الأشياء عند النعوت (١)، وقيل: الحكمة: الإصابة في القول والفعل والرأي (٢)، ويقال: الإصابة في النظر (٣).
قال سفيان بن عيينة: ما أخلص عبد لله أربعين يوما إلا أنبت الله الحكمة في قلبه نباتا وأطلق لسانه بها وبصره عيوب الدنيا - داءها ودواءها - (٤)، وقال النووي في بستان العارفين: روينا عن سهل التستري قال: من زهد في الدنيا أربعين يومًا صادقًا من قلبه مخلصًا في ذلك ظهرت له الكرامات، ومن لم تظهر له فإنه عدم الصدق في زهده، فقيل لسهل: كيف تظهر له الكرامات، قال: يأخذ ما يشاء من حيث شاء (٥).
قوله في آخر حديث ابن عباس: إنما ذكر في كتب الضعفاء كالكامل وغيره، قال شيخ الإسلام الحافظ العسقلاني الشهير بابن حجر: ليس هو في الكامل أصلًا (٦). قوله: حدثنا [حجاج بن] مكحول عن النبي ﷺ ، فذكره مرسلا، ومكحول: تابعي، قاله النووي (٧)، وتقدم معنى الحديث المرسل.
стр. 258
قوله: رواه ابن عدي بسند ضعيف، وعده ابن الجوزي في الموضوعات.
فائدة: اتفق العلماء على جواز العمل بالحديث الضعيف في فضائل الأعمال لأنه إن كان صحيحا في نفس الأمر فقد أعطى حقه من العمل به، وإن كان ضعيفا كما ظهر من حاله فمقتضاه لا يترتب عليه تحليل ولا تحريم ولا هضم حق بل هو طاعة والطاعة لا حرج على فاعلها، وقد جاء في بعض الأحاديث الضعيفة أيضًا عن النبي ﷺ : "من بلغه عني ثواب عمل فعمله حصل له أجره وإن لم أكن قلته" (١) أو كما قال، ذكره الطوفي في شرح الأربعين النواوية (٢).
١٣ - عَن أبي ذَر أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ: "قد أَفْلح من أخْلص قلبه للْإيمَان وَجعل قلبه سليما وَلسَانه صَادِقا وَنَفسه مطمئنة وخليقته مُسْتَقِيمَة وَجعل أُذُنه مستمعة وعينه ناظرة، فَأَما الأذن فقمع، وَالْعين مقرة بِمَا يوعي الْقلب، وَقد أَفْلح من جعل قلبه واعيا" (٣). رواه أحمد والبيهقي وفي إسناد أحمد احتمال للتحسين.
قوله: وعن أبي ذر ﵁، أبو ذر: اسمه جندب بن جنادة، وقيل: اسمه بريد
стр. 259
بن جندب، وقيل: اسمه جندب بن عبد الله، وقيل: اسمه جندب بن السكن، والمشهور: جندب بن جنادة بن سفيان بن عبيد الغفاري الحجازي، وكان أبو ذر من السابقين إلى الإسلام، ثبت في صحيح مسلم أنه قدم على رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله، من اتبعك على هذا؟ قال: "حر وعبد"، وأنه أقام بمكة ثلاثين بين يوم وليلة، وأسلم ثم رجع إلى بلاد قومه بإذن النبي ﷺ ثم هاجر إلى المدينة، وصحبه ثم توفي رسول الله ﷺ ، رُوي له عن رسول الله ﷺ مائتا حديث واحد وثمانون حديثا، اتفق البخاري ومسلم منها على اثني عشر حديثًا، وانفرد البخاري بحديثين ومسلم بسبعة عشر حديثًا، وتوفي أبو ذر بالربذة سنة اثنتين وثلاثين، وكان أبو ذر طويلًا عظيمًا، وكان زاهدًا متقللًا من الدنيا، وكان مذهبه ﵁ أن يحرم على الإنسان إدخار من زاد على حاجته، وكان ﵁ قوالًا بالحق ﵁؛ ومناقبه كثيرة مشهورة (١).
قوله ﷺ : "قد أفلح من أخلص قلبه للإيمان وجعل قلبه سليمًا ولسانه صادقًا ونفسه مطمئنة وخليقته مستقيمة ... " الحديث. تقدم الكلام على الإخلاص.
أما قوله: "جعل قلبه سليمًا" القلب السليم: هو الخالص من الشرك والشك، فأما الذنوب فليس يسلم منها أحد (٢).
стр. 260
وقال سعيد بن المسيب: القلب السليم هو الصحيح، وهو قلب المؤمن لأن قلب الكافر والمنافق مريض، قال الله سبحانه في قلوبهم مرض.
وقال أبو عثمان النيسابوري: هو القلب الخالي من البدعة، المطمئن على السنة والله أعلم (١).
وأما قوله: "ولسانه صادق" تقدم الكلام على الصدق.
وأما قوله: "ونفسه مطمئنة" النفس المطمئنة، قال مجاهد: هي التي أيقنت أن الله ربها وصبرت على أمره وطاعته، قال عطية هي الراضية بقضاء الله وقيل: المطمئنة بذكر الله كما بينه قوله تعالى: ﴿وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ﴾ (٢)(٣).
وأما قوله: "وخليقته مستقيمة" الخليقة والخلق بمعنى واحد وهي الطبع والجبلة، ومعنى مستقيمة أَيْ: غَيْرَ مَائِلَةٍ إِلَى طَرِيقِ الْإِفْرَاطِ وَالتَّفْرِيطِ.
قوله ﷺ : "فأما الأذن" بإسكان الذال المعجمة وبضمها، وهما قراءتان ولغتان.
وأما "فقمع" فبكسر القاف وفتح الميم وسكونها لغتان كنَطع ونِطع، وحكى الجوهري عن يعقوب فتح القاف وإسكان الميم، والقمع أي: بفتح الميم واحد الأقماع وهو ما يجعل في رؤوس الظروف ويصب فيه المائعات
стр. 261
من الأشربة والأدهان؛ وفي رواية: "ويل للأقماع الآذان" شبه أسماع الذي يستمعون القول ولا يعونه ولا يحفظونه ولا يعملون به بالأقماع التي لا تعي شيئًا مما يفرغ فيها، فكأنه يمر عليها مجازًا كما يمر الشراب في الأقماع اجتيازًا، قاله العراقي في أماليه؛ ومنه الحديث: "أول من يساق إلى النار الأقماع الذين إذا أكلوا لم يشبعوا" وإذا لم يشبعوا، كان ما يأكلونه ويجمعونه يمر بهم مجتازا غير ثابت فيهم ولا باق عندهم، قاله في النهاية (١).
стр. 262
فصل
١٥ - عَن عمر بن الْخطاب ﵁ قَالَ: سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول: "إِنَّمَا الأعْمَال بِالنِّيَّةِ" وَفِي رِوَايَة "بِالنِّيَّاتِ" "وَإِنَّمَا لكل امرئ مَا نوى، فَمن كَانَت هجرته إِلَى الله وَرَسُوله فَهجرَته إِلَى الله وَرَسُوله وَمن كَانَت هجرته إِلَى دنيا يُصِيبهَا أَو امْرَأَة ينكحهَا فَهجرَته إِلَى مَا هَاجر إِلَيْهِ" (١). رواه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي قال الحافظ وزعم بعض المتأخرين أن هذا الحديث بلغ مبلغ التواتر وليس كذلك فإنه انفرد به يحيى بن سعيد الأنصاري عن محمد بن إبراهيم التيمي ثم رواه عن الأنصاري خلق كثير نحو مائتي راو وقيل سبعمائة راو وقيل أكثر من ذلك وقد روي من طرق كثيرة غير طريق الأنصاري ولا يصح منها شيء كذا قاله الحافظ علي بن المديني وغيره من الأئمة.
وقال الخطابي: لا أعلم في ذلك خلافا بين أهل الحديث والله أعلم. أهـ
قوله: عن عمر بن الخطاب، هو: أمير المؤمنين أبو حفص وأول من كناه بذلك رسول الله ﷺ كما رواه ابن الجوزي عنه (٢)، والحفص في اللغة الأسد (٣) عمر بن الخطاب بن نفيل بضم النون وفتح الفاء ابن عبد العزى بن
стр. 263
رياح بكسر الراء ثم مثناة تحت وأبعد من قال بباء موحدة ابن عبد الله بن قرط بضم القاف ثم راء ثم طاء مهملتين بن رزاح بفتح الراء والزاي بن عدي بن كعب بن لؤي بالهمز وتركه، بن غالب بن فهر العدوي القرشي المدني، ويجتمع مع رسول الله ﷺ في كعب بن لؤي، وأم عمر ﵁ اسمها: حنتمة، بالحاء المهملة ثم نون ثم مثناة فوق، بنت هاشم، ويعرف بذي الرمحين، ويقال: هشام بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم بن يقظة بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب المخزومي، ولد ﵁ بعد الفيل بثلاث عشرة سنة، وكان من أشراف قريش وإليه كانت السفارة في الجاهلية، ولما بعث رسول الله ﷺ كان عمر شديدًا عليه وعلى المسلمين ثم لطف الله تعالى به فأسلم قديما وأسلم بعد ست من النبوة، وقيل: خمس فأسلم بعد أربعين رجلا وإحدى عشر امرأة وقيل: بعد تسعة وثلاثين رجلا وعنترين امرأة، وقيل: بعد خمسة وأربعين رجلا وإحدى عشرة امرأة وقيل: غير ذلك، وذكر ابن الجوزي (١) أن عمر لما أسلم نزل جبريل ﵇ فقال: استبشر أهل السماء بإسلامه وكان إسلامه عزا أظهر به الإسلام بدعوة النبي ﷺ وفي صحيح البخاري (٢): ما زلنا أعزة منذ أسلم عمر، وخبر إسلامه مشهور وأن سببه أن أخته فاطمة بنت الخطاب، كانت زوجة سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل أحد العشرة وكانت أسلمت هي وزوجها فسمع عمر بذلك فقصدهما ليعاقبهما
стр. 264
فقرئ عليه القرآن فأوقع الله تعالى في قلبه الإسلام فأسلم ثم جاء إلى النبي ﷺ وأصحابه يجتمعون به في دار الصفا فأظهر إسلامه فكبر المسلمون فرحا بإسلامه، ورووا عن رسول الله ﷺ قال: "إن الله جعل الحق على لسان عمر وقلبه" (١) واتفقوا على تسميته بالفاروق لفرقانه بين الحق والباطل بإسلامه وظهور ذلك فقيل: سماه الله بذلك وروت عائشة ﵂: بويع له بالخلافة يوم موت الصديق وهو يوم الثلاثاء لثمان بقين من جمادى الآخرة سنة ثلاث عشرة من الهجرة بوصاية الصديق إليه فسار بأحسن سيرة وزين الإسلام بعدله وفتح الله به الفتوح الكثيرة كبيت المقدس وجميع الشام، دون الدواوين في العطاء ورتب الناس فيه، وكان لا يخاف في الله لومة لائم وهو أول من ضرب بالدرة وحملها ومصر الأمصار وكسر الأكاسرة وقصر القياصرة ونور المساجد بصلاة التراوريح وأول من أرخ التاريخ من الهجرة، وأول قاض في الإسلام ولاه الصديق القضاء وأول من جمع القرآن في المصحف، وحج بالناس عشر سنين متوالية، وكان آدم أو أبيض قولان والجمهور على الثاني كما قال النووي (٢)، وآخى رسول الله ﷺ بينه وبين الصديق انتهى.
стр. 265
تتمة: المؤاخاة كانت في أول سنة من سني الهجرة وعامتها بين المهاجرين والأنصار ولها سببان، أحدهما: أنه أجرأهم على ما كانوا ألفوا في الجاهلية من الحلف فإنهم كانوا يتوارثون بالحلف فنفاه ﷺ وأثبت من جنسه المؤاخاة لأن الإنسان إذا فطم عما يألفه علل بجنسه.
والثاني: أن المهاجرين قدموا محتاجين إلى المال والمنازل فنزلوا على الإحسان فأكد هذه المخالطة بالمؤاخاة ولم يكن بعد غزوة بدر مواخاة لأن الغنائم وقعت بالقتال فاستغني المهاجرون بما كسبوا رضي الله تعالى عنهم أجمعين (١)، انتهى قاله في الديباجة حج بالناس عشر سنين متوالية، وقد كان آدم أو أبيض قولان والجمهور على الثاني كما قاله النووي، وفي الصحيح أنه ﷺ قاله له: "والذي نفسي بيده ما لقيك الشيطان أن سالكا فجا إلا سلك فجا [غير فجك" (٢)].
ومن كرامات عمر المشهورة أنه قال في خطبة الجمعة: يا سارية الجبل الجبل فالتفت الناس بعضهم لبعض فلم يفهموا مراده فلما قضى الصلاة قال له على ما هذا الذي قلته: قال وسمعته قال نعم، وكل أهل المسجد قال: وقع في خلدى أن المشركين هزموا إخواننا وركبوا أكتفاهم وهم يمرون بجبل فإن عدلوا إليه قاتلوا من وجدوا وظفروا وأن جاوزوا هلكوا فخرج منه هذا الكلام فجاء البشير بعد شهر فذكروا أنهم سمعوا في ذلك اليوم وتلك الساعة
стр. 266
حين جاوزوا الجبل صوتا بشبه صوت عمر قال: فعدلنا إليه ففتح الله، رواه ابن عساكر (١) بسند كل رواته ثقات (٢).
واتفقوا على أنه أول من سمي أمير المؤمنين وإنما كان يقال لأبي بكر الصديق خليفة رسول الله ﷺ وهاجر إلى المدينة حين أراد النبي ﷺ الهجرة فتقدم قدامه في جماعة وشهد عمر مع رسول الله ﷺ بدرا وأحدا والخندق وبيعة الرضوان وخيبر والفتح وحنينا والطائف وتبوك وسائر المشاهد كلها، وكان ﵁ شديدا على الكفار والمنافقين، روي له عن رسول الله خمسمائة حديث وتسعة وثلاثين حديثا، اتفق البخاري ومسلم منها على ستة وعشرين حديثا، وانفرد البخاري بأربعة وثلاثين حديثا ومسلم بأحد وعشرين حديثا، وختم الله لعمر ﵁ بالشهادة وكان يسألها، وتوفي ﵁ وهو ابن ثلاث وستين سنة على الصحيح المشهور، ثبت ذلك في الصحيح عن معاوية بن أبي سفيان، وقال الجمهور واستشهد يوم الأربعاء لأربع أو لثلاث أو لتسع من ذي الحجة سنة تلاث وعشرين من الهجرة، وقال الفلاش: سنة أربع، وحمل إلى منزله وبقي ثلاثة أيام وقيل سبعة أيام ومات، وقال عمرو
стр. 267
بن علي: مات يوم السبت عشية المحرم، وروي عنه أنه قال حين احتضر ورأسه في حجر ابنه عبد الله:
ظَلُومٌ لِنَفْسِي غَيْرَ أنِّي مُسْلِمٌ ... أُصَلِّي الصَّلاةَ كلَّهَا وَأَصُومُ
وكراماته كثيرة مشهورة رضي الله تعالى عنه (١).
ولنذكر نبذة مختصرة في قتل أمير المؤمنين من كتاب الشيخ الإمام العالم العلامة صدر المدرسين ومعيد الطالبين الشريف النسابة الذي ألف في ذلك وقرأته عليه بمنزله بطيبة الحينية، وأجازني به - نفع الله به وبعلومه -؛ قال - عفا الله عنه -: روى مسلم (٢) وغيره أن عمر ﵁ خطب الناس فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: إني رأيت رؤيا لا أراها إلا عند حضور أجلي أن ديكا نقرني نقرة أو نقرتين فحدثتهما أسماء بنت عميس فحدثتني أسماء أنه يقتلني رجل من الأعاجم، انتهى، وكان هذا القول منه ﵁ يوم الجمعة فطعن يوم الأربعاء، ورواه الحاكم (٣) عن سالم بن أبي الجعد عن معدان بن أبي طلحة عن عمر ﵁ أنه قال على المنبر: رأيت في المنام كأن ديكا نقرني ثلاث نقرات، فقلت: أعجمي يقتلني، انتهى، وقال رجل لابن سيرين: رأيت أن ديكا يصيح بباب إنسان، وينشد:
قَدْ كَانَ مِنْ رَبِّ هَذَا الْبَيْتِ مَا ... كَانَا هَيئُوا لِصَاحبهِ يَا قَوْمِ أَكْفَانَا
стр. 268
فقال ابن سيرين: يموت صاحب هذه الدار بعد أربعة وثلاثين يوما، انتهى، وهو عدد حروف الديك بالجمل لأن الدال بأربعة والياء بعشرة والكاف بعشرين، وجاء آخر إلى ابن سيرين فقال: إني رأيت كأن ديكا يقول: الله الله الله، فقال: بقى من أجلك ثلاثة أيام فكان ذلك، لأن الديك قد أعلن أنه لا يبقى إلا الله تعالى، وتكرر اسم الله تعالى وهي الثلاثة أيام التي بقيت من عمره، وكان لرقية بنت النبي ﷺ من عثمان بن عفان ولد اسمه عبد الله، وبه كان يكنى بلغ ست سنين، نقره ديك في وجهه فمات بعد أمه في جمادي سنة أربع، ولم تلد له غيره (١).
[مباحث تتعلق بالرؤية] [التعبير] قول عمر ﵁ في الرؤيا: نقرني ديك ثلاثا، فيه إشارة إلى قوله تعالي: ﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى (٥٥)﴾ (٢) وبالنقر إلى قوله ﵎: ﴿فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ (٨)﴾ (٣) قال المفسرون: الصور ينقر فيه مع النفخ وعبر بالثلاث إلى بقية عمر الرائي، ولهذا قيل: إنه لم يمض عليه أربع ليال من الرؤية حتى طعن ﵁ كما ورد في الحديث، ورد أن الرؤيا كانت يوم الجمعة فطعن يوم الأربعاء.
стр. 269
وقوله في الرواية الثانية: نقرني نقرتين إشارة إلى قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (١٥٦)﴾ (١)(٢).
وقوله: ثلاثًا استنادًا إلى تأويل نبي الله يوسف ﵇ حين قص عليه ساقي الملك رؤياه فقال: إني رأيت كأني دخلت كرما فجثيت ثلاثة عناقيد فعصرتهن في الكأس ثم أتيت به الملك فشربه فقال له: ما أحسن ما رأيت أما الأغصان الثلاثة فثلاثة أيام يبعث إليك الملك عند انقضائها فيردك إلى عملك فتعود كأحسن ما كنت فيه، وكان كذلك فعبر له بإخراجه من السجن إلى حال سبيله بعد ثلاث، وقال له الخباز: رأيت كأني خرجت من مطبخ الملك احمل فوق رأسي ثلاث سلال من خبز فوقع على أعلاهن طيرًا فأكل منها فقال له: بئس ما رأيت فعبر له السلال الثلاث ثلاثة أيام، ثم يبعث إليك الملك عند انقضائها فيقتلك ويصلبك وتأكل الطير من رأسك، فقالا: ما رأينا شيئًا، فقال: قضى الأمر الذي فيه تستفتيان فعبر له الثلاث سلال بخروجه من السجن إلى القتل فعد ثلاثة أيام فناسب تعبير خروج الرائي من سجن الدنيا إلى بعد ثلاثة أيام إلى الآخرة، ولقوله ﷺ : "الدنيا سجن المؤمن" (٣) فإذا مات خرج من السجن، والحكمة في نقر الديك دون التخميش بالرجل إكرامًا لعمر ﵁ فإن الفم أشر الأعضاء في الحيوان ولهذا
стр. 270
قدم بالتطهير على غيره ولم يوقظه برجله تشريفًا له فإن الرجل تلامس القاذورات والنجاسات غالبًا فناسب إيقاظه بالعضو الشريف [من العضو الشريف] (١) دون غيره وكونه نقرًا إشارة إلى الطعن دون غيره لأن النقر له نكاية في العضو كالطعن ولأن سلاح الطير منقاره (٢).
فإن قيل: قد فسر الرؤيا لنفسه بقوله: يقتلني رجل من الأعاجم، ثم قصها على أسماء بنت عميس ففسرتها له بمثل ما فسرها لنفسه ولم تزد على ذلك وقد قيل إن الرؤية على جناح طائر أو رجل طائر فيقع بأول تعبير، فالجمع بينهما أنه لم يقنع بتفسيره لنفسه لأن التأويل محتمل وليس مقطوعًا به لقول نبي الله يوسف ﵇ لساقي الملك وصاحب طعامه: ﴿قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ﴾ (٣) فلم يقنع ﵁ بتأويل نفسه فوكل الأمر إلى غيره ليستثبت ذلك ويسمعه من غيره ويقوي عنده ما فسره لنفسه.
فإن قيل: ورد في الصحيح عن أبي قتادة من قوله ﷺ في الرؤيا: "إذا رأى أحدكم ما يسوءه فليتفل عن يساره ثلاثًا وليتعوذ بالله من شرها" (٤) وفي رواية: "من الشيطان فإنها لا تضره"، وفي رواية: "فلا يحدث بها أحدًا" ولم ينقل عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ في الرؤيا أنه تفل ولا تعوذ ولا سأل ولا
стр. 271
كتم فلعله فعل ذلك عمدًا لما قوي عنده من دنو أجله وعلمه أن الحذر لا يدفع القدر وما قدر فهو كائن ﴿فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ (١) ولهذا قال وهو مطعون: ﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا﴾ (٢) ولعله اختار لقاء ربه وآثر الآخرة على الدنيا، ومال إلى قوله ﷺ : "من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه" (٣) وكقول عائشة قالت: كنت أعوذ النبي ﷺ وأنفث في مرضه فلما كان في المرض الذي قبض فيه فعلت. ذلك فرفع يده وقال: "في الرفيق الأعلى"، وذلك لما خير بين الآخرة والأولى.
ولعله نسى التعوذ للأمر المحتوم قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٤٠)﴾ (٤)؛ وقوله ﷺ في الحديث: "إذا تعوذ لم يضره" فلعل معناه في عقله كما قيل فيمن "أتى أهله إذا سمى الله تعالى وقدر بينهما ولد لم يضره الشيطان" أي في عقله وكما فسر وإلا فالشيطان مسلط على الآدمي إلا أنْ يكون معصومًا كالنبي أو محفوظًا كالولي لقوله ﷺ لعمر بن الخطاب: "ما سلكت فجًّا إلا سلك الشيطان فجًّا غير فجك"، وفي البخاري (٥) من حديث عائشة أم المؤمنين قالت: وكانت إحدانا تعوذه
стр. 272
- ﷺ بدعاء إذا مرض فذهبت أعوذه فرفع رأسه إلى السماء وقال: "في الرفيق الأعلى" مرتين لا أنها تدفع المقدور من الموت، ويحتمل أن المراد بالتعوذ على حالتين أن فعل المأثور دفع عنه المقدور وإلا فلا كما قيل في صلة الرحم أنه إن وصل رحمه زيد في عمره وإلا فلا يزاد على الأجل المسمى والله أعلم.
ولعل تفسيره لنفسه أنه ألهم إجابة دعوته لنفسه أخذًا من قوله في الحديث: "اللهم ارزقني شهادة في بلد رسولك" ولعل النقرات الثلاث فيها إشارة إلى قتل الخلفاء الثلاث على التوالي عمر وعثمان وعلي ﵃ ورضي عنا بهم، والحكمة في قصة الرؤيا على أسماء بنت عميس زوجة أبي بكر الصديق ﵂ لعله من علمه بتكرار دخول النبي ﷺ بيت أبي بكر كل يوم طرفي النهار كما ورد في الصحيح عن عائشة زوج النبي ﷺ ، وفيه: فلم يمر علينا يوم إلا يأتينا فيه رسول الله ﷺ طرفي النهار بكرة وعشيًّا فلعل قوله: "الله الله الله" يذكر بها الرائي ليكون ذاكرًا للشهادة عند الموت، ولأن الديك من دواب الأرض، ففي التعبير أنه من رأى في منامه أن دابة تكلمه فقد اقترب أجله ففي التنزيل ﴿وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ﴾ (١) ولأن الديك يسرع في مشيه ودابة الأرض إذا خرجت تسرع في مشيها فلا يدركها طالب ولا يفوتها هارب ولأن الديك مكسو
стр. 273
بالريش والدابة ذات وبروريش، وقال أهل التعبير: جميع الحيوان الذي ليس بناطق كالبهائم والطير إذا نطق بشيء في المنام فإن كلامه حق والرؤيا صحيحة، ورواه حذيفة عن النبي ﷺ تفسير الصرخات الثلاث بثلاثة أيام لأن الدابة إذا خرجت تصرخ ثلاث صرخات والثلاث صرخات إشارة إلى قرب النفخات الثلاث في الصور ولأن من علامات دنو الساعة خروج الدابة وخروج يأجوج ومأجوج وطلوع الشمس من مغربها فناسب هذا التفسير بذلك لهذه المعاني (١).
واسم القاتل لعمر ﵁ فيروز، وكنيته: أبو لؤلؤة، وكان مجوسيًا لعنه الله، وهو عبد المغيرة بن شعبة، وهذا بخلاف فيروز اليماني التابعي المختلف في صحبته قاتل الكذاب العنسي مدعي النبوة صاحب صنعاء، ولم يبلغ الصحابة ﵃ قتل فيروز العنسي إلا بعد وفاته، ومنهم: فيروز الديلمي الصحابي أسلم وتحته أختان فقال النبي ﷺ : "اختر إحداهما وفارق الأخرى" (٢)، وأما سبب قتله لعمر ﵁ فيما روي عن ابن سعد (٣) بإسناد صحيح إلى الزهري قال: كان عمر ﵁ لا يأذن لسبي قد احتلم أن يدخل
стр. 274
المدينة حتى كتب المغيرة بن شعبة وهو على الكوفة يذكر غلاما عنده صنعا ويستأذنه أن يدخل المدينة ويقول: إن عنده أعمالا ينفع الناس بها أنجح من حذاء نقاس نجار، فأذن له فضرب عليه المغيرة كل شهر مائة فشكى إلى عمر شدة الخراج، فقال له: ما خراجك بكثير في جنب ما تعمل فانصرف ساخطًا فلبث عمر ليالي فمر به العبد، فقال: ألم أحدث أنك تقول لو أشاء لصنعت رحى تطحن بالريح فالتفت إليه عابسا فقال: لأصنعن لك رحى يتحدث الناس بها، فأقبل عمر على من معه، فقال: توعدني العبد، وهذا القول فراسة غيبية من عمر ﵁ فلبث ليالي ثم اشتمل على خنجر ذي رأسين نصابه وينظفه فكمن في زاوية من زوايا المسجد في الغلس حتى خرج ليوقظ الناس: الصلاة الصلاة، وكان عمر ﵁ يفعل ذلك، فلما دنا منه وثب عليه وطعنه ثلاث طعنات، إحداهما: تحت السرة قد خرقت الصفاق (١) وهي التي قتلته؛ وفي حديث أبي رافع (٢): كان أبو لؤلؤة عبد المغيرة وكان يستغله أربعة دراهم أي كل يوم، فلقي عمر فقال: إن المغيرة أثقل علي، فقال: اتق الله وأحسن إليه، وفي نية عمر أنه يلقى المغيرة فيكلمه فيخفف عنه، فقال العبد: وسع الناس عدله غيري، فأضمر على قتله، واصطنع خنجرًا له رأسان وشحذه، أي: سنَّه وسمَّه فتحين صلاة الغداة حتى قام عمر فقال: أقيموا صفوفكم
стр. 275
فكبر فلما كبر طعنه في كتفه وفي خاصرته فسقط، وفي رواية (١): أن عمر دخل بأبي لؤلؤة البيت ليصلح له ضبة، فقال له: مر المغيرة أن يضع عني من خراجه، قال: إنك لتكسب كسبا كثيرًا فاصبر، انتهى (٢).
والحكمة في قصة الرؤيا على أسماء بنت عميس زوجة أبي بكر الصديق ﵂ لعله من علمه بتكرار دخول النبي ﷺ بيت أبي بكر كل يوم طرفي النهار كما ورد في الصحيح عن عائشة زوج النبي ﷺ ، وفيه: فلم يمر علينا يوم إلا يأتينا فيه رسول الله ﷺ طرفي النهار بكرة وعشيا فلعلها سمعت من النبي ﷺ شيئًا يدل على قتله ولم يذكره لعمر ولا لغيره وأيضا فإن أسماء كان عندها علم من تعبير الرؤيا وكان أبو بكر الصديق ﵁ من علماء التعبير.
والحكمة في كون الديك أحمر إشارة إلى لون الدم الذي يخرج منه بالطعن فإن الحمرة من ألوان الدماء ولهذا يقال في المبالغة موت أحمر، قال شيخ الإسلام العسقلاني المشهور بابن حجر (٣) لما وقف على ذلك ما نصه:
стр. 276
أو لأن منقار الديك مجاور لعرفه وهو أحمر والأعجمي أحمر كما جاء رجل أحمر كأنه من الموالي، وحديث: "بعثت إلى الأسود والأحمر" وفسر بالعرب والعجم، انتهى، والحكمة في كون النقرات ثلاثًا إشارة إلى أنه ﷺ كان إذا سلم سلم ثلاثًا وإذا تكلم بأمر أعاده ثلاثًا ليحفط عنه كما رواه البخاري (١) عن أنس، والمراد بالسلام الاستئذان، وقد ورد التصريح به في الحديث، ولعل الديك فعل ذلك لعمر ﵁ فالأولى لينتبه والثانية ليستيقظ والثالثة ليستعد لأمر الله تعالى، واقتصر على الثلات لأنها أقل مدة معتبرة في الشرع غالبا فلم يزد عليها، قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ قَرِيبٌ (٦٤) فَعَقَرُوهَا فَقَالَ تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ذَلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ (٦٥)﴾ (٢)، وتنبني على الثلاث مسائل كتيرة لا تنحصر ليس هنا محل ذكرها، وقوله: "ثلاثا" إشارة إلى عدد الطعنات فإنه ورد أنه طعنه بالخنجر ثلاثا كما سنذكره في صفة قتله ﵁، وقول أسماء في التعبير: يقتلك أعجمي لأن الديك فيها ما أصله متوحش كاليمني والحبشي ويلزم المحرم الضمان بإتلافه وفرخه وبيضه وغير المتوحش وهو الأهلي فلا ضمان فيه ولأن الديك يعبر عنه بالرجل المملوك لأن نوحا ﵇ أرسله ليسلك له الطريق ويعرفه عنها فلما أنقذه غدر فصار مكسوفا في البيوت كالمملوك ومنع من الطيران دون غيره من الطيور ويعبر عنه بالمحارب من قبل المماليك لأن من
стр. 277
شأنه محاربة جنسه من الديكة والإقبال على قتالهم ولا يفر عنه ولم يذكر في الرؤيا محل النقر، وقد ورد أنها كانت في الجوف والسر في وقوع الرؤيا ليلة الجمعة لأنه قريب من آخر الأسبوع إشارة إلى آخر عمر الرائي، وقد قال النبي ﷺ : "إذا تقارب الزمان لم تكد رؤيا المؤمن تكذب" (١) فتخصيص الديك بالرؤية تفاؤلا بكنيته فإن من جملتها أبو نبهان إشارة إلى إيقاظه وانتباهه وأبو المنذر إشارة إلى إنذاره هاعلامه وأبو اليقظان إشارة إلى يقظته واعتداده للأمر الذي ينزل به، وقوله في الحديث: "إذا سمعتم صياح الديكة فسألوا الله من فضله فإنه رأت ملكًا" (٢) ولعل هذا الديك الذي نقر عمر ﵁: أن الملك الذي رأه في تلك الحالة [حالة صياحه وحالة نقره وفى كل بقول إذ لم يثبت في الرؤية صياحه كما لم يثبت في الحديث رؤية الملك ينقره قاله كاتبه، ملك الموت وتخصيص ليلة الجمعة بالرؤية لأن في صباحيتها تقوم الساعة، فقد روي أبو هريرة في حديث طويل أن رسول الله ﷺ أن رسول الله ﷺ قال: وفيه تقوم الساعة وما من دابة إلا وهي مسيخة يوم الجمعة (٣) أي مصغية مستمعة يتوقع قيام الساعة من حين يطلع الفجر إلى أن تطلع الشمس شفقًا من الساعة إلا الثقلان الجن والإنس ومن مات قامت قيامته، وأما
стр. 278
تفسير ابن سيرين للذي رأى الديك يقول الله الله الله ثلاثًا أنه بقي من عمره ثلاثة أيام استنادًا إلى قوله ﷺ : "من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة" (١) ولعل هذا الديك قال ذلك تعجبًا من الرائي حيث بقي من أجله ثلاثة أيام وهو غافل عما يراد به وهو منزول به.
ولعل قوله: "الله الله الله" يذكر بها الرائى ليكون ذاكرا للشهادة عند الموت، ولأن الديك من دواب الأرض ففى التعبير أن من رأى في منامه أن دابة تكلمه فقد اقترب أجله ففي التنزيل ﴿وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ﴾ (٢)، ولأن الديك يسرع في مشيه ودابة الأرض إذا خرجت تسرع في مشيها فلا يدركها طالب ولا يفوتها هارب، ولأن الديك مكسوا بالريش والدابة ذات وبر وريش، وقال أهل التعبير جميع الحيوان الذي ليس بناطق كالبهائم والطير إذا نطق بشئ في المنام فإن كلامه حق والرؤيا صحيحة.
وروى حذيفة عن النبي ﷺ تفسير الصرخات الثلاثة بثلاثة أيام؛ لأن الدابة إذا خرجت تصرخ ثلاث صرخات والثارث صرخات إشارة إلى قرب النفخات الثلاث في الصور، ولأن من علامات دنو الساعة خروج الدابة وخروج يأجوج ومأجوج وطلوع الشمس من مغربها؛ فناسب هذا التعبير بذلك لهذه المعاني.
стр. 279
وأما تفصيل قتل أمير المؤمنين عمر ﵁، فروي البخاري في صحيحه (١) عن عمرو بن ميمون قال: رأيت عمر بن الخطاب ﵁ قبل أن يصاب بأيام بالمدينة وقف على حذيفة بن اليمان وعثمان بن حنيف قال: كيف فعلتما أتخافان أن تكونا حملتما الأرض ما لا تطيق قالا حملناها أمرًا هي له مطيقة ما فيها كبير فضل، قال: انظرا أن تكونا حملتما الأرض ما لا تطيق، قال: قالا لا، فقال عمر ﵁: إن سلمني الله لأدعن أرامل العراق لا يحتجن إلى رجل بعدي فما أتت عليه أربعة حتى أصيب، قال: إني لقائم ما بيني وبينه إلا عبد الله بن عباس غداة أصيب وكان إذا مر بين الصفين قال: استووا حتى إذا لم ير فيهن خللًا فكبروا وربما قرأ سورة يوسف أو النحل أو نحو ذلك في الركعة الأولى حتى يجتمع الناس فما هو إلا أن كبر فسمعته يقول: قتلني أو أكلني الكلب حتى طعنه فصار العلج بسكين ذات طرفين لا يمر على أحد يمينًا وشمالًا إلا طعنه حتى طعن ثلاثة عشر رجلًا مات منهم تسعة، وفي رواية سبعة، فلما رأى ذلك رجل من المسلمين طرح عليه برنسا.
قوله: قتلني أو أكلني الكلب، عبر بالأكل عن القتل، لأن الأكل يذهب الشيء المأكول من الوجود إلى البطون، فالقاتل يذيب المقتول من الوجود إلى القبور، ويسكنه القبور. والله أعلم.
قوله: الكلب، أي: العقور، لأنه مقتول مأمور بقتله في الحل والحرم، مناسب تسميته بذلك لكفره وإباحة دمه، وقد مثل الله تعالى الكافر بالكلب فقال:
стр. 280
﴿فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ﴾ (١) فالكلب إن دعوته جاءك يلهث وإن زجرته ذهب وهو يلهث، فالكافر إن أمرته لم يأتمر وإن زجرته لم ينزجر، ففي التنزيل من قصة هود ﴿قَالُوا سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَوَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الْوَاعِظِينَ (١٣٦)﴾ (٢).
قوله: حتى طعن ثلاثة عشر رجلًا، وفي رواية أبي إسحاق اثنا عشر رجلًا معه، وهو ثالث عشر، زاد ابن سعد من رواية إبراهيم التيمي عن عمرو بن ميمون: وعلى عمر إزار أصفر، قد رفعه على صدره، فلما طعن قال: ﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا﴾ (٣).
قوله: طرح عليه برنسًا، وفي (ذيل الاستيعاب) لابن فتحون أن: طارح البرنس على فيروز رجل من المهاجرين يقال له: حطان التميمي اليربوعي، وقيل: عبد الله بن عوف (٤)، والأول: أصح، فإن صح الثاني حمل على الاشتراك، وجاء أن عبد الله بن عوف المذكور احتز رأس أبي لؤلؤة، وفيه إشارة إلى جواز المثلة بأهل الفساد كما يفعل بقطاع الطريق إذا قطعوا وأخذوا الأموال، قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ (٥)، انتهى.
стр. 281
فلما ظن العلج أنه مأخوذ نحر نفسه وتناول عمر يد عبد الرحمن بن عوف فقدمه، فمن يلي عمر فقد رأى الذي رأى، وأما نواحي المسجد فإنهم لا يدرون غير أنهم قد فقدوا صوت عمر وهم يقولون سبحان الله، وفي البخاري: قال عبد الله بن شداد: سمعت نشيج عمر وأنا في آخر الصفوف فقرأ: إنما أشكوا بثي وحزني إلى الله، فصلى بهم عبد الرحمن بن عوف صلاة خفيفة، فلما انصرفوا قال يا ابن عباس: انظر من قتلني، فجال ساعة ثم جاء: فقال غلام المغيرة، قال: الصنع؟ قال: نعم، قال: قاتله الله، لقد أمرت به معروفا، فالحمد لله الذي لم يجعل موتي على يد رجل يدعي الإسلام، قد كنت أنت وأبوك تحبان أن يكثر العلوج بالمدينة.
قوله: فصلى بهم عبد الرحمن بن عوف صلاة خفيفة، اعلم أنه لم يذكر في الحديث قضية إتمام صلاة عمر، فلعله لما طعن قدم عبد الرحمن لأمور، إما لكون صلاته بطلت باعتبار ما خرج من الدم بالطعن الذي لا يعفى عنه في الصلاة، وتقديم عبد الرحمن لإتمام الصلاة فيه دليل على جواز الاستخلاف إذا أحدث الإمام، وجواز الإقتداء بإمام بعد إمام على التعاقب ويدل لذلك قصة الصديق ﵁ حين أم الناس في مرض رسول الله ﷺ ، والثاني: أنه غلب عن إتمام فعل الصلاة فقدم غيره ليتمها، لأن القيام ركن في فرض الصلاة فإن عجز عن القيام صلى قاعدا فإن عجز فعلى جنب (فإن عجز فعلى) اليمين فإن عجز فمستلقيا فإن عجز أومأ بالأفعال وتلفظ بالأقوال، ويكون سجوده أخفض من ركوعه فإن عجز عن الإيماء أجرى الأفعال على قلبه والترتيب
стр. 282
فيما ذكرنا واجب ولا يترك الصلاة ما دام عقله ثابتا ولهذا قالوا لا يتصور الإكراه على ترك الصلاة فإن أكره على ترك أفعال الصلاة على حسب حاله، لزمه الإعادة فإن الإكراه ممنوع (١) نادر وإذا وقع لا يدوم غالبًا، وأما بقية صلاة نفسه فلعله أتمها بالإيماء، وأجرى الأفعال على قلبه (٢)؛ فقال أبو صالح لابنه: وأخبرني أنه دخل على عمر ﵁ في الليلة التي طعن فيها فأيقظ عمر لصلاة (الصبح فقال:)، نعم ولاحظ في الإسلام لمن ترك الصلاة، قال: وجرحه يثعب دما، أي: يجري، والله أعلم؛ وجميع ما في هذا الحديث من التفسير للشيخ العلامة الإمام الشريف النسابة (٣).
قوله: قَدْ كُنْتَ أَنْتَ وَأَبُوكَ تُحِبَّانِ أَنْ تَكْثُرَ العُلُوجُ بِالْمَدِينَةِ إلى (٤) وهو الانتفاع، أو بما يحصل منهم من (٥) عليهم من كل يوم.
قوله: العلوج؛ والعلج: هو الكافر الغليظ الشديد، وقد يكون من الموالي (٦)، والله أعلم.
[وكان العباس (أكثرهم رقيقا) فقال: إن شئت فعلت، أو إن شئت قتلته،
стр. 283
فقال: كذبت بعدما تكلموا بلسانك وصلوا قبلتكم وحجوا حجتكم.
قوله: إن شئت فعلت؛ أي: قتلت، هذا يحتمل أمرين، أقلهما: أنه استفتى أو تطييبا لقلبه ﵁، فقال له عمر: كذبت هو من باب التدريب كفعل الوالد لولده لأنك قلت غير ما تعتقده من قتل المسلم بغير حق لأنك تعتقد أن المسلم لا يجوز قتله إلا بإحدى ثلاث الثجب الزاني والثفس بالنفس والتارك لدينه المفارق للجماعة؛ ويحتمل قوله: (كذبت) أي: أخطأ فإن العرب تعبر عن الخطأ بالكذب (١).
قوله: بعدما تكلموا بلسانكم، أي: أقروا بالشهادة، وهي تعظم الدم والمال، وقد قال ﷺ : "أمرت أن أقاتل الناس" (٢) الحديث.
قوله: وصلوا قبلتكم، وقد نهى ﷺ عن قتل المصلين (٣).
قوله: وحجوا حجتكم، أي: أتوا بجملة من شرائع الإسلام، وفيه: إشارة إلى أنه شرط لصحة الإسلام التزام الأحكام، وبه قال مالك خلافًا للشافعي ﵄؛ فإن قيل: لم يذكر له الزكاة، وهي من شرائع الإسلام؟ فالجواب: أن المتحدث عنهم السبي وهم أرقاء، والرقيق: لا زكاة عليه لأنه لا يملك مالا، ولو ملكه السيد على الأخص، بخلاف الحج، فإنه يصح من
стр. 284
المسلم الحر ومن الرقيق بإذن سيده، والله أعلم؛ فاحتُمل ﵁ إلى بيته فانطلقنا معه، وكأن الناس لم تصبهم مصيبة قبل يومئذ، فقائل يقول: إلا بأس)، وقائل يقول: (أخاف عليه) فأتي بنبيذ فشربه فخرج من جوفه.
قوله: فأتي بنبيذ فشربه، أي: ماء زبيب أو تمر منقوع، وهو النقاع، والله أعلم، ثم أتي بلبن فشربه فخرج من جوفه فعلموا أنه ميت إلى أن قالوا: [أوصى] يا أمير المؤمنين استخلف، فقال: ما أجد أحدا لهذا الأمر من هؤلاء النفر الذين توفي رسول الله ﷺ وهو عنهم راض فسمى عليًا وعثمان والزبير وطلحة وسعدا وعبد الرحمن بن عوف، وقال: يَشهدكم عبد الله بن عمر، وليس له من الأمر شيء كهيئة التعزية له، فإن أصابت الإمرة سعدًا فهو ذاك وغلا فليستعن له إليكم ما أمر فإني لم أعزله عن عجز ولا خيانة، إلى آخر الحديث؛ وفي البخاري أيضا من قوله ﵁: (فمن استخلفوا بعدي فهو الخليفة، فاسمعوا له وأطيعوا) وفي رواية في غير الصحيح: (أن ولده عبد الله دخل عليه حين آيس منه، فقال: يا أمير المؤمنين، استخلف على أمة محمد ﷺ ، فإنه لو جاءك راعي إبلك أو غنمك وترك إبله وغنمه لا راعي لها لَلُمْتَه، وقلت: تركت أمانتك ضائعة، فكيف بأمة محمد ﷺ ، فقال: إن أستخلف فقد استخلف أبو بكر، وإن أترك فقد ترك رسول الله ﷺ ، وقال ﵁: إذا أنا قبضت فتربصوا ثلاث ليال وليصل بكم صهيب وانتظروا أخاكم طلحة، وكان بالشام، فإن قدم فتشاوروا أيها النفر فإنما أنتم ستة ثم يتبع الأقلون الأكثرون، فمن خالفكم فاضربوا عنقه، فلم يقدم طلحة فتشاور الخمسة فأسلموا أمرهم إلى عبد الرحمن بن عوف فبايع عثمان بن عفان أمير
стр. 285
المؤمنين، واستفاض الإسلام في خلافة عمر بن الخطاب، وعظم حتى كان أعظم من أن يعد أو يحصى وأعز الله بالإسلام فلم يزل كذلك حتى قتل ﵁)، وفي الحديث عن بلال ﷺ أن النبي ﷺ قال: "إن الله باهى ملائكته بأهل عرفة وباهى بعمر خاصة" خرجه تمام الرازى في فوائده (١)، فلما قبض ﵁ غسل وكفن وصلى عليه ودفن بالروضة الشريفة إلى جانب أبي بكر ﵄ وعلى ساكنها أفضل الصلاة والسلام، وكان مدة خلافته عشر سنين ونصف سنة وأياما، لكن سفينة جبر الكسر فرواها عشر سنين لما روى سفينة [الحذاء]﵁ أنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "الخلافة بعدي ثلاثون سنة، ثم تكون بعد ذلك الملك" قال سفينة: أمسك خلافة أبي بكر سنتان وخلافة عمر عشر سنين وخلافة عثمان اثنا عشر سنة وخلافة علي ست سنين ﵃ أجمعين] (٢).
قوله ﷺ : "إنما الأعمال بالنية" وفي رواية: "بالنيات" أخرجه الأئمة الستة وغيرهم، وهذا الحديث قد رواه عن النبي ﷺ من الصحابة غير عمر بن الخطاب نحو عشرين صحابيًّا، وإن كان البزار (٣) قال: لا نعلم هذا الكلام إلا عن عمر بن الخطاب عن رسول الله ﷺ إلا بهذا الإسناد، وقال ابن منده الحافظ: في جمعه لطرق هذا الحديث: رواه عن النبي ﷺ غير عمر بن الخطاب سعد بن أبي وقاص وعلي بن أبي طالب وأبو سعيد الخدري وعبد
стр. 286
الله بن مسعود وعبد الله بن عمر وأنس بن مالك وابن عباس ومعاوية وأبو هريرة وعبادة بن الصامت. وعتبة بن عبد السلمي وهلال بن سويد وعقبة بن عامر وجابر بن عبد الله وأبو ذر وعتبة بن المنذر وعقبة بن مسلم (١)، انتهى، قاله في شرح الإلمام، وقد روي عن جماعة عن الصحابة ذكرهم ابن منده، ولكن لم يثبت من حديث أحد منهم، قال النووي (٢): وقد أجمع العلماء ﵃ على عظيم موقع هذا الحديث وكثرة فوائده وصحته، وأنه أصل من أصول الدين، وقد خطب به النبي ﷺ فقال: "أيها الناس، إنما الأعمال بالنية" كما رواه البخاري في أحد المواضع السبعة كما سيأتي، وخطب به عمر ﵁ على منبر رسول الله ﷺ كما أخرجه أيضًا وقال أبو داود: إنه نصف الفقه.
وقال الإمام الشافعي ﵀: يدخل في هذا الحديث ثلث العلم، وكذا قال الإمام أحمد بن حنبل وغيره أنه ثلث العلم، وسببه كما قال البيهقي وغيره أن كسب العبد بقلبه ولسانه وجوارحه فالنية أحد أقسامها الثلاثة وأرجحها لأنها تكون عبادة بانفرادها بخلاف القسمين الآخرين ولهذا كانت نية المؤمن خير من عمله، ولأن القول والعمل يدخلهما الفساد بالرياء ونحوه بخلاف النية (٣).
стр. 287
قال الشيخ سراج الدين بن الملقن ﵀ (١): قول إمامنا الشافعي يدخل هذا الحديث في سبعين بابًا من الفقه مراده الأبواب الكلية من الطهارة بأنواعها والصلاة بأقسامها والزكاة والصيام والاعتكاف والحج والعمرة والأيمان والنذور والأضحية والكفارة والجهاد والطلاق والخلع والظهار والعتق والكناية والتدبير ونحوها والبيع والإجارة وسائر المعاملات والرجعة والوقف والهبة وكناية الطلاق ونحوها عند من يقول كنايتها مع النية كالصريح وهو الصحيح وكذا إن كان عليه ألفان بأحدهما رهن دون الآخر فأوفاه ألفا صرفه إلى ما سواه منهما وشبه ذلك والله أعلم، وقال آخرون: هو ربع الإسلام وقال عبد الرحمن بن مهدي وغيره من العلماء ينبعي لمن صنف كتابا أن يبدأ فيه بهذا الحديث تنبيها للطالب على النية.
وقال الكرماني (٢): وكان السلف ﵃ يستحبون افتتاح كلامهم بحديث النية بيانا لإخلاصهم فيه، ونقل الخطابي هذا عن الأئمة (٣)، وبه صدر البخاري كتابه الصحيح وأقامه مقام الخطبة له إشارة منه إلى أن كل عمل لا يراد به وجه الله تعالى فهو باطل لا ثمرة له في الدنيا والآخرة (٤) وقد
стр. 288
فعل ذلك البخاري وغيره فابتدؤوا به قبل كل شيء، وقد ذكره البخاري في سبعة مواضع من كتابه (١) في أول كتابه في بدء الوحي ثم في الإيمان ثم في العتق ثم في الهجرة ثم في ترك الحبل في النذور (٢)، وأخرجه مسلم في الجهاد وهو متواتر من آخره وآحاد من أوله.
فقوله: "إنما الأعمال بالنية" الحديث، قال جماهير العلماء من أهل اللغة والعربية والأصول والفقه: "إنما" لفظة موضوعة للحصر تفيد تثبت تحصيل المذكور وتنفي ما سواه وهذا التركيب مفيد للحصر اتفاقا من المحققين إذ لا عمل إلا بالنية فتقدير هذا الحديث أن الأعمال تحسب إذا كانت بنية ولا تحسب إذا كانت بلا نية (٣)، والمراد بالأعمال أعمال الطاعات وهي حركات البدن دون الأعمال المباحات (٤)، ويحتمل أنها صحة الأعمال، ويحتمل أنها كمال الأعمال (٥) ويحتمل أنها حصول الأعمال ويحتمل أنها قبول الأعمال (٦) والأول أولى التقادير كلها لأنه الأقرب إلى الحقيقة (٧)، وأبو
стр. 289
حنيفة يقدر أنها كمال الأعمال فصحح الوضوء والغسل بغير نية ووافق على أنه لابد في التيمم من النية (١)، والنيات جمع نية بتشديد الياء ويقال بتخفيفها وهي القصد بالقلب إلى الفعل.
واعلم أن النية لغة هي القصد يقال: نواك الله بخير أي قصدك به (٢) والنية شرعا: قصد الشيء مقترنا بفعله فإن قصد وتراخى عليه فهو عزم قاله الماوردي وعبارة بعضهم أنها تصميم القلب على الفعل (٣)، وقال أبو سليمان الخطابي: معنى النية قصدك الشيء بقلبك وتحري الطلب منك له، وقيل: عزيمة القلب أي عزم القلب (٤)، وقال القاضي البيضاوي: النية انباعث القلب نحو ما يراه موافقًا لغرض من جلب نفع أو دفع ضر حالًا ومآلًا (٥)، وشرعت النية لتمييز العبادات عن العادات (٦) كالجلوس في المسجد فإنه قد يكون للإعتكاف تارة وللإستراحة أخرى وله نظائر كالطهارة وهي الوضوء والغسل والتيمم وكذلك الصلاة والزكاة والصوم والحج والعتق وغير ذلك من العبادات لا تصح إلا بالنية فالوضوء عمل فإذا غسل الإنسان أعضاءه فقد
стр. 290
يكون قصده التبرد وقد يكون قصده الوضوء فالمميز النية، والاعتكاف عمل فإذا جلس الإنسان في مسجد فقد يكون مقصوده الاستراحة وقد يكون مقصوده الاعتكاف، فالمميز النية كما تقدم، والصلاة عمل فإذا نوى أن يصلي أربع ركعات فقد يكون يقصد بها الظهر وقد يقصد إيقاعها عن العصر فالمميز هو النية، وكذلك العتق قد يقصد به عن كفارة الظهار وقد يقصد به لغيرها فالمميز هو النية وإلى هذا المعنى أشار ﷺ حين سئل عن الرجل يقاتل شجاعة ويقاتل حمية ويقاتل رياء أي ذلك في سبيل الله؟ فقال ﷺ : "من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله" (١) وكلمة الله أي دعوته إلى الإسلام، وفي هذا الحديث دليل على أن العمل لا يصح إلا بالنية وأنه لا يصح في صورتين الأولى أن يكون بغير نية، والثانية أن يكون لا بنية التقرب فلا يصح، والنية محلها القلب فإن اقتصر على القلب ولم يلفظ بلسانه جاز. ويندب التلفظ بالمنوي، وقال الزبيري: يجب أن يساعد القلب اللسان ولو نوى التبرد ويغلبه رفع الحدث أو بالعكس فالاعتبار بما في القلب بلا خلاف، قاله الكمال الدميري (٢).
تنبيه: أما إزالة النجاسة فالمشهور عند الشافعية أنها لا تفتقر إلى نية لأنها من باب التروك والتروك لا يحتاج إلى نية، وقد نقلوا الإجماع فيها وشذ
стр. 291
بعض الأصحاب فأوجبها وهو باطل، انتهى قاله النووي (١).
فرع: تدخل النية في الطلاق والعتاق والقذف، ومعنى دخولها أنها إذا قارنت كناية صارت كالصريح وإن أتى بصريح طلاق ونوى طلقتين أو ثلاثا ما وقع ما نوى، وإن نوى بالصريح غير مقتضاه دين فيما بينه وبين الله ولا تقبل منه في الظاهر والله أعلم.
تنبيه: ومن مسائل النية أنه لو وطئ امرأة أجنبية يظنها زوجته أو أمته لا إثم عليه، وإن وطئها يعتقدها أحنبية فإذا هي مباحة له أثم، ولولا مصادفة المحل المباح لحد، وكذا لو شرب مباحا يعتقده حراما أثم وبالعكس لا يأثم ولو قال لامرأته أنت طالق يظنها أجنبية طلقت زوجته لمصادفة الطلاق محله ولو قال لأجنبية وظنها زوجته اختلف فيه، وإلا شبهه طلاق زوجته باعتبار نيته وقيل لا تطلق، لفوات المحل، ولو قال لرقيق له أنت حر يظنه أجنبيًّا عتق لمصادفة العتق محله قاله الطوفي في شرح الأربعين النواوية (٢).
فائدة: ينبغي للإنسان إذا أكل أو شرب أو نام أن يقصد بذلك التقوي على طاعة الله تعالى، أو راحة البدن للتنشيط للطاعة، وكذلك إذا أراد جماع زوجته يقصد بذلك أيضًا الحاجة وتحصيل ولد صالح يعبد الله تعالى أو إعفاف نفسه وصيانتها إلى التطلع إلى حرام أو الفكر فيه لأن العمل إذا كان خاليًا عن النية كان عادة لا عبادة أو كان واقعا على وجه اللهو واللعب، أو
стр. 292
على طريق الاتفاق كأفعال البهائم فلا يصله وسيلة ولا قربة قال العلماء من أهل اللغة والأصول والفقه: الأعمال البهيمية ما عملت بغير نية فالنية أبلغ من العمل فالمباحات تقلب بالنيات طاعات فالنية أساس العمل فإذا كان الأساس صحيحا صح البناء ولهذا المعنى تقبل النية بغير العمل، فإذا نوى حسنة فإنه يجزي عليها ولو عمل حسنة بغير نية لم يجاز بها، فمن حرم النية في هذه الأفعال فقد حرم خيرًا عظيمًا ومن وفق لها فقد أصاب فضلا جسيمًا قاله النووي في بستان العارفين (١).
تنبيه: دل الحديث على أن النيات معيار للأعمال فحيث صلحت النية صلح العمل وحيث فسدت فسد العمل وحيث لا نية فالعمل كلا عمل، فالعمل إن خلا عن النية فلا ثواب فيه، وإن قارنت النية فله أحوال ثلاثة، أحدها: أن تقصد به الآخرة والناس فيه على ثلاث مراتب، الأولى: أن يفعل ذلك خوفا من الله تعالى، وهذه عبادة العبيد، الثانية: أن يفعل ذلك لطلب الجنة ونحو ذلك وهذه عبادة التجار (٢).
قال الغزالي: والعبادة مع الرجاء أفضل منها مع الخوف لأن العبادة مع الرجاء تورث المحبة (٣)، الثالثة: أن يفعل ذلك حياء من الله تعالى وتأدية للشكر ويرى نفسه مع ذلك مقصرًا، وهذه عبادة الأحرار، وإليها الإشارة
стр. 293
بقوله ﷺ : "أفلا أكون عبدًا شكورًا" (١)، وقوله ﷺ : "لا أحصى ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك" (٢).
الحال الثاني: أن يفعل ذلك لطلب الدنيا والآخرة جميعا، فذهب بعض العلماء إلى أن عمله مردود وإلى هذا ذهب الحارث المحاسبي في كتاب الرعاية فقال: الإخلاص أن تريد بطاعته ولا تريد سواه (٣)، الحال الثالث: أن يفعل ذلك لمحض الدنيا حتى ينال بذلك ولاية أو منزلة ونحو ذلك فهذا محض النفاق ولأن المنافق يبطن خلاف ما يظهر (٤).
فائدة أخرى: وقال ابن الحاج في أول كتابه المدخل (٥): وبعد فإني كنت كثيرًا ما أسمع سيدي القدوة أبا محمد بن أبي جمرة رحمه الله تعالى يقول: وددت أنه لو كان في الفقهاء من ليس له شغل إلا أن يعلم الناس مقاصدهم في أعمالهم ويقعد للتدريس في علم النية ليس إلا أو كلاما هذا معناه، فإنه ما أتى على كثير من الناس إلا من تضييع النيات.
قوله ﷺ : "وإنما لكل امرئ ما نوى"، من خير أو شر، فهو من باب حذف
стр. 294
المضاف نحو: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ (١) أي: أهل القرية، قال العلماء: فائدة ذكره بعد إنما الأعمال بالنيات بيان أن تعيين المنوي شرط، فلو كان على إنسان صلاة مقضية لا يكفيه أن ينوي الصلاة الفائتة بل يشترط أن ينوي كونها ظهرًا أو عصرًا أو غير ذلك من الصلوات، ولولا اللفظ الثاني لاقتضى الأول صحة النية بلا تعيين لأوهم ذلك، وفي قوله ﷺ : "وإنما لكل امرئ ما نوى" دليل على أنه لا تجوز النية نيابة في العبادات ولا التوكيل في النية، وقد استثنى من ذلك تفرقة الزكاة وذبح الأضحية فيجوز التوكيل في النية والتفرقة والذبح مع القدرة، وفي الحج يجوز ذلك مع عدم القدرة ودفع الدين إن كان ذلك عن جهة واحدة لم يحتج إلى نية، وإن كان عن جهتين كمن عليه ألفان بأحدهما رهن فأدى ألفا، وقال: جعلته عن ألف الرهن صُدّق، فإن لم ينو شيئا حالة الدفع نوى بعد ذلك وجعله عما شاء وليس لنا نية تتأخر عن العمل وتصح إلا في هذه المسألة، وتقدم الكلام على معنى ذلك، والله أعلم.
قوله ﷺ : "فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله" الحديث، وأصل الهجرة: المجافاة والترك (٢)، والمراد هنا: ترك الوطن ومفارقة الأهل (٣) وهي في الشريعة مفارقة بلد الشرك والانتقال منه إلى دار
стр. 295
الإسلام خوف الفتنة وطلبا لإقامة الدين (١)، وسمي الذين تركوا توطن مكة وتحولوا إلى المدينة من الصحابة بالمهاجرين لذلك (٢)، وفي الحقيقة مفارقة ما يكره اللّه إلى ما يحبه وقد ثبت في الحديث: المجاهد من جاهد نفسه، والمهاجر: من هجر ما نهى الله عنه (٣) كما كان المهاجرون قبل فتح مكة يهاجرون إلى المدينة وقد هاجر منهم قبل ذلك إلى أرض الحبشة جماعة (٤).
تنبيه: فتح مكة كان في السنة الثامنة من الهجرة وكان في رمضان (٥) وكانت الهجرة في الإسلام مرتين إلى الحبشة كما سيأتي بيانه، وأن المسلمين أصحاب الهجرتين إلا ما خصه الدليل (٦) وأنها فتح بعضها صلحًا وبعضها عنوة، وفيه خلاف واختار الشافعي قول الصلح والجمهور على قول العنوة، وقد أراد الشافعي أنه ﵊ فعل فيها ما يفعله من صالح فملكهم أنفسهم وأموالهم وأراضيهم (٧)، قال في المفهم (٨): وذلك متفق عليه
стр. 296
وأنه لم يجر عليها حكم الغنيمة ولا الفيء فكان ذلك أمرا خاصا بمكة لشرفها وحرمتها بخلاف غيرها، وينبني على ذلك بيع دورها وإجارتها، انتهى قاله في شرح الإلمام.
تنبيه آخر: قال العلماء: النجاشي لقب لكل من ملك الحبشة، والحبشة والحبش من السودان كما أن فرعون اسم لمن ملك مصر وتبع لمن ملك اليمن وقيصر لمن ملك الروم وكسرى لمن ملك الفرس، وتقدم شيء من ذلك في قصة هرقل في الخطبة، واسم هذا النجاشي الملك الصالح أصحمة بفتح الهمزة وإسكان الصاد وفتح الحاء المهملتين وميم وهاء وهذا هو الذي وقع في صحيح مسلم (١)، وهو الصواب المعروف فيه، وهكذا هو في كتب الحديث والمغازي وغيرها، وقيل: صحمة بفتح الصاد وإسكان الحاء المهملة، ورواه ابن شيبة في مسنده (٢)، وحكى ابن المنذر وابن دحية: والحبشة يقولون أصخمة بالخاء المعجمة وذكرها مقاتل في التفسير وذكر أن اسمه مكحول بن صعصعة (٣)، وقيل: مصحمة حكاه البيهقي في دلائل النبوة (٤)، وقيل: غير ذلك، قال ابن قتيبة وابن عيينة: ومعناه بالعربية عطية وهو سيد التابعين، وقيل: أسلم قبل الفتح ومات قبله أيضًا ولم يهاجر وقد