← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 660

فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب

حسن بن علي الفيومي

Полный текст (10 535 стр.). Показаны 6347–6386 · переход к 6352.

стр. 6347

أبو الشيخ في كتاب الثواب من حديث جابر بلفظ: "أمن من الفقر والبرص والجذام وصرف عن ولده الحمق" وله من حديث الحجاج بن علاط: "اعطي سعة ورقي الحمق في ولده وولد ولده"، والتقاط الفتات مهر الحور العين، وليشكر الله تعالى بقلبه على ما أطعمه فيرى الطعام نعمة منه قال الله تعالى: ﴿كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ﴾ (١) ومهما أكل حلالا قال: الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات وتنزل البركات اللهم أطعمنا طيبا واستعملنا صالحا، وإن أكل شبهة فليقل: الحمد لله على كل حال اللهم لا تجعله قوة لنا على معصيتك، ويقرأ بعد الطعام: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾، و ﴿لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ﴾، ولا يقوم عن المائدة حتى ترفع أولًا، فإن أكل طعام الغير فليدع له وليقل: اللهم أكثر خيره وبارك له فيما رزقته وشر له أن يفعل فيه خيرا وقنعه بما أعطيته واجعلنا وإياه من الشاكرين، وإن أفطر عند قوم فليقل: أفطر عندكم الصائمون وأكل طعامكم الأبرار وصلت عليكم الملائكة، وليكثر الاستغفار والحزن على ما أكل من شبهة ليطفيء [بدموعه] ندمه وحزنه حر النار التي تعرض لها لقوله ﷺ : "كل لحم نبت من حرام فالنار أولى به" رواه البيهقي في الشعب من حديث كعب بن عجرة بلفظ: "سحت" وهو عند الترمذي وحسنه قاله في الديباجة. خاتمة: قال أبو الليث السمرقندي في كتابه البستان (٢): أربع خصال في الطعام فريضة وأربع سنة وأربع أدب واثنان دواء واثنان مكروه، فأما الأربع

стр. 6348

التي هي فريضة، فالأولى: أن لا يأكل إلا من الحلال، الثانية: أن يعلم أنه من الله، الثالثة: أن يكون راضيا به، الرابعة: أن لا يعصي الله تعالى ما دام قوة الطعام فيه، وأما الأربع التي هي سنة، الأولى: أن يسمي الله تعالى في الابتداء، الثانية: أن يحمده في الانتهاء، الثالثة: أن يغسل يده قبل الأكل وبعده، والرابع يثني رجله اليسرى وينصب اليمنى عند الجلوس للأكل، وأما الأربعة التي هي أدب أولها أن يأكل مما يليه، الثاني: أن يصغر اللقمة، الثالث: أن يمضغ مضغا ناعما، الرابع: أن لا ينظر إلى لقمة غيره، وأما اللذان فيهما دواء أحدهما أن يأكل ما يسقط من المائدة، الثاني أن يلعق القصعة، وأما اللذان هما مكروه ونهي عنهما أن لا يشم الطعام ولا ينفخ فيه فيتركه حتى يبرد، أهـ.

стр. 6349

[الترغيب في حمد الله تعالى بعد الأكل] ٣٢٧٠ - عَن معَاذ بن أنس ﵁ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ من أكل طَعَاما ثمَّ قَالَ الْحَمد لله الَّذِي أَطْعمنِي هَذَا الطَّعَام ورزقنيه من غير حول مني وَلَا قُوَّة غفر لَهُ مَا تقدم من ذَنبه رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَابْن مَاجَه وَالتِّرْمِذِيّ وَقَالَ حَدِيث حسن غَرِيب قَالَ الْحَافِظ رَوَوْهُ كلهم من طَرِيق عبد الرَّحِيم أبي مَرْحُوم عَن سهل بن معَاذ وَيَأْتِي الْكَلَام عَلَيْهِمَا (١). قوله: عن معاذ بن أنس ﵁ تقدم. قوله ﷺ : "من أكل طعاما ثم قال الحمد لله الذي أطعمني هذا الطعام ورزقنيه من غير حول مني ولا قوة غفر له ما تقدم من ذنبه" المراد بذلك دون الكبائر، فإن الكبائر لا تغفر إلا بالتوبة أو بعفو الله سبحانه وتعالي، وتقدم له نظائر في الصلاة، وفي الوضوء والله أعلم. وتقدم في باب من لبس ثوبا جديدا فقال الحمد لله الذي كساني هذا ورزقنيه

стр. 6350

من غير حول مني ولا قوة غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، وهو كذلك في كتاب سلاح المؤمن (١) أيضًا أتى في لفظ: "وما تأخر" في اللبس، ولم يأت في الأكل، وكأنه والله أعلم لدوام نفع اللبس بخلاف الطعام فإنه سريع الاستخلاف لكن ظاهر هذا الحديث أنه كلما لبس ثوبا قاله سواء كان الثوب جديدا أو معتاد اللبس، وهذا فيه بشرى عظيمة لقائل ذلك، أ. هـ قاله في الديباجة. ٣٢٧١ - وَعَن أنس بن مَالك ﵁ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ إِن الله ليرضى عَن العَبْد أَن يَأْكُل الْأكلَة فيحمده عَلَيْهَا وَيشْرب الشربة فيحمده عَلَيْهَا رَوَاهُ مُسلم وَالنَّسَائِيّ وَالتِّرْمِذِيّ وَحسنه الْأكلَة بِفَتْح الْهمزَة الْمرة الْوَاحِدَة من الْأكل وَقيل بِضَم الْهمزَة وَهِي اللُّقْمَة (٢). قوله: وعن أنس بن مالك ﵁ تقدم. قوله ﷺ : "إن الله ليرضى عن العبد أن يأكل الأكلة فيحمده عليها ويشرب الشربة فيحمده عليها" قال الحافظ: الأكلة بفتح الهمزة المرة الواحدة من الأكل، وقيل: بضم الهمزة وهي اللقمة، أ. هـ، وقال غيره هي الغدوة أو العشي، ويحتمل هنا الوجهان الفتح الضم ورجح بعضهم هنا الفتح وقال

стр. 6351

عياض (١): بعد حكاية الوجهين الضم اللقمة وبالفتح الأكل [والأوجه] هنا الضم، قال أبو عبيد: والأكلة بال [ضم] وبالكسر [الغيبة] والأكلة بالهمز وبالكسر الهيئة، أ. هـ، يقال: إنه [أكل] أكلة وإكلة، قال العلماء: من السنة أن يحمد الله تعالى إذا فرغ من الطعام ولا يرفع صوته بالجهر إلا أن يكون جلساؤه قد فرغوا من الأكل لأن في رفع الصوت منعا لهم من الأكل فيشرع ذكر الله تعالى على الأكل والشرب في الطعام فإن المشروع في الأكمل والشرب أن يسمي الله تعالى في أوله ويحمده في آخره لهذا الحديث المذكور وهو حديث أنس، وقد روى أن من سمى الله على أول طعامه وحمد الله على آخره فقد أدى ثمنه ولم يسأل بعد عن شكره ذكره ابن رجب (٢). تنبيه: فإن نوى بأكله وشربه تقوية بدنه على القيام والصيام كان مثابا على ذلك، كما إذا نوى بنومه في الليل والنهار التقوي على العمل كان نومه عبادة، قال أبو العالية: الصائم في عبادة ما لم يغتب أحدا وإن كان نائما على فراشه، قال: فكانت حفصة تقول: يا حبذا عبادة وأنا نائمة على فراشي ذكره ابن رجب أيضًا (٣). ٣٢٧٢ - وَعَن ابْن عَبَّاس ﵄ قَالَ خرج أَبُو بكر بالهاجرة إِلَى الْمَسْجِد فَسمع عمر فَقَالَ يَا أَبَا بكر مَا أخرجك هَذِه السَّاعَة قَالَ مَا أخرجني إِلَّا مَا أجد من

стр. 6352

حاق الْجُوع قَالَ وَأَنا وَالله مَا أخرجني غَيره فَبَيْنَمَا هما كَذَلِك إِذْ خرج عَلَيْهِمَا رَسُول الله ﷺ فَقَالَ مَا أخرجكما هَذِهِ السَّاعَة قَالَا وَالله مَا أخرجنَا إِلَّا مَا نجده فِي بطوننا من حاق الْجُوع قَالَ وَأَنا وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ مَا أخرجني غَيره فقوما فَانْطَلقُوا حَتَّى أَتَوا بَاب أبي أَيُّوب الْأَنصَارِيّ وَكَانَ أَبُو أَيُّوب يدّخر لرَسُول الله ﷺ طَعَاما كَانَ أَو لَبَنًا فَأَبْطأَ عَلَيْهِ يَوْمئِذٍ فَلم يَأتِ لحينه فأطعمه لأَهله وَانْطَلق إِلَى نخله يعْمل فِيهِ فَلَمَّا انْتَهوا إِلَى الْبَاب خرجت امْرَأَته فَقَالَت مرْحَبًا بِنَبِي الله ﷺ وبمن مَعَه قَالَ لهَا نَبِي الله ﷺ أَيْن أَبُو أَيُّوب فَسَمعهُ وَهُوَ يعْمل فِي نخل لَهُ فجَاء يشْتَد فَقَالَ مرْحَبًا بِنَبِي الله ﷺ وبمن مَعَه يَا نَبِي الله لَيْسَ بالحين الَّذِي كنت تَجِيء فِيهِ فَقَالَ ﷺ صدقت قَالَ فَانْطَلق فَقطع عذقا من النّخل فِيهِ من كل من التَّمْر وَالرّطب والبسر فَقَالَ ﷺ مَا أردْت إِلَى هَذَا أَلا جنيت لنا من تمره قَالَ يَا رَسُول الله أَحْبَبْت أَن تَأْكُل من تمره ورطبه وبسره ولأذبحن لَك مَعَ هَذَا قَالَ إِن ذبحت فَلَا تذبحن ذَات در فَأخذ عنَاقًا أَو جديا فذبحه وَقَالَ لامْرَأَته اخبزي واعجني لنا وَأَنت أعلم بالخبز فَأخذ نصف الجدي فطبخه وشوى نصفه فَلَمَّا أدْرك الطَّعَام وَوضع بَين يَدي النَّبِي ﷺ وَأَصْحَابه أَخذ من الجدي فَجعله فِي رغيف وَقَالَ يَا أَبَا أَيُّوب أبلغ بِهَذَا فَاطِمَة فَإِنَّهَا لم تصب مثل هَذَا مُنْذُ أَيَّام فَذهب أَبُو أَيُّوب إِلَى فَاطِمَة فَلَمَّا أكلُوا وشبعوا قَالَ النَّبِي ﷺ خبز وَلحم وتمر وَبسر وَرطب ودمعت عَيناهُ وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ إِن هَذَا هُوَ النَّعيم الَّذِي تسْأَلُون عَنهُ يَوْم الْقِيَامَة فَكبر ذَلِك على أَصْحَابه فَقَالَ بل إِذا أصبْتُم مثل هَذَا فضربتم بِأَيْدِيكُمْ فَقولُوا بِسم الله فَإِذا شبعتم فَقولُوا الْحَمد لله الَّذِي أشبعنا وأنعم علينا فأفضل فَإِن هَذَا كفاف بِهَذَا فَلَمَّا نَهَضَ قَالَ لأبي أَيُّوب ائتنا غَدا وَكَانَ لَا يَأْتِي أحد إِلَيْهِ مَعْرُوفا إِلَّا أحب أَن

стр. 6353

يجازيه قَالَ وَإِن أَبَا أَيُّوب لم يسمع ذَلِك فَقَالَ عمر ﵁ إِن النَّبِي ﷺ يَأْمُرك أَن تَأتيه غَدا فَأَتَاهُ من الْغَد فَأعْطَاهُ وليدته فَقَالَ يَا أَبَا أَيُّوب اسْتَوْصِ بهَا خيرا فَإنَّا لم نر إِلَّا خيرا مَا دَامَت عندنَا فَلَمَّا جَاءَ بهَا أَبُو أَيُّوب من عِنْد رَسُول الله ﷺ قَالَ لَا أجد لوَصِيَّة رَسُول الله ﷺ خيرا لَهُ من أَن أعْتقهَا فَأعْتقهَا رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ وَابْن حبَان فِي صَحِيحه كِلَاهُمَا من رِوَايَة عبد الله بن كيسَان عَن عِكْرِمَة عَن ابْن عَبَّاس (١). حاق الْجُوع بحاء مُهْملَة وقاف مُشَدّدَة هُوَ شدته وكلبه. قوله: وعن ابن عباس ﵄، تقدم. قوله: خرج أبو بكر بالهاجرة إلى المسجد، الحديث، الهاجرة هي شدة الحر نصف النهار عقب الزوال، قيل: سميت هاجرة من الهجر وهو الترك لأن الناس يتركون التصرف حينئذ لشدة الحر ويقيلون فيه وهو استحباب المبادرة بالصلاة أول الوقت قاله النووي في شرح مسلم (٢). قوله: فسمع بذلك عمر ﵁، فقال: يا أبا بكر ما أخرجك هذه الساعة؟ قال: ما أخرجني إلا ما أجد من حاق الجوع، قال: وأنا والله ما أخرجني

стр. 6354

غيره، حاق الجوع: هو شدته وكلبه، قاله الحافظ، وقال في النهاية (١): حاق الجوع أي صادقه وشدته ويروي بالتخفيف من حاق يحيق حيقا وحاقا إذا أحدق يريد من اشتمال الجوع عليه فهو مصدر أقامه مقام الاسم وهو مع التشديد اسم فاعل من حق يحق، أ. هـ. قوله: فبينما هما كذلك إذ خرج عليهما رسول الله ﷺ فقال: "ما أخرجكما هذه الساعة؟ " قالا: والله ما أخرجنا إلا ما نجده في بطوننا من حاق الجوع، معناه: أنهما ﵄ لما كانا عليه من مراقبة الله ولزوم طاعته والاشتغال به فعرض لهما هذا الجوع الذي يزعجهما ويقلقهما ويمنعهما من كمال النشاط للعبادة وتمام التلذذ بها سعيا في إزالته بالخروج في طلب سبب مباح يدفعانه به وهذا من أكمل الطاعالت وأكمل أنواع المراقبات، وقد نهي عن الصلاة مع مدافعة الأخبثين وبحضرة الطعام تشوق النفس إليه وغير ذلك مما يشغل القلب، ونهي القاضي عن القضاء في حال غضبه وجوعه وهمه وغير ذلك مما يشغل قلبه ويمنعه كمال الفكر، وهذا يدلّ على شدة حالهم في أول أمرهم وسبب ذلك أن أهل المدينة كانوا في [شظف] من العيش عندما قدم عليهم النبي ﷺ مع المهاجرين وكان المهاجرون فروا بأنفسهم وتركوا أموالهم وديارهم وقدموا فقراء على أهل شدة وحاجة مع أن الأنصار واسوهم ومنحوهم غير أن ذلك ما كان يسد خلاتهم ولم يزل ذلك دأبهم إلى أن فتح الله عليهم، ومع ذلك فلم يزل

стр. 6355

عيشهم شديدا وجهدهم جهيدا حتى لقوا الله تعالى مؤثرين بما عندهم صابرين على شدة عيشهم معرضين عن الدنيا وزهرتها ولذاتها مقبلين على الآخرة ونعيمها، أ. هـ قاله أبو العباس القرطبي (١). قوله ﷺ : "وأنا والذي نفسي بيده ما أخرجني غيره" الحديث فيه جواز ذكر الإنسان ما يناله من ألم ونحوه لا على سبيل التشكي وعدم الرضى بل التسلية والتصبر كفعله ﷺ ولالتماس دعاء أو مساعدة على التسبب في إزالة ذلك العارض فهذا كله ليس بمذموم إنما يذم ما كان تشكيا وتسخطا وجزعا. قوله: "قوموا" فقاموا، هكذا هو في الأصول بضمير الجمع وهو جائز بلا خلاف لكن الجمهور يقولون إطلاق على الاثنين مجاز، وآخرون يقولون حقيقة، أمر بالقيام لطلب العيش عند الحاجة. قوله: حتى أتوا باب أبي أيوب الأنصاري، فذكره إلى أن قال: فلما انتهوا إلى الباب خرجت امرأته فقالت مرحبا بنبي الله ﷺ معه، مرحبا: كلمة منونة تقال عند المسرة للقادم والوافد ولمن يجتمع به بعد مغيب، ومعناها: صادفت رحبا أي سعة ومنصوب بفعل لا يظهر وقيل هو منصوب بفعل على المصدر، وقال الفراء معناه (٢): رحب الله بك مرحبا كأنه وضع موضع الترحيب، وقال الجوهري (٣): وقولهم مرحبا وأهلا أي أتيت سعة وأتيت

стр. 6356

أهلا فاستأنس ولا تستوحش، قرئ على الحافظ المنذري من الحواشي. قوله: فقال لها رسول الله ﷺ : "أين أبو أيوب؟ " فسمعه وهو يعمل في نخل له فجاء يشتد، أي: يسعي ويعدو عدوا شديدا والشدة العدو. قوله: فانطلق فقطع عذقا من النخل فيه من كل من التمر والرطب والبسر، الحديث، العذق: هنا بكسر العين وهو الكباسة وهو الغصن من النخل يعني العرجون بما فيه من الشماريخ، وإنما أتى بهذا العذق الملون ليكون أظرف وليجمعوا بين أكل هذه الأنواع، فقد يطيب لبعضهم هذا ولبعضهم هذا، وفيه استحباب المبادرة إلى الضيف بما تيسر وإكرامه بعده بطعام يصنعه له لا سيما إن غلب ظنه حاجته في الحال إلى الطعام وقد يكون شديدا لحاجة إلى التعجيل، وقد يشق عليه انتظار ما ينعه له لاستعجال الانصراف وقد كره جماعة من السلف التكلف للضيف وهذا محمول على ما يشق على صاحب البيت مشقة ظاهرة لأن ذلك يمنعه من الإخلاص وكمال السرور بالضيف، وربما ظهر عليه شيء من ذلك فيتأذى به الضيف، وقد يحضر شيئا يعرف الضيف من حاله أنه يشق عليه وأنه تكلفه فيتأذي الضيف لشفقته عليه، وكل هذا مخالف لقوله ﷺ : "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه" (١) لأن آكد الكرامة إراحة خاطره وإظهار السرور، وفي هذا الحديث دليل على استحباب تقديم الفاكهة على الخبز واللحم وغيرهما، والله أعلم.

стр. 6357

تتمة: قال في الإحياء في آداب الضيافة (١)، من آدابها: ترتيب الأطعمة، فتقدم الفاكهة أولا إن كانت، فذلك أوفق في الطب فإنها أسرع استحالة، فينبغي أن تقع في أسفل المعدة، وفي القرآن تنبيه على تقديم الفاكهة في قوله تعالى: ﴿وَفَاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ (٢٠)﴾ (٢) ثم قال: ﴿وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ (٢١)﴾ (٣)، ثم أفضل ما يقدم بعد الفاكهة اللحم والثريد فقد قال ﷺ "فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام" (٤)، فإن جمع إليه شيء من الحلواء بعده فقد جُمعت إليه سائر الطيبات، قال أبو سليمان الداراني ﵁: أكل الطيبات يورث الرضا عن الله، وتتم هذه الطيبات بشرب الماء البارد وصب الماء الفاتر على اليد عند الغسل، قال المأمون: شرب الماء بالثلج يخلص الشكر لله تعالي، قاله في الديباجة. قوله: ولأذبحن لك مع هذا قال: "إن ذبحت فلا تذبحن ذات در" أي: ذات لبن وهي الحلوب، والحلوب: الشاة ذات اللبن التي تحلب لبنا كثيرًا، وإنما نهاه عن ذبحها لأن في ذبحها تضييعا للبنها مع أن غير ذات الذر تنزل منزلتها عند الضيف، ويحصل بها المقصود والله أعلم، يقال: ناقة وشاة حلوب فإذا

стр. 6358

أفردته عن الموصوف قلت حلوبة، وقد أضمر الموصوف في الحديث وهو قوله "إياك والحلوب" (١) في الحديث الآخر فلهذا حذف الهاء، وقيل: الحلوب الاسم والحلوبة الصفة، وقيل: إن الحلوب الواحدة والحلوبة الجماعة يقال جاءوا بحلوبتهم وركوبتهم، أ. هـ قاله صاحب المغيث (٢). قوله: فأخذ عناقا أو جذعا فذبحه، العناق: بفتح العين وهي الأنثى من أولاد المعز إذا قويت ما لم تستكمل سنة وجمعها أعنق وعنوق. قوله: فلما أكلوا وشبعوا، قال النبي ﷺ : "خبز ولحم وتمر وبسر ورطب ودمعت عيناه" الحديث، ففي هذا الحديث دليل على جواز الشبع من الحلال، وما جاء من النهي عن الشبع عن النبي ﷺ وعن السلف إنما ذلك في الشبع المثقل للمعدة المبطئ بصاحبه عن الصلوات والأذكار والمضر بالإنسان بالتخم وغيرها الذي يفضي بصاحبه إلى البطر والأشر والنوم والكسل فهذا هو المكروه، وقد يلحق بالمحرم إذا كثرت آفاته وعمت بلياته، والقسطاس المستقيم ما قاله ﵊ "وإن كان لا بد فثلث للطعام وثلث للشراب وثلث للنفس" (٣) والله تعالى أعلم.

стр. 6359

قوله: "والذي نفسي بيده إن هذا هو النعيم الذي تسألون عنه يوم القيامة" أي تحاسبون يوم القيامة على ما أكلتم وشربتم فالنعيم هو المعبر بقوله: ﴿ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ (٨)﴾ (١) فأخبر الله تعالى أن الناس مسئولون عن نعيمهم في الدنيا فالنعيم كل ما يتنعم به أي يستطاب ويستلذ، وقال الزمخشري (٢): فإن قيل ما النعيم الذي يسأل عنه الإنسان ويعاقب عليه فما من أحد إلا وله نعيم، قلت: هو نعيم من عاب نفسه على استيفاء اللذات ولم يعش إلا ليأكل الطيب ويلبس اللين ويقطع أوقاته باللهو والطرب لا يغنم بالعلم والعمل ولا يحمل نفسه مشاقها وأما من يمتع بنعيم الله تعالى وأرزاقه التي لم يخلقها إلا لعباده ويقوي بها على دراية العلم والقيام بالعمل وكان ناهضا بالشكر فهو من ذلك بمعزل وإليه أشار رسول الله ﷺ بقوله فيما يروي أنه أكل وأصحابه تمرا وشربوا عليه ماء فقال: "الحمد لله الذي أطعمنا وسقانا وجعلنا مسلمين" فسؤالهم عن نعيم هذا اليوم، أي: سؤال (عرض لا سؤال) مناقشة وسؤال [إظهار] الفضل والمنن لا سؤالهم سؤالا يقتضي المعاتبة والمحن وإنما قال ﷺ هذا استخراجا للشكر على النعيم وتعليما لذلك (٣)، أ. هـ. قال القاضي عياض: المراد السؤال عن القيام بحق شكره، قال النووي:

стр. 6360

والذي نعتقده أن السؤال هنا سؤال تعداد النعم وإعلام بالامتنان بها وإظهار الكرامة بإسباغها لا سؤال توبيخ وتقريع ومحاسبة، ذكره في شرح مسلم (١). قوله: فكبر ذلك على أصحابه، أي: عظم عندهم موقعه. قوله: فأتاه من الغد فأعطاه وليدته، فالأنثى وليدة، والجمع ولائد، وقد تطلق الوليد على الجارية والأمة وإن كانت كبيرة، ومنه الحديث: "تصدقت على أمي بوليدة" (٢) يعني جارية [صغيرة، والولائد: الوصائف وفيه فوائد] جمة، تقدم ذكرها، وفيه بيان ما كان عليه ﷺ هو وأصحابه من التقلل من الدنيا وإيثار ضيق العيش، وسيأتي الكلام على ذلك مبسوطا في الزهد في الدنيا إن شاء الله تعالى. ٣٢٧٣ - وَرُوِيَ عَن حَمَّاد بن أبي سُلَيْمَان قَالَ تعشيت مَعَ أبي بردة ﵁ فَقَالَ أَلا أحَدثك مَا حَدثنِي بِهِ أَبُو عبد الله بن قيس ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ من أكل فشبع وَشرب فَروِيَ فَقَالَ الْحَمد لله الَّذِي أَطْعمنِي وأشبعني وسقاني وأرواني خرج من ذنُوبه كَيَوْم وَلدته أمه رَوَاهُ أَبُو يعلى قَالَ الْحَافِظ وَفِي الْبَاب أَحَادِيث كَثِيرَة مَشْهُورَة من قَول النَّبِي ﷺ لَيست من شَرط كتَابنَا لم نذكرها (٣).

стр. 6361

قوله: وروي عن حماد بن أبي سليمان [الكوفى أستاذ أبى حنيفة]. قوله: تعشيت مع أبي بردة ﵁ فقال: ألا أحدثك ما حدثني به أبى عبد الله بن قيس ﵁[هو اسم أبى موسى الأشعري قدم على رسول الله ﷺ مكة قبل هجرته إلى المدينة فأسلم، ثم هاجر إلى الحبشة، ثم هاجر إلى رسول الله ﷺ مع أصحاب السفينتين بعد فتح خيبر، فأسهم لهم منها، ولم يسهم منها لأحد غاب عن فتحها غيرهم]. قوله ﷺ : "من أكل فشبع وشرب فروي، فقال: الحمد لله الذي أطعمني وأشبعني وسقاني وأرواني خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه" الحديث، المراد بذلك الصغائر كما تقدم في نظائره. فرع: إذا قرب إليه الأكل قال: اللهم بارك لنا فيما رزقتنا وقنا عذاب النار باسم الله، فإن نسي فليقل باسم الله أوله وآخره، فإن أكل مع صاحب عاهة قال: باسم الله ثقة بالله وتوكلا عليه، وإذا فرغ قال الحمد لله الذي أطعمنا وسقانا وجعلنا مسلمين، رواه أبو داود من حديث أبي سعيد (١) الخدري: الحمد لله الذي أطعم وسقى وسوغه وجعل له مخرجا (٢)، الحمد لله الذي أطعمني هذا الطعام ورزقنيه من غير حول مني ولا قوة (٣) اللهم أطعمت وسقيت وأغنيت وأفنيت وهديت وأحييت فلك الحمد على ما

стр. 6362

أعطيت (١)، الحمد لله الذي منَّ علينا وهدانا والحمد لله الذي أشبعنا وأروانا وكل الإحسان قد آتانا (٢). فائدة: يقال أيضًا إذا فرغ من الأكل قال النووي (٣): روينا في صحيح البخاري (٤) عن أبي أمامة أن النبي ﷺ "كان إذا رفع طعامه أو ما بين مائدته قال: الحمد لله كثيرا طيبا مباركا فيه غير مكفي ولا مودع ولا مستغني عنه ربنا" وفي رواية: "كان يقول إذا فرغ من طعامه"، وقال مرة: "إذا رفع مائدته قال: الحمد لله الذي. الوجه اليمين ممسوح كاملا الوجه اليسار كفانا وأوانا غير مكفي ولا مكفور" (٥) قلت: مكفي بفتح الميم وتشديد الياء، هذه الرواية الصحيحة الفصيحة، قال الحربي: فالمكفي الإناء المقلوب للاستغناء عنه كما قال غير مستغني عنه أو لعدمه، ورواه أكثر الرواة بالهمز وهو فاسد من حيث العربية سواء كان من الكفاية أو من كفايات الإناء.

стр. 6363

قوله: "ولا مكفور" أي: غير مجحود نعم الله فيه بل مشكورة غير مستور الاعتراف بها والحمد لله، وذهب الخطابي إلى أن المراد بهذا الدعاء كله الباري وأن الضمير يعود إليه، وأن معنى قوله "غير مكفي" أنه يطعم ولا يطعم كأنه على هذا من الكفاية [] (١)، وإلى هذا ذهب غيره في تفسير هذا الحديث أن الله تعالى مستغن عن معين وظهير، قال: وقوله "ولا مودع" أي غير متروك الطلب منه والرغبة إليه وهو بمعنى المستغني عنه وينتصب ربنا على هذا بالاختصاص والمدح أو النداء كأنه قال: يا ربنا اسمع حمدنا ودعاءنا ومن رفعه قطعه وجعله خبرًا (٢)، أ. هـ. خاتمة: قال الإمام أبو حامد الغزالي ﵀ (٣): ومن آداب الطعام أن يتحدثوا في حال أكله بالمعروف ويتحدثوا بحكايات الصالحين في الأطعمة وغيرها والله أعلم.

стр. 6364

[الترغيب في غسل اليد قبل الطعام إن صح الخبر وبعده والترهيب أن ينام وفي يده ريح الطعام لا يغسلها] ٣٢٧٤ - عن سلمان ﵁ قال قرأت في التوراة إن بركة الطعام الوضوء بعده فذكرت ذلك للنبي ﷺ وأخبرته بما قرأت في التوراة فقال رسول الله ﷺ بركة الطعام الوضوء قبله والوضوء بعده رواه أبو داود والترمذي وقال لا يعرف هذا الحديث إلا من حديث قيس بن الربيع وقيس يضعف في الحديث انتهى (١). قال الحافظ قيس بن الربيع صدوق وفيه كلام لسوء حفظه لا يخرج الإسناد عن حد الحسن وقد كان سفيان يكره الوضوء قبل الطعام قال البيهقي وكذلك مالك بن أنس كرهه وكذلك صاحبنا الشافعي استحب تركه واحتج

стр. 6365

بالحديث يعني حديث ابن عباس قال كنا عند النبي ﷺ فأتى الخلاء ثم إنه رجع فأتي بالطعام فقيل ألا تتوضأ قال لم أصل فأتوضأ رواه مسلم وأبو داود والترمذي بنحوه إلا أنهما قالا فقال إنما أمرت بالوضوء إذا قمت إلى الصلاة (١). ٣٢٧٥ - وروي عن أنس بن مالك ﵁ قال سمعت رسول الله ﷺ يقول من أحب أن يكثر الله خير بيته فليتوضأ إذا حضر غذاؤه وإذا رفع رواه ابن ماجه والبيهقي والمراد بالوضوء غسل اليدين (٢). قوله: عن سلمان ﵁ تقدم الكلام على سلمان الفارسي. قوله ﷺ : "بركة الطعام الوضوء قبله والوضوء بعده" ومعنى البركة في الوضوء عظم فائدة الطعام باستعمال النظافة فيستحب مسح اليد من الطعام وغسل اليد أولى لزوال الزهومة لقوله: "بركة الطعام الوضوء قبله والوضوء بعده"، وفي حديث أنس الذي بعده: "من أحب أن يكثر الله تعالى خير بيته فليتوضأ إذا حضر غداءه وإذا رفع" قال الحافظ ﵀: المراد بالوضوء

стр. 6366

هنا غسل اليدين [وقول بعض الشافعية: المراد به هنا الوضوء الشرعي، ليس في محله لتصريح أصحابنا بأن الوضوء الشرعي ليس صفة عند الأكل]، وحمله القاضي عياض (١) على اللغوي وجعل المراد غسل الكفين أيضًا، وحكي اختلاف العلماء في كراهة غسل الكفين قبل الطعام واستحبابه، وحكي الحافظ المنذري الكراهة أيضًا فقال: وقد كان سفيان يعني الثوري يكره الوضوء قبل الطعام، قال المنذري: قال البيهقي: وكذلك مالك بن أنس كرهه وكذلك أصحابنا الشافعي استحب تركه واحتج بالحديث يعين حديث ابن عباس قال: كنا عند النبي ﷺ ذات يوم فأتى الخلاء ثم أنه رجع فأتى بالطعام فقيل له ألا تتوضأ، قال: "لم أصلي فأتوضأ" رواه مسلم أبو داود والترمذي بنحوه إلا أنهما قالا: فقال "إنما أمرت بالوضوء إذا أقيمت الصلاة" أ. هـ، قال النووي في شرح مسلم (٢): أما لم أصلي (أما لم) فبكسر اللام وفتح الميم، وأصلي بإثبات الياء في آخره وهو استفهام إنكار ومعناه الوضوء يكون لمن أراد الصلاة وأنا لا أريد أن أصلي الآن، والظاهر أن المراد الوضوء الشرعي، أ. هـ. ففيه: عدم إيجاب الوضوء قبل الأكل وهو مجمع عليه، واختلف في استحبابه أيضًا فنفته المالكية وغيرهم كما تقدم وأثبته غيرهم فقال القرطبي (٣):

стр. 6367

وقد ذهب قوم إلى استحباب غسل اليد قبل الطعام وبعده لما روى الترمذي من حديث سلمان أنه ﵇ قال: "بركة الطعام الوضوء قبله" الحديث، وروى أنه ﵇ قال: "الوضوء قبل الطعام ينفي الفقر وبعده ينفي اللمم" واشتهر في الإحياء وغيره أن النبي ﷺ قال: "الوضوء قبل الطعام ينفي الفقر وبعده ينفي اللمم" (١) كذا رواه القضاعي في مسند الشهاب من رواية موسى الرضى عن آبائه متصلا، وكلها ضعيفة ولا يصح شيء منها وكرهه قبله كثير من أهل العلم منهم سفيان الثوري ومالك والليث، وقال مالك: هو من فعل الأعاجم واستحسنوه بعده والله أعلم قاله في الديباجة، وقال غيره: قال علي بن المديني قال يحيى بن سفيان: كان سفيان الثوري يكره غسل اليد قبل الطعام

стр. 6368

وكان يكره أن يوضع الرغيف تحت القصعة، أ. هـ، قال العلماء في قوله تعالى: ﴿إِلَّا اللَّمَمَ﴾ (١) اللمم: ما دون الشرك، وقيل: النظرة من غير عمد وهو مغفور فإذا عاد فهو ذنب. ٣٢٧٦ - وعن أبي هريرة ﵁ قال قال رسول الله ﷺ من نام وفي يده غمر ولم يغسله فأصابه شيء فلا يلومن إلا نفسه رواه أبو داود والترمذي وحسنه وابن ماجه وابن حبان في صحيحه (٢). ورواه ابن ماجه أيضًا عن فاطمة ﵂ بنحوه الغمر بفتح الغين المعجمة والميم بعدهما راء هو ريح اللحم وزهومته (٣).

стр. 6369

قوله: وعن أبي هريرة ﵁ تقدم. قوله ﷺ : "من نام وفي يده غمر ولم يغسله فأصابه شيء" الحديث، الغمر: هو ريح اللحم وزهومته، قاله الحافظ، وقال غيره: الغمر بالتحريك أي وسخ ودسم وزهومة من اللحم كالوضر من السمن، وقد غمرت يداه غمرا، قاله صاحب المغيث (١)، وقال في الغريب (٢): الغمر بالتحريك الدسم والزهومة من اللحم والوضر من السمن واللبن والزبد والسهك من السمك وصدأ الحديد، تقول: يدي غمرها اللحم ووضرها السمن وضمرها سهكها السمك فظهر والله أعلم أنه ﷺ إنما خص الغمر بالذكر لأن السهك عندهم قليل، لأن بلادهم بلاد بر فلذلك لم يذكر السهوكة، وأما الوضر وهو من اللبن والسمن فلم يذكره لأنه دون الغمر في تغير الرائحة ولأن الغالب عليهم ألبان الإبل والفأرة لا تقرب ألبان الإبل ويظهر أنه ﵇ إنما أمرهم بذلك في الغمر لأن أكل اللبن والسمن عليهم غالب بخلاف اللحم ونحوه مما له غمر، روى الحافظ أبو يعلى والطبراني في الأوسط من حديث ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ "من أكل من هذا اللحم شيئا فليغسل يده من ريح وضره لا يؤذي من حذاءه" (٣)، أ. هـ

стр. 6370

قال ابن بطال (١): قال ابن وهب: سئل مالك عن الحديث الذي جاء من بات وفي يده غمر فلا يلومن إلا نفسه، فقال: لا أعرف هذا الحديث، وقد سمعت أنه كان يقول: "منديل عمر بطن قدميه" وما كان إلا هذا شيء حدث والحديث الذي لم يعرفه مالك رواه أبو داود عن أحمد بن يونس عن زهير عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: "من نام وفي يده غمر لم يغسله" الحديث، وقد تكلم الحافظ على سهيل، وقيل لمالك: أيغسل يده بالدقيق قال غيره أعجب إلي منه ولو فعل لم أر به بأسًا، قد تمندل عمر بباطن قدميه، وروى ابن وهب في الجلبان وشبهه أنه لا بأس أن يتوضأ به ويتدلك به في الحمام وقد يدهن جسده بالزيت والسمن، وسئل أشهب عن الوضوء بالدقيق والنخالة فقال: لا علم لي به (٢) والله أعلم. قاله في الديباجة. ٣٢٧٧ - وعنه ﵁ قال قال رسول الله ﷺ إن الشيطان حساس لحاس فاحذروه على أنفسكم من بات وفي يده ريح غمر فأصابه شيء فلا يلومن إلا نفسه رواه الترمذي والحاكم كلاهما عن يعقوب بن الوليد المدني عن ابن أبي ذئب عن المقبري عنه وقال الترمذي حديث غريب من هذا الوجه وقد روي من حديث سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة انتهى وقال

стр. 6371

الحاكم صحيح الإسناد قال الحافظ يعقوب بن الوليد الأزدي هذا كذاب واتهم لا يحتج به لكن رواه البيهقي والبغوي وغيرهما من حديث زهير بن معاوية عن سهيل بن أبي صالح عن أبي هريرة كما أشار إليه الترمذي وقال البغوي في شرح السنة حديث حسن وهو كما قال ﵀ فإن سهيل بن أبي صالح وإن كان تكلم فيه فقد روى له مسلم في الصحيح احتجاجا واستشهادا وروى له البخاري مقرونا وقال السلمي سألت الدارقطني لم ترك البخاري سهيلا في الصحيح فقال لا أعرف له فيه عذرا وبالجملة فالكلام فيه طويل وقد روى عنه شعبة ومالك ووثقه الجمهور وهو حديث حسن والله أعلم (١). قوله: وعنه ﵁ تقدم الكلام عليه. قوله ﷺ : "إن الشيطان حساس لحاس فاحذروه على أنفسكم" قوله: "إن الشيطان حساس لحاس" أي كثير اللحس لما يصل إليه تقول لحست الشيء ألحسه إذا أخذته بلسانك ولحاس للمبالغة والحساس الشديد الحس والإدراك قاله في النهاية (٢) والله أعلم.

стр. 6372

٣٢٧٨ - وعن ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قال من بات وفي يده ريح غمر فأصابه شيء فلا يلومن إلا نفسه رواه البزار والطبراني بأسانيد رجال أحدها رجال الصحيح إلا الزبير بن بكار وقد تفرد به كما قال الطبراني ولا يضر تفرده فإنه ثقة إمام (١). ٣٢٧٩ - وعن أبي سعيد ﵁ عن النبي ﷺ قال من بات وفي يده ريح غمر فأصابه وضح فلا يلومن إلا نفسه رواه الطبراني بإسناد حسن الوضح بفتح الواو والضاد المعجمة جميعا بعدهما حاء مهملة والمراد به هنا البرص (٢). وفي الباب أحاديث بمعناه. * * *

стр. 6373

[كتاب القضاء وغيره] [الترهيب من تولي السلطنة والقضاء والإمارة لا سيما لمن لا يثق بنفسه وترهيب من وثق بنفسه أن يسأل شيئا من ذلك] ٣٢٨٠ - عن ابن عمر ﵄ قال سمعت رسول الله ﷺ يقول كلكم راع ومسؤول عن رعيته الإمام راع ومسؤول عن رعيته والرجل راع في أهله ومسؤول عن رعيته والمرأة راعية في بيت زوجها ومسؤولة عن رعيتها والخادم راع في مال سيده ومسؤول عن رعيته وكلكم راع ومسؤول عن رعيته رواه البخاري ومسلم (١). قوله: عن ابن عمر ﵄، تقدم الكلام عليه. قوله ﷺ : "كلكم راع ومسؤول عن رعيته" تقدم الكلام على الكتاب واشتقاقه، والقضاء بالمد الولاية المعروفة وجمعه أقضية كغطاء وأغطية وأردية وكساء وأكسية، وقضى السلطان فلانا أي ولاه كما يقال أمر أميرًا. قوله: "كلكم راع ومسؤول عن رعيته" الحديث، تقدم الكلام عليه في باب النكاح، الراعي هنا الحافظ المؤتمن على ما يليه، وأصل الرعي الحفظ، ومنه رعيت النجوم، أمرهم النبي ﷺ بالنصيحة فيما يلونه وحذرهم من الخيانة فيه بإخباره أنهم مسؤولون عنه فالرعاية حفظ الشيء وحسن العهد به

стр. 6374

فقد استولى هؤلاء في الاسم، واختلفوا في المعنى أما رعاية الإمام فولاية أمور الرعية والحياطة من ورائهم وإقامة الحدود والأحكام فيهم، وأما رعاية الرجل أهل فالقيام عليهم بالحق في التفقه وحسن العشرة، وأما رعاية المرأة في بيت زوجها فحسن التدبير في أمر بيته والتعهد لخدمته وأضيافه، وأما رعاية العبد فحفظ ما في يده من مال سيده والقيام بشغله والله أعلم (١) وتقدم الكلام على ذلك في النكاح أبسط من هذا. ٣٢٨١ - وعن أنس بن مالك ﵁ قال قال رسول الله ﷺ إن الله سائل كل راع عما استرعاه حفظ أم ضيع رواه ابن حبان في صحيحه (٢). قوله: وعن أنس بن مالك ﵁ تقدم الكلام عليه. قوله ﷺ : "إن الله سائل كل راع عما استرعاه حفظ أم ضيع". ٣٢٨٢ - وعن أبي هريرة ﵁ قال قال رسول الله ﷺ من ولي القضاء أو جعل قاضيا بين الناس فقد ذبح بغير سكين رواه أبو داود والترمذي واللفظ له

стр. 6375

وقال حديث حسن غريب وابن ماجه والحاكم وقال صحيح الإسناد قال الحافظ ومعنى قوله ذبح بغير سكين أن الذبح بالسكين يحصل به إراحة الذبيحة بتعجيل إزهاق روحها فإذا ذبحت بغير سكين كان فيه تعذيب لها وقيل إن الذبح لما كان في ظاهر العرف وغالب العادة بالسكين عدل ﷺ عن ظاهر العرف والعادة إلى غير ذلك ليعلم أن مراده ﷺ بهذا القول ما يخاف عليه من هلاك دينه دون هلاك بدنه ذكره الخطابي ويحتمل غير ذلك (١). قوله: وعن أبي هريرة ﵁ قال ابن إسحاق: حدثني بعض أصحابنا عن أبي هريرة قال: كان اسمي في الجاهلية عبد شمس بن صخر، فسميت في الإسلام عبد الرحمن، وإنما كناني أبي أبا هريرة لأني كنت أرعى غنما فوجدت هرة فحملتها في كمي فقال أبي: أنت أبو هريرة، وروي ابن سعد (٢):

стр. 6376

حدثنا يعقوب بن إسحاق الحضرمي: حدثنا عكرمة بن عمار حدثنا أبو كثير الغبرى عن أبي هريرة قال: والله لا يسمع بي مؤمن ولا مؤمنة إلا أحبني، قال: قلت له وما يعلمك ذاك؟ قال: فقال: إني كنت أدعو أمي إلى الإسلام فتأبى علي، فدعوتها ذات يوم فأسمعتني في رسول الله ﷺ ما أكره، فأتيت رسول الله ﷺ وأنا أبكي، قلت يا رسول الله إني كنت أدعو أمي إلى الإسلام فتأبى علي، فدعوتها اليوم فأسمعتني فيك ما أكره، فادع الله أن يهدي أم أبي هريرة فقال رسول الله ﷺ : "اللهم اهد أم أبي هريرة" فخرجت مستبشرا بدعوة نبي الله ﷺ ، فلما جئت فصرت إلى الباب، فإذا هو مجاف، فسمعت أمي خشف قدمي، فقالت: مكانك يا أبا هريرة وسمعت خضخضة الماء، قال: فاغتسلت ولبست درعها وعجلت عن خمارها، ففتحت الباب، ثم قالت: يا أبا هريرة أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، قال فرجعت إلى رسول الله ﷺ ، فأتيته وأنا أبكي من الفرح، قال: قلت: يا رسول الله أبشر قد استجاب الله دعوتك وهدى أم أبي هريرة، فحمد الله وأثنى عليه وقال خيرا، قال قلت: يا رسول الله ادع الله أن يحببني أنا وأمي إلى عباده المؤمنين، ويحببهم إلينا، قال: فقال رسول الله ﷺ : "اللهم حبب عبيدك هذا - يعني أبا هريرة - وأمه إلى عبادك المؤمنين، وحبب إليهم المؤمنين" فما خلق مؤمن يسمع بي ولا يراني إلا أحبني، وفي رواية: "فما خلق الله من مؤمن يسمع بي ولا يراني أو يرى أمي إلا وهو يحبني" ولم يرو عن رسول الله ﷺ أحد من الرجال أكثر ما روي عنه أبو

стр. 6377

هريرة فإنه روي عنه خمسة آلاف حديث وثلاثمائة وأربعة وسبعين حديثا وإنما صحبه أربع سنين، قاله في مرآة الزمان (١). قوله: "من ولي القضاء أو جعل قاضيا بين الناس فقد" فالقاضى اسم لكل من قضى بين اثنين أو حكم بينهما سواء إن سمى خليفة أو سلطانا أو نائبا أو واليا أو كان منصوبا ليقضى بالشرع أو بأمثاله حتى من يحكم في الصبيان في الخطوط إذا تخايروا وهكذا ذكر أصحاب رسول الله ﷺ وهو ظاهر (٢). أ. هـ. ومعنى "ذبح بغير سكين" أن الذبح بالسكين يحصل به راحة الذبيحة بتعجيل إزهاق روحها وإذا ذبحت بغير سكين كان فيه تعذيب لها، وقيل: إن الذبح لما كان في ظاهر العرف وغالب العادة بالسكين عدل ﷺ عن ظاهر العرف والعادة إلى غير ذلك ليعلم أن مراده ﷺ بهذا القول ما يخاف عليه من هلاك دينه دون هلاك بدنه، وقيل: غير ذلك ذكره الخطابي (٣)، أ. هـ. وقال بعضهم: إذا ذبح بغير سكين كان ذبحه خنقا وتعذيبا فضرب المثل بذلك ليكون أبلغ في الحذر من الوقوع فيه (٤). وفي البيان للعمراني (٥) قيل لابن عباس: ما هو الذبح بغير سكين؟ قال: "نار جهنم".

стр. 6378

وقال الشيخ أبو الربيع المالقي حضرت رجلا في النزع فسألته عن حاله فقال: ها أنا أذبح، فعلمت تصديق الخبر لأن الرجل كان قد ولي القضاء مدة جبره عليه بعض الولاة هذا وهو مجبور فكيف إذا كان جبارا، وروي البيهقي أن أبا بكر لما ولي الخلافة ولي عمر بن الخطاب القضاء، وولي أبا عبيدة بيت المال وقال أعينوني فمكث عمر سنة لا يأتيه اثنان ولا يقضي بين اثنين وهو أول قاض ولي القضاء بالمدينة ﵁، أ. هـ. ففي الحديث التحذير من طلب القضاء والحرص عليه لأن معناه أن من تصدى للقضاء وتولاه فقد تعرض للذبح فليحذره والذبح هنا مجاز عن الهلاك فإنه من أسرع أسبابه (١). وأغرب من جعل ذلك مدحًا وأنه لشدة ما يلاقيه والصبر على الحق فيه لعظم أجره والظاهر الأول وهذا فيمن لم يتعين عليه فإن تعين عليه لزمه ذلك وله البذل فيه أيضًا وإن كان يحرم الأخذ كما قرره الفقهاء. قال ابن الصباغ في شامله (٢): الأحاديث المحذرة دالة على عظم قدره وصعوبة أمره حتى لا يقدم عليه من لا يجد في نفسه قوة في دينه وبصيرة باقية في علمه ويقينه، وليجتهد في طلب الحق عادلا عن الهوى والميل، وقال بعض أصحابنا: من استشعر في نفسه ميل لم يجز له الدخول ولا يحل له القبول، وحكي القاضي بن كج (٣) أنه يكره الدخول فيه مطلقا، ولا يجوز له أن يطرق فيه بابا مغلقا.

стр. 6379

وقال الرافعي (١): وحيث أبحنا التقليد فذاك عند الوقوف وغلبة الظن بقوة النفس وأمن الاشتباه واللبس وأما عند الاشتباه فينبغي أن يحذر من الدخول فيه وأن يشتغل بما يعنيه فإن أهم المغانم حفظ السلامة، وحكى القاضي أبو الطيب (٢) أن المأمون كتب إلى الشافعي ﵁ يستدعيه ليوليه القضاء في الشرق والغرب فأبى ودعا المزني في مرض موته ونهاه عن تولية القضاء وأظهر له كتاب المأمون وقال: إني لم أظهره لأحد غيرك، وحكي أيضًا هو وغيره (٣) أن المنصور استدعى سفيان الثوري وأبا حنيفة وشريك بن عبد الله لتولية القضاء فهرب سفيان من الطريق وعرض على أبي حنيفة فامتنع وقال: لا أصلح فعرض علي شريك فاعتذر بعلل فأزاحها وولاه، وروي الإمام أبو جعفر محمد بن جرير الطبري في تاريخه أن المنصور طلب أبا حنيفة للقضاء فأبى فحلف ليفعلن وحلف أبو حنيفة أنه ما يفعل فقال له الربيع يحلف أمير المؤمنين وتحلف فقال الإمام أبو حنيفة أمير المؤمنين أقدر على كفارة يمينه مني فحبسه المنصور أياما ثم دعاه فعرض عليه فقال: إني لا أصلح فإن كنت صادقا فلا أصلح وإن كنت كاذبا فلأجل الكذب ورده إلى الحبس وضربه بالسياط فلم يل وقيل إنه مات في الحبس (٤). وقال الزبير بن بكار في كتابه المسمى بالموفقيات: لما تولى شريك

стр. 6380

القضاء هجره سفيان الثوري فوجده شريك فقال سبحان الله يا أبا عبد الله أو ليس للناس من قاض فقال سفيان أوليس للناس من [شرطى]، وكان سفيان إذا ذكر عنده شريك يقول نعم الرجل لو لم يفسدوه بالقضاء (١). وروى الحافظ أبو نعيم الأصبهاني في حليته بسنده أنه طلب أبو قلابة بالقضاء ففر إلى الشام (٢). وحكاه ابن عبد ربه وقال: إن تلامذته قالوا له يا أستاذ ما يمنعك من ذلك وعندك من العلم ما يمنعك من الجور ومن الورع ما يمنعك من الرشا فأطرق زمانا ثم رفع رأسه وقال لهم: كم يريد السابح الغارق يسح في البحر الطريق لا بد أن يغرق (٣). وحكي اللوحة القاضي أبو الطيب عن بعض الفقهاء أنه مشى مع صاحب له فأراه دكاكين مختمة فقال انظر هذا حتى تحكيه هذا عقار لي علي بن حيران استدعاه ابن الفرات للقضاء فهرب فختم عقاره حتى يظهره، وحكي غيره أنها أقامت شهرا مختومة ومنزله وكان أبو علي هذا من تلامذة ابن شريح وكان يعاتب ابن شريح على القضاء ويقول هذا الأمر لم يكن في أصحابنا وإنما كان في أصحاب أبي حنيفة (٤).

стр. 6381

وأنشد بعض قضاة العدل (١): وليت القضاء وليت القضاء ... لم يك شيئا توليته وواقعني القضاء في القضاء ... وما كانت قدما تمنيته قال: وسمعت سيدنا شيخ الإسلام متع الله بحياته الأنام قاضي القضاة بدر الدين بقية العلماء العاملين غير مرة يقول لولا الحياء من السلطان لإحسانه وخشية تغير خاطره لم أقم في الحكم إلى الظهر ويحلف على ذلك ولقد قلت له بقاء سيدنا للمسلمين ينفع ويحصل له به أجر كثير فقال لو خرجت منه بإثم يسير فهو خير فانظر أرشدك الله كيف السلف والخلف ففروا منه وأبعدوا كل البعد عنه مع كمال الحلال وسماع المقال. قال الشيخ الإمام زين الدين بن رجب الحنبلي (٢): وقد صنف أبو بكر الآجري وكان من العلماء الربانيين مصنفا في أخلاق العلماء وآدابهم وهو من أجل ما صنف في ذلك ومن تأمله علم منه طريقة السلف من العلماء والطريق التي أحدثت بعدهم المخالفة لطرائفهم فوصف فيه عالم السوء بأوصاف طويلة منها أنه قال قد فتنه حب التنافس في الشرف والمنزلة عند أهل الدنيا يتجمل بالعلم كما يتجمل بالحلة الحسناء للدنيا ولا يحمل علمه بالعمل به وذكر كلاما مطولا إلى أن قال: فهذه الأخلاق وما يشبهها تغلب على قلب من لم ينتفع بالعلم فبينما هو مقارب لهذه الأخلاق إذ رغب نفسه في حب

стр. 6382

الشرف والمنزلة فأحب مجالسة الملوك وأبناء الدنيا فأحب أن يشاركهم فيما هم من رخاء عيشهم من منزل بهي ومركب هني وخادم سري ولباس لين وفراش ناعم وطعام شهي وأحب أن يغشي بابه وأن يُسمع قوله ويُطاع أمره فلم يقدر عليه إلا من جهة القضاء فطلبه فلم يمكنه إلا ببذل دينه فتذلل للملوك وأتباعهم فخدمهم بنفسه وأكرمهم بماله وسكت عن قبيح ما ظهر من مناكرهم على أبوابهم وقولهم وفعلهم ثم زين لهم كثيرا من قبيح فعالهم بتأوله الخطأ ليحسن موقعه عندهم فلما فعل هذا مدة طويلة، واستحكم فيه الفساد ولوه القضاء فذبح بغير سكين فصارت له عليه منة عظيمة ووجب عليه شكرهم فألزم نفسه ذلك لئلا يغضبهم عليه فيعزلوه عن القضاء ولم يلتفت إلى غضب مولاه فقطع أموال اليتامي والأرامل والفقراء والمساكين وأمال الوقت والمجاهدين وأهل الشرف بالحرمين وأموالا يعود نفعها على جميع المسلمين فأرضى به الكاتب والحاجب والخادم فأكل الحرام وكثر الداعي عليه بالويل لمن أورثه علمه هذه الأخلاق هذا العلم الذي استعاذ منه النبي ﷺ وأمر أن يستعاذ منه، وهذا العلم الذي قال فيه ﵇: "إن أشد الناس عذابا يوم القيامة لم ينفعه الله بعلمه" وكان ﷺ يقول: "اللهم أعوذ بك من علم لا ينفع ومن قلب لا يخشع ومن نفس لا تشبع ومن دعاء لا يسمع" وكان ﵇ يقول: "اللهم إني أسألك علما نافعا وأعوذ بك من علم لا ينفع" هذا كله من كلام الإمام أبي بكر الآجري ﵀ وكان في أوائل الثلاثمائة ولم يزل الفساد يتزايد على ما ذكره أضعافًا مضاعفة ولا حول ولا قوة إلا بالله، ومن دقيق آفات حب الشرف بطلب

стр. 6383

الولايات والحرص عليها وهو باب غامض لا يعرفه إلا العلماء بالله تعالى العارفون به المحبون له الذين يعادون له من جهال حلقه المزاحمين لربوبيته وإلاهيته مع حقارتهم وسقوط منزلتهم، العرافين كما كان الحسن ﵀ يقول فيهم: وإن طقطقت بهم البغال وهملجت بهم البراذين فإن ذل المعصية في رقابهم أبى الله إلا أن يذل من عصاه، أ. هـ. وكان بعض المتقدمين قاضيا فرأى في منامه كأن قائلا يقول أنت قاض والله قاض فاستيقظ منزعجا وخرج عن القضاء، وكان طائفة من القضاة الورعين يمنعون الناس أن يدعوهم بقاضي القضاة فإن هذا الاسم يشبه ملك الملوك الذي ذم النبي ﷺ التسمية به، وقال لا مالك إلا الله وحاكم الحكام مثله أو أشد ومنهم من كان لا يريد الولاية إلا للاستعانة بها على الدعوى إلى الله وحده، وكان بعض الصالحين يتولى القضاء ويقول: انا أتولاه لأستعين به على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ولهذا كانت الرسل وأتباعهم يصبرون على الأذى في الدعوى إلى الله تعالى ويتحملون في تنفيذ أوامر الله تعالى من الخلق غاية المشقة وهم صابرون بل راضون بذلك فإن المحب ربنا يتلذذ بما يصيبه من الأذى في رضى محبوبه، أ. هـ قاله ابن رجب الحنبلي أيضًا (١). فائدة في شروط القضاء: ومن شرط القاضي أن يكون مجتهدا فلا يولى الجاهل بالأحكام الشرعية، وقال أبو حنيفة يجوز تولية العامي ثم يسأل أهل العلم، وشرط القاضي أن يكون مسلما فلا يجوز تولية الكافر لا على

стр. 6384

المسلمين ولا على الكافرين وأن يكون مكلفا فلا يولى الصبي ولا المجنون لنقصهما وأن يكون حرا فلا يصح ولاية العبد ولا من فيه رق، وأن يكون ذكرا فلا تصح ولاية المرأة وجوزه أبو حنيفة فقال الاصطخري ينقض قضاؤها وخالفه غيره وأن يكون عدلا فلا يولى فاسق بما لا شبهة له فيه، وأن. اللوحة [١٦٦/ أ] يكون سميعًا بصيرًا فلا يولى ضدها وصحح مالك وابن أبي عصرون ولاية الأعمى لأن النبي ﷺ استخلف ابن أم مكتوم على المدينة، والجواب: أنه كان في إمامة الصلاة دون الحكم لكن روى الطبراني في معجمه الكبير أن النبي ﷺ استخلفه على الصلاة وغيرها من أمور المدينة، وقال مالك: خصال القضاء لا تجتمع في أحد فإذا اجتمع في شخص خصلتان رأيت أن يولى العقل والورع فمن شأن ابن آدم أن لا يعلم كل شيء، ومن شأنه أن يعلم ثم يزيده الله علما (١)، أ. هـ قاله في الديباجة. ٣٢٨٣ - وعن بريدة ﵁ عن النبي ﷺ قال القضاة ثلاثة واحد في الجنة واثنان في النار فأما الذي في الجنة فرجل عرف الحق فقضى به ورجل عرف الحق فجار في الحكم فهو في النار ورجل قضى للناس على جهل فهو في النار، رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه (٢).

стр. 6385

قوله: وعن بريدة ﵁[هو بريدة بن الحصيب رضى الله عنه تقدم الكلام عليه]. قوله ﷺ : "القضاة ثلاثة واحد في الجنة واثنان في النار" تحذير من القضاء، والقضاء من المناصب والولايات الدينية وهو فرض كفاية على الناس كالإمامة الكبرى حفظا لحقوقهم وحراسة لأمورهم من الانحلال، وكل ذم أو وعيد ورد فيهما فهو راجع إلى من فرط أو أساء في تصرفاتهما والله أعلم، قاله في شرح الإلمام (١)، فانظر كيف جعل في الجنة من الثلاثة واحد، وإذا صفا لك من زمانك واحد فهو المراد، فأين ذلك الواحد، أما اللذان هما من أهل النار أحدهما ينصب نفسه للقضاء وليس بأهل له لجهله بالعلم فيخلط ويشوب الحلال بالحرام ويبدل فهو في النار لأنه أحل ما حرم الله وحرم ما أحل الله من الفروج والدماء والأموال، أ. هـ. قال العلماء (٢): كل من ليس بأهل للحكم فلا يحل له الحكم وإن حكم فهو آثم ولا ينفذ حكمه سواء وافق أم لا لأن إصابته اتفاقية ليست صادرة عن أصل شرعي فهو عاص في جميع أحكامه سواء وافق الصواب أم لا وهي مردودة كلها ولا يعذر في شيء من ذلك والله أعلم ذكره الشيخ تقي الدين الحصني والقاضي.

стр. 6386

الثاني: هو أهل للقضاء متضلع به لفضله وعلمه ولكنه يحيف ويسقط ولا يبالي في ذات الله فالنار أولى به، والثالث: هو أهل للقضاء والفضل لمكان علمه وفضله وديانته ويعدل في قضاياه وينصف في أحكامه فهو من أهل الجنة انتهى. لطيفة: روينا عن عبد الله بن المبارك أنه كان يتجر ويقول: لولا خمسة ما اتجرت السفيانان وفضيل وابن السماك وابن علية ليصلهم فقدم سنة فقيل له: ولي ابن علية القضاء فلم يأته ولم يصله بشيء فأتى إليه ابن علية فلم يرفع رأسه إليه ثم كتب إليه ابن المبارك: يا جاعل العلم له بازيا ... يصطاد أموال المساكين اختلت للدنيا ولذاتها ... بحيلة تذهب بالدين فصرت مجنونا بها بعدما ... كنت دواء للمجانين أين رواياتك في سردها ... لترك أبواب السلاطين أين رواياتك فيما مضى ... عن ابن فرعون وابن سيرين إن قلت أكرهت فهذا باطل ... ذل حمار العلم في الطين (١) فلما وقف إسماعيل بن علية على الأبيات ذهب إلى الرشيد ولم يزل به إلى أن استعفاه من القضاء فأعفاه، قاله في حياة الحيوان (٢). ٣٢٨٤ - وعن عبد الله بن موهب أن عثمان بن عفان ﵁ قال لابن عمر اذهب فكن قاضيا قال أو تعفيني يا أمير المؤمنين قال اذهب فاقض بين الناس
следующие страницы →