← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 660

فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب

حسن بن علي الفيومي

Полный текст (10 535 стр.). Показаны 4947–4986 · переход к 4952.

стр. 4947

قَالَ الْحَافِظ وَإِسْنَاده جيد مُتَّصِل فقد ذكر البُخَارِيّ فِي تَارِيخه الْكَبِير أَن بِلَال سمع من أَبِيه يسَار وَأَن يسارا سمع من أَبِيه زيد مولى رَسُول الله ﷺ وَقد اخْتلف فِي يسَار وَالِد بِلَال هَل هُوَ بِالْبَاء الْمُوَحدَة أَو بِالْيَاءِ الْمُثَنَّاة تَحت وَذكر البُخَارِيّ فِي تَارِيخه أَنه بِالْمُوَحَّدَةِ وَالله أعلم (١). وَرَوَاهُ الْحَاكِم من حَدِيث ابْن مَسْعُود وَقَالَ صَحِيح على شَرطهمَا إِلَّا أَنه قَالَ يَقُولهَا ثَلَاثًا (٢). قوله: وعن بلال بن زيد مولى رسول الله ﷺ ، قال: حدثني أبي عن جدي قال البخاري في تاريخه إن بلال سمع من أبيه يسار، وإن يسارا سمع من أبيه زيد مولى رسول الله ﷺ (٣) وقد اختلف في يسار والد بلال هل هو بالباء الموحدة أو بالياء المثناة تحت، وذكر البخاري في تاريخه أنه بالموحدة والله أعلم، ذكره الحافظ المنذري. ٢٥١٠ - وَرُوِيَ عَن أنس بن مَالك ﵁ قَالَ كَانَ رَسُول الله ﷺ فِي مسيره فَقَالَ اسْتَغْفرُوا الله فاستغفرنا فَقَالَ أتموها سبعين مرّة يَعْنِي فأتممناها فَقَالَ رَسُول الله ﷺ مَا من عبد وَلَا أمة يسْتَغْفر الله فِي يَوْم سبعين مرّة إِلَّا غفر الله لَهُ سَبْعمِائة ذَنْب وَقد خَابَ عبد أَو أمة عمل فِي يَوْم وَلَيْلَة أَكثر من سَبْعمِائة ذَنْب

стр. 4948

رَوَاهُ ابْن أبي الدُّنْيَا وَالْبَيْهَقِيّ والأصبهاني (١). قوله: وروي عن أنس بن مالك، تقدم. قوله ﷺ : "ما من عبد ولا أمة يستغفر الله في يوم سبعين مرة إلا غفر له سبعمائة ذنب" الحديث، قد تكرر ذكر السبعين والسبعة والسبعمائة في القرآن والحديث، والعرب تضعها مواضع التضعيف والتكثير كقوله تعالى: ﴿كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ﴾ (٢) الآية، وكقوله تعالى: ﴿إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ (٣) وكقوله "الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف" وأعطى رجل أعرابيا درهما فقال سبع الله لك الأجر أراد التضعيف، قاله ابن العماد في شرح العمدة (٤). ٢٥١١ - وَعَن انس أَيْضا ﵁ فِي قَوْله : ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (٣٧)﴾ (٥) قَالَ قَالَ سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبحَمْدِك عملت سوءا وظلمت نَفسِي فَاغْفِر لي إِنَّك خير الغافرين لَا إِلَه إِلَّا أَنْت سُبْحَانَكَ وَبِحَمْدِك عملت سوءا وظلمت نَفسِي فارحمني إِنَّك أَنْت أرْحم الرَّاحِمِينَ لَا إِلَه إِلَّا أَنْت سُبْحَانَكَ وَبِحَمْدِك عملت سوءا وظلمت

стр. 4949

نَفسِي فتب عَليّ إِنَّك أَنْت التواب الرَّحِيم ذكر أَنه عَن النَّبِي ﷺ وَلَكِن شكّ فِيهِ رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ وَفِي إِسْنَاده من لَا يحضرني حَاله (١). قوله: وعن أنس أيضا تقدم. قوله: في قوله تعالى: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (٣٧)﴾ (٢) قال: قال سبحانك اللهم وبحمدك عملت سوءا وظلمت نفسي فاغفر لي إنك خير الغافرين، الحديث. اختلف العلماء في الكلمات فقال ابن أبي نجيح: الكلمات اللهم لا إله إلا أنت سبحانك وبحمدك رب إني ظلمت نفسي فارحمني إنك خير الراحمين، وقال عبيد بن عمير: هو أنّ آدم قال: يا ربّ أرأيت ما أتيت، أشيء ابتدعته على نفسي أم شيء قدّرته عليّ قبل أن تخلقني؟ قال: بل شيء قدّرته عليك قبل أن أخلقك، قال: يا ربّ كما قدّرته عليّ فأغفر لي (٣). وقال ابن عبّاس رضى الله عنهما-: كانت "لا إله إلا أنت سبحانك وبحمدك، عملت سوءا وظلمت نفسى فتب علىّ يا خير التوّابين". قال الله تعالى: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (٣٧)﴾ (٤) قال: فلمّا قالها آدم انتشر صوته فى الافاق، جعل الأرض والجبال والشجر تقول "أقرّ الله عينك يا آدم، وهنّاك الله بتوبتك". وأمره الله

стр. 4950

أن يبعث بالكلمات إلى حوّاء؛ فحملتها الريح إليها، فقالتها، فتاب الله عليها قال: ولمّا فرغ آدم من الدعاء والسجود قال له جبريل: ارفع رأسك. فرفعه وإذا قد رفع له حجاب النّور، وفتحت له السماوات، ونودى بالتوبة والرضوان وقيل له: يا آدم، إنّ الله قد قبل توبتك. فذهب ليقوم فلم يقدر لأنه كان قد رسب فى الأرض كعروق الشجر، فاقتلعه جبريل، فصاح صيحة شديدة للألم الذى أصابه، وقال: "ماذا تفعل الخطيئة"؟ ثم ضرب جبريل بجناحه الأرض فانفجرت عين ماء معين برائحة كالمسك فاغتسل آدم منها، ثم كساه الله حلّتين من سندس الجنّة، وبعث الله تعالى ميكائيل إلى حوّاء، فبشرها بالتوبة، وكساها كذلك؛ وسأل آدم جبريل عنها؛ فأخبره أن الله قد قبل توبتها، وأنه يجمع بينهما فى أشرف الأعياد وأكرم البقاع قال: وأمر الله الملائكة والحيوانات أن يقربوا من آدم ليهنّئوه فأتوه وهنّأوه كما كانوا عزّوه ثم أمر الله تعالى جبريل أن يضع يده على رأس آدم ليقصّر من طوله، وكان إذا قام وصل رأسه إلى السماء، فيسمع تسبيح الملائكة، فلمّا قصر اغتمّ لفقد ذلك، فقال له جبريل: لا يغمّك ذلك فإن الله يفعل ما يريد (١). نظر آدم ﵇ إلى العرش فرأى على ساقه مكتوبا لا اله إلّا الله محمد رسول الله أبو بكر الصدّيق عمر الفاروق فقال: يا ربّ أسألك بحقّ محمد أن تغفر لي فغفر له (٢).

стр. 4951

روى المنهال عن سعيد ابن جبير عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ﴾ (١) قال يا رب ألم تخلقني بيدك قال بلى قال أي رب ألم تنفخ في من روحك قال بلى قال أي رب ألم تسكني جنتك قال بلى قال أي رب ألم تسبق رحمتك غضبك قال بلى قال أرأيت أن تبت وأصلحت أراجعي أنت إلى الجنة قال بلى قال فهو قوله تعالى ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْه﴾ (٢) وله طرق عن ابن عباس وفي بعضها كان آدم قال لربه إذ عصاه رب إن أنا تبت وأصلحت فقال له ربه إني راجعك إلى الجنة. أ. هـ، قاله ابن قيم الجوزية في حادي الأرواح (٣). وقال ابن عباس ومجاهد في قوله تعالى: ﴿قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ﴾ (٤) وقيل: أقوال غير هذه الأقوال. قوله: "قال: قال سبحانك اللهم وبحمدك عملت سوءا وظلمت نفسي فارحمني إنك أنت أرحم الراحمين" كان ﷺ يقول: "سبحانك اللهم وبحمدك" وقد أخبر الله تعالى عن الملائكة عليهم الصلاة والسلام أنهم

стр. 4952

قالوا: ﴿وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ﴾ (١) وقال تعالى: ﴿وَالْمَلَائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾ (٢) وروى البغوي (٣) في تفسيره أن تسبيحهم سبحانك وبحمدك لك الحمد على حلمك بعد علمك سبحانك وبحمدك لك الحمد على عفوك بعد قدرتك، وقيل: معناه وبحمدك وبتوفيقك سبحت وهو من مجاز إطلاق السبب على المسبب لأن التوفيق هو سبب الحمد وقول الملائكة ﴿وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ﴾ (٤) أي: بسبب توفيقك وهذا كما قالت عائشة ﵂: نحمد الله لا نحمدك [الذي نحيطه (بحمد الله لا بحمد) بالباء الموحدة فيهما وهو كذلك فيما وقعنا عليه من نسخ صحيح البخاري في حديث الإفك (٥)، وقال ﷺ لأبيها: "دعها، فقد أولت الحمد أهله". وقوله: "اللهم" معناه: يا الله فعوضت الميم عن حرف النداء، وقيل: أصله يا الله أمنا. وقوله: "عملت سوءا وظلمت نفسي"، فإن قيل: كيف قال ظلمت نفسي، والنفس هي الظالمة للعبد لأنها هي الأمارة بالسوء وقال تعالى حكاية عن

стр. 4953

إبليس حين يقوم في النار خطيبا ولا يتكلم في ذلك المقام إلا بالحق ﴿فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ (١) وقال الله تعالى حكاية عن السامري ﴿وَكَذَلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي﴾ (٢) وقال ﷺ : "عدوك نفسك التي بين جنبيك " ويروي أن الله تعالى أعطى العبد نور العقل وجعله حاكما على ما يرد عليه من الوساوس التي من جهة الشيطان وعلى الهواجس التي من جهة النفس وعرفه طريق الرشد من الغي فالعقل متى حكم للنفس واتبع الهوى فقد أهلك نفسه، ولهذا قيل: إن قاضي الهوى يهلك نفسه والمحكوم له والمحكوم عليه والنفس ها هنا حتى حكم لها أهلكها لأنها أبدا تتبع الهوى وإن حكم على النفس نجى. وقوله: "فارحمني" وفي رواية "فاغفر لي" أي فبسبب ظلمي لنفسي واعترافي بذنبي فيه موافقة لقوله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ﴾ (٣) وقدم المغفرة على الرحمة تأسيا بقوله تعالى: ﴿وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا﴾ (٤). فإن قيل: لم قدم سؤال المغفرة على سؤال الرحمة، والمغفرة نوع من الرحمة؟

стр. 4954

والجواب: أن المغفرة عبارة عن ستر الذنب أو محوه فإذا وجدت بعدها الرحمة كان أبلغ في الكرامة والعبد المذنب تارة يعفو عنه السيد وتاره يعفو عنه ويحسن إليه بالعتق وتارة يكسوه مع العتق والعتق مع الكسوة نوعان من الرحمة وكذلك ربنا إذا عفا عن [زلة] عبده ترك عقوبته وستر عليه ذنوبه وأبدلها حسنات، فالرحمة راجعة إلى تبديل السيئات حسنات، [يعني] ذلك قوله تعالى: ﴿فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ (١) قيل لإبراهيم بن أدهم: ما معنى قول العبد يا كريم العفو فقال: ما كفى أن غفر السيئات حتى أبدلها حسنات، وجاء في حديث آخر "فاغفر لي مغفرة من عندك فإنك أنت الغفور الرحيم وإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت". قوله: "مغفرة من عندك" هو مصدر، وفيه تأكيد لطلب مضاعفة الساتر لأن الغفر الستر في كلام العرب ومنه المغفر لأنه يستر الرأس، وفيه استعارة حسنة لأن العورة الحسية يطلب سترها بمضاعفة الثياب كذلك العورة المعنوية وهي خلل المعصية فطلب ستره بمضاعفة الساتر المعنوي. قوله: "من عندك" قال الشيخ تقي الدين بن دقيق العيد: فيه إشارة إلى طلب مغفرة يتفضل بها من عند الله -تعالى- لا يقتضيها سبب من العبد من عمل حسن ولا غيره، فهي رحمة من عنده بهذا التفسير ليس للعبد فيها سبب

стр. 4955

وهذا تبرأ من الأسباب والإِدلال بالأعمال والاعتقاد في كونها موجبة للثواب وجوبًا عقليًّا (١). وقوله: لا يقتضيها سبب من العبد، [فيه نظر لأن معناه إحالة العمل شهودا وإن كان ثابتا وجودا، فلعل العمل أن يكون معلولا أو يوجد عند النقد مدخولا فإن الثقة بالعمل خطير كيف والناقد بصير وعلى تقدير خلوصه، فعسى أن تستغرقه النعم التي لا يطاق حصرها ولا يطاق شكرها، وتذكر هنا قصة العابد التي قال الله تعالى: "أدخلوه الجنة برحمتي" (٢) فقال: بل بعبادتي كذا وكذا فلما ركن إلى العمل قوبل بالنعم المستغرقة كذلك إلى أن رجع إلى شهود المنة والفضل (مع العصمة) والله أعلم فكيف لا يفزع إلى باب الفضل وهو تعالى هو المتفضل بالإيجاد والإمدإد وبإعطاء الإيمان قبل السؤال وهو خالق الهداية والموفق لمن وفق فضلا أوليا ثم أثاب عليه فضلا آخريا ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا﴾ (٣) فالفضل سابق وعائد منه عليك خلق ونسب إليك على أن الدعاء نفسه من توفيق الله وفضله على استيفاء شرائطه لا ينفى أن يعد سببا يركن إليه، كيف

стр. 4956

وهو غير موثوق بذلك والله أعلم قاله كاتبه] فيه نظر لأن تسبب العبد إذا كان بتوفيق الله تعالى كان من عند الله تعالى وأيضًا فدعاء العبد بطلب المغفرة تسبب من العبد فكيف يقال بإحالة ترتبها على السبب والأحسن أن يقال في مثل ذلك أن تكون المغفرة من عند الله تعالى بلا واسطة شفاعة من أحد من المخلوقين، فإن المعصية إذا كانت بين العبد وربه قوبلت بمغفرة من الرب كان أبلغ في الستر وأحسن، وإذا كانت بشفاعة أحد كان في ذلك فضيحة وعار على صاحبها بسبب إطلاع الغير عليها، وقد ورد أن الله تعالى ينسى العبد التائب ذنوبه حتى لا يذكرها بين يديه فيفتضح قيل وإليه الإشاراة بقوله تعالى ﴿وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا﴾ (١) أي غطها عنا حتى لا نراها ولا نذكرها فنخجل بين يديك وورد في الحديث أن الله تعالى ينسي الحفظة ما عمله العبد وينسي الأرض ما عمل عليها حتى لا تشهد عليه يوم القيامة. قوله: "فإنك أنت الغفور الرحيم" فيه إشارة إلى أنه يستحب أن يدعى الله تعالى بإسمائه الحسنى فيقول يا غفور اغفر لي يا رزاق ارزقني ويا رحمان ارحمني وقد وقعت المقابلة هنا الأول بالأول وبالثاني الثاني، وقد يقع على خلاف ذلك بأن يراعي القرب فيجعل الأول للأخير ومن ذلك قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ إلى قوله: ﴿هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ (٢). وقوله: "ولا يغفر الذنوب إلا أنت" إقرار بوحدانية الباري

стр. 4957

ونفي الشريك وبأنه الضار النافع وبأنه ليس لغير من الأمور شيء واستجلاب لمغفرته بهذا الإقرار كما قال تعالى: "علم عبدي بأن له ربا يغفر الذنب ويأخذ به قد غفرت لعبدي" الحديث. تتمة: روى الترمذي من حديث أبي موسى الأشعري مرفوعا إلى النبي ﷺ أنزل الله علي أمانين لأمتي ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (٣٣)﴾ (١) فإذا مضيت تركت فيهم الاستغفار إلى يوم القيامة ثم قال حديث غريب فيه إبراهيم بن مهاجر وهو ضعيف أ. هـ (٢)، الصواب أن إبراهيم بن مهاجر ليس بضعيف فقد روى له مسلم والأربعة (٣) وحاله متقارب إنما أنكر عليه حديث أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: "لا يدخل الجنة ولد الزنا ولا شيء من نسله إلى سبعة آباء" وهو: إبراهيم بن مهاجر بن جابر البجلي الكوفي، روى عن إبراهيم النخعي وطارق بن شهاب وطائفة،

стр. 4958

وقال الإمام أحمد: لا بأس به (١) كما قال ابن عطية: قالت طائفة هذه الآية نزلت كلها بمكة، قالت فرقة: نزلت كلها بعد وقعة بدر، قال القاضي أبو محمد: وأجمع المتأولون على أن معنى قوله وَما كانَ اللهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ، أن الله لم يعذب قط أمة ونبيها بين أظهرها، فما كان ليعذب هذه وأنت فيهم، بل كرامتك لديه أعظم (٢)، وقوله بعدها ﴿وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ﴾ (٣) مخصوص بالكفار أ. هـ، قاله في الديباجة (٤). خاتمة: عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: "إني لأستغفر الله وأتوب إليه في اليوم سبعين مرة" (٥) الحديث، استغفاره ﷺ إظهارا للعبودية والافتقار وملازمة الخضوع وشكرا لما أولاه فقد قال المحاسبي: خوف الملائكة والأنبياء خوف إعظام وإن كانوا آمنين من عذاب الله تعالى (٦).

стр. 4959

٢٥١٢ - وَعَن مُحَمَّد بن عبد الله بن مُحَمَّد بن جَابر بن عبد الله ﵁ عَن أَبِيه عَن جده قَالَ جَاءَ رجل إِلَى رَسُول الله ﷺ فَقَالَ واذنوباه واذنوباه فَقَالَ هَذَا القَوْل مرَّتَيْنِ أَو ثَلَاثًا فَقَالَ لَهُ رَسُول الله ﷺ قل اللَّهُمَّ مغفرتك أوسع من ذُنُوبِي ورحمتك أَرْجَى عِنْدِي من عَمَلي فَقَالَهَا ثمَّ قَالَ عد فَعَاد ثمَّ قَالَ عد فَعَاد ثمَّ قَالَ قُم فقد غفر الله لَك رَوَاهُ الْحَاكِم وَقَالَ رُوَاته مدنيون لَا يعرف وَاحِد مِنْهُم بِجرح (١). ٢٥١٣ - وَعَن الْبَراء ﵁ قَالَ لَهُ رجل يَا أَبَا عمَارَة وَلَا تلقوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَة الْبَقَرَة ٥٩١ أهوَ الرجل يلقى الْعَدو فَيُقَاتل حَتَّى يقتل قَالَ لَا وَلَكِن هُوَ الرجل يُذنب الذَّنب فَيَقُول لَا يغفره الله رَوَاهُ الْحَاكِم مَوْقُوفا وَقَالَ صَحِيح على شَرطهمَا (٢). قوله: وعن محمد بن عبد الله بن محمد بن جابر بن عبد الله ﵁ عن أبيه عن جده جابر بن عبد الله [هو أبو عبد الله، وقيل: أبو عبد الرحمن، وقيل: أبو محمد جابر بن عبد الله بن عمرو بن حرام، بالراء، ابن عمرو بن سواد بن سلمة، بكسر اللام، ابن سعد بن على ابن أسد بن ساردة، بالسين

стр. 4960

المهملة، ابن تزيد، بالتاء المثناة فوق، ابن جشم بن الخزرج الأنصارى السلمى، بفتح السين واللام، المدنى. وهو أحد المكثرين الرواية عن رسول الله ﷺ . روى ألف حديث وخمسمائة حديث وأربعين حديثا، اتفق البخاري ومسلم منها على ستين حديثا، وانفرد البخاري بستة وعشرين ومسلم بمائة وستة وعشرين، وروى عن أبى بكر، وعمر، وعلى، وأبى عبيدة، ومعاذ، وخالد بن الوليد، وأبى هريرة، رضى الله عنهم. روى عنه جماعات من أئمة التابعين، منهم سعيد بن المسيب، وأبو سلمة، ومحمد الباقر، وعطاء، وسالم بن أبى الجعد، وعمرو بن دينار، ومجاهد، ومحمد بن المنكدر، وأبو الزبير، والشعبي، وخلائق، ومناقبه كثيرة، استشهد أبوه يوم أحد، فأحياه الله تعالى وكلمه، وقال: يا عبد الله، ما تريد؟ فقال: أن أرجع إلى الدنيا فأستشهد مرة أخرى، وثبت في صحيح البخاري، عن جابر قال: دفنت أبى يوم أحد مع رجل، ثم استخرجته بعد ستة أشهر، فإذا هو كيوم وضعته غير أذنه. وثبت فى صحيح مسلم، عن جابر، قال: غزوت مع رسول الله ﷺ تسع عشرة غزوة، ولم أشهد بدرا ولا أحدا منعنى أبى، فلما قتل أبى يوم أحد لم أتخلف عن رسول الله ﷺ فى غزوة قط، وفي صحيح البخاري في كتاب المبعث، عن جابر بن عبد الله، رضى الله عنه، قال: أنا وأبى وخالى من أصحاب العقبة. توفى جابر بالمدينة سنة ثلاث وسبعين، وقيل: ثمان وسبعين، وقيل: ثمان وستين، وهو ابن أربع وتسعين سنة، رضى الله عنه. وكان ذهب بصره فى آخر عمره. روينا فى صحيحى البخاري ومسلم، عن جابر بن عبد الله، قال: قال لنا رسول

стр. 4961

الله ﷺ يوم الحديبية: "أنتم اليوم خير أهل الأرض"، وكنا ألفا وأربعمائة. قال جابر: لو كنت أبصر اليوم لأريتكم مكان الشجرة. وحيث أطلق جابر فى هذه الكتب فهو جابر بن عبد الله، وإذا أراد أبن سمرة قيده (١)]. قوله: قال جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فقال: واذنوباه واذنوباه، الحديث وفي معنى الحديث، يقول بعضهم: يَا كَبِيرَ الذَّنْبِ عَفْوُ اللهِ مِنْ ذَنْبِكَ أَكْبَرْ ... أَكْبَرُ الأَشْيَاءِ فِي أَصْغَرِ عَفْوِ اللهِ يَصْغُرْ (٢) وقال آخر: يا رَبِّ إِن عَظُمَت ذُنوبي كَثرَةً ... فَلَقَد عَلِمتُ بِأَنَّ عَفوَكَ أَعظَمُ أَدعوكَ رَبِّ كما أَمَرتَ تَضَرُّعًا ... فَإِذا رَدَدتَ يَدي فَمَن ذا يَرحَمُ إِن كانَ لا يَرجوكَ إِلّا مُحسِنٌ ... فَمَنْ ذَا الذِي يَرْجُو وَيَدعُو المُجرِمُ ما للفقير وَسيلَةٌ إِلّا الرَجا ... وَجَميلُ عَفوِكَ ثُمَّ أَنّي مُسلِمُ (٣)

стр. 4962

الترغيب في كثرة الدعاء وما جاء في فضله ٢٥١٤ - عَن أبي ذَر ﵁ عَن النَّبِي ﷺ فِيمَا يروي عَن ربه أَنه قَالَ يَا عبَادي إِنِّي حرمت الظُّلم على نَفسِي وَجَعَلته بَيْنكُم محرما فَلَا تظالموا يَا عبَادي كلكُمْ ضال إِلَّا من هديته فاستهدوني أهدكم يَا عبَادي كلكُمْ جَائِع إِلَّا من أطعمته فاستطعموني أطْعمكُم يَا عبَادي كلكُمْ عَار إِلَّا من كسوته فاستكسوني أكسكم يَا عبَادي إِنَّكُم تخطئون بِاللَّيْلِ وَالنَّهَار وَأَنا أَغفر الذُّنُوب جَمِيعًا فاستغفروني أَغفر لكم يَا عبَادي إِنَّكُم لن تبلغوا ضري فتضروني وَلنْ تبلغوا نفعي فتنفعوني يَا عبَادي لَو أَن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كَانُوا على أتقى قلب رجل وَاحِد مِنْكُم مَا زَاد ذَلِك فِي ملكي شَيْئا يَا عبَادي لَو أَن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كَانُوا على أفجر قلب رجل وَاحِد مِنْكُم مَا نقص ذَلِك من ملكي شَيْئا يَا عبَادي لَو أَن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم قَامُوا فِي صَعِيد وَاحِد فسألوني فَأعْطيت كل إِنْسَان مِنْهُم مَسْأَلته مَا نقص ذَلِك مِمَّا عِنْدِي إِلَّا كَمَا ينقص الْمخيط إِذا أَدخل الْبَحْر يَا عبَادي إِنَّمَا هِيَ أَعمالكُم أحصيها لكم ثمَّ أوفيكم إِيَّاهَا فَمن وجد خيرا فليحمد الله وَمن وجد غير ذَلِك فَلَا يَلُومن إِلَّا نَفسه قَالَ سعيد كَانَ أَبُو إِدْرِيس الْخَولَانِيّ إِذا حدث بِهَذَا الحَدِيث جثا على رُكْبَتَيْهِ رَوَاهُ مُسلم وَاللَّفْظ لَهُ (١).

стр. 4963

وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَابْن مَاجَه عَن شهر بن حَوْشَب عَن عبد الرَّحْمَن بن غنم عَنهُ وَلَفظ ابْن مَاجَه قَالَ رَسُول الله ﷺ إِن الله ﵎ يَقُول يَا عبَادي كلكُمْ مذنب إِلَّا من عافيته فاسألوني الْمَغْفِرَة أَغفر لكم وَمن علم مِنْكُم أَنِّي ذُو قدرَة على الْمَغْفِرَة واستغفرني بِقُدْرَتِي غفرت لَهُ وكلكم ضال إِلَّا من هديت فاسألوني الْهدى أهدكم وكلكم فَقير إِلَّا من أغنيت فاسألوني أرزقكم وَلَو أَن حيكم وميتكم وأولكم وآخركم ورطبكم ويابسكم اجْتَمعُوا فَكَانُوا على قلب أتقى عبد من عبَادي لم يزدْ فِي ملكي جنَاح بعوضة وَلَو اجْتَمعُوا فَكَانُوا على قلب أَشْقَى عبد من عبَادي لم ينقص من ملكي جنَاح بعوضة وَلَو أَن حيكم وميتكم وأولكم وآخركم ورطبكم ويابسكم اجْتَمعُوا فَسَأَل كل سَائل مِنْهُم مَا بلغت أمْنِيته مَا نقص من ملكي إِلَّا كَمَا لَو أَن أحدكُم مر بشفة الْبَحْر فَغَمسَ فِيهَا إبرة ثمَّ نَزعهَا ذَلِك بِأَنِّي جواد ماجد عطائي كَلَام إِذا أردْت شَيْئا فَإِنَّمَا أَقُول لَهُ كن فَيكون وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ بِنَحْوِ ابْن مَاجَه (١). وَتقدم لَفظه فِي الْبَاب قبله. الْمخيط بِكَسْر الْمِيم وَسُكُون الْخَاء الْمُعْجَمَة وَفتح الْيَاء الْمُثَنَّاة تَحت هُوَ مَا يخاط بِهِ الثَّوْب كالإبرة وَنَحْوهَا. قوله: عن أبي ذر ﵁، تقدم الكلام عليه. قوله ﷺ فيما يروي عن ربه أنه قال: "يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي" معناه: تقدست عنه وتعاليت فهو في حقه

стр. 4964

كالشيء المحرم على الناس فالظلم مستحيل في حق الله تعالى وهذا قول الجمهور، وقد ذهب قوم إلى أنه قادر على الظلم وهو متصور منه لكنه يفعله عدلا منه وجودا وكرما وإحسانا إلى عباده واحتجوا بقوله ﴿وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ (١) ﴿وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبَادِ﴾ (٢) ومثل هذا في القرآن كثير والله أعلم. قوله تعالى: "وجعلته بينكم محرما" أي كرمته عليكم ومنعتكم منه شرعا، والظلم لغة وضع الشيء في غير موضعه، وشرعا: التصرف في ملك الغير بغير إذنه، وقد نقل هذا عن إياس بن معاوية وغيره والله أعلم. قوله تعالى: "فلا تظالموا" هو بفتح التاء، أصله: تتظالموا أي فلا يظلم بعضكم بعضا وهذا توكيد لقوله: "وجعلته بينكم محرما" ومعناه: أنه تعالى حرم الظلم على عباده ونهاهم أن يتظالموا فيما بينهم فنهاهم، فحرام على كل عبد أن يظلم غيره مع أن الظلم نفسه محرم مطلقا، وهو نوعان، أحدهما: ظلم النفس وأعظمه الشرك كما قال ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ (٣)، والثاني: ظلم العبد لغيره وهو المذكور في هذا الحديث، وقد قال النبي ﷺ في خطبته في حجة الوداع "إن دمماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا" (٤).

стр. 4965

قوله ﷺ : عن الله "يا عبادي كلكم ضال إلا من هديته" هذا كقوله ﴿مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي﴾ (١) ونحوها ﴿وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى (٧)﴾ (٢). قوله: "فاستهدوني" أي: اسألوني الهداية واعتقدوا أنها لا تكون إلا من فضلي وبأمري أهدكم، قاله الطوفي (٣)، وقال النووي في شرح مسلم (٤): ظاهر هذا الكلام يقتضي أنهم خلقوا على الضلالة إلا من هداه الله، قال المازري ظاهر هذا أنهم خلقوا على الضلال إلا من هداه الله تعالى وفي الحديث المشهور كل مولود يولد على الفطرة قال فقد يكون المراد بالأول وصفهم بما كانوا عليه قبل مبعث النبي ﷺ وأنهم لو تركوا وما في طباعهم من إيثار الشهوات والراحة وإهمال النظر لضلوا وهذا الثاني أظهر وفي هذا دليل لمذهب أصحابنا وسائر أهل السنة أن المهتدي هو من هداه الله وبهدي الله اهتدى وبإرادة الله تعالى ذلك وأنه إنما أراد هداية بعض عباده وهم المهتدون ولم يرد هداية الآخرين ولو أرادها لاهتدوا خلافا للمعتزلة (٥).

стр. 4966

قوله ﷺ عن الله : "يا عبادي كلكم جائع إلا من أطعمته فاستطعموني أطعمكم" وذلك أن الناس عبيد الله لا يملكون شيئا وخزائن الرزق بيد الله فمن لا يطعمه بفضله بقى جائعا بعدله إذ ليس عليه إطعام أحد. فإن قلت: كيف هذا مع قوله : ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ (١)؟ قلنا: هذا التزام منه تفضلا لا أن عليه للدابة حقا بالأصالة، وشبيه بهذا قوله ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ﴾ (٢) الآية، أي ذلك واجب منه تفضلا التزاما عليه لزوما قاله الطوفي (٣). قوله ﷺ عن الله أنه قال: "يا عبادي إنكم تخطئون بالليل والنهار" وهذا من باب مقابلة الجمع بالجمع أي تصدر منكم الخطيئة ليلا ونهارا، من بعضكم ليلا، ومن بعضكم نهارا، الرواية المشهور: "تخطئون" بضم التاء وسكون الخاء وكسر الطاء وضبطه بعض الفضلاء بفتح التاء والطاء على وزن تفترون من الافتراء يقال: خطئ يخطئ إذا فعل ما يأثم به فهو خاطئ ويقال في الإثم أيضا أخطا وهما صحيحان ومنه قوله تعالى

стр. 4967

﴿اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ﴾ (١) والخطأ من غير قصد معفو عنه لا يعتد به أصلا ذنبا لقوله ﷺ : "عفي لأمتي الخطأ والنسيان". قوله ﷺ عن الله : "وأنا أغفر الذنوب جميعا" هو كقوله في التنزيل ﴿إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ (٢). قوله تعالى: "يا عبادي إنكم لن تبلغوا ضري فتضروني" الحديث، اعلم أن الإجماع والبرهان على أن الله منزه مقدس غني بذاته لا يلحقه ضر ولا نفع ولا يحتاج إلى ذلك وظاهر هذا الحديث أن لضره ونفعه غاية لكن لا يبلغها العباد والله أعلم، قاله الطوفي (٣)، ومعناه: أن العباد لا يقدرون أن يوصلوا إلى الله تعالى نفعا ولا ضرا فإن الله تعالى في نفسه غني حميد لا حاجة له بطاعات العباد ولا يعود نفعها إليه، وإنما هم ينتفعون بها ولا يتضرر بمعاصيهم وإنما هم يتضررون بها قال الله تعالى: ﴿وَلَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا﴾ (٤) وكان ﷺ يقول في خطبته "ومن يعص الله ورسوله فقد غوى ولا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئا" قال الله : ﴿وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ غَنِيًّا حَمِيدًا﴾ (٥) وقال تعالى: ﴿لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا

стр. 4968

وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ﴾ (١) والمعنى: أنه تعالى يحب من عباده أن يتقوه ويطيعوه كما أنه قد يكره منهم أن يعصوه ولهذا يفرح بتوبة التائبين أشد من فرح من ضلت راحلته التي عليها طعامه وشاربه بفلاة من الأرض وطلبها حتى يعي وأيس منها واستسلم للموت وأيس من الحياة ثم غلبته عينه فنام فاستيقظ وهي قائمة عنده وهذا أغلى ما يتصوره المخلوق من الفرح هذا كله مع غناه عن طاعات عباده وتوبتهم وأنه إنما يعود نفعها إليهم دونه ولكن هذا من كمال جوده وإحسانه إلى عباده ومحبته لنفعهم ودفع الضرر عنهم فهو يحب من عباده أن يعرفوه ويحبوه ويخافوه ويتقوه ويطيعوه ويتقربوا، ويحب أن يعلموا أنه لا يغفر الذنوب غيره وأنه قادر على مغفرة ذنوب عباده والله أعلم قاله ابن رجب (٢). قوله ﷺ عن الله : "يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم قاموا في صعيد واحد فسألوني" الحديث، أي: في أرض واحدة فالصعيد وجه الأرض، والمراد بقوله "في صعيد واحد" في مقام واحد قيد السؤال بالاجتماع لأن تزاحم السؤال وازدحامهم مما يدهش المسئول عنه ويعسر عليه إنجاح مآربهم (٣) والله أعلم قاله في شراح مشارق الأنوار. قوله ﷺ عن الله : "ما نقص ذلك مما عندي إلا كما ينقص المخيط إذا أدخل البحر" المخيط بكسر الميم وسكون الخاء المعجمة وفتح

стр. 4969

الياء المثناء تحت وهو ما يخاط به الثوب كالإبرة ونحوها قاله الحافظ المنذري، قال العلماء: هذا تقريب إلى الأفهام ومعناه لا ينقص شيئا كما قال في الحديث الآخر "يد الله ملئى لا يغيضها نفقة" أي لا تنقصها لأن ما عند الله تعالى لا يدخله نقص وإنما يدخل النقص المحدود الفاني وعطاء الله تعالى من رحمته وكرمه وهما صفتان قديمتان لا يتطرق إليهما نقص فضرب المثل بالمخيط في البحر لأنه غاية ما يضرب به المثل في القلة والمقصود التقريب إلى الأفهام مما يشاهدوه فإن البحر أعظم المرئيات عيانا وأكبرها، والإبراة من أصغر الموجودات مع أنها صقلية لا يتعلق بها (١) والله أعلم أ. هـ. وقال ابن رجب: تحقيق لأن ما عند الله لا ينقص البتة كما قال تعالى ﴿مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ﴾ (٢) فإن البحر إذا غمس فيه إبرة ثم أخرجت لم ينقص من البحر بذلك شيء وكذلك لو فرض أنه شرب منه عفور مثلا فإنه لا ينقص البتة، ولهذا ضرب الخضر لموسى ﷺ هذا المثل في نفسه في نسبة علمهما إلى علم الله وهذا لن البحر لا يزال تمده مياه الدنيا وأنهارها الجارية فمهما أخذ منه لم ينقصه شيء لأنه يمده ماء هذا هذا زيد مما أخذ منه، وهكذا طعام الجنة وما فيها فإنه لا ينفد كما قال الله تعالى ﴿وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ (٣٢) لَا مَقْطُوعَةٍ وَلَا مَمْنُوعَةٍ (٣٣)﴾ (٣) وقد جاء أنه كلما

стр. 4970

نزعت تمرة عاد مكانها مثلها، ووري مثلاها فهي لا تنقص أبدا وكذلك الشراب، يشرب حتى ينتهي نفسه ثم يعود مكانه، ورئى بعض العلماء الصالحين بعد موته بمدة في المنام فقال ما أكلت منذ فارقتكم إلا بعض فرخ أما علمتم أن طعام الجنة لا ينفد، أ. هـ. قوله ﷺ عن الله : "يا عبادي إنما هي أعمالكم أحصيها لكم ثم أوفيكم إياها" بالجزاء عليها، وهذا كقوله ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (٨)﴾ (١) فالشر يجازى به مثله من غير زيادة إلا أن يعفو الله عنه، والخير يضاعف الحسنة منه بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة لا يعلم قدرها إلا الله تعالى ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ (٢) (٣). فائدة: قوله في الحديث "إنما هي أعمالكم أحصيها لكم" أي: بعلمي وملائكتي الحفظة. فإن قيل: ما الحاجة إلى الحفظة مع علمه؟ قيل: ليكونوا شهداء بين الخالق والمخلوق ولهذا يقال لبعض الناس يوم القيامة كفى بنفسك اليوم عليك شهيدا وبالكرام الكاتبين شهودا، وقيل فيه: غير ذلك والله تعالى أعلم. قوله ﷺ عن الله أنه قال: "فمن وجد خيرا فليحمد الله

стр. 4971

ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه" الحديث، إن كان المراد من وجد ذلك في الدنيا كما قال الله : ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى﴾ (١) الآية، ويكون مأمورًا يلوم نفسه على ما فعلت من الذنوب الذي وجد عاقبتها في الدنيا كما قال الله تعالى: ﴿وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى﴾ (٢) الآية، فالمؤمن إذا أصابه في الدنيا بلاء رجع على نفسه ودعاه ذلك إلى الرجوع إلى الله بالتوبة والاستغفار، فيه إشارة إلى أن الخير كله فضل من الله على بعده من غير استحقاق والشر كله من عند ابن آدم من اتباع هوى نفسه كما قال ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾ (٣) والله أعلم قاله ابن رجب (٤). قوله: قال سعيد، وسعيد هذا هو ابن عبد العزيز التنوخي. قوله: كان أبو إدريس الخولاني إذا حدث بهذا الحديث جثا على ركبتيه، وأبو إدريس الخولاني اسمه عائذ الله بالهمز وبالذال المعجمة بن عبد الله بن عمرو على المشهور، الخولاني: بالخاء المعجمة الشامي التابعي الجليل القدر الكبير الشأن ولاه معاوية القضاء بدمشق وكان من عبادة الشام وقرائهم، ولد يوم حنين، توفي سنة ثمانين والله أعلم.

стр. 4972

٢٥١٥ - وَعَن أبي هُرَيْرَة ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ إِن الله يَقُول أَنا عِنْد ظن عَبدِي بِي وَأَنا مَعَه إِذا دَعَاني رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم وَاللَّفْظ لَهُ وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ ابْن مَاجَه (١). قوله: وعن أبي هريرة ﵁، تقدم الكلام عليه. قوله ﷺ : "إن الله يقول أنا عند ظن عبدي بي وأنا معه إذا دعاني" الحديث، للدعاء شرط وآداب منها: أن يحسم الداعي ظنه بالإجابة لهذا الحديث المذكور. ٢٥١٦ - وَعَن النُّعْمَان بن بشير ﵄ عَن النَّبِي ﷺ قَالَ الدُّعَاء هُوَ الْعِبَادَة ثمَّ قَرَأَ: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ (٦٠)﴾ (٢) " رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَاللَّفْظ لَهُ وَقَالَ حَدِيث حسن صَحِيح وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه وَابْن حبَان فِي صَحِيحه وَالْحَاكِم وَقَالَ صَحِيح الْإِسْنَاد (٣). قوله: وعن النعمان بن بشير ﵄، تقدم الكلام عليه. قوله ﷺ : "الدعاء هو العبادة، ثم قرأ ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ ".

стр. 4973

قوله: "هو العبادة" أي معظمها كقولهم "الحج عرفة". قوله تعالى: ﴿ادْعُونِي﴾ قال ابن عباس: يريد وحدوني أغفر لكم، وكذا قال مجاهد ويدل على صحة هذا التفسير حديث النعمان هذا، والدعاء بمعنى العبادة في القرآن كثير ولما عبر عن العبادة بالدعاء جعل الإثابة استجابة لتجانس اللفظ وعن الثوري أنه قيل له: ادع الله قال: إن ترك الذنوب هو العبادة (١)، وفي الحديث "إذا شغل عبدي طاعتي عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين" (٢) وقيل: الدعاء والاستجابة على ظاهرهما، وعن كعب: إعطى الله هذه الأمة ثلاث خلال لم يعطهن إلا نبيا مرسلا: كان يقول لكل نبيّ أنت شاهدي على خلقي، وقال لهذه الأمة لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ وكان يقول: ما عليك من حرج، وقال لنا ما يُرِيدُ اللهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وكان يقول: ادعني أستجب لك، وقال لنا ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ (٣). وهذا [الوعد مقيد بشرط] المشيئة وينبغي للداعي أن يفرغ قلبه مما سوى الله تعالى فلا يكون فيه ذرة اعتماد على غيره من مال أو جاه أو قريب أو صديق أو جد واجتهاد فإذا لم يبق في القلب التفات إلى شيء من ذلك فالمرجو

стр. 4974

من الله القبول وإذا حصل الرد والعياذ بالله تعالى فلعله لفوات بعض هذه الأمور وعدم صدق الالتجاء والله أعلم، وقال الله : ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ (٦٠)﴾ أي: صاغرين، جعل الله الدعاء عبادة ولأن الداعي إنما هو يدعوا الله عند انقطاع أمله مما سواه وذاك حقيقة التوحيد والإخلاص، ولا عبادة فوقها فالدعاء مخ العبادة من هذا الوجه ومخ الشيء خالصه وإنما كان مخها لأمرين، أحدهما: أنه امتثال لأمر الله حيث قال: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ فهو محض العبادة وخالصها، والثاني: إنه إذا رأى نجاح الأمور من الله قطع أمله ممن سواه ودعاه لحاجته موحدا وهذا هو أصل العبادة أ. هـ، فإن الغرض من العبادة الثواب عليها وهو المطلوب بالدعاء قاله في النهاية (١) قال النووي (٢): اعلم المذهب المختار الذي عليه الفقهاء والمحدثون وجماهير العلماء أن الدعاء مستحب قال الله تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ الآية، والآيات في هذا الباب كثيرة مشهورة، وأما الأحاديث الصحيحة فكذلك وروينا رسالة الإِمام أبي القاسم القشيريّ ﵁ قال: اختلفَ الناسُ في أن الأفضل الدعاء، أم السكوت والرضى؟ فمنهم من قال: الدعاء عبادة، للحديث السابق "الدُّعاءُ هُوَ العبادة" ولأنَّ الدعاءَ إظهارُ الافتقار إلى الله تعالى.

стр. 4975

وقالت طائفة: السكوت والخمودُ تحت جريان الحكم أتمّ، والرضا بما سبق به القدر أولي، وقال قوم: يكون صاحبُ دعاءٍ بلسانه ورضا بقلبه ليأتيَ بالأمرين جميعًا. قال الإمام القشيري: والأولى أن يقال إِن الأوقات مختلفة ففي بَعْض الأحوال الدعاء أفضل من السكوت وَهُوَ الأدب وَفِي بَعْض الأحوال السكوت أفضل من الدعاء وَهُوَ الأدب وإنما يعرف ذَلِكَ فِي الوقت، لأن علم الوقت إِنَّمَا يحصل فِي الوقت فَإِذَا وجد بقلبه إشارة إِلَى الدعاء فالدعاء لَهُ أولى وإذا وجد إشارة إِلَى السكوت فالسكوت لَهُ أتم، أ. هـ (١)، قال الإمام السبكي: والصواب أن الدعاء أولى مطلقا لما في الحديث الذي رواه أبو هريرة أن النبي ﷺ قال: "من لم يدع الله غضب عليه" قال: ومن شروط الدعاء أن يكون مطعمه حلالا ومن آدابه حضور القلب، وقال الإمام أبو حامد الغزالي في كتابه الإحياء: آداب الدعاء عشرة، الأول: أن يترصد الأزمان الشريفة كيوم عرفة وشهر رمضان ويوم الجمعة والثلث الأخير من الليل ووقت الأسحار؛ والثاني: أن يغتنم الأحوال الشريفة كحالة السجود والتقاء الجيوش ونزول الغيث وإقامة الصلاة وبعدها وبين الأذان والإقامة وعند فطر الصائم، قلت: وحالة رقة القلب، الثالث: أن يدعو مستقبل القبلة ويرفع اليدين ويمسح بهما وجهه في آخره، الرابع: خفض الصوت بين المخافتة والجهر، الخامس: أن لا يتكلف السجع في الدعاء، وقد فسر به

стр. 4976

الاعتداء في قوله تعالى: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (٥٥)﴾ (١) فقيل: معناه التكلف بالأسجاع والأولى أن يقتصر على الدعوات المأثورة فما كل أحد يحسن الدعاء فيخاف عليه الاعتداء، وقال بعضهم: ادع بلسان الذلة والافتقار لا بلسان الفصاحة والإنطلاق ويقال إن العلماء والأبدال لا يزيدون في الدعاء على سبع كلمات ويشهد له ما ذكره في آخر سورة البقرة ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا﴾ (٢) إلى آخرها، لم يخبر في موضع عن داعية عباده بأكثر من ذلك، قلت: ومثله قول الله سبحانه في سورة إبراهيم ﴿رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا﴾ (٣) إلى آخره، قلت: والمختار الذي عليه جماهير العلماء أنه لا حجر في ذلك ولا تكره الزيادة على السبع بل يستحب الإكثار من الدعاء مطلقا، السادس: التضرع والخشوع والرهبة قال الله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا﴾ (٤) الآية، وقال تعالى ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً﴾ (٥)، السابع: أن يجزم بالطلب ويوقن بالإجابة ويدق رجاؤه فيها ودلائله كثيرة مشهورة، قال سفيان بن عيينة: لا يمنعن أحدكم من

стр. 4977

الدعاء ما يعلمه من نفسه فإن الله تعالى أجاب شر المخلوقين إبليس إذ قال: ﴿رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (٣٦) قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ (٣٧)﴾ (١)، الثامن: أن يلح في الدعاء ويكرره ثلاثا ولا ولا يستبطئ الإجابة، وقال بعضهم إنني أسأل الله حاجة منذ عشرين سنة وما أجابني وأنا أرجوا الإجابة، التاسع: أن يفتتح الدعاء بذكر الله، قلت: وبالصلاة على رسول الله ﷺ بعد الحمد والثناء ويختمه بذلك كله أيضا، قال سلمة بن الأكوع سمعت النبي ﷺ يستفتح الدعاء بقوله سبحان ربي العلي الأعلي الوهاب، وقال أبو سليمان الداراني: من أراد أن يسأل الله تعالى فليبتدئ بالصلاة على النبي ﷺ ثم يسأل حاجته ثم يختم بالصلاة على النبي ﷺ فإن الله تعالى يقبل الصلاتين وهو أكرم أن يدع ما بينهما، العاشر: وهو أهمها والأصل في الإجابة وهو التوبة ورد المظالم والإقبال على الله تعالى والله أعلم (٢). ٢٥١٧ - وَعَن أبي هُرَيْرَة ﵁ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ من سره أَن يستجيب الله لَهُ عِنْد الشدائد فليكثر من الدُّعَاء فِي الرخَاء رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَالْحَاكِم من حَدِيثه وَمن حَدِيث سلمَان وَقَالَ فِي كل مِنْهُمَا صَحِيح الْإِسْنَاد (٣). قوله: وعن أبي هريرة ﵁، تقدم الكلام عليه.

стр. 4978

قوله ﷺ : "من سره أن يستجيب الله له عند الشدائد فليكثر من الدعاء في الرخاء" الحديث، والرخاء سعة العيش، ومنه الحديث "ليس كل الناس مرخي عليه" (١) أي: موسعا عليه في رزقه ومعيشته. قوله: عن أنس بن مالك ﵁ قال: كان رجل على عهد رسول الله ﷺ يتجر من بلاد الشام إلى المدينة ولا يصحب القوافل توكلا منه على الله فبينما هو جاء إلى الشام يريد المدينة إذ عرض له لص على فرس فصاح بالتاجر: قف! قال: فوقف له التاجر وقاله له شأنك بمالي وخل سبيلي، قال: فقال له اللص المال مالي وإنما أريد نفسك، فقال له ثانيا وثالثا وهو يأبي، فقال التاجر: أنظرني حتى أتوضأ وأصلي وأدعوا ربي ، قال: افعل ما بدا لك، فتوضأ التاجر وصلى أربع ركعات ورفع يده إلى السماء فكان من دعائه: يا ودود يا ودود يا ذا العرش المجيد يا مبدئ يا معيد يا فعال لما يريد أسألك بنور وجهك الذي ملأ أركان عرشك وأسألك بقدرتك التي قدرت بها على خلقك وبرحمتك التي وسعت كل شيء لا إله إلا أنت يا مغيث أغثني ثلاث مرات، فلما فرغ من دعائه إذا بفارس على فرس أشهب عليه ثياب خضر بيده حربة من نور فلما رأى اللص إلى الفارس ترك التاجر ومر نحو الفارس فلما دنا منه شد الفارس على اللص فطعنه طعنة أرداه عن فرسه ثم جاء إلى التاجر فقال له قم فاقتله فقال له التاجر من أنت، فما قتلت أحدا قط ولا تطيب نفسي بقتله فرجع الفارس إلى اللص وقتله ورجع إلى التاجر

стр. 4979

وقال: اعلم أني ملك من السماء الثالثة حين دعوت الأولى سمعنا لأبواب السماء قعقعة فقلنا أمر حدث ثم دعوت الثانية ففتحت أبواب السماء ولها شرر كشرر النار ثم دعوت الثالثة فهبط جبريل ﵇ علينا وهو ينادي: من لهذا المكروب فدعوت ربي أن يوليني قتلهن واعلم يا عبد الله أن من دعا بدعائك هذا في كل كربة وشدة وكل نازلة فرج الله عنه وأغاثه، قال: وجاء التاجر إلى المدينة سالما وأخبر النبي ﷺ بالحال والدعاء فقال النبي ﷺ "لقنك الله أسماءه الحسنى الذي إذا دعي بها أجاب وإذا سئل بها أعطى" والله أعلم (١). ٢٥١٨ - وَعنهُ ﵁: قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ لَيْسَ شَيْء أكْرم على الله من الدُّعَاء فِي الرخَاء رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَقَالَ غَرِيب وَابْن مَاجَه وَابْن حبَان فِي صَحِيحه وَالْحَاكِم وَقَالَ صَحِيح الْإِسْنَاد (٢). قوله: وعنه ﵁، تقدم الكلام عليه.

стр. 4980

قوله ﷺ : "ليس شيء أكرم على الله من الدعاء" وقال في حديث آخر "الدعاء هو العبادة" قال الفقيه أبو الليث: ينبغي أن يدعو الله تعالى في كل وقت ويرفع جميع حوائجه فإن ذلك علامة العبودية فإن أحب عباد الله إلى الله من يسأله وأبغض الناس إلى الله من استغنى عنه وأحب الناس إلى الناس من استغنى عنهم ولا يسألهم شيئا وأبغض الناس إلى الناس من يسألهم انتهي، قال الحليمي (١): اعلم أن للدعاء أركانا وآدابا وقد ذكرت من كلام الغزالي في الأحاديث المقتدمة لكن الحليمي ذكر أشياء زائدة وأنا أذكر شيئا مما قاله الحليمي بحروفه فمن أركانه: أن لا يكون عليه في سؤال ما سأل حرج، ومنها: أن يكون له في السؤال غرض صحيح، ومنها: أن يكون حسن الظن بالله فتكون الإجابة أغلب على قلبه من الرد، ومنها: أن يدعو الله بأسمائه الحسنى وصفاته العلي، ومنها: أن يسأل جدا وحقيقة ولا يأخذ دعاء مؤلفا فيسرده سردا وهو عن حقائقه غافل، ومنها: أن لا يشغله الدعاء عن فريضة لله تعالى حاضرة فيفوتها، ومنها: أن يكون دعاؤه سؤالا بالحقيقة لا اختبارا للرب تعالي، ومنها: أن يصلح لسانه إذا دعا ولا يخاطب ربه تعالى بما لو خاطب به كفؤه وقريبه لنسبه إلى قلة الحياء أو سوء الأدب أو ركاكة العقل، ومنها: أن لا يدعو ضجرا مستعجلا، ومنها: أن حاجته إذا عظمت لم يسألها الله تعالى مستعظما إياها في ذات الله تعالى بل يسأله الحاجة الصغيرة والكبيرة سؤالا واحدا ويرى منه المحافظة على الدعاء في الرخاء دون تخصيص الشدة والبلاء، ومنها: أن يقتصر على جوامع الدعاء ما لم تعرض

стр. 4981

له حاجة يعنيها فينص عليها، ومنها: أن يدعو وهو طاهر، ومنها: أن يستقبل القبلة ويسن في الدعاء مستقبل القبلة وهو أفضل، قال النووي (١): يلحق بالدعاء الوضوء والغسل والأذكار والقراءة وسائر الطاعات إلا ما خرج بالدليل كالخطبة ونحوها، ومنها: أن يدعو في دبر كل صلاة، ومنها: أن يرفع يديه حتى يحاذي بهما المنكبين إذا دعا [لأن في رفع اليدين الضراعة إلى الله تعالى والتذلل قاله الكرماني (٢). أ. هـ من خط المصنف ﵀]، ومنها: أن يخفض صوته بالدعاء، ومنها: أن يمسح بيديه وجهه إذا فرغ من الدعاء، ومنها: أن يحمد الله تعالى إذا عرف الإجابة، ومنها: أن لا يخلى يوما وليلة من الدعاء [ومنها: أن يختم بآمين للحديث "واختم بآمين وأبشر"، ومنها: يكره أن يرفع الداعي بصره إلى السماء]، ويتحري للدعاء الأوقات والأحوال والمواطن التي ترجي فيها الإجابة فأما الأوقات فمنها ما بين الظهر والعصر من يوم الأربعاء ومنها ما بين زوال الشمس من يوم الجمعة على أن تغرب الشمس، ومنها عند اجتماع المسلمين على الدعاء ومنها عند القيام من المجلس وأما المواطن فالموقفان والجمرتان وعند البيت والملتزم خاصة وعلى الصفا والمروة. فائدة: ومن آداب الدعاء فيما ذكره الغزالي وغيره أن يمسح الداعي يديه على وجهه إذا فرغ من الدعاء، فقد روي أبو داود عن ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: "صلوا الله ببطون أكفكم ولا تسألوه بظهورها فإذا فرغتم

стр. 4982

فامسحوا بها وجوهكم" (١) انتهى. ٢٥١٩ - وَعَن أنس بن مَالك ﵁ قَالَ سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول قَالَ الله تَعَالَى يَا ابْن آدم إِنَّك مَا دعوتني ورجوتني غفرت لَك على مَا كَانَ مِنْك وَلَا أُبَالِي الحَدِيث رَوَاهُ التّرْمِذِيّ وَقَالَ حَدِيث حسن غَرِيب وَتقدم بِتَمَامِهِ فِي الاسْتِغْفَار (٢). قوله: وعن أنس بن مالك ﵁، تقدم الكلام عليه وعلى الحديث قبله مطولا، وفيه: "يا ابن آدم لو أتيتني بقراب الأرض خطايا لأتيتك بقرابها مغفرة" قراب الأرض بضم القاف ما يقارب ملؤها، وفي الترمذي عن عمر بن الخطاب قال: كان رسول الله ﷺ إذا رفع يديه في الدعاء لم يحطهما حتى يمسح بهما وجهه (٣)، فالسنة لمن دعا برفع بلاء أن يجعل ظهر كفيه إلى السماء ولمن دعا بتحصيل شيء أن يجعل بطنهما إليها، قاله الرافعي وغيره في باب الاستسقاء، وكان مالك يرى رفع اليدين في الاستسقاء وبطونهما إلى الأرض قال النووي (٤): أما رفع اليدين خارج الصلاة في الدعاء فمستحب فقد ثبت رفع اليدين في الاستسقاء عن رسول الله ﷺ من رواية جماعة من الصحابة، وأما مسح الوجه فلا يسن في قنوت الصلاة، قال البيهقي لأنه لم يثبت فيه خبر ولا أثر ولا قياس فلا يستحب قطعا بل نص جماعة على

стр. 4983

كراهته، قال: وإنما روي ذلك في الدعاء خارج الصلاة من رواية ابن عباس بإسناد ضعيف ورود في الحديث حكمته وهو الإفاضة عليه مما أعطاه الله فإن قلنا لا يرفع لم يشرع المسح بلا خلاف وإن قلنا يرفع فوجهان أشهرهما عند جماعة من الأصحاب أنه مستحب، والثاني: لا يمسح وهو الصحيح عند المحققين، والحاصل للأصحاب ثلاثة أوجه الصحيح يستحب رفع يديه دون مسح الوجه، الثاني: لا يستحب، والثالث: يستحبان، وأما غير الوجه والصدر وغيره فاتفقوا على أنه لا يستحب بل قال ابن الصباغ وغيره من العلماء أنه مكروه، والله أعلم. قوله: وعن أنس بن مالك ﵁، تقدم الكلام عليه وعلى الحديث قبله مطولا، وفيه: "يا ابن آدم لو أتيتني بقراب الأرض خطايا لأتيتك بقرابها مغفرة" قراب الأرض بضم القاف، وحكي صاحب المطالع الكسر ما يقارب مثلها. ٢٥٢٠ - وَعَن عبَادَة بن الصَّامِت ﵁ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ مَا على الأَرْض مُسلم يَدْعُو الله بدعوة إِلَّا آتَاهُ الله تَعَالَى إِيَّاهَا أَو صرف عَنهُ من السوء مثلهَا مَا لم يدع بإثم أَو قطيعة رحم فَقَالَ رجل من الْقَوْم إِذا نكثر قَالَ الله أَكثر رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَاللَّفْظ لَهُ وَالْحَاكِم كِلَاهُمَا من رِوَايَة عبد الرَّحْمَن بن ثَابت بن ثَوْبَان وَقَالَ التِّرْمِذِيّ حَدِيث حسن صَحِيح غَرِيب وَقَالَ الْحَاكِم صَحِيح الْإِسْنَاد (١). قَالَ الجراحي يَعْنِي الله أَكثر إِجَابَة.

стр. 4984

قوله: وعن عبادة بن الصامت ﵁، تقدم الكلام عليه. قوله ﷺ : "ما على الأرض مسلم يدعو الله بدعوة إلا آتاه الله تعالى إياها أو صرف عنه من السوء مثلها ما لم يدع بإثم أو قطيعة رحم" من شروط الداعي أن الداعي لا يدعوا بمعصية كالإثم وقطيعة الرحم، وقال ﷺ : "إن العبد لا يخطئه من العبادة إحدى ثلاث إما ذنب يغفر أو خير يعجل أو خير يدخر له" رواه أبو منصور الديلمي في مسند الفردوس من حديث أنس (١)، وروي الترمذي من حديث ابن مسعود مرفوعا "سلوا الله من فضله فإن الله يحب أن يسأل وأفضل العبادة انتظار الفرج" (٢) أ. هـ. قوله: من رواية عبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان [صدوق رمي بالقدر وثقه ابن المديني وأبو حاتم ودحيم وابن معين وقال صالح جزرة قدري صدوق، وقال أحمد: أحاديثه مناكير، وقال النسائي: ليس بالقوي وصحح له الترمذي وغيره]. ٢٥٢١ - وَعَن أبي هُرَيْرَة ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ مَا من مُسلم ينصب وَجهه لله فِي مَسْأَلَة إِلَّا أَعْطَاهَا إِيَّاه إِمَّا أَن يعجلها لَهُ وَإِمَّا أَن يدخرها

стр. 4985

لَهُ فِي الْآخِرَة رَوَاهُ أَحْمد بِإِسْنَاد لَا بَأْس بِهِ (١). قوله: وعن أبي هريرة ﵁، تقدم الكلام عليه. قوله ﷺ : "ما من مسلم ينصب وجهه لله في مسألة إلا أعطاها إياه إما أن يعجلها له وإما أن يدخرها له في الآخرة" الحديث. فائدة فيها بشرى: قال هلال بن يساف ﵁ بلغني أن المسلم إذا دعا الله تعالى فلم يستجب له كتب له حسنة يعني جزاء لمصيبة رده، خرجه ابن أبي شيبة والله أعلم. ٢٥٢٢ - وَعَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ ﵁ أَن النَّبِي ﷺ قَالَ مَا من مُسلم يَدْعُو بدعوة لَيْسَ فِيهَا إِثْم وَلَا قطيعة رحم إِلَّا أعطَاهُ الله بهَا إِحْدَى ثَلَاث إِمَّا أَن يعجل لَهُ دَعوته وَإِمَّا أَن يدخرها لَهُ فِي الْآخِرَة وَإِمَّا أَن يصرف عَنهُ من السوء مثلهَا قَالُوا إِذا نكثر قَالَ الله أَكثر رَوَاهُ أَحْمد وَالْبَزَّار وَأَبُو يعلى بأسانيد جَيِّدَة وَالْحَاكِم وَقَالَ صَحِيح الْإِسْنَاد (٢). قوله: وعن أبي سعيد الخدري ﵁، تقدم الكلام عليه.

стр. 4986

قوله ﷺ : "ما من مسلم يدعو بدعوة ليس فيها إثم ولا قطيعة رحم إلا أعطاه الله بها إحدى ثلاث" فذكره إلى أن قال "وإما أن يصرف عنه من السوء مثلها" قالوا: إذا تكثر قال الله أكثر، قال الجراحي: يعني الله أكثر إجابة. ٢٥٢٣ - وَعَن جَابر بن عبد الله ﵄ عَن النَّبِي ﷺ قَالَ يَدْعُو الله بِالْمُؤمنِ يَوْم الْقِيَامَة حَتَّى يوقفه بَين يَدَيْهِ فَيَقُول عَبدِي إِنِّي أَمرتك أَن تَدعُونِي ووعدتك أَن أستجيب لَك فَهَل كنت تَدعُونِي فَيَقُول نعم يَا رب فَيَقُول أما إِنَّك لم تدعني بدعوة إِلَّا استجبت لَك أَلَيْسَ دعوتني يَوْم كَذَا وَكَذَا لغم نزل بك أَن أفرج عَنْك ففرجت عَنْك فَيَقُول نعم يَا رب فَيَقُول إِنِّي عجلتها لَك فِي الدُّنْيَا وَدَعَوْتنِي يَوْم كَذَا وَكَذَا لغم نزل بك أَن أفرج عَنْك فَلم تَرَ فرجا قَالَ نعم يَا رب فَيَقُول إِنِّي ادخرت لَك بهَا فِي الْجنَّة كَذَا وَكَذَا وَدَعَوْتنِي فِي حَاجَة أقضيها لَك فِي يَوْم كَذَا وَكَذَا فقضيتها فَيَقُول نعم يَا رب فَيَقُول إِنِّي عجلتها لَك فِي الدُّنْيَا وَدَعَوْتنِي يَوْم كَذَا وَكَذَا فِي حَاجَة أقضيها لَك فَلم تَرَ قضاءها فَيَقُول نعم يَا رب فَيَقُول إِنِّي ادخرت لَك بهَا فِي الْجنَّة كَذَا وَكَذَا قَالَ رَسُول الله ﷺ فَلَا يدع الله دَعْوَة دَعَا بهَا عَبده الْمُؤمن إِلَّا بَين لَهُ إِمَّا أَن يكون عجل لَهُ فِي الدُّنْيَا وَإِمَّا أَن يكون ادخر لَهُ فِي الْآخِرَة قَالَ فَيَقُول الْمُؤمن فِي ذَلِك الْمقَام يَا ليته لم يكن عجل لَهُ شَيْء من دُعَائِهِ رَوَاهُ الحَاكِم (١).
следующие страницы →