← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 660

فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب

حسن بن علي الفيومي

Полный текст (10 535 стр.). Показаны 292–331 · переход к 297.

стр. 292

على طريق الاتفاق كأفعال البهائم فلا يصله وسيلة ولا قربة قال العلماء من أهل اللغة والأصول والفقه: الأعمال البهيمية ما عملت بغير نية فالنية أبلغ من العمل فالمباحات تقلب بالنيات طاعات فالنية أساس العمل فإذا كان الأساس صحيحا صح البناء ولهذا المعنى تقبل النية بغير العمل، فإذا نوى حسنة فإنه يجزي عليها ولو عمل حسنة بغير نية لم يجاز بها، فمن حرم النية في هذه الأفعال فقد حرم خيرًا عظيمًا ومن وفق لها فقد أصاب فضلا جسيمًا قاله النووي في بستان العارفين (١). تنبيه: دل الحديث على أن النيات معيار للأعمال فحيث صلحت النية صلح العمل وحيث فسدت فسد العمل وحيث لا نية فالعمل كلا عمل، فالعمل إن خلا عن النية فلا ثواب فيه، وإن قارنت النية فله أحوال ثلاثة، أحدها: أن تقصد به الآخرة والناس فيه على ثلاث مراتب، الأولى: أن يفعل ذلك خوفا من الله تعالى، وهذه عبادة العبيد، الثانية: أن يفعل ذلك لطلب الجنة ونحو ذلك وهذه عبادة التجار (٢). قال الغزالي: والعبادة مع الرجاء أفضل منها مع الخوف لأن العبادة مع الرجاء تورث المحبة (٣)، الثالثة: أن يفعل ذلك حياء من الله تعالى وتأدية للشكر ويرى نفسه مع ذلك مقصرًا، وهذه عبادة الأحرار، وإليها الإشارة

стр. 293

بقوله ﷺ : "أفلا أكون عبدًا شكورًا" (١)، وقوله ﷺ : "لا أحصى ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك" (٢). الحال الثاني: أن يفعل ذلك لطلب الدنيا والآخرة جميعا، فذهب بعض العلماء إلى أن عمله مردود وإلى هذا ذهب الحارث المحاسبي في كتاب الرعاية فقال: الإخلاص أن تريد بطاعته ولا تريد سواه (٣)، الحال الثالث: أن يفعل ذلك لمحض الدنيا حتى ينال بذلك ولاية أو منزلة ونحو ذلك فهذا محض النفاق ولأن المنافق يبطن خلاف ما يظهر (٤). فائدة أخرى: وقال ابن الحاج في أول كتابه المدخل (٥): وبعد فإني كنت كثيرًا ما أسمع سيدي القدوة أبا محمد بن أبي جمرة رحمه الله تعالى يقول: وددت أنه لو كان في الفقهاء من ليس له شغل إلا أن يعلم الناس مقاصدهم في أعمالهم ويقعد للتدريس في علم النية ليس إلا أو كلاما هذا معناه، فإنه ما أتى على كثير من الناس إلا من تضييع النيات. قوله ﷺ : "وإنما لكل امرئ ما نوى"، من خير أو شر، فهو من باب حذف

стр. 294

المضاف نحو: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ (١) أي: أهل القرية، قال العلماء: فائدة ذكره بعد إنما الأعمال بالنيات بيان أن تعيين المنوي شرط، فلو كان على إنسان صلاة مقضية لا يكفيه أن ينوي الصلاة الفائتة بل يشترط أن ينوي كونها ظهرًا أو عصرًا أو غير ذلك من الصلوات، ولولا اللفظ الثاني لاقتضى الأول صحة النية بلا تعيين لأوهم ذلك، وفي قوله ﷺ : "وإنما لكل امرئ ما نوى" دليل على أنه لا تجوز النية نيابة في العبادات ولا التوكيل في النية، وقد استثنى من ذلك تفرقة الزكاة وذبح الأضحية فيجوز التوكيل في النية والتفرقة والذبح مع القدرة، وفي الحج يجوز ذلك مع عدم القدرة ودفع الدين إن كان ذلك عن جهة واحدة لم يحتج إلى نية، وإن كان عن جهتين كمن عليه ألفان بأحدهما رهن فأدى ألفا، وقال: جعلته عن ألف الرهن صُدّق، فإن لم ينو شيئا حالة الدفع نوى بعد ذلك وجعله عما شاء وليس لنا نية تتأخر عن العمل وتصح إلا في هذه المسألة، وتقدم الكلام على معنى ذلك، والله أعلم. قوله ﷺ : "فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله" الحديث، وأصل الهجرة: المجافاة والترك (٢)، والمراد هنا: ترك الوطن ومفارقة الأهل (٣) وهي في الشريعة مفارقة بلد الشرك والانتقال منه إلى دار

стр. 295

الإسلام خوف الفتنة وطلبا لإقامة الدين (١)، وسمي الذين تركوا توطن مكة وتحولوا إلى المدينة من الصحابة بالمهاجرين لذلك (٢)، وفي الحقيقة مفارقة ما يكره اللّه إلى ما يحبه وقد ثبت في الحديث: المجاهد من جاهد نفسه، والمهاجر: من هجر ما نهى الله عنه (٣) كما كان المهاجرون قبل فتح مكة يهاجرون إلى المدينة وقد هاجر منهم قبل ذلك إلى أرض الحبشة جماعة (٤). تنبيه: فتح مكة كان في السنة الثامنة من الهجرة وكان في رمضان (٥) وكانت الهجرة في الإسلام مرتين إلى الحبشة كما سيأتي بيانه، وأن المسلمين أصحاب الهجرتين إلا ما خصه الدليل (٦) وأنها فتح بعضها صلحًا وبعضها عنوة، وفيه خلاف واختار الشافعي قول الصلح والجمهور على قول العنوة، وقد أراد الشافعي أنه ﵊ فعل فيها ما يفعله من صالح فملكهم أنفسهم وأموالهم وأراضيهم (٧)، قال في المفهم (٨): وذلك متفق عليه

стр. 296

وأنه لم يجر عليها حكم الغنيمة ولا الفيء فكان ذلك أمرا خاصا بمكة لشرفها وحرمتها بخلاف غيرها، وينبني على ذلك بيع دورها وإجارتها، انتهى قاله في شرح الإلمام. تنبيه آخر: قال العلماء: النجاشي لقب لكل من ملك الحبشة، والحبشة والحبش من السودان كما أن فرعون اسم لمن ملك مصر وتبع لمن ملك اليمن وقيصر لمن ملك الروم وكسرى لمن ملك الفرس، وتقدم شيء من ذلك في قصة هرقل في الخطبة، واسم هذا النجاشي الملك الصالح أصحمة بفتح الهمزة وإسكان الصاد وفتح الحاء المهملتين وميم وهاء وهذا هو الذي وقع في صحيح مسلم (١)، وهو الصواب المعروف فيه، وهكذا هو في كتب الحديث والمغازي وغيرها، وقيل: صحمة بفتح الصاد وإسكان الحاء المهملة، ورواه ابن شيبة في مسنده (٢)، وحكى ابن المنذر وابن دحية: والحبشة يقولون أصخمة بالخاء المعجمة وذكرها مقاتل في التفسير وذكر أن اسمه مكحول بن صعصعة (٣)، وقيل: مصحمة حكاه البيهقي في دلائل النبوة (٤)، وقيل: غير ذلك، قال ابن قتيبة وابن عيينة: ومعناه بالعربية عطية وهو سيد التابعين، وقيل: أسلم قبل الفتح ومات قبله أيضًا ولم يهاجر وقد

стр. 297

عده ابن منده في جملة الصحابة والأولى خلافه لأن الصحيح أن الصحابي من رآه النبي ﷺ أو رأى النبي ﷺ من المسلمين، وصلى عليه النبي ﷺ ولم يره وأسلم على يديه عمرو بن العاصي وغيره ثم هاجر من الحبشة فصحب النبي ﷺ فصار لغزا، يقال: صحابي أسلم على يدي تابعي، وله مناقب كثيرة، ولهم أيضا [نجاشي] آخر جاء ذكره فيمن كتب إليه النبي ﷺ مثل كسرى وقيصر وغيرهما انتهى قاله في شرح الإلمام. فائدة: في ذكر إسلام النجاشي أرسل رسول الله ﷺ عمرو بن أمية الضمري إلى النجاشي فأخذ كتاب رسول الله ﷺ ووضعه على عينيه ونزل عن سريره فجلس على الأرض ثم أسلم حين حضره جعفر بن أبي طالب وأصحابه وحسن إسلامه فكان هو السبب في إسلامه (١)، قال الحافظ أبو نعيم (٢) عن أبي بردة عن أبيه قال: أمرنا رسول اللّه ﷺ أن ننطلق مع جعفر بن أبي طالب إلى النجاشي فبلغ ذلك قريشا [فبعثوا] عمرو بن العاصي أو عمارة بن الوليد فجمعوا للنجاشي هدية، فقدمنا وقدما على النجاشي فأتيا بالهدية فقبلها وسجدا له، ثم قال عمرو بن العاصي أن أناسا من أرضنا رغبوا عن ديننا وهم في أرضك، فقال النجاشي: في أرضنا؟ قالوا: نعم، فبعث إلينا فقال لنا جعفر لا يتكلم منكم أحد أنا خطيبكم اليوم، فانتهينا إلى النجاشي وهو جالس في مجلسه وعمرو بن العاصي عن يمينه وعمارة عن يساره

стр. 298

والقسيسين والرهبان جلوس، فلما انتهينا قالوا لنا اسجدوا للملك فقال جعفر: ما نسجد إلا لله ، قال لهم النجاشي: وما ذاك، قال جعفر: إن اللّه بعث فينا رسولًا وهو الرسول الذي بشر به عيسى ﵇، قال: ﴿مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾ (١) فأمرنا أن نعبد الله ولا نشرك به شيئا ونقيم الصلاة ونؤتي الزكاة وأمرنا بالمعروف ونهانا عن المنكر، قال: فأعجب النجاشي قوله، فلما رأى عمرو بن العاص: قال: أصلح اللّه حالك إنهم يخالفونك في عيسى بن مريم، فقال النجاشي: ما يقول صاحبكم في عيسى بن مريم، قال جعفر يقول قول اللّه : هو روح اللّه وكلمته أخرجه من البتول العذراء التي لم يقربها بشر، قال فتناول النجاشي عودا من الأرض فرفعه وقال: يا معشر القسيسين والرهبان ما يزيد هؤلاء فيما تقولون عن ابن مريم على ما نزل مرحبا بكم وبمن جئتم من عنده وأنا أشهد أنه رسول اللّه وأنه الذي بشر به عيسى ولولا ما أنا فيه من الملك لأتيته حتى أقبل نعليه، امكثوا في أرضي ما بقيتم وأمر لنا بطعام وكسوة، وقال: ردوا عليهما هديتهما. وفي رواية أم سلمة (٢): لما دخل جعفر على النجاشي جمع أساقفته فنشروا مصاحفهم حوله فقال لهم النجاشي: ما هذا الدين الذي فارقتم فيه قومكم ولم تدخلوا في ديني ولا دين أحد من هذه الأمم، فقال جعفر بن أبي طالب: أيها الملك كنا أهل جاهلية نعبد الأصنام ونأكل الميتة ونأتي

стр. 299

الفواحش ونقطع الأرحام ونسيء الجوار ويأكل القوي منا الضعيف وكنا على ذلك حتى بعث اللّه إلينا رسولا منا نعرف نسبه وصدقه وأمانته. فدعانا إلى اللّه لنوحده ونعبده ونخلع ما كنا نعبد نحن وآباؤنا من الحجارة والأوثان ... فذكر الحديث إلى أن قال: ثم قال النجاشي: إن هذا والذي جاء به عيسى بن مريم ﵇ لحق انطلقا فوالله لا أسلمهم إليكما ثم قال لجعفر وأصحابه اذهبوا فأنتم بأرضي آمنون ردوا عليهما هدايهما [فلا حاجة فيها فخرجا من عنده مقبوحين مردودا عليهما هداياهما (١)] وأقمنا عنده في خير دار مع خير جار ونزل قوله تعالى: ﴿تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ﴾ (٢) انتهى قاله في مختصر مجمع الأحباب (٣). تنبيه: ومن مناقب النجاشي ومحبته لرسول الله ﷺ أنه أصدق عنه في أم حبيبة أربعة آلاف على ما رواه أبو داود متصلًا (٤) عن أم حبيبة وعن الزهري مرسلًا (٥) وقيل: أصدقها أربعمائة دينار، وقيل: أربعمائة درهم كما ذكره المنذري، واستدل أصحابنا بالحديث على أنه يستحب كون الصداق خمسمائة درهم والمراد فيمن يليق به ذلك الفقير، وأما ما فعله النجاشي

стр. 300

فكان من ماله تبرعا أكرم به النبي ﷺ لا أنه ﵊ أداه ولا عقد به، وقد نهى عمر عن التغالي في صدقات النساء وقال: لو كانت مكرمة أو تقوى لكان الأولى بها النبي ﷺ وأنه ما أصدق امرأة من نسائه ولا أخذ لامرأة من بناته أكثر من خمسمائة، قال الإمام في النهاية (١): وهذا نهي استحباب لا يكره أي كراهة تحريم والنزول إلى هذا المبلغ المذكور إنما تخاطب به المرأة المالكة لنفسها والسيد في تزويج أمته فأما الأب إذا زوج ابنته الصغيرة فليس له أن ينزل عن مهر مثلها انتهى قاله في شرح الإلمام. فائدة: يذكر فيها وفاة النجاشي، توفي ﵁ في رجب سنة تسع من الهجرة وصلى عليه رسول اللّه ﷺ صلاة الغائب، وعن أبي هريرة ﵁. أن رسول اللّه ﷺ قال: إن النجاشي قد مات فخرج رسول اللّه ﷺ وأصحابه إلى البقيع فصفوا خلفه وتقدم رسول اللّه ﷺ فكبر أربع تكبيرات رواه الجماعة (٢) وابن ماجه عن حذيفة بن أسيد أن النبي ﷺ خرج بهم فقال: "صلوا على أخ لكم مات بغير أرضكم"، قالوا: من هو؟ قال: "النجاشي" (٣)؛ حذيفة بن أسيد أبو سريحة الغفاري بالسين المهملة له صحبة شهد الحديبية مع رسول اللّه ﷺ

стр. 301

وهي أول مشاهده ولم يبايع تحت الشجرة يومئذ وقيل: بايع ونزل الكوفة (١)، وفي رواية: نعى النبي ﷺ النجاشي في اليوم الذي مات فيه وخرج بهم إلى المصلى فصلى بهم وكبر أربع تكبيرات (٢)، هذه الأحاديث صحيحة وفيها فوائد: منها الصلاة على الميت وأجمعوا على أنها فرض كفاية قاله ابن العطار (٣) وخفى عليه فإن الصحيح عند المالكية أنها سنة على الكفاية، ووجوبها وجوب السنن، وقالت الشافعية إنها تسقط بواحد على الصحيح، وقيل: باثنين، وقيل بثلاثة، وقيل بأربعة (٤)، ومنها: الصلاة على الميت الغائب عن البلد وهو مذهب الشافعي وموافقيه وهو قول أكثر أهل العلم، وذهب بعضهم إلى أن الصلاة على الميت الغائب لا تجوز وهو قول أصحاب الرأي، وزعموا أن النبي ﷺ كان مخصوصًا بذلك (٥) فإن الأرض دحيت له حتى رأى النجاشي كما دحيت له حتى رأى المسجد الأقصى، وأجابوا أيضًا: بأن النجاشي لم يكن له هناك ولي من المؤمنين يصلي عليه وهذا ضعيف لأن الاقتداء به ﷺ واجب على الكافة (٦)، ثم قال الخطابي (٧):

стр. 302

ولا دليل فيه لأن النجاشي كان مسلمًا بين قوم كفار فقضى النبي ﷺ حقه في الصلاة عليه، فأما الميت المسلم في البلد الآخر فليس كهو لأنه قضى حقه غيره من المسلمين في بلده؛ ومنها: المعجزة الظاهرة لرسول اللّه ﷺ لإعلامه بموت النجاشي وهو بالحبشة في اليوم الذي مات فيه (١)، ومنها: الخروج إلى المصلى لصلاة الغائب، وقد تمسك به المالكية والحنفية في منع الصلاة على الميت في المسجد، ولا يتم لهم ذلك إلا بنقل يخصه وإنما خرج بهم إلى المصلى لأنه أبلغ في إظهار أمره المشتمل على هذه المعجزة (٢)، ومنها: أن تكبيراتها أربع - وبه قال الشافعي والجمهور وخالفه الشيعة فقالوا: يكبر خمسًا ووردت فيه أحاديث (٣)، وجاء أن عليا كان يكبر على أهل بيته سبعا تعظيما لشأنهم فهو خاص بهم، وفي شرح الموطأ من حديث سليمان بن أبي خثيمة قال: كان النبي ﷺ يكبر على الجنائز أربعا وخمسا وستا وسبعا وثمانية حتى مات النجاشي فخرج إلى المصلي فصف الناس وراءه وكبر أربعا ثم ثبت على أربع حتى توفاه اللّه (٤)، كذا استند القرطبي في الشرح المذكور (٥)؛ ومنها: استحباب الإعلام بالميت لا على الصورة نعى الجاهلية

стр. 303

بل مجرد إعلام الصلاة عليه (١). فائدة: قال في شرح الإلمام (٢): وأفاد بعض علمائنا أنه ينبغي أنه يصلي كل ليلة على من مات في غير بلده وغسل فإنه يكتب له ثواب الصلاة في أقطار الأرض واستشكل من حيث أنه لم يرد، ولو كان مطلوبا لفعله الصحابة؛ قلنا: إذا شرع أصل عبادة لم يضر اختلاف الأوصاف كما استنبط بلال ﵁ من مشروعية النوافل شكر الوضوء، وأقره عليه. قوله: "فمن كانت هجرته" الحديث، الهجرة بكسر الهاء واسم الهجرة يقع على أمور، الهجرة الأولى: هجرة الصحابة من مكة إلى الحبشة حين أذى المشركون رسول اللّه ﷺ ففروا بدينهم إلى النجاشي [وكانت هذه بعد البعثة بخمس سنين قاله البيهقى] (٣)، وعدد المهاجرين فيها اثنا عشر رجلًا وأربع نسوة (٤) وكانت هذه الهجرة بعد البعثة بثلاث عشرة سنة وكان يجب على كل من أسلم بمكة أن يهاجر إلى النبي ﷺ إلى المدينة، وأطلق جماعة أن الهجرة كانت واجبة من مكة إلى المدينة وهذا ليس على إطلاقه فإنه لا خصوصية للمدينة وإنما الواجب الهجرة إلى

стр. 304

رسول الله ﷺ حيث كان (١). الهجرة الثانية: من مكة إلى المدينة؛ الهجرة الثالثة: هجرة القبائل إلى رسول اللّه ﷺ ليتعلموا الشرائع ويرجعوا إلى قومهم فيعلموهم (٢)؛ الهجرة الرابعة: هجرة من أسلم من أهل مكة ليأتي النبي ﷺ ثم يرجع إلى مكة؛ الهجرة الخامسة: هجرة ما نهى اللّه عنه وهي أعم (٣)؛ الهجرة السادسة: الهجرة الثانية إلى أرض الحبشة فإنهم لما هاجروا أولًا إلى الحبشة رجعوا لما بلغهم عن المشركين سجودهم مع رسول اللّه ﷺ عند قراءة سورة النجم فلقوا من المشركين أشد مما عهدوا فهاجروا ثانيًا كما هو معروف في السير فلا يقال كلاهما هجرة إلى الحبشة فاكتفى بذكر الهجرة إليها مرة (٤) انتهى. وكان عدد المهاجرين إلى الحبشة في الثانية ثلاثة وثمانين وثماني عشرة امرأة، الهجرة السابعة: هجرة من كان مقيمًا ببلاد الكفر ولا يقدر على إظهار الدين فإنه يجب عليه أن يهاجر إلى بلاد الإسلام ولا يحل له الإقامة بدار الكفر كما صرح به بعض الشافعية (٥) انتهى، قال الماوردي (٦): فإن صار له

стр. 305

فيها أهل وعشيرة وأمكنه إظهار دينه لم يجز له أن يهاجر لأن المكان الذي هو فيه قد صار دار إسلام؛ الهجرة الثامنة: الهجرة إلى الشام في آخر الزمان عند ظهور الفتن كما رواه أبو داود والإمام أحمد منه قوله ﷺ : "ستكون هجرة بعد هجرة وألزمهم مهاجر إبراهيم ... " الحديث (١)، فهذه ثمانية أقسام للهجرة ذكرت في شرح الأحكام للعراقى (٢). وقال ابن العربي (٣): قسم العلماء ﵃: الذهاب في الأرض قسمين هربا وطلبا فالأول ينقسم إلى ستة أقسام: الأول: الخروج من دار الحرب إلى دار الإسلام وهي باقية إلى يوم القيامة والتي انقطعت بالفتح هي القصد على النبي ﷺ حيث كان. الثاني: الخروج من أرض البدعة، قال أبو القاسم: سمعت مالكًا يقول: لا يحل لأحد أن يقول بأرض يسب فيها السلف. الثالث: الخروج من أرض غلب عليها الحرام فإن طلب الحلال فرض على كل مسلم. الرابع: الفرار من الأذية في البدن وذلك على فضل من اللّه تعالى أخص فيه فإذا خشى على نفسه فقد أذن الله تعالى في الخروج عنه والفرار بنفسه للّه ليصب من ذلك المحذور وأول من فعله إبراهيم ﵊ حين

стр. 306

خاف من قومه فقال: ﴿إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي﴾ (١) وقال تعالى مخبرا عن موسى ﵊: ﴿فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ﴾ (٢)، الخامس: خوف المرض في البلاد الوخمة إلى الأرض النزهة وقد أذن ﷺ للعرب حين استوخموا المدينة أن يخرجوا إلى المسرح (اسم مكان)، السادس: الخروج خوفا من الأذية في المال فإن حرمة مال المسلم كحرمة دمه. وأما قسم الطلب فينقسم قسمين طلب دين وطلب دنيا وطلب الدين ينقسم إلى تسعة أنواع: الأول: سير العبرة قال اللّه تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا﴾ (٣) ويقال: إن ذا القرنين إنما طاف ليرى عجائبها. الثاني: سفر الحج. الثالث: سفر الجهاد. الرابع: سفر المعاش. الخامس: سفر التجارة والكسب الزائد على القوت وهو جائز لقوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ (٤)، السادس: في طلب العلم، السابع: قصد البقاع قال ﷺ : "لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد" (٥)، الثامن: الثغور للرباط بها، التاسع: زيارة

стр. 307

الإخوان في الله تعالى، قال رسول اللّه ﷺ : "زار رجل أخًا له في قرية فأرصد الله على مدرجته ملكًا فقال: أين تريد؟ قال: أريد أخا لي في هذه القرية ... " الحديث (١)، انتهى. معنى الحديث: فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله نية وقصدا فهجرته إلى اللّه ورسوله ثوابا وأجرا أو نحو ذلك من التقديرات فمن هاجر إلى اللّه تعالى كان أجره على اللّه وكانت هجرته مقبولة (٢). قوله ﷺ : "ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه" الحديث، ولفظ دنيا مقصورة غير منونة لأنها فعلى من الدنو وموصوفها محذوف أي: الحياة الدنيا (٣)، فأخبر النبي ﷺ أن هذه الهجرة تختلف باختلاف المقاصد والنيات بها فمن هاجر إلى دار الإسلام حبا للّه ورسوله ورغبة في تعلم دين الإسلام وإظهار دينه حيث كان يعجز عنه في دار الشرك فهذا هو المهاجر إلى اللّه ورسوله حقا وكفاه وشرفا وفخرا أنه حصل له ما نواه من هجرته إلى اللّه ورسوله ومن كانت هجرته من دار الشرك إلى دار الإسلام لطلب الدنيا يصيبها أي يحصلها أو امرأة ينكحها في دار الإسلام فهجرته إلى ما هاجر إليه من ذلك، فالأول تاجر والثاني خاطب وليس واحد

стр. 308

منهما مهاجر (١)، والسبب يقتضي أن المراد بالحديث الهجرة من مكة إلى المدينة لأنهم نقلوا أن رجلًا هاجر من مكة إلى المدينة لا يريد بذلك فضيلة الهجرة وإنما هاجر ليتزوج امرأة تسمي أم قيس فسمي مهاجر أم قيس (٢). تنبيه: لم يسم أحد فيمن صنف في الصحابة، هذا الرجل الذي ذكروا أنه كان يسمى مهاجر أم قيس فيما رأيت، وأما أم قيس المذكورة: فقد ذكر أبو الخطاب بن دحية أن اسمها قيلة وهي معدودة في الصحابيات (٣)، انتهى [قال بعض مشايخنا: والحكمة في عدم تسمية الصحابي المذكور الستر على الصحابي لئلا يسيئ أحد الظن بالصحابي (٤)]. وقوله: في الحديث: "ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأة ينكحها" يحتمل أن مهاجر أم قيس المذكور كان يحبها لمالها وجمالها، فجمعهما في التعريض به، ويحتمل أنه كان يطلب نكاحها وغيره من الناس هاجر لتحصيل دنيا من جهة ما فعرض بهما ويحتمل غير ذلك (٥). فائدة: فإن قيل: النكاح من [المطلوبات الشرعية] والهجرة إليه هجرة إلى اللّه ورسوله فلم كانت من الدنيا.

стр. 309

قيل: في بيانه أنه لم يخرج في الظاهر له وإنما خرج في الظاهر لطلب الهجرة فلما أبطن خلاف ما أظهر استحق العتاب واللوم ويقاس من خرج في الصورة الظاهرة لطلب الحج وقصد التجارة وكذلك يقاس سائر الأعمال كطلب العلم لطلب منصب ونحوه (١) واللّه أعلم. فالهجرة على حد واحد في الفعل وإنما كانت هذه للّه وهذه لغير اللّه بما احتوت عليه الجوارح الباطنة وهي النية وقد قال الإمام المازري (٢): ألا ترى أن الساجد للّه والساجد للصنم في الصورة واحد، وإنما كانت هذه عبادة وهذه كفر بالنية (٣) وفيه أن العمل للدنيا ليس من القربات في شئ وأن الديني لا يقبل ما لم يقترن به قصد الثواب إلى اللّه تعالى حتى قال العلماء: من أدى نفقة زوجته أو قريبه أو وفى دينه من غير قصد لامتثال الشرع لم يثبت على ذلك فسائر الأعمال كالهجرة في هذا المعنى فصلاحها وفسادها بحسب النية الباعثة عليها كالجهاد والحج وغيرهما، وقد سئل النبي ﷺ عن اختلاف نيات الناس وما يقصد بها من الرياء والشجاعة والعصبية وغير ذلك في سبيل اللّه فقال: "من قاتل لتكون كلمة اللّه هي العليا فهو في سبيل اللّه" فخرج بها كلما سألوا عنه من المقاصد الدنيوية (٤) واللّه أعلم.

стр. 310

قوله: رواه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي، تقدم الكلام على البخاري وأبو داود والنسائي وسيأتي الكلام على مسلم بن الحجاج، وأما الترمذي فهو منسوب إلى ترمذ، قال أبو سعد السمعاني (١): هي بلدة قديمة على أطراف نهر بلخ الذي يقال له جيحون ويقال في النسبة إليه ترمذي بكسر التاء والميم وبضمها وتفتح التاء مع كسر الميم ثلاثة أوجه حكاها السمعاني (٢) واللّه أعلم. قوله: في الكلام على رواة الحديث فإنه مما انفرد به يحيى بن سعيد الأنصاري عن محمد بن إبراهيم التميمي قال الحفاظ: لم يصح حديث: "إنما الأعمال بالنيات" عن النبي ﷺ إلا من رواية عمر بن الخطاب، ولا عن عمر إلا من رواية علقمة بن أبي وقاص، ولا عن علقمة إلا من رواية محمد بن إبراهيم التيمي، ولا عن محمد إلا من رواية يحيى بن سعيد الأنصاري، وعن يحيى انتشر فرواه عنه الخلق الكثير والجم الغفير (٣)، ومن أعيانها مالك والثوري والأوزاعي وابن المبارك والليث بن سعد وحماد بن زيد وشعبة وابن عيينة وغيرهم (٤). واللّه أعلم.

стр. 311

تتمة: علقمة بن [أبى] (١) وقاص هو الليثي (٢)، ومحمد بن إبراهيم هو أبو عبد اللّه التيمي (٣) ويحيى بن سعيد هو أبو سعيد الأنصاري وهم تابعيون يروي بعضهم عن بعض (٤)، ويحيى بن سعيد الأنصاري أجمعوا على جلالته وإمامته، قال الإمام أحمد بن حنبل ما رأيت مثله في كل أحواله، وقال: إليه المنتهى في التثبت بالبصرة، وقال ابن معين: أقام يحيى عشرين سنة يختم القرآن في كل يوم وليلة ولم يفته الزوال في المسجد أربعين سنة، وقال لي عبد الرحمن بن مهدي: لا ترى عينيك مثل يحيى، وقال ابن حبان في الثقات: كان يحيى من سادات أهل زمانه حفظا وورعا وفهما وفضلا وهو الذي مهد لأهل العراق رسم الحديث وأمعن النظر في البحث عن الثقات وترك الضعفاء، روى له أصحاب الكتب الستة نقل أنه كان يصلي العصر فيستند إلى أصل منارة مسجده فيقف بين يديه الإمام أحمد بن حنبل وعلي بن المديني وابن معين وغيرهم هيبة له وإعظاما يسألونه عن الحديث وهم قيام على أرجلهم إلى المغرب لا يجلسون، توفي سنة ثمان وتسعين ومائة (٥)

стр. 312

واللّه أعلم. [قوله: وقد روى من طرق كثيرة، غير طريق الأنصاري، ولا يصح منها شيء كذا قاله الحافظ علي بن المديني (١)]. تنبيه: قوله: علي بن المديني، والمديني: نسبة إلى مدينة رسول اللّه ﷺ ، نسب إليها لأن أصله كان منها، وكان من أعلم أهل زمانه بعلل الأحاديث، مات ابن المديني في القعدة سنة أربع وثلاثين ومائتين عن أربع وسبعين سنة (٢)، انتهى. قاله في الديباجة. ١٦ - عَن عَائِشَة قَالَت قَالَ رَسُول اللّه ﷺ : "يَغْزُو جَيْشٌ الكَعْبَةَ، فَإِذَا كَانُوا بِبَيْدَاءَ مِنَ الأرْضِ، يُخْسَفُ بِأَوَّلهِمْ وَآخِرِهِمْ" قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللّهِ، كَيْفَ يُخْسَفُ بِأَوَّلهِمْ وَآخِرِهِمْ، وَفِيهِمْ أَسْوَاقُهُمْ، وَمَنْ لَيْسَ مِنْهُمْ؟ قَالَ: "يُخْسَفُ بِأَوَّلهِمْ وَآخِرِهِمْ، ثُمَّ يُبْعَثُونَ عَلَى نِيَّاتِهِمْ" (٣) رواه البخاري ومسلم وغيرهما. قوله: وعن عائشة ﵂؛ عائشة هي: أم المؤمنين بنت أبي بكر الصديق عبد الله بن أبي قحافة عثمان بن عامر بن غنم بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر، يلتقي والدها مع النبي ﷺ في مرة بن كعب، قال أبو عمر بن عبد اللّه: لم يختلفوا في اسم أبيها وجدها، وأن لقب أبي بكر عتيق، وأمها: أم رومان بضم الراء المهملة، وحكي ابن عبد البر أنه يقال: بفتحها أيضًا، واسم أم رومان: زينب بنت عامر، وقيل: بنت

стр. 313

دهمان من بني مالك بن كنانة، توفيت أم رومان سنة ست من الهجرة في ذي الحجة، وقد صح أنها كانت في الإفك حية، وكان الإفك في شعبان سنة ست، ونزل النبي ﷺ في قبرها واستغفر لها، أسلمت قبل الهجرة، وتزوج رسول اللّه ﷺ عائشة ﵂ قبل الهجرة بسنتين، وقيل: بثلاث وهي ابنة ست سنين، وقيل: سبع سنين، وقال عبد الغني: والأول أصح، وبنى بها في شوال على رأس ثمانية أشهر من مهاجره على الصحيح، وقيل: غير ذلك وهي ابنة تسع وولدت سنة أربع من النبوة (١)، وتوفي رسول اللّه ﷺ وهي ابنة ثماني عشرة سنة (٢)، وعن القاسم بن محمد قال: كانت عائشة قد استقلت بالفتوى في خلافة أبي بكر الصديق وعمر وعثمان وهلم جرا إلى أن ماتت (٣)؛ وعن عروة بن الزبير قال: ما رأيت أحدا أعلم بفقه ولا بطب ولا بشعر من عائشة (٤)؛ وعن عطاء بن أبي رباح قال: كانت عائشة ﵂ أفقه الناس وأعلم الناس وأحسن الناس رأيا في العامة (٥)، واعلم أن رسول

стр. 314

اللّه ﷺ مات عن تسع من أزواجه وعائشة. أفضلهن بلا خلاف؛ وهل هي أفضل من خديجة بنت خويلد؟ وجهان، حكاهما صاحب التتمة، وادعى الثعلبي الإجماع على أن خديجة أول الناس إسلاما، وهذا يقتضي ترجيح تفضيلها على عائشة ﵂ (١)، وعن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول اللّه ﷺ : "ما تزوجت شيئا من نسائي ولا زوجت شيئا من بناتي إلا بوحي جاءني جبريل عن ربي " (٢)؛ وكنية عائشة أم عبد اللّه، كناها رسول اللّه ﷺ بأم عبد اللّه بابن أختها عبد اللّه بن الزبير (٣). واعلم أن عائشة أم المؤمنين اختصت بفضائل لم يشركها أحد من أزواج النبي ﷺ فيها، الأولى: أنه ﷺ لم يتزوج بكرًا غيرها؛ الثانية: أن جبريل ﵇ جاء النبي ﷺ بصورتها قبل أن يتزوجها؛ الثالثة: أنها كانت أحب نساء النبي ﷺ إليه؛ الرابعة: كان أبوها أحب الرجال إليه وأعزهم عليه؛ الخامسة: لم ينكح النبي ﷺ امرأة أبواها مهاجران بلا خلاف سواها، السادسة: كان لها يومان وليلتان في القسم دونهن لما وهبتها سودة أم المؤمنين يومها وليلتها؛

стр. 315

السابعة: أنها كانت تغضب فيترضاها ولم يثبت ذلك لغيرها؛ الثامنة: لم ينزل الوحي على رسول اللّه ﷺ في لحاف امرأة غيرها؛ التاسعة: أنها رأت جبريل ﵇ في صورة دحية الكلبي؛ العاشرة: نزل براءتها من السماء في قصة الإفك؛ الحادية عشرة: جعل براءتها قرآنا يتلى يوم القيامة؛ الثانية عشرة: لم ينزل بها أمرٌ إلا جعل اللّه ﵎ لها منه مخرجا وللمسلمين بركة؛ الثالثة عشرة: نزل آية التيمم بسبب عقدها حين حبس رسول اللّه ﷺ الناس، وقال أسيد بن حضير: ما هي بأول بركتكم يا آل أبي بكر؛ الرابعة عشرة: أنها خيرت فاختارت اللّه ﵎ ورسوله على الفور وكن لها تبعا في ذلك؛ الخامسة عشرة: كانت أفصحهن لسانًا؛ السادسة عشرة: كانت ﵂ أكثرهن علمًا؛ السابعة عشرة: اختياره ﷺ أن يمرض في بيتها؛ الثامنة عشرة: اجتماع ريق رسول اللّه ﷺ وريقها في آخر أنفاسه ﵊؛ التاسعة عشرة: وفاته بين سحرها ونحرها؛ العشرون: وفاته ﷺ في يومها؛ الحادية والعشرون: في بيتها بقعة هي أفضل بقاع الأرض مطلقًا، وهي مدفنه ﷺ ، وادعى القاضي عياض وغيره الإجماع عليه؛ الثانية والعشرون: لم يرو عن النبي ﷺ الحديث امرأة أكثر منها، روي لها عن رسول اللّه ﷺ ألفا حديث ومائتا حديث وعشرة أحاديث، اتفق البخاري ومسلم على مائة وأربعة وسبعين حديثا، وانفرد البخاري بأربعة وخمسين حديثًا ومسلم بثمانية وستين حديثا، وروى عنها من الصحابة عبد اللّه بن عباس وعبد اللّه بن الزبير وعبد اللّه بن قيس الأشعري وعبد اللّه بن عامر بن ربيعة وأبو هريرة

стр. 316

ونيف وستون رجلا وامرأة من التابعين في الصحيح (١)، انتهى، ذكره ابن الفرات الحنفي في تاريخه. قوله ﷺ : "يغزوا جيش الكعبة" الحديث، أي: يقصد عسكر من العساكر تخريب الكعبة (٢). قوله: "فإذا كانوا ببيداء من الأرض يخسف بأولهم وآخرهم" وفي رواية: "ببيداء المدينة" وبيداء المدينة الشرف الذي قدام ذي الحليفة إلى جهة مكة (٣)، وفي الصحاح (٤): والبيداء المفازة التي لا شيء فيها، وقال بعض العلماء: البيداء كل أرض ملساء لا شيء بها (٥)، وسميت أيضًا بيداء لأنه ليس فيها بناء ولا أثر وكل مفازة تسمي بيداء (٦)، وجمعها بيد وهي ما باد الشيء يبيد كأنها تبيد سالكها أي: تهلكه، ومنه قوله: أبيدت خضراء قريش، أي: أهلكت (٧) وهي في هذا الحديث اسم موضع مخصوص بين مكة والمدينة، وأكثر ما ترد البيداء، ويراد بها هذه، ومنه الحديث: "أن قومًا يغزون البيت فإذا نزلوا بالبيداء بعث الله جبريل ﵇ فيقول: يا بيداء أبيديهم فتخسف بهم" أي: أهلكيهم والإبادة الإهلاك أباده يبيده وباد هو يبيد، ومنه الحديث أيضًا: "فإذا

стр. 317

والإبادة الإهلاك أباده يبيده وباد هو يبيد، ومنه الحديث أيضًا: "فإذا هم بديار باد أهلها" أي: هلكوا وانقرضوا انتهى، قاله ابن الأثير في النهاية (١). قولها ﵂: قالت: قلت: يا رسول اللّه، كيف يخسف بأولهم وآخرهم، الحديث، الخسف بالصالح ونحوه ليس حربا له بل لفراغ أجله (٢). قوله: وفيهما أسواقهم ومن ليس منهم، أي: أهل أسواقهم أو رعاياهم (٣)؛ ومن ليس منهم: أي: من ليس ممن يقصد التخريب بل هم الضعفاء والأسارى (٤). قوله ﷺ : "ثم يبعثون على نياتهم" أي: فيما يستسرون من الصلاح والفساد لأنه ربما يكون فيهم من هو مكره على حضوره معهم غير راض به، انتهى. وفي الرواية الأخرى: "ثم يبعثون على ما في أنفسهم" ومعناه: كمعنى قوله في الحديت الآخر: أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: "نعم، إذا كثر الخبث" (٥) وقال الكرماني: (٦) أي يخسف بالكل لشؤم الأشرار، ثم إنه تعالى يعامل كلا منهم في الحشر بحسب قصده، إن خيرا فخير وإن شرًا فشر، انتهى.

стр. 318

فائدة: إذا أنزل اللّه بقوم عذابًا أصاب العذاب من كان فيهم ثم يبعثون على نياتهم، وقد يشكل فيقال كيف يصيب العذاب من لم يفعل أفعالهم، والجواب: من وجهين: أحدهما: أن يكون فيهم من هو راض بأفعالهم أو غير منكر لها فيعذب برضاه بالمعصية وسكوته عن الإنكار فإن الصالحين من بني إسرائيل لما أنكروا على المفسدين ثم واكلوهم وشاربوهم وصافوهم عم العذاب الكل، والجواب الثاني: أن يكون إصابة العذاب لهم لا على وجه التعذيب ولكن يكون إماتة لهم عند انتهاء آجالهم كما هلكت المواشي والبهائم في الطوفان بآجالها لا بالتعذيب (١)، واللّه أعلم، وجد في حواشي المشارق من نسخة معتمدة. ١٨ - عَن أنس بن مَالك ﵁ قَالَ رَجعْنَا من غَزْوَة تَبُوك مَعَ النَّبِي ﷺ فَقَالَ "إِنَّ أَقْوَامًا خَلْفَنَا بِالْمَدِينهِ، مَا سَلَكْنَا شِعْبًا وَلَا وَادِيًا إِلَا وَهُمْ مَعَنَا فِيهِ، حَبَسَهُمُ العُذْرُ" (٢) رواه البخاري وأبو داود ولفظه إن النبي ﷺ قَالَ: "لقد تركْتُم بِالْمَدِينَةِ أَقْوَامًا مَا سِرْتُمْ مسيرًا وَلا أنفقتم من نَفَقَة وَلا قطعْتُمْ من وَاد إِلَّا وهم مَعكُمْ قَالُوا يَا رَسُول اللّه وَكيف يكونُونَ مَعنا وهم بِالْمَدِينَةِ قَالَ حَبسهم الْمَرَض". قوله ﷺ : وعن أنس بن مالك، تقدم الكلام على مناقبه، وكم روى عن النبي ﷺ من الأحاديث قريبًا.

стр. 319

قوله: قال: رجعنا من غزوة تبوك مع النبي ﷺ ، غزوة تبوك كانت في السنة التاسعة من الهجرة، وخرج إليها رسول اللّه ﷺ (١)، ويأتي الكلام عليها في الصدق، وفيه حديث كعب بن مالك في تخلفه عنها، وفيه: فوائد جمة مبسوطا إن شاء اللّه تعالى. قوله: "فقال: إن أقوامًا خلفنا بالمدينة ما سلكنا شعبًا ولا واديًا إلا وهم معنا" الحديث، خلفنا بإسكان اللام، والشعب بكسر الشين المعجمة هو الطريق في الجبل (٢). وقوله: "إلا وهم معنا حبسهم العذر" أي الفقر والضعف أي من حيث استحقاق الثواب وحبسهم العذر جوابًا لقول من يقول لأي شيء يكونون معكم، قاله في شرح مشارق الأنوار. قوله: وفي رواية أبي داود: "لقد تركتم بالمدينة قومًا ما سرتم مسيرًا ولا أنفقتم من نفقة ولا قطعتم من واد إلا وهم معكم" وفي آخره قال: "حبسهم المرض" قال النووي (٣): ففي هذه الراوية والتي قبلها فضيلة النية في الخير، وأن من نوى الغزو أو غيره من الطاعات فعرض له عذر منعه حصل له ثواب نيته وأنه كلما أكثر من التأسف على فوات ذلك وتمنى كونه مع الغزاة ونحوهم كثر ثوابه.

стр. 320

وفيه أيضًا أن من نوى خيرا فله أجر ما نواه وإن عاقه عنه عائق تفضلًا من اللّه تعالى وجزاءً على نيته (١)، ولهذا شواهد من السنة ذكره المنذري في حواشي مختصر سنن أبي داود، فإذا كان الشرع ﷺ قد نزل العاجر عن الطاعة مع الفاعل لها إذا صحت نيته لقوله ﷺ في الحديث الصحيح: "إذا مرض العبد أو سافر كتب له ما كان يعمل صحيحا مقيما" (٢) وله نظائر في الحديث، فتنزيل العاجر عن المعصية التارك لها قهرا مع نية تركها اختيارا لو أمكنه منزلة التارك لها المختار أولى (٣)، واللّه أعلم. وقال الإمام أبو عبد اللّه القرطبي (٤): هذا الحديث يقتضي أن صاحب العذر يعطى أجر الغازي فقيل: يحتمل أن يكون أجره مساويا وفي فضل اللّه متسع وثوابه فضل لا استحقاق فيثيب على النية الصادقة ما لا يثيب على الفعل، وقيل: يعطى أجره من غير تضعيف فيفضله الغازي بالتضعيف للمباشرة، قال: والأول أصح، ذكره في قوله تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾ (٥) الآية، انتهى. قال العلماء: أهل الضرر هم أهل الأعذار إذ قد أضرت بهم حتى منعتهم

стр. 321

الجهاد (١)، وفيه دليل لسقوط الجهاد عن المعذورين ولكن لا يكون لهم ثواب المجاهدين بل يكون لهم ثواب نياتهم إن كانت لهم نية صالحة كما قال ﷺ : "ولكن جهاد ونية" (٢) وفيه أن الجهاد فرض كفاية وليس بفرض عين، وفيه رد على من يقول إنه كان في زمن النبي ﷺ فرض عين وبعده فرض كفاية، والصحيح أنه كان فرض كفاية من حين شرع وهذه الآية ظاهرة في ذلك لقوله تعالى: ﴿وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ (٣) (٤). قوله: ﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَر﴾ قرئ بنصب الراء ورفعها قراءتان مشهورتان في السبع، قرأ نافع وابن عامر والكسائي بنصبها والباقون برفعها (٥)، وقرئي [في الشاذ] بجرها فمن نصب فعلى الاستثناء، ومن رفع فوصف القاعدين أو بدل منهم، ومن جر فوصف للمؤمنين أو بدل منهم (٦). واللّه أعلم. فإذا تقرر ما ذكرناه، فسير القلوب أبلغ من سير الأبدان، كم من واصل ببدنه إلى البيت وقلبه منقطع عن رب البيت وكم من قاعد على فراشه في بيته

стр. 322

وقلبه متصل بالمحل الأعلى قال رجل لبعض العارفين باللّه: قد قطعت إليك مسافة قال: ليس هذا الأمر بقطع المسافات، فارق نفسك بخطوة وقد وصلت إلى مقصودك، شعر (١): جِسْمِي مَعِي غَيْرَ أَنَّ الرُّوحَ عِنْدَكُمُ ... فَالْجِسْمُ فِي غُربَةٍ وَالرُّوحُ فِي وَطَنِ (٢) ١٧ - عَن أبي هُرَيْرَة قَالَ: قَالَ رَسُول اللّه ﷺ : "إِنَّمَا يبْعَث النَّاس على نياتهم" (٣). رَوَاهُ ابْن مَاجَه بِإِسْنَاد حسن وَرَوَاهُ أيْضا من حَدِيث جَابر إِلَّا أنه قَالَ "يحْشر النَّاس". قوله: وعن أبي هريرة، اختلفوا في اسمه واسم أبيه على أقوال نحو ثلاثين قولًا (٤). وقال ابن إسحاق: حدثني بعض أصحابنا عن أبي هريرة قال: كان اسمي في الجاهلية عبد شمس بن صخر فسميت في الإسلام عبد الرحمن وإنما كناني أبي أبا هريرة لأني كنت أرعى غنما فوجدت هرة فجعلتها في كفي فقال أبي: أنت أبو هريرة (٥) ولم يرو عن رسول اللّه ﷺ أحد من الرجال أكثر مما روي عنه أبو هريرة فإنه روى عنه خمسة آلاف حديث وثلاثمائة حديث

стр. 323

وأربعة وسبعين حديثًا، وإنما صحبه أربع سنين (١)، قال الواقدي: وهو من قبيلة من اليمن يقال لها دوس من الأزد، واسم أمه: أميمة بنت صفيح بن الحارث وخاله سعيد بن صفيح من أشد أهل زمانه (٢)، وقال أبو هريرة: نشأت يتيما وهاجرت مسكينًا وكنت أجيرًا لبسرة بنت غزوان بطعام بطني وعقبة رحلي فكنت أخدم إذا نزلوا، وأحدوا إذا ركبوا فزوجنيها اللّه، والحمد للّه الذي جعل الدين قوامًا وجعل أبا هريرة إمامًا (٣). قوله: كنت أجيرا لبسرة بنت غزوان كذا ذكرها الذهبي في تجريد الصحابة (٤) أن اسمها بسرة، وقال: ما رأيت أحدًا ذكرها، والعجب أن هذا رواه الحافظ أبو نعيم في الحلية (٥) في أوائل ترجمة أبي هريرة من حديث أبي بكر بن خلاد فذكر الحديث ابن ماجه عقبه بما رواه ابن علية عن الجريري فذكر الحديث إلى أن قال: "كنت أجيرًا لبسرة بنت غزوان لعقبة رحلي وطعام بطني ... " الحديث (٦). وقوله: "الحمد للّه الذي جعل الدين قوامًا" قوام الشيء عماده.

стр. 324

الذي يقوم به يقال: فلان قوام أهل بيته (١) والقائم الدائم المستمر الذي يعمل ولا يترك. قوله: (وجعل أبا هريرة إمامًا) والإمام القدوة في الدين (٢)، قال اللّه تعالى: ﴿وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾ (٣) أي: قدوة يقتدى بنا في الخير (٤)، وكان ابن عمر يقول في دعائه: اللهم اجعلنا من أئمة المسلمين (٥)، وقال الشيخ أبو القاسم القشيري شيخ الصوفية: الإمامة بالدعاء لا بالدعوى (٦)، يعني: بتوفيق اللّه تعالى وتيسيره ومنته لا بما يدعيه كل أحد لنفسه (٧)، وقال إبراهيم النخعي: لم يطلبوا الرياسة بل أن يكونوا قدوة في الدين (٨)، وقيل: سألوا أن يجعل اللّه تعالى كل واحد منهم إمامًا (٩)، قال الزمخشري: وعن بعضهم أن الرياسة في الدين يجب أن تطلب ويرغب فيها وقد نزلت هذه الآية في العشرة المبشرين بالجنة (١٠) واللّه أعلم.

стр. 325

وكان قدوم أبي هريرة ﵁ سنة سبع والنبي ﷺ بخيبر فسار إلى خيبر حتى قدم على النبي ﷺ ثم قدم معه إلى المدينة وكان أبو هريرة ﵁ بعيد ما بين المنكبين ذا ضفيرتين أفرق الثنيتين يصفر لحيته ويعفها، ويحف شاربه، وكان أحسن الناس خلقا مزاحا ﵁ (١) ومناقبه كثيرة مشهورة. قوله ﷺ : "إنما يبعث الناس على نياتهم" الحديث، وفي الرواية الأخرى: "يحشر الناس على نياتهم" الحديث، فمن كانت نيته في الدنيا النصحية للّه ورسوله والمسلمين ويحب لهم ما يحب بُعث على هذه النية وجُوزِي عليها وإن كانت نيته بضد ذلك بعث عليها واستحق الجزاء بها، واللّه أعلم. ١٩ - عَن أبي هُرَيْرَة قَالَ قَالَ رَسُول اللّه ﷺ إِن اللّه لا ينظر إِلَى أجسامكم وَلا إِلَى صوركُمْ وَلَكِن ينظر إِلَى قُلُوبكُمْ" (٢) رواه مسلم. قوله: وعن أبي هريرة أيضًا، تقدم الكلام على مناقبه في الحديث قبله. قوله ﷺ : "إن اللّه لا ينظر إلى أجسامكم ولا إلى صوركم [وأموالكم] ولكن ينظر إلى قلوبكم"، وفي حديث آخر: "إن اللّه لا ينظر إلى صوركم وأموالكم ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم" (٣) الحديث، معنى النظر هاهنا [الإحسان] والرحمة والعطف، لأن النظر في الشاهد دليل المحبة وترك النظر دليل البغض والكراهة وميل الناس إلى الصورة المعجبة والأموال الفائقة

стр. 326

واللّه تعالى يتقدس عن شبه المخلوقين فجعل نظره إلى ما هو السر واللب وهو القلب والعمل والنظر يقع على الأجسام والمعاني فما كان بالأبصار فهو للأجسام وما كان بالبصائر فهو للمعاني انتهى، قاله في النهاية (١). وقال بعض العلماء: معنى نظر اللّه هنا مجازاته ومحاسبته إنما يكون ذلك على ما في القلب دون الصورة الظاهرة ونظر اللّه ورؤيته محيطة بكل شيء فحينئذ فقد يكون كثير ممن له صورة حسنة أو مال أو جاه أو رياسة في الدنيا قلبه خرابا من التقوى ويكون ممن ليس له شيء من ذلك قلبه مملوءا بالتقوى فيكون أكرم عند اللّه بل ذلك هو الأكثر وقوعا كما في الصحيح عن حارثة بن وهب عن النبي ﷺ قال: "ألا أخبركم بأهل الجنة كل ضعيف متضعف لو لأقسم على اللّه لأبره" (٢) قاله ابن رجب في شرح الأربعين النواوية (٣). تتمة: وقال القرطبي (٤): في قوله ﷺ : "إن اللّه لا ينظر إلى أجسامكم" الحديث، فيه نظر اللّه تعالى الذي هو رؤيته الموجودات وإطلاعه عليها لا يخص موجودا دون موجود بل يعم جميع الأشياء إذ لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء ثم قد جاء في الشرع نظر اللّه تعالى بمعنى رحمته للمنظور إليه وبمعنى قبول أعماله ومجازاته عليها وهذا هو النظر الذي

стр. 327

يخص بعض الأشياء وينفي عن بعضها كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ﴾ (١)، فقوله ﷺ : "إن اللّه لا ينظر إلى صوركم وأموالكم" أي: يثيبكم عليها ولا تقربكم منه كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنَا زُلْفَى إِلَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُولَئِكَ لَهُمْ جَزَاءُ الضِّعْفِ بِمَا عَمِلُوا وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ﴾ (٢) ويستفاد من هذا الحديث فوائد: أحدها: صرف الهمة إلى الاعتناء بأحوال القلب وصفاته بتحقيق علومه وتصحيح مقاصده وعروضه وتطهيره عن مذموم صفاته واتصافه بمحمودها، فإنه كما كان القلب هو محل نظر اللّه فحق للعالم بقدر إطلاع اللّه تعالى على قلبه أن يفتش عن صفات قلبه وأحوالها لإمكان أن يكون في قلبه وصف مذموم يمقته اللّه تعالى بسببه. الثانية: أن الاعتناء بإصلاح القلب مقدم على أعمال بالجوارح لأن أعمال القلوب هي المصححة للأعمال إذ لا يصح عمل شرعي إلا من مؤمن باللّه تعالى مخلص فيما يعمله ثم لا يكمل ذلك إلا بمراقبة الحق فيه (٣) وهو الذي عبر عنه بالإحسان حيث قال: "أن تعبد اللّه كأنك تراه" (٤) وبقوله: "إن في

стр. 328

الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب" (١) الحديث. الثالثة: أنه لما كانت القلوب هي المصححة للأعمال الظاهر وأعمال القلب غيبت عنا فلا نقطع بعيب أحد لما نرى عليه من صور أعمال الطاعة أو المخالفة فلعل من يحافظ على الأعمال الظاهرة يعلم اللّه من قلبه وصفا مذموما لا تصح معه تلك الأعمال، ولعل من رأينا عليه تفريطًا أو معصية يعلم اللّه من قلبه وصفا محمودًا يغفر له بسببه فالأعمال إما رأت ظنية لا أدلة قطعية، ويترتب عليها عدم الغلو في تعظيم من رأينا عليه أفعالا صالحة وعدم احتقار لمسلم رأينا عليه أفعالا سيئة بل نحتقر ونذم تلك الحالة السيئة لا تلك الذات المتسببة، فتدبر هذا فإنه نظر دقيق (٢) انتهى، قاله في الديباجة. واعلم أن القلب عضو شريف فيه نور الإيمان وأنه موضع التقوى قال ﷺ : "التقوى هاهنا وأشار إلى قلبه" (٣)، والأعمال وسائل بها يتقرب العباد إلى اللّه تعالى وبها يظهر المطيع من العاصي فصار كل منهما محل نظره تعالى بخلاف الصور لأن المقصود منها ما هو في بواطنها من معرفة خالقها والعلم بذاته وصفاته وبخلاف الأموال، لأن الدنيا ما تزن عند اللّه جناح بعوضة فما ظنك بالأموال، انتهى.

стр. 329

ومقصود الحديث أن الاعتبار في هذا كله بالقلب وهو من نحو قوله ﷺ : "ألا إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب" (١). فائدة: قال الإمام المازري: احتج بعض الناس بهذا الحديث على أن العقل في القلب لا في الرأس (٢) فالعقل هو التثبت في الأمور وجمعه عقول سمي بذلك لأنه يعقل صاحبه عن التورط في المهالك أي يحبسه، وقيل: هو التمييز الذي يتميز به الإنسان عن سائر الحيوانات وهو ضد الحمق، وقال المحاسبي: هو نور في القلب يفيد الإدراك وذلك النور يقل ويكثر فإذا قوي فمع ملاحظة الهوي قيل لعمرو بن العاص ما بال قومك لو يؤمنوا وقد وصفهم اللّه بالعقل فقال: ﴿أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلَامُهُمْ بِهَذَا﴾ (٣) وكانت قريش تدعي أهل الإحلام والنهى، فقال تلك عقول كادها اللّه تعالى أي: لم يصحبها التوفيق، وقال: قوم أحلامهم أذهانهم وأن العقل لا يعطي لكافر إذ لو كان له عقل لآمن إنما الكافر الذَّهن، روي الترمذي الحكيم بسنده أن رجلًا قال: يا رسول اللّه ما أعقل فلانا النصراني؟ فقال: مه إن الكافر لا عقل له أما سمعت قول اللّه تعالى: ﴿وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ

стр. 330

السَّعِيرِ (١٠)﴾ (١) (٢) وأجاب الجمهور: عن هذا يحمل هذا على العقل النافع، واختلف العلماء في محل العقول فقال أصحابنا وجمهور المتكلمين أنه في القلب، وقال أصحاب أبي حنيفة وأكثر الأطباء أنه في الدماغ (٣)، واللّه أعلم. ٢٠ - عَن أبي كبْشَة الأنمَارِي ﵁ أَنه سمع رَسُول اللّه ﷺ يَقُول ثَلَاث أقسم عَلَيْهِنَّ وَأُحَدِّثكُمْ حَدِيثا فاحفظوه، قَالَ: مَا نقص مَال عبد من صَدَقَة وَلا ظلم عبد مظْلمَة صَبر عَلَيْهَا إِلَّا زَاده اللّه عزا وَلا فتح عبد بَاب مَسْألة إِلَا فتح اللّه عَلَيْهِ بَاب فقر أَو كلمة نَحْوهَا، وَأُحَدِّثكُمْ حَدِيثا فاحفظوه قَالَ إِنَّمَا الدُّنْيَا لأربعة نفر عبد رزقه اللّه مَالا وعلما فَهُوَ يَتَّقِي فِيهِ ربه ويصل فِيهِ رَحمَه وَيعلم للّه فِيهِ حَقًا فَهَذَا بِأَفْضَل الْمنَازل وَعبد رزقه اللّه علما وَلم يرزقه مَالا فَهُوَ صَادِق النِّيَّة يَقُول لَو أَن لي مَالا لعملت بِعَمَل فلَان فَهُوَ بنيته فأجرهما سَوَاء وَعبد رزقه اللّه مَالا وَلم يرزقه علما يخبط فِي مَاله بِغَيْر علم وَلا يَتَّقِي فِيهِ ربه وَلا يصل فِيهِ رَحمَه وَلا يعلم لله فِيهِ حَقًا فَهَذَا بأخبث الْمنَازل وَعبد لم يرزقه اللّه مَالا وَلا علما فَهُوَ يَقُول لَو أَن لي مَالا لعملت فِيهِ بِعَمَل فلان فَهُوَ بنيته فوزرهما سَوَاء" (٤). رواه أحمد والترمذي واللفظ له وقال حديث حسن صحيح.

стр. 331

ورواه ابن ماجه ولفظه "قَالَ رَسُول اللّه ﷺ : مثل هَذِه الأمة كَمثل أَرْبَعَة نفر رجل آتَاهُ اللّه مَالا وعلما فَهُوَ يعْمل بِعِلْمِهِ فِي مَاله يُنْفِقهُ فِي حَقه وَرجل آتَاهُ اللّه علما وَلم يؤته مَالا وَهُوَ يَقُول لَو كَانَ لي مثل هَذَا عملت فِيهِ بِمثل الَّذِي يعْمل، قَالَ رَسُول اللّه ﷺ فهما فِي الأجر سَوَاء وَرجل آتَاهُ اللّه مَالا وَلم يؤته علما فَهُوَ يخبط فِي مَاله يُنْفِقهُ فِي غير حَقه وَرجل لم يؤته اللّه علما وَلا مَالا وَهُوَ يَقُول لَو كَانَ لي مثل هَذَا عملت فِيهِ مثل الَّذِي يعْمل، قَالَ رَسُول اللّه ﷺ فهما فِي الْوزر سَوَاء" (١). قوله: عن أبي كبشة الأنماري؛ أبو كبشة [المزحجي له صحبة (٢)]، اسمه عمرو بن سعد، وقيل: عامر بن سعد، وقيل: عمر بن سعد، وقيل: غير ذلك نزل الشام وكان قدومه إليها مع عمر روى له أبو داود والترمذي والبيهقي هذا الحديث، وأبو كبشة الذي في الكتب الستة ثلاثة الأنماري ها والسدوسي والسلولي (٣) قاله في الديباجة. قوله ﷺ : "ثلاثة أقسم عليهن وأحدثكم حديثا فاحفطوه ... " الحديث. أي: اقسم باللّه عليهن، والقسم هو الحلف. قوله ﷺ : "ما نقص مال من صدقة ... "الحديث. وعدم نقص المال من الصدقة لأجل أن اللّه تعالى يبارك فيه (٤)، وسمي المال مالا لميل القلوب به
следующие страницы →