← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 660

فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب

حسن بن علي الفيومي

Полный текст (10 535 стр.). Показаны 6382–6421 · переход к 6387.

стр. 6382

الشرف والمنزلة فأحب مجالسة الملوك وأبناء الدنيا فأحب أن يشاركهم فيما هم من رخاء عيشهم من منزل بهي ومركب هني وخادم سري ولباس لين وفراش ناعم وطعام شهي وأحب أن يغشي بابه وأن يُسمع قوله ويُطاع أمره فلم يقدر عليه إلا من جهة القضاء فطلبه فلم يمكنه إلا ببذل دينه فتذلل للملوك وأتباعهم فخدمهم بنفسه وأكرمهم بماله وسكت عن قبيح ما ظهر من مناكرهم على أبوابهم وقولهم وفعلهم ثم زين لهم كثيرا من قبيح فعالهم بتأوله الخطأ ليحسن موقعه عندهم فلما فعل هذا مدة طويلة، واستحكم فيه الفساد ولوه القضاء فذبح بغير سكين فصارت له عليه منة عظيمة ووجب عليه شكرهم فألزم نفسه ذلك لئلا يغضبهم عليه فيعزلوه عن القضاء ولم يلتفت إلى غضب مولاه فقطع أموال اليتامي والأرامل والفقراء والمساكين وأمال الوقت والمجاهدين وأهل الشرف بالحرمين وأموالا يعود نفعها على جميع المسلمين فأرضى به الكاتب والحاجب والخادم فأكل الحرام وكثر الداعي عليه بالويل لمن أورثه علمه هذه الأخلاق هذا العلم الذي استعاذ منه النبي ﷺ وأمر أن يستعاذ منه، وهذا العلم الذي قال فيه ﵇: "إن أشد الناس عذابا يوم القيامة لم ينفعه الله بعلمه" وكان ﷺ يقول: "اللهم أعوذ بك من علم لا ينفع ومن قلب لا يخشع ومن نفس لا تشبع ومن دعاء لا يسمع" وكان ﵇ يقول: "اللهم إني أسألك علما نافعا وأعوذ بك من علم لا ينفع" هذا كله من كلام الإمام أبي بكر الآجري ﵀ وكان في أوائل الثلاثمائة ولم يزل الفساد يتزايد على ما ذكره أضعافًا مضاعفة ولا حول ولا قوة إلا بالله، ومن دقيق آفات حب الشرف بطلب

стр. 6383

الولايات والحرص عليها وهو باب غامض لا يعرفه إلا العلماء بالله تعالى العارفون به المحبون له الذين يعادون له من جهال حلقه المزاحمين لربوبيته وإلاهيته مع حقارتهم وسقوط منزلتهم، العرافين كما كان الحسن ﵀ يقول فيهم: وإن طقطقت بهم البغال وهملجت بهم البراذين فإن ذل المعصية في رقابهم أبى الله إلا أن يذل من عصاه، أ. هـ. وكان بعض المتقدمين قاضيا فرأى في منامه كأن قائلا يقول أنت قاض والله قاض فاستيقظ منزعجا وخرج عن القضاء، وكان طائفة من القضاة الورعين يمنعون الناس أن يدعوهم بقاضي القضاة فإن هذا الاسم يشبه ملك الملوك الذي ذم النبي ﷺ التسمية به، وقال لا مالك إلا الله وحاكم الحكام مثله أو أشد ومنهم من كان لا يريد الولاية إلا للاستعانة بها على الدعوى إلى الله وحده، وكان بعض الصالحين يتولى القضاء ويقول: انا أتولاه لأستعين به على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ولهذا كانت الرسل وأتباعهم يصبرون على الأذى في الدعوى إلى الله تعالى ويتحملون في تنفيذ أوامر الله تعالى من الخلق غاية المشقة وهم صابرون بل راضون بذلك فإن المحب ربنا يتلذذ بما يصيبه من الأذى في رضى محبوبه، أ. هـ قاله ابن رجب الحنبلي أيضًا (١). فائدة في شروط القضاء: ومن شرط القاضي أن يكون مجتهدا فلا يولى الجاهل بالأحكام الشرعية، وقال أبو حنيفة يجوز تولية العامي ثم يسأل أهل العلم، وشرط القاضي أن يكون مسلما فلا يجوز تولية الكافر لا على

стр. 6384

المسلمين ولا على الكافرين وأن يكون مكلفا فلا يولى الصبي ولا المجنون لنقصهما وأن يكون حرا فلا يصح ولاية العبد ولا من فيه رق، وأن يكون ذكرا فلا تصح ولاية المرأة وجوزه أبو حنيفة فقال الاصطخري ينقض قضاؤها وخالفه غيره وأن يكون عدلا فلا يولى فاسق بما لا شبهة له فيه، وأن. اللوحة [١٦٦/ أ] يكون سميعًا بصيرًا فلا يولى ضدها وصحح مالك وابن أبي عصرون ولاية الأعمى لأن النبي ﷺ استخلف ابن أم مكتوم على المدينة، والجواب: أنه كان في إمامة الصلاة دون الحكم لكن روى الطبراني في معجمه الكبير أن النبي ﷺ استخلفه على الصلاة وغيرها من أمور المدينة، وقال مالك: خصال القضاء لا تجتمع في أحد فإذا اجتمع في شخص خصلتان رأيت أن يولى العقل والورع فمن شأن ابن آدم أن لا يعلم كل شيء، ومن شأنه أن يعلم ثم يزيده الله علما (١)، أ. هـ قاله في الديباجة. ٣٢٨٣ - وعن بريدة ﵁ عن النبي ﷺ قال القضاة ثلاثة واحد في الجنة واثنان في النار فأما الذي في الجنة فرجل عرف الحق فقضى به ورجل عرف الحق فجار في الحكم فهو في النار ورجل قضى للناس على جهل فهو في النار، رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه (٢).

стр. 6385

قوله: وعن بريدة ﵁[هو بريدة بن الحصيب رضى الله عنه تقدم الكلام عليه]. قوله ﷺ : "القضاة ثلاثة واحد في الجنة واثنان في النار" تحذير من القضاء، والقضاء من المناصب والولايات الدينية وهو فرض كفاية على الناس كالإمامة الكبرى حفظا لحقوقهم وحراسة لأمورهم من الانحلال، وكل ذم أو وعيد ورد فيهما فهو راجع إلى من فرط أو أساء في تصرفاتهما والله أعلم، قاله في شرح الإلمام (١)، فانظر كيف جعل في الجنة من الثلاثة واحد، وإذا صفا لك من زمانك واحد فهو المراد، فأين ذلك الواحد، أما اللذان هما من أهل النار أحدهما ينصب نفسه للقضاء وليس بأهل له لجهله بالعلم فيخلط ويشوب الحلال بالحرام ويبدل فهو في النار لأنه أحل ما حرم الله وحرم ما أحل الله من الفروج والدماء والأموال، أ. هـ. قال العلماء (٢): كل من ليس بأهل للحكم فلا يحل له الحكم وإن حكم فهو آثم ولا ينفذ حكمه سواء وافق أم لا لأن إصابته اتفاقية ليست صادرة عن أصل شرعي فهو عاص في جميع أحكامه سواء وافق الصواب أم لا وهي مردودة كلها ولا يعذر في شيء من ذلك والله أعلم ذكره الشيخ تقي الدين الحصني والقاضي.

стр. 6386

الثاني: هو أهل للقضاء متضلع به لفضله وعلمه ولكنه يحيف ويسقط ولا يبالي في ذات الله فالنار أولى به، والثالث: هو أهل للقضاء والفضل لمكان علمه وفضله وديانته ويعدل في قضاياه وينصف في أحكامه فهو من أهل الجنة انتهى. لطيفة: روينا عن عبد الله بن المبارك أنه كان يتجر ويقول: لولا خمسة ما اتجرت السفيانان وفضيل وابن السماك وابن علية ليصلهم فقدم سنة فقيل له: ولي ابن علية القضاء فلم يأته ولم يصله بشيء فأتى إليه ابن علية فلم يرفع رأسه إليه ثم كتب إليه ابن المبارك: يا جاعل العلم له بازيا ... يصطاد أموال المساكين اختلت للدنيا ولذاتها ... بحيلة تذهب بالدين فصرت مجنونا بها بعدما ... كنت دواء للمجانين أين رواياتك في سردها ... لترك أبواب السلاطين أين رواياتك فيما مضى ... عن ابن فرعون وابن سيرين إن قلت أكرهت فهذا باطل ... ذل حمار العلم في الطين (١) فلما وقف إسماعيل بن علية على الأبيات ذهب إلى الرشيد ولم يزل به إلى أن استعفاه من القضاء فأعفاه، قاله في حياة الحيوان (٢). ٣٢٨٤ - وعن عبد الله بن موهب أن عثمان بن عفان ﵁ قال لابن عمر اذهب فكن قاضيا قال أو تعفيني يا أمير المؤمنين قال اذهب فاقض بين الناس

стр. 6387

قال تعفيني يا أمير المؤمنين قال عزمت عليك إلا ذهبت فقضيت قال لا تعجل سمعت رسول الله ﷺ يقول من عاذ بالله فقد عاذ بمعاذ قال نعم قال فإني أعوذ بالله أن أكون قاضيا قال وما يمنعك وقد كان أبوك يقضي قال لأني سمعت رسول الله ﷺ يقول من كان قاضيا فقضى بالجهل كان من أهل النار ومن كان قاضيا فقضى بالجور كان من أهل النار ومن كان قاضيا فقضى بحق أو بعدل سأل التفلت كفافا فما أرجو منه بعد ذلك رواه أبو يعلى وابن حبان في صحيحه والترمذي باختصار عنهما وقال سمعت رسول الله ﷺ يقول من كان قاضيا فقضى بالعدل فبالحري أن ينفلت منه كفافا فما أرجو بعد ذلك ولم يذكر الآخرين وقال حديث غريب وليس إسناده عندي بمتصل وهو كما قال فإن عبد الله بن موهب لم يسمع من عثمان ﵁ (١).

стр. 6388

قوله: وعن عبد الله. قوله: وعن عبد الله بن موهب (١) [هو الهمداني ويقال الحولانى الشامى ولى قضاء فلسطين لعمر بن عبد العزيز روى عن تميم ولم يدركه وعن معاوية وابن عباس وابن عمر وقبيصة بن ذؤيب وغيرهم وعنه ابنه يزيد والزهرى وأبو إسحاق السبيعى، وعبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز وجماعة وثقه الفسوى وقال لم يلحق تميم وقال يحيى بن حمزة عن ابن أبي غيلان الفلسطيني، قال ابن موهب: ثلاث إذا لم يكن في قاض، فليس بقاض، يسأل وإن كان عالما، ولا يسمع من أحد شكية ليس معه خصمة، ولا يقضي إلا بعد أن يفهما]. قوله: أن عثمان بن عفان ﵁ قال لابن عمر اذهب فكن قاضيا، قال أو تعفيني يا أمير المؤمنين، قال: عزمت عليك إلا ذهبت فقضيت، ومعنى عزمت عليك: أي أمرتك أمرا جازما عزيمة محتمة وأمر ولاة الأمور تجب طاعته في غير معصية (٢)، أ. هـ. وقيل: معنى أعزم عليك أي أقسم عليك (٣). قوله: لا تعجل، سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من عاذ بالله فقد عاذ بمعاذ" قال: نعم، قال: فإني أعوذ بالله أن أكون قاضيًا، يقال: عذت أعوذ عوذًا

стр. 6389

وعياذًا ومعاذًا أي لجأت إليه والمعاذ المصدر والمكان والزمان أي لقد لجأت إلى ملجأ ولذت بملاذ وقد تكرر ذكر التعوذ والاستعاذة وما تصرف منهما والكل بمعنى وبه سميت قل أعوذ برب الفلق وقل أعوذ برب الناس المعوذتين ومنه الحديث، "إنما قالها تعوذًا" أي إنما أقر بالشهادة لاجئا إليها ومعتصما بها ليدفع عنه القتل وليس بمخلص في إسلامه ومنه الحديث أيضًا عائذ بالله من النار أي أنا عائذ ومتعوذ كما يقال مستجير بالله فجعل الفاعل موضع المفعول كقوله: سر كاتم وماء دافق ومن رواه عائذا بالنصب جعل الفاعل موضع المصدر وهو العياذ قاله في النهاية (١) ومعنى الحديث لقد عذت بمكان العياذ وبمن للعائذين أن يعوذوا به وهو الله ، وحقيقة عذت بمعاذ أي لمعاذ وبمعاذ من عاذ به لم يكن لأحد أن يتعرض له كذا في الفائق (٢) قاله في شرح مشارق الأنوار. قوله: وما يمنعك وقد كان أبوك يقضي، ومن كان قاضيا فقضى بحق يقضي، قال: لأني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من كان قاضيا فقضى بالجهل كان من أهل النار" يعني ليس له علم فهو آثم أي اتفق قضاؤه صوابا أو خطئا إذ لا يجوز له أن يقبل ومن كان قاضيا فقضى بالجور كان من أهل النار ومن كان قاضيا فقضى بحق أو بعدل سأل التفلت كفافا فما أرجو منه بعد إذ ومعنى كفافًا أي لا له ولا عليه.

стр. 6390

وقوله في الرواية الأخرى: "ومن كان قاضيا فقضى بالعدل فبالحري أن ينفلت منه كفافا فما أرجو بعد ذلك" ومعنى فبالحري [أي جدير وخليق]. وروي الدينوري في المجالسة عن محمد بن واسع أنه قال: بلغني أن أول من يدعي للحساب يوم القيامة القضاة (١)، وقال عبد الله بن وهب بلغني أن القضاة يحشرون مع السلاطين وأن العلماء يحشرون مع الأنبياء (٢). ٣٢٨٥ - وعن عائشة ﵂ قالت سمعت رسول الله ﷺ يقول ليأتين على القاضي العدل يوم القيامة ساعة يتمنى أنه لم يقض بين اثنين في تمرة قط رواه أحمد وابن حبان في صحيحه ولفظه قالت سمعت رسول الله ﷺ يقول يدعى القاضي العدل يوم القيامة فيلقى من شدة الحساب ما يتمنى أنه لم يقض بين اثنين في عمره قط قال الحافظ كذا في أصل من المسند والصحيح تمرة وعمره وهما متقاربان ولعل أحدهما تصحيف والله أعلم (٣).

стр. 6391

قوله: وعن عائشة ﵂، تقدم الكلام عليها. قوله: "ليأتين على القاضي العدل يوم القيامة ساعة يتمنى أنه لم يقض بين اثنين في تمرة قط" [المقصود من التحذير بيان خطره، وأن من استقضي، فقد حمل على أمر تام الوقع، فإن جار فيه هلك، وإن عدل فاز بخير كثير، وهكذا يكون تبيان الأمور الخطيرة، وأيضا، فإن من الناس من يكره له القضاء، أو يحرم، فليحمل التحذيرات عليها]. ٣٢٨٦ - وعن عوف بن مالك ﵁ أن رسول الله ﷺ قال إن شئتم أنبأتكم عن الإمارة وما هي فناديت بأعلى صوتي وما هي يا رسول الله قال أولها ملامة وثانيها ندامة وثالثها عذاب يوم القيامة إلا من عدل وكيف يعدل مع قريبه رواه البزار والطبراني في الكبير ورواته رواة الصحيح (١). قوله: وعن عوف بن مالك ﵁[هو أبو عبد الرحمن، ويقال: أبو محمد، ويقال: أبو حماد، ويقال: أبو عمرو عوف بن مالك بن أبي عوف الأشجعي الغطفانى. أول مشاهده مع النبي ﷺ خيبر، وشهد معه فتح مكة، وكانت معه

стр. 6392

راية أشجع، نزل الشام، وسكن دمشق، وكانت داره عند سوق الغزل العتيق. روى له عن رسول الله ﷺ سبعة وستون حديثا، روى البخاري منها واحدا ومسلم خمسة. روى عنه أبو أيوب الأنصاري، والمقدام بن معدى كرب، وأبو هريرة. وروى عنه من التابعين جماعات منهم أبو مسلم، وأبو إدريس الخولانيان، وجبير بن نفير، ومسلم ابن قرضة، وشداد أبو عمار، وراشد بن سعد، ويزيد بن الأصم، وسليم بن عامر، وسالم أبو النضر، وأبو بردة بن أبي موسى، وشرح بن عبيدة، وضمرة بن حبيب، وكثير ابن مرة، وخلق سواهم، واتفقوا على أنه توفى بدمشق سنة ثلاث وسبعين في خلافة عبد الملك بن مروان]. قوله ﷺ : "إن شئتم أنبأتكم عن الإمارة"، وما هي؟ الحديث، الإمارة معناها الولاية والسلطنة. قوله: "وكيف يعدل مع قريبه". ٣٢٨٧ - وعن أبي هريرة ﵁ قال شريك لا أدري رفعه أم لا قال الإمارة أولها ندامة وأوسطها غرامة وآخرها عذاب يوم القيامة رواه الطبراني بإسناد حسن (١).

стр. 6393

قوله: وعن أبي هريرة ﵁ تقدم الكلام عليه. قوله: "الإمارة أولها ندامة" تقدم معنى الإمارة في الحديث قبله. ٣٢٨٨ - وعن أبي أمامة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال ما من رجل يلي أمر عشرة فما فوق ذلك إلا أتى الله مغلولا يوم القيامة يده إلى عنقه فكه بره أو أوثقه إثمه أولها ملامة وأوسطها ندامة وآخرها خزي يوم القيامة رواه أحمد ورواته ثقات إلا يزيد بن أبي مالك (١). قوله: وعن أبي أمامة ﵁، تقدم الكلام عليه. قوله: "أولها ملامة وأوسطها ندامة وآخرها خزي يوم القيامة" سيأتي الكلام على هذه الألفاظ في حديث أبي ذر قريبا. ٣٢٨٩ - وروي عن أبي وائل شقيق ابن سامة أن عمر بن الخطاب ﵁ استعمل بشر بن عاصم ﵁ على صدقات هوازن فتخلف بشر فلقيه عمر فقال ما خلفك أما لنا سمعا وطاعة قال بلى ولكن سمعت رسول الله ﷺ يقول من ولي شيئا من أمر المسلمين أتي به يوم القيامة حتى يوقف على جسر جهنم فإن كان محسنا نجا وإن كان مسيئا انخرق به الجسر فهوى فيه سبعين خريفا قال فخرج عمر ﵁ كئيبا محزونا فلقيه أبو ذر فقال ما لي أراك كئيبا

стр. 6394

حزينا فقال ما لي لا أكون كئيبا حزينا وقد سمعت بشر بن عاصم يقول سمعت رسول الله ﷺ يقول من ولي شيئا من أمر المسلمين أتي به يوم القيامة حتى يوقف على جسر جهنم فإن كان محسنا نجا وإن كان مسيئا انخرق به الجسر فهوى فيه سبعين خريفا فقال أبو ذر أو ما سمعته من رسول الله ﷺ قال لا قال أشهد أني سمعت رسول الله ﷺ يقول من ولي أحدا من المسلمين أتي به يوم القيامة حتى يوقف على جسر جهنم فإن كان محسنا نجا وإن كان مسيئا انخرق به الجسر فهوى فيه سبعين خريفا وهي سوداء مظلمة فأي الحديثين أوجع لقلبك قال كلاهما قد أوجع قلبي فمن يأخذها بما فيها فقال أبو ذر من سلت الله أنفه وألصق خده بالأرض أما إنا لا نعلم إلا خيرا وعسى أن وليتها من لا يعدل فيها أن لا تنجو من إثمها رواه الطبراني ويأتي أحاديث نحو هذه في الباب بعده إن شاء الله تعالى سلت أنفه بفتح السين المهملة واللام بعدهما تاء مثناة فوق أي جدعه (١). قوله: وروي عن أبي وائل شقيق ابن سلمة [هو أبو وائل شقيق بن سلمة الأسدى، أسد خزيمة الكوفى التابعى المخضرم، أدرك زمن رسول الله ﷺ

стр. 6395

ولم يره. وروى عن أبي بكر، وسمع عمر، وعثمان، وعليا، وابن مسعود، وعمارا، وحبابا، وحذيفة، وأبا موسى، وأسامة، وابن عمر، وابن عباس، وابن الزبير، وأبا الدرداء، وأبا مسعود البدرى، والبراء، والمغيرة، وجريرا البجلى، وكعب بن عجرة، وأبا هريرة، وعائشة، وأم سلمة، وغيرهم من الصحابة، رضى الله عنهم أجمعين. وسمع خلائق من كبار التابعين. روى عنه الشعبي، وعاصم الأحول، والحكم، والسبيعى، والأعمش، وخلائق غيرهم من التابعين، حكوا عنه أنه قال: بعث النبي ﷺ وأنا ابن عشر سنين أرعى إبلا لأهلى، وقال: أتانا مصدق رسول الله ﷺ . وروى عنه أنه قال: أدركت سبع سنين من سنى الجاهلية. قالوا: وتوفى سنة تسع وتسعين. واتفقوا على توثيقه وجلالته]. قوله: أن عمر بن الخطاب ﵁ استعمل بشر بن عاصم ﵁ على صدقات هوازن، هوازن اسم قبيلة أبو هوازن ابن منصور بن عكرمة بن قيس بن غيلان. قوله: "فهوى فيه سبعين خريفا" الحديث، الهوى وتكرر في الحديث ذكر الخريف والخريف الزمان المعروف في فصول السنة ما بين الصيف والشتاء، ويريد به أربعين سنة لأن الخريف لا يكون في السنة إلا مرة واحدة، فإذا انقضى أربعون خريفًا فقد مضت أربعون سنة والله أعلم. قوله: "فمن يأخذها بما فيها" يعني بذلك الخلافة. قوله: فقال أبو ذر من سلت الله أنفه، بفتح السين واللام بعدهما تاء مثناة فوق أي جدعه، أ. هـ، الجدع بالدال المهملة مقطوع الأنف، وقال الزمخشري: من سلت الله أنفه أي مسح وأصل السلت القطع والقشر فسلت

стр. 6396

القصعة لحسها، وسلتت المرأة خضابها أي أزالته، أ. هـ، ويروي أن عمر بن الخطاب بعث إلى عاصم ليستعمله على الصدقة فأبى، وقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إذا كان يوم القيامة يؤتى بالوالي فيقف على جسر جهنم فيأمر الله تعالى الجسر فينتفض به انتفاضة فيزول كل عظم منه عن مكانه ثم يأمر الله تعالى العظام فترجع إلى مكانها ثم يسله فإن كان مطيعا لله تعالى أخذ بيده وأعطاه كفلين من رحمته وغن كان عاصيا خرق به الجسر فهوى به في جهنم مقدار خمس وسبعين خريفا" فقال عمر ﵁: سمعت من رسول الله ﷺ ما لم أسمع، فقال نعم وكان سلمان وأبو ذر حاضرين فقال سلمان: إني الله يا عمر ومع السبعين سبعون خريفا في واد يلتهب التهابا، فقال عمر ﵁ بيده على جبهته إنا لله وإنا إليه راجعون من يأخذها بما فيها فقال سلمان: من سلت الله أنفه وألصق بالأرض، وروي الحافظ أبو القاسم البغوي في معجمه الصغير بإسناده عن رسول الله ﷺ أنه قال: "ما من أمير إلا يؤتى به يوم القيامة فيوقف على الجسر يعني الصراط فيضطرب الصراط حتى تنخلع أوصاله ثم ترد إلى أماكنها فإن كان عادلا أطلق وإن كان جائرا هوى في جهنم". ٣٢٩٠ - وعن عبد الله يعني ابن مسعود ﵁ قال قال رسول الله ﷺ ما من حاكم يحكم بين الناس إلا جاء يوم القيامة وملك آخذ بقفاه ثم يرفع رأسه إلى السماء فإن قال ألقه ألقاه فهو في مهواة أربعين خريفا رواه ابن ماجه واللفظ له والبزار ويأتي لفظه في الباب بعده إن شاء الله وفي إسنادهما مجالد بن سعيد (١).

стр. 6397

قوله عن عبد الله بن مسعود تقدم الكلام عليه. قوله: "ما من حاكم يحكم بين الناس إلا جاء يوم القيامة وملك آخذ بقفاه ثم يرفع رأسه إلى السماء فإن قال ألقه ألقاه فهو في مهواة أربعين خريفا" المهواة بفتح وسكون الهاء ما بين الجبلين قاله في الصحاح وقال بعضهم: المهواة الحفرة وتقدم معنى الهوى والخريف في الحديث قبله. قوله "وفى إسناده مجالد بن سعيد" [وهو ضعيف]. ٣٢٩١ - وعن عبد الله بن عمرو ﵄ قال جاء حمزة بن عبد المطلب ﵁ إلى رسول الله ﷺ فقال يا رسول الله اجعلني على شيء أعيش به فقال رسول الله ﷺ يا حمزة نفس تحييها أحب إليك أم نفس تميتها قال نفس أحييها قال عليك نفسك رواه أحمد ورواته ثقات إلا ابن لهيعة (١). وعن عبد الله بن عمرو تقدم الكلام عليه. قوله: "قال جاء حمزة بن عبد المطلب ﵁ إلى رسول الله ﷺ فقال يا رسول الله اجعلني على شيء أعيش به".

стр. 6398

حمزة بن عبد المطلب (١) عم رسول الله ﷺ وأخوه من الرضاعة، ويقال له أسد الرحمن وأسد رسول الله ﷺ وكنيته أبو عمارة، كنى بابن له يقال له: عمارة من امرأة من بنى النجار، وقيل: كنيته أبو يعلى، كنى بابنه يعلى، ولم يعقب حمزة، وأمه هالة بنت أهيب بن عبد مناف بن زهرة، وهى بنت عم آمنة بنت وهب أم رسول الله ﷺ ، وهو شقيق صفية بنت عبد المطلب أم الزبير بن العوام، رضى الله عنهم. وكان حمزة أسن من رسول الله ﷺ بسنتين، وقيل: بأربع، وآخى رسول الله ﷺ بينه وبين زيد بن حارثة، أسلم حمزة في السنة الثانية من مبعث رسول الله ﷺ ، وهاجر إلى المدينة، وشهد بدرًا وبارز، وأبلى فيها بلاء عظيما، وقاتل بسيفين. قال أبو الحسن المدائنى: أول لواء عقده رسول الله ﷺ لحمزة بن عبد المطلب حين بعثه في سرية إلى سيف البحر، بكسر السين، من أرض جهينة، وخالفه ابن إسحاق، فقال: أول لواء عقده لعبيدة بن الحارث بن عبد المطلب. استشهد يوم أحد في نصف شوال من السنة الثالثة من الهجرة بعد أن قتل أحدا وثلاثين من الكفار، ودفن عند أحد في موضعه، وقبره مشهور يزار ويتبرك به، وحزن عليه رسول الله ﷺ والصحابة، رضى الله عنهم والله تعالى أعلم. قول حمزة لرسول الله ﷺ اجعلنى على شيء أعيش به فقال له رسول الله ﷺ نفس تحييها أحب إليك أم نفس تميتها وآخر الحديث قال عليك نفسك، وطلب حمزة من رسول الله ﷺ أن يوليه على عمل [أي إمارة فقال: نفس

стр. 6399

تحييها خير من إمارة لا تحصيها، إن الإمارة حسرة وندامة يوم القيامة، فإن استطعت أن لا تكون أميرًا فافعل]. ٣٢٩٢ - وعن المقدام بن معديكرب ﵁ أن رسول الله ﷺ ضرب على منكبيه ثم قال أفلحت يا قديم إن مت ولم تكن أميرا ولا كاتبا ولا عريفا. رواه أبو داود وفي صالح بن يحيى بن المقدام كلام قريب لا يقدح (١). عن المقدام بن معدى كرب بن عمرو بن زيد الكلبى أبو كريمة وقيل أبو يحيى نزل حمص له صحبة ورواية مات سنة سبع وثمانين قال وله أحد وأربعون سنة قاله في شرح الإلمام وتقدم ذكره. قوله: "أن رسول الله ﷺ ضرب على منكبيه ثم قال أفلحت يا قديم إن مت ولم تكن أميرا ولا كاتبا ولا عريفا" الحديثي قديم تصغير المقدام وتقدم الكلام عليه في الزكاة. ٣٢٩٣ - وعن أبي ذر ﵁ قال قلت يا رسول الله ألا تستعملني قال فضرب بيده على منكبي ثم قال يا أبا ذر إنك ضعيف وإنها أمانة وإنها يوم القيامة خزي وندامة إلا من أخذها بحقها وأدى الذي عليه فيها رواه مسلم المنكب مجتمع رأس الكتف والعضد (٢).

стр. 6400

قوله عن أبي ذر تقدم الكلام عليه. قوله: "فضرب بيده على منكبي" المنكب مجتمع [رأس الكتف والعضد قاله المنذري]. قوله: "ثم قال يا أبا ذر إنك ضعيف وإنها أمانة" يعني الولاية وليس المراد ضعيف البدن إذ لا مدخل له في الإمارة ولا ضعيف العلم فإنه حفظ علما جما كما قال عمر ﵁ ولا ضعيف الهمة والتصميم على الحق وإنما المراد الضعيف عن احتمال لجاج الخصومة ولددهم وكان خلقه لا يحتمل ذلك أو عن شديد أهوالها وحربها ونكالها فيما يظهر، وقوله: "إنها أمانة" أي من التي أمنت السموات والأرض عليها ما بين أن يحملنها وأشفقن منها، قوله: "وإنها أمانة وإنها يوم القيامة خزي وندامة" فشهوده عيانى لكل موفق قوله: "إلا من أخذها بحقها" أشد مستوقف عنها لمن فهم. قوله: "إلا من أخذها بحقها" فيها أبلغ مانع وأكف منفر. قاله في "حدائق الأولياء" (١). هذا الحديث أصل عظيم في اجتناب الولايات لا سيما لمن كان فيه ضعف عن القيام بوظائف تلك الولاية وأما الخزي والندامة فهو في حق من لم يكن أهلا لها أو كان أهلا ولم يعدل فيها فيخزيه الله تعالى يوم القيامة ويفضحه ويندم على ما فرط وأما من كان أهلا للولاية وعدل فيها فله فضل عظيم تظاهرت به الأحاديث الصحيحة كحديث سبعة يظلهم الله وحديث عبد الله بن عمرو

стр. 6401

بن العاصى أن المقسطين على منابر من نور وغير ذلك وإجماع المسلمين منعقد عليه ومع هذا فلكثرة الخطر فيها حذره ﷺ منها وكذا حذر العلماء وامتنع منها خلائق من السلف وصبروا على الأذى حين امتنعوا (١). قال في المفهم (٢): ووجه ضعف أبي ذر عن ذلك: أن الغالب عليه كان واحتقار الدنيا، وترك الاحتفال بها. ومن كان هذا حاله لم يغتر بمصالح الدنيا، ولا بأموالها الذين بمراعاتهما تنتظم مصالح الدين، ويتم أمره. وقد كان أبو ذر أفرط في الزهد في الدنيا، حتى انتهى به الحال إلى أن يفتي بتحريم الجمع للمال وإن أخرجت زكاته، وكان يرى: أنه الكنز الذي توعد الله عليه بكي الوجوه والجنوب والظهور. فلذلك نصحه ﵇، ونهاه عن الإمارة، وعن ولاية مال الأيتام، وأكد النصيحة بقوله: "وإني أحب لك ما أحب لنفسي"، وغلظ الوعيد لمن لم يقم بحقها بأن قال: "وإنها خزي وندامة". ٣٢٩٤ - وعنه أن النبي ﷺ قال له يا أبا ذر إني أراك ضعيفا وإني أحب لك ما أحب لنفسي لا تؤمرن على اثنين ولا تلين مال يتيم رواه مسلم وأبو داود والحاكم وقال صحيح على شرطهما (٣).

стр. 6402

قوله: وعنه تقدم الكلام عليه. قوله: "يا أبا ذر إني أراك ضعيفا وإني أحب لك ما أحب لنفسي لا تؤمرن على اثنين ولا تلين مال يتيم" ولا أبلغ في النهى عن الولاية من ذلك وذمها. أ. هـ. ذكره في الحدائق. وإنما نهاه عن ذلك لما رآه من ضعفه وهو ﷺ يحب هذا لكل ضعيف، وإنما كان يتولى أمور الناس، لأن الله قواه على ذلك، وأمره بدعاء الخلق كلهم إلى طاعته، وأن يتولى سياسة دينهم ودنياهم. ذكره ابن رجب الحنبلى (١). ٣٢٩٥ - وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال إنكم ستحرصون على الإمارة وستكون ندامة يوم القيامة فنعمت المرضعة وبئست الفاطمة رواه البخاري والنسائي (٢). قوله: وعن أبي هريرة تقدم الكلام عليه. قوله: "إنكم ستحرصون على الإمارة" تقدم الكلام على الإمارة وأنها الولاية. قوله: "وستكون ندامة يوم القيامة" أي في حق من لم يكن لها أهلا أو كان أهلا ولم يعدل فيها فيخزيه الله ويندم على ما فرط كما تقدم. قوله: "فنعمت المرضعة وبئست الفاطمة" الفطم قطع الصبى عن الرضاع

стр. 6403

وأمه فاطمة له ومنه اشتقت فاطمة وبئست الفاطمة استعارة للعزل؛ لأنه قطع لاستدرار فوائد الإمارة ولذتها (١). وضرب النبي ﷺ المرضعة مثلا لإمارة وما يصل إلى الرجل فيها من المنافع واللذات، وضرب النبي ﷺ الفاطمة مثلا للموت الذي يهدم عليه تلك اللذات ويقطع منافعها عنه وتبقي الحسرة والتبعة والله أعلم (٢). فنعمت المرضعة يعني أول الإمارة. ٣٢٩٦ - وعن أبي هريرة أيضًا ﵁ أن رسول الله ﷺ قال ويل للأمراء ويل للعرفاء ويل للأمناء ليتمنين أقوام يوم القيامة أن ذوائبهم معلقة بالثريا يدلون بين السماء والأرض وإنهم لم يلوا عملا رواه ابن حبان في صحيحه والحاكم واللفظ له وقال صحيح الإسناد (٣). ٣٢٩٧ - وفي رواية له وصحح إسنادها أيضًا قال سمعت رسول الله ﷺ يقول ليوشكن رجل أن يتمنى أنه خر من الثريا ولم يل من أمر الناس شيئا (٤).

стр. 6404

قال الحافظ وقد وقع في الإملاء المتقدم باب فيما يتعلق بالعمال والعرفاء والمكاسين والعشارين في كتاب الزكاة أغنى عن إعادته هنا. قوله: عن أبي هريرة تقدم الكلام عليه. قوله: "ويل للأمراء ويل للعرفاء ويل للأمناء" الحديث ويل اسم واد في جهنم وقيل اسم حجر فيها، والعرفاء جمع عريف والعريف هو القيم بأمر القبيلة والمحلة يعرف أمرهم وتقدم الكلام على ذلك في كتاب الزكاة. قوله: "ليتمنين أقوام يوم القيامة أن ذوائبهم معلقة بالثريا يدلون بين السماء والأرض وإنهم لم يلوا عملا" الحديث يدلون أي يحركون. ٣٢٩٨ - وعن عبد الرحمن بن سمرة ﵁ قال قال لي رسول الله ﷺ يا عبد الرحمن بن سمرة لا تسأل الإمارة فإنك إن أعطيتها من غير مسألة أعنت عليها وإن أعطيتها عن مسألة وكلت إليها الحديث رواه البخاري ومسلم (١). قوله: وعن عبد الرحمن بن سمرة الصحابى (٢) كنيته: أبو سعيد عبد الرحمن بن سمرة بن حبيب بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصى، هكذا نسبه ابن الكلبى، وأبو عبيد، وابن معين، والبخاري، وهو قرشى عبشمى، المكي ثم البصري.

стр. 6405

أسلم يوم الفتح، وصحب النبي ﷺ ، كان اسمه عبد الكعبة، وقيل: عبد كلال، فسماه رسول الله ﷺ عبد الرحمن، سكن البصرة، وغزا خراسان في زمن عثمان، وفتح سجستان، وكابل، وفتح سجستان سنة ثلاث وثلاثين. روى له عن رسول الله ﷺ أربعة عشر حديثا، اتفقا على حديث، وانفرد مسلم بحديثين. وليس لعبد الرحمن بن سمرة سوى حديث واحد في أبواب الكفارات في باب الحلف بغير الله. توفى سنة خمسين، وقيل: سنة إحدى وخمسين بالبصرة، وقيل: بمرو، وأنه أول من دفن بمرو من أصحاب رسول الله ﷺ ، والصحيح الأول، وكان رضى الله عنه متواضعا، فإذا وقع المطر لبس برنسا، وأخذ المسحاة، وكنس الطريق، ومناقبه كثيرة مشهورة. قوله: "قال لي رسول الله ﷺ يا عبد الرحمن بن سمرة لا تسأل الإمارة" الإمارة بكسر الهمزة وبفتحها العلامة وقيل إمرة بكسر الهمزة وسكون الميم وأما الأمرة بالفتح فهى المرة الواحدة من الأمر وأمر فلان بكسر الميم وضمها صار أميرا (١). قال النووي: قال الزجاج في تفسيره (٢): كل ما اشتمل عليك أو اشتملت عليه فإنه يكون بالكسر مثل ما اشتمل عليك كالعمامة والعصابة واللفافة ومثال الثاني الولاية والإمارة والسعاية وكذلك الإمرة. والمسئلة السؤال ونهى أن يسأل الإنسان الإمارة وما في معناها. قوله: "فإنك إن أعطيتها من غير مسألة أعنت عليها وإن أعطيتها عن مسألة وكلت إليها" هكذا هو في أكثر النسخ وكلت إليها وفي بعضها أكلت إليها

стр. 6406

بالهمزة ومعنى وكلت إليها تركت إلى الإمارة غير معان عليها أي لا يكون قبله كفاية يقال وكله إلى نفسه وكلا ووكولا (١)، وقال بعضهم (٢): أي أسلمت إليها ولم يكن معك إعانة بخلاف ما إذا حصلت بغير مسألة. والمسئلة السؤال ونهى أن يسأل الإنسان الإمارة وما في معناها. وفى الصحيحين عن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: دخلت على النبي ﷺ أنا ورجلان من بني عمي، فقال أحدهما: يا رسول الله أمرنا على بعض ما ولاك الله، ، وقال الآخر مثل ذلك، فقال: "إنا والله لا نولي هذا العمل أحدا سأله، أو أحدا حرص عليه" (٣). قال العلماء: والحكمة في أنه لا يولى من سأل الولاية أنه يوكل إليها ولا تكون معه من الله إعانة كما صرح به في حديث عبد الرحمن بن سمرة السابق وإذا لم تكن معه إعانة لم يكن كفئا ولا يولى غير الكفء ولأن فيه تهمة للطالب والحريص أ. هـ (٤). وفي هذا الحديث فوائد منها: كراهة سؤال الولاية سواء ولاية الإمارة والقضاء والحسبة وغير ذلك من المناصب (٥).

стр. 6407

قال القرطبي (١): بين الحديث التحذير من الدخول في الولايات، ومنها: بيان أن من سأل الولاية لا يكون معه إعانة من الله تعالى فلا يكون فيه كفاية لذلك العمل فينبغي أن لا يولى، ولهذا قال ﷺ : "لا نولى على عملنا من طلبه أو حرص عليه" كما تقدم. وحكى النووي عن بعض العلماء أنه لا تصح توليته إذا سأل الولاية (٢)، قال بعض السلف: ما حرص أحد على ولاية فعدل فيها، وكان يزيد بن عبد الله بن موهب من قضاة العدل والصالحين، وكان يقول: من أحب المال والشرف وخاف الدوائر لم يعدل، واعلم أن الحرص على الشرف بطلب الولايات يستلزم ضررًا عظيما قبل وقوعه في السعي في أسبابه وبعد وقوعه بالخطر العظيم الذي يقع فيه صاحب الولاية من الظلم والتكبر وغير ذلك من المفاسد، أ. هـ، قاله ابن رجب (٣). واعلم أن ظاهر الحديث كراهة سؤال الولاية وينبغي أن يستثني من ذلك من استحب له الطلب إما لنشر العلم أو لاحتياجه إلى الرزق أو لتعين الطلب عليه بأن كان لا يصلح للقضاء غيره، وقد قسم الفقهاء السؤال إلى خمسة أقسام فقالوا: من اجتمعت فيه شروط الولاية تعين عليه قبولها إن عرضت عليه وطلبها إن لم تعرض عليه لأنه فرض كفاية لا يتأدى إلا به وكذا إن كان

стр. 6408

أفضل من غيره ومنعنا ولاية المفضول مع وجود الأفضل فإن كان غيره أفضل منه ولم يمنع تولية المفضول مع وجود الأفضل فها هنا يكره له، وقال بعضهم: يحرم ويكره للإمام أن يوليه وقال: إن ولاه انعقدت ولايته، قال ابن الفاكهاني: وقد استخطئ فيما قال ومن الفقهاء من أطلق القول بكراهة القضاء لأحاديث وردت والله أعلم، قاله في شرح الإلمام (١). تتمة: قال في الإحياء (٢): الإمارة والخلافة من أعظم العبادات ولم يزل المتقون يحترزون منها ويتركونها ويهربون من تقلدها وذلك لما فيها من عظيم الخطر إذ بسببها يغلب على النفس حب الجاه ولذة الاستيلاء ونفاد الأمر وهو من أعظم ملاذ الدنيا وإذا صارت الولاية محبوبة صار الوالي ساعيا في حظ نفسه ويوشك أن يتبع هواه وعند ذلك يهلك، أ. هـ. وقال أبو بكر بن أبي داود (٣): كان المستعين بالله بعث إلى نصر بن علي يشخصه للقضاء فدعاه عبد الملك أمير البصرة وأمره بذلك فقال ارجع فاستخير الله فرجع إلى بيته فصلى ركعتين وقال: اللهم إن كان لي عندك خير فاقبضني إليه ونام فنبهوه فإذا هو ميت ﵀، وذلك في شهر ربيع الآخر سنة خمسين ومائتين، أ. هـ.

стр. 6409

٣٢٩٩ - وعن أنس ﵁ عن النبي ﷺ قال من ابتغى القضاء وسأل فيه شفعاء وكل إلى نفسه ومن أكره عليه أنزل الله عليه ملكا يسدده رواه أبو داود والترمذي واللفظ له وقال حديث حسن غريب وابن ماجه ولفظه وهو رواية الترمذي قال رسول الله ﷺ من سأل القضاء وكل إلى نفسه ومن أجبر عليه ينزل عليه ملك فيسدده ترغيب من ولي شيئا من أمور المسلمين في العدل إماما كان أو غيره وترهيبه أن يشق على رعيته أو يجور أو يغشهم أو يحتجب عنهم أو يغلق بابه دون حوائجهم (١). قوله: وعن أنس ﵁، تقدم الكلام عليه. قوله ﷺ : "من ابتغى القضاء وسأل فيه شفعاء وكل إلى نفسه" تقدم معنى ذلك، [في حديث] عبد الرحمن: وكلت إليها الصواب بالواو أي أسلمت

стр. 6410

إليها ولم يكن معك إعانة بخلاف ما إذا حصلت بغير مسألة [فإنه لا يعان بسبب طلبه]. قوله ﷺ : "ومن أكره عليه أنزل الله عليه ملكا يسدده" معناه: يوفقه لذلك وروى الحديث عنه ﷺ أنه قال إذا جلس القاضي للحكم بعث الله ملكان يسددانه فإن عدل أقاما وإن جار عرجا وتركاه (١). والله أعلم.

стр. 6411

[ترغيب من ولي شيئا من أمور المسلمين في العدل إماما كان أو غيره وترهيبه أن يشق على رعيته أو يجور أو يغشهم أو يحتجب عنهم أو يغلق بابه دون حوائجهم] ٣٣٠٠ - عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله إمام عادل وشاب نشأ في عبادة الله ورجل قلبه معلق بالمساجد ورجلان تحابا في الله اجتمعا عليه وتفرقا عليه ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال إني أخاف الله ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه ورجل ذكر الله خاليا ففاضت عيناه رواه البخاري ومسلم (١). قوله: عن أبي هريرة ﵁، تقدم الكلام عليه. قوله ﷺ : "سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله" إلى آخره، المراد بظل الله تعالى ظل العرش كما جاء مبينا في حديث آخر (٢)، وفى الحديث في أهوال القيامة فلا يبقى إلى ظل العرش ثم إن الظاهر حقيقة الظل، وذهب ابن دينار إلى حمل الظل ها هنا على الظل المجازى (٣)، والمراد به أن هؤلاء

стр. 6412

السبعة في كنف الله تعالى وحفظه ورعايته كما يقال فلان في ظل فلان أي في كنفه وحمايته فإن الشمس وغيرها يوم القيامة تحت ظل العرش فلا خصوصية لهؤلاء السبعة بالظل الحقيقي (١). قوله: "إمام عادل" المراد بالإمام العادل السلطان، ويلتحق به نوابه من الحكام ومن في معناهم، أ. هـ. قال في حدائق الأولياء (٢): وإذا أظل الله تعالى الإمام العادل في ظله فأي مضرة أو ذلة تناله. قوله ﷺ : "وشاب نشأ في عبادة الله تعالى" [نشأ بمعنى نبت وابتدأ أي لم تكن له صبوة وهذا الذي قال فيه في الحديث الآخر "يعجب ربك من صبي ليست له صبوة" وإنما كان كذلك لغلبة التقوى التي بسببها ارتفعت الصبوة]. قوله ﷺ : "ورجل قلبه معلق بالمساجد" [أي محب المكوث فيها للصلاة والذكر وقراءة القرآن وهذا إنما يكون ممن استغرقه حب الصلاة والمحافظة عليها وشغف بها وقال النووي: معناه شديد الحب لها والملازمة للجماعة فيها وليس معناه دوام القعود فيها. قلت: فكيف من أحب المسجد الحرام وتعلق قلبه به؟]. قوله: "ورجلان تحابا في الله" فيه الحث على التحاب في الله تعالى، قال بعض السلف: أوثق عرى الإيمان الحب في الله والبغض في الله ، ويروى أن الله تعالى أوحى إلى داود ﵊: زهدت في الدنيا فاسترحت وانقطعت إليَّ فتعززت فهل واليت لي واليا أو حاربت لي عدوا.

стр. 6413

قوله ﷺ : "ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال إني أخاف الله تعالى" المنصب والنصاب لغة الأصل، قال السموأل بن عادياء اليهودي: ونحن كماء المزن في نصابنا ... كهام ولا فينا يعد بخيل أراد بقوله "ما في نصابنا" أي: ما في أصلنا، والظاهر أن المراد بهذه المرأة الطالبة للزنى بها، وقال بعض العلماء: يحتمل أن يراد بها الطالبة للتزويج ويكون قوله إني أخاف الله راجعًا إلى الخوف من عدم القيام بالواجب من مؤن النكاح والله أعلم (١). قوله ﷺ : "ورجل تصدق بصدقة فأخفاها" هذه صدقة التطوع في قول ابن عباس وأكثر العلماء وهو حض على الإخلاص في الأعمال والتستر بها ويستوي في ذلك جميع أعمال البر التطوعية فأما الفرائض فالأولى إشاعتها وإظهارها لتتحفظ قواعد الدين ويجتمع الناس على العمل بها فلا يضيع منها شيء، ويظهر بإظهارها جمال دين الإسلام وتعلم حدوده وأحكامه والإخلاص واجب في جميع القرب، والرياء مفسد لها. قوله: "حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه" هذا مبالغة في إخفاء الصدقة، وقد سمعنا من بعض المشايخ أن ذلك أن يتصدق على الضعيف في صورة المشتري منه فيدفع له جرهما مثلا في شيء يساوي نصف درهم فالصورة مبايعة والحقيقة صدقة وهو اعتبار حسن (٢) وتقدم ذكر هذا الكلام في صدقة السر.

стр. 6414

قوله: "ورجل ذكر الله خاليًا" فيه الحث على البكاء من خشية الله، وقد جاء في الحديث أن الله حرم على عينين على النار عين بكت من خشية الله وعين باتت تحرس في سبيل الله، وفي الأثر: لو أن رجلا بكى في أمة من الأمم لرحم الله ببكائه تلك الأمة، وقد اشتهر أن آدم ﷺ بكى بعد نزوله يعني من الجنة ثلاثمائة عام وأن داود ﷺ بكى حتى نبت المرعى من دموعه وأن يحيى ﷺ بكى حتى أخدَّ الدمع في وجهه أخدودًا، ذكر جميع تفسير هذا الحديث ابن عقيل الحنبلي في شرح الأحكام. ٣٣٠١ - وعنه ﵁ قال قال رسول الله ﷺ ثلاثة لا ترد دعوتهم الصائم حتى يفطر والإمام العادل ودعوة المظلوم يرفعها الله فوق الغمام ويفتح لها أبواب السماء ويقول الرب وعزتي لأنصرنك ولو بعد حين رواه أحمد في حديث والترمذي وحسنه وابن ماجه وابن خزيمة وابن حبان في صحيحيهما (١).

стр. 6415

قوله: وعنه ﵁ تقدم الكلام عليه. قوله ﷺ : "ثلاثة لا ترد دعوتهم: الصائم حتى يفطر، والإمام العادل، ودعوة المظلوم" تقدم الكلام على ذلك في الصوم. ٣٣٠٢ - وعن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال قال رسول الله ﷺ إن المقسطين عند الله على منابر من نور عن يمين الرحمن وكلتا يديه يمين الذين يعدلون في حكمهم وأهليهم وما ولوا رواه مسلم والنسائي (١). قوله: وعن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄، تقدم الكلام عليه. قوله ﷺ : "إن المقسطين عند الله على منابر من نور" الحديث. قوله: "على منابر من نور" [المنابر جمع منبر سمي به لارتفاعه قال القاضي يحتمل أن يكونوا على منابر حقيقة على ظاهر الحديث ويحتمل أن يكون كناية عن المنازل الرفيعة قلت الظاهر الأول ويكون متضمنا للمنازل الرفيعة فهم على منابر حقيقة ومنازلهم رفيعة (٢)]، وتقدم الكلام عليه في كتاب النكاح في العدل بين الزوجات.

стр. 6416

٣٣٠٣ - وعن عياض بن حمار ﵁ قال سمعت رسول الله ﷺ يقول أهل الجنة ثلاثة ذو سلطان مقسط موفق ورجل رحيم رقيق القلب لكل ذي قربى مسلم وعفيف متعفف ذو عيال رواه مسلم المقسط العادل (١). قوله: وعن عياض بن حِمار ﵁، بكسر الحاء المهملة وبالراء المجاشعي التميمي الدارمي، عداده في أهل البصرة، وأسلم روى عنه الحسن البصري ومطرف بن الشخير، وكان حليفا لأبي سفيان بن حرب وأهدى للنبي ﷺ فردها عليه ثم أسلم قاله في شرح الإلمام. قوله ﷺ : "أهل الجنة ثلاثة ذو سلطان مقسط موفق" الحديث، مقسط وما بعده مرفوع على أنه صفات لذو، وهي بمعنى صاحبن قال الحافظ: المقسط العادل (٢)، أ. هـ، وقال ابن الأثير (٣): المقسط من أسماء الله تعالى وهو العادل يقال: أقسط يقسط فهو مقسط إذا عدل وقسط يقسط فهو قاسط إذا جار فكأن الهمزة في أقسط للسلب كما يقال شكي إليه فأشكاه. قوله: "موفق" الموفق: المسدد لفعل الخيرات (٤). وقال ابن الأثير (٥): موفق أي هيئ له أسباب الخير وفتح له أبواب البر، أ. هـ.

стр. 6417

قوله ﷺ : "ورجل رحيم رقيق القلب لكل ذي قربى مسلم" الحديث، ورقيق القلب أي في قلبه رقة وشفقة لينه عند التذكرة والموعظة، ويصح أن يكون بمعنى الشقيق (١) انتهى. قوله ﷺ : "وعفيف متعفف ذو عيال" ذو بمعنى صاحب أي عفيف عما لا يحل له متعفف عن السؤال أي كاف عن الحرام مجتنب عن السؤال من الناس متحاش عنه متوكل على الله تعالى في أموره ويجوز أن يشير بالأول إلى ما في نفسه من القوة المانعة من الفواحش وبالثاني إلى إبراز ذلك بالفعل ذكره ابن الأثير (٢). ٣٣٠٤ - وعن ابن عباس ﵄ قال قال رسول الله ﷺ يوم من إمام عادل أفضل من عبادة ستين سنة وحد يقام في الأرض بحقه أزكى فيها من مطر أربعين صباحا رواه الطبراني في الكبير والأوسط وإسناد الكبير حسن (٣).

стр. 6418

قوله: وعن ابن عباس ﵄، تقدم الكلام عليه. قوله ﷺ : "حد يقام في الأرض بحقه أزكى فيها من مطر أربعين صباحا" الحديث. فائدة: في قوله "أربعين صباحا" والحكمة فيه والله أعلم أن مطر أربعين صباحا يروي الأرض فتنبت ما به تقوم أبدان أهل الأرض ويدوم غناهم عن أن يمطروا إلى العام الآخر فكذا إذا أقيم الحد ارتدع به من كان يرتكب المعاصي وامتنع عنها فتمطر أرض قلبه حتى تروى فتنبت الطاعة التي هي قوت القلوب وتحيى بها قال الله تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ (١) أ. هـ. ٣٣٠٥ - وروي عن أبي هريرة ﵁ قال قال رسول الله ﷺ يا أبا هريرة عدل ساعة أفضل من عبادة ستين سنة قيام ليلها وصيام نهارها ويا أبا هريرة جور ساعة في حكم أشد وأعظم عند الله من معاصي ستين سنة وفي رواية عدل يوم واحد أفضل من عبادة ستين سنة رواه الأصبهاني (٢). قوله: وروي عن أبي هريرة ﵁، تقدم الكلام عليه. قوله ﷺ : "عدل ساعة أفضل من عبادة ستين سنة قيام ليلها وصيام نهارها" الحديث، وروى الإمام أحمد في الزهد عن مالك بن دينار قال: لما

стр. 6419

استعمل عمر بن عبد العزيز على الناس يعني ولي الخلافة قال رعاء الشاء من هذا العبد الصالح الذي حام على الناس قيل لهم وما أعلمكم بذلك قالوا إذا ولي على الناس خليفة عدل كفت الذئاب والأسد عن شياهنا قاله في حياة الحيوان (١). وسئل محمد بن علي بن الحسين عن عمر بن عبد العزيز فقال أما علمت أن لكل قوم نجيبا وأن نجيب بني أمية عمر بن عبد العزيز وأنه يبعث يوم القيامة أمة وحده (٢). وأنه من حين ولي الخلافة ما اغتسل من جنابة ولا احتلام منذ استخلفه الله ، ولما أفضت إليه الخلافة سمعوا في منزله بكاء عاليا فسألوا عن البكاء فقالوا إن عمر خير جواريه فقال قد نزل بي أمر قد شغلني عنكن فمن أحب أن أعتقه عتقته ومن أحب أن لا يكون مني إليها شيء فبكين أناسا منهن وخير امرأته بين أن تقيم في منزلها وأعلمه أنه قد شغل عن النساء بما في عنقه (يعني من الخلافة) وبين أن تلحق بمنزل أبيها فبكت وبكى الجوار لبكائها وكانت امرأته [فاطمة بنت عبد الملك] تقول قد يكون من الرجال من هو أكثر صلاة وصياما من عمر ولكن لم أر أحدا من الناس كان أشد خوفا من الله من عمر (٣).

стр. 6420

ولما ولي عمر بن الخطاب الخلافة [خرج يعس] بالمدينة [إذ أعيا فاتكأ على جانب جدار في جوف الليل فإذا امرأة] تقول لابنتها قومي إلى اللبن فامذقيه بالماء فقال ابنتها: إن عمر أمر مناديا فندى لا يشاب لبن بماء فقالت لها أمها فإنك بموضع لا يراك عمر ولا منادي عمر فقالت الجارية لأمها يا أماه ما كنت لأطيعه في الملأ وأعصيه في الخلاء وعمر يسمع ذلك جميعه فقال عمر: يا أسلم يعني الذي كان معه حين مر على الباب علِّم الباب، واعرف الموضع فلما أصبح قال لأسلم امض إلى الموضع وانظر من القائلة ومن المقول لها وهل لها من بعل قال أسلم فأتيت الموضع فنظرت فإذا الجارية أيم لا بعل لها وإذا القائلة لها أمها وإذا [ليس] لها رجل فأتيت عمر فأعلمته فدعا عمر ولده فجمعهم ثم قال أفيكم من يحتاج إلى امرأة أزوجه ولو كان بابيكم حركة إلى النساء ما سبقه منكم أحد إلى هذه الجارية فقال عبد الله بن عمر لي زوجة وقال عبيد الله أخوه لي زوجة وقال عاصم أخوهما يا أبت لا زوجة لي فزوجني فبعث إلى الجارية فزوجها من عاصم فولدت لعاصم بنتا وولدت البنت بنتا فولدت الابنة عمر بن عبد العزيز (١) قاله في مجمع الأحباب، مختصر. فائدة: ما الحكمة في قوله: "ستين سنة" والحكمة فيه والله أعلم في التحديد بستين سنة أن غالب عيش الأمة ما بين الستين والسبعين ويؤيد ذلك قوله ﷺ : "أعمار أمتي ما بين الستين إلى السبعين وأقلهم من يجوز

стр. 6421

ذلك" رواه البخاري (١)، فكأنه قال: عدل ساعة يعدل عبادة العمر والله أعلم. ٣٣٠٦ - وعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال قال رسول الله ﷺ أحب الناس إلى الله يوم القيامة وأدناهم منه مجلسا إمام عادل وأبغض الناس إلى الله تعالى وأبعدهم منه مجلسا إمام جائر رواه الترمذي والطبراني في الأوسط مختصرا إلا أنه قال أشد الناس عذابا يوم القيامة إمام جائر وقال الترمذي حديث حسن غريب (٢).
следующие страницы →