← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 660

فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب

حسن بن علي الفيومي

Полный текст (10 535 стр.). Показаны 4912–4951 · переход к 4917.

стр. 4912

الترغيب في الاستغفار والإكثار منه في الليل والنهار ٢٤٩٨ - عَن أبي ذَر ﵁ عَن رَسُول الله ﷺ أَنه قَالَ: "يَقُول الله يَا ابْن آدم كلكُمْ مذنب إِلَّا من عافيت فاستغفروني أَغفر لكم وكلكم فَقير إِلَّا من أغنيت فاسألوني أعطكم وكلكم ضال إِلَّا من هديت فاسألوني الْهدى أهدكم وَمن استغفرني وَهُوَ يعلم أَنِّي ذُو قدرَة على أَن أَغفر لَهُ غفرت لَهُ وَلَا أُبَالِي وَلَو أَن أولكم وآخركم وحيكم وميتكم ورطبكم ويابسكم اجْتَمعُوا على قلب أَشْقَى رجل وَاحِد مِنْكُم مَا نقص ذَلِك من سلطاني مثل جنَاح بعوضة وَلَو أَن أولكم وآخركم وحيكم وميتكم ورطبكم ويابسكم اجْتَمعُوا على أتقى قلب رجل وَاحِد مِنْكُم مَا زادوا فِي سلطاني مثل جنَاح بعوضة وَلَو أَن أولكم وآخركم وحيكم وميتكم ورطبكم ويابسكم سَأَلُونِي حَتَّى تَنْتَهِي مَسْأَلَة كل وَاحِد مِنْهُم فأعطيتهم مَا سَأَلُونِي مَا نقص ذلِك مِمَّا عِنْدِي كمغرز إبرة لَو غمسها أحدكُم فِي الْبَحْر وَذَلِكَ أَنِّي جواد ماجد وَاحِد عطائي كَلَام وعذابي كَلَام إِنَّمَا أَمْرِي لشَيْء إِذا أردته أَن أَقُول لَهُ كن فَيكون" رَوَاهُ مُسلم وَالتِّرْمِذِيّ وَحسنه وَابْن مَاجَه وَالْبَيْهَقِيّ وَاللَّفْظ لَهُ وَفِي إِسْنَاده شهر بن حَوْشَب وَإِبْرَاهِيم بن طهْمَان وَلَفظ التِّرْمِذِيّ نَحوه إِلَّا أَنه قَالَ يَا عبَادي وَيَأْتِي لفظ لمُسلم فِي الْبَاب بعده إِن شَاءَ الله (١).

стр. 4913

قوله: عن أبي ذر ﵁ واسم أبي ذر جندب بن جناده وقيل غير ذلك. قوله ﷺ "يقول الله يا ابن آدم كلكم مذنب إلا من عافيت فاستغفروني أغفر لكم" الحديث. هذا الباب من أهم الأبواب التي يعتنى بها ويحافظ على العمل بها قال الله تعالى: ﴿اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا﴾ (١) وقال تعالى: ﴿وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (١٠٦)﴾ (٢) وقال تعالى: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا (٣)﴾ (٣) وقال تعالى: ﴿وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ﴾ (٤) وقال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (٣٣)﴾ (٥) وقال تعالى ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ﴾ (٦) الآية وقال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا (١١٠)﴾ (٧) وقال الأَسْوَدِ وَعَلْقَمَةَ، قَالا: قَالَ عَبْدُ اللهِ (٨): إِنَّ في كِتَابِ اللهِ آيَتَيْنِ مَا أَصَابَ عَبْدٌ

стр. 4914

ذَنْبًا فَقَرَأَهُمَا، ثُمَّ اسْتَغْفَرَ اللهَ إِلَّا غَفَرَ لَهُ: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ (١) إِلَى آخِرِ الآيَةِ. و ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ﴾ (٢). وقال الله تعالى. ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا (١١٠)﴾ (٣) " وفي مسند الإمام أحمد بإسناد حسن (٤) عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : "إن الله ليرفع الدرجة للعبد الصالح في الجنة، فيقول: يا رب، أنى لي هذه؟ فيقول: باستغفار ولدك لك" ولهذا كان بعضهم يقول في دبر كل صلاة اللهم اغفر لأبوي وارحمهما كما ربياني صغيرا وقال خالد بن معدان قال الله تعالى إن أحب قوله: ﴿اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا﴾ (٥) وغفار وغفور من أمثلة المبالغة والغافر الساتر لذنوب عباده وعيوبهم المتجاوز عن خطاياهم وذنوبهم وأصل الغفران التغطية يقال غفر الله لك يغفر غفرا وغفرانا ومغفرة والمغفرة من الله تعالى العفو للمذنبين اهـ قاله في الديباجة. قوله ﷺ "يقول الله يا ابن آدم كلكم مذنب إلا من عافيت فاستغفروني أغفر لكم" الحديث أي يطلب مني المغفرة أغفر لكم وجاء في

стр. 4915

الحديث "لو أنكم لم تذنبوا لذهب الله بكم وجاء بقوم غيركم فيذنبون فيستغفرون فيغفر لهم" (١). وأصل الغفر الستر وغفرت المتاع سترته والمغفر وقاية تستر الرأس في الحرب وغفر الذنب ستره ومحو أثره وأمن عاقبته ذكره الطوفي اهـ (٢). فالاستغفار من الذنوب هو طلب المغفرة والعبد أحوج شيء إليه لأنه يخطئ بالليل والنهار وقد تكرر في القرآن العظيم والأمر بهما والحث عليهما، فأما استغفار اللسان مع إصرار القلب على الذنب فهو دعاء مجرد إن شاء الله رده وإن شاء أجابه وقد يكون الإصرار مانعا من الإجابة، وفي المسند من حديث عبد الله بن عمرو مرفوعا، ويل للذين يصرون على ما فعلوا وهم يعلمون (٣)، فالاستغفار التام الموجب للمغفرة هو ما قارن عدم الإصرار كما مدح الله أهله ووعدهم المغفرة. قوله ﷺ قال الله تعالى "وكلكم فقير إلا من أغنيت فاسألوني أعطكم" هذا يقتضي أن جميع الخلق يفتقرون إلى الله تعالى في جلب منافعهم ودفع

стр. 4916

مضارهم في أمور دينهم ودنياهم وأن العباد لا يملكون لأنفسهم شيئا من عباد إلى المتحابون بحبي والمتعلقة قلوبهم بالمساجد والمستغفرون بالأسحار أولئك الذين إذا أردت أهل الأرض بعقوبة ذكرتهم فتركتهم وصرفت العقوبة عنهم وقال قتادة القرآن يدلكم على دائكم ودوائكم أما داؤكم فالذنوب وأما دواؤكم فالاستغفار، وقال علي بن أبي طالب العجب ممن يهلك ومعه النجاة قيل وما هي؟ قال الاستغفار، قال الغزالي (١) وكان يقال ما دل الله عبدا على الاستغفار وهو يريد أن يعذبه، وقال الفضيل قول العبد أستغفر الله تفسيرها أقلني وقال بعض العلماء العبد بين ذنب ونعمة لا يصلحهما إلا الاستغفار والحمد وقال الربيع بن خثيم لا يقولن أحدكم أستغفر الله وأتوب إليه فيكون ذنبا وكذبا إن لم يفعل ولكن ليقل اللهم اغفر لي وتب علي، قال النووي (٢) وهذا الذي قاله من قوله اللهم اغفر لي وتب علي حسن، وأما كراهة أستغفر الله وتسميته كذبا فلا يوافق عليه لأن معنى أستغفر الله أطلب مغفرته وليس في هذا كذبا ويكفي في رده في سنن أبي داود والترمذي والحاكم بإسناد صحيح عن ابن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ : "من قال أستغفر الله الذي لا إله إلا هو الحي القيوم وأتوب إليه غفرت له ذنوبه وغن كان قد فر من الزحف" (٣).

стр. 4917

وقال الفضيل: استغفار بلا إقلاع توبة الكذابين، وقالت رابعة العدوية: استغفارنا يحتاج إلى استغفار وسمع أعرابي متعلق بأستار الكعبة يقول: إن استغفار إليك مع إصراري للؤم وإن تركي الاستغفار مع علمي بسعة عفوك لعجز فكم تتحبب إلي بالنعم مع غناك عني وأتبغض إليك بالمعاصي مع حاجتي إليه يا من إذا وعد وفى وإذا تواعد عفا أدخل عظيم جرمي في عظيم عفوك يا أرحم الراحمين، وقال أبو عبد الله الوراق: ولو كان عليك مثل عدد القطر وزبد البحر ذنوبا لمحيت عند إذا دعوت ربك بهذا الدعاء مخلصا إن شاء الله تعالى الله استغفر من كل ذنب تبت إليك منه ثم عدت فيه وأستغفرك من كل ما وعدتك به من نفسي ثم لم أوف لك به وأستغفرك من كل عمل أردت له وجهك فخالطه غيره وأستغفرك من كل نعمة أنعمت بها علي فأستعنت بها على معصيتك وأستغفرك يا عالم الغيب والشهادة من كل ذنب أتيته في ضياء النهار أو ظلام الليل في ملأ أو خلاء أو سر أو علانية يا حليم، ويقال: إنه استغفار الخضر ﵇ أ. هـ. قاله في الديباجة.، ذلك كله وإن لم

стр. 4918

يتفضل الله عليه بالهدى والرزق فإنه يحرمهما في الدنيا ومن لم يتفضل الله عليه بمغفرة ذنوبه أو بقية خطاياه في الآخرة، قال الله تعالى ﴿مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا﴾ (١)، وفي الحديث دليل على أن الله تعالى يحب أن يسأله العباد جميع مصالح دينهم ودنياهم من الطعام والشراب والكسوة وغير ذلك كما يسألونه الهداية والمغفرة، وفي الحديث: "ليسأل أحدكم ربه حاجته كلها حتى شسع نعله إذا انقطع" (٢)، وكان بعض السلف يسأل الله في صلاته كل حوائجه حتى ملح عجينه وعلف شاته، وفي الإسرائيليات: أن موسى ﵊ قال: يا رب إنه لتعرض لي الحاجة من الدنيا فأستحيي أن أسألك قال: سلني حتى ملح عجينك وعلف حمارك فإن كل ما يحتاج العبد إليه إذا سأله من الله تعالى فقد أظهر حاجته فيه وافتقاره إلى الله تعالى وذلك يحبه الله تعالى، وكان بعض السلف يستحي من الله تعالى أن يسأله شيئا من حوائج الدنيا، والاقتداء بالسنة أولى والله أعلم ذكره ابن رجب (٣). قوله ﷺ : "قال الله تعالى: وكلكم ضال إلا من هديت فاسألوني الهدى أهدكم" الحديث، وأما سؤال المؤمن الله الهداية فإن الهداية نوعان هداية

стр. 4919

مجملة وهي الهداية للإسلام والإيمان وهي حاصلة للمؤمن وهداية مفصلة وهي هداية إلى معرفة تفاصيل أجزاء الإيمان والإسلام وإعانته على فعل ذلك وهذا يحتاج إليه كل مؤمن ليلا و نهارا ولهذا أمر الله عباده أن يقروؤا في كل ركعة من صلاتهم قوله تعالى: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦)﴾ (١) وكان النبي ﷺ يقول في دعائه بالليل "اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم" ولهذا يشمت العاطس فيقال يرحمك الله فيقول يهديكم الله كما جاءت السنة وإن أنكره من أنكره من فقهاء العراق ظنا منهم أن المسلم لا يحتاج أن يدعى له بالهداية وخالفهم جمهور العلماء أتباعا للسنة في ذلك، وقد أمر النبي ﷺ عليا ﵁ أن يسأل الله السداد والهدى وعلم الحسن أن يقول في قنوت الوتر اللهم اهدني فيمن هديت قاله ابن رجب الحنبلي (٢). قوله ﷺ : "قال الله تعالى: ومن استغفرني وهو يعلم أني ذو قدرة على أن أغفر له غفرت له" الحديث، وفي الصحيح عن النبي ﷺ قال: "والله لله أرحم بعباده من الوالدة بولدها" (٣) وكان بعض أصحاب ذي النون يطوف ينادي أه من وجد قلبي فدخل يوما بعض السكك فوجد صبيا يبكي وأمه تضربه ثم أخرجته من الدار وأغلقت الباب دونه فجعل الصبي يتلفت يمينا وشمالا لا

стр. 4920

يدري أين يذهب ولا أين يقصد فرجع إلى باب الدار فجعل يبكي ويقول: يا أماه من يَفْتَحُ لي الباب إذا أغلقت عني بابَك؟ ومن يُدنيني من نفسه إذا طردتيني؟ ومن الذي يدنيني بعد أنْ غضبت عليَّ؟ فرحمته أمُّه، فقامت، فنظرت من خَلَلِ الباب، فوجدت ولدها تجري الدموعُ على خديه متمعِّكًا في التراب، ففتحت البابَ، وأخذته حتى وضعته في حجرها، وجعلت تُقبِّله، وتقول: يا قُرَّة عيني، ويا عزيز نفسي، أنتَ الذي حملتني على نفسك، وأنتَ الذي تعرَّضت لما حلَّ بك، لو كنتَ أطعتني لم تلقَ مني مكروهًا، فتواجد الفتى، ثم قام، فصاح، وقال: قد وجدتُ قلبي، قد وجدتُ قلبي. أ. هـ قاله ابن رجب (١). قوله ﷺ : "قال الله تعالى: ولو أن أولكم وآخركم وحيكم وميتكم ورطبكم ويابسكم اجتمعوا على قلب أشقى رجل واحد منكم ما نقص ذلك من سلطاني مثل جناح بعوضة" الحديث، وفي الحديث الآخر سيأتي في الدعاء "على قلب أتقى رجل" وتقديره على تقوى أتقى أو على أتقى أحوال قلب رجل، قال الطوفي: ومعناه أن تقوى العالم بأجمعه لا تزيد في ملك الله تعالى شيئا وكذلك فجورهم لا ينقص من ملكه شيئًا لأن ملك الله تعالى مرتبط بقدرته وإرادته وهما دائمان لا انقطاع لهما فكذا ما ارتبط بهما (٢) وإنما عائد التقوى والفجور على أهلهما نفعا وضرا كما قال الشاعر (٣):

стр. 4921

وقد زعمت ليلى بأنني فاجر ... لنفسي تقاها أو عليها فجورها أ. هـ وقال ابن رجب: هو إشارة إلى أن ملكه لا يزيد بطاعة الخلق، ولو كانوا كلهم بررة أتقياء، قلوبهم على قلب أتقى رجل منهم، ولا ينقص ملكه بمعصية العاصين، ولو كان الجن والإنس كلهم عصاة فجرة قلوبهم على قلب أفجر رجل منهم، فإنه سبحانه الغني بذاته عمن سواه، وله الكمال المطلق في ذاته وصفاته وأفعاله، فملكه ملك كامل لا نقص فيه بوجه من الوجوه على أي وجه كان. قوله ﷺ : "قال الله تعالى: ولو أن أولكم وآخركم" إلى قوله "سألوني حتى تنتهي مسألة كل واحد منهم فأعطيتهم ما سألوني ما نقص ذلك مما عندي" الحديث، والمراد بهذا ذكر كمال قدرته كما ملكه وأن ملكه وخزائنه لا تنفذ ولا تنقص بالعطاء ولو أعطى الأولين والآخرين من الجن والإنس جميع ما سألوه في مقام واحد، وفي ذلك حث للخلق على السؤال وإنزال حوائجهم به قاله ابن رجب (١).

стр. 4922

قوله تعالى: "وذلك أني جواد ماجد واحد" الجواد رواه البيهقي وغيره في الأسماء الحسنى (١) ومعناه الواسع العطاء، وقيل: التفضيل بالنعم قبل استحقاقها المتكفل للأمم بإدرار رزقها وجمعه جود وأجواد وأجاويد والجود سعة العطاء وكثرته والله تعالى يوصف بالجود، وفي الترمذي من حديث سعد بن أبي وقاص عن النبي ﷺ : "أن الله جود يحب الجود كريم يحب الكرم" (٢)، وفي الأثر المشهور عن الفضيل بن عياض أن الله تعالى يقول كل ليلة: "أنا الجواد ومني الجود أنا الكريم ومني الكرم" (٣) فالله أجود الأجودين وجوده يتضاعف في أوقات خاصة كشهر رمضان وفيه أنزل قوله تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ﴾ (٤) الآية.

стр. 4923

قوله تعالى "عطائي كلام وعذابي كلام إنما أمري لشيء إذا أردته أن أقول له كن فيكون" لأن ملكه بين الكاف والنون إذا أراد شيئا قال له كن فيكون، وفي بعض الأثر "عطائي كلام ورضائي كلام" أو كما قال إشارة إلى كن فيكون. قوله: وفي إسناده شهر بن حوشب [هو أبو عبد الرحمن، وقيل: أبو الجعد، شهر بن حوشب الأشعري الشامي. أصله من دمشق، وقيل: من حمص، سكن البصرة. وهو تابعي مشهور روى عن أسماء بنت يزيد، وعن نفر من الصحابة، منهم ابن عباس، وابن عمر، وابن عمرو، وأبو هريرة روى عنه قتادة، ومعاوية بن قرة، وأبان بن صالح، وسماك بن حرب ومات سنة مائة، أو قبلها بسنة، وقيل: غير ذلك، قال أحمد بن حنبل: ما أحسن حديثه، ووثقه، وهو شامي من أهل حمص، وأظنه قال: هو كندي، وروى عن أسماء بنت يزيد أحاديث حسانا وقال أحمد بن حنبل: عبد الحميد بن بهرام أحاديثه مقاربة هي أحاديث شهر كان يحفظها كأنه يقرأ سورة من القرآن، وإنما هي سبعون حديثا، وهي طوال فيها حروف ينبغي أن تضبط ولكن يقطعونها، وقال حنبل بن إسحاق، عن أحمد بن حنبل: ليس به بأس وقال عثمان بن سعيد الدارمي: بلغني أن أحمد بن حنبل كان يثني على شهر بن حوشب وقال الترمذي: قال أحمد بن حنبل: لا بأس بحديث عبد الحميد بن بهرام عن شهر بن حوشب، وقال الترمذي أيضا، عن البخاري: شهر حسن الحديث. وقوى أمره، وقال: إنما تكلم فيه ابن عون، ثم روى عن هلال بن

стр. 4924

أبي زينب عنه قال ابن عون تركوه، وقال شبابة عن شعبة لقيت شهرا فلم أعتد به وقال ابن عدي شهر ممن لا يعتد بحديثه ولا يتدين بحديثه، وقال أبو حاتم: ليس بدون أبي الزبير ولا يحتج به، وقال النسائي وغيره ليس بالقوي، وقال أبو زرعة: لا بأس به، وقال يعقوب بن شيبة: شهر ثقة طعن فيه بعضهم، ووثقه ابن معين وأحمد بن حنبل والعجلي والفسوي، وروى له مسلم مقرونا واحتج به غير واحد (١)]. قوله: وإبراهيم بن طهمان [إبراهيم بن طهمان بن شعبة الخراساني، أبو سعيد الهروي ولد بهراة، وسكن نيسابور، وقدم بغداد، وحدث بها، ثم سكن مكة حتى مات بها وثقه أحمد وأبو حاتم وقال عثمان بن سعيد الدارمي: كان ثقة في الحديث، لم يزل الأئمة يشتهون حديثه، ويرغبون فيه ويوثقونه، وقال أبو داود: ثقة وكان من أهل سرخس، فخرج يريد الحج فقدم نيسابور، فوجدهم على قول جهم، فقال: الإقامة على هؤلاء أفضل من الحج. فنقلهم من قول جهم إلى الإرجاء، وقال صالح بن محمد الحافظ: ثقة حسن الحديث، يميل شيئا إلى الإرجاء في الإيمان، حبب الله حديثه إلى الناس، جيد الرواية، وقال إسحاق بن راهويه: كان صحيح الحديث، حسن الرواية، كثير السماع، ما كان بخراسان أكثر حديثا منه، وهو ثقة، وقال أبو الصلت عبد السلام بن صالح الهروي: سمعت سفيان ابن عيينة يقول: ما قدم علينا خراساني أفضل من أبي رجاء عبد الله بن واقد الهروي. قلت له: فإبراهيم بن

стр. 4925

طهمان؟ قال: كان ذاك مرجئا، قال أبو الصلت: لم يكن إرجاؤهم هذا المذهب الخبيث أن الإيمان قول بلا عمل. وأن ترك العمل لا يضر بالإيمان، بل كان إرجاؤهم أنهم يرجون لأهل الكبائر الغفران، ردا على الخوارج وغيرهم الذين يكفرون الناس بالذنوب. وكانوا يرجئون ولا يكفرون بالذنوب، ونحن كذلك، سمعت وكيع بن الجراح يقول: سمعت سفيان الثوري يقول في آخر أمره: نحن نرجو لجميع أهل الكبائر الذين يدينون ديننا، ويصلون صلاتنا وإن عملوا أي عمل. وكان شديدا على الجهمية مات إبراهيم بن طهمان سنة ثمان وستين ومئة بمكة (١)]. ٢٤٩٩ - وَعَن أنس ﵁ قَالَ سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول قَالَ الله يَا ابْن آدم إِنَّك مَا دعوتني ورجوتني غفرت لَك على مَا كَانَ مِنْك وَلَا أُبَالِي يَا ابْن آدم لَو بلغت ذنوبك عنان السَّمَاء ثمَّ استغفرتني غفرت لَك وَلَا أُبَالِي يَا ابْن آدم إِنَّك لَو أتيتني بقراب الأَرْض خَطَايَا ثمَّ لقيتني لَا تشرك بِي شَيْئا لأتيتك بقرابها مغْفرَة رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَقَالَ حَدِيث حسن غَرِيب (٢). الْعَنَان بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة هُوَ السَّحَاب. وقراب الأَرْض بِضَم الْقَاف مَا يُقَارب ملأها. قوله: وعن أنس بن مالك ﵁، تقدم الكلام عليه. قوله ﷺ : "يقول الله تعالى يا ابن آدم" فآدم قيل هو أعجمي لا اشتقاق له

стр. 4926

وقيل عربي من أديم الأرض لأنه خلق منه وهو لا ينصرف للعلمية ووزن الفعل إذ وزنه أفعل مثل أحمد (١). قوله ﷺ : "قال الله تعالى: إنك ما دعوتني ورجوتني غفرت لك على ما كان منك" أي: مدة دعائك يعني على كثرة ذنوبك وخطاياك ولا يتعاظمني ذلك ولا استكثره، وفي الصحيح عن النبي ﷺ قال: "إذا دعا أحدكم فليعظم الرغبة فإن الله لا يتعاظمه شيء" (٢). فذنوب العبد وإن عظمت فإن عفو الله ومغفرته أعظم منها وأعظم، فهي صغيرة في جنب عفو الله ومغفرته. أ. هـ (٣)، وأما معنى الحديث فالدعاء سؤال النفع والصلاح والرجاء تأميل الخير وهو اعتقاد قرب وقوعه لأن الدعاء مخ العبادة والرجاء يتضمن حسن الظن بالله تعالى، والله تعالى يقول "أنا عند ظن عبدي بي" (٤) وعند ذلك تتوجه رحمة الله إلى العبد وإذا توجهت لا يتعاظمها شيء لأنها وسعت كل شيء. قوله تعالى: "ولا أبالي" كأنه من البال فإذا قال القائل لا أبالي كأنه قال: لا يشتغل بالي بهذا الأمر أو شبيه بذلك. قوله ﷺ : "يقول الله تعالى: يا ابن آدم لو بلغت ذنوبك عنان السماء" عنان

стр. 4927

السماء قيل هو السحاب كذا قاله المنذري، وقيل: ما عد لك أي ظهر إذا رفعت رأسك ومعنى "لو بلغت ذنوبك عنان السماء" أي: ملأت الأرض والفضاء حتى ارتفعت إلى السماء ثم استغفرتني غفرت لك ولا أبالي وذلك أن الله كريم والاستغفار استقالة والكريم يقيل العثرة و يغفر الذلة، قال حاتم الطائي: وَأَغْفِرُ عَوْرَاءَ الكَرِيمِ إدِّخَارَه ... وَأَعْرِضُ عَنْ قَوْلِ اللَّئِيمِ تَكَرُّمَا (١) في التنزيل إن الله يغفر الذنوب جميعا وهذا الحديث على عمومه لأن الذنب إما شرك فيغفر بالاستغفار منه وهو الإيمان أو دونه فيغفر بالاستغفار منه وهو سؤال المغفرة وحقيقةُ لفظِ الاستغفارِ: اللَّهمَّ اغفر لي، ويقوم مقامه: أستغفر الله؛ لأنه خبر في معنى الطّلب (٢). قوله ﷺ : "يقول الله تعالى: يا ابن آدم إنك لو أتيتني بقراب الأرض خطايا ثم لقيتني لا تشرك بي شيئا لأتيتك بقرابها مغفرة" الحديث معناه أن الإيمان شرط في غفران الذنوب التي هي دون الشرك لأن الإيمان أصل يبني عليه قبول الطاعات وغفران المعاصي، أما مع الشرك فلا أصل يبني عليه ذلك قال الله تعالى: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا (٢٣)﴾ (٣) (٤) انتهى قاله الطوفى.

стр. 4928

فقد تضمن حديث أنس المذكور أن الأسباب الثلاثة يحصل بها المغفرة: أحدها الدعاء مع الرجاء فإن الدعاء مأمور به وموعود عليه بالإجابة كما قال الله تعالى ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ (١) ومن أعظم شرائطه حضور القلب ورجاء الإجابة من الله تعالى؛ السبب الثاني للمغفرة: الاستغفار ولو عظمت الذنوب وبلغت في الكثرة عنان السحاب وقيل ما انتهى إليه البصر منها كما تقدم والاستغفار طلب المغفرة والمغفرة هي وقاية شر الذنوب مع سترها وقد كثر في القرآن ذكر الاستغفار فتارة يؤمر به كقوله تعالى: ﴿وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٢) ﴿اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا﴾ (٣) ﴿وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعًا حَسَنًا﴾ (٤) وتارة يمدح أهله كقوله تعالى: ﴿وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ﴾ (٥) وتارة يذكر أن الله يغفر لمن استغفره كقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ﴾ (٦) الآية، وتارة يفرد الاستغفار ويرتب عليه المغفرة كما ذكر في الحديث وهو حديث أنس وما أشبهه فقد قيل: أريد به الاستغفار المقرن بالتوبة، وقيل: إن نصوص الاستغفار المفردة كلها مطلقة تقيد بما ذكر في آل عمران من عدم

стр. 4929

الإصرار فتحمل النصوص المطلقة في الاستغفار كلها على هذا المقيد؛ السبب الثالث: من أسباب المغفرة التوحيد وهو السبب الأعظم فمن فقده فقد المغفرة ومن جاء به فقد أتى بأعظم أسباب المغفرة قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ (١) فمن جاء مع التوحيد بقُراب الأرض -وهو ملؤها أو ما يُقارب ملأها- خطايا، لقيه الله بقُرابها مغفرة، لكنَّ هذا مع مشيئة الله ، فإنْ شاء غَفَرَ له، وإنْ شاء أخذه بذنوبه، ثم كان عاقبته أنْ لا يُخلَّد في النار، بل يخرج منها، ثم يدخل الجنَّة أ. هـ، قاله الشيخ زين الدين ابن رجب الحنبلي والله أعلم (٢). تتمة: وعن بعض العباد أنه كان يطوف ليلة يسأل ربه في الطواف أن يعصمه عن معصيته ثم غلبته عيناه فقام فسمع قائلا يقول: أنت تسألني العصمة وكل عبادي يسألوني العصمة فإذا عصمتهم، فعلى من أجود بمغفرته وعفوي وعلى من أتوب وأين كرمي وعفوي ومغفرتي وفضلي ويا ابن آدم إذا أمنت بي ولم تشرك بي شيئا أقمت حملة العرش ومن حوله يسبحون بحمدي ويستغفرون لك وأنت على فراشك، أ. هـ (٣). قوله: رواه الترمذي، الترمذي: يجوز فيه ضم التاء والميم، وفتحهما، وكسرهما ذكره الطوفي في شرحه على الأربعين النواوية والله تعالى أعلم (٤).

стр. 4930

٢٥٠٠ - وَعَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ ﵁ عَن النَّبِي ﷺ قَالَ قَالَ إِبْلِيس وَعزَّتك لَا أَبْرَح أغوي عِبَادك مَا دَامَت أَرْوَاحهم فِي أَجْسَادهم فَقَالَ وَعِزَّتِي وَجَلَالِي لَا أَزَال أَغفر لَهُم مَا استغفروني رَوَاهُ أَحْمد وَالْحَاكِم من طَرِيق دراج وَقَالَ الْحَاكِم صَحِيح الْإِسْنَاد (١). قوله: وعن أبي سعيد الخدري ﵁، هو: سعد بن مالك بن سنان الخدري بخاء معجمة مضمومة بعدها دال مهملة ساكنة نسبة إلى خدرم اسم قبيلة من الأنصار وإنما ضبطت هذا اللفظ على ظهوره لأن بعض مشايخنا الفضلاء أخبرني أنه تنازع هو وولده، وكان أيضًا فاضلا، في الخدري هل هو بدال مهملة أو معجمة وأنهما سألا عن ذلك الشيخَ تقي الدين ابن دقيق العيد ﵀ فأخبرهما أنها بدال مهملة قاله الطوفي (٢). قال العلماء قوله ﷺ : "قال إبليس وعزتك لا أبرح أغوي عبادك" الحديث، تقدم الكلام على إبليس، قال العلماء: والمشهور أن جميع الجن من ذرية إبليس، وقال القاضي عياض (٣) والأكثر أنه أبو الجن كما أن آدم أبو البشر وبذلك يستدل على أنه ليس من الملائكة لأن الملائكة لا يتناسلون

стр. 4931

لأنهم ليس فيهم إناث وقيل الجن جنس وإبليس واحد منهم فمن كفر من الجن يقال له شيطان (١) واختلف العلماء في أنه من الملائكة من طائفة يقال لهم الجن أم ليس من الملائكة والصحيح أنه من الملائكة قاله ابن عباس وابن مسعود وقتادة وابن جريج والزجاج وابن الأنباري: كان إبليس من الملائكة، وكان اسمه عَزَازِيل فلما عصى الله تعالى لعنه الله وجعله شيطانًا مريدًا، وسماه إبليس (٢)، وعن الحسن قال: قال إبليس سولت لأمة محمد

стр. 4932

المعاصي فقطعوا ظهري بالاستغفار فسولت لهم ذنوبا لا يستغفرون منها يعني الأهواء (١) والله أعلم، وقال وهيب ابن الورد، بلغنا أن إبليس تمثل ليحيى بن زكريا عليهما الصلاة والسلام فقال له: أنصحك فقال له لا أريد ذلك، ولكن أخبرني عن بني آدم فقال: هم عندنا ثلاثة أصناف: صنف منهم هم أشد الأصناف عندنا نقبل على أحدهم حتى نفتنه عن دينه، ونتمكن منه فيفزع إلى الاستغفار والتوبة، فيفسد علينا كل شيء نصيبه منه، ثم نعود إليه فيعود فلا نحن نيأس منه ولا نحن ندرك منه حاجتنا، فنحن معه في عناء، وصنف منهم في أيدينا كالكرة في أيدي صبيانكم نتلقفهم كيف شئنا قد كفونا مؤنة أنفسهم، وصنف منهم مثلك هم معصومون لا نقدر منهم على شيء. قاله في حياة الحيوان (٢)، قال رجل للحسن: يا أبا سعيد أينام إبليس قالوا: لو نام لوجدنا راحة (٣) فلا خلاص للمؤمن من شره إلا بتقوى الله قال في الإحياء (٤) قبيل باب بيان دواء الصبر: من غفل عن الله تعالى ولو في لحظة فليس له في تلك اللحظة قرين إلا الشيطان ولذلك قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ

стр. 4933

نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ (٣٦)﴾ (١) وقال ﵇: إن الله يبغض الشاب الفارغ (٢) لأن الشاب إذا تعطل عن عمل يشغل باطنه بمباح يستعين به على دينه كان ظاهره فارغا ولم يبق قلبه فارغا بل يعشش فيه الشيطان ويبيض ويفرخ ثم تزدوج أفراخه أيضا وتبيض مرة أخرى وتفرخ وهكذا يتوالد نسل الشيطان توالدا أسرع من توالد سائر الحيوانات لأن طبعه من النار وإذا وجد الحلفاء اليابسة كثر توالده فلا يزال تتوالد النار من النار ولا تنقطع البتة بل تسري شيئا فشيئا على الاتصال فالشهوة في نفس الشاب للشيطان كالحلفاء اليابسة للنار وكما لا تبقى النار إذا لم يبق لها قوت وهو الحطب فلا يبقى للشيطان مجال إذا لم تكن شهوة فإذن إذا تأملت علمت أن أعدى عدوك شهوتك وهي صفة نفسك ولذلك قال الحسين بن منصور الحلاج (٣) حين كان يصلب وقد سئل

стр. 4934

عن التصوف ما هو فقال هي نفسك إن لم تشغلها شغلتك. وروي البيهقي في شرح الأسماء الحسنى في آخر باب قوله: ﴿مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ (١)، عن عمر بن زر قال: سمعت عمر بن عبد العزيز يقول: لو أن أراد الله أن لا يعطي لم يخلق إبليس، وقد تبين ذلك في آية من كتاب الله وفصلها، علمها من علمها وجهلها من جهلها ﴿مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ (١٦٢) إِلَّا مَنْ هُوَ صَالِ الْجَحِيمِ (١٦٣)﴾ (٢) (٣). فائدة: قال بعضهم: كفر إبليس لأنه استنقص نبيا وهو آدم ﵇ ومن استنقص نبيا كفر، وفي الخبر أن الله يخرجه كل مائة ألف سنة ويخرج آدم من الجنة ويأمره بالسجود له فيأبي ثم يرده الله إلى النار وكذلك أبد الآبدين. قال النيسابوري قال بعضهم: وإنما استجاب الله دعاءه بإنظاره مكافأة له بعبادته التي مضت ليعلم أنه لا يضيع أجر المحسنين، ويقال: إن إبليس قال يا رب إن عبادك يزعمون أنهم يبغضوني ويطيعوني ويزعمون أنهم يحبونك ويعصونك فقال الله تعالى: (قد وهبت عصيانهم لمحبتهم إياي ووهبت طاعتهم لك ببغضهم إياك) (٤).

стр. 4935

٢٥٠١ - وَرُوِيَ عَن أنس بن مَالك ﵁: قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ أَلا أدلكم على دائكم ودوائكم أَلا إِن داءكم الذُّنُوب ودواءكم الاسْتِغْفَار رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ (١) وَقد رُوِيَ عَن قَتَادَة من قَوْله وَهُوَ أشبه بِالصَّوَابِ (٢). قوله: وعن أنس بن مالك ﵁، تقدم الكلام عليه. قوله ﷺ : "ألا أدلكم على دائكم ودوائكم ألا إن داءكم الذنوب ودواءكم الاستغفار" قال العلماء: الاستغفار المطلوب هو الذي يحل عقدة الإصرار وينتشر معناه في القلب لا اللفظ باللسان فأما من قال بلسانه أستغفر الله وقلبه مصر على معصيته فاستغفاره ذلك يحتاج إلى استغفار وصغيرة لاحقة بالكبائر (٣) قال مكحول: ما رأيت أحدا أكثر استغفارا من أبي هريرة وكان مكحول كثير الاستغفار (٤)، وقال يحيى بن معاذ: كم من مستغفر ممقوت وساكت مرحوم (٥)، أ. هـ. ٢٥٠٢ - وَعَن عبد الله بن عَبَّاس ﵄ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ من لزم الاسْتِغْفَار جعل الله لَهُ من كل هم فرجا وَمن كل ضيق مخرجا ورزقه من حَيْثُ لَا يحْتَسب رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه وَالْحَاكِم وَالْبَيْهَقِيّ كلهم

стр. 4936

من رِوَايَة الحكم بن مُصعب وَقَالَ الْحَاكِم صَحِيح الْإِسْنَاد (١). قوله: وعن عبد الله بن عباس -رضى الله عنهما-، تقدم الكلام عليهما. قوله ﷺ : "من لزم الاستغفار جعل الله له من كل هم فرجا ومن كل ضيق مخرجا" الحديث، والمراد بالملازمة الإكثار منه بحيث يغلب عليه صفة الاستغفار فالمراد بلزوم الاستغفار الإكثار منه في الليل والنهار وهذا هو المشار إليه بقوله تعالى ﴿اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا (١٠) يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا (١١)﴾ (٢) الآية، والغفار وغافر وغفور وهي من أمثلة المبالغة المتجاوز عن خطاياهم وذنوبهم وأصل الغفران التغطية يقال غفر الله لك ويغفر غفرا وغفرانا ومغفرة والمغفرة إلباس الله تعالى العفو للمذنبين اهـ قاله في الديباجة (٣). قوله من رواية الحكم بن مصعب [الحكم بن مصعب القرشي المخزومي الدمشقي روى عن: محمد بن علي بن عبد الله بن عباس صويلح الحديث لم يرو عنه غير الوليد بن مسلم فيما أعلم، وذكره ابن حبان في الثقات، وفي الضعفاء أيضا وقال يخطئ].

стр. 4937

٢٥٠٤ - وَعَن الزبير ﵁ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ من أحب أَن تسرهُ صَحِيفَته فليكثر فِيهَا من الاسْتِغْفَار رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ بِإِسْنَاد لَا بَأْس بِهِ (١). قوله: وعن الزبير ﵁ هو أحد العشرة هو أبو عبد الله الزبير بضم الزاي ابن العوام الأسدي القرشي المدني (٢) يلتقي مع رسول الله ﷺ في قصي وأم الزبير صفية بنت عبد المطلب عمة رسول الله ﷺ أسلمت وهاجرت وقد خرجت إلى المدينة أسلم الزبير قديما في أول الإسلام أسلم وهو ابن خمس عشرة سنة وقيل ستة عشرة وقيل ابن ثنتي عشرة سنة وكان إسلامه بعد إسلام أبي بكر الصديق ﵁ بقليل، قيل كان رابعا أو خامسا وهو أحد العشرة المشهود لهم بالجنة أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وطلحة والزبير وسعد بن أبي وقاص وسعيد بن زيد وعبد الرحمن بن عوف وأبو عبيدة بن الجراح وهاجر الزبير إلى الحبشة ثم إلى المدينة وآخى رسول الله ﷺ بينه وبين عبد الله بن مسعود حين آخي بين المهاجرين بمكة فلما قدم رسول الله ﷺ المدينة وآخي بين المهاجرين والأنصار آخي بينه وبين سلمة بن سلامة بن وقش وكان الزبير أول من سل سيفا في سبيل الله شهد بدرا وأحدا والخندق والحديبية وخيبر وفتح مكة وحصار الطائف والمشاهد كلها مع رسول

стр. 4938

الله ﷺ وشهد فتح مصر وكان أسمر ربعة معتدل اللحم خفيف اللحية ومناقبه كثيرة مشهورة والله أعلم. قوله ﷺ : "من أحب أن تسره صحيفته فليكثر فيها من الاستغفار" الاستغفار في حق الأنبياء يكون على سبيل الشكر وفي حق الأمة قد يكون عن تقصير ووجه التقصير عدم القيام بشكر النعمة وقد يكون الاستغفار عن ذنب فيكون واجبا والله أعلم (١). وعن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ كان يقول "اللهم اجعلني من الذين إذا أحسنوا استبشروا وإذا أساءوا استغفروا" انفرد به ابن ماجه (٢)، وهذا الحديث له قصة ذكرها الحافظ أبو نعيم في الحلية (٣) فرواه عن الزهري عن عروة بن الزبير عن عائشة قالت: حدثني رسول الله ﷺ : "إن أول ما خلق الله تعالى العقل فقال له أقبل فأقل ثم قال أدبر فأدبر ثم قال: ما خلقت خلقا أحسن منك بك آخذ وبك أعطي" فذكر الحديث إلى أن قال "وخيار أمتي

стр. 4939

الذين إذا أساءوا استغفروا وإذا أحسنوا استبشروا وإذا سافروا قصروا وأفطروا" أ. هـ قاله في الديباجة (١). ٢٥٠٣ - وَعَن عبد الله بن بسر ﵁ قَالَ سَمِعت النَّبِي ﷺ يَقُول طُوبَى لمن وجد فِي صَحِيفَته اسْتِغْفَار كثير رَوَاهُ ابْن مَاجَه بِإِسْنَاد صَحِيح وَالْبَيْهَقِيّ (٢). قوله: وعن عبد الله بن بسر تقدم الكلام عليه. قوله ﷺ "طوبى لمن وجد في صحيفته استغفارا كثيرا" طوبى اسم الجنة وجاء عن أبي الدرداء أنه قال "طوبى لمن وجد في صحيفته نبذا من الاستغفار" النبذ الشيء اليسير (٣) وطوبى اسم الجنة وقيل اسم شجرة فيها وتقدم الكلام على ذلك وسيأتي الكلام على شجرة طوبى في ذكر الجنة مبسوطا شافيا والله أعلم. ٢٥٠٥ - وَعَن أم عصمَة العوصية ﵂ قَالَت قَالَ رَسُول الله ﷺ مَا من مُسلم يعْمل ذَنبا إِلَّا وقف الْملك ثَلَاث سَاعَات فَإِن اسْتغْفر من ذَنبه لم يَكْتُبهُ عَلَيْهِ وَلم يعذبه الله يَوْم الْقِيَامَة رَوَاهُ الْحَاكِم وَقَالَ صَحِيح الْإِسْنَاد (٤).

стр. 4940

قوله: عن أم عصمة العوصية والعوصية بفتح العين المهملة وسكون الواو وبالصاد المهملة نسبة إلى عوص بن عوف بن عذرة بطن من كلب والله أعلم قاله في سلاح المؤمن (١). قوله ﷺ "ما من مسلم يعمل ذنبا إلا وقف الملك ثلاث ساعات ... الحديث" أي يمنع كاتب اليمين كاتب الشمال من كتابة ذلك الذنب لعل أن يتوب أو يستغفر من ذلك الذنب الذي عمله فإذا تاب واستغفر لم يوقفه الله عليه يوم القيامة ولم يعذبه اهـ. ٢٥٠٦ - وَعَن أبي هُرَيْرَة ﵁ عَن رَسُول الله ﷺ قَالَ إِن العَبْد إِذا أَخطَأ خَطِيئَة نكتت فِي قلبه نُكْتَة فَإِن هُوَ نزع واستغفر صقلت فَإِن عَاد زيد فِيهَا حَتَّى تعلو قلبه فَذَلِك الران الَّذِي ذكره الله تَعَالَى: ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (١٤)﴾ (٢) " رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَقَالَ حَدِيث حسن صَحِيح وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه وَابْن حبَان فِي صَحِيحه وَالْحَاكِم وَقَالَ صَحِيح على شَرط مُسلم (٣). قوله: وعن أبي هريرة ﵁ تقدم الكلام عليه.

стр. 4941

قوله ﷺ : "إن العبد إذا أخطأ خطيئة" الخطيئة الذنب والإثم وأخطأ يخطئ. إذا سلك سبيل الخطإ عمدا أو سهوا. ويقال خطئ بمعنى أخطأ أيضا. وقيل خطئ إذا تعمد، وأخطأ إذا لم يتعمد. ويقال لمن أراد شيئا ففعل غيره، أو فعل غير الصواب: أخطأ. قاله في النهاية (١). قوله "نكتت في قلبه نكتة" الحديث، النكتة بالتاء المثناة فوق ومعنى نكتت فيه نكتة نقط فيه نقطة قاله الجوهري (٢). قوله ﷺ : "فإن هو نزع واستغفر" نزع أي رجع يقال نزع إلى أهله إذا حر واشتاق إليهم فرجع إليهم. قوله "وصقلت" قال الجوهري وصَقَلَ السيفَ وسَقَلَهُ أيضًا صَقْلًا وصِقالًا أي جَلاه، فهو صاقِلٌ، والجمع صقلة (٣) .. قوله ﷺ : "فذلك الران الذي ذكره الله تعالى في كتابه ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (١٤)﴾ (٤) " قال الجوهري (٥): والرين هو الطبع والدنس يقال: ران على قلبه ذنبه يرين رينا وريونا أي غلب، وقال الحسن هو الذنب حتى يسود القلب ذكره القرطبي في التذكرة (٦) قال

стр. 4942

مجاهد (١): إذا أذنب الإنسان الذنب أحاط الذنب بقلبه ثم يذنب حتى يحيط الذنب بقلبه حتى تغشى الذنوب قلبه قال الله تعالى: ﴿بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ﴾ (٢) الآية أي كثرت الذنوب والمعاصي منهم حتى حاطت بقلوبهم فكذلك الرين عليها قال: وذلك أن القلب كالكف يقبض منه بكل ذنب أصبغ ثم يطبع عليه وإلى هذا الإشارة بقوله ﷺ (٣): "إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله" متصلا بقوله "الحلال بين والحرام بين" إشعارا بأن أكل الحلال ينور القلب ويصلحه وأكل الحرام والشبهة يفسده ويقسيه ويظلمه وقد وجد ذلك أهل الورع وآكل الحرام والمسترسل في الشبهات ليس من المتقين، وقال بكر بن عبد الله أن العبد إذا أذنب صار في قلبه كخرم الإبرة ثم إذا أذنب ثانيا صار كذلك ثم إن كثرت الذنوب صار القلب كالمنخل أو كالغربال لا يعي خيرا ولا يثبت فيه صلاح ثم قال : ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ (١٥)﴾ (٤) هذا في الكافرين وهذا يدل على أن الله تعالى يرى في القيامة وقال تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (٢٣)﴾ (٥) قال مالك: في هذه الآية لما حجب

стр. 4943

أعداءه فلم يروه تجلى لأوليائه حتى رأوه، وقال الشافعي لما حجب قوما بالتسخط دل على أن أقواما يرونه بالرضي ثم قال: ثم قال: أما والله لو لم يوقن محمد بن إدريس أنه يرى ربه في المعاد لما عبده في الدنيا. وقال الحسين بن الفضل: لما حجبهم في الدنيا عن نور توحيده حجبهم في الآخرة عن رؤيته. وقال مجاهد في قوله تعالى: لمحجوبون: أي عن كرامته ورحمته ممنوعون أ. هـ. (١) ٢٥٠٧ - وَرُوِيَ عَن أنس ﵁ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ إِن للقلوب صدأ كصدإ النّحاس وجلاؤها الاسْتِغْفَار رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ (٢). قوله ﷺ : "إن للقلوب صدأ كصدأ النحاس" الحديث بالقصر فيهما وهو: وسخه، وفي الحديث: "إن هذه القلوب تصدأ كما يصدأ الحديد" هو أن يركبها الرين بمباشرة المعاصي والآثام، فيذهب بجلائها، كما يعلو الصدأ وجه المرآة والسيف ونحوهما. قاله في النهاية (٣)، ومنه قوله تعالى: ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ (٤) أي طبع وختم ومنه حديث علي: التعلم أينا المرين على قلبه والمغطى على بصره، المرين المفعول به الرين ومنه حديث

стр. 4944

مجاهد في قوله تعالى: ﴿وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ﴾ (١) قال: الران والرين سواء كالزام والزيم والعاب والعيب قاله في النهاية (٢). ٢٥٠٨ - وَعَن عَليّ ﵁ قَالَ كنت رجلا إِذا سَمِعت من رَسُول الله ﷺ حَدِيثا نَفَعَنِي الله بِهِ بِمَا شَاءَ أَن يَنْفَعنِي وَإِذا حَدثنِي أحد من أَصْحَابه اسْتَحْلَفته فَإِذا حلف لي صدقته وَقَالَ وحَدثني أَبُو بكر ﵁ وَصدق أَبُو بكر أَنه قَالَ سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول مَا من عبد يُذنب ذَنبا فَيحسن الطّهُور ثمَّ يقوم فَيصَلي رَكْعَتَيْنِ ثمَّ يسْتَغْفر الله إِلَّا غفر لَهُ ثمَّ قَرَأَ هَذِه الْآيَة ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ (٣) إِلَى آخر الْآيَة" رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه وَابْن حبَان فِي صَحِيحه وَلَيْسَ عِنْد بَعضهم ذكر الرَّكْعَتَيْنِ وَقَالَ التِّرْمِذِيّ حَدِيث حسن غَرِيب (٤). وَذكر أَن بَعضهم وَقفه (٥). قوله: وعن علي بن أبي طالب، تقدم الكلام عليه. قوله: وإذا حدثني أحد من أصحابه استحلفته فإذا حلف صدقته، الحديث، وقد كان جماعة من الصحابة يحلفون الراوي إذا روى حديثا عن

стр. 4945

النبي ﷺ لا لشكهم في صدق الراوي بل لإزالة الشك الحاصل عند غيرهم ممن يعتريه وهم أو ريبة أو سوء ظن، وقد وقع الحلف في خبر الله تعالى، قال الله تعالى ﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ (٢٢) فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ (٢٣)﴾ (١) ووقع الاستحلاف في خبر الصادق، ففي الصحيحين من حديث أنس قال: نهينا أن نسأل رسول الله ﷺ فكان يعجبنا أن يجيء الرجل من أهل البادية العاقل فيسأله ونحن نسمع فجاء رجل من أهل البادية فقال: يا محمد، أتانا رسولك فزعم لنا أنك تزعم أن الله أرسلك، قال: صدق، وقال: فمن خلق السماوات والأرض؟ قال: الله، قال: فمن خلق الأرض؟ قال: الله، قال: فمن نصب الجبال وجعل فيها ما جعل؟ قال: الله، قال: فبالذي خلق السماوات والأرض ونصب الجبال، آلله أرسلك؟ قال: نعم، قال: فزعم رسولك أن علينا خمس صلوات في يومنا وليلتنا، قال: صدق، قال: فبالذي أرسلك آلله أمرك بهذا؟ قال: نعم، قال: وزعم رسولك أن علينا زكاة في أموالنا، قال: صدق، قال: فبالذي أرسلك آلله أمرك بهذا؟ قال: نعم، قال: وزعم رسولك أن علينا صوم شهر رمضان في سنتنا، قال: صدق، قال: فبالذي أرسلك آلله أمرك بهذا؟ قال: نعم، قال: وزعم رسولك أن علينا حج البيت من استطاع إليه سبيلا، قال: صدق، قال: فبالذي أرسلك آلله أمرك بهذا؟ قال: نعم، قال: ثم ولي وقال: والذي بعثك بالحق لا أزيد على هذا ولا أنقص، فقال النبي ﷺ : "لئن صدق ليدخلن الجنة" (٢) أ. هـ.

стр. 4946

قوله ﷺ : "ما من عبد يذنب ذنبا فيحسن الطهور" والمراد بالطهور الوضوء، تقدم معنى إحسان الوضوء في كتاب الصلاة مبسوطا مختصرا والله أعلم. قوله ﷺ : "ثم يقوم فيصلي ركعتين ثم يستغفر الله إلا غفر له" وتقدم الكلام على ركعتين بعد الوضوء في بابه في كتاب الصلاة. قوله: ثم قرأ رسول الله ﷺ هذه الآية ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ﴾ (١) الآية، قال بعض التابعين (٢): لما أنزلت هذه الآية الشريفة بكى إبليس لعنه الله، يشير على شدة حزنه بنزولها لما فيها من الفرح لأهل الذنوب فهو لا يزال في هم وغم وحزن منذ بعث رسول الله ﷺ لما رأى منه ومن أمته ما يهمه ويغيظه ولا يزال إبليس يرى في مواسم المغفرة والعتق من النار ما يسوءه والله أعلم. ٢٥٠٩ - وَعَن بِلَال بن يسَار بن زيد ﵁ قَالَ حَدثنِي أبي عَن جدي أَنه سمع النَّبِي ﷺ يَقُول من قَالَ أسْتَغْفر الله الَّذِي لَا إِلَه إِلَّا هُوَ الْحَيّ القيوم وَأَتُوب إِلَيْهِ غفر لَهُ وَإِن كَانَ فر من الزَّحْف رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَقَالَ حَدِيث غَرِيب لَا نعرفه إِلَّا من هَذَا الْوَجْه (٣).

стр. 4947

قَالَ الْحَافِظ وَإِسْنَاده جيد مُتَّصِل فقد ذكر البُخَارِيّ فِي تَارِيخه الْكَبِير أَن بِلَال سمع من أَبِيه يسَار وَأَن يسارا سمع من أَبِيه زيد مولى رَسُول الله ﷺ وَقد اخْتلف فِي يسَار وَالِد بِلَال هَل هُوَ بِالْبَاء الْمُوَحدَة أَو بِالْيَاءِ الْمُثَنَّاة تَحت وَذكر البُخَارِيّ فِي تَارِيخه أَنه بِالْمُوَحَّدَةِ وَالله أعلم (١). وَرَوَاهُ الْحَاكِم من حَدِيث ابْن مَسْعُود وَقَالَ صَحِيح على شَرطهمَا إِلَّا أَنه قَالَ يَقُولهَا ثَلَاثًا (٢). قوله: وعن بلال بن زيد مولى رسول الله ﷺ ، قال: حدثني أبي عن جدي قال البخاري في تاريخه إن بلال سمع من أبيه يسار، وإن يسارا سمع من أبيه زيد مولى رسول الله ﷺ (٣) وقد اختلف في يسار والد بلال هل هو بالباء الموحدة أو بالياء المثناة تحت، وذكر البخاري في تاريخه أنه بالموحدة والله أعلم، ذكره الحافظ المنذري. ٢٥١٠ - وَرُوِيَ عَن أنس بن مَالك ﵁ قَالَ كَانَ رَسُول الله ﷺ فِي مسيره فَقَالَ اسْتَغْفرُوا الله فاستغفرنا فَقَالَ أتموها سبعين مرّة يَعْنِي فأتممناها فَقَالَ رَسُول الله ﷺ مَا من عبد وَلَا أمة يسْتَغْفر الله فِي يَوْم سبعين مرّة إِلَّا غفر الله لَهُ سَبْعمِائة ذَنْب وَقد خَابَ عبد أَو أمة عمل فِي يَوْم وَلَيْلَة أَكثر من سَبْعمِائة ذَنْب

стр. 4948

رَوَاهُ ابْن أبي الدُّنْيَا وَالْبَيْهَقِيّ والأصبهاني (١). قوله: وروي عن أنس بن مالك، تقدم. قوله ﷺ : "ما من عبد ولا أمة يستغفر الله في يوم سبعين مرة إلا غفر له سبعمائة ذنب" الحديث، قد تكرر ذكر السبعين والسبعة والسبعمائة في القرآن والحديث، والعرب تضعها مواضع التضعيف والتكثير كقوله تعالى: ﴿كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ﴾ (٢) الآية، وكقوله تعالى: ﴿إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ (٣) وكقوله "الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف" وأعطى رجل أعرابيا درهما فقال سبع الله لك الأجر أراد التضعيف، قاله ابن العماد في شرح العمدة (٤). ٢٥١١ - وَعَن انس أَيْضا ﵁ فِي قَوْله : ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (٣٧)﴾ (٥) قَالَ قَالَ سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبحَمْدِك عملت سوءا وظلمت نَفسِي فَاغْفِر لي إِنَّك خير الغافرين لَا إِلَه إِلَّا أَنْت سُبْحَانَكَ وَبِحَمْدِك عملت سوءا وظلمت نَفسِي فارحمني إِنَّك أَنْت أرْحم الرَّاحِمِينَ لَا إِلَه إِلَّا أَنْت سُبْحَانَكَ وَبِحَمْدِك عملت سوءا وظلمت

стр. 4949

نَفسِي فتب عَليّ إِنَّك أَنْت التواب الرَّحِيم ذكر أَنه عَن النَّبِي ﷺ وَلَكِن شكّ فِيهِ رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ وَفِي إِسْنَاده من لَا يحضرني حَاله (١). قوله: وعن أنس أيضا تقدم. قوله: في قوله تعالى: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (٣٧)﴾ (٢) قال: قال سبحانك اللهم وبحمدك عملت سوءا وظلمت نفسي فاغفر لي إنك خير الغافرين، الحديث. اختلف العلماء في الكلمات فقال ابن أبي نجيح: الكلمات اللهم لا إله إلا أنت سبحانك وبحمدك رب إني ظلمت نفسي فارحمني إنك خير الراحمين، وقال عبيد بن عمير: هو أنّ آدم قال: يا ربّ أرأيت ما أتيت، أشيء ابتدعته على نفسي أم شيء قدّرته عليّ قبل أن تخلقني؟ قال: بل شيء قدّرته عليك قبل أن أخلقك، قال: يا ربّ كما قدّرته عليّ فأغفر لي (٣). وقال ابن عبّاس رضى الله عنهما-: كانت "لا إله إلا أنت سبحانك وبحمدك، عملت سوءا وظلمت نفسى فتب علىّ يا خير التوّابين". قال الله تعالى: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (٣٧)﴾ (٤) قال: فلمّا قالها آدم انتشر صوته فى الافاق، جعل الأرض والجبال والشجر تقول "أقرّ الله عينك يا آدم، وهنّاك الله بتوبتك". وأمره الله

стр. 4950

أن يبعث بالكلمات إلى حوّاء؛ فحملتها الريح إليها، فقالتها، فتاب الله عليها قال: ولمّا فرغ آدم من الدعاء والسجود قال له جبريل: ارفع رأسك. فرفعه وإذا قد رفع له حجاب النّور، وفتحت له السماوات، ونودى بالتوبة والرضوان وقيل له: يا آدم، إنّ الله قد قبل توبتك. فذهب ليقوم فلم يقدر لأنه كان قد رسب فى الأرض كعروق الشجر، فاقتلعه جبريل، فصاح صيحة شديدة للألم الذى أصابه، وقال: "ماذا تفعل الخطيئة"؟ ثم ضرب جبريل بجناحه الأرض فانفجرت عين ماء معين برائحة كالمسك فاغتسل آدم منها، ثم كساه الله حلّتين من سندس الجنّة، وبعث الله تعالى ميكائيل إلى حوّاء، فبشرها بالتوبة، وكساها كذلك؛ وسأل آدم جبريل عنها؛ فأخبره أن الله قد قبل توبتها، وأنه يجمع بينهما فى أشرف الأعياد وأكرم البقاع قال: وأمر الله الملائكة والحيوانات أن يقربوا من آدم ليهنّئوه فأتوه وهنّأوه كما كانوا عزّوه ثم أمر الله تعالى جبريل أن يضع يده على رأس آدم ليقصّر من طوله، وكان إذا قام وصل رأسه إلى السماء، فيسمع تسبيح الملائكة، فلمّا قصر اغتمّ لفقد ذلك، فقال له جبريل: لا يغمّك ذلك فإن الله يفعل ما يريد (١). نظر آدم ﵇ إلى العرش فرأى على ساقه مكتوبا لا اله إلّا الله محمد رسول الله أبو بكر الصدّيق عمر الفاروق فقال: يا ربّ أسألك بحقّ محمد أن تغفر لي فغفر له (٢).

стр. 4951

روى المنهال عن سعيد ابن جبير عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ﴾ (١) قال يا رب ألم تخلقني بيدك قال بلى قال أي رب ألم تنفخ في من روحك قال بلى قال أي رب ألم تسكني جنتك قال بلى قال أي رب ألم تسبق رحمتك غضبك قال بلى قال أرأيت أن تبت وأصلحت أراجعي أنت إلى الجنة قال بلى قال فهو قوله تعالى ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْه﴾ (٢) وله طرق عن ابن عباس وفي بعضها كان آدم قال لربه إذ عصاه رب إن أنا تبت وأصلحت فقال له ربه إني راجعك إلى الجنة. أ. هـ، قاله ابن قيم الجوزية في حادي الأرواح (٣). وقال ابن عباس ومجاهد في قوله تعالى: ﴿قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ﴾ (٤) وقيل: أقوال غير هذه الأقوال. قوله: "قال: قال سبحانك اللهم وبحمدك عملت سوءا وظلمت نفسي فارحمني إنك أنت أرحم الراحمين" كان ﷺ يقول: "سبحانك اللهم وبحمدك" وقد أخبر الله تعالى عن الملائكة عليهم الصلاة والسلام أنهم
следующие страницы →