبيه محمدًا ﷺ عبدًا في عشرة مواضع من القرآن: أحدها في سورة البقرة في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا﴾ (١). الثاني في سورة الأنفال في قوله تعالى: ﴿وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ﴾ (٢). الثالث في سورة سبحان: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى﴾ (٣). الرابع في الكهف: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ﴾ (٤). الخامس في أول الفرقان: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ﴾ (٥). السادس في سورة الزمر: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾ (٦). السابع في سورة النجم في قوله تعالى: ﴿فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى﴾ (٧).

стр. 154

الثامن في الآية التاسعة من سورة الحديد: ﴿هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلَى عَبْدِهِ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾ (١). التاسع في سورة الجن: ﴿وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ﴾ (٢). العاشر في سورة العلق: ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى (٩) عَبْدًا إِذَا صَلَّى (١٠)﴾ (٣) انتهى. قاله في الديباجة. فهو أشرف المخلوقات، ومذهب أهل السنة والجماعة أن النوع الإنساني أفضل من الملائكة خلافا للمعتزلة. قال: ابن العماد وكما أن جنس البشر أفضل من جنس الملائكة لا يلزم منه تفضيل كل من أحاد بني آدم على جبريل (٤) ﵊ (٥).

стр. 155

قوله: "ورسوله" فالرسول هو الذي يبلغ خبر مرسله ولفظ الرسول أخص من النبي عند الجمهور (١) فإن الرسول نبي وزيادة (٢) فإنه الذي أوحي إليه للعمل والتبليغ بخلاف النبي فإنه الذي أوحي إليه للعمل فقط (٣) وقد يكون المبعوث رسولا نبيا وقد يكون نبيًّا لا رسولًا وقد يكون رسولا لا نبيا فإن الملائكة منهم رسل وليس منهم نبيًّا قال الله : ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا﴾ (٤) ولم يقل أنبياء (٥) انتهى قاله الحوفي وسيأتي الكلام على ذلك مبسوطا في أذكار النوم. قوله: بالبشير النذير، قال: ابن دحية وأسماؤه ﷺ تقرب من المائة وقال بعض الصوفية يقرب من الألف. وقال: ابن العربي لله تعالى ألف اسم ولنبيه ألف اسم (٦) فمنها البشير والنذير وقال: بعض العلماء ولرسول الله ﷺ أسماء كثيرة ذكرها الحافظ ابن عساكر (٧) منها محمد وأحمد والحاشر هو الذي

стр. 156

يحشر الناس على قدمه (١)، والعاقب هو آخر الأنبياء والعاقب والعقوب الذي يخلف من كان قبله في الخير، قاله في النهاية (٢)، والمقفي والماحي وخاتم الأنبياء ونبي الرحمة ونبي الملحمة (٣) وفي رواية "نبي الملاحم ونبي التوبة والفاتح وطه ويس وعبد الله" (٤). وقال: البيهقي رحمة الله (٥): زاد بعض العلماء فقال سماه الله في القرآن رسولًا نبيًّا أميًّا شاهدًا وداعيًا إلى الله بإذنه
следующие страницы →