← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 660

فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب

حسن بن علي الفيومي

Полный текст (10 535 стр.). Показаны 1727–1766 · переход к 1732.

стр. 1727

معتدا به فأشبه القاصر لو قام سهوًا ثم نوى الإتمام والوجه الثاني لا يحتاج إلى العودة لأن القيام في النافلة ليس بشرط (١) قاله في الديباجة. قال بعض العُلماء: فإن جمع ركعات ولو مائة ركعة وأكثر بتسليمه واحدة أو تطوع بركعة واحدة جاز أي سواء لمطلق النية أو نوى ركعة أو ركعات وثبت إفراد ركعة في الوتر فيقاس غيره عليه (٢) والله أعلم. ٥٦٨ - وعن أبي هريرة أيضًا ﵁ أن رسول الله ﷺ مَرَّ بقبرٍ فقال: من صاحب هذا القبر؟ فقالوا: فلانٌ، فقال: ركعتان أحبُّ إلى هذا من بقية دنياكم. رواه الطبراني في الأوسط بإسناد حسن (٣). قوله عن أبي هريرة تقدم الكلام على مناقبه. قوله ﷺ : "مر بقبر فقال من صاحب هذا القبر" قالوا فلان، فقال: "ركعتان أحب إلى هذا من بقية دنياكم" الحديث وقال: بكر بن عبد الله المزني ﵀ من مثلك يا ابن آدم إن شئت أن تدخل على مولاك بغير إذن دخلت قيل له: كيف ذلك قال: تسبغ الوضوء تدخل محرابك فإذا أنت قد دخلت على مولاك تكلمه بغير ترجمان (٤).

стр. 1728

فائدة: فيها بشرى روى ابن حبان في صحيحه من حديث عبد الله بن عمر مرفوعًا إلى النبي ﷺ : "إن العبد إذا قام يصلي أتي بذنوبه فوضعت على رأسه وعاتقه فكلما ركع أو سجد تساقطت عنه" (١) أي ذنوبه وروى عبد الله (٢) بن عمر قال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "إذا قام العبد إلى الصلاة جعلت ذنوبه بين رأسه وعاتقه فإذا ركع وسجد تناثرت" أي ذنوبه وفي هذه الأحاديث بشارة عظيمة لهذه الأمة زادها الله شرفًا. ٥٦٩ - وَعَن مطرف ﵁ قَالَ قعدت إِلَى نفر من قُرَيْش فجَاء رجل فَجعل يُصَلِّي وَيرْفَع وَيسْجد وَلا يقْعد فَقلت وَالله مَا أرى هَذَا يدْرِي ينْصَرف على شفع أَو على وتر فَقَالُوا أَلا تقوم إِلَيْهِ فَتَقول لَهُ قَالَ فَقُمْت فَقلت لَهُ يَا عبد الله أَرَاك تَدْرِي تَنْصَرِف على شفع أَو على وتر قَالَ وَلَكِن الله يدْرِي وَسمعت رَسُول الله ﷺ يَقُول من سجد لله سَجْدَة كتب الله لَهُ بهَا حَسَنة وَحط عَنهُ بهَا خَطِيئَة وَرفع لَهُ بهَا دَرَجَة فَقلت من أَنْت فَقَالَ أَبُو ذَر فَرَجَعت إِلَى أَصْحَابِي فَقلت جزاكم الله من جلساء شرا أَمرْتُمُونِي أَن أعلم رجلًا من أَصْحَاب النَّبِي

стр. 1729

- ﷺ وَفِي رِوَايَة فرأيته يُطِيل الْقيام وَيكثر الرُّكُوع وَالسُّجُود فَذكرت ذَلِك لَهُ فَقَالَ مَا آلوت أَن أحسن إِنِّي سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول من ركع رَكعَة أَو سجد سَجْدَة رفع الله لَهُ بهَا دَرَجَة وَحط عَنهُ بهَا خَطِيئة رَوَاهُ أَحْمد وَالْبَزَّار بِنَحْوِهِ وَهُوَ بِمَجْمُوع طرقه حسن أَو صَحِيح (١). مَا آلوت أَي قصرت. هو مطرف سيأتي الكلام عليه قومها. قوله قعدت إلى نفر من قريش فجاء رجل فجعل يصلي ويركع ولا يسجد فقلت والله ما أرى هذا ينصرف على شفع أو وتر. . . . إلى أن قال: الحديث تقدم الكلام على النفر في أول هذا [التعليق] [*] مبسوطا وأرى منهم العمرة قائمة والرجل الكبير هو أبو ذر ﵁ كما ذكر في الحديث وتقدم الكلام على الركوع والسجود في الأحاديث المتقدمة، وقال بعض العُلماء إن الأفضل بالنهار كثرة السجود وبالليل طول القيام كما جاء في وصف صلاة رسول الله ﷺ وجمعا بين الأحاديث والله أعلم. ٥٧٠ - وَعَن يُوسُف بن عبد الله بن سَلام قَالَ أتيت أَبَا الدَّرْدَاء ﵁ فِي

стр. 1730

مَرضه الَّذِي قبض فِيهِ فَقَالَ يَا ابْن أخي مَا علمت إِلَى هَذِه الْبَلدة أَو مَا جَاءَ بك قَالَ قلت لا إِلَّا صلَة مَا كَانَ بَيْنك وَبَين وَالِدي عبد الله بن سَلام فَقَالَ بئس سَاعَة الْكَذِب هَذِه سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول من تَوَضَّأ فَأحْسن الْوضُوء ثمَّ قَامَ فصلى رَكْعَتَيْنِ أَو أَرْبعا يشك سهل يحسن فِيهِنَّ الرُّكوع والخشوع ثمَّ يسْتَغْفر الله غفر لَهُ رَوَاهُ أَحْمد بِإِسْنَاد حسن (١). قوله عن يوسف بن عبد الله بن سلام هو يوسف بن عبد الله بن سلام، قوله: "من توضأ فأحسن الوضوء ثم قام فصلى ركعتين أو أربعًا شك هل يحسن فيهن الركوع والخشوع" [١٧٢ المغربي] تقدم الكلام على الركوع والسجود وسيأتي الكلام على الخشوع مبسوطًا. ٥٧١ - وَعَن زيد بن خَالِد الْجُهَنِيّ ﵁ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ من تَوَضَّأ فَأحْسن وضوءه ثمَّ صلى رَكعَتَيْنِ لا يسهو فيهمَا غفر لَهُ مَا تقدم من ذَنبه رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَفِي رِوَايَة عِنْده مَا من أحد يتَوَضَّأ فَيحسن الْوضُوء وَيُصلي رَكْعَتَيْنِ يقبل بِقَلْبِه وبوجهه عَلَيْهِمَا إِلَّا وَجَبت لَهُ الْجنَّة (٢).

стр. 1731

وقوله عن زيد بن خالد الجهني تقدم قوله "ما من أحد توضأ فأحسن الوضوء ويصلي ركعتين يقبل بقلبه وبوجهه عليها إلا وجبت له الجنة" أي يقبل بوجهه الظاهر ووجهه الباطن وهو القلب ويعرض بهما عن الغير (١). قوله: إلا وجبت له الجنة أي حصلت له الجنة إذ الوجوب على الله غير صحيح قاله في شرح المصابيح (٢). ٥٧٢ - وَعَن عقبَة بن عَامر ﵄ قَالَ كنَّا مَعَ رَسُول الله ﷺ خدام أَنْفُسنَا نتناوب الرِّعَايَة رِعَايَة إبلنا فَكَانَت عَليّ رِعَايَة الإِبِل فروحتها بالْعَشي فَإِذا رَسُول الله ﷺ يخْطب النَّاس فَسَمعته يَوْمًا يَقُول مَا مِنْكُم من أحد يتَوَضَّأ فَيحسن الْوضُوء ثمَّ يقوم فيركع رَكعَتَيْنِ يقبل عَلَيْهِمَا بقَلْبِه وَوَجهه فقد أوجب فَقلت بخ بخ مَا أَجود هَذِه رَوَاهُ مُسلم وَأَبُو دَاوُد وَاللًّفْظ لَهُ وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه وَابْن خُزَيْمَة فِي صَحِيحه وَهُوَ بعض حَدِيث وَرَوَاهُ الْحَاكم إِلَّا أَنه قَالَ مَا من مُسلم يتَوَضَّأ فيسبغ الْوضُوء ثمَّ يقوم فِي صلَاته فَيعلم مَا يَقُول إِلَّا انْفَتَلَ وَهُوَ كَيَوْم وَلدته أمه الحَدِيث وَقَالَ صَحِيح الإِسْنَاد (٣) أوجب أَي أَتَى

стр. 1732

بِمَا يُوجب لَهُ الْجنَّة. قوله: عن عقبة بن عامر تقدم الكلام على مناقبه. قوله كنا مع رسول الله ﷺ خدام أنفسنا نتناوب الرعاية رعاية إبلنا فكانت علي رعاية الإبل فروحتها بالعشي والرعاية بكسر الراء وهي الرعي ومعنى هذا الكلام أنهم كانوا يتناوبون رعي إبلهم فتجتمع جماعة فيضمون إبلهم بعضها إلى بعض فيرعاها كلّ يوم واحد منهم ليكون أرفق بهم وينصرف الباقون في مصالحهم (١). قوله: فروحتها بالعشي أي رددتها إلى مراحها في آخر النهار وتفرغت من أمرها ثم جئت إلى مجلس رسول الله ﷺ (٢). قوله "ما من منكم من أحد يتوضأ فيحسن الوضوء ثم يقوم فيركع ركعتين فيقبل عليهما بقلبه ووجهه" وقد جمع ﷺ بهاتين اللفظتين أنواع الخضوع والخشوع لأن الخضوع في الأعضاء والخشوع في القلب على ما قاله جماعة من العُلماء. قوله: "فقد أوجب" أي أتى بما يوجب له الجنة قاله الحافظ المنذري. قوله: فقلت: بخ بخ يقال بخ بالتسكين وبالكسر مع التنوين قال الخليل يقال ذلك للشيء إذا رضيته ويقال: لتعظيم الأمر قاله المنذري في كتابه كفاية

стр. 1733

المتعبد (١). قوله: ما أجود هذه يعني هذه الكلمة أو الفائدة أو البشارة أو العبارة وجودتها من جهات منها أنها سهلة متيسرة يقدر عليها كلّ أحد بلا مشقة ومنها أن أجرها عظيم والله أعلم (٢). قوله: فيعلم ما يقول إلا انفتل كيوم ولدته أمه أي رجع كيوم ولدته أمه لا ذنب له وكيوم يجوز فيه فتح الميم وكسرها والفتح أجود. ٥٧٣ - وَعَن عَاصِم بن سُفْيَان الثَّقَفِيّ ﵁ أَنهم غزوا غَزْوَة السلَاسِل ففاتهم الْغَزْو فرابطوا ثمَّ رجعُوا إِلَى مُعَاوِيَة وَعِنْده أَبُو أيُّوب وَعقبَة بن عَامر فَقَالَ عَاصِم يَا أَبَا أيُّوب فاتنا الْغَزْو الْعَام وَقد أخبرنَا أَنه من صلى فِي الْمَسَاجِد الأرْبَعَة غفر لَهُ ذَنبه فَقَالَ يَا بن أخي أَلا أدلك على أيسر من ذَلِك إِنِّي سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول من تَوَضَّأ كَمَا أَمر وَصلى كَمَا أَمر غفر لَهُ مَا قدم من عمل كَذَلِك يَا عقبَة قَالَ نعم رَوَاهُ النَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه وَابْن حبَان فِي صَحِيحه (٣). وَتقدم فِي الْوضُوء حَدِيث عَمْرو بن عبسة وَفِي آخِره فَإِن هُوَ قَامَ فَحَمدَ الله وَأثْنى عَلَيْهِ ومجده بِالَّذِي هُوَ لَهُ أهل وَفرغ قلبه لله تَعَالَى إِلَّا انْصَرف من

стр. 1734

خطيئته كَيَوْم وَلدته أمه رَوَاهُ مُسلم (١). وَتقدم فِي الْبَاب قبله حَدِيث عُثْمَان وَفِيه سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول مَا من امرئ مُسلم تحضره صَلَاة مَكْتُوبَة فَيحسن وضوءها وخشوعها وركوعها إِلَّا كَانَت كَفَّارَة لما قبلهَا من الذُّنُوب مَا لم يُؤْت كَبِيرَة وَكَذَلِكَ الدَّهْر كلّه، رَوَاهُ مسلم (٢) وَتقدم أَيْضا حَدِيث عبَادَة سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول خمس صلوَات افترضهن الله من أحسن وضوءهن وصلاهن لوقتهن وَأتم ركوعهن وسجودهن وخشوعهن كَانَ لَهُ على الله عهد أَن يغْفر لَهُ (٣) وَيَأْتِي فِي الْبَاب بعده حَدِيث أنس إِن شَاءَ الله تَعَالَى. وقوله: عن عاصم بن سفيان بن عبد الله الثقفي صوابه عن سفيان بن عبد الرحمن بن عاصم بن سفيان وهو ابن ابنه روى عن سفيان وعبد الله بن عمرو بن العاصي وعقبة بن عامر الجهني وأبي أيوب الأنصاري وغيرهم (٤). قوله: أنهم غزوا غزوة السلاسل ففاتهم الغزو فرابطوا ثم رجعوا إلى

стр. 1735

معاوية تقدم الكلام على معاوية ونسبه وفضائله في أماكن من هذا التطبيق بويع له بالخلافة في الكوفة في شهر ربيع الأول سنة أخرى وأربعين وكانت خلافته منذ صالحه الحسن بن علي ﵄ وأجمع الناس عليه تسع عشرة سنة أربعة أشهر وسبعة عشر يومًا وعمره يومئذ ثمان وخمسون سنة وشهورا قاله في تاريخ الخلفاء (١) وكانت غزوة ذات السلاسل في جمادى الآخرة سنة ثمان من الهجرة النبوية قال: أبو عبد الله أمر رسول الله ﷺ عمرو بن العاصي بن وائل السهمي على هذه الغزوة بعد إسلامه بسنة فإنه أسلم ﵁ سنة سبع وسلم الجيش إليه السلاسل لما بلغة إن جمعا من قضاعة تجمعوا يريدون أن يدنوا إلى أطراف المدينة فدعا رسول الله ﷺ عمرا وعقد له لواء أبيض وجعل راية سوداء وبعثه إلى ثلاثمائة من سراة المهاجرين والأنصار ومعهم ثلاثون فرسا وأمره أن يستعين بمن مر به من بلي وعذرة وبلقين فسار الليل وكمن النهار فلما قرب من القوم بلغه أن لهم جمعا كثيرًا فبعث رافع بن مكيث الجهني إلى رسول الله ﷺ يستمده فبعث أبا عبيدة بن الجراح في مائتين وعقد له لواء وبعث معه سراة المهاجرين والأنصار وفيهم أبو بكر وعمر وأمره أن يلحق بعمرو وأن يكونا جميعا ولا يتخلفا فلحق بعمرو وأراد أبو عبيدة أن يؤم الناس فقال له: عمرو إنما قدمت مددا وأنا الأمير فأطاع له بذلك أبو عبيدة وكان عمرو يصلي بالناس وسار حتى وطئ بلاد بلي ودوخها حتى أقصى بلادهم وعذرة وبلقين ولقي في آخر

стр. 1736

ذلك جمعا فحمل عليهم المسلمون فهربوا في البلاد وتفرقوا وبعث عوف بن مالك الأشجعي بريدا إلى رسول الله ﷺ فأخبره بأمرهم وذات السلاسل بضم السين الأولى كسر الثانية قاله السهيلى وابن الأثير في النهاية (١) وذكر النووي في تهذيب الأسماء واللغات والبكرى في معجمه أن المشهور فتح السين الأولى والثانية مكسورة واللام مخففة على لفظ جمع سلسلة رمل البادية وهو موضع معروف بناحية الشام وبينها وبين المدينة عشرة أيام (٢) وفي كتاب البخاري قال ابن إسحاق عن يزيد عن عروة ذات السلاسل هي غزوة لخم وجذام (٣) وبعث النبي ﷺ عمرو بن العاصي على جيشها فسار عمرو حتى إذا كان على ماء بأرض جذام يقال له سلسل وبه سميت الغزوة غزوة السلاسل خاف فبعث إلى النبي ﷺ يستمده فأمده بأبي عبيدة بن الجراح في جيش فذكر القصة بنحو ما تقدم وقيل موضع سمي به فيما قيل لأنهم مبعوثين إلى أرض بها رمل ينعقد بعضه على بعض كالسلسلة (٤) وهو في اللغة الماء السلسال وقيل هو بمعنى السلسل (٥). قوله: ففاتهم الغزو فرابطوا ثم رجعوا إلى معاوية وعنده أبو أيوب وعقبة

стр. 1737

بن عامر فقال عاصم يا أبا أيوب فاتنا الغزو العام، المرابطة معروفة وهي الإقامة في ثغر من الثغور المتوقع بذلك قتال العدو وتقدم الكلام على مناقب أبي أيوب وعقبة بن عامر ﵄. قوله: وقد أخبرنا أنه من صلى المساجد الأربعة غفر له ذنبه، والمساجد الأربعة مسجد مكة ومسجد المدينة ومسجد بيت المقدس ومسجد الطور ففي الصحيحين عن أنس بن مالك أن النبي ﷺ قال "ليس من بلد إلا سيطؤه الدجال غير مكة والمدينة" (١) وذكر أبو جعفر الطحاوي من حديث عيينة بن عمرو إلا مكة والمدينة وبيت المقدس ومسجد الطور وفى بعض الروايات لا يبقى له موضع إلا يدخله إلا مكة وبيت المقدس وجبل الطور فإن الملائكة تطرده عن هذه المواضع (٢) والله أعلم. قوله ﷺ : "إلا غفر له ذنبه" وغفران الذنوب هو سترها ومحوها من كتاب الحفظة (٣). قوله تقدم الوضوء حديث عمرو بن عبسة وفي آخره فإن هو قام فصلى

стр. 1738

فحمد الله وأثنى عليه ومجده بالذي هو أهل وفرغ قلبه لله إلا (انصرف) من خطيئته (كيوم ولدته أمه) وفي الباب حديث عثمان وفيه سمعت رسول الله ﷺ يقول: "ما من مسلم يحضر صلاة مكتوبة فيحسن وضوءها وخشوعها وركوعها وسجودها إلا كانت كفارة لما قبلها من الذنوب ما لم تؤت كبيرة وذلك الدهر كلّه" رواه مسلم. قوله ﷺ : "تحضره صلاة مكتوبة" أي مفروضة وهو مجاز من الكتابة فإن الحاكم إذا كتب شيئًا على أحد كان ذلك حكما وإلزاما (١). وقوله ﷺ : "فيحسن وضؤها" إحسان الوضوء الإتيان بفرائضه وسننه (٢) وتقدم الكلام على ذلك مبسوطًا. وقوله ﷺ : "وخشوعها" خشوع الصلاة الإخبات فيها بانكسار والجوارح وحضور القلب ومراعاة الأدب من الالتفات إلى اليمين واليسار (٣) وتقدم أوائل هذا الباب الكلام على الركوع والسجود. وقوله ﷺ : "إلا كانت كفارة لما قبلها من الذنوب" والكفارة هي الخصلة التي من شأنها أن يكفر الخطيئة أي تسترها وتمحوها ومعناه إلا كانت تلك الصلاة ساترة ومزيلة لذنوبه الماضية مادام لم يعمل كبيرة (٤).

стр. 1739

وقوله ﷺ : "ما لم يأت كبيرة" وأصح الرِّواية "ما لم يؤت كبيرة" بضم الياء وكسر التاء على البناء للفاعل من الإيتاء أي لم يعمل مع الإيتاء موضع العمل لأن العامل يعطي العمل من نفسه، وجاء "ما لم يؤت" على البناء للمجهول معناه لم يصب بكبيرة ولم يعمل من قولهم أتى فلان في يده أي أصبته علة وفي أكثر شرح المصابيح ما لم يأت كبيرة من الإتيان وهو تحريف غير مروي (١). قوله ﷺ : "وذلك الدهر كله" يحتمل أن يكون الإشارة إلى تكفير الذنوب أن يكفر الذنوب الصغيرة ولا يخص بفرض واحد بل فرائض الدهر يكفر صغائره أي كل فرض يكفر ما قبله من الصغائر كما قال ﵊ "الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة" إلى قوله "مكفرات ما بينهن إذا ما اجتنبت الكبائر" ويحتمل أن يكون إشارة إلى عدم الإتيان بالكبيرة أي عدم إتيان الكبيرة في الدهر كلّه مع الإتيان بالمكتوبة بكفارة لما قبلها قاله في شرح المصابيح (٢). خاتمة للباب: إنما شرع تكرار السجود دون غيره لأنها أبلغ في التواضع ولأن الشارع ﷺ أمرنا بالدعاء فيه وأخبر أنه حقيق الإجابة فنسجد ثانيا شكرا لله تعالى على إجابته كما هو المعهود فيمن إذا سأل ملكا فأنعم عليه وروي فى الحديث أنه لما عرج برسول الله ﷺ إلى السماء فمن كان من الملائكة

стр. 1740

قائما سلموا عليه قياما ثم ركعوا شكرًا لله تعالى على رؤيته ﷺ ومن كان منهم راكعا رفعوا رؤوسهم من الركوع وسلم عليه ثم سجدوا شكرًا لله تعالى على رؤيته ﷺ ومن كان منهم ساجدًا رفعوا رؤوسهم وسلموا عليه ثم سجدوا ثانية شكرا لله تعالى على رؤيته ﷺ فلذلك صار السجود مثنى مثنى فلم يرد الله تعالى إلى أن يكون للملائكة حلالًا إلا وقد جعل هذه الأمة حالًا مثل حالتهم كذا قاله أبو الحسن القرطبي في كتاب الزاهر (١) والله أعلم.

стр. 1741

[الترغيب في الصلاة في أول وقتها] ٥٧٤ - عَن عبد الله بن مَسْعُود ﵁ قَالَ سَأَلت رَسُول الله ﷺ أَي الْعَمَل أحب إِلَى الله تَعَالَى قَالَ الصَّلَاة على وَقتهَا قلت ثمَّ أَي قَالَ بر الْوَالِدين قلت ثمَّ أَي قَالَ الْجِهَاد فِي سَبِيل الله قَالَ حَدَثنِي بِهن رَسُول الله ﷺ وَلَو استزدته لزادني" رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ (١). قوله: "عن عبد الله بن مسعود" تقدم الكلام على فضائله. قوله: "سألت: رسول الله ﷺ أي العمل أحب إلى الله تعالى قال: الصلاة على وقتها" الحديث والمراد بالأعمال هنا أعمال الجوارح التي هي فروع الإيمان ولما كانت الصلاة أحب الإيمان باعتبار أنها لا تصح إلا بالتلفظ بالشهادتين كما أن الإيمان لا تقبل إلا بالتلفظ بالشهادتين وسماها الله تعالى إيمانًا فقال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ (٢) أي صلاتكم إلى بيت المقدس وقال ﷺ : "استقيموا ولن تحصوا لي عملوا إن خير أعمالكم الصلاة" فقوله الصلاة على وقتها أي أول وقتها كما ورد مصرحا به في صحيح بن حبان ولما كان تعجيل الصلاة في أول الوقت أفضل الأعمال بعد

стр. 1742

الإيمان قرن به الرضا في قوله ﷺ في الحديث الآخر كما سيأتي الصلاة في أول الوقت رضوان الله وفي آخره عفو الله قال أبو محمد النيسابوري: والمراد بآخر الوقت بعد خروجه لأن العفو يقتضي ذلك لأنه لا يكون إلا عن ذنب فالمراد بأول الوقت عنده جميع الوقت وظاهر قوله ﷺ : على وقتها يوافقه وقد اختلف الأحاديث في فضائل الأعمال وتقدم بعضها على بعض والذي قيل في هذا أنها أجوبة مختلف بحسب السائلين لاختلاف أحوالهم فإذا سأل الشجاع الناسك عن أفضل الأعمال قيل له الجهاد أفضل الأعمال وإذا سأل صاحب المال عن أفضل الأعمال قيل له الصدقة أفضل الأعمال وإذا سأل المتفرغ للطاعة عن أفضل الأعمال قيل له ذكر الله تعالى كما ورد عنه ﷺ لفقراء المهاجرين الذين لا يجحدون ما ينفقون ولا ما يتصدقون به "ألا أخبركم بأفضل أعمالكم وأزكاها عند مليككم وأرفعها في درجاتكم" وفسره بذكر الله على أن يكون أفضل الأعمال بالنسبة إلى المخاطبين وهكذا يكون الجواب في بقية أحوال الناس فإن جواب الفتوى يكون دائرا مع المصلحة (١) والله أعلم. وقال صاحب روضة العُلماء (٢): سمعت: محمد بن نعيم يقول [بلغني] لما نزلت الصلوات الخمس صاح إبليس لعنه الله حتى اجتمع إليه جنود قالوا مالك يا سيدنا قال: أنه نزل اليوم بمحمد ﷺ وأمته الصلوات الخمس [ما لو فعلوا من الصلاة إلى الصلاة] كانت صلاتهم كفارة

стр. 1743

لما بينهم قالوا فما حيلتنا قال اشغلوهم عن مواقيتها وشهوا إليهم الحديث الباطل وزينوا لهم أشغال الدنيا حتى يؤخروها عن مواقيتها فإن الرحمة تنزل عليهم في ميقات الصلاة فإذا أخروها لم يصيبوا تلك الرحمة انتهى. قوله ثم أي قال بر الوالدين الحديث البر إليهم بجميع أنواع الخير وبر الوالدين الإحسان إليهما وامتثال أمرهما حتى قال بعض العُلماء تمثل أوامرهما في الشبهات ويروى عن عثمان بن عفان انتهى في بر أمه إلى أنه لم يرفع رأسه إليها متأملا لها وكان حارثة بن النعمان ﵁ من أبر الناس بأمه فقال: النبي ﷺ "رأيتني في الجنة فسمعت صوت قارئ يقرأ، فقلت: من هذا" قالوا الحارث بن النعمان فقال: "البار بأمه" مرتين ويروى أنه ﷺ يقول "رأيتُ البارحة عجبا رأيتُ رجلًا أمر ملك الموت بقبض روحه ثم جلي عنه ببره لأمه" (١) ففي هذا الحديث أن أعمال البر تفضل بعضها على

стр. 1744

بعض عند الله وفيه فضل بر الوالدين وسيأتي الكلام على فضل بر الوالدين في بابه مبسوطا، قوله ثم أي قال الجهاد في سبيل الله وسيأتي الكلام أيضًا على الجهاد في بابه مبسوطًا. ٥٧٥ - وَرُوِيَ عَن رجل من بني عبد الْقَيْس يُقَال لَهُ عِيَاض أَنه سمع النَّبِي ﷺ يَقُول عَلَيْكُم بِذكر ربكُم وصلوا صَلَاتكُمْ فِي أول وقتكم فَإِن الله يُضَاعف لكم رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير (١). قوله: ويروي عن رجل من عبد قيس يقال له عياض عبد قيس اسم قبيلة من القبائل. قوله ﷺ : "عليكم بذكر ربكم وصلوا صلاتكم في أول وقتكم يضاعف لكم" الحديث سيأتي الكلام في أول الوقت في الحديث بعده والمضاعفة هي تكثير الأجور. ٥٧٦ - وَرُوِيَ عَن ابْن عمر ﵄ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ الْوَقْت الأول من الصَّلَاة رضوَان الله وَالْآخر عَفْو الله رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَالدَّارَقُطْنِيّ (٢).

стр. 1745

قوله: عن ابن عمر تقدم الكلام على مناقبه العبادلة الأربعة قوله ﷺ "الوقت الأول من الصلاة رضوان من الله والآخر عفو الله" قال: النووي قدس الله روحه قال: الشافعي ﵀ الرضوان إنما يكون للمحسنين والعفو يشبه أن يكون للمقصرين وفي تسميته مقصرا تأويلان لأصحابنا المتقدمين مشهوران في كتب المذهب أحدهما أنه مقصر بالنسبة إلى من صلى في أول الوقت وإن كان لا إثم عليه، والثاني مقصر بتفويت الأفضل كما يقال من ترك صلاة الضحى مقصر وإن كان لا يأثم (١)، قال: بعض العُلماء ويسن تعجيل الصلاة لأول الوقت لقوله تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ﴾ (٢) ومن المحافظة عليها الإتيان بها أول وقتها، وقال تعالى: ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾ (٣) وقوله ﷺ : "أول الوقت رضوان" ولأنه بالتأخير يعرضها للنسيان وحوادث الزمان (٤). فائدة: قوله قال: الشافعي: الشافعي هو حبر الأمة وسلطان الأئمة أبو عبد الله محمد بن إدريس بن العبَّاس بن عثمان بن شافع بن السايب بن عبيد فذكره إلى أن قال بن عبد مناف جد النبي ﷺ نسب كان عليه من شمس الضحى نور ومن فلق الصباح عمودا والنسبة إليه شافعي ولا يقال شفعوي فإنه لحن فاختر وإن كان وقع في الوسيط وغيره ولد ﵁ على الأصح بغزة التي توفي بها هاشم جد

стр. 1746

النبي ﷺ وقيل بعسقلان وقيل باليمن وقيل بمنى سنة خمسين ومائة ثم حمل إلى مكة وهو ابن سنتان ونشأ بها وحفظ القرآن وهو ابن سبع سنين والموطأ وهو ابن عشر وشافع بن السايب الذي ينسب إليه لقى النبي ﷺ وهو مرفوع وأسلم أبوه قاله الكمال الدميري (١) وسيأتي الكلام أيضًا على مناقبه مبسوطًا. فرع: هل تأخير الصلاة عن أول الوقت لأجل انتظار الجماعة أفضل أم يقدمها منفردا فيه خلاف وقال: البندنيجي وغيره إن وثق بحصول الجماعة آخر الوقت فالتأخير أفضل وإن أيس منها فالتقديم أفضل فإن كان يرجو فقولان والله أعلم قاله في مختصر الكفاية (٢). وفيما يحصل به فضيلة الأولية أوجه أصحها في الروضة يحصل بأن يشتغل بأسباب الصلاة عند دخول الوقت كالطهارة والأذان فإنه لا يعد حينئذ متوانيا ولا مقصرًا ولا يضر أكل لقم وكلام يسير ولا يكلف العجلة على خلاف العادة ولا يضر شغل خفيف وسنة راتبة والثاني لا يحصل إلا بأن يقدم ما يمكن تقديمه من الأسباب قبل الدخول الوقت ويشرع في الصلاة كما دخل الوقت لتطبيق الصلاة على أول الوقت، والثالث: لابد من تقديم الستر لأن وجوبه لا يختص بالصلاة، والرابع أنه يمتد إلى نصف الوقت، والخامس أنه إلى نصف الوقت الاختيار (٣).

стр. 1747

فوائد: تقديم الصلاة في أول الوقت مستحب وإنما يكون التعجيل أفضل حيث لا يعارض أرجح فإن كان فالتأخير أولى ويستحب التأخير في مسائل منها الإبراد بالظهر ولشدة الحر للحديث الوارد في ذلك (١) ومنها رمي الجمرات في أيام التشريق بمنى فإن تقدم الرمي على صلاة الظهر قاله في شرح المهذب (٢) ومنها إذا فقد الماء في أول الوقت وكان على ثقة من وجوده آخر الوقت فإنه يؤخر الوضوء (٣)، ومنها المستحاضة إذا كانت ترجو الشفاء آخر الوقت فإنها تؤخر الصلاة إلى آخر الوقت (٤)، ومنها إذا كان في أول الوقت عريانا ولو أخر وجد السترة آخر الوقت فإنه يؤخر الصلاة ولا يصلي أول الوقت، ومنها إذا كان المريض يرجو البرء آخر الوقت لو صلى أوله صلى قاعدا فالأفضل التأخير ليصلي قائما (٥)، ومنها إذا كان بحضرة طعام تتوق نفسه إليه (٦)، ومنها إذا كان يتحقق الجماعة آخر الوقت ولو صلى أول الوقت صلى منفردًا فإنه يؤخر للجماعة إذا تحقق وجودها (٧)، ومنها إذا كان

стр. 1748

مسافرا في وقت الأولى فإنها يؤخرها بنية الجمع إلى الثانية فإنه يؤخرها بنية الجمع إلى الثانية إذا كان ينزل أو يقيم وقت الثانية أو كان سائرا في أول الوقت وينزل أخره فإنه يؤخر إن كان ينزل أو يقيم (١)، ومنها إذا كان عليه فوائت فإنه يقدمها على المؤداة ما لم يضق وقتها (٢)، ومنها إذا كان بعرفة وكان حاجا أو مسافرا سفر القصر فإنها يؤخر المغرب ليصليها مع العشاء بمزدلفة جمعًا ولا يجوز ذلك لأهل مكة على الصحيح ولا لمن ليس مسافرا على الصحيح (٣)، ومنها إذا نزل به ضيف فإنه يؤخر الصلاة عن أول الوقت اشتغاله بالضيف إلى أن يؤويه ويطعمه، وقد صح عنه ﷺ أنه ترك سنة الظهر وقضاها بعد صلاة العصر وقال: "شغلني عنها وفد عبد القيس" وقال الله تعالى في حق إبراهيم: ﴿فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ (٢٦) فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ﴾ (٤) وقد ذكر في الإحياء خمسة يستحب تعجيلها وهي الميت، وقضاء الدين، والتوبة، وتزويج الكفء، وقرى الضيف (٥)، ومنها إذا تعينت عليه شهادة وخاف فوت فوت الحق لو لم يشهدوا أول الوقت فإنه يؤديها قبل الصلاة، ومنها إذا كان عنده غيظ أو غضب يشوش فكره فيؤخر إلى حصول الرضا وزوال الغيظ

стр. 1749

ومنها إذا كان له مرض قريب أو عيره وكان يستأنس به أول الوقت ولو فارقه حصلت له وحشة فالأولى تأخير الصلاة إلى أن يأتي من يؤنسه، ومنها إذا كسفت الشمس أو القمر، ومنها إذا حضرت جنازة أول الوقت قدمت الصلاة عليها على المكتوبة ومنها إذا خاف الضياع على الأموال من صارف أو غاصب فإنه يؤخر الصلاة إلى حالة الأمن، ومنها إذا كان هناك بهيمة قد أشرقت على الموت فإنه يشتغل بذبحها مخافة أن تموت فتحرم، ومنها إذا كانت عنده بهيمة وبها جوع أو عطش فإنه يطعمها قبل الصلاة، ومنها إذا كان خائفا استحب أن يؤخر الصلاة إلى حالة الأمن ما لم يخرج الوقت، ومنها إذا وجد آصلا وهو الثعبان أو شيئًا يستحب قتله فإنه يشتغل بقتله لأن قتله يفوت والصلاة لا تفوت، ومنها إذا كان إذا كان عنده ودائع وطلبت منه في أول الوقت فالمستحب أن يردها ليتفرغ قلبه للصلاة، ومنها إذا كانت عنده غصوب لو هواري وطلبت منه وجب ردها إليه وتقدمها على الصلاة، ومنها إذا كان لا يحسن الفاتحة في أول الوقت فيؤخذ ليتعلم، ومنها إذا كان في أرض مغصوبة في أول الوقت يجب عليه أن يخرج ويؤخر إلى حين الخروج منها، ومنها ما رواه أبو داود عن علي ﵁ أنه أدركته الصلاة في أرض بابل فأخر الصلاة حتى خرج منها، وقال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول إنها أرض ملعونة قال: البخاري ويذكر عن علي أنه كره الصلاة بأرض بابل، وقال الخطابي والحديث ضعيف لكن أبو داود سكت عليه فيكون صالحا للإحتجاج به عنده ومنها للخروج من أرض ثمود فإنها ديار حل بها

стр. 1750

الغضب والعقوب وكذلك ديار قوم لوط ووادي محسد وأشباه ذلك نعوذ بالله من غضبه وشر عباده ومن همزات الشياطين وأن يحضرون، ومنها للخروج من الكنيسة وقد قال: عمر ﵁ لا تدخلوا على هؤلاء كنائسهم فإن السخط ينزل عليهم وهذا إذا لم يكن فيها تصاوير فإن كان تصاوير حرم دخولها والصلاة فيها، ومنها المواضع المنهي عنها كمواضع المكس والربا والأسواق ومن مواضع الربا الصاغة فإنه يحرم دخولها لغير حاجة لتوقع الربا فيها قاله النووي في شرح المهذب، ومنها العبد إذا كان يرجو العتق فإنه يؤخر إلى فوات الجمعة، ومنها المريض إذا كان يرجو الشفا قبل فوات الجمعة تؤخر إلى فوات، ومنها يؤخر الصلاة إلى الخروج الوادي الذي نام فيه رسول الله ﷺ هو وأصحابه عن صلاة الصبح حتى طلعت الشمس فإنه ﷺ قال: "أخرجوا من هذا الوادي فإن فيه شيطانا" وقيل يعم ذلك كلّ واد، ومنها الصلاة في مسجد الضرار ممنوعة قال: الله تعالى: ﴿لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا﴾ (١) تؤخر الصلاة إلى الخروج من موضعه ومنها تؤخر الصلاة للخروج من الجزرة، ومنها تؤخر الصلاة إلى الخروج من المزبلة وهي مطرح الكناسات والقمامات والنجاسات وموضع قضاء الحاجات، ومنها تؤخر الصلاة للخروج من المقبرة (٢)، ومنها تؤخر الصلاة للخروج من أعطان الإبل إذا كان واسعا، ومنها إذا كان حاقبًا، ومنها إذا كان حاقنًا،

стр. 1751

ومنها إذا كان حازقًا، ومنها إذا كان خفه ضيقًا حازقًا له فإن ذلك يذهب الخشوع، ومنها فراغ قلبه من كلّ مشوش (١). فرع: إذا حضر المسجد جماعة قليلة في أول الوقت لم يؤخر الصلاة لزيادة الجماعة لئلا تفوت فضيلة أول الوقت نقله النووي في شرح المهذب عن النص (٢) وإنما تؤخر الصلاة لآخر الوقت إذا لم يكن الجماعة حاضرة في أول الوقت وهذا كما فى صلاة الجنازة لا تؤخر لكثرة الجماعة إلا إذا حضر دون الأربعين لأن الأربعين فيها مطلوبين وقد كان ابن عباس يؤخر الصلاة فيها لحضور الأربعين رواه مسلم (٣) لأنهم يشفعون في الميت وما من أربعين إلا وفيهم ولي لله تعالي، وسيأتي ذلك في الصلاة على الميت في الجنازة. فرع آخر: قال الروياني ليس للسيد منع عبده من فعل المكتوبة أول الوقت على الأصح ولأن منعه من النوافل التي في أدبارها وإنما يمنعه من غيرها وقضيته أن يمنعه من صلاة العيد والتراويح ونحوهما والله أعلم (٤). سؤال: لم قال أول الوقت رضوان الله وما معنى ذلك؟

стр. 1752

قيل: قال بعضهم: لم يقل أول الأوقات بل قال أول الوقت وعنا به المغرب وأوسطه الظهر والعصر والعشاء وآخره الصبح حكاه النيسابوري قال: ويقال الوقت وقتان وقت الأداء ووقت القضاء فوقت الأداء هو أول الوقت وهو رضوان الله وآخر الوقت هو وقت القضاء وهو عفو الله تعالى عن قضاء الصلاة خارج وقتها قال: ويقال: أول الوقت يعني في الأزمان رضوان الله وهو وقت خروج النبي ﷺ وأوسطه آخر الزمان وآخره عند الموت قاله في كشف الأسرار (١). وروى الدارقطنى من حديث إبراهيم بن عبد العزيز بن عبد الملك بن أبي محذورة عن أبيه عن جدّه قال: قال رسول الله ﷺ : أول الوقت رضوان الله، ووسط الوقت رحمة الله وآخر الوقت عفو الله (٢). قوله ورواه الدَّارقُطْنِي من حديث إبراهيم بن عبد العزيز بن عبد الملك بن أبي محذورة، وأبو محذورة اسمه (مختلف فيه، قيل: سمرة بن معير، بميم مكسورة، ثم عين مهملة سانة، ثم ياء مثناة من تحت مفتوحة، ثم راء، ويقال: اسمه أوس بن معير، كما ضبطناه، ويقال: سمرة بن عمير، ويقال: أوس بن

стр. 1753

مَعين، بضم الميم، وفتح العين، وتشديد الياء، وآخره نون. قال البغوي فى كتاب الأذان: ويقال: جابر بن معير. وذكر ابن قتيبة فى المعارف أن اسمه سليمان بن سمرة، وهو قريشي جمحي، روي أن رسول الله ﷺ أمر يده على رأسه وصدره إلى سرته، وأمره بالأذان بمكة عند منصرفه من حنين، فلم يزل يؤذن فيها، وكان من أحسن الناس صوتا، توفي بمكة سنة تسع وخمسين، وقيل: سنة سبع وسبعين، ولم يهاجر، ولم يزل مقيما بمكة إلى أن مات، ﵁. قال ابن قتيبة: أسلم أبو محذورة بعد حنين، وبقي الأذان بمكة في أبي محذورة وأولاده قرنا بعد قرن إلى زمن الشافعي، وفي سنن أبي داود وغيره فى حديث الأذان، أن أبا محذورة كان لا يجز ناصيته ولا يفرقها؛ لأن النبي ﷺ مسح عليها. وفي رواية الشافعي في الأم، وغير الشافعي، عن أبي محذورة، أن النبي ﷺ علمني الأذان، ثم أعطاني صرة فيها شيء من فضة، ثم وضع يده على ناصيتي، ثم أمرها على وجهي، ثم ثديي، ثم على كبدي، ثم بلغت يده سرتي، ثم قال رسول الله ﷺ : "بارك الله فيك وبارك عليك". (١) ٥٧٨ - وَرُوِيَ عَن ابْن عمر ﵄ عَن النَّبِي ﷺ قَالَ فضل أول الْوَقْت على آخِره كفضل الْآخِرَة على الدُّنْيَا رَوَاهُ أَبُو مَنْصُور الديلمي فِي مُسْند الفردوس (٢).

стр. 1754

وقوله: عن ابن عمر تقدم الكلام على فضائله قوله ﷺ : "فضل أول الوقت على أخره كفضل الآخرة على الدنيا" رواه أبو منصور الديلمي أبو منصور الديلمي اسمه (شهردار بن شيرويه بن شهردار بن شيرويه بن فاخسره بن خسركان بن أستنب بن زينونه بن خسرو الديلمي الهمذاني من أهل همذان، من أولاد الحُفَّاظ والعلماء، كان عالمًا فاضلًا، حافظًا، قيمًا، عارفًا بالأدب، ظريفًا خفيفًا. لازم مسجده، متبعًا أثر والده في كتابة الحديث وسماعه وطلبه. رحل مع والده إلى أصبهان وأدرك أصحاب أبي نعيم الحافظ. سمع بهمذان أباه أبا شجاع شيرويه وأبا الفتح عبدوس ابن عبد الله بن عبدوس، وأبا الحسن مكي بن منصور بن علان الكرجيّ، وأبا العلاء حمد بن نصر الحافظ، وبأصبهان، أبا علي الحداد، وأبا القاسم غانم البرجي، وأبا زكريا يحيى بن أبي عمر بن منده الحافظ، وبزنجان أبا بكر أحمد بن محمد بن زنجويه الزنجاني، وغيرهم. وله إجازة عن أبي بكر أحمد بن علي بن خلف الشيرازي من نيسابور، وأبي منصور محمد بن الحسين، بن الهيثم المقومي من قزوين. كتبت عنه في النوبتين جميعًا بهمذان. كتب لي بخطه جزءًا عن شيوخه، وكانت ولادته سنة نيف وثمانين وأربعمائة بهمذان ووفاته بها في رجب سنة ثمان وخمسية وخمسمائة (١).

стр. 1755

٥٧٩ - وَعَن رجل من أَصْحَاب رَسُول الله ﷺ قَالَ سُئِلَ رَسُول الله ﷺ أَي الْعَمَل أفضل قَالَ شُعْبَة قَالَ أفضل الْعَمَل الصَّلاة لوَقْتهَا وبر الْوَالِدين وَالْجهَاد رَوَاهُ أَحْمد وَرُوَاته مُحْتَج بهم فِي الصَّحِيح (١). قوله عن رجل من أصحاب النبي ﷺ قال: سئل رسول الله ﷺ : "أي العمل أفضل" أي أكثر ثوابا قال: شعبة قال: "أفضل العمل الصلاة لوقتها" الحديث شعبة تقدم تفسير. ٥٨٠ - وَعَن أم فَرْوَة ﵂ وَكَانَت مِمَّن بَايع النَّبِي ﷺ قَالَت سُئِلَ النَّبِي ﷺ أَي الأعْمَال أفضل قَالَ الصَّلَاة لأوّل وَقتهَا" رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَقَالَ لَا يرْوى إِلَّا من حَدِيث عبد الله بن عمر الْعمريّ وَلَيْسَ بِالْقَوِيّ عِنْد أهل الحَدِيث واضطربوا فِي هَذَا الحَدِيث (٢) قَالَ الْحَافِظ ﵁ عبد الله هَذَا صَدُوق حسن الحَدِيث فِيهِ لين، قَالَ أَحْمد صَالح الحَدِيث لا بَأْس بِهِ وَقَالَ ابْن معِين يكْتب حَدِيثه وَقَالَ ابْن عدي صَدُوق لا بَأْس بِهِ وَضَعفه أَبُو حَاتِم وَابْن

стр. 1756

الْمَدِينِيّ وَأم فَرْوَة هَذِه هِيَ أُخْت أبي بكر الصّديق لِأَبِيهِ وَمن قَالَ فِيهَا أم فَرْوَة الأَنْصَارِيَّة فقد وهم. قوله: عن أم فروة أم فروة هذه كانت ممن بايع النبي ﷺ وهي أخت أبي بكر لأبيه، ومن قال: فيها أم فروة الأنصارية فقد وهم، قاله: الحافظ، قوله سئل النبي ﷺ أي الأعمال أفضل قال: "الصلاة لأول وقتها" تقدم الكلام على ذلك في أول الباب، قوله قال: أبو داود والترمذي لا يروى إلا من حديث عبد الله بن عمر العمري قال: الحافظ عبد الله هذا صدوق وحسن الحديث فيه لين قال أحمد صالح الحديث لا بأس به، وقال ابن مَعين يكتب حديثه وقال: ابن عدي صدوق لا بأس به وضعفه أبو حاتم وابن المديني انتهى. ٥٨١ - وَعَن عبَادَة بن الصَّامِت ﵁ قَالَ أشهد أَنِّي سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول خمس صلوَات افترضهن الله من أحسن وضوءهن وصلاهن لوقتهن وَأتم ركوعهن وسجودهن وخشوعهن كَانَ لَهُ على الله عهد أَن يغْفر لَهُ وَمن لم يفعل فَلَيْسَ لَهُ على الله عهد إِن شَاءَ غفر لَهُ وَإِن شَاءَ عذبه رَوَاهُ مَالك وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائيّ وَابْن حبَان فِي صَحِيحه (١).

стр. 1757

قوله: عن عبادة بن الصامت تقدم قوله ﷺ : "خمس صلوات افترضهن الله من أحسن وضوءهن وصلاهن لوقتهن وأتم ركوعهن وسجودهن" الحديث الظاهر أن المراد هو الطمأنينة وقد ثبت عن حذيفة ﵁ أنه رأى رجلًا صلى ولم يتم الركوع والسجود فقال: له ما صليت ولو مت مت على غير الفطرة التي فطر الله عليها محمد ﷺ رواه البخاري. قوله ﷺ : "فليس له على الله إن شاء غفر له وإن شاء عذبه" تقدم الكلام على العهد وهذا الحديث حجة على عدم تكفير تارك الصلاة ولذا اعتقد وجوبها خلافا لأحمد حيث قال: تكفيره ووافقه بعض الشافعية وتقدم ذلك وحجتهم حديث جابر في صحيح مسلم أن رسول الله ﷺ قال: بين الرجل وبين الشرك ترك الصلاة وفي كتاب الترمذي لم يكن أصحاب رسول الله ﷺ يعدون شيئًا من الأعمال تركه كفرا إلا الصلاة والشافعي ﵀ يتناول حديث جابر ﵁ على الجاحد وجوبها جمعا بين الأحاديث وسيأتي الكلام على ذلك مبسوطا في بابه والله أعلم. ٥٨٢ - وَرُوِيَ عَن كَعْب بن عجْرَة ﵁ قَالَ خرج علينا رَسُول الله ﷺ وَنحن سَبْعَة نفر أَرْبَعَة من موالينا وَثَلَاثَة من غربنا مسندي ظُهُورنَا إِلَى مَسْجده

стр. 1758

فَقَالَ مَا أجلسكم قُلْنَا جلسنا نَنْتَظِر الصَّلَاة قَالَ فأرم قَلِيلا ثمَّ أقبل علينا فَقَالَ هَل تَدْرُونَ مَا يَقُول ربكُم قُلْنَا لا قَالَ فَإِن ربكُم يَقُول من صلى الصَّلَاة لوَقْتهَا وحافظ عَلَيْهَا وَلم يضيعها اسْتِخْفَافًا بِحَقِّهَا فَلهُ عَليّ عهد أَن أدخلهُ الْجنَّة وَمن لم يصلها لوَقْتهَا وَلم يحافظ عَلَيْهَا وضيعها اسْتِخْفَافًا بِحَقِّهَا فَلَا عهد لَهُ عَليّ إِن شِئْت عَذبته وَإِن شِئْت غفرت لَهُ رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير والأوسط وَأحمد بِنَحْوِهِ (١). أرم هُوَ بِفَتْح الرَّاء وَتَشْديد الْمِيم أَي سكت. قوله عن كعب بن عجرة بضم العين وإسكان الجيم الأنصاري المدني كنيته أبو محمد وقيل أبو عبد الله وقيل أبو إسحاق من بني سالم بن عوف وقيل من غيرهم من حلفا الأنصاري شهد الحديبية وفيه نزلت ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ﴾ (٢) الآية روى عن النبي ﷺ وعن عمرو بلال توفي ﵁ سنة إحدى أو إثنتين وخمسين قوله خرج علينا رسول الله ﷺ ونحن سبعة نفرا أو أربعة الحديث تقدم الكلام على النفر في أول هذا التطبيق هذا أنهم من الثلاثة إلى العشرة ولا أجد له من لفظه قوله فإن ربكم

стр. 1759

يقول من صلى الصلاة على وقتها وحافظ عليها تقدم الكلام على الصلاة في أول وقتها والمحافظة عليها قوله عن أنس تقدم الكلام على مناقبه قوله ﷺ : "من صلى الصلاة لوقتها وأسبغ لها وضؤها وأتم لها قيامها وخشوعها وركوعها وسجودها" تقدم الكلام على ذلك. ٥٨٣ - وَعَن عبد الله بن مَسْعُود ﵁ أَن النَّبِي ﷺ مر على أَصْحَابه يَوْمًا فَقَالَ لَهُم هَل تَدْرُونَ مَا يَقُول ربكُم ﵎ قَالُوا الله وَرَسُوله أعلم قَالهَا ثَلَاثًا قَالَ وَعِزَّتِي وَجَلَالِي لَا يُصليهَا أحد لوَقْتهَا إِلَّا أدخلته الْجنَّة وَمن صلاهَا بِغَيْر وَقتهَا إِن شِئْت رَحمته وَإِن شِئْت عَذبته رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير وَإِسْنَاده حسن إِن شَاءَ الله تَعَالَى (١). ٥٨٤ - وَرُوِيَ عَن أنس بن مَالك ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ من صلى الصَّلَوَات لوَقْتهَا وأسبغ لَهَا وضوءها وَأتم لَهَا قِيَامهَا وخشوعها وركوعها وسجودها خرجت وَهِي بَيْضَاء مسفرة تَقول حفظك الله كمَا حفظتني وَمن صلاهَا لغير وَقتهَا وَلم يسبغ لَهَا وضوءها وَلم يتم لَهَا خشوعها وَلَا ركوعها وَلا سجودها خرجت وَهِي سَوْدَاء مظْلمَة تَقول ضيعك الله كَمَا ضيعتني حَتَّى إِذا كانَت حَيْثُ شَاءَ الله لفت كَمَا يلف الثَّوْب الْخلق ثمَّ ضرب بهَا وَجهه"

стр. 1760

رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْأَوْسَط (١) وَتقدم فِي بَاب الصَّلَوَات الْخمس حَدِيث أبي الدَّرْدَاء وَغَيره. قوله: خرجت وهي بيضاء مستقرة أي مضيئة مشرقة، ومنه الحديث أسفروا بالصلاة أي أخروها إلى الوقت الإسناد قوله: ومن صلاها لغير وقتها ولم يسبغ لها وضوؤها ولم يتم لها خشوعها ولا ركوعها ولا سجودها خرجت وهي سوداء مظلمة تقول ضيعك الله كما ضيعتني الحديث قال: بعض أهل العلم يا ويل من أفضل عبادة بدنة تدعوا عليه بالضياع قال: العُلماء ﵃ فيه تعظيم أمر الصلاة وأن من مات مضيعا لها خشي عليه أن لا يقبل منه عمل كما في حديث "فهو لما سواهما أضيع" ومعناه أن بتضييعه الصلاة ضيع غيرها كما في الحديث الآخر "أول ما ينظر الله فيه من عمل العبد الصلاة" إلى قوله "فإن لم تقبل منه لم ينظر له في شيء من عمله الباقي" أي أنه إذا ضيعها دل على أنه لما خفي من عمله أضيع قاله: عياض (٢). قوله ﷺ "لفت كما يلف الثوب الخلق ثم ضرب بها وجهه" الخلق بفتح اللام أي البالي قاله في صحاحه والله أعلم.

стр. 1761

[الترغيب في صلاة الجماعة وما جاء فيمن خرج يريد الجماعة فوجد الناس قد صلوا] قوله: "الجماعة" الجماعة لفظها من الجمع وقد استعملوا ذلك في غير الناس حتى قالوا جماعة الشجر والأصل في مشروعيتها في الصلوات الخمس قوله: ﴿فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ﴾ (١) وإذا ثبتت في الخوف ففي الأمن أولى وكان ﷺ بمكة ثلاث عشرة سنة يصلي بغير جماعة لأن الصحابة ﵃ كانوا مقهورين يصلون في بيوتهم فلما هاجر إلى المدينة أقام الجماعة وواظب عليها وانعقد الإجماع عليها ونقل الزمخشري عن مقاتل بن حبان أنه سأل أبا حنيفة هل تجد صلاة الجماعة في القرآن قال: لا يحضرني، قال: في قوله تعالى: ﴿وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ (٢١٩)﴾ (٢) وقال: ابن المبارك في قوله تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ (٣) ونقل في الإحياء في آخر كتاب التوبة عن أبي سليمان الداراني أنه قال: لا تفوت أحدا صلاة الجماعة إلا بذنب أذنبه وروي البيهقي في الشعب عن نعيم بن حمَّاد قال: جاء ضمام بن إسماعيل إلى المسجد فوجد الجماعة قد فاتت فالزم نفسه أن لا يخرج من المسجد حتى يلقى الله تعالى فجعله بيته حتى

стр. 1762

مات (١) وروى البيهقي في الشعب أيضًا عن ميمون بن مهران عن سعيد بن المسيب أنه مكث أربعين سنة ما لقي الناس خارجين من المسجد وهو داخل وكان يقول ما رأيتُ الناس منصرفين من المسجد منذ أربعين سنة ولا سمعتُ تأذينا في أهلي منذ ثلاثين سنة (٢) وكان المزني ﵀ إذا فاتته صلاة في جماعة صلى منفردًا خمسًا وعشرين صلاة استدراكًا لفضيلة الجماعة (٣) انتهى. قاله الكمال الدميري (٤). ٥٨٥ - عَن أبي هُرَيْرَة ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : "صَلَاة الرجل فِي جمَاعَة تضعف على صلَاته فِي بَيته وَفِي سوقه خمْسا وَعشْرين ضعفا وَذَلِكَ أَنه إِذا تَوَضَّأ فَأحْسن الْوضُوء ثمَّ خرج إِلَى الْمَسْجِد لا يُخرجهُ إِلَّا الصَّلَاة لم يخط خطْوَة إِلَّا رفعت لَهُ بهَا دَرَجَة وَحط عَنهُ بهَا خَطِيئَة فَإِذا صلى لم تزل الْمَلَائِكَة تصلي عَلَيْهِ مَادَامَ فِي مُصَلَّاهُ مَا لم يحدّث اللَّهُمَّ صل عَلَيْهِ اللَّهُمَّ ارحمه وَلَا يزَال فِي صَلَاة مَا انْتظر الصَّلَاة" رَوَاهُ البُخَارِيّ وَاللَّفْظ لَهُ وَمُسلم وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَابْن مَاجَه (٥).

стр. 1763

قوله عن أبي هريرة تقدم الكلام على مناقبه، قوله ﷺ : "صلاة الرجل في جماعة تضعف على صلاته في بيته خمسًا وعشرين ضعفًا" وفي بعض طرقه "درجة" فيحتمل أن يراد أن يصلي وحده في سوقه ويحتمل أن يراد أن يصلي في جماعة في السوق ولا يحصل له فضيلة جماعة المسجد قاله ابن عقيل في شرح الأحكام (١). قوله: "وذلك أنه أيضًا إذا توضأ فأحسن الوضوء ثم خرج على المسجد لا يخرجه إلا الصلاة" تقدم الكلام على ذلك قريبًا وتقدم الكلام أيضًا على الخطى والدرجات وحط السيئات. قوله: "فإذا صلى لم تزل الملائكة تصلي عليه مادام في مصلاه ما لم يحدّث اللهم صلي عليه اللهم ارحمه" الحديث، الصلاة في اللغة الدعاء قال الله تعالى: ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾ (٢) الآية أي ادع لهم والصلاة في الشرع: عبارة عن أركان معلومة وأفعال مخصوصة (٣)، والصلاة من الله تعالى رحمة مقرونة بتعظيم، ومن الملائكة يعني استغفار، ومن الأدميين تضرع ودعاء (٤). قوله: "ولا يزال في صلاة ما انتظر الصلاة" أي يكتب له أجر المصلي قائمًا مادام قاعدًا ينتظر الصلاة وتقدم الكلام على ألفاظ الحديث مبسوطًا.

стр. 1764

٥٨٦ - وَعَن ابْن عمر ﵄ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ: "صَلَاة الْجَمَاعَة أفضل من صَلَاة الْفَذ بِسبع وَعشْرين دَرَجَة" رَوَاهُ مَالك وَالْبُخَارِيّ وَمُسلم وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ (١). قوله: عن ابن عمر تقدم الكلام على مناقبه قوله ﷺ : "صلاة الجماعة أفضل من صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة" الفذ: بالذال المعجمة المنفرد المصلي وحده وقد فذ الرجل عن أصحابه إذا شذ عنهم وبقي منفردا وفي حديث مسلم هذه الآية الفاذة الجامعة أي المنفردة في معناها والفذ أول سهام الميسر اعلم أن الفذ المذكور هو غير المعذور وأما المريض والمسافر وكل معذور فيكتب له فضلها وفيه خلاف قال ﵇: "إذا مرض العبد وسافر كتب له ما كان يعمل صحيحًا مقيمًا وكذا الذي يصلي صلاة من الأرض وحده فإن صلاته بخمسين صلاة" كما رواه أبو داود قاله في شرح الإلمام قوله بسبع وعشرين درجة وفي حديث أبي هريرة بخمسة وعشرين جزءا وفي حديث أبي سعيد الخدري بخمس وعشرين درجة والكل في الصحيح وحديث أبي هريرة وابن عمر متفق عليهما وحديث أبي سعيد في البخاري. قال: أبو عيسى الترمذي وعامة من روى عن النبي ﷺ إنما قال: "خمسًا وعشرين" إلا ابن عمر فإنه قال: "بسبع وعشرين" فما وجه الجمع بينهما قال

стр. 1765

الجمع بينهما أن تكون الدرجة أقل من الجزء وهو ضعف فكأن الخمسة وعشرين جزءًا إذا جزيت درجات فكانت سبعًا وعشرين درجة وقيل الدرجة غير الجزء وهو غفلة من قائله فقد ثبت فى بعض بخمس وعشرين درجة، وقيل أن السبع وعشرين وردت بعد الخمس والعشرين ولا حد ذكر القليل لا ينفي الكثير ولله تعالى أن يزيد من فضله ما يشاء، وقيل: أن قوله ﷺ "بخمس وعشرين وبسبع وعشرين" راجع إلى أحوال المصلين وحال الجماعة فإذا كانت جماعة متوافرة وكان المصلي على غاية من التحفظ وكمال طهارة ومحافظته على هيائتها وخشوعها وشرف البقعة ونحوها كان هو الموعود بسبع وعشرين درجة إن كان على دون تلك الحالة كان هو الموعود بخمسة وعشرين درجة وقيل السبع والعشرين في العصر والصبح لمزيتهما على غيرهما فالمرجع في حقيقة ذلك إلى علوم النبوة التي قصرت عقول الألباب عن إدراك جملتها وتفاصيلها والله أعلم. قال العُلماء ﵃: استدل بهذا الحديث على صحة صلاة المنفرد لأن لفظة أفضل تقتضي الاشتراك في الأصل مع التفاضل في أحد الجانين وذلك يقتضي حصول فضيلة في صلاة المنفرد ولو كانت باطلة لم يكن فيها فضيلة، وفي الحديث دليل على عدم وجوب الجماعة لإثبات الفضيلة وذهب أبو داود إلى عدم صحة صلاة المنفرد وقال الجماعة شرط لصحة الصلاة وقال: الإمام أحمد بوجوبها فقال: من صلى وحده أثم وصحته والمختار عند الشافعية ونص عليه إمامهم أنها فرض كفاية وقيل سنة

стр. 1766

وهو الأصح عند الرافعي وقيل فرض عين وسيأتي الكلام على من يقول بذلك في بابه فالمراد بالدرجة المذكورة في الحديث شرف المنزلة في الجنة لا مجرد الحسنة وقيل أيضًا لبعض العُلماء في طريق الجمع بين الأحاديث أن الدرجة أقل من الجزء كما تقدم فتكون الخمسة والعشرون جزء أقل من الدرجة وهذا القدر حدث لا دليل عليه والجواب ما ذكر من وجهين آخرين أحدهما أنه ﷺ أخبر أولا بخمس وعشرين ثم أخبر ثانيا بالسبع والعشرين فيكون في ذلك البشارة مرتين ومن فوائد ذلك تنشيط النفس ومسارعتها إلى ما يحصل ذلك، الوجه الثاني أنه يحتمل أنه أوحي إليه أولا الخمس والعشرين فبشر به ثم أوحي إليه الزيادة فبشر بها وقد وردت البشارة ثلاثًا في قوله ﷺ "ألا ترضون أن تكونوا ثلث أهل الجنة" فكبرنا ثم قال "ألا ترضون أن تكونوا نصف أهل الجنة" فكبرنا ثم قال ﷺ إن أهل الجنة عشرون ومائة صنف منها ثمانون من هذه الأمة" قيل وإنما كانت الثمانون من هذه الأمة لأن الله تعالى سماهم الوارثين قال الله تعالى: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ (١٠)﴾ (١) ودار الجنة هي دار أبينا آدم ﷺ والورثة يكون لهم الثلثان بطريق الأرث. والبقعة لغيرهم بطريق الوصية وأمته ﷺ هم الوارثون جعلنا الله تعالى من أمته قيل وإنما كانت العدة سبعا وعشرين لأن الحسنة بعشر أمثالها والجماعة مأخوذة من الجمع فإذا صلى ثلاثة أنفس كانت صلاتهم
следующие страницы →